وسلم - القولة التي هي أحسن، وهذا هو أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس.
وأفاد قوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ﴾ بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة فننتقي أحسنها في جمبع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام، فحاصل هذا التأديب الرباني هو اجتناب الكلام السيء جملة والإقتصار على الحسن وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن. وهذا يستلزم إستعمال العقل والروية عند كل كلمة تقال، ولو كلمة واحدة، فرب كلمة واحدة أوقدت حرباً، وأهلكت شعباً، أو شعوباً. ورب كلمة واحدة أنزلت أمناً، وأنقدت أمة أو أمماً. وقد بين لنا النبي ﵌ مكانة الكلمة الواحدة من الأثر في قوله: "الكلمة الطيبة صدقة، واتقوا النار ولو بكلمة طيبة".
وهذا الأدب الإسلامي- وهو التروي عند القول واجتناب السوء واختيار الأحسن- ضروري لسعادة العباد وهنائهم. وما كثرت الخلافات وتشعبت الخصومات وتنافرت المشارب وتباعدت المذاهب حتى صار المسلم عدو المسلم، والنبي ﵌ يقول: "المسلم أخو المسلم"- إلا بتركهم هذا الأدب وتركهم للتروي عند القول والتعمد للسيء بل للأسوأ في بعض الأحيان.
التحذير من كيد العدو الفتان:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾
نزغ الشيطان وسوسته ليهيج الشر والفساد. وعداوته باعتقاده البغض وسعيه في جلب الشر والضر. وإبانته لعداوته بإعلانه لها، كما علمنا القرآن.
стр. 282
وهو يلقي للإنسان كلمة الشر والسوء ويهيج غضبه ليقوله، ويهيج السامع ليقول مثلها، وهكذا حتى يشتد المراء ويقع الضر والفساد. ولون آخر من نزغه، وهو أنه يحسن للمرء قول الكلمة التي يكون فيها احتمال السوء، ويلح عليه في قولها، ويبالغ في تحسين الوجه السالم منه، وفي تهوين أمر وجهها القبيح، حتى يقولها، فإذا قالها عاد لسامعه بالنزغ يطمس عنه الوجه السالم منها، ويكبر له الوجه القبيح، ولا يزال به يثير نخوته ويهيج غضبه حتى يثور فيقع الشر والفساد بينه وبين صاحبه.
فحذر الله تعالى عباده من كيده حتى يحترسوا منه إذا تكلموا وإذا سمعوا فيتباعدون عمَّا فيه احتمال السوء فضلاً عن صريحة ويحملون الكلام على وجهه الحسن عند احتماله له ويتجاوزون عن سيئه الصريح ما أمكن التجاوز.
المحاسنة على الحال والظاهر- والتفويض إلى الله تعالى في العواقب والسرائر:
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾
أقوى الأحوال مظنة لكلمة السوء هي حالة المناظرة والمجادلة، وأقرب ما تكون إلى ذلك إذا كان الجدال في أمر الدين والعقيدة، فما أكثر ما يضلل بعض بعضاً أو يفسقه أو يكفره فيكون ذلك سبباً لزيادة شقة الخلاف اتّساعاً، وتمسك كل برأيه ونفوره من قول خصمه. دع ما يكون عن ذلك من البغض والشر. فذكر الله تعالى عباده بأنه هو العالم ببواطن خلقه وسرائرهم وعواقب أمرهم، فيرحم من يشاء ويعذب من يشاء بحكمته وعدله. فلا يقطع لأحد بأنه من أهل النار لجهل العاقبة سواء كان من أهل الكفر أو كان من أهل الفسق
стр. 283
أو كان من أهل الإبتداع كما لا يقطع لأحد بالجنة كذلك. إلا من جاء النص بهم.
فلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته إنك من أهل النار، ولكن تذكر الأدلة على بطلان الكفر وسوء عاقبته، ولا يقال للمبتدع يا ضال، وإنما تبين البدعة وقبحها، ولا يقال لمرتكب الكبيرة يا فاسق ولكن يبين قبح تلك الكبيرة وضررها وعظم إثمها، فتقبح القبائح والرذائل في نفسها وتجتنب أشخاص مرتكبيها. إذ ربّ شخص هو اليوم من أهل الكفر والضلال، تكون عاقبته إلى الخير والكمال، ورب شخص هو اليوم من أهل الإيمان ينقلب- والعياذ بالله تعالى- على عقبه في هاوية الوبال.
وخاطب الله تعالى نبيه ﷺ أنه لم يرسله وكيلاً على الخلق حفيظاً عليهم كفيلاً بأعمالهم. فما عليه إلا تبليغ الدعوة ونصرة الحق بالحق والهداية والدلالة إلى دين الله وصراطه المستقيم - خاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أمرهم به من قول التي هي أحسن، للموافق والمخالف فلا يحملنهم بغض الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلهما، فإنما عليهم تبليغ الحق كما بلغه نبيهم ﵌، ولن يكون أحد أحرص منه على تبليغه، فحسبهم أن يكونوا على سنته وهديه، أحيانا الله عليهما، وأماتنا عليهما، وحشرنا في زمرة أهلهما آمين (١).
..
стр. 284
دُعَاءُ غَيْرِ اللَّهِ: مَنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ فَقَدْ عَبَدَ مَا دَعَاهُ وَهُوَ فِي عِبَادَتِهِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (١)
ــ
المفردات:
(الدعاء): هو النداء لطلب شيء من المدعو ولذلك لا يدعى إلا العاقل أو ما نزل منزلته مجازاً من الجمادات، أو ما كان له فهم لبعض الأصوات من الجمادات. وإذا كان لشيء معظم ليطلب منه ما هو وراء الأسباب العادية وفوق الطاقة البشرية فهو عبادة ولا يكون إلا من المخلوق لخالقه، وإذا لم يكن كذلك فهو عادة وهو دعاء المخلوقين بعضهم بعضاً لغرض من الأغراض. و (الزعم): القول بغير دليل. و (من دونه): أي غيره. و (الملك) الإستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه. و (كشف الضر): إزالته. و (لا تحويلا): نقلا له إلى شخص آخر.
التراكيب:
أمروا بالدعاء لتوقيفهم على خيبتهم فيه، بظهور عجز من يدعون. وحذف مفعولا زعم، والتقدير زعمتموهم آلهة، للعلم
стр. 285
بهما لأنهم ما دعوهم الاّ لكونهم آلهة في زعمهم. ولا يملكون: وقع بعهد الفاء ولم يجزم في جواب الأمر لأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره فهم لا يملكون، وهذا لأن الفاء قصد بها العطف ولم يقصد بها السببية، ولا يصح أن تقصد بها السببية لأن ذلك يقتضي أن يكون عدم ملكهم متسببا عن الدعاء مثلها في قول الشاعر:
رَبِّ وَفِّقْنِي فَلاَ أَعْدِلَ عَنْ ... سَنَنِ السَّاعِينَ فِي خَيْرِ سَنَنْ
فإن عدم العدول متسبب عن التوفيق. وليس كذلك الأمر في هذه الآية، فإن عدم ملكهم متحقق سواء دعوا أم لم يدعوا، فلذلك امتنع النصب ووجب الرفع على التقدير المتقدم.
المعنى:
قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين اتخذوا آلهة من دون الله فعبدوها، أدعوا معبوداتكم هذه التي زعمتموها آلهة من دون الله عندما ينزل بكم الضر، وأنظروا هل تستطيع تلك المعبودات الباطلة أن تكشف وتزيل عنكم ذلك أو أن تحوله عنكم إلى غيركم، فإنكم تجدونها عاجزة عن ذلك غير قادرة على شيء منه، وإنما يقدر على ذلك الإله الحق وهو الله الذي خلقها وخلقكم فاعبدوه هو وأدعوه هو واقلعوا عن عبادة ودعاء ما سواه.
