بمال منها، وذلك لثقتهم بموعود الله في الرزق وغروب أنفسهم عن التعلق بغضارة الدنيا. وقد كان أشياخي من ارتقى إلى هذه المنزلة فما ادَّخر قط شيئاً لغد ولا نظر بمؤخر عينه إلى أحد، ولا ربط على الدنيا بيد.
فههنا ثلاثة أصناف من الخلق الأعم الأكثر، وهم أهل الحظوظ البشرية، والقليل وهم الذين ضعفت فيهم حظوظهم، والأقل الأندر وهم الذي زالت منهم تلك الحظوط. وقد أفادتنا السنة العملية المتقدمة في كلام الإمام ابن العربي أن لأهل الصنف الثاني أن يخرجوا عن كثير من أموالهم على مقدار ما بقي من حظوظهم، وأن لأهل الصنف الثالث أن يخرجوا منها كلها، وأما أهل الصنف الأول فلا يخرجون من الوسط الذي ينته الآية.
وقد جاءت الآية الكريمة على مقتضى حال الأعم الأكثر لأنها قاعدة عامة في سياسة الإنفاق، وشأن القواعد العامة أن يعتبر فيها جانب الأعم الغالب ولا يلتفت للنادر. وقد وكل للنبي ﵌ بيانه، فجاء مبيناً فيما تقدم من سنته. وتقررت القاعدة واستثناؤها من الكتاب والسنة وهما مصدر التشريع.
تَفَاوُتِ الْأَرْزَاقِ مِنْ حِكْمَةِ الْخَلَّاقِ:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (١)
لما أرشدنا تعالى إلى السلوك الأقوم في العمل في باب الإنفاق أرشدنا إلى العقد الصحيح في مسألة تفاوت الأرزاق وفي ذلك تمام الهداية إلى الإستقامة في الظاهر والباطن.
стр. 247
وأن أحوال العباد في الغنى والفقر والسعة والضيق وتعاقبها عليهم بسرعة وبمهل، وتفاوتهم فيها لما يخفي ولما يظهر من العلل- لأمر عجب عجاب يحير الألباب. فعلَّمنا الله تعالى في هذه الآية أنَّ الربَّ هو الذي يربي المربوب في أحواله وأطواره بمقتضى الإصلاح والصواب هو الذي يبسط ويوسع على من يشاء- ولا يشاء إلاَّ ما هو حق وعدل وصواب وإن خفي علينا وجهه- ويقدر، أي يضيق على من يشاء، وكل أحد هو حقيق بالحال الذي هو فيه. وأنه كان بعباده خبيراً مطلعاً على دواخل أمورهم وبواطن أسرارهم من أنفسهم، ومما يرتبط بهم ومن سوابقهم ومصائرهم بصيراً منكشفة له جميع أمورهم.
وكما أنه بالعمل بآية الإنفاق ينتظم أمر العباد في معاشهم، كذلك بالإيمان بهذه العقيدة تزول حيرتهم وتطمئن قلوبهم فيما يرونه من أحوال الرزق في أنفسهم وفي غيرهم. والله يبصر القلوب ويقوم الأعمال إنه سميع مجيب (١).
..
стр. 248
حِفْظُ النُّفُوْسُ بِحِفْظِ النَّسْلِ وَحِفْظُ الْفَرَجِ وَعَدَمِ الْعُدْوَانِ
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا، وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (١).
ــ
إن الأرواح الإنسانية كريمة الجوهر لأنها من عالم النور، فقد خلقت من نفخ الملك كما في حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيح: ((أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح .. الخ) والملائكة- كما في الصحيح- خلقوا من النور. وإنها كريمة الخلقة أيضاً لأنها فطرت على الكمال، ولذا أضافها الله تعالى إلى نفسه في معرض الامتنان في قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ دع ما يطرأ عليها بعد اتصالها بالبدن من تزكية ترقى بها في معارج الكمال أو تدسية تنحط بها إلى أسفل سافلين. وبعد ارتباطها بالبدن يتكون منهما المخلوق العظيم العجيب
стр. 249
المسمى بالإنسان، الذي جعل الله تعالى خليفة في الأرض ليعمرها ويستثمرها. ويعبرها إلى دار الكمال الحق والحياة الدائمة الأبدية.
هذه النفوس البشرية جاءت الشرائع السماوية كلها بإيجاب حفظها، فكان حفظها أصلاً قطعياً وكلية عامة في الدين، وجاءت هذه الآيات في تقرير هذا الحفظ من وجوه ثلاثة سنتكلم عليها واحداً واحداً:
١ - حفط النسل:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.
العرب في زمان البعثة هم المخاطبون قبل الناس بالقرآن، وهم المأمورون أول الناس- لعموم الرسالة- بالبلاغ، وعلى اهتدائهم كان يتوقف اهتداء غيرهم، فمن الحكمة توجه القصد إلى تطهيرهم من مفاسدهم، وقد كانوا في الجاهلية منهم من يقتل البنات خشية الفقر وليوفر ما ينفق عليهن لينفقه على نفسه وبيته وبنيه، ويرى النفقة عليهن ضائعة لأنه لا ينتظر منهن سعياً للكسب ولا نصرة على العدو، وهذه هي المؤودة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ على أنه قد كان من ساداتهم من يحي المؤودة فيشتريها من عند أبيها وينجيها من القتل. كزيد بن نفيل القرشي أبي سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين ﵃، وصعصعة ابن ناجية التميمي الصحابي جد الفرزدق الشاعر المشهور. وقد كان قتل البنات شائعاً فيهم مستفيضاً ومنهم- كما في "لسان العرب"- من كان يئد البنين عند المجاعة، فجاء النهي عن القتل في الآية متعلقاً بلفظ الولد شاملاً للبنات والبنين، ومعه السبب الذي كان يحملهم على القتل وهو
стр. 250
خشية الإملاق: أي خوف الفقر والإقتار، والمملق هو الذي خرج ماله من يده فلم يبق بها شيء، ومن مادته الملقة وهي الصفاة الملساء. فنهوا عن هذا القتل الفظيع مع ذكر سببه لتصوير حالتهم بوجه تام وليتخلص من ذكر السبب إلى إبطاله ورده.
معالجة هذه الرذيلة: بإبطال سببها، وعظيم قبحها، وسوء عاقبتها:
أبطل تعالى خوفهم من الفقر بقول: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فأخبر أن رزق الجميع عليه، وأنه متكفل برزق خلقه بما يسر لهم من أسباب جلية أو خفية، لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى والكبير والصغير. كما أنَّه تعالى هو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، كما في الآية السابقة، فهما مرتبطتان بهذه المناسبة، ومن ضلالهم أنَّهم نظروا إلى قوة الكبير فحسبوه مرزوقاً من نفسه فهداهم بقوله: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى أن الكبار مرزوقون من الله بتقديره وتيسيره. ولما كان لا فرق بين الكبير والصغير في الحاجة إلى لطف الله وضمان الرزق من الله فلا وجه لخوف الفقر من وجود الأولاد وكثرتهم، لأنه ما من واحد منهم إلا ورزقه مضمون من خالقه ﷻ .
وبيَّن تعالى فظاعة هذا القتل بقوله: ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ بإضافة الأولاد إليهم، فإن الأولاد أفلاذ الأكباد، وبضعة من لحم المرء ودمه، ونسخة من ذاته، فمحبتهم فطرة، والعطف التام عليهم خلقة، فكيف يكون قبح وفظاعة فعل من بلغ بهم القتل. وأي خير يرجى من قاتل ولده لغيره من الناس بعد ما جنى أفظع الجنايات على ألصق الناس به.
وبين تعالى سوء العاقبة لهذا القتل بقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أي إثماً كبيراً لما فيه من قتل النفس وقطع النسل وهلاك الجنس وخراب العمران وسوء الظن بالله وعدم خشيته وعدم الشفقة على خلقه، يقال خطىء يخطأ خطئاً إذا قصد الفعل القبيح ففعله. وأخطأ
стр. 251
يخطيء خطئاً إذا قصد شيأً فأصاب غير .. ومن مثل وعيد الآية ما ثبت في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أن النبي- ﵌ سئل أي ذنب أعظم قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك.
عموم حكم الآية وترغيبها:
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والحكم يعم بعموم اللفظ كما أن ذكر سبب القتل في الآية لا يقتضي التخصيص لأنه ذكر لتصوير الحال الذي كانوا عليه، فالقتل حرام لأي سبب كان.
