← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (١). ﴿الر * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (٢). ﴿الر * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٣). ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٤). ﴿الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٦) وغيرها ... الفائدة العملية: قد افتتحت هذه السور من القرآن العظيم بكلمات التنبيه، وجاءت أول سورة منه بعد الفاتحة مفتتحة به، فلنكن عند قراءته في انتباه واقبال على استيعاب لفظه وتفهم معناه، فإن التالي للقرآن والسامع له في حضرة الرب على بساط القرب، والغفلة في هذا المقام من قلة الأدب، ومن قل أدبه في مقام الاحسان والكرامة استوجب أضعاف ما يستوجبه غيره من العتب والملامة وتعرض لموجبات الحسرة والندامة، فالله نسأل أن يجعلنا من قرائه على اتنباه واستحضار أناء الليل وأطراف النهار العاملين به بالعشي والأبكار، إنه الجواد الكريم الستار. ... ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا

стр. 562

مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (١). بيان المفردات: الحكيم: هو الموصوف بالحكمة، وأصل اللفظ من حكم، بمعنى أمسك، فالحكمة هي العلم الصحيح الذي يمسك صاحبه عن الجهالات، والضلالات، والسفالات، فيكون ذا إدراك للحقائق قويم وخلق كريم، وعمل مستقيم، لا يحكم الا عن تفكير، ولا يقول الا عن علم، ولا يفعل الا على بصيرة، فإذا نظر أصاب، وإذا فعل أطاب، وإذا نطق أتى بفصل الخطاب. ووصف القرآن بالحكيم لأنه هو العلم الصحيح، المثمر لهذا كله، والصراط المستقيم، هو دين الإسلام، الذي جاء به جميع المرسلين، قبل النبي- صلى الله عليه وعليهم وسلم-. تنزيل: بمعنى منزل، وهو الصراط المستقيم. العزيز: القوي الغالب، الممتنع الذي لا نظير له. الرحيم: المنعم الدائم الانعام والاحسان. الإنذار: الاعلام بوقوع ما يخاف منه، وهو الهلاك والعذاب العاجل والآجل. والغافل عن الشيء: التارك له المعرض عنه، مع حضوره لديه لاشتغال باله بسواه. المعنى: أقسم الله تعالى بالقرآن الحكيم على أن محمداً- ﵌ من المرسلين رداً على من قالوا له: لست مرسلا، في حال أنه على دين الإسلام، الذي بعثه الله به ثابتا عليه في عقده، وقوله، وفعله، وجميع أمره. وأخبر تعالى أنَّ هذا الإسلام الذي جاء به النبي- ﵌ نزَّله عليه الله القوي الغالب، الذي لا يغالب، العديم الشبيه والنظير، والمنعم الدائم الانعام المستمر الاحسان. وبيَّن تعالى أنه كان من المرسلين لينذر الأمة العربية

стр. 563

ويعلمها سوء عاقبة ما هي عليه من الشرك والضلال، تلك الأمة التي ما أنذر آباؤها فهي مشتغلة بما توارثته من آبائها، من عبادة الأوثان، وارتكاب الاثم والعدوان، وأنواع الضلال، والخسران، معرضة عن توحيد خالق الأرض والسموات، وعن النظر فيما نصب للدلالة عليه من الآيات، طال عليها أمد الجهالة، واستولت عليها أسباب الضلالة، فتمكنت منها الغفلة، التمكن التام، فتركت في أوديتها البعيدة المدى، كالأنعام أو أضل من الأنعام. أصل المعرفة والسلوك من هذه الآيات الكريمة: تمهيد: خلق الله الخلق حنفاء موحِّدين، فأتتهم الشياطين فأضلتهم عن سواء السبيل، فمن رحمته تعالى بهم، أن أرسل اليهم، رجالا منهم، لهدايتهم، وأنزل عليهم كتبا منه، لدلالتهم. فالله هو المرسل وتلك الكتب هي رسائله، وأولئك الرجال هم رسله، والخلق هم المرسل اليهم. المعرفة: فللمرسل العلوُّ والكمال، وله الخلق، والأمر، ومنه الرحمة، والعدل، والاحسان، والفضل، وله الربوبية، والالوهية، دون شريك ولا مثال. وفي تلك الوسائل الحق، والحكمة، والنور المخرج، من كل ظلمة والفرقان في كل شبهة، والفصل في كل خصومة، بها تفتح البصائر، وتطةَر الضمائر، وتعرف طريق الحق، والهدى من طرائق الباطل والضلال. ولأولئك الرسل-عليهم الصلاة والسلام- أكمل ما يمكن للإنسان من كمال، وأكمل المعرفة بالمرسل- تعالى-، وأعظم الخشية له، وأكمل الرحمة بالخلق، وأشد الشفقة عليهم، وأكمل العلم بما جاءوا

стр. 564

به وأعظم التمسك به، وأكثر الاتباع له، فلا كمال الا بالاقتداء بهم، ولا نجاة الا باتباعهم، ولا وصول إلى الله تعالى الا باقتفاء آثارهم. وللمرسل إليهم عجز المخلوق وضعفه، أمام خالقه، وحاجته وافتقاره اليه، وعليه حق عبادته، وطاعته، والرجاء لفضله، والخوف من عقابه، والفكر في آياته، ومخلوقاته، والنهوض للعمل في مرضاته، واستثمار أنواع نعمائه، والشكر له على جميع آلائه. فبمعرفة هذه الأربعة حق معرفتها، ومعرفة مقام كل واحد منها، وما له فيه- كمال الإنسان العلمي الذي هو أصل كماله العملي، والشروط اللازم فيه. وقد اشتملت هذه الآيات على هذه الأربعة في حق الأمة المحمدية فالمرسل هو ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ والرسالة هي: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ والرسول هو "محمد"﵌ المخاطب بـ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ والمرسل اليهم هم العرب الذين ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. تمهيد: لما ضل الخلق عن طريق الحق، والكمال، الذي يوصلهم اليه، إلى مرضاته والفوز بما لديه أرسل اليهم الرسل ليعرفوهم بأن ذلك الطريق هو الإسلام، ويكونوا أدلتهم في السير وقادتهم إلى الغاية، وأنزل عليهم الكتب لينيروا لهم بها الطريق، ويقودهم على بصيرة، ويتركوهم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يهلك عليها إلاَّ من ظلم نفسه، فحاد عن السواء، أو تخلف عن القافلة فكان من الهالكين. فالقافلة هم الخلق، والطريق هو الإسلام، والادلة هم الرسل، والمصابيح هي الكتب، والغاية هو الله ﷻ . السلوك: فعلى مريد النجاة من المهالك والفوز بأسنى المطالب، وأعلى المراتب

стр. 565

- أن ينضم إلى القافلة الربانية يتعاون مع أفرادها ويقوم بحق الرفقة فيها، ويعد نفسه جزءا منها لا سلامة له الا بسلامتها، فهو يحب لكل واحد منها ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، ويهديه إلى ما يهديها اليه من خير ويقيه مما يقيها منه من سوء. وان يطيع أولئك الأدلة ويقتفي آثارهم، وينزل بنزولهم، ويرتحل بارتحالهم، وأن يرجع في معرفة وجوه السير، وأصنافه، وأوقاته، ومراحله، ومنازله، اليهم دون أدنى اعتراض، ولا مخالفة، ويقابل ما يتحملونه من مشاق الدلالة، ومتاعب القيادة، بغاية ما يستطيع من الأدب معهم، والتعظيم، والانقياد لهم، والمحبة فيهم، وحسن الثناء عليهم، وطلب عظيم الجزاء، من الله لهم تعالى على عظيم إحسانهم. وان يلتزم ذلك الطريق ويسير في سوائه غير مائل إلى جنباته، ولا ذاهب في بنيَّاته (١) لا مفرطا في السير يسبق الرفقة فينفر بلا دليل، ولا مفرطا فيه، فيتخلف عنها بلا معين نمطا وسطا مع الجماعة لا من الغلاة ولا من المقصرين. وأن يستنير بما رفعه أولئك الأدلة من مصابيح الهداية، وأن يسير تحت أنوارها الساطعة، مفتح البصر، للاستضاءة بها غير مغلق الأجفان عنها، متعرفا بها أديم الأرض ومواقع قدمه منها. وأن يعرف عظم الغاية التي هو سائر إليها، فيقصر همه كله في الوصول اليها، ويحضرها قلبه في كل لحظات سيره، ليسرع مع الرفقة إليها، وتخف عليه مشاق الطريق وأتعابها، ويعذب لديه كل ألم في الانتهاء إليها. فبسلوك هذا الطريق القويم، بدلالة الرسول الكريم، وأنوار الكتاب المبين، إلى ربِّ العالمين الرحمن الرحيم، كمال الإنسان العملي المبني على الكمال العلمي.