الأحكام:
تدل الآية على أن دعاء غير الله تعالى لدفع الضر- ومثله جلب النفع- عبادة للمدعو، فإن المشركين كانوا يتعبدون لآلهتهم بهذا الدعاء الذي نهاهم الله تعالى عنه ببيان خيبتم فيه ووقوعه في غير محله. وتسمية الدعاء عبادة ثابتة لغة وشرعاً بغير ما دليل، منها حديث النعمان بن بشير عند أحمد وأصحاب السنن مرفوعاً
стр. 286
(الدعاء هو العبادة) وحديث أنس عند الترمذي مرفوعاً (الدعاء مخ العبادة) وهذا لأن العبادة هي الخضوع والتذلل لمن بيده الخلق والتصرف والعطاء والمنع، ومظهر هذا الخضوع والتذلل هو الدعاء لدفع الضر، أو جلب النفع، فلذلك عبر عنه في الحديث الأول بأنه هو العبادة أي معظمها، وفي الثاني بأنه مخ العبادة أي خالصها. ودلت الآية أيضاً على أنه لا يجوز دعاء غير الله من المخلوقين، أي مخلوق كان، لدفع ضر- ومثله جلب نفع-، لأن الآية نعت على المشركين دعاءهم من لا يملك كشف الضر ولا تحويله، وهذا أمر يشترك فيه جميع المخلوفين، فلا مخلوق يستطيع كشف الضر أو تحويله عن نفسه ولا عن غيره فلا مخلوق يجوز دعاؤه ودلت على أن كشف الضر أو تحويله- ومثله جلب النفع- إنَّما هو للمعبود الحق لأن الآية استدلت عليهم في مقام الأمر بتوحيد الله بالعبادة بانتفاء ملك كشف الضر أو تحويله عن غير الله، فأفاد ذلك قصر هذا التصرف عليه تعالى وحده.
إستنتاج:
لما ثبت شرعاً أن الدعاء عبادة فمن دعا شيئا فقد عبده ولو كان هو لا يسمي دعاءه عبادة جهلاً منه أو عناداً لأن العبرة بتسمية الشرع واعتباره لا بتسمية المكلف واعتباره. ألا ترى لو أن شخصاً قام للصلاة بدون وضوء مستحلاً لذلك فلما أنكرنا عليه قال إنني لا أعتبر هذه الأفعال والأقوال عبادة ولا أسميها صلاة. أترى ذلك يجيز فعله ويدفع عنه تبعته، كلا! ولا خلاف في ذلك بين المسلمين. بل قد حكموا بردته إن كان يفعل ذلك ويراه حلالاً. لأنه يكون قد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة. فالداعي لغير الله تعالى يطلب منه قضاء حوائجه قد عبد من دعاه، وإن لم يعتبر دعاءه عبادة، لأن الله قد سماه عبادة، وإذا استمر على فعله ذلك مستحلاً له
стр. 287
بعد تعليمه، وإرشاده، يكون قد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وهو أنَّ العبادة -والدعاء منها- لا تكون إلاَّ لله، فيحكم بردته، نظير مستحل الصلاة بلا وضوء بلا فارق.
تطبيق:
إذا علمت هذه الأحكام فانظر إلى حالتنا معشر المسلمين، الجزائريين وغير الجزائريين، تجد السواد الأعظم من عامتنا غارقاً في هذا الضلال. فتراهم يدعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء والأموات يسألونهم حوائجهم من دفع الضر، وجلب النفع، وتيسير الرزق، وإعطاء النسل، وإنزال الغيث، وغير ذلك مما يسألون ويذهبون إلى الأضرحة التي شيدت عليها القباب، أو ظلمت بها المساجد، فيدعون من فيها ويدقون قبورهم وينذرون لهم ويستثيرون حميتهم بأنهم خدامهم وأتباعهم فكيف يتركونهم وقد يهددونهم بقطع الزيارة، وحبس النذور، وتراهم هنالك في ذل وخشوع وتوجه، قد لا يكون في صلاة من يصلي منهم، فأعمالهم هذه من دعائهم وتوجههم كلها عبادة لأولئك المدعوين، وإن لم يعتقدوها عبادة، إذ العبارة باعتبار الشرع لا باعتبارهم، فياحسرتنا على أنفسنا كيف لبسنا الدين لباساً مقلوباً حتى أصبحنا في هذه الحالة السيئة من الضلال.
تحذير وإرشاد:
فليحذر قراؤنا من أن يتوجهوا بشيء من دعائهم لغير الله وليحذروا غيرهم منه. ولينشروا هذه الحقائق بين إخوانهم المسلمين بما استطاعوا عسى أن يتنبه الغافل، ويتعلم الجاهل، ويقلع الضالون عن ضلالهم، ولو بطريق التدريج، وبذلك يكون قراؤنا قد أدوا أمانة العلم وقاموا بفريضة النصح، وخدموا الإسلام والمسلمين.
стр. 288
نَجَاةُ الْمَعْبُودِينَ بِهُدَاهُمْ وَهَلَاكُ الْعَابِدِينَ بِضَلالِهِمْ:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
ــ
المفردات:
(يبتغون): يطلبون باعتناء واهتمام. (الوسيلة)، سبب الوصول إلى البغية والقرب من المطلوب، والوسيلة الموصلة إلى الله هي عبادته، وطاعته، بامتثال أوامره ونواهيه، والتزام محابه، واجتناب مكارهه، وهذا المعنى هو المراد هنا. (أقرب): أي في المكانة والمنزلة، (يرجون رحمته): ينتظرون إنعاماته لافتقارهم إليه. (ويخافون عذابه): يخشون عقوبته، وانتقامه لعلمهم بقوته، وسلطانه، وقصورهم عن القيام بجميع واجب حقه. (محذورا): مخيفاً متحرزاً منه.
التراكيب:
أولئك: إشارة إلى المعبودين الذين وصفهم. ويدعون ضميره للداعين، وأصله يدعونهم، يبتغون خير أولئك. و (أيهم): اسم موصول مضاف إلى ضمير المبتغين، وهو يدل بعض من كل من الواو في يبتغون. (وأقرب): خبر مبتدأ محذوف تقديره هو، والجملة صلة الموصمول، ويحتمل أن يكون أيهم استفهاماً مبتدأ وأقرب خبر، وتقدير الكلام ينظهرون أيهم أقرب.
نزول الآية:
قال ابن مسعود: هي في نفر من الإنس كانوا يعبدون
стр. 289
نفرا من الجن، فأسلم الجن وبقى الإنس على عبادتهم، وجاء عنه وعن غيره أنها في الذين كانوا يعبدون الملائكة من العرب.
المعنى:
أولئك الجن والملائكة الذين يدعوهم (١) هؤلاء المشركون أرباباً قد أسلموا فصاروا من عباد الله المؤمنين يطلبون أسباب الزلفة والقرب عند ربهم، ينظرون من هو الذي يكون منهم أقرب مكانة باجتهاده، وصالح عمله، (هذا على الإعراب الثاني وعلى الإعراب الأول: يطلب الذي هو أقرب منهم أسباب الزلفة عند الله فأحرى وأولى غيره) ويرجون بأعمالهم الصالحة رحمته ويخافون بمخالفتهم عذابه. إن عذاب ربك كان من حقه وشأنه أن يتقى ويحذر لما فيه من عظيم الخزي وشديد الألم.
الأحكام:
أفادت الآية أن العبادة لا تنفع صاحبها إلا إذا كانت على الوجه الحق وإلا فإنه لا يحصل منها إلا على الخيبة والوبال. وأن المكلف (٢) لا يحمل شيئاً من إثم عمل غيره إذا لم يكن راضياً به ولو كان ذلك العمل متسبباً عنه إذا لم يكن متسبباً هو فيه. وأن المكلف مطالب بأن يطلب أسباب القرب إلى الله بجد واجتهاد وأن يكون جامعاً بين الرجاء والخوف في سلوكه.
التطبيق:
نعرف كثيراً من الصالحين - رحمهم الله تعالى - قد شيدت عليهم القباب ونذرت لهم النذور وقصدوا لقضاء الحاجات ودعوا في المهمات وكان ذلك كله مما أحدثه المحدثون بعدهم وبالغ
стр. 290
فيه المستغلون له ممن ينتمون إليهم فهم - إن شاء الله تعالى - برءاء من إثم ذلك كله وإنما اثمه على فاعليه.
عبرة وتحذير:
يأتي يوم القيامة أولئك الذين كانوا يدعون الملائكة والجن المسلمين وعباد الله الصالحين ويحسبون أنهم ينفعونهم في ذلك اليوم. فيتبرأ منهم أولئك الذين كانوا يعبدونهم بدعائهم ويتركونهم في ذلك الموقف العصيب. فما أمرَّ خيبتهم يومذاك وما أعظم حسرتهم ويالها من عبرة لقوم يعقلون.