وهذا الفعل الذي كان في الجاهلية على الوجه المتقدم، وهو فعل مؤد إلى قطع النسل وخراب العمران، لا تسلم منه الأمم الأخرى في مختلف الأزمنة والبلدان، إما بالقتل بعد الولادة وإما بإفساد الحمل بعد التخليق، وهو حرام باتفاق. وقد يكون بالإمتناع من التزوج أو بعدم الإنزال في الفرج وهو العزل. والآية كما نهت عن القتل قد رغبت في النسل بذكر ضمان الرزق، فعلى المؤمن أن يسعى لذلك من طريقه المشروع وأن يتلقى ما يعطيه الله من نسل ابن أو بنت بفرح لنعمة الله وثقة برزق الله وإيمان بوعده.
٢ - حفظ الفرج:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
في الزنا إراقة للنطفة وسفح لها في غير محلها، فلو كان منها ولد لكان مقطوع النسب مقطوع الصلة ساقط الحق. فمن تسبب في وجوده على هذه الحالة فكأنه قتله. ولهذا بعد ما نهى عن قتل الأولاد نهى عن الزنا الذي هو كقتلهم لأنه سبب لوجودهم غير مشروع. قال الجوهري: "قربته أقربه قربانا أي دنوت منه" فقوله تعالى:
стр. 252
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ أبلغ في النهي من ولا تزنوا، لأنه بمعنى ولا تدنوا من الزنا. وأفاد هذا تحريم الزنا وتحريم الدنو منه، لا بالقلب ولا بالجوارح، فقد جاء في الصحيح: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة. العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليدان زناهما البطش والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى. ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه". فزنا هذه الجوارح دنو من الزنا الحقيقي ومؤد إليه، وقد حمى الشرع الشريف العباد من هذه الفاحشة بما فرض من الحجاب الشرعي. وهو ستر الحرة ما عدا وجهها وكفيها وجمع ثيابها عند الخروج بالتجلبب، وبما حرم من تطيب المرأة وقعقعة حليها عند الخروج، وخلوتها بالأجنبي واختلاط النساء بالرجال، فتضامر النهي والتشريع على أبعاد الخلق عن هذه الرذيلة. والمسلم المسلم من تحرى مقتضى هذا النهي وهذا التشريع في الترك والإبتعاد.
معالجة هذه الرذيلة، بتقبيحها، وسوء عاقبتها:
بين تعالى قبحها بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. والفاحشة هي الرذيلة التي تجاوزت الحد في القبح، وعظم قبح الزنا مركوز في العقول من أصل الفطرة كان ولم يزل كذلك معروفاً. ومن رحمة الله تعالى بخلقه أن ركز في فطرهم إدراك أصول القبائح والمحاسن- ليسهل انقيادهم للشرع عندما تدعوهم الرسل إلى فعل المحاسن وترك القبائح وتأتيهم بما هو معروف في الحسن أو القبح لهم، فتبين لهم حكم الله فيه وما لهم من الثواب أو العقاب عليه.
وبيَّن تعالى سوء عاقبة الزنا بقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي بئس طريقاً طريقه. طريق مؤد إلى شرور ومفاسد كثيرة في الدنيا، وعذاب عظيم في الآخرة، فهو طريق إلى هلاك الأبدان وفساد الأعراض، وضياع الأموال وخراب البيوت وانقطاع الأنساب وفساد المجتمع
стр. 253
وانقراضه زيادة على ما فيه من معنى القتل للنفوس الذي تقدم في صدر الكلام ...
فعلى المؤمن إذا وسوس له الشيطان بهذه الرذيلة أن يتعوذ بالله منه ويستحضر قبحها، والمفاسد التي تجر إليها، والإثم الكبير الذي يعقبها، وقبل ذلك كله حرمة النهي الشرعي عنها فيكون ذلك له - بإذن الله- وقاية منها.
٣ - عدم العدوان:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
جاء أسلوب هذه الآيات تدرجاً من الخاص إلى العام فقتل الأولاد قتل للنفس التي حرم الله، والزنا كالقتل للنفس كما قدمناه. وجيء هنا بالنهي الصريح عن قتل النفس وأكد مقتضى النهي بوصف النفس بقوله: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ والتحريم هو المنع، فحرم الله معناه منع الله، والتقدير حرم الله قتلها، فحذف لدلالة ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ عليه فالمنهي عنه هو القتل والمحرم هو القتل، فتأكد المنع بالنهي والتحريم. وفي إسناد التحريم إلى الله بعث للنفوس على الخشية من الإقدام على المخالفة وتنبيه لها على ما يكفها عن الإقدام، وهو استشعار عظمة الله.
القتل المحرم:
بيَّن تعالى بقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أن القتل المحرم هو القتل بالباطل، وأن القتل بالحق ليس بمنهي عنه. وبين الحق في الحديث الصحيح بقوله ﷺ "لا يحل دم امرى مسلم إلا بإحدى ثلاث: الزاني الثيب، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق
стр. 254
للجماعة) في غير هذه الثلاث أو يقال يتقدم هذا الحصر في الورود عليها، وهذا القتل الحق لا يتولاه أفراد الناس في بعضهم وإنما يتولاه الإمام الذي إليه القيام بتنفيذ الأحكام وفصل الحقوق.
الردع عن العدوان بشرع القصاص:
القتل وسفك الدم عمل قديم في البشر فلهم- على الجملة- ضراوة عليه وألف به. وأعظم ما يكف الشخص عن نفس أخيه خوفه على نفسه، فلذلك شرع الله تعالى القصاص بين النفوس وبين تعالى ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ المظلوم من قتل عمداً عدواناً، والولي هو القريب، والسلطان هو التسلط- والمعنى: ومن قتل عمداً عدواناً فقد جعلنا لقريبه تسلطاً بتمكينه من القصاص.
لا يحفظ النفوس إلا العدل:
كفاء النفس نفس فلا يقتل إلا القاتل بما قتل دون غيره ودون تمثيل به، وبين تعالى هذا بقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ أي لا يتجاوز القصاص المشروع، لأن الإسراف ظلم ومثير للحفائط فيتسلسل الشر.
تسكين نفس الموتور:
الموتور هو من قتل قريبه، ولفقد القريب لوعة ربما تذهب بالنفس إلى شر غاية، فذكر بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ فإن قريب المقتول قد نصره الله بما جعل له من القصاص، فإذا لم يستوف له في الدنيا إستوفى له في الأخرى.
والمؤمن بيقينه لا يرى يوم القيامة إلا قريباً. وكفى بالله حسيباً (١).
стр. 255
حِفْظُ الْأَمْوَالِ بِاحْتِرَامِ الْمِلْكِيَّةِ
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ... ﴾ (١).
ــ
مال الشخص هو ما كان ملكاً له. واليتيم هو من عدم أباه، من اليتم، بمعنى الإنفراد، ومنه الدرة اليتيمة. ومن عدم أباه فقد عدم ناصره. فإذا بلغ النكاح فقد بلغ القوة فاستغنى عن الناصر فلا يقال فيه يتيم في اللغة. واعتبر الشرع الشريف وجود قوة العقل فمنع استقلاله ودفع ماله إليه بعد البلوغ حتى يؤنس منه الرشد. والتي أحسن: الفعلة والخصلة التي هي أنفع، والبلوغ إلى الشيء الوصول والإنتهاء إليه. والأشد، جمع شدة، كأنعم جمع نعمة، فالأشد هو القوي، وبلوغ الأشد هو بلوغ القوي والوصول إلى الحالة التي تحصل فيها القوى للإنسان، القوى البدنية والقوى العقلية. ولا يقال في الشخص قد بلغ أشده إلا إذا حصل على قواه من الجهتين فأما القوى البدنية فعلامة حصولها هو البلوغ. وأما القوى العقلية فعلامة حصولها هو الرشد الذي يظهر في حسن التصرف، وقد جمع العلامتين قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢).
стр. 256
فابتداء الأشد من البلوغ إذا كان معه رشد، ولا يزال يتدرج حتى يستكمل في الأربعين كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. فالأربعون هي سن الإستكمال والإستواء والتمام في القوى، وهي السن التي بعث الله فيها النبي ﵌ للعالمين بشيراً ونذيراً، ولا يزال الإنسان في قوته - ما لم تعرض الطوارىء- إلى الخمسين، قال الشاعر (٢):
أَخُو الْخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي ... وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤُونِ
ثم يأخذ في التراجع.