стр. 566

وقد اشتملت هذه الآيات على ذكر السالكين، وهم المنذرون وعلى الدليل وهو الرسول- ﵌ وعلى الطريق وهو الصراط المستقيم المنزل من الله، وعلى ما بين الطريق وهو القرآن الحكيم. الحكمة في هذه الآية: قال ابن وهب: سمعت مالك ﵁ يقول: "الحكمة: الفقه في دين الله والعمل به" ففي الفقه في دين الله الكمال العلمي، وفي العمل به الكمال العملي، وهذه الآيات- على إيجازها- قد اشتملت على أصول ما به كمال الإنسان العلمي وكماله العملي اللذان بهما كماله الروحي والبدني ونعيمه الدنيوي، والأخروي، وما كماله العلمي، وكماله العملي الا بالمعرفة الصحيحة والسلوك المستقيم، وهما اللذان تقدم في الفصل السابق بيانهما وفسر مالك الحكمة بهما اذ الفقه في دين الله هو المعرفة الصحيحة، والعمل به، هو السلوك المستقيم، وهما الحكمة التي وصف به، في الآية الأولى القرآن العظيم، لا انه كتاب العلم، والعمل اللَّذين لا يكون بدونهما حكيم. فكما اشتملت هذه الآيات على أصول الحكمة دلت على أصلها، ومأخذها، وما يكون الإنسان بعلمه والعمل بما فيه من أهلها، وهو القرآن الحكيم. توجيه القسم في الآيات: أقسم الله بالقرآن الحكيم على أن محمداً من المرسلين، لينذر الغافلين حال انه على صراط عظيم مستقيم منزل من العزيز الرحيم، لأن القرآن هو كتاب محمد- ﵌ الذي كان يتخلق به ويهتدي بما فيه وينذر به ويدعو اليه ويبينه للناس بقوله، وفعله، وهو برهانه، وحجته، وآيته، ومعجزته. كما أنه كتاب الإسلام، الذي هو الصراط المستقيم، فيه حجته،

стр. 567

ودلائله، فيه أحكامه وحكمه، فيه آدابه وشمائله، فيه بيان حقيقته، وما هو منه ونفى ما ليس منه عنه، فيه بيان تاريخه، وتاريخ الإنسانية معه، فيه ذكر أوليائه، وحسن بلائهم في سبيله، وحسن أثره فيهم، والعود بالعاقبة المحمودة عليهم، وذكر أعدائه وجهدهم في مقاومته وسقوط شبههم أمام حجته وذهاب باطلهم أمام حقه، وشدة أخذه لهم، على ظلمهم، ونزول تقمته بهم، وحلول دائرة السوء عليهم، فيه الإسلام كله، فمن طلبه فيه، وجده، ونجا به، ومن طلبه في غيره (١) ضل، وكان من الهالكين. عقائد وأدلتها من هذه الآيات: العقيدة الأولى: محمد رسول الله- ﵌: دليلها الأول القرآن الحكيم جاء رجل أمي ما قرأ ولا كتب ولا دارس العلماء ولا عرف الكتب. ودليلها الثاني: موافقة دعوته- ﵌ لدعوة المرسلين- صلوات الله عليهم- إلى عبادة الله وحده وتصديق مما جاءهم به من عنده دون أن يسألهم على ذلك أجراً وهذا من قوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فهو من المرسلين. من جهة ارساله لأنه منهم في أقواله وَأفعاله نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) وقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) وقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا

стр. 568

إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١). ودليلها الثالث: هذا الدين الكامل الجامع الذي هدى به النوع الإنساني أفراداً وجماعات إلى ما فيه سعادته، فاطلق فكره وسدد نظره وقوم عقائده وهذب أخلاقه ونظم اجتماعه، ووضع له قواعد الحياة والعمران على العدل والإحسان ووجههم إلى خالقهم وما أعدَّ لهم عنده- ان آمنوا وعملوا الصالحات- من النعيم المقيم والرضوان التام. ودليلها الرابع: سلوكه هو في حياته على هذا الصراط المستقيم من يوم عرف الدنيا حتى فارقها، فكان يمثله على اكمل وجه لا يخل بشيء منه ثابتا عليه لا يحيد قيد شعرة عنه دون أن تحفظ عنه زلة. ولا تعرف منه في القيام به والدعوة اليه فترة، ولا تقف أمامه قوة، ولا ترد له حادثة عزمة ولا تحمله على هوادة فيه رغبة ولا رهبة، ولا تبدل حاله رخاء ولا شدة، فكان في كرم خلقه وتمام زهده وعظيم تألهه وتوجهه لربه بعدما فتح الله له الفتح المين ودخل الناس أفواجا في الدين كما كان أيام كان وحيدا بين أعظم أعدائه من المشركين، وما هذا من شأن البشر وطبعهم لولا عصمة وتأييد رب العالمين. العيقدة الثانية: القرآن كلام الله ووحيه، ودليلها أنه حكيم فما فيه من العلم وأصول العمل. لا يمكن أن يكون الا من عند الله في عقائده ودلائلها وأحكامه وحكمها وآدابه وفوائدها، إلى ما فيه من حقائق كونية كانت مجهولة عند جميع البشر وما عرفت لهم إلاّ في هذا العصر الأخير، ومن أشهرها مسألة الزوجية الموجودة في جميع هذا الكون حتى أصغر جزء منه وهو الجوهر الفرد المركب من قوتين موجبة وسالبة، جاءت هذه المسألة في آيات كثيرة منها

стр. 569

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١). ومنها مسألة حياة النبات التي جاءت في مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٢). ومنها مسألة تلاقح النباتات بواسطة الرياح التي تنقل مادة التكوين من الذكر إلى الأنثى، جاءت في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٣) فهذه حقائق علمية كونية أجمع علماء العصر أنها من المكتشفات الحديثة ولم تكن معلومة عند أحد من الخلق قبل اكتشافها ولا كانت عندهم الآلات الموصلة إلى معرفتها. وكفى بهذا القل من الكثر دليلاً على أن هذا القرآن ما كان إلا من عند الله الذي خلق الأشياء ويعلم حقائقها. العقيدة الثالثة: الإسلام دين الله الذي شرعه وارتضاه. ودليلها مستفاد من وضعه بأنه صراط مستقيم، فهو تشريع تام عام لجميع أعمال الإنسان، أعمال قلبه وأعمال لسانه وأعمال جوارحه وجميع معاملاته الخاصة والعامة بين أفراده وأممه، ولا تخرج كلية من كلياته ولا جزئياته عن هذا الأصل العام التجلي في جميع الاحكام وهو "الحق والخير والعدل والاحسان" وقد وضع عقلاء الأمم شرائع في بعض نواحي أعمال الإنسان، ولكنها بإجماع المتشرعين لا تخلو من نقص واعوجاج واضطراب، فهم ما يقتئون يتبعونها بالتكميل والتقويم والتعديل على ممر الأيام، ولو عرضت كل حكم من أحكامه على الأصل العام الذي ذكرناه لوجدته منطبقا عليه ظاهرا فيه حتى

стр. 570

ما خفي وجهه على الأمم الأجنبية عن الإسلام أيام تاريخها، قد ظهر لها فضله ونفعه أيام تقدمها، فجاء كبراء عقلائها يعترفون فيها بصواب ما شرعه فيها الإسلام، ثم هم يعجزون عن تطبيقها على أممهم للمادة الغالبة والوراثة القديمة، منها مسألة الطلاق وتعدد الزوجات وتحريم الربا تحريما باتا، فكم من عالم غير مسلم صرح بأنَّ الحق والعدل والخير للإنسانية في هذه المسائل هو ما شرعه الإسلام على الوجه الذي شرعه الإسلام. فهذه الاستقامة التامة العامة المطردة في شرع جاء به رجل أمي من أمة أمية جاهلية يجزم كل عاقل بأنه ليس من وضع العباد وإنما هو من وضع خالق العباد (١).