فحذار يا إخواننا من هذه العاقبة السيئة وهذا الموقف المخزي، فبادروا إلى توحيد الله بالدعاء الذي هو مخ العبادة، واقتصروا في جانب الصالحين على محبتهم والترضية عليهم وسؤال الرحمة لهم والإقتداء بهم فيما كان منهم من طاعة وخير ولا تعظموهم بما لا يكون إلا لله رب العالمين.
والله ينصرنا بالحق ويهدينا إليه ويجعلنا من حزبه ويميتنا عليه آمين يا رب العالمين (١).
стр. 291
الطَّوْرُ الْأَخِيرِ لِكُلِّ أُمَّةٍ وَعَاقِبَتُهُ
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (١).
ــ
تمهيد:
الأمم كالأفراد، تمر عليها ثلاثة أطوار، طور الشباب، وطور الكهولة، وطور الهرم، فيشمل الطور الأول نشأتها إلى استجماعها قوتها ونشاطها، مستعدة للكفاح والتقدم في ميدان الحياة، ويشمل الطور الثاني ابتداء أخذها في التقدم والإنتشار وسعة النفوذ وقوة السلطان إلى استكمالها قوتها وبلوغها غاية ما كان لها أن تبلغه من ذلك، بما كان فيها من مواهب وما كان لها من استعداد وما لديها من أسباب. ويشمل الطور الثالث إبتداءها في التقهقر والضعف والإنحلال، إلى أن يحل بها الفناء والإضمحلال. إما بانقراضها من عالم الوجود، وإما باندراسها من عالم السيادة والاستقلال، وما من أمة إلا ويجري عليها هذا القانون العام، وإن اختلفت أطوارها في الطول والقصر كما تختلف الأعمار.
هذه السنة الكونية التي أجرى الله عليها حياة الأمم في هذه الدنيا أشار إليها في كتابه العزيز في غير ما آية. فذكر أعمال الأمم وأنها مقدرة محددة بآجالها في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ
стр. 292
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١). وذكر إنشاء الأمم على أثر الهالكين في مثل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (٢). وذكر طور شباب الأمة ودخولها معترك الحياة في مثل قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٣) فإن بني إسرائيل ماستخلفوا في الأرض حتى قووا واشتدوا وتكونت فيهم أخلاق الشجاعة والنجدة والحمية والأنفة بعد خروجهم من التيه، وذلك هو الطور الأول، طور الشباب للأمة الإسرائيلية، وذكر الطور الثاني، وهو طور الكهولة واستكمال القوة وحسن الحال ورغد العيش في مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ (٤). وذكر الطور الثالث طور الضعف والإنحلال في مثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (.) وإهلاكهم يكون بعد إسباغ النعمة وإقامة الحجة عليهم وتمكن الفساد فيهم وتكاثر الظلم منهم، فإهلاكهم هو نهاية الطور الثالث من أطوار الأمم الثلاثة. وإلى خاتمة الطور الثالث وعاقبته جاء البيان في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا
стр. 293
نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.
الألفاظ:
القرية: المساكن المجتمعة، ومادة (ق ر ي) تدل على الجمع، فتصدق على القرية الصغيرة والمدينة الكبرى، وتطلق القرية مجازاً على السكان إطلاقاً لاسم المحل على الحال. ومنه هذه، و (الإهلاك): الإبادة والإفناء بالإستئصال، كما فعل بعاد وثمود. و (قبل يوم القيامة): أي في الدنيا، و (العذاب الشديد): كأمراض الأبدان وفساد القلوب وانحطاط الأخلاق وافتراق الكلمة وتسليط الظلام، كما أرسل على بني إسرائيل عباداً أولي بأس شديد فساؤا وجوههم وجاسوا خلال ديارهم، وكتسليط أهل الحق على أهل الباطل، وكالجدب والقحط وجوائح الأرض وجوائح السماء و (في الكتاب) أي اللوح المحفوط و (مسطورا): أي مكتوباً اسطاراً مبيناً.
التركيب:
(إن) نافية. و (من) زيدت لاستغراق الجنس وتأكيد العموم و (إلا) أفادت مع ان النافية حصر كل قرية في أحد الأمرين من الهلاك والعذاب الشديد ليعلم أن لا نجاة لكل قرية من أحدهما قطعاً. و (أو) تفيد أحد الشيئين المذكورين على الإبهام وعدم التعيين. و (ذلك) إشارة إلى المذكور من الهلاك والتعذيب.
المعنى:
يقول تعالى: ما من قرية على وجه الأرض إلا ولا بد أن يحل بها منا هلاك وفناء بما يبيدها ويفنيها، أو عذاب شديد لا يفنيها ولكنه يذيقها أنواع الآلام وشديد النكال، كان هذا قضاء سابقاً في علمنا ماضياً في إرادتنا مكتوباً أسطاراً في اللوح المحفوط.
стр. 294
الأحكام:
أحكام الله تعالى: أحكام شرعية وهي التي فيها بيان ما شرعه لخلقه مما فيه انتظام أمرهم وحصول سعادتهم إذا ساروا عليه، وأحكام قدرية، وهي التي فيها بيان تصرفه في خلقه على وفق ما سبق في علمه، وما سبق في إرادته. والأحكام الشرعية تقع من العباد مخالفتها فيختلف مقتضاها من الفعل أو الترك، والأحكام القدرية لا تتخلف أصلاً ولا يخرج المخلوقات عن مقتضاها قطعاً. وفي هذه الآية حكم من أحكامه القدرية، وهو أن كل قرية لا بد أن يصيبها أحد الأمرين المذكورين بما سبق من علمه وما مضى من إرادته، فلا يتخلف هذا الحكم ولا تخرج عنه قرية.
إيضاح وتعليل:
الله حكم عدل حَكيم خبير، فما من حكم من أحكامه الشرعية إلا وله حكمته، وما من حكم من أحاكامه القدرية إلا وله سببه وعلته. لا لوجوب أو إيجاب عليه، بل بمحض مشيئته، ومقتضى عدله وحكمته. قد قضى على كل قرية بهذه العاقبة من الهلاك أو العذاب الشديد في هذه الآية، وبيّن في غيرها سبب استحقاقها لها فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (١)، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (٢) ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (٣) ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ (٤) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا
стр. 295
وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ (١).
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢) فأفادت هذه الآيات أن سبب الهلاك والعذاب هو الظلم والفساد والعتو والتمرد عن أمر الله ورسله والكفر بأنعم الله. وما ربك بظلام للعبيد.
توجيه:
الطور الأخير للأمم هو الذي ذكر في الآيات كثيراً دون الطور الأول والثاني. ووجه ذلك أنه هو الطور الذي ينتشر فيه الفساد ويعظم فيه الظلم وينتهي فيه الإعذار للأمة ويحل فيه أجلها، فينزل بها ما تستحقه من هلاك أو عذاب. فكرر ذكر هذا الطور لزيادة التحذير منه والتخويف من سوء عاقبته والحث على تدارك الأمر فيه بالإقلاع من الظلم والفساد والرجوع إلى طاعة الله تعالى، وإعمال يد الإصلاح في جميع الشؤون فيرتفع العذاب، بزوال ما كان لنزوله من أسباب.
إستنتاج وتطبيق:
القرى التي قضى عليها بالهلاك والإستئصال هذه قد انتهى أمرها بالموت وفات عن العلاج مثل عاد وثمود من الأمم البائدة. وأما القرى التي قضى عليها بالعذاب الشديد فهذه لا تزال بقيد الحياة فتداركها ممكن وعلاجها متيسر. مثل الأمم الإسلامية الحاضرة.