مال المرء كقطعة من بدنه ويدافع عنه كما يدافع عن نفسه. وبه قوام أعماله في حياته. فالأموال مقرونة بالنفوس كما في الإعتبار، فقرنت في النظم آية حفظ الأموال بآيات حفظ النفوس، كما قرن بينهما النبي ﵌ في قوله: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام.
نهى تعالى عن قربان مال اليتيم إلا بالوجه الذي هو أنفع، فلا بد لكافل اليتيم من النظر والتحري عند التصرف في ماله حتى يعرف ما هو ضار وما هو نافع وما هو ضار ولا نافع وما هو أنفع فلا يتصرف إلا بما هو نافع، فإذا تعارض وجهان نافعان تحرى أنفعها لليتيم، وفي هذا النهي- بطريق الأحرى- تحريم أخذ مال اليتيم بالباطل والتعدي عليه ظلماً. ومثل اليتيم في وجهي النهي المتقدمين غيره، فكل ذي ولاية أو أمانة على مال غيره يجب عليه أن يتحرى التحريم المذكور. كما يحرم على كل أحد أن يتعدى على مال غيره. وإنما
стр. 257
خص اليتيم بالذكر لأنه ضعيف لا ناصر له، والنفوس أشد طمعاً في مال الضعيف، فالعناية به أوكد والعقوبة عليه أشد. ومن تأدب بأدب الآية في مال الضعيف، كاليتيم، كان حقيقاً أن يتأدب بأدبها في مال غيره. ومن بليغ إيجاز القرآن في بيانه أنه يذكر الشيء ليدل به على نظيره، أو الذي هو أحرى بالحكم منه، أو لكون امتثال الحكم الشرعي فيه داعياً إلى امتثاله في غيره بالمساواة أو الأحْروية.
وأجاز تعالى لولي اليتيم أن يتصرف في ماله بالإستثناء في قوله: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فيجوز له تنميته لليتيم بوجوه التجارة.
الولاية والاستقلال:
الولاية على اليتيم واستقلاله حالتان كلتاهما حق وخير إذا كانت كل واحدة منها في وقتها المناسب لها. وكل واحدة منهما تكون ظلماً وشراً إذا كانت في غير وقتها فلذلك بيّن تعالى الحالتين ووقتها بما قبل ﴿حَتَّى﴾ وما بعدها، فوقت عدم بلوغ الأشد هو وقت الولاية، فمن الفروض الكفائية على الأمة أن يكون أيتامها مكفولين غير مهملين. ووقت بلوغ الأشد- ببلوغ الحلم والرشد- هو وقت استقلال من كان يتيماً ووقت دفع ماله إليه، فلا يجوز حينئذ الإستيلاء على ماله والسيطرة عليه.
الوفاء بالعهد:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (١). أوفى بعهد إذا أتى بما التزم تاماً وافياً. والعهد من عهد إليه بالشيء إذا أعلمه به. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ
стр. 258
قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (١) أي أعلمناه. فالعهد هو الإعلام بالإلتزام أو الإعلام بما يلتزم. فمن الأول: عاهدت زيداً على كذا، أي أعلمته بالتزامي له، وتعاهد القوم على الموت، أي أعلم بعضهم بعضاً بالتزامه، ومن الثاني: عهد الله إلى العباد إلى أعلامهم بما عليهم أن يلتزموه. وقول عبد الله ابن عمر ﵁: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم. أي إعلامه لنا وإعلامنا لكم بما يلتزم. والمسؤول من سأل. وسأل بمعنى طلب، إما طلب علماً وإما طلب شيئاً، فإن كانت الأولى تعدى الفعل إلى المفعول الثاني بعد، تقول سألته عن كذا فأجابني، وإن كانت الثانية تعدى الفعل إليه بنفسه، تقول: سألته ثوباً فأعطانيه. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، إذا كان من الأولى فالأصل مسؤولاً عنه فحذف إيجازاً لظهور المراد. وإذا كان من الثاني فلا حذف، والمعنى حينئذ مطلوب أي مطلوب الوفاء به.
الوفاء بالعهد شرط ضروري لحصول السعادتين:
عهد الله تعالى لعباده هو ما شرعه لهم من دينه فوفاؤهم بعهده قيام بأعباء ذلك الدين الكريم وانتظام شؤونهم في هذه الحياة - أفراداً وجماعات وأمماً- متوقف على الوفاء من بعضهم لبعض بما بينهم من عهود، فالوفاء ضروري لنجاة العباد مع خالقهم ولسلامتهم من الشرور والفوضى والفتن. وضروري- إذا- لتحصيل سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
ولمكانة هذا الأصل وضرورته تكرر في الكتاب والسنة الأمر به على وجه عام بين الأفراد والأمم بلا فرق بين الأجناس، والملل. وجاء هنا في آية الوصاية باليتيم، وهي آية حفظ الأموال باحترام الملكية،
стр. 259
لوجهين: الأول أن الكامل لليتيم قد أعلن بكفالته- بلسان حاله- أنه ملتزم لحفظه في بدنه وماله، فهذا عهد منه يطالب بالوفاء به ويسأل عن ذلك الوفاء، الثاني أن الآية في حفظ الأموال وعدم التعدي على ملك أحد، والناس يتعاملون بحكم الضرورة ويبنون تعاملهم على تبادل الثقة والعهود المبذولة من بعضهم لبعض بلسان المقال أو بلسان الحال، فأمروا بالوفاء بالعهد الذي هو أساس للتعامل، وفي ذلك سلامة مال كل أحد من التعدي عليه.
ولا ينافي هذا عموم اللفظ الذي يقتضي الأمر بالوفاء عاماً لأنه باق على عمومه، وإنما يدخل فيه هذان الوجهان المذكوران في ارتباط النظم دخولاً أولياً. ومن بديع إيجاز القرآن في نظم الآيات أن يؤتي باللفظ مفيداً للعام ومقوياً للخاص.
الترغيب في الوفاء والترهيب من الخيانة:
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾
إذا كان مسؤول بمعنى مطلوب، أي مطلوب الوفاء به، فإنه مطلوب في الفطرة وهي الشريعة، فالعباد فطروا على استحسان الوفاء ومطالبة بعضهم بعضاً به، والشرع طالبهم بالوفاء وشرعه لهم ووعدهم الثواب عليه. ففي قوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ترغيب لهم في الوفاء بحسنه ومشروعيته وحسن الجزاء عليه. ويتضمن هذا الترغيب بالتخويف من ترك الترغيب بالتخويف من ترك المطلوب. وإذا كان مسؤول بمعنى مسؤول عنه فإن المعنى أن الله تعالى يسأل العباد يوم القيامة عن عهودهم هل أوفوا بها ليجازيهم على الوفاء بحسن الجزاء، وعلى الخيانة بالعذاب والإهانة، فينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ويقال هذه غدرة فلان كما جاء في الصحيح. ففي الآية على هذا- أيضاً- ترغيب وترهيب.
стр. 260
إيفاء الحقوق عند التعامل:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).
إيفاء الكيل إتمامه، والقسطاس هو الآلة التي يحصل بها الإيفاء من المكيال والميزان على تعدد أنواعهما، والمستقيم الصحيح الذي لا عيب فيه، ومما يجعله غير صالح للوفاء بالعدل كسره أو اعوجاجه أو أي خلل في تركيبه. والخير: النافع. والتأويل: مصدر أول، بمعنى رجع، من آل يؤول أولاً، بمعنى رجع، وهو هنا بمعنى المرجع والمئال، أي العاقبة.
الأمر بإيفاء الكيل من موضوع ما قبله في الأمر بحفظ الأموال واحترام الملكية. والمكيلات والموزونات مورد عظيم للتعامل، ومعرضة تعريضاً كبيراً للبخس والتطفيف وأخذ مال الناس بالزيادة أو بالتنقيص، إما بفعل الشخص وإما بفساد الآلة، فأمر تعالى بإيفاء الكيل وأمر باختيار الآلة الصالحة لذلك، وبين أن الوفاء يكون عند الكيل بقوله: ﴿إِذَا كِلْتُمْ﴾ على سبيل التأكيد، حتى لا يتأخر الوفاء عن الكيل بأن يكتل ما نقص أو يرد ما زاد، فإن الذي يفصل الحق ويطيب النفوس هو الوفاء وقت الكيل.