стр. 571

اَلْوَحْيُ مَصْدَرُ الْإِسْلَامِ جملة هو ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (١) بينت وجه استقامة ذلك الصِّراط الذي هو الإسلام بأنه تنزيل العزيز الرحيم، وأفادت أن جميع هذا الدين وحي من الله منزل على نبيه- ﵌ وهذا لأن مرجع الإسلام في أصوله وفروعه إلى القرآن وهو وحي من الله والى السنة النبوية، وهي وحي أيضا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) وكل دليل من أدلة الشريعة فانه يرجع إلى هذين الأصلين ولا يقبل الا إذا قبلاه ودلا عليه. وكل شيء ينسب للإسلام، ولا أصل له فيهما فهو مردود على قائله، وقد قال ﵌: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». الإسلام دين العز والرحمة: ذكر من أسمائه تعالى في هذا الموطن العزيز: ﴿الرَّحِيمِ﴾ للتنبيه على أن هذا الدِّين الذي نزَّله الرب الموصوف بالعزة والرحمة هو دين عزة ورحمة. ومن مقتضى العزة: القوة والمنعة والرفعة، ومن مقتضى الرحمة: الفضل، والخير، والمصلحة. وهذه كلها متجلية في أحكام الإسلام. والعدل والاحسان اللذان أمر الله بهما وأنبنت أحكام الإسلام عليهما

стр. 572

لا يكونان إلاَّ عن العزة والرحمة فالدَّليل لا ينهض بالحكم ولا يقيم ميزان العدل والقاسي لا يكون منه إحسان. اهتداء واقتداء: فالمسلم المتحقق بالإسلام المهتدي بهدايته لا يكون إلاّ عزيزا رحيما، فالذلة من المسلم نقص إسلامه والقساوة مثلها نقص فيه، وقد ذكر الله تعالى سادات المسلمين في عزتهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (١). وذكرهم في رحمتهم فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) ونعم القدوة هم لجميع المسلمين. النذارة ثمرة الرسالة: كان من المرسلين لينذر الغافلين، فالأول كمال والثاني تكميل، وقد فطر الله رسلَه- صلى الله عليهم وسلم- على الرحمة وحب الخير، فكانوا أحرص الناس على نجاة الناس وكمالهم وسعادتهم، فصبروا على تكذيبهم واذايتهم حتى أدُّوا أمانة الله إليهم، وأقاموا حجته عليهم. وكان الله ينجيهم ومن آمن بهم وينزل عقوبته بالمكذبين لهم وينصرهم عليهم، فأعلم محمداً- ﵌ بأنه من المرسلين لينذر- ليأتسى بهم ويصبرهم ويرجو من نصر الله له واهلاك أعدائه ما كان منه تعالى لهم.

стр. 573

إقتداء: العلماء ورثة الأنبياء وما ورث الانبياء دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم. والعلم مستمد من الرسالة فعلى أهله واجب التبليغ والنذارة، والصبر على ما في طريق ذلك من الأذى والبلايا، والعطف على الخلق والرحمة وقد قالى الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١). التدريج في الإنذار: أرسل الله محمداً- ﵌ للعالمين بشيراً ونذيراً، ودرَّجه في النذارة على مقتضى الحكمة من القريب إلى البعيد، فأمره بإنذار عشيرته بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) فصعد الصفا فنادى بطون قريش حتى نادى العباس عمه وصفية عمته وفاطمة ابنته، وقال لهم: «اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» وأمر بانذار من حول مكة من العرب بقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٣) على الوجه الأقرب في معنى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ المؤيد بصدر الكلام وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٤) ومثلها في

стр. 574

إنذار العرب ما في هذه الآية وهو قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (١)، فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في المواسم. وأمره بتعميم الإنذار بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) فارسل رسله إلى الأمم تحمل كتبه إلى ملوكها بالدعوة إلى الإسلام، وكان ذلك هو الإنذار العام. اندفاع إشكال: قد كان النبي يرسل إلى قومه خاصة وأرسل نبينا- ﵌ إلى الناس عامة بمثل قوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي بالقرآن كل من بلغه القرآن ولا يشكل على ذلك مثل ما تقدم من الآيات في انذار عشيرته الأقربين وقومه العرب، لأنه ابتدأ بهما لحكمة التَّدريج وحق القريب لا للتخصيص، بدليل ما جاء من آيات التعميم. إقتداء: هكذا على المرء أن يبدأ في الإرشاد والهداية بأقرب النَّاس إليه، ثم من بعدهم على التدريج، وعندما يقوم كل واحد منا بإرشاد أهله وأقرب الناس إليه لا نلبث أن نرى الخير قد انتشر في الجميع، فمن الأسر تتركب الأمة، فعندما يعني كل واحد بأسرته ترتقي الأمة كلُّها بارتقاء أسرها كارتقاء أي كل بارتقاء أجزائه، فيكون المعتني باسرته في الوقت نفسه معتنيا بأمته. وعندما يقصد بخدمة أسرته

стр. 575

خدمة أمته يثاب ثواب خادم الجميع أسرته بالفعل وأمته بالقصد أو أسرته مباشرته وأمته بواسطة وكل هذا مما يثاب المرء شرعا عليه. إستطراد واستنباط: لما كان العرب لم يأتهم نذير قبل النبي- ﵌، بنص (١) هذه الآية وغيرها فهم في فترتهم ناجون لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) و ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ (٣) وغيرهما، وكلها آيات قواطع في نجاة أهل الفترة، ولا يستثنى من ذلك إلاَّ من جاء فيهم نص ثابت خاص كعمر بن لحي أول من سيب السوائب وبدَّل في شريعة إبراهيم وغيَّر وحلل للعرب وحرَّم فأبوا النبي- ﵌ ناجيان بعموم هذه الأدلة، ولا يعارض تلك القواطع حديث مسلم عن أنس- ﵄: "أن رجلا قال للنبي- ﵌: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفا الرجل دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار" لأنه خبر آحاد فلا يعارض القواطع وهو قابل للتأويل، يحمل الأب على العم مجازاً يحسنه المشاكلة اللفظية ومناسبته لجبر خاطر الرجل وذلك من رحمته- ﵌ وكريم أخلاقه. سبب الغفلة ودواؤها: أفادت الفاء في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ أنَّ غفلتهم

стр. 576

تسببت عن عدم انذارهم، فكل أمة انقطع عنها الإنذار وترك فيها التذكير واقعة في الغفلة لا محالة. ولا كان ترك الإنذار والتذكير موقعا في الغفلة فالإنذار والتذكير يزيلانها، فقد عرفتنا الآية الكريمة بسبب الغفلة وبعلاجها لنحذر سببها ونعالج أنفسنا وغيرنا بعلاجها. تطبيق: كان الناس منذ زمن قريب لا يسمعون ولا يسمع منهم لفظ الاهتداء بهداية القرآن العظيم والاقتداء بهدى الرسول الكريم- ﵌ والسير بسيرة السلف الصالح في النهوض بأعباء الدنيا والدين وهم- إلاَّ قليلا- عن هذا غافلون، أما اليوم بعد أن نهض العلماء المصلحون بواجبهم ونشروا دعوة الحق في قومهم فقد أصبح ذلك معروفا عند أكثر الناس محن (١) وعناية طلاب العلم ومناط رغبتهم وفي متناول الناس بجميع طبقاتهم وانا لنرجو من فضل الله المزيد، ونشاهد ذلك- والحمد لله- كل يوم يزيد فالحمد لله على ما علَّم وألْهم وبصَّر ويسَّر. نسأله دوام التوفيق والتسديد رب العالمين (٢).