стр. 296
فمما لا شك أن فينا لظلماً وعتواً وفساداً وكفراً بأنعم الله، وإننا من جراء ذلك لفي عذاب شديد. ولا نعني بهذا أن الأمم الإسلامية مخصوصة بهذا، بل مثلها وأقوى منها في أسباب العذاب والهلاك غيرها من أمم الأرض. وأنَّ لهم لقسطهم من العذاب الشديد، وإذا لم يأت المقدار المماثل من الهلاك أو العذاب لما عندهم من أسبابهما فلأنَّه لكل أمة أجل ولما يأت ذلك الأجل بعد. فإذا جاء لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
إرشاد واستنهاض:
قد ربط الله بين الأسباب ومسبباتها خلقاً وقدراً بمشيئته وحكمته لنهتدي بالأسباب إلى مسبباتها ونجتنبها باجتناب أسبابها، وقد عرفنا في الآيات المتقدمة بأسباب الهلاك والعذاب لنتقي تلك الأسباب فنسلم أو نقلع عنها فننجو، فإن بطلان السبب يقتضي بطلان المسبب. وقد ذكر لنا في كتابه أمّة أقلعت عن سبب العذاب فارتفع عنها بعد ما كان ينزل بها، ليؤكد لنا أن الإقلاع عن السبب ينجي من المسبب فقال تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١) فبمادرتهم للإيمان وإقلاعهم عن الكفر كشف عنهم العذاب، وأرشدنا في ضمن هذا إلى العلاج الناجع في كشف العذاب وإبطال أسبابه، وهو الإيمان. كما أرشدنا إليه أيضاً في قوله تعالى قبل هذا: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ (٢) أي نجاها من العذاب، وذكر قوم يونس دليلاً على ذلك. وأرشدنا إليها أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣)
стр. 297
فالإيمان والتقوى- هما العلاج الوحيد لنا من حالتنا لأننا إذا التزمناهما نكون قد أقلعنا عن أسباب العذاب. ولا ننهض بهذا العلاج العظيم إلا إذا قمنا متعاونين أفراداً وجماعات، فجعل كل واحد ذلك نصب عينيه وبدأ به في نفسه، ثم في من إليه ثم في من يليه من عشيرته وقومه، ثم جميع أهل ملته. فمن جعل هذا من همه وأعطاه ما قدر عليه من سعمه كان خليقاً أن يصل إلى غايته أو يقرب منها. ولنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك وأخلاقنا من الفساد وأعمالنا من المخالفات، ولنستشعر أخوة الإيمان التي تجعلنا كجسد واحد، ولنشرع في ذلك غير محتقرين لأنفسنا ولا قانطين من رحمة ربنا ولا مستقلين لما نزيله كل يوم من فسادنا، فبدوام السعي واستمراره يأتي ذلك القليل من الإصلاح على صرح الفساد العظيم من أصله، وليكن دليلنا في ذلك وأمامنا كتاب ربنا، وسنة نبينا، وسيرة صالح سلفنا. ففي ذلك كله ما يعرفنا بالحق ويبصرنا في العلم ويفقهنا في الدين ويهدينا إلى الأخذ بأسباب القوة والعز والسيادة العادلة في الدنيا، ونيل السعادة الكبرى في الأخرى. وليس هذا عن العاملين ببعيد. وما هو على الله بعزيز.
رجاء وتفاؤل:
إن المطلع على أحوال الأمم الإسلامية يعلم أنها قد شعرت بالداء، وأحست بالعذاب، وأخذت في العلاج، وأن ذلك وإن كان يبدو اليوم قليلاً لكنه - بما يحوطه من عناية الله وما يبذل فيه من جهود المصلحين - سيكون بإذن الله كثيراً وعسى أن يكون في ذلك خير لأمم الأرض أجمعين.
حقق الله الآمال وسدد الأعمال بلطف منه وتيسير، إنه نعم المولى ونعم النصير (١).
стр. 298
التَّكْرِيمُ الرَّبَّانِيُّ لِلنَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١).
ــ
اللغة:
(كرمنا): الكرم ضد اللؤم، يوصف به الشيء لشرفه في ذاته بكمال صفاته أو لحسن أفعاله وما يصدر عنه من النفع لغيره، فيقال فرس كريم وشجرة كريمة وأرض كريمة إذا حسنت هذه الأشياء في ذواتها وكملت فيها صفات أنواعها، ويقال نفس كريمة إذا كملت بمحاسن الأخلاق التي بها كمال النفوس. وقالت بلقيس في كتاب سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). لأنه كان على أكمل ما تكون عليه الكتب من بيان اسم مرسله وذكر اسم الله تعالى في أوله وختم على ما فيه. هذا كله من كرم الذات بما كمل فيها من صفات. ووصف جبريل بأنه رسول كريم لشرف ذاته الملكية وحسن أفعاله بما كان على يده من نفع للخلق بتبليغ الوحي والهدى. وهذا من كرم الذات والأفعال، وهو الكرم الكامل الذي يكون بشرف الذات ونفع الأفعال. ويقال كرُم الشيء - بضم الراء- لازماً، ويتعدى بالهمز والتضعيف، فيقال أكرمته
стр. 299
وكرمته بمعنى واحد، أي فعلت له فعلاً فيه رفعة له ومنفعة. فكرمنا بني آدم، أي فعلنا لهم ما فيه رفعتهم ومنفعتهم، من إنعاماتنا عليهم. (وحملناهم) من الحمل بمعنى الرفع أي أركبناهم ورفعناهم على المركوبات مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (١). ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (٢). ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (٣). و ﴿الطيبات﴾ ما يطيب للأكل والشرب مما يلذ في الطعم وتحمد عاقبته، فلا يكون الطيب إلا حلالاً لأن غير الحلال- وإن لذ طعمه في بعض أقسامه فإنه- لا تحمد عاقبته بما فيه من إثم، وتبعة، وما يكون فيه من ضرر. (وفضلناهم): من الفضل بمعنى الزيادة أي صيرناهم ذوي فضل وزيادة في الكرامة كما تقول: فضلت زيداً على عمر في العطاء، أي صيرته ذا فضل وزيادة عليه فيه.
التراكيب:
متعلق حملناهم محذوف لقصد التعميم المناسب لمقام الإمتنان بالتكريم مع الإختصار، تقديره: على كل ما يصلح لحملهم عليه.
المعنى:
يقول تعالى: "ولقد أنعمنا على بني آدم نعماً عظيمة كثيرة في خلقتهم من تركيب أبدانهم وأرواحهم وعقولهم، وفي حياتهم بما
стр. 300
مكناهم منه من أسباب السلطان على غيرهم من الخلق من عالم الجماد والنبات والحيوان، وتسخير هذه العوالم لهم يحصلون منها منافعهم، فأوصلنا إليهم هذه النعم وكرمناهم بها فنفعناهم ورفعنا أقدارهم". ومن هذا التكريم والإنعام الذي فيه المنفعة وفيه الرفعة أننا سخرنا لهم ما يركبونه في البر والبحر ومكناهم من أسباب تسييره والإنتفاع به وإننا بثثنا لهم على وجه الأرض أنواعاً من المآكل والمشارب اللذيذة المباحة من النبات والحيوان والجماد، فخلقناها صالحة لغذائهم ومكناهم من أسباب تحصيلها وإصلاحها والتفنن فيها. فكان لهم بذلك كله زيادة بينة من نعمتنا، وفضل محقق على كثير من مخلوقاتنا.
مسائل:
المسألة الأولى: تكريم الله تعالى لخلقه، قسمان: أحدهما عام والآخر خاص، فأما العام: فهو إخراجه لهم من العدم إلى الوجود، وإعطاؤه لكل شيء من خلقته اللائقة به من تركيب أجزاء ذاته وتعديل مادة تكوينه ومن أعضائه- إذا كان من ذوي الأعضاء- التي يحتاج إليها في حياته لجلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وهدايته وإلهامه ما خلق صالحاً لذلك إلى استعمال تلك الأعضاء وطرق الجلب والدفع بها.
وأما الخاص: فهو تكريمه وإنعامه على عباده المؤمنين بنعمة الإسلام في الدنيا، وبدار السلام في الأخرى. والتكريم المذكور في هذه الآية من القسم الأول العام كما سيتبين في المسألة الرابعة.
المسألة الثانية: جميع المخلوقات التي أخرجها الله تعالى من الوجود إلى العدم وإن كانت متساوية في أصل التكريم العام. فإنها متفاوتة فيه بحسب تفاوتها في شرف الذات وكمال الخلقة. فعالم النبات أكثر حظاً في التكريم من عالم الجماد، وعالم الحيوان أكثر
стр. 301
حظاً منهما، ونوع الإنسان أكثر حظاً في التكريم العام من جميع الحيوان.