الترغيب في إيفاء الكيل:
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
رغب تعالى في الإيفاء بوجهين. الأول: أنه خير، فيفيد العدل والحق وأكل الحلال وراحة البال، وفيه حصول الثقة التي هي رأس مال التاجر، وفيه حفظ نظام التعامل الذي هو ضروري للحياة، وهذه
стр. 261
كلها وجوه نفع وخير. الثاني: أنه أحسن عاقبة عاجلاً في نفس الشخص وأخلاقه وفي عرضه وسمعته وفي سلامته من المطالبات والمنازعات، وآجلاً بحسن جزائه عند الله بما أعد للموفين من الأجر العظيم.
تركيب على هذا الترغيب:
هذان الوجهان اللذان رغب الله تعالى بهما في الوفاء- ينبغي للعاقل أن يجعلهما نصب عينيه في كل ما يتناوله ويعمله، فيقتصر على ما هو خير ينفعه في الحال، وحسن العاقبة بنفعه وعدم ضرره في المال. والله يوفقنا إلى خير الأقوال والأعمال إنه الكريم الواسع النوال (١).
стр. 262
الْعِلْمُ وَالْأَخْلاقُ
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (١).
ــ
المناسبة:
العلم الصحيح والخلق المتين هما الأصلان اللذان ينبغي عليهما كمال الإنسان. وبهما يضطلع بأعباء ما تضمنته الآيات المتقدمة من أصول التكليف، فهما أعظم مما تقدمهما من حيث توقفه عليهما، فجيء بهما بعده ليكون الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى. ولما كان العلم أساس الأخلاق قدمت آيته على آيتها تقديم الأصل على الفرع.
آية العلم
المفردات والتراكيب:
القفو: إتباع الأثر، تقول: قفوته أقفوه إذا اتبعت أثره. والمتبع للأثر شخص موال في سيره لناحية قفاه، فهو يتبعه دون علم بوجهة ذهابه ولا نهاية سيره. فالقفو إتباع عن غير علم، فهو أخص من مطلق
стр. 263
الإتباع، ولذلك اختيرت مادته هنا. ولكونه اتباعاً بغير علم جاء في كلام العرب بمعنى قول الباطل قال جرير:
وَطَالَ حِذَارِي غُرْبَةَ البَيْنِ وَالنَّوَى ... وَأُحْدُوثَةٌ مِنْ كَاشِحٍ يَتَقَوَّفُ (١)
أي متقول بالباطن.
والعلم إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة. سواء كانت تلك البيتة حساً ومشاهدة أو برهاناً عقلياً، كدلالة الأثر على المؤثر والصنعة على الصانع، فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن، هذا هو الأصل، ويطلق العلم أيضاً على ما يكاد يقارب الجزم ويضعف فيه احتمال النقيض جداً. كما قال تعالى عن إخوة يوسف ﵇: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ (٣). فسمى القرآن إدراكه لما شاهدوا: علماً. لأنه إدراك كان يبلغ الجزم لأنبيائه على ظاهر الحال، وإن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه.
والسمع: القوة التي تدرك بها الأصوات بآلة الأذن. والبصر: القوة التي تدرك بها الأشخاص والألوان بآلة العين. وقدم السمع على البصر لأن به إدراك العلوم وتعلم النطق، فلا يقرأ ولا يكتب إلا من كان ذا سمع وقتاً من حياته. والفؤاد القلب. والمراد به هنا العقل من حيث اعتقاده لشيء ما. وإطلاق لفظ الفؤاد والقلب على العقل مجاز مشهور. وكان: تقيد ثبوت خبرها لاسمها وكونها على صورة الماضي لا يدل على انقضاء ذلك الإرتباط. ومثل هذا التركيب
стр. 264
يفيد في الإستعمال إستحقاق الإسم للخبر، فالجوارح مستحقة للسؤال ويكون ذلك بالفعل يوم القيامة. والمسؤول الموجه إليه السؤال ليجيب.
وأولئك إشارة إلى هذه الثلاثة، وضمير كان عائد على كل، وضمير عنه عائد على ما، وضمير مسؤولاً عائد على ما عاد عليه ضمير كان. والتقدير: كل واحد من هذه الثلاثة السمع والبصر والفؤاد كان مسؤولاً عما ليس لك به علم.
القلب ميزة الإنسان وأداة علمه:
يمتاز الحيوان عن الجماد بالإدراك، ويمتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل، وعقله هو القوة الروحية التي يكون بها التفكير، وتفكيره هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها، وأدرك نسب بعضها لبعض إيجاباً وسلباً وارتباط بعضها ببعض نفياً وثبوتاً، وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك الإرتباط على صورة مخصوصة ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول. فالتفكير إكتشاف المجهولات من طريق المعلومات، والمفكر مكتشف ما دام مفكراً.
ولما امتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل والتفكير- إمتاز عنه بالتنقل والتحول في أطوار حياته ونظم معيشته بمكتشفاته ومستنبطاته. فمن المشي على الأقدام إلى التحليق في الجو، مثلاً. وبقي سائر الحيوان على الحال التي خلق عليها دون أي انتقال.
وبقدر ما تكثر معلومات الإنسان ويصح إدراكه لحقائقها ولنسبها ويستقيم تنظيمه لها- تكثر اكتشافاته واستنباطاته في عالمي المحسوس والمعقول وقسمي العلوم والآداب. وهذا كما كان العرب والمسلمون أيام بل قرون مدنيتهم. عرَّبوا كتب الأمم إلى ما عندهم ونظروا وصححوا واستدركوا واكتشفوا. فأحيوا عصور علم من كانوا قبلهم
стр. 265
وأناروا بالعلم عصرهم ومهدوا الطريق ووضعوا الأسس لما جاء بعدهم. فأدُّوا لنوع الإنسان بالعلم والمدنية أعظم خدمة تؤديها له أمة في حالها وماضيها ومستقبلها، وكما نرى الغرب في مدنيته اليوم. ترجم كتب المسلمين فعرف علوم الأمم الخالية التي حفظتها العربية وأدتها بأمانة، وعرف علوم المسلمين ومكتشفاتهم فجاء هو أيضاً بمكتشفاته العجيبة التي هي ثمرة علوم الإنسانية من أيامها الأولى إلى عهده، وثمرة تفكيره ونظره فيها. وقد كانت مكتشفاته أكثر من مكتشفات جميع من تقدمه، كما كانت مكتشفات صدر هذا القرن أكثر من مكتشفات عجز القرن الماضي لتكاثر المعلومات. فإن المكتشفات تضم إلى المعلومات فتكثر المعلومات فيكثر ما يعقبها من المكتشفات على نسبة كثرتها. وهكذا يكون كل قرن ما دام التفكير عمالاً- أكثر معلومات ومكتشفات من الذي قبله.
فإذا قلت معلوماته قلت اكتشافاته. وهذا كما كان النوع الإنساني في أطواره الأولى.
وإذا كثرت معلوماته وأهمل النظر فيها بقي حيث هو جامداً، ثم لا يلبث أن تتلاشى من ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل. لأن المعلومات إذا لم تتعاهد بالنظر زالت من الحافظة شيئاً فشيئاً، وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في أيامها الأخيرة عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية- بسنة الله- بسقوطها. وإذا لم يصح إدراكه للحقائق أو لنسبها، أو لم يستقم تنظيمه لها كان ما يتوصل إليه بنظره خطأً في خطأٍ وفساداً في فسادٍ. ولا ينشأ عن هذين إلا الضرر في المحسوس والضلال في المعقول. وفي هذين هلاك الفرد والنوع جزئياً وكلياً من قريب أو من بعيد. وهذا هو طور انحطاط الأمم الإنحطاط التام، وذلك عندما يرتفع منها العلم ويفشو الجهل وتنتشر فيها الفوضى بأنواعها فتتخذ رؤوساً جهالاً لأمور دينها
стр. 266
وأمور دنياها فيقودونها بغير علم فيَضِلُّون ويُضَلَّون ويَهلَكون ويُهلِكون ويفسدون ولا يصلحون. وما أكثر هذا- على أخذه في الزوال بإذن الله- في أمم الشرق والإسلام اليوم.
العلم هو وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والإعتقادات:
سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطاً وثيقاً، يستقيم باستقامته ويعوج باعوجاجه ويعقم بعقمه. لأن أفعاله ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعراب عن تلك الإعتقادات، واعتقاداته ثمرة إدراكه الحاصل عن تفكيره ونظره.