стр. 577

لَا يُؤْمِنُ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَدَمَ إِيمَانِهِ ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ .. ﴾ (١) ــ المناسبة: علم الله أن نبيه ﵌ يقوم بالنذارة لقومه ويبذل غاية جهده في تنبيههم من الغفلة، وانقاذهم من الهلكة، وعلم أنهم لا يؤمن به إلاَّ أقلهم، وعلم أن ذلك يكون من أعظم ما يؤلم النبي- ﵌ لشدة حرصه على إيمانهم، وعظيم شفقته عليهم. ولعدم ظهوره ثمرة ما بذله من جهد في هدايتهم فأراد- تعالى- أن يقوي قلب نبيه ﵌ على تحمل ذلك باعلامه به من أول الأمر، إذ ليس المؤلم المتوقع كالمؤلم الذي يصدم عن مفاجأة وأعظم منه الذي يصدم مع توقع ضده، كما هنا، فان التوقع منهم بعد الإنذار البالغ بالبرهان الساطع هو ايمان أكثرهم لا كفره. المفردات: حق: وجب وثبت. القول: قول الله فيهم بما سبق في علمه، فهم لا يؤمنون. فهم: أي أكثرهم. التراكيب: نفي الايمان عنهم نفياً مؤكداً بالاخبار عن ضميرهم بجملة لا يؤمنون.

стр. 578

وقرنت الجملة بالفاء السببية لتفيد أن من سبق في علم الله عدم ايمانه لا يرجى ايمانه بحال، فارتباط الثاني بالأول ارتباط لا انفكاك له. المعنى: لقد وجب وثبت ما سبق في علم الله في أكثرهم وما كان من قوله بعدم ايمانهم فلا يرجى من ذلك الأكثر الذي سبق في علم الله عدم ايمانه ايمان. سؤال: ما مات النبي- ﵌ حتى عم الإسلام جزيرة العرب ودخل الناس في دين الله أفواجا، ولا شك ان الذين ماتوا على الكفر هم الأقل بالنسبة لمن آمنوا فما معنى قوله تعالى: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾. جوابه: الذين قام النبي- ﵌ بانذارهم وأقام بين ظهرانيهم مكررا للنذارة عليهم صباح مساء مدة ثلاث عشرة سنة هم أهل مكة. فهم الذين تتعين ارادتهم من الضمير في قوله تعالى: ﴿أَكْثَرِهِمْ﴾ ولا شك أن اكثر من انذارهم النبي- ﵌ من أهل مكة ماتوا على الكفر. سؤال على هذا الجواب: هذا يقتضي أن المراد بلفظه "قوما" المتقدمة أهل مكة، مع ان المفسرين فسروها بالعرب. جوابه: نسلم هذا ويكون تفسير "قوما" بالعرب نظرا لمماثلتهم لأهل

стр. 579

مكة في وجوب انذارهم باعتبار مشاركتهم لهم في الوصف وهو غفلتهم لعدم انذار آبائهم. لا حجة لمن مات على كفره بما سبق من علم الله: قامت حجة الله على خلقه بما ركب فيهم من عقل، وما مكنهم من اختيار، وما نصب لهم من آيات مشاهدات وما أرسل اليهم من رسل بآيات بينات، وهذه كلها أمور معلومة لديهم ضرورية عندهم لا يستطيعون أن ينكروا شيئا منها، فلا يمكنهم أن يجحدوا ما عندهم من عقل ومن اختيار، ولا أن ينفوا ما يشاهدونه من الآيات في المخلوقات، ولا أن ينكروا مجيء الرسل اليهم وما تلوا عليهم من آيات، وبهذه الاشياء قامت حجة الله عليهم وكان جزاؤهم على ما اختاروه بعدها لأنفسهم. فأما ما سبق من علم الله فيهم فهو أمر مغيب عنهم غير مؤثر فيهم- لأن العلم ليس من صفات التأثير- ولا دافع لهم. فليس لهم أن يحتجوا به لأنفسهم لأنهم لم يعملوا لأجله، كيف وهو مغيب عنهم. وإنما عملوا باختيارهم الذي يجدونه بالضرورة من أنفسهم. توجيه للترتيب: تقوم حجة الله على العبد أولاً ويعمل هو- كاسباً ومكتسباً- باختياره ثانيا، ويظهر لنا ما سبق من علم الله فيه بعد أن اختار ما اختار ثالثا. ولهذا قدمت النذارة وما يرتبط بها على هذه الآية التي فيها بيان ما سبق من علم الله فيهم. تقريب: قد يكون لرجل ولدان هو عالم بنفسيتهما وأخلاقهما وسيرتهما ثم يأمرهما بأمر فيه الخير لهما وهو يعلم- بما علم من أحدهما- انه يمتثل ويعلم- بما علم من الأخر- انه يخالف. ويقول لأهل

стр. 580

بيته ان فلانا سيمتثل، وان فلانا سيخالف. ويظهر ما قاله وما علمه في كل واحد منهما فجازى الممتثل على طاعته وجازى المخالف على عصيانه. فلا شك ان هذا الرجل قد أحسن إلى ولديه بما أمرهما به من خير وفعل ما تقتضيه أبوته من النصح والارشاد، ولا يقدح في ذلك علمه بما سيكون منهما. كما أن هذين الولدين قد نال كل واحد منهما ما يستحق دون أن يكون للمخالف منهما حجة على مخالفته بما كان يعلمه منه أبوه. لله المثل الأعلى فقد أحاط بكل شيء علما فعلم من سيطيعه ومن سيعصي، ولكنه الحكم العدل فلم يكن ليجازيهم على سابق علمه فيهم، الذي لا دخل لهم فيه، بل جعل جزاءهم بعد اقامة الحجة عليهم بما يكون من اختيارهم ليكون جزاؤهم على ما عملوا وما قدمت أيديهم وما لهم دخل فيه بالكسب والاكتساب. تعليم: أرأيت كيف أن الله تعالى لم يجاز الخلق على مقتضى علمه فيهم، وهو العلم الذي لا يتخلف، وإنما جعل جزاءهم اعى أعمالهم. فهذا تعليم لنا كيف تكون معاملتنا بعضنا لبعض فلا نجازي على مجرد الظن بل ولا على مجرد اليقين وإنما تكون المجازاة بعد صدور الأعمال. فرب شخص قدرت فيه الخير أو الشر ففعل ضد ما قدرت، فلو جازيته قبل الفعل لما طابق جزاؤك موضعه ولنال كل ما لا يستحقه، فالحكمة والعدل والمصلحة في ربط المجازاة بالأعمال، وهذا ما كان من الله في مجازاة خلقه وهذا ما ينبغي ان نربط به المجازاة بيننا. تمثيل حال المعرضين عن الحق المعاندين فيه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾

стр. 581

فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١). المناسبة: لما ذكر عدم إيمانهم وكان مبدأ ذلك بإعراضهم عن الحق واختيارهم الكفر على الايمان ذكر ما عاقبهم الله به من منعهم عن الخير ودوام الاعراض عنه. المفردات: الغل: ما يجعل في العنق محيطا به. الذقن: مجمع اللحيين، ملتقى عظميهما تحت الفم. مقمحون: رافعون رؤوسهم. يقال: قمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع عن الشرب. ويقال: اقمحه الغل: إذا ترك رأسه مرفوعا لضيقه. السد: الحاجز بين الشيئين. فأغشيناهم: جعلنا عليهم غشاء أي غطاء أحاط بجميع الذات فمنع العيون من الأبصار. التراكيب: فهي إلى الأذقان أي الاغلال منتهية من أسفل الأعناق إلى الأذقان. وهذا كناية عن عرضها ولذا فرع عليه فهم مقمحون. فرع عدم أبصارهم على جعل سد أمامهم وسد خلفهم لالتزاق السدين بهم وضغطهما عليهم، فكما لا يستطيعون معهما تحركا لا يستطيعون أبصارا، وكيف يبصرون وجهه ملتزق بالحائط مثلا. المعنى: إنا جعلنا في أعناق هؤلاء الذين لا يؤمنون أغلالا ضيقة عريضة

стр. 582

تركتهم رافعين رؤوسهم عن مناهل الايمان لا يستطيعون أن يطأطئوا رؤوسهم إليها فيرتووا. وجعلنا أمامهم حجابا وخلفهم حجابا محيطين وملتزقين بهم ومغطيين لجميع ذواتهم فلا يستطيعون معهما تحركا ولا أبصارا. توجيه التمثيل: دعوا إلى الايمان والتوحيد ومكارم الاخلاق وهذه أمور مدرك حسنها بالفطرة السليمة، فهي كالماء الذي تقبل عليه الحيوانات بفطرتها، فلما أعرضوا عنها شبهوا بالابل المقمحة عن الماء. ثم ان هذه الأمور كما يدرك حسنها بالفطرة السليمة تدرك باستعمال النظر فيما بين يدي الإنسان من الآيات التي يراها ويشاهدها وما خلفه من أيام الله في الأمم التي بلغته أخبارها وأنباؤها، فلما اعرضوا عما يرون وما قد سمعوا شبهوا بمن جعل بين سدين ملتزقين ومحيطين به فجمد في مكانه فلا هو يتحرك إلى ناحية ولا هو يبصر شيئا. ترهيب: كل ما دعا اليه الإسلام من عقائد وأخلاق وأعمال فهو مما تقبله الفطرة السليمة وتدركه العقول بالنظر الصحيح، فمن قابل دعوة الإسلام بالاعراض والعناد وخالف فطرته وعاكس عقله كان حقيقا بهذا العقاب الشديد من طمس البصيرة والطبع على القلب، فذكر الله لنا هذه العقوبة بهذا التمثيل البليغ الذي صورها في أبشع وأفظع صورة. ليحذرنا من الاعراض عن الحق والعناد له ويخوفنا بعاقبة ذلك على أهله. تعليم: لكل إنسان فطرته وعقله فعلينا إذا دعينا إلى شيء أن نعرضه عليهما

стр. 583

راجعين إلى الفطرة الإنسانية وإلى العقل البشري منزهين عن الاغراض والاهواء والأوهام والشبهات. فإذا كان هلاك هولاء بعدم الاستفادة منهما فان النجاة عند ما تعرض الامور بالرجوع اليهما، وتجد القرآن العظيم يخاطب العقل والفطرة ليعلمنا الرجوع اليهما والاستفادة منهما. من استوى عنده الانذار وعدم الانذار لا يرجى منه ايمان: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١). المناسبة: لما ذكر- تعالى- عدم ايمانهم لما سبق من علم الله فيهم ذكر هنا سببا آخر لذلك، وهو استواء الإنذار وعدمه لديهم. الترتيب: ذكر هذا السبب أثر ما تقدم من وصفه حالهم في شدة الاعراض للتنبيه على أن من فسدت فطرته وانطمس عقله يسوي عنده الانذار وعدمه فلا يكون منه ايمان على كل حال. المفردات والتراكيب: سواء: بمعنى مستو. والهمزة الأولى أصلها للاستفهام، وليس مرادا هنا، وتسمى في مثل هذا التركيب همزة التسوية لوقوعها بعد لفظها ودخولها على الأول من أمرين يراد التسوية ما بينهما. وهي حينئذ من أدوات السبك، ولذا يكون تأويل الكلام هكذا: سواء عليهم انذارك وعدم انذارك.

стр. 584

المعنى: ان أكثر أهل مكة الذين حكم الله بعدم ايمانهم بلغوا من شدة الاعراض والعناد إلى حيث استوى عندهم الضدان الإنذار وعدم الإنذار، فمحقق منهم عدم الايمان ومأيوس من صدوره من ناحيتهم. تحذير: يذكر الله تعالى حالة هؤلاء الذين استوى عندهم الشيء وضده، يحذرنا منها ومما يؤدي اليها من اهمال الفطرة وترك النظر، فان الإنسان انما يمتاز على بقية الحيوان بتمييزه بين الحقائق بالفطرة والفكرة، وإدراكه الفوارق ما بينها. فإذا سلب هذه المزية التحق بالعجماوات بل كانت العجماوات خيرا منه لبقاء فطرتها سليمة لإدراك ما فيها استعداد لإدراكه. تحذير الانذار للمنتفعين وتبشيرهم: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (١) المناسبة: لما ذكر تعالى المأيوس من انتفاعهم بانذار النبي- ﵌ ذكر الذين ينتفعون به تأنيسا له بهم وتقوية له بظهور ثمرة انذاره فيهم. المفردات والتراكيب: الذكر: القرآن، وهو من أسمائه التي تكررت في التنزيل،

стр. 585

وأل فيه للعهد. الغيب: الخلوة عندما يغيب الإنسان عن عيون البشر، التبشير الاخبار بما يسر، المغفرة ستره الذنب بالتجاوز عنه وعدم المؤاخذة به. الأجر: الجزاء على العمل. الكريم: الطيب الشريف في نفسه النافع في أثره الذي لا يشوب ذاته نقص، ولا منفعته ضرر، وأفاد المضارع في تنذر تحديد الإنذار للمتبعين، وذكر اسم الرحمن ليفيد التركيب أنهم يخشونه مع العلم برحمته، وذلك يقتضي جمعهم بين الخوف والرجاء. الترتيب: ذكر المنتفعين بعد المأيوس من انتفاعهم ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، ولأنهم كالزبدة التي يحصل عليها بعد طرح غيرها، ولإراحة القلب من أولئك لتتوجه العناية التامة إلى هؤلاء، وذكرت الخشية بعد الاتباع لانها لا تحصل إلاَّ به. وجيء بعد بالتبشير مقرونا بالفاء لأنه إنَّما يكون لأهل الاتباع والخشية بسبب اتباعهم وخشيتهم. وذكر الأجر بعد المغفرة لأن التحلية بعد التخلية والتزين بعد ازالة الادران. المعنى: انما يتجدد انذارك وينتفع به الذين آمنوا وهم الذين اتبعوا القرآن وخافوا الله في خلواتهم لصدق ايمانهم خاشين نقمته راجين رحمته، وهؤلاء كما تنذرهم وينتفعون بانذارك بشرهم على اتباعهم للقرآن وخشيتهم بالغيب للرحمن بمغفرة ذنوبهم وجزاء شريف رفيع طيب نافع لا نقص فيه ولا تنغيص- على أعمالهم. دفع إشكال: أمر النبي- ﵌ بالإنذار العام، ثم كان ممن أنذرهم قوم مأيوس منهم، وهؤلاء هم المراد بقوله تعالى:

стр. 586

﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ الآيات، وهم الذين جاء فيهم قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ... ﴾ الآية (١). اذ لا فائدة من انذارهم، وكان قوم آخرون آمنوا وهؤلاء هم المرادون بقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ الآية. فلا منافاة بين قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ الذي يقتضي التعميم وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ الذي يقتضي التخصيص، لأن الأول في مقام الإنذار العام، والثاني في مقام تجديد الإنذار والانتفاع به. واما الاعراض فلا يكون الا عن المأيوس منه من الكافرين. إرشاد: طريق السلوك الشرعي انما هي اتباع القرآن وأكمل أحوال العبد أن يخشى الله ويرجو رحمته، وأهل الاتباع والخشية لا يستغنون عن تجديد الإنذار وذلك بدوام التذكير المشروع في الإسلام. وتذكير المؤمنين بانذارهم وتبشيرهم فلا يؤمنون من عذاب الله ولا يقنطون من رحمته. صفة المؤمن من هذه الآيات: المؤمن الكامل هو من سلمت فطرته، وصح إدراكه، واتبع القرآن في عقده وخلقه وعمله، واستوت خلوته وجلوته وسره وعلنه، وعبد الله راجيا رحمته خائفا عذابه، يخوفه الإنذار، وترجيه البشرى بالمغفرة والاجر الكريم. ثبتنا الله والمسلمين على الايمان مع هذه الصفات إلى الممات آمين يا رب العالمين (٢).