المسألة الثالثة: عظم حظ الإنسان من هذا التكريم من جهة ذاته بحسن صورته واعتدال مزاجه، ومن جهة روحه بأنها من العالم النوراني العلوي وبأنها مع اتصالها بالبدن قابلة للتحلي بأكمل الصفات وأطهر الأخلاق، ومن جهة عقله الذي به إدراك الحقائق وحصول المعارف، وعرف الأسباب ومسبباتها ووجوه ارتباطاتها واتصالاتها، ونسبة بعضها إلى بعض، فملك وساد واستفاد وأفاد.
المسألة الرابعة: هذا التكريم المذكور في المسألة السابقة هو عام للنوع الإنساني من حيث هو إنسان لا فرق فيه بين من آمن ومن كفر، لأنه راجع للخلقة الإنسانية التي يتساوى فيها الجميع، والتمكين من أسباب المنافع الذي هو ثابت لجميع النوع بما عنده من عقل وتفكير. وهذا هو مقتضى العموم المستفاد من لفظ (بني آدم) ومثل هذا التكريم في العموم الحمل في البر والبحر والرزق لأنها من جملة التكريم، كما تقدم في فصل بيان المعنى.
المسألة الخامسة: تفضيل الله تعالى لمن يشاء من خلقه قسمان: تفضيل في الخلقة وتفضيل في الجزاء والمثوبة. فمن الأول تفضيل بني آدم المذكور في هذه الآية بما كرموا به وأعطوه في خلقتهم من الوجوه المتقدمة زائداً على كثير من مخلوقات الله مما كانت لهم به الرفعة والمنفعة لجميع نوعهم على العموم. ومن الثاني تفضيل المجاهدين على القاعدين في قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
стр. 302
المسألة السادسة: إقتضى قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ﴾، أي بما كرمناهم به في خلقتهم أنهم لم يفضلوا على جميع مخلوقات الله، وأن بعض المخلوقات أفضل منهم في الخلقة وأكثر منهم كرماً في الجنس، فمن هو هذا المخلوق المفضل عليهم؟ هذا ما نبينه في المسألة التالية.
المسألة السابعة: إذا نظرنا في عوالم المخلوقات فإننا نجدها منقسمة إلى قسمين: قسم مشاهد، وقسم غير مشاهد علمناه بالوحي الصادق من الكتاب والسنة. فالقسم الأول: هو عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان، وهذا القسم كله قد فضل عليه الإنسان بميزة عقله التي ساد بها الجميع وبغيرها مما تقدم. والقسم الثاني: هو الملائكة والجن. فأما الجن، فالإنسان أشرف منهم خلقة وأكرم عنصراً فهم ظلمانيون خلقوا من النار. وهو ترابي وروحه من عالم النور الذي هو عالم الملائكة. فلذا كان أهلاً لاصطفاء الرسل منه كما اصطفيت من الملائكة ولم يصطف من الجن رسول ولا نبي. وأما الملائكة فخلقتهم أشرف من خلقة الإنسان وأكرم لأنهم خلقوا من نور محض منزهة لأجسام النورانية عن كثافة الأجساد الإنسانية الترابية واخلاطها وظلمتها. فلم يفضل عليهم النوع الإنساني عن الخلقة بل فضلوا عليه فهم غير الكثير الذي فضل عليه الإنسان.
المسألة الثامنة: المفاضلة تقع بين الملائكة وبني آدم على وجهين:
إما من جهة الخلقة وإما من جهة المثوبة. فأما من جهة الخلقة فقد عرفنا في المسألة المتقدمة أن الملائكة أفضل، والآية ظاهرة في ذلك ظهوراً بيناً. وأما من جهة الأجر والمثوبة فهو خارج عن معنى الآية وموضوعها. وأفضل الخلق ﵌ أفضل منهم قطعاً، وفي المفاضلة بين الأنبياء والملائكة في الأجر والثواب خلاف كبير وتفويض أمر ذلك إلى الله تعالى في مقام التذكير أسلم.
стр. 303
سلوك المكرمين- حكمة الامتنان بتكريم الإنسان:
إمتن الله تعالى على بني آدم بهذا التكريم لهم في شرف الخلقة ورفعتها، وكثرة المنفعة وتيسير أسبابها تذكيراً لهم بنعمته ليشكروها فيزيدهم منها، وتعريفاً لهم بشرف أنفسهم ليقدروها فينتفعوا بها، فهذان الأمران هما الحكمة المقصودة بهذا الإمتنان. فلنتكلم عليها في الفصلين التاليين.
شكر العبد لنعمة ربه:
قد ابتدأنا بهذه الكرامة في الخلقة، بدون سعي منا ولا عمل، وهو المبتدىء بالنعم قبل استحقاقها. فمن قبل هذه الكرامة وشكرها كان من المكرمين، ومن لم يعرف قيمتها وكفرها كان من المهانين. ومن يهن الله فما له من مكرم، فلنقابل هذا التكريم في الخلقة بالشكر الجزيل بأن نعقد قلوبنا على تعظيم النعمة به، ونطلق ألسنتنا بالإعتراف والثناء على مسديه، ونستعمل هذه الخلقة الكريمة في مراضي ربنا وطاعته. متوسلين بشكر ما ابتدأنا به خالقنا من تكريم الخلقة، إلى ما وعد به الشاكرين من تكريم الجزاء والمثوبة، بأنواع ألطافه وإنعامه وجزيل فضله وإكرامه. فسبحانه ذا الجلال والإكرام.
معرفة العبد لقدر نفسه:
قد استودعنا خالقنا خلقة كريمة، فعلينا أن نعرف قيمتها وأن نقدرها قدرها. وحق على من كرمه ربه أن يكرم نفسه، فعلينا أن نكرم أنفسنا بتكريم أرواحنا بتنزيهها عن مساوىء الأخلاق وتحليتها بمكارمها. وتكريم عقولنا بتنزيهها عن الأوهام والشكوك والخرافات والضلالات، وربطها على العلوم والمعارف وصحيح الإعتقادات وتكريم جوارحنا بتنزيهها عن المعاصي وتجميلها بالطاعات فنتحرى
стр. 304
بأقوالنا وأفعالنا أكرم الأقوال وأكرم الأعمال. ونترفع عن جميع الرذائلة والدنايا، ونتباعد عن كل مواطن السوء والسفالة ونحفظ كرامتنا وشرفنا أمام الله والناس ونجتهد أن لا يمسنا بسوء لا منا ولا من غيرنا. فإذا قدرنا- هكذا- أنفسنا، وشكرنا- كما تقدم- ربنا بلغنا- بإذن الله تعالى- أبعد الغايات من التكريم والتفضيل.
يسرنا الله والمسلمين أجمعين لما يسر له عباده المكرمين المفضلين برحمتك يا أرحم الراحمين (١).
стр. 305
الصَّلَاةُ لِأَوْقَاتِهَا
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١).
ــ
المفردات:
(أقم) أمر، من أقام، أي اجعلها قائمة وذلك بحفظها، والمحافظة عليها، وحفظها صونها من الخلل في شروطها، وأركانها من أقوالها، وأعمالها في الظاهر والباطن، والمحافظة عليها بالمداومة عليها في أوقاتها، (الصلاة): المراد الصلوات الخمس المكتوبة. (لدلوك) اللام، لام الأجل والسببية (الدلوك) هو الميل، وبدايته عند الزوال، ونهايته بالغروب. (إلى): لانتهاء الغاية، فغسق الليل هو نهاية غاية الإقامة. (الغسق): هو ظلمة الليل وبداية الظلمة بالغروب وتمامها بعد مغيب الشفق، عند اشتداد الظلمة. (قرآن الفجر): ما يقرأ به في صلاة الفجر- وهي الصبح- من القرآن، فسميت قرآناً من تسمية الكل باسم جزئه تنبيها على أهمية ذلك الجزء ومكانته. (مشهودا): محضورا.
التراكيب:
أفادت اللام السببية أن ميل الشمس سبب في وجوب الصلاة وإلى عند التجرد عن القرائن لا يدخل ما بعدها في حكم
стр. 306
ما قبلها، لكن هنا قامت القرينة الشرعية- وهي مشروعية الصلاة في الليل- على أن ما بعد إلى داخل في حكم ما قبلها، فهو محل أيضاً لإقامة الصلاة فيه، وقرآن الفجر منصوب عطفاً على الصلاة، وخصصت بالذكر، لأنها لم تكن عند ميل الشمس، ولا عند الغسق، بل تكون عند الوقت الذي أضيفت إليه وهو الفجر. وجملة ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ تذييل لتأكيد إقامته صلاة الفجر.