وهذه الإدراكات الحاصلة عن التفكير والنظر ليست على درجة واحدة في القوة والضعف، فمنها ما هو قويٌّ معتبر، ومنها ما هو ضعيف ساقط عن الإعتبار، فالأول: العلم وهو إدراك أمر على وجه لا يحتمل أن يكون ذلك الأمر على وجه من الوجوه سواه وهو عام الإعتبار. ويليه الظن وهو إدراك لأمر على وجه هو أرجح الوجوه المحتملة، وهو معتبر عندما نتبين قوة رجحانه فيما لا يمكن فيه إلا ذاك، وهذه هي الحالة التي يطلق عليه فيها لفظ العلم مجازاً. والثاني: الوهم، وهو إدراك الأمر على الوجه المرجوح. والشك وهو إدراك الأمر على وجهين، وجوه متساوية في الإحتمال وكلا هذين لا يعوَّل عليه.
ولما كان الإنسان- بما فطر عليه من الضعف والإستعجال- كثيراً ما يبني أقواله وأفعاله واعتقاداته على شكوكه وأوهامه وعلى ظنونه حيث لا يكتفي بالظن، وفي هذا البناء الضرر والضلال. بين الله تعالى في محكم كتابه أنه لا يجوز لهم ولا يصح منهم البناء لأقوالهم وأعمالهم واعتقاداتهم إلا على إدراك واحد وهو العلم فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي لا تتبع
стр. 267
ما لا علم لك به، فلا يكن منك اتباع بالقول أو بالفعل أو بالقلب لما لا تعلم. فنهانا عن أن نعتقد إلاّ عن علم، أو نفعل إلاّ عن علم، أو نقول إلاّ عن علم. فما كل ما نسمعه وما كل ما نراه نطوي عليه عقد قلوبنا، بل علينا أن ننظر فيه ونفكر فإذا عرفناه عن بينة اعتقدناه وإلا تركناه حيث هو في دائرة الشكوك والأوهام أو الظنون التي لا تعتبر. ولا كل ما نسمعه أو نراه أو نتخيله أو نقوله، فكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع كما جاء في الصحيح، بل علينا أن نعرضه على محك الفكر فإن صرنا منه على علم قلناه، مراعين فيه آداب القول الشرعية ومقتضيات الزمان والمكان والحال.
فقد أمرنا أن نحدث الناس بما يفهمون، وما حدّث قوم بحديث لا تبلغه عقولهم إلاّ كان عليهم فتنة وإلا طرحناه. ولا كل فعل ظاهر لنا نفعله، بل حتى نعلم حكم الله تعالى فيه لنكون على بينة من خيره وشره ونفعه وضره، فما أمر تعالى إلاّ بما هو خير وصلاح لعباده، وما نهى تعالى إلاّ عما هو شر وفساد لهم أو مؤد إلى ذلك. وإذا كان من المباحثات نظرنا في نتائجه وعواقبه ووازنا بينها. فإذا علمنا بعد هذا كله من أمر ذلك الفعل ما يقتضي فعله فعلناه وإلا تركناه. فلا تكون عقائدنا- إذا تمسكنا بهذا الأصل الإسلامي العظيم- إلا حقاً، ولا تكون أقوالنا إلا صدقاً، ولا تكون أفعالنا إلا سداداً.
ولعمر الله إنه ما دخل الضلال في عقائد الناس ولا جرى الباطل والزور على ألسنتهم ولا كان الفساد والشر في أفعالهم إلا بإهمالهم أو تساهلهم في هذا الأصل العظيم.
تفصيل:
نهينا عن أن نتبع ما ليس لنا به علم، فالذي نتبعه هو ما لنا به علم، أي لنا علم يقتضي اتباعه بأن يكون من عقائد الحق وأقوال
стр. 268
الصدق وأفعال السداد. فأما ما كان من عقائد الحق في أمر الدين أو في أمر الدنيا فلا حضر في اعتقاد شيء منه. وأما ما كان من أفعال السداد فكذلك. وأما ما كان من أقوال الصدق ففيه تفصيل إذ ليس كل قول صادق يقال، فالنقائص الشخصية في الإنسان لا تقال في غيبته لأنها غيبة محرمة ولا يجابه بها في حضوره لأنها إذاية، إلا إذا وجَّه بها على وجه النصيحة بشروطها المعتبرة التي من أولها أن لا تكون في الملأ. وهكذا يجب في مثل هذه الأصول الكلية عندما يتفقه فيها أن ينظر فيما جاء من الآيات والأحاديث مما في البيان لها والتفصيل في مفاهيمها.
تفريع:
الفرع الأول: من اتبع ما ليس له به علم فاعتقد الباطل في أمر الدين أو في حق الناس أو قال الباطل كذلك فيهما، أو فعل المحضور فهو آثم من جهتين: إتباعه ما ليس له به علم، واعتقاده أو قوله للباطل وفعله للمحظور. ومن اعتقد حقاً من غير علم أو قال في الناس صدقاً عن غير علم أو فعل غير محظور عن غير علم فإنه- مع ذلك- آثم من جهة واحدة، وهي إتباعه ما ليس له به علم ومخالفته لمقتضى هذا النهي.
الفرع الثاني: المقلد في العقائد الذي لا دليل عنده أصلاً، وإنما يقول سمعت الناس يقولون فقلت- هذا آثم لاتباعه ما ليس له به علم. فأما إذا كان عنده دليل إجمالي كاستدلاله بوجود المخلوق على وجود خالقه فقد خرج من الإثم لتحصيل هذا الإستدلال له العلم. والمقلد في الفروع دون علم بأدلتها متبع لمفتيه فيها يصدق عليه باعتبار الأدلة التي يجهلها أنه متبع ما ليس له به علم. ولكنه له علم من ناحية أخرى وهي علمه بأن التقليد هو حكم الله تعالى في حق مثله من العوام بما أمر تعالى من سؤال أهل العلم وما رفع عن العاجز من الإصر وهو من العامة العاجزين عن درك أدلة الأحكام.
стр. 269
نصيحة على هذا الفرع:
أدلة العقائد مبسوطة كلها في القرآن العظيم بغاية البيان ونهاية التيسير. وأدلة الأحكام أصولها مذكورة كلها فيه، وبيانها وتفاصيلها في سنة النبي ﵌ الذي أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم. فحق على أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائدها الدينية وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم. إذ يجب على كل مكلف أن يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم. ولن يجد العامي الأدلة لعقائده سهلة قريبة إلا في كتاب الله، فهو الذي يجب على أهل العلم أن يرجعوا في تعليم العقائد للمسلمين إليه. أما الإعراض عن أدلة القرآن والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارات الإصطلاحية فإنه من الهجر لكتاب الله، وتصعيب طريق العلم إلى عباده وهم في أشد الحاجة إليه. وقد كان من نتيجة هذا ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه.
ومما ينبغي لأهل العلم أيضاً- إذا أفتوا أو أرشدوا- أن يذكروا أدلة القرآن والسنة لفتاويهم ومواعظهم ليقربوا المسلمين إلى أصل دينهم، ويذيقهم حلاوته، ويعرفوهم منزلته، ويجعلوه منهم دائماً على ذكر، وينيلوهم العلم والحكمة من قريب، ويكون لفتاواهم ومواعظهم رسوخ في القلوب وأثر في النفوس. فإلى القرآن والسنة - أيها العلماء- إن كنتم للخير تريدون.
الفرع الثالث: المجتهد إذا أفتى مستنداً إلى ما يفيد الظن من أخبار الآحاد أو الأقيسة أو النصوص الأخرى الظنية الدلالة- هل هو متبع لغير العلم. والجواب لا. بل هو متبع للعلم وذلك من ثلاث وجوه:
الوجه الأول: أنَّ كل دليل يكون ظنياً بمفرده- يصير يقيناً إذا عرض على كليات الشرع ومقاصده وشهدت له بالصواب. وهذا هو شأن المجتهدين في الأدلة الفردية.
стр. 270
الوجه الثاني: أن المجتهد يعتمد في الأخذ بالأدلة الظنية لما له من العلم بالأدلة الشرعية الدالة على اعتبارها.
الوجه الثالث: أن تلك الأدلة بمفردها تفيد الظن القوي الذي يكون جزماً ويسمى- كما تقدم علماً. فما اتبع المجتهد إلاَّ العلم.
الفرع الرابع: لا نعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي- ﵌ من الحديث الضعيف لأنه ليس لنا به علم، فإذا كان الحكم ثابتاً بالحديث الصحيح مثل قيام الليل ثم وجدنا حديثاً في فضل قيام الليل بذكر ثواب عليه مما يرغب فيه جاز عند الأكثر أن نذكره مع التنبيه على ضعفه الذي لم يكن شديداً على وجه الترغيب. ولو لم يكن الحكم قد ثبت لما جاز الإلتفات إليه وهذا هو معنى قولهم: "الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال" أي في ذكر فضائلها المرغبة فيها في أصل ثبوتها.