стр. 587

الحياة بعد الموت ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (١) ــ المناسبة: اشتملت الآيات المتقدمة على ذكر الرسول وصفته، ورسالته التي جاء بها- وهي القرآن- ووصفها، والمرسل وهو العزيز الرحيم، والمرسل اليهم وتعميمهم بالنذارة وانقسامهم إلى معرضين معاندين ومقبلين متبعين. فجاءت هذه الآية مشتملة على ما تكون فيه نتيجة ذلك وثمرته وهو يوم القيامة. ووجه آخر وهو أن أمهات أصول العقائد ثلاثة: الايمان بالله والايمان برسول الله والايمان باليوم الآخر. وقد انتظمت الآيات المتقدمة تقرير الأصل الثاني بالقسم عليه على ما تقدم من البيان، وانتظمت الأصل الأول ضمنا بذكر العزيز الرحيم فجاءت هذه الآية لتقرير الأصل الثالث. سؤال: كيف لم يذكر الأصل الأول- وهو الأصل الأول- الا بما ذكر به من الذكر الضمني. الجواب: ذلك لأمرين: الأول أنَّ هذه الأصول الثلاثة تذكر في اكثر السور، غير أن بعض السور تخصص بالحديث على بعض الاصول

стр. 588

أكثر من غيره ولا يذكر فيها غيره الا ضمنا كما هنا. الثاني أن تقرير الأصل الثاني هو تقرير للاصل الأول اذ جميع دلائل النبوة دلائل على وجود الخالق وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته. المفردات: الاحياء: ايجاد الحياة في الجسم ولا يكون الا من الله. والميت: الجسم الذي يقبل الحياة ولا حياة فيه سواء كانت فيه وزالت أم لم تكن فيه بعد كالجنين قبل نفخ الروح فيه. التركيب: أكدت الجملة (بأن) لان الخطاب مع منكري البعث والنشور. وأكد اسم ان بنحن ليفيد الاختصاص، فهو المحيي دون غيره- وعبر بنحيي فعلا مضارعا ليفيد تجديد الاحياء واستمراره فيشمل احياءه للأجنة في الدنيا واحياءه الأحياء الثاني في الأخرى، وكثيرا ما جاء في القرآن الاستدلال على الاحياء الثاني بالاحياء الأول، فتكون كلمة (نحيي) قد اشتملت على العقيدة وهي الاحياء الثاني ودليلها وهو الأحياء الأول. المعنى: يعرف الله- تعالى- عباده بأنه هو الذي يحيي الموتى دون غيره، ويذكرهم بما يشاهدونه من ذلك فيهم وهم أجنة في بطون أمهاتهم، فيؤمنون بأنه يحييهم كذلك بعد موتهم فيستعدون من حياتهم الأولى لحياتهم الثانية. إحصاء الأعمال المباشرة وغير المباشرة: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ المناسبة: لما أعلم الخلق بأنهم يحيون بعد الموت أعلمهم بأن أعمالهم المباشرة

стр. 589

وغير المباشرة مكتوبة عليهم لأن حياتهم بعد الموت لنيل جزاء ما كتب عليهم من أعمالهم. المفردات: قدم الشيء: جعله قدامه، وأعمال المرء التي يباشرها قدمها قبله في طريقه إلى الآخرة فهي محفوظة حتى يلحقها. والأثر: ما يحصل من العمل كالذي يحصل على- وجه التراب من وضع الأقدام- ويبقى بعد رفعها. فآثار الإنسان ما يحصل من أعماله التي باشرها. التراكيب: عبر بنكتب مضارعا ليفيد التجدد والاستمرار، فما من عمل أو أثر يتجدد إلا ويكتب. وأسند الكتابة اليه، والكاتبون الملائكة لأنهم بأمره يكتبون. المعنى: يعلم الله- تعالى- عباده بأنه يكتب كل أعمالهم التي يعملونها ويباشرونها بأنفسهم ويكتب كذلك ما يعمله غيرهم إذا كان متسببا عن أعمالهم وأثرا لها. تنظير: مثل هذه الآية في الدلالة على ان العبد مؤاخذ بما عمل مباشرة وما عمله غيره وكان من آثار عمله قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (١). فالذي أخره هو أثره المذكور في هذه الآية.

стр. 590

تأييد وبيان: في صحيح مسلم من طريق جابر بن عبد الله- ﵃ قال: جاء ناس من الاعراب إلى رسول الله- ﵌ عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه، قال: ثم ان رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله- ﵌: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شىء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء». وفيه من طريق أبي هريرة- ﵁: ان رسول الله- ﵌ قال: من دعا إلى هدىً كان له من الاجر مثل اجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثار من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا. فتأيد بهذين الحديثين فهم المعنى المتقدم من الآية، وهو أن العبد له وعليه من آثار أعماله مما لم يباشره بنفسه مثل ماله وعليه من أعماله التي باشرها. وبين الحديث الأول ان ما تسبب عن عمل المرء يعد أثرا لعمله عندما يعمل به في حياته مثلما يعمل به بعد مماته. اذ الذي جاء بالصرة أولا قد تسبب عن مجيئه مجيء من بعده على أثره، والحديث سيق في شأنهم، فتكون حالتهم أول ما يشمل كما بين الحديث الثاني ان أثر القول كأثر الفعل، اذ الكل عمل. وبين الحديثان ان نيل المرء جزاء عمله الذي لم يباشره ولا ينقص من جزاء العامل المباشر شيئا. تنبيه: من صورة الواقعة التي ورد فيها الحديث الأول علمنا ان المراد به:

стр. 591

من سن سنة حسنة أو سيئة هو من ابتدأ طريقا من الخير في أعمال البر والاحسان وما ينتفع به الناس من شؤون الحياة. ولا يشمل ذلك ما يحدثه المحدثون من البدع في العبادات من الزيادات والاختراعات اذ الزيادة على ما وضعه الشرع من العبادات وحدده افتئات عليه واستنقاص له، وهذه هي البدعة التي قال فيها النبي ﵌: «كل بدعة ضلالة» «وكل ضلالة في النار». تحذير: على العاقل وقد علم انه محاسب عن أفعاله وعلى آثار أقواله أن لا يفعل فعلاً ولا يقول قولا حتى ينظر في عواقبه، فقد تكون تلك العواقب أضر عليه من أصل القول وأصل الفعل، فقد يقول القول مرة ويفعل الفعل مرة، ثم يقتدي به فيه آلاف عديدة في أزمنة متطاولة. حقا ان هذا لشيء تنخلع منه القلوب وترتعد منه الفرائض وصدق القائل من السلف- ﵃: السعيد من ماتت معه سيئاته. الاحصاء العام في الكتاب الإمام: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ المناسبة: لما أعلم العباد بأنه يكتب لهم وعليهم أعمالهم أعلمهم بأنه تعالى قد كتب كلَّ الأشياء لا خصوص أعمالهم تعميما بعد تخصيص. المفردات: الاحصاء: تحصيل الشيء بالعد وضبطه والاحاطة به. الامام: ما يؤتم ويقتدى به. والكتاب: إمام لأنه يتبع فيؤخذ بما فيه ويعتمد عليه. والمبين: المظهر لما فيه فكل ما فيه ظاهر فيه.