المعنى:
أقم يا محمد- ﵌ وأمره أمر لأمته لأنَّهم مأمورون بالإقتداء به- الصلاة لأجل ميل الشمس، فأَدِّ الظهر والعصر، وفي غسق الليل، فأَدِّ المغرب والعشاء، وأقم صلاة الفجر إنها صلاة مشهودة.
بيان وتوجيه:
هذه الآية قد انتظمت أوقات الصلوات الخمس، ووجه ذلك بوجوه: الأول: أن الظهر تكون أول الميل، والعصر تكون وسطه، وأن المغرب تكون عند أول الغسق، والعشاء تكون عند شدته بمغيب الشفق، والصبح عند الفجر. الثاني: أن الظهر عند أول الميل، والعصر عند وسطه، والمغرب عند نهايته، والعشاء عند الغسق، أي اشتداد الظلمة بمغيب الشفق. والفرق بين الأول والثاني أن الأول اعتبر المغرب عند بداية الظلمة، والثاني اعتبرها عند تمام الميل، وهما في الواقع متلازمان، فإنه إذا تم الميل ابتدأت الظلمة. الثالث: ولم أره لأحد واللفظ يحتمله- أن ميل الشمس يبتدىء بالزوال، وينتهي فيما يرى لنا بالبصر بمغيب الشفق، غير أن ميلها في الزوال والغروب مشاهد بمشاهدة ذاتها، وميلها بعد الغروب
стр. 307
مستدل عليه بما يشاهد من أخذ الشفق في المغيب إلى أن يغيب بتمامه، ولا شك أن ذلك نتيجة ميلها من وراء الأفق، فالصلوات الأربع على هذا واجبة لدلوك الشمس، وأما غسق الليل، فهو اشتداد ظلمته، وذلك يكون على أتمه بعد مضي الثلث الأول من الليل، فيكون غسق الليل بهذا المعنى خارجاً عن حكم ما قبل إلى، لأن وقت العشاء ينتهي بانقضاء الثلث الأول، فالأوقات عند غسق الليل.
تفسير نبوي:
أخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال. سمعت رسول الله- ﵌ يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار، في صلاة الفجر، ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. فاستشهد أبو هريرة بالآية على الحديث ليبين أنه تفسير لها، وأن صلاة الفجر مشهودة تشهدها ملائكة الليل، وملائكة النهار. وجاء هذا عند أحمد عن ابن مسعود مرفوعاً إلى النبي- صلى الله عليه وسبلم-. وجاء اجتماع الملائكة بأبسط من هذا عند مالك ﵀ فأخرج في موطئه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون.
إستنباط:
من تخصيص صلاة الفجر بجملة التذييل المؤكدة، وما اشتملت عليه من هذه المزية، أخذ جماعة من أهل العلم أفضليتها
стр. 308
على غيرها، فإن قلت أن صلاة العصر أيضاً لها هذه المزية، كما تقدم في حديث مالك، قلت إن ثبوت هذه المزية للفجر قطعي بنص القرآن، ومتفق عليه في روايات الحديث، بخلاف العصر فقد جاء في بعض الروايات دون بعض وتبقى الفجر ممتازة بتخصيصها بالتأكيد في نص الكتاب وكفى هذا مرجحاً لها.
ترغيب وترهيب:
قد جاء عن النبي- ﵌ في الترغيب في امثثال هذا الأمر (أقم الصلاة) وفي الترهيب من مخالفته من الأحاديث ما فيه مقنع ومزدجر، فمما جاء فيهما حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله- ﵌ يقول: خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً أستخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة رواه مالك وغيره. ومما جاء في الترغيب حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل بقي من درنه شئ؟ قالوا: لا يبقى من درنه شئ. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا. رواه الشيخان في صحيحيهما، ومما جاء في الترهيب حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال رسول الله- ﵌: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. رواه مسلم وغيره بنحوه. وحديث بريدة ﵁ مرفوعاً العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم.
стр. 309
الأحكام:
قد قال بكفر تارك الصلاة جماعات كثيرة من الفقهاء والمحدثين سلفاً وخلفاً مستدلين بحديث جابر وحديث بريدة الصريحين في كفره، وذهبت جماعات أخرى كذلك إلى عدم كفره على عظم جرمه، مستدلين بحديث عبادة بن الصامت المتقدم الصريح في جعله في المشيئة، والكافر مقطوع له بدخول النار، ويجيبون عن حديث جابر وبريدة بأن المراد من كفر تارك الصلاة هو الكفر العملي، والكفر قسمان: إعتقادي وهو الذي يضاد الإيمان، وكفر عمل، وهو لا يضاد الإيمان، ومنه كفر تارك الصلاة غير المستحل للترك، وكفر من لم يحكم بما أنزل الله كذلك. وبهذا يجمع بين الأحاديث. وكفى زاجراً للمرء عن ترك الصلاة أن يختلف في إيمانه هذا الإختلاف.
تعليم:
في ربط الصلاة بالأوقات تعليم لنا لنربط أمورنا بالأوقات ونجعل لكل عمل وقته، فللنوم وقته، وللأكل وقته، وللراحة وقتها، ولكل شيء وقته. وبذلك ينضبط للإنسان أمر حياته وتطرد له أعماله، ويسهل عليه القيام بالكثير من الأعمال. أما إذا ترك أعماله مهملة غير مرتبطة بوقت فإنه لا بد أن يضطرب عليه أمره ويتشوش باله، ولا يأتي إلا بالعمل القليل، ويحرم لذة العمل، وإذا حرم لذة العمل أصابه الكسل والضجر، فقل سعيه، وكان ما يأتي به من عمل- على قلته وتشويشه- بعيداً عن أي إتقان. وقد كان النبي ﵌ مقسماً لزمانه على أعماله، وفيه القدوة الحسنة. فقد روى عياض ﵁ في (الشفا) عن علي ﵁ قال: كَانَ- ﵌ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءًا لِلَّهِ وَجُزْءًا
стр. 310
لِأَهْلِهِ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّاسِ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ، وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ، وَقِسْمَتُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ، مِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ، وَيَشْغَلُهُمْ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَالْأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ، وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ، وَيَقُولُ: لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغِي حَاجَتَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّا ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ يَدْخُلُونَ رُوَادًا، وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً ا. هـ.
فهكذا ينبغي للمسلم أن يقسم أوقاته على أعماله ويعمرها كلها بالخير. وكما ربط الله له صلاته بالأوقات، وهي من أمور دينه، كذلك يربط هو بالأوقات جميع أمور دنياه والله نسأل لنا ولجميع المسلمين أن يقصرنا على طاعته ويفقهنا في أسرار دينه، ويوفقنا إلى إتباع سنة رسوله عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام (١).
стр. 311
نَافِلَةُ اللَّيْلِ وَحُسْنُ عَاقِبَتِهَا
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١).
ــ
الألفاظ:
من: للتبعيض. الهجود، النوم والهاجد النائم وج (٢) هجود ومنه (أَلَا طَرَقَتْنَا وَالرِّفَاقُ هُجُودٌ) والتهجد ترك الهجود، كالتحرج والتأثم في ترك الإثم والحرج، وبناء تفعل يكثر في التحصيل كتعلم وتقدم، وجاء قليلاً في معنى الترك، والمراد منه هنا ترك النوم للقيام بالعبادة، للنافلة. قال الجوهري: عطية التطوع من حيث لا تحب ومنه نافلة الصلاة ا. هـ. أي أن الصلاة مؤداة على وجه التطوع دون الوجوب، فلذا قيل فيها: نافلة. وهي على كلام الجوهري بمعنى الشيء الزائد، فهي إسم غير مصدر. قال أبو البقاء وغيره: النافلة الزيادة، فهي مصدر كالعاقبة. عسى: للرجاء، وهي من الله تعالى على الوجوب، لأن إطماعه تعالى لعباده في الجزاء على أعمالهم هو من وعده، ومحال عليه تعالى أن يخلفه. مقاماً: محل القيام. محموداً مثنياً عليه.