فما لم يثبت بالدليل الصحيح في نفسه لا يثبت بما جاء من الحديث الضعيف في ذكر فضائله باتفاق من أهل العلم أجمعين.
الفرع الخامس: أحوال ما بعد الموت كلها من الغيب فلا نقول فيها إلا ما كان لنا به علم بماء جاء في القرآن العظيم أو ثبت في الحديث الصحيح. وقد كثرت في تفاصيلها الأخبار من الروايات مما ليس بثابت، فلا يجوز الإلتفات إلى شيء من ذلك. ومثل هذا كل ما كان من عالم الغيب مثل الملائكة والجن والعرش والكرسي واللوح والقلم وأشراط الساعة وما لم يصل إليه علم البشر.
سؤال الجوارح يوم الهول الأكبر:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
стр. 271
من قال ما لم يسمع سئل يوم القيامة سمعه فشهد عليه. ومن قال رأيت ولم ير سئل بصره فشهد عليه. ومن قال عرفت ولم يعرف أو اعتقد ما لم يعلم سئل فؤاده فشهد عليه. لأنه في هذه الأحوال الثلاثة قد اتبع ما ليس له به علم. وهذه الشهادة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
هذه الثلاثة تسأل على وجوه منها ما تقدم وهو الذي يرتبط به هذا الكلام بما تقدم من النهي. ومنها سؤال السمع لِمَ سمع ما لا يحل ولِمَ لَمْ يسمع ما يجب، وسؤال البصر لِمَ رأى ما لا يحل، وعن جميع أعمال البصر من نظر البغض والإحتقار ونحو ذلك. وسؤال الفؤاد عما اعتقد وعما قصد وجميع أعمال القلوب.
فوائد ختام الآية:
فختام هذه الآية تأكيد للنهي السابق وتفصيل لطرق العلم وتنبيه على لزوم حفظها واحدة واحدة وترهيب للإنسان من اتباع ما لا يعلم بما يؤول إليه أمره من فضيحة يوم القيامة وخزي بشهادة جوارحه عليه.
فالله نسأل أن يجعلنا متبعين للعلم في جميع ما نعمل، ويثبتنا ما نعمل، ويثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. إنّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٢).
стр. 272
آيَةَ الْأَخْلَاقِ
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ... ﴾ (١).
ــ
المفردات والتركيب:
المرح مشية فيها خفة ونشاط واختيال ناشئة عن شدة فرح بالنفس، تقول العرب: أمرح الفرس فمرح فهو فرس مرح وممراح، إذا شبع فاخذ يمشي بخفة ونشاط واختيال. ويقال مرح الرجل إذا اختال في مشيته ونظر في عطفيه، ولا يكون ذلك إلا لفرحه بنفسه واعجابه بها. وخرق الأرض ثقبها، والطول ارتفاع القامة.
نصب مرحا بتمش لأنه متضمن له تضمن الكلي لجزئيه، إذ المرح جزئي من جزئيات المشي، فكأنه قال لا تمرح مرحا. ونظيره قول الشاعر:
يُعْجِبُهُ السَّخُونُ والبُرُودُ ... والتَّمْرُ حُبًّا مَا لَهُ مَزِيدُ
فنصب حباً بيعجب لأن الإعجاب متضمن للحب، أو نصب على أنه حال كجاءني زيد ركضاً. ونصب طولاً على أنه تمييز أي من جهة الطول. والتقدير: ولن يبلغ طولك طول الجبال.
التفسير:
حب الإنسان لنفسه غريزة فيه، وذلك يحمله على الإعجاب والفرح بها وبكل ما يصدر عنها ويستخفه ذلك حتى يتركه يمشي بين الناس مختالاً متبختراً، وهذه هي مشية المرح التي نهى الله
стр. 273
تعالى في هذه الآية عنها. ولما كانت هي فرعاً عن الإعجاب بالنفس والفرح بها فالنهي منصب على أصلها كما انصب عليها.
ولما كانت هذه العلة ناشئة عن علة العجب أعقب الله تعالى بيان الداء الذي نهى عنه بذكر الدواء الذي يقلعه من أصله. فقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. فذكر الإنسان بضعفه بين مخلوقين عظيمين من فوقه ومن تحته، فإذا ضرب برجليه الأرض في مرحه فهو لا يستطيع خرقها، وإذا تطاول بعنقه في اختياله فهو لن يبلغ طول الجبال. فقد أحاط به العجز من ناحيتيه، وذكر الإنسان لضعفه وعجزه أنجع دواء لمرض إعجابه بنفسه.
نعم الإنسان أعظم من الأرض والجبال بعقله، ولكنه لو سار على نور عقله لما مشى في الأرض مرحاً، لأن عقله يبصره بعيوب نفسه ونقائص بشريته، فلا يدعه يعجب بها فلا يكون من المرحين فما مرح إلا وهو محروم من نور العقل مفتون بمادة الجسم، فذكر بضعف هذا الجسم وصغارته.
العجب أصل الهلاك:
اذا أعجب المرء بنفسه عمي عن نقائصها، فلا يسعى في إزالتها، ولهي عن الفضائل فلا يسعى في اكتسابها فعاش ولا أخلاق له مصدراً لكل شر بعيداً عن كل خير.
وعن العجب بالنفس ينشأ الكبر على الناس والاحتقار لهم، ومن احتقر الناس لم ير لهم حقاً، ولم يعتقد لهم حرمة ولم يراقب فيهم إلا ولا ذمة، وكان عليهم- مثل ما كان على نفسه- أظلم الظالمين.
إبليس اللعين- نعوذ بالله تعالى منه- كان أصل هلاكه من عجبه
стр. 274
بنفسه، وأنه خلق من النار، وأنه خير من آدم، فتكبر عليه فكان من الظالمين الهالكين.
ترك العجب شرط في حسن وكمال الأخلاق:
تربية النفوس تكون بالتخلية عن الرذائل، والتحلية بالفضائل، والعجب هو أساس الرذائل. فأول الترك تركه، وهو المانع من اكتساب الفضائل، فشرط وجودها تركه كذلك. ومن لم يكن معجباً بنفسه كان بمدرجة التخلق بمحاسن الأخلاق والتنزه عن نقائصها، لأن الإنسان مجبول على محبة الكمال وكراهة النقص. فإذا سلم من العجب فإن تلك الجبلة تدعوه إلى ذلك التخلق والتنزه. فإذا نبه على نقصه لم تأخذه العزة، وإذا رغب في الكمال كانت له وإليه هزة فلا يزال بين التذكيرات الإلهية والجبلة الإنسانية الخلقية يتهذب ويتشذب حتى يبلغ ما قدر له من كمال. ولهذه المعاني التي تتصل بتفسير هذه الآية الكريمة- وهي أصول في علم الأخلاق- عنونا عليها بآية الأخلاق.
تأكيد الأوامر والنواهي المتقدمة بطريق الإيجاز:
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾
المناسبة:
إن الغاية التي يسعى إليها كل عاقل هي السعادة الحقة، وإن التكاليف الإسلامية كلها شرعت لسوقه إليها، ولما كانت أصولها قد تضمنتها الآيات السابقة أمراً ونهياً بطريق الإطناب والتفصيل- أعيد الحديث عنها في هذه الآية بطريق الإيجاز والإجمال. قصداً للتأكيد وتقرير هذه الأصول العظيمة في النفوس، مع اشتمال هذه الآية الموجزة على ما لم يشتمل عليه ما تقدمها. وهذا من بديع التأكيد، لاشتماله على السابق مع شيء جديد.
стр. 275
المفردات والتراكيب:
السيء هو القبيح والقبائح المنهي عنها فيما تقدم، قبيحة لذاتها، ولنهي الله تعالى عنها، والمكروه هو المبغوض المسخوط عليه، وهو ضد المحبوب المرضي عنه. والمحاسن محبوبة لله أمر بها ويثيب عليها ويرضى على فاعلها، والمقابح مبغوضة له تعالى نهى عنها، ويعاقب عليها ويسخط على مرتكبها. وليس المكروه بمعنى عدم المراد لأنه لا يكون في ملكه تعالى ما لا يريد وما تشاءون إلا أن يشاء الله. وليس بمعنى المنهي عنه نهياً غير جازم لأن ذلك إصطلاح فقهي حادث بعد نزول القرآن، والقرآن لا يفسر بالإصطلاحات الحادثة.
ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم من المأمورات والمنهيات على قراءة (سيئه)، فالمكروه هو سيء ما تقدم وهو القبائح المنهي عنها. أو إشارة إلى خصوص القبائح على قراءة (سيئة)، ومكروهاً خبر كان على القراءة الأولى، وخبر ثان على القراءه الثانية. وتقدير الكلام على القراءة الأولى، كل ذلك المذكور كان سيئه- وهو المنهيات- مكروهاً عند ربك ومفهومه أن حسنه- وهو المأمورات- محبوب عنده، وعلى الثانية كل ذلك المنهي عنه كان سيئة مكروهاً عند ربك. ومفهومه أن المأمور به حسن عنده.
التفسير:
عرَّف- تعالى- عباده في هذه الآية بمنطوقها ومفهومها - على ما تقدم في التقرير- أن ما أمرهم به هو الحسن المحبوب، وأن ما نهاهم عنه هو القبيح المبغوض. فعلموا من ذلك أن أوامر الشرع ونواهيه هي على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة، وأنه- تعالى- لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن، وفي علمهم بهذا ما يحملهم على الإمتثال ويرغبهم فيه، فإن الحسن تميل إليه النفوس
стр. 276
والقبيح تنفر منه. وفي قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ غاية الترغيب في الحسن والتنفير من القبيح فإن الحسن جد الحسن ما كان حسناً عند الله تعالى، والقبيح جد القبيح ما كان قبيحاً عنده، وفي اسم الرب تنبيه على أن العلم بالحسن والقبيح على وجه التفصيل والتدقيق حتى يكون المأمور به حسناً قطعاً والمنهي عنه قبيحاً قطعاً إنما هو له تعالى، وأن أوامره ونواهيه- تعالى- الجارية على مقتضى ذلك هي من مقتضى ربوبيته- تعالى- وتدبيره لخلقه.
مكانة هذه الأصول علماً وعملاً:
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾
المناسبة:
لما بينت الأصول تمام البيان وقررت غاية التقرير جاءت هذه الآية للتنويه بها لحث العباد على تحصيل ما فيها من علم والتحلي بما دعت إليه من عمل.
المفردات والتراكيب:
الحكمة هي العلم الصحيح والعمل المتقن المبني على ذلك العلم. وقال مالك بن انس ﵁: هي الفقه في دين الله والعمل به. والقرآن حكمة لدلالته على ذلك كله.
ذلك إشارة إلى ما تضمنته الآيات المتقدمة من قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ومن في (مما) تبعيضية. ومن في (من الحكمة) بيانية، مجرورها بين المبهم وهو ما في قوله (مما) والتقدير ذلك الذي تقدم بعض الحكمة التي أوحاها إليك ربك.
التفسير:
هذا ضرب آخر من تأكيد العمل بما تقدم والترغيب
стр. 277
فيه، فبين تعالى أن ما تضمنته الآيات المتقدمة كله حكمة، فالمتحقق بما فيها من علم والمتحلي بما حثت عليه من أعمال هو الحكيم الذي كمل من وجهته العلمية وجهته العملية وتلك أعلى رتب الكمال للإنسان.
وفي ذكرانها بعض من كل تنبيه على جلالة كلها، وهو عموم ما أوحى الله تعالى إلى نبيه ﵌ وتنبيه أيضاً على أن شرح هذه الأصول فيما أفادته من علم وعمل، والتفقه فيها يرجع فيه إلى الوحي ويعتمد في ذلك على بيانه، وفيه بيان أن الوحي هو المرجع الوحيد لبيان دين الله تعالى وشرعه وما أنزله لعباده من الحكمة، وذلك الوحي هو القرآن العظيم وسنة النبي ﵌ الذي أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم.
ختام الآيات:
﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.
المناسبة:
لما كانت هذه الآيات في أصول الهداية وأساس الهداية، وشرطها هو التوحيد ختمت الآيات بالنهي عن الشرك كما بدأت به.
المفردات والتراكيب:
الإلقاء هو الطرح، والملوم هو الذي يقال له لم فعلت القبيح وما حملك عليه ونحو هذا. والمدحور المبعد، وانتصبا على الحال.
التفسير:
نهى تعالى عن الشرك وأن يعبد معه سواه، فالعبادة بالقلب واللسان والجوارح لا تكون إلا له. وكما حذر في فاتحة
стр. 278
الآيات بقعود المشرك في الدنيا مذموماً بالشرك الذي ارتكبه مخذولاً لا ناصر له. كذلك حذر هنا بمثال المشرك في آخرته بإلقائه في جهنم ملوماً على ما قدم مطروداً مبعداً في دركات الجحيم.
نظرة عامة في الآيات المتقدمة:
قد تضمنت هذه الآيات على قلتها الأصول التي عليها تتوقف حياة النوع البشري وسعادته من حفظ النفوس والعقول ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ الآية. والأنساب والأموال والحقوق (وأوفوا بالعهد، وأوفوا الكيل) والأعراض ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا- وَلَا تَقْفُ﴾ والدين الذي هو عمدة ذلك كله، وفي حفظه حفظ لجميعها، وفي افتتاح الآيات بقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ وختمها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ بيان من الله تعالى لخلقه بأن الدين هو أصل هذه الكمالات كلها، وهو سياج وقايتها وسور حفظها، وأن التوحيد هو ملاك الأعمال وقوامها ومنه بدايتها وإليه نهايتها.
وكذلك المسلم الموفق يبتدىء حياته بكلمة التوحيد حتى يموت عليها فالله نسأل- كما من علينا بها في البداية- أن يمن علينا بها في النهاية.
اللهم هذا لنا وللمسلمين أجمعين (١).
стр. 279
الْقَوْلُ الْحَسَنُ
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ (١)
ــ
اللسان أداة البيان، وترجمان القلب والوجدان، والكلام به يتعارف الناس ويتقاربون، وبه يتحاجون ويتفاصلون، ولولاه لما ظهرت ثمرات العقول والمدارك، ولما تلاقحت الأفكار والمشاعر، ولما تزايدت العلوم والمعارف، ولما ترقى الإنسان في درجات أنواع الكمالات، ولما امتاز على بقية الحيوانات.
فهو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره، وأممه، وبريد عقله وواسطة تفاهمه. فإذا حسن قويت روابط الألفة، وتمكنت أسباب المحبة، وامتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر والأمم. وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي على التعاون والتآزر، وجنى العالم من وراء ذلك تقرر الأمن واطراد العمران. وإذا قبح كان الحال على ضد ذلك. فالكلام السيء قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الإسترشاد والإستمداد والتعاون بين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة. وهما أشرف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الرحمة والمحبة بطلت الألفة والتعاون، وحلت القساوة والعداوة، وتبعهما التخاصم والتقاتل، وفي ذلك كل الشر، لأبناء البشر.
فالمحصل للناس سعادتهم وسلامتهم، والمبعد لهم عن شقاوتهم
стр. 280
وهلاكهم- هو القول الحسن، ولهذا أمر الله تعالى نبيه - صلى الثه عليه وآله وسلم - أن يرشد العباد إلى قول التي هي أحسن فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
والعباد المأمورون هنا هم المؤمنون لوجهين: الأول أنهم أضيفوا إليه، وهذه إضافة شرف لا يكون إلا للمؤمنين به. الثاني: أن الذين يخاطبون بهذا الإرشاد ويكون منهم الإمتثال إنما هم من حصلوا على أصل الإيمان.
والتي هي أحسن: هي الكلمة الطيبة والمقالة التي هي أحسن من غيرها فيعم، ذلك ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس حتى ينادي بعضهم بعضاً بأحب الأسماء إليه، وما يكون من البيان العلمي فيختار أسهل العبارات وأقربها للفهم، حتى لا يحدث الناس بما لا يفهمون، فيكون عليهم حديثه فتنة وبلاء، وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون إذاية لخصمه ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به- وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة، فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس، خالية من السب والقدح، ومن الغمز والتعريض، وأدنى تلميح إلى شيء قبيح.
وهذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم أو بينهم وبين غيرهم، وقد جاء في الصحيح أن رهطاً من إليهود دخلوا على النبي - صله الله عليه وآله وسلم - فقالوا السام عليكم، ففهمتها عائشة ﵂ فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها رسول الله ﵌: مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت: ألم تسمع ما قالوا؟ فقال: قد قلت: وعليكم. فكان الرد عليهم بمثل قولهم بأسلوب العطف على كلامهم، وهو قوله: وعليكم، أحسن من الرد عليهم باللعنة. فقال- صلى الله عليه وآله
стр. 281
وسلم - القولة التي هي أحسن، وهذا هو أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس.