стр. 592

التراكيب: أصل الكلام: أحصينا كل شيء أحصيناه، فحذف أحصينا الأول لدلالة الثاني، فكان هذا أقوى في ثبوت الاحصاء ووقوعه على كل شيء. المعنى: يعلم الله عباده بأنه حصل كل شيء من ذوات وأقوال وأفعال وجميع ما كان في العالم وما يكون، وأثبته فرداً فرداً في كتاب إمام معتمد مظهر للأشياء التي فيه فهي فيه ثابتة ظاهرة جلية. إعتبار: قد أحاط الله بكل شيء علما فهو غني بعلمه عن هذه الكتابة، ولكنه جعل هذا الكتاب اظهارا لعظمة ملكه وليعلم عباده الضبط والاحصاء في جميع أمورهم وليبالغوا في محاسبة أنفسهم وليعلموا أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطاهم لم يكن ليصيبهم. فيزول من قلوبهم الخوف من الحوادث والمخلوقات وتعظم ثقتهم بالله وفي ذلك أعظم قوة في هذه الحياة وأكبر راحة للقلب من صروفها. نسأل الله أن يقوي قلوبنا بالإيمان، وأن يريحنا باليقين، وان يعيذنا من الخوف إلاَّ منه، ومن الخضوع إلاَّ له. آمين يا رب العالين (١). ...

стр. 593

الفرار إلى الله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ــ تمهيد: المقصود الأساسي من الآيات هو تحذير الخلق من الهلاك وترغيبهم في النجاة ولا سبيل إلى ذلك الا بالفرار إلى الله. فمهد لذلك بالآيات الثلاث الأول للترغيب فيه، وختم بالخامسة لبيان الفرار الصحيح المنجي عند الله. الآية الأولى: الألفاظ والتراكيب: السماء: هي الجرم الأعظم الذي أحاط بالأجرام السابحة في الفضاء كلها وعلا عليها. بنيناها: ضممنا أجزاءها بعضها إلى بعض بغاية الدقة والإحكام فكانت كالقبة فوق الجميع. بأيد: بقوة. لموسعون: لمقتدرون ومطيقون، على احتمال أن يكون من الوسع، بمعنى القدرة.

стр. 594

والطاقة. أو لموسعون ومبعدون بين أرجائها على احتمال أن يكون من السعة. وقدمت السماء لأنها الشاهد المحسوس الذي تقوم به الحُجة. وليقع البناء عليها مرتين على لفظها وعلى ضميرها لأن الأصل: وبنينا السماء بنيناها. لتحقيق أنها مبنية وأن بناءها لم يكن إلاَّ من الله القادر الحكيم. ولذلك علق بالفعل قوله بأيدٍ. والجملة الحالية تدل على ان الاتساع ثابت له عند البناء فذلك البناء العظيم لم ينقص من قدرته أو لم يمنع من توسيعه. المعنى: ان هذه القبة التي أحاطت بكم من جميع الأرجاء نحن بنيناها بقدرتنا ذلك البناء المحكم المتقن، بنيناها ونحن على قوتنا وقدرتنا نقدر على بناء أعظم منها لو شئنا، أو، ونحن على قدرتنا وطاقتنا في افاضة الخيرات والبركات منها عليكم. - هذا على انه من الوسع- أو بنيناها وقد وسعنا أديمها حتى أحالت بهذه الأجرام السابحة التي منها ما لا يكون معه جرم الكرة الأرضية إلا كحمصة فوق مائدة كبيرة. - هذا على أنه من السعة-. تحقيق آية كونية من الآيات القرآنية: السماء في اللغة هي كل ما علاك. فكل ما علا الأرض من سحب وطبقات هواء وكواكب تسبح في الفضاء، وما وراء ذلك من القبَّة المحيطة الكبرى هو للأرض سماء، وكل هذه متقنة الصنع محكمة الوضع متلاحمة الأجزاء، مرتبط بعضها ببعض ارتباطا مقدرا بالمسافات المدققة التي لا يكون معها تصادم ولا ارتخاء. ووضعها على هذه الصورة المنظمة المحكمة هو البناء وعليها كلها ينبغي ان يحمل لفظ السماء في الآية المتقدمة. وقد جاء لفط السماء في القرآن مراداً به القبة المحيطة في مثل:

стр. 595

﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (١) ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (٢) وجاء مرادا به السحاب في مثل: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ (٣) فإن المطر ينزل من السحاب لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (٤). وجاء مراداً به طبقات الجو في مثل: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (٤) والبرد يتكوَّرُ في طبقات الجو. والمتتبع لمواقع لفظة السماء من الكتاب العزيز يتحقق هذا. الآية الثانية: الألفاظ والتراكيب: الأرض: هي هذه الكرة التي تعيش عليها. فرشناها: بسطناها بزينتها ومنافعها. الماهدون: من مهد الشيء وضعه وسواه وهيأه للنوم والجلوس والراحة. ويجري في تقديم الأرض ما تقدم في تقديم السماء. ومن يسير على هذا البساط المفروش ويطلع على ما هي فيه من أسباب الحياة لكل ما فيه من حيوان لا يتمالك أن ينطق بالمدح والثناء على من هيأ هذه التهيئة ومهد هذا التمهيد، ولذا قرنت الجملة الأخيرة بالفاء فقيل: فنعم الماهدون، ولا يغني فرش الأرض عن مهدها لأن المهد يتضمن ما حصل فيها من مرافق ومواد وأسباب للعيش على أديمها والتنعم بخيراتها.

стр. 596

المعنى: ان الأرض التي أنتم متمكنون من الوجود على ظهرها والسيْر في مناكبها والانتفاع بخيراتها نحن فرشناها لكم وهيأنا لكم أسباب الحياة والسعادة فيها على أكمل وجه وأنفعه وأبدعه. مما نستحق به منكم الحمد والثناء. دقيقة كونية في الآية القرآنية: شأن الفراش أن يكون ما تحته لا يصلح للجلوس والنوم عليه. وما تحت وجه الأرض هو كذلك لا يصلح للحياة فيه، فان تحت القشرة العليا من الأرض المواد المصهورة والمياه المعدنية والأبحرة الحارة مما تنطق به البراكين المنتشرة على وجه الارض في أماكن عديدة فكانت القشرة العليا من الأرض مثل الفراش تماما. الآية الثالثة: الألفاظ والتراكيب: من كل شيء: من كل جنس من الأجناس. خلقنا: كونا. زوجين: فردان متباينان يكمل أحدهما الآخر في عالم الحيوان وعالم النبات وعالم الجماد. تذكرون: تذكرون ما أودع في فطرتكم من المعرفة لا تنظرون بعقولكم في عجائب الخلق فتدركون ما له ﷻ من الألُوهية والربوبية والوحدانية. وقدم من كل شيء لأن الأشياء هي المستدل بها ولبعث الهمم على النظر فيها. المعنى: إنَّا خلقنا الأشياء التي تشاهدونها على الزوجية والتركيب من شيئين متضادين لتكونوا بحيث يرجى منكم أن تعلموا أنَّ النقص والعجز