التراكيب:
من الليل متعلق بفعل محذوف دل عليه تهجد تقديره أسهر.
стр. 312
الضمير في به عائد على القرآن لتقدم ذكره ولا تراعى الإضافة. والباء باء الأداة لأن التهجد بمعنى التعبد يحصل بالقرآن، أي بالصلاة ويحتمل أن يكون الضمير عائداً على الليل، فالباء بمعنى في، أي فيه. نافلة: مصدر منصوب بتهجد لاتفاقهما في المعنى . والتقدير: تنفل نافلة، وهذا يجري على الوجهين في معاد الضمير. ويحتمل أن يكون حالاً. وهذا يجري على عود الضيير على القرآن بمعنى الصلاة. مقاماً: إما مصدر من غير لفظ عامله الذي هو يبعثك بمعنى يقيمك من مرقدك، وإما ظرف أي يبعثك في مقام، ومحموداً: صفة لمقام، ولكن الذي يحمد حقيقة هو القائم في المقام، فجعل الحمد للمقام توسعاً تنبيها على عظم الحمد وكثرته، فإنه فاض على صاحب المقام حتى غمر مقامه.
المعنى:
أسهر بعضاً من الليل فتعبد بالقرآن في الصلاة زيادة على تعبدك به في صلاة فرضك فتكون على رجاء أن يبعثك ربك من مرقدك يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيقيمك مقاماً يحمدك فيه جميع الناس لما يرون لك من فضل وما يصل إليهم بسببك من خير.
و في الآية مسائل:
المسألة الأولى: كيف يكون التهجد؟ فأمَّا اللفظ فإنه يفيد ترك النوم للعبادة فيشمل تركه كله أو بعضه بأن لم ينم أصلاً أو لم ينم أولاً ثم رقد أو نام أولاً ثم قام. لكن ثبت أن النبي- ﵌ كان ينام ثم يقوم، فبينت السنة العملية أن التهجد المطلوب هو القيام بعد النوم.
المسألة الثانية: هل كان قيام الليل فرضاً عليه: ﷺ دون أمته بمقتضى قوله تعالى ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾. قد ذهب
стр. 313
إلى هذا جماعة كثيرة من أهل العلم سلفاً وخلفاً، ويرد عليه أن توجيه الخطاب إليه لا يقتضي تخصيص الحكم به كما في آية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وآيات كثيرة، ولأن قيام الليل يقع من غيره فيسمى نافلة اتفاقاً، ولحديث عائشة ﵂: ((إن- الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة- تعني سورة المزمل- وهي مكية ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ فقام النبي ﵌ وأصحابه حولاً وأمسك الله خاتمتها إثني عشر شهراً، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيامه تطوعاً بعد فرضه)). رواه مسلم. فهذا يدل على أنهم فهموا أن الأمر من قوله تعالى (قُمِ) لهم معه، مع أنه موجه إليه بخطاب الإفراد، وأنه كان فرضاً عليه وعلى الناس فصار تطوعاً عليه وعلى الناس، ولحديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين وغيرهما ((قام رسول الله ﵌ حتى تورمت قدماه - وهذا لمداومته على القيام كل ليلة ببضع عشر ركعة- فقيل له قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً (١) فلو كانوا يعلمون أن قيام الليل واجب عليه ويفهمونه من القرآن لما أنكروا مشفقين عليه أن يقوم بما هو واجب عليه، ولأن قوله: (أفلا أكون عبداً شكوراً) يفيد أنه متطوع بهذا القيام باختيار ليؤدي شكر نعمة ربه عليه، فإن قيل إن السؤال والجواب راجعان إلى تورم قدميه، وذلك ناشيء على المداومة قيل إذا أنكر الشيء الناشيء عن المداومة فقد أنكرت المداومة، والمداومة على الفرض لا تنكر، فبقي الدليل سالماً، ولهذا كله قال هؤلاء الموردون أن قيام الليل تطوع ونفل في حقه وفي حق أمته، وبقي للأولين أن يقولوا أن قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ خاص به- ﵌ اتفاقاً، وقد جعل جزاء لتهجده بالليل، ولما كان الجزاء خاصاً به فالعمل المجزى عنه خاص به،
стр. 314
فلهذا حملنا قوله على معنى دون غيرك ولما رأيناه واظب على التهجد ولم يتركه حملناه على أنه كان مفروضاً عليه، وحملنا نافلة على معنى أنها فريضة زائدة فوق الصلوات الخمس، فيقول المخالفون في هذا إنكم حملتم النافلة على الفريضة، وهذا خلاف أصل معناها الذي هو التطوع. وأما ما ذكرتم من خصوص الجزاء به فإنا نقول أن الخطاب موجه له في الأول وفي الآخر، ففي الأول لما لم يعارضنا معارض ألحقنا به أمته، وفي الثاني لما منعنا مانع وهو اختصاصه بالمقام المحمود لم نلحقهم به، وبقي الجزاء مساوياً للعمل في صورة اللفظ حيث كان كل منهما موجهاً إليه، وإذا تأملت في هذا البحث الذي سقناه أدركت أن القول بعدم الخصوصية هو الراجح، فالآية حثٌّ وترغيب على قيام الليل للعموم ووعد له- ﵌ بالمقام المحمود.
المسألة الثالثة: ما هو المقام المحمود (هو مقامه ﷺ للشفاعة العظمى) يشفع للخلائق وقد جهدوا من كرب الموقف فجاءوا إلى كبراء الرسل عليهم الصلاة والسلام يسألونهم أن يشفعوا لهم إلى ربهم ليفصل القضاء ويريحهم من كرب الموقف فيتدافع الشفاعة أولئك الرسل صلوات الله عليهم ويتنصلون منها بأعذار رهيبة للرب ﷻ حتى ينتهوا إليه ﷺ فيتقدم فيشفع ويسأل فيعطى، كما جاء هذا كله مفصلاً في الأحاديث الصحيحة المستفيضة. فبحمده الخلق كلهم لما يرون من فضله عند ربه ولما وصل إليهم من الخير المطلوب بسببه.
إختصاصه ﷺ بالمقام المحمود ودليله:
ثم له ﷺ بعد هذه الشفاعة العظمى شفاعات أخرى بينتها صحاح الأحاديث، ولعموم فضل هذه الشفاعة العظمى
стр. 315
لأهل الموقف كلهم قال- صله الله عليه وآله وسلم- كما في صحيح مسلم ((أنا سيد الناس يوم القيامة)) والسيد من يتولى أمر السواد، فظهر عموم سيادته بعموم نفعه. وقد فسر المقام المحمود بمقام الشفاعة عبد الله بن عمر ﵁ رواه عنه البخاري في صحيحه وفسره بها غيره.
المسألة الرابعة: هل المقام المحمود خاص به؟ قد علمت من المسألة السابقة أنه مقام الشفاعة العظمى وهي خاصة به فهو خاص به ويدل عليه حديث جابر الصحيح: ((من قال حين يسمع النداء- الأذان- - اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته- حلت له شفاعتي يوم القيامة)) فهو ﷺ الموعود بالمقام المحمود.
تنبيه وإلحاق:
قد جعل الله تعالى جزاء نبيه ﵌ على تهجده وخلوته بربه في مناجاته هذا المقام الذي يحمده فيه الخلق ويتقبل فيه شفاعته ويستجيب دعوته ويفتح عليه فيه بمحامد من ذكره لم يفتح عليه بها قبل، ففي هذا تنبيه للمؤمنين على حسن عاقبة القائمين لربهم في جنح الليل، وما يكون لهم من مقامات عند ربهم على حسب منازلهم. فكما كان المؤمنون ملحقين بنبيهم ﵌ في مشروعية هذه العبادة كذلك هم ملحقون به في حسن الجزاء عليها. وإن كان قد خصص هو ﵇ بذلك الجزاء الأعظم فلهم جزاؤهم من مقامات القرب، والزلفى والقبول، والرضا، على ما يناسب منارلهم جزاء بما كانوا يعملون (١).
стр. 316
صِدْقُ الْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١).