وأفاد قوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ﴾ بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة فننتقي أحسنها في جمبع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام، فحاصل هذا التأديب الرباني هو اجتناب الكلام السيء جملة والإقتصار على الحسن وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن. وهذا يستلزم إستعمال العقل والروية عند كل كلمة تقال، ولو كلمة واحدة، فرب كلمة واحدة أوقدت حرباً، وأهلكت شعباً، أو شعوباً. ورب كلمة واحدة أنزلت أمناً، وأنقدت أمة أو أمماً. وقد بين لنا النبي ﵌ مكانة الكلمة الواحدة من الأثر في قوله: "الكلمة الطيبة صدقة، واتقوا النار ولو بكلمة طيبة".
وهذا الأدب الإسلامي- وهو التروي عند القول واجتناب السوء واختيار الأحسن- ضروري لسعادة العباد وهنائهم. وما كثرت الخلافات وتشعبت الخصومات وتنافرت المشارب وتباعدت المذاهب حتى صار المسلم عدو المسلم، والنبي ﵌ يقول: "المسلم أخو المسلم"- إلا بتركهم هذا الأدب وتركهم للتروي عند القول والتعمد للسيء بل للأسوأ في بعض الأحيان.
التحذير من كيد العدو الفتان:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾
نزغ الشيطان وسوسته ليهيج الشر والفساد. وعداوته باعتقاده البغض وسعيه في جلب الشر والضر. وإبانته لعداوته بإعلانه لها، كما علمنا القرآن.
стр. 282
وهو يلقي للإنسان كلمة الشر والسوء ويهيج غضبه ليقوله، ويهيج السامع ليقول مثلها، وهكذا حتى يشتد المراء ويقع الضر والفساد. ولون آخر من نزغه، وهو أنه يحسن للمرء قول الكلمة التي يكون فيها احتمال السوء، ويلح عليه في قولها، ويبالغ في تحسين الوجه السالم منه، وفي تهوين أمر وجهها القبيح، حتى يقولها، فإذا قالها عاد لسامعه بالنزغ يطمس عنه الوجه السالم منها، ويكبر له الوجه القبيح، ولا يزال به يثير نخوته ويهيج غضبه حتى يثور فيقع الشر والفساد بينه وبين صاحبه.
فحذر الله تعالى عباده من كيده حتى يحترسوا منه إذا تكلموا وإذا سمعوا فيتباعدون عمَّا فيه احتمال السوء فضلاً عن صريحة ويحملون الكلام على وجهه الحسن عند احتماله له ويتجاوزون عن سيئه الصريح ما أمكن التجاوز.
المحاسنة على الحال والظاهر- والتفويض إلى الله تعالى في العواقب والسرائر:
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾
أقوى الأحوال مظنة لكلمة السوء هي حالة المناظرة والمجادلة، وأقرب ما تكون إلى ذلك إذا كان الجدال في أمر الدين والعقيدة، فما أكثر ما يضلل بعض بعضاً أو يفسقه أو يكفره فيكون ذلك سبباً لزيادة شقة الخلاف اتّساعاً، وتمسك كل برأيه ونفوره من قول خصمه. دع ما يكون عن ذلك من البغض والشر. فذكر الله تعالى عباده بأنه هو العالم ببواطن خلقه وسرائرهم وعواقب أمرهم، فيرحم من يشاء ويعذب من يشاء بحكمته وعدله. فلا يقطع لأحد بأنه من أهل النار لجهل العاقبة سواء كان من أهل الكفر أو كان من أهل الفسق
стр. 283
أو كان من أهل الإبتداع كما لا يقطع لأحد بالجنة كذلك. إلا من جاء النص بهم.
فلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته إنك من أهل النار، ولكن تذكر الأدلة على بطلان الكفر وسوء عاقبته، ولا يقال للمبتدع يا ضال، وإنما تبين البدعة وقبحها، ولا يقال لمرتكب الكبيرة يا فاسق ولكن يبين قبح تلك الكبيرة وضررها وعظم إثمها، فتقبح القبائح والرذائل في نفسها وتجتنب أشخاص مرتكبيها. إذ ربّ شخص هو اليوم من أهل الكفر والضلال، تكون عاقبته إلى الخير والكمال، ورب شخص هو اليوم من أهل الإيمان ينقلب- والعياذ بالله تعالى- على عقبه في هاوية الوبال.
وخاطب الله تعالى نبيه ﷺ أنه لم يرسله وكيلاً على الخلق حفيظاً عليهم كفيلاً بأعمالهم. فما عليه إلا تبليغ الدعوة ونصرة الحق بالحق والهداية والدلالة إلى دين الله وصراطه المستقيم - خاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أمرهم به من قول التي هي أحسن، للموافق والمخالف فلا يحملنهم بغض الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلهما، فإنما عليهم تبليغ الحق كما بلغه نبيهم ﵌، ولن يكون أحد أحرص منه على تبليغه، فحسبهم أن يكونوا على سنته وهديه، أحيانا الله عليهما، وأماتنا عليهما، وحشرنا في زمرة أهلهما آمين (١).
..
стр. 284
دُعَاءُ غَيْرِ اللَّهِ: مَنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ فَقَدْ عَبَدَ مَا دَعَاهُ وَهُوَ فِي عِبَادَتِهِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (١)
ــ
المفردات:
(الدعاء): هو النداء لطلب شيء من المدعو ولذلك لا يدعى إلا العاقل أو ما نزل منزلته مجازاً من الجمادات، أو ما كان له فهم لبعض الأصوات من الجمادات. وإذا كان لشيء معظم ليطلب منه ما هو وراء الأسباب العادية وفوق الطاقة البشرية فهو عبادة ولا يكون إلا من المخلوق لخالقه، وإذا لم يكن كذلك فهو عادة وهو دعاء المخلوقين بعضهم بعضاً لغرض من الأغراض. و (الزعم): القول بغير دليل. و (من دونه): أي غيره. و (الملك) الإستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه. و (كشف الضر): إزالته. و (لا تحويلا): نقلا له إلى شخص آخر.
التراكيب:
أمروا بالدعاء لتوقيفهم على خيبتهم فيه، بظهور عجز من يدعون. وحذف مفعولا زعم، والتقدير زعمتموهم آلهة، للعلم
стр. 285
بهما لأنهم ما دعوهم الاّ لكونهم آلهة في زعمهم. ولا يملكون: وقع بعهد الفاء ولم يجزم في جواب الأمر لأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره فهم لا يملكون، وهذا لأن الفاء قصد بها العطف ولم يقصد بها السببية، ولا يصح أن تقصد بها السببية لأن ذلك يقتضي أن يكون عدم ملكهم متسببا عن الدعاء مثلها في قول الشاعر:
رَبِّ وَفِّقْنِي فَلاَ أَعْدِلَ عَنْ ... سَنَنِ السَّاعِينَ فِي خَيْرِ سَنَنْ
فإن عدم العدول متسبب عن التوفيق. وليس كذلك الأمر في هذه الآية، فإن عدم ملكهم متحقق سواء دعوا أم لم يدعوا، فلذلك امتنع النصب ووجب الرفع على التقدير المتقدم.
المعنى:
قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين اتخذوا آلهة من دون الله فعبدوها، أدعوا معبوداتكم هذه التي زعمتموها آلهة من دون الله عندما ينزل بكم الضر، وأنظروا هل تستطيع تلك المعبودات الباطلة أن تكشف وتزيل عنكم ذلك أو أن تحوله عنكم إلى غيركم، فإنكم تجدونها عاجزة عن ذلك غير قادرة على شيء منه، وإنما يقدر على ذلك الإله الحق وهو الله الذي خلقها وخلقكم فاعبدوه هو وأدعوه هو واقلعوا عن عبادة ودعاء ما سواه.
الأحكام:
تدل الآية على أن دعاء غير الله تعالى لدفع الضر- ومثله جلب النفع- عبادة للمدعو، فإن المشركين كانوا يتعبدون لآلهتهم بهذا الدعاء الذي نهاهم الله تعالى عنه ببيان خيبتم فيه ووقوعه في غير محله. وتسمية الدعاء عبادة ثابتة لغة وشرعاً بغير ما دليل، منها حديث النعمان بن بشير عند أحمد وأصحاب السنن مرفوعاً