стр. 597

عم المخلوقات كلها لحاجة كل شيء منها إلى ضده، وقصوره بنفسه. فالقدرة والكمال للخالق وحده فلا يستحق العبادة سواه فاعبدوه ووحدوه. توسع في التذكر: النظر في الأزواج مفض للعلم بما ذكرنا وللعلم بأن الخلق غير صادر عن طبيعة الأشياء، فان النار- مثلا- لا يصدر عنها التبريد والتسخين لأن السبب لا ينتج الضدين، فالمخلوقات كلها صادرة بطريق الخلق عن فاعل مختار وللعلم بوجوه كثيرة من احاطة علمه وشمول حكمته وعموم نعمته. حقيقة نفسية، في نكتة بلاغية: إذا نظر العاقل في هذه الأزواج وفكر انكشفت له وجوه سر دلائل الربوبية والألوهية والتوحيد وإذا حصل الانكشاف الأول تبعته انكشافات فإذا حصل منه التذكر أفضى به إلى تلك الوجوه الكثيرة. ولهذا نزل الفعل منزلة اللازم الذي لا يراد منه إلا حصول الحدث. آية كونية في الآية القرآنية: من الأزواج ما هو ظاهر مشاهد معلوم من قديم مثل السماء والأرض والليل والنهار والحر والبرد والذكر والأنثى في الحيوان وبعض النبات. ومنها ما كشفه العلم بما مهد الله له من أسباب كالجزء الموجب والجزء السالب في القوة الكهربائية وفي الذَّرة التي هي أصل التكوين فلا فردية الا لخالق هذه الازواج كلها الذي أنبأنا بها قبل ان تصل إلى تمام معرفتها العقول فكان من معجزات القرآن العلمية التي يفسرها الزمان بتقدم الإنسان في العلم والعمران. بلاغة التنويع والتنزيل: لما كانت السماء متلاحمة الأجزاء في العلاء ثابتة على حالة مستمرة

стр. 598

في هذه الدنيا على البقاء ناسبها لفط البناء، ولما كانت مظهر العظمة والجلال ناسبها لفط القوة. ولما كانت الأرض طرأ عليها التبديل والتغيير بما ينقص البحر من أطرافها ربما قد يتحول من سهولها وجبالها وبما يتعاقب عليها من حرث وغراسة وخصب وجدب ناسبها لفط الفراش الذي يبسط ويطوى ويبدل ويغير، ولما كانت أسباب الانتفاع بها الميسرة ضرورية للحياة عليها وكلها مهيأة وكثير منها مشاهد وغيره معد يتوصل إليه بالبحث والاستنباط- ناسب ذكر التمهيد-. ولما كانت الأزواج مكونا بعضها من بعض ناسبها لفظ الخلق ولما كان النظر في الزوجية هو نظر في أسباب التكوين لتلك المذكورات السابقة وهو محصل للعلم الذي يحصل من النظر فيها قرن بلفط التذكر. الآية الرابعة: الألفاظ والتراكيب: الفاء: للترتيب لأن ما قبلها على ما فيه من عظمة وكمال وجمال فهي مخلوقة موسومة بسمة العجز والنقصان، فلا يصلح شيء منها للتعويل عليه، فلم يبق إلاَّ الخالق القادر ذو الجلال والاكرام، فهو الذي يفر اليه دون جميع المخلوقات. فروا: اهربوا. النذير: المعلم بما فيه هلاك لتجتنب الأسباب المؤدية اليه. المبين: الذى يوضح ما نذر منه والأسباب المؤدية اليه والوسائل المنجية منه. مع اقامة الحجة على صدقه ونصحه. وقدم لكم ليفيد اهتمامه بهم وذلك ليجلبهم اليه فيستمعوا لنصحه وبعده منه ليبين مصدر رسالته وذلك ليبين لهم أنه مأمور فلا يستكبروا عن قبول دعوته. وأكد الجملة لأنهم في مقام التردد أو الإنكار. المعنى: هذه المخلوقات كلها عاجزة في نفسها مفتقرة- ابتداء ودواما-

стр. 599

إلى خالقها فاهربوا من شرها إلى خالقها فهو الذي ينجيكم من شرها ويهديكم إلى خيرها ولا تغتروا بشيء منها فإنها لا تملك حفظا لنفسها فكيف تملكه لغيرها. إنني أحذركم الهلاك إذا اغتررتم بها وقطعتكم عن خالقها ولم تهربوا إلى الله منها وقد أبنت لكم مصدر الهلاك وطريق النجاة. نكتة التنويع: جاءت الثلاث الآيات الأول كما يكون قولها من الله، وجاءت هذه الآية كما يكون قولها من النبي- ﵌ تنويعا للخطاب وتفننا، فإنه لما كان ما في هذه الآية هو المقصود حول أسلوب الكلام من الاخبار إلى الأمر تجديدا لنشاط السامع وبعثا لاهتمام المخاطبين وحثا لهم وتوكيدا عليهم. وفيه تنبيه على أن ما يقوله النبي- ﵌ مثل ما يقوله الله في وجوب الإيمان والامتثال. بيان وتوحيد: هذا العالم بمائه وأرضه وأزواجه هو فتنة للإنسان بما فيه من لذائذ ومن جمال وما فيه من قوة وما فيه من سلطان. وقد ركبت في الإنسان شهواته وأهوائه وسلط عليه الشيطان يغويه ويزين له. فكل هذا العالم إذا ذهب فيه الإنسان مع أهوائه وشهواته تحت إغواء الشيطان وتزيينه فانه ينحط إلى أسفل سافلين ويصير عبدا لأهوائه وشهواته وشيطانه ولكل ما فتنه من العالم وذهب بلبه. وقد ينتهي به ذلك إلى عبادته من دون خالقه. فالعالم بهذا الاعتبار شر وبلاء وهلاك يجب الفرار والهروب منه ولا يكون هذا الفرار منه إلا إلى خالقه بالايمان به والتصديق لرسله، والدخول تحت شرعه، فبذلك يعرف الإنسان كيف يجعل جدا لاهوائه وشهواته وكيف يضبطها

стр. 600

بنطاق الشرع وزمامه، وكيف يدفع عنه كيد شيطانه، وكيف يتناول سماء العالم وأرضه وأزواجه بيد الشرع فيعرف ما فيها من نعمة وحكمة فيستغلها بهداية الشرع مفرقا علميا وعمليا- بين منافعها ومضارها، فيعظم بها انتفاعه ويزداد فيها اطلاعه واكتشافه فتتضاعف عليه منها الخيرات والبركات ويزداد علمه وعرفانه، ويقوى يقينه وايمانه ويعظم لله بره وشكرانه. فيكون له ذلك العالم جنة الدنيا وقنطرة لجنة الاخرى، ويفوز من الدارين بالمبتغى، كل هذا بفراره من المخلوقات إلى خالقها فسلم من شرها وفاز بخيرها فمن هرب من المخلوقات إلى خالقها نجا ومن فر من الخالق إلى شيء من مخلوقاته كان من الهالكين. إرشاد وتعميم: كل ما يصيب الإنسان من محن الدنيا ومصائبها وأمراضها وخصوماتها ومن جميع بلائها لا ينجيه من شيء منه إلاَّ فراره إلى الله. ففي العدالة الشرعية ما يقطع كلَّ نزاع، وفي المواعظ الدينية ما يهون كل مصاب، وفي الهداية القرآنية والسيرة النبوية ما ينير كل سبيل من سبل النجاة والسعادة في الحياة. يعرف ذلك الفقهاء القرآنيون السنيون، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. تنبيه على وهم: ليس الفرار من الأمراض بمعالجتها، ومن المصائب بمقاومتها فرارا من الله لأنَّ الأمراض هو قدَّرها والأدوية هو وضعها ودعا إلى استعمالها والتعالج بها، وكذلك المصائب وما شرع من أسباب مقاومتها فكلها منه بقدره والإنسان مأمور منه بأن يعالج ويقاوم فما فر من قدره إلاَّ إلى قدره ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر- ﵄ في قصة الوباء: " أفراراً من قدر الله يا عمر! " قال عمر: "نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله". وفي الحقيقة كان الفرار من شرٍ في مخلوق إلى الله يرجو منه الخير في غيره.
следующие страницы →