ــ
المناسبة:
مضى في الآيات السابقة ذكر الله تعالى ما كان من المشركين من الكيد لنبيه ﷺ بمحاولتهم فتنته في دينه والله يثبته، ومبالغتهم في عداوته وإذايته، حتى كادوا يستفزونه ويزعجونه من أرض مكة فيخرجونه منها، وجاء بعدها أمر الله تعالى بإقامة الصلاة والتهجد بالليل، وفي ذلك أمر الله له بالقيام بعبادة ربه والتوجه والإنقطاع إليه وعدم المبالاة والاشغال عن مهام العبادة بهم، فجاء بعد ذلك الأمر الذي في هذه الآية بسؤاله أن يختار له، وفي ذلك تفويض أمره إلى ربه ورضاه بما يختار له. فالآيات السابقة أمر بالتجرد لعبادته، وهذه أمر بالتسليم لمشيئته، فبتلك يكون منقطعاً إليه، وبهذه يكون معتمداً عليه.
الألفاظ:
المدخل يكون بمعنى الإدخال ويكون بمعنى زمانه أو مكانه، الصدق: أصله وصف للقول بمعنى قوله ومطابقته للواقع.
стр. 317
ويوصف به الفعل إذا وقع على وجهه، وكما ينبغي أن يكون. وتضاف إليه الأشياء الكاملة في أنفسها الحسنة في ظاهرها وباطنها. لدن بمعنى عند. السلطان: بمعنى التسلط، يصدق على التسلط على العقول بالحجة وعلى غيرها بالملك والولاية. النصير: بمعنى ناصر.
التراكيب:
مدخل ومخرج منصوبان على المصدرية أو على الظرفية.
المعنى:
قل يا محمد سائلاً ربك متضرعاً إليه، يا رب أدخلني إدخالاً حسناً كاملاً تساوي في ظاهره وباطنه في الحسن والكمال، وتماثلت بدايته ونهايته وحاله وعاقبته فيهما أكون فيه على بصيرة ويقين وثبات وقوة، وأخرجني إخراجاً كذلك- وإذا كان بمعنى الظرف كان المعنى أدخلني في مكان حسن أو زمان حسن .. الخ. وأخرجني كذلك- واجعل لي من عندك تسلطا بالحق على العقول بالحجة والبرهان وعلى الملك بالعدل والإحسان، ينصرني ويؤيدني على كل من يقف في طريق دعوتي إليك وهداية خلقك من جبابرة البغي أو رؤوس الضلال.
توجيه:
قدمنا احتمال المصدرية في مدخل ومخرج لأنه أعم والعموم أنسب بهذا الدعاء الجليل الذي ليس في ألفاظه ما يدل على التخصص ولما كان الذي يضاف إلى الصدق لا يكون إلا حسناً لا عيب فيه ثابتاً لا خلل فيه وصفنا الإدخال والإخراج بما وصفناهما به لأن ذلك كله من مقتضى الحسن والكمال والثبوت. ولما كان السلطان المطلوب هو من عند الله ولا يكون إلا سلطاناً بالحق سواء
стр. 318
أكان في العلم أم في الحكم فسرنا، بالحجة والبرهان والعدل والإحسان.
ترجيح:
إذا نظرنا إلى ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ قيل إن المراد بمدخل الصدق هو المدينة ومخرج الصدق هو مكة وتكون مكة مخرج صدق لأنه يخرج منها على حق ويقين وبصيرة وبإذن من الله تعالى وتأييده وتكون المدينة مدخل صدق لذلك كذلك. وإذا نظرنا إلى عموم اللفط حملنا الآية على العموم اعتباراً بحكم اللفظ ولا يفوت اعتبار المناسبة لما تقدم فإن الخروج من مكة ودخول المدينة يكون مما دخل في العموم دخولاً أولياً فالحمل على العموم - كما رأيت- محصل لاعتبار اللفظ واعتبار المناسبة ولذلك اخترناه.
تطبيق:
كل فرد من أفراد بني الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته لا ينفك عن المداخل والمخارج فكل ساعة يقضيها من حياته هي مدخل باعتبار دخوله فيها من غيرها ومخرج باعتبار خروجه منها إلى سواها. فإن قضاها صادق العقد صادق القول، صادق العمل وفارقها كذلك فهي مدخل صدق ومخرج صدق. وإن قضاها وفارقها سيء العقد سيء القول سيء العمل فهي ليست كذلك بل هي مدخل كذب وفجور ومخرج كذب وفجور. فالإنسان محتاج في كل لحظة من حياته لتوفيق الله وتأييده، وحفظه وإمداده، فجاء هذا الدعاء القرآني منبهاً على هذه العقيدة، مشتملاً على سؤال ما يحتاج إليه الإنسان في جميع شؤونه في حياته وأطواره فيه- من ألطاف ربه. ولما كان الإنسان في كل لحظة من حياته- لا بد- واجداً معارضاً
стр. 319
وصاداً عن الخير والصدق وقاطعاً في طريق الحق- من نفسه وشياطين الإنس والجن- قرن الدعاء السابق بالدعاء الثاني الذي فيه طلب التأييد من الله بالسلطان المبين، فالدعاءان- على (١) اختصارهما وإيجازهما- قد جمعا للإنسان كل حاجته من تحصيل الخير ودفع الشر فهما من أعظم الأدوية الربانية للإنسان ومن أعظم وسائله الشرعية إلى خالقه، فما أحراهما بأن يلهج بهما في كثير من أوقاته.
إستنباط:
إذا علمنا الله تعالى دعاء ففي ضمن ذلك التعليم تعليم آخر لنا كيف نعمل ما يناسب ذلك الدعاء وكيف نسلك السلوك الذي هو مظنة الاستجابة، فلما علمنا تعالى- مثلا- كيف ندعوه بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كان في ذلك إرشاد لنا إلى سلوك الطريق المستقيم والإهتداء بأهله والمباينة لغيرهم، فكذلك هنا لما علمنا كيف ندعوه بالحفظ والتوفيق في المدخل والمخرج كان في ذلك إرشاد لنا إلى ما ينبغي لنا أن نكون عليه في مداخلنا ومخارجنا وجميع مصادرنا ومواردنا من تحري ما فيه مرضاته واجتناب ما فيه سخطه، ولما علمنا كيف ندعوه بالتقوية والتأبيد بسلطان من لدنه مبين كان في ذلك إرشاد لنا أن نكون أهل قوة في الأيدي وقوة في البصائر ودفاع عن الحق بما استطعنا من قوة.
سلوك وامتثال:
فعلينا أن لا ندخل في أمر إلاَّ على بصيرة به وعلم بحكم الله تعالى فيه، وأن دخوله خير، وأن لا نخرج من أمر إلا على بصيرة
стр. 320
وعلم كذلك، لا فرق بين أمر وأمر من كبير وصغير وجليل وحقير ونكون- مع بذل غاية ما عندنا من نظر واختيار- معتمدين على ربنا واثقين بحسن اختياره لنا مسلمين له فيما اختاره، ضارعين له مظهرين فقرنا وحاجتنا في كل حال. وعلينا أن نحصل من الأسباب ما يحصل لنا قوة العلم وقوة العمل لنكون أهلاً للدفاع عن الحق وحزبه، ومقيمين لسلطان الله في أرضه بالحق والعدل والإحسان. معتمدين- مع تحصيل تلك الأسباب- على الله وحده ومنتظرين منه الفرج والتيسير.
هذان هما الأصلان الأساسيان في سلوك أهل الله: التمسك بالحق ومدافعة الباطل، فاستمسك بهما تكن- بإذن الله- من الفائزين.
مَجِيءُ الْحَقِّ وَزُهُوقُ الْبَاطِلَ وَاسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الصَّادِقِينَ:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١)
المناسبة:
لما أمر الله تعالى نبيه أن يدعوه بحسن المدخل والمخرج والنصرة والتأييد أمره أن يعلن استجابته لدعوته بمجيء الحق وفي ذلك نصره، وذهاب الباطل وفي ذلك هلاك أعدائه وذهاب دولتهم. هذا على النظر العام، وأما على النظر الخاص فإن الله تعالى بعد ما ذكر أن أعداءه كادوا يستفزونه من الأرض وأمره أن يتوجه إلى عبادته ودعائه ذكر في هذه الآية ما كان من نصره على المشركين وفتح مكة عليه وتنكيس الأصنام التي هي باطلهم وإعلان كلمة التوحيد