الإنسان مراتب: الزاحفة، والماشية، والطائرة، وأشرفها الطائرة فاقتصر على الطير تنبيها بالأعلى على الأدنى.
تنزيه وتبيين:
عبر سليمان- ﵇ عن نفسه بنون العظمة، ونوه بذلك الفضل المبين، وما كان ﵇ ليتعظم بسلطان- ولا ليتطاول بفضل. فالأنبياء- صلى الله عليهم- أشد الخلق تواضعا لله وأرحمهم بعباده، وإنما أراد تعظيم نعمة الله في عيون الناس، وتفخيم ملك النبوة في قلوب الرعية ليملأ نفوسهم بالجلال والهيبة، فيدعوهم ذلك إلى الإيمان والطاعة، فينتظم الملك، ويهنأ العيش، وتمتد بهم أسباب السعادة إلى خير الدنيا والآخرة. وهذا هو الذي توخاه سليمان- ﵇ من المصلحة بإظهار العظمة. ولذا لم يقل: علمت، ولا: لي، وعندي من كل شيء. ولم يقل: فضلي فهو فضل من علمه أتاه فضله به عمن سواه.
ترغيب واقتداء:
يذكر الله تعالى لنا في شأن هذا النبي الكريم ما أعطاه من علم وما مكنه منه من عظيم الأشياء ترغيبا لنا في طلب العلم والسعي في تحصيل ما بنا حاجة إليه من أمور الدنيا، وتشويقا لنا إلى ما في هذا الكون من عوالم الجماد وعوالم الأحياء وبعثا لهممنا على التحلي بأسباب العظمة من العلم والقوة، وحثا لنا على تشييد الملك العظيم الفخم على سنن ملك النبوة. فقد كان سليمان- ﵇ نبيا وما كان ملكه ذلك إلا بإذن الله ورضاه، فهو فيما ذكره الله من أمره قدوة وأي قدوة مثل سائر الأنبياء والمرسلين. عليهم الصلاة والسلام أجمعين
стр. 527
ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الثالث
الآية الثالثة ، وهي: ١٧ من النمل (٢٧)(١)
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
ــ
الألفاظ والتراكيب:
الحشر: الجمع من أماكن متفرقة، جنوده: هم المنتظمون في سلك عسكريته، فجمعوا له عند الحاجة إليهم في سفر أراده. يوزعون: يكفرون عن الخروج عن النظام في السير فيمنع أولهم من سبق آخرهم، وآخرهم من التأخر عن سابقهم، ويمنعون عن الخروج عن الصفوف إلى اليمين أو الشمال، لأن وزعه عن الشيء معناه كفه عنه.
وفي ترتيب الجنود في الذكر مراعاة الأقوى وأعلاهم في ذلك الجن ثم الانس ثم الطير وفي عطف الجملة الثانية بالفاء إفادة سرعة الانتظام بعد الاجتماع. وفاعل حشرهم الاعوان الحاشرون، وفاعل وزع هم الضباط المنظمون.
المعنى:
كان لسليمان- ﵊ من الجن والانس والطير
стр. 528
جنود معينون معروفون يتركب منهم عسكره. يكونون متفرقين فإذا عرض أمر جمعهم. وكان له أعوان يعرفون أولئك الجنود ويعرفون أماكنهم، فهم الذين يجمعونهم عند الحاجة إليهم. فإراد سليمان أن يسافر فأمر أعوانه بجمع الجنود فجمعوهم له. فلما اجتمعوا تولى رؤساؤهم تنظيمهم فساروا مع سليمان في كثرة ونظام يتولى أولئك الرؤساء تنظيمهم في سيرهم ويمنعونهم من الخروج عن النظام.
تفصيل:
كما أن للانس من يعرفهم من أعوان سليمان ومن ينظمهم من رؤسائهم كذلك يكون للجن، وكذلك يكون للطير، وسلطة سليمان على الجن وتسخيره لهم وسلطته على الطير وفهمه لها وفهمها عنه معجزة له وخصوصية ملك لم ينبغ لأحد من بعده.
تاريخ وقدوة:
تفيدنا الآية صورة تامة لنظام الجندية في ملك سليمان. فقد كان الجنود يسرحون من الخدمة ويجمعون عند الحاجة. وكانت أعيانهم معروفة مضبوطة. وكانت لهم هيئة تعرفهم وتضبطهم وتجمعهم عند الحاجة، وكان لهم ضباط يتولون تنظيمهم، وكان النظام محكما لضبط تلك الكثرة ومنعها من الاضطراب والاختلال والفوضى. تعرض علينا الآية هذه السورة التاريخية الواقعية تعليماً لنا وتربيةً على الجندية المضبوطة المنظمة. ولا شك أن الخلفاء الأولين قد عملوا على ذلك في تنظيم جيوشهم وأن مثل هذه الآية كان له الأثر البليغ السريع في نفوس العرب لما أسلموا فسرعان ما تحولوا إلى جنود منظمة مما لم يكن معروفاً عندهم في الجاهلية، وبقيت الآية على الدَّهر مذكرة لنا بأن النظام أساس كل مجتمع واجتماع، وأن القوى والكثرة
стр. 529
وحدهما لا يغنيان بدون نظام وأن النظام لا بد له من رجال أكفاء يقومون به ويحملون الجموع عليه، وأولئك هم الوازعون.
طبيعة وشريعة:
في عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان نجد الطبيعة- بصنع الله- تستخلص الأعلى من الأدنى والأقوى من الأضعف، فتجد الممتاز من أصل الخلق، وبانتخاب الطبيعة في هذه العوالم الثلاث كما تجد الذهب في المعدن وتجد الزهر والثمر في النجم والشجر، وتجد المملكة من النمل والنحل مثلا. فالإنسان لم يخرج عن هذا القانون الطبيعي، ففيه الممتازون الذين يحتاج إليهم النوع الإنساني في صلاح حاله ومآله ومنهم الذين يتولون حكمه وتنظيمه في أممه ومجتمعاته وجماعاته، فالهيئة الحاكمة والأفراد المنظمون والقادة المسيرون من ضروريات المجتمع الإنسان ومقررات الشرع الإسلامي مثل ما في هذه الآية من أمر الوازعين. ولما ولي الحسن البصري القضاء، قال لا بدَّ للسلطان من وزعة أي أعوان يكفون الناس عن الشر والفساد ويتولون تربيتهم وتنظيمهم. وفي رواية: لا بد للناس من وازع، أي كاف يكف بعضهم عن بعض وهو الحاكم وأعوانه.
وفي حديث ذكره أهل الغريب: من يزم السلطان أكثر ممن يزع القرآن ومعناه، أن من يكفهم عن الشر خوف السلطان وعقابه الدنيوي أكثر ممن يكفهم عن الشر الوعد والوعيد في القرآن. وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
الآية الرابعة: وهي ١٨ من النمل (٢٧): ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾:
стр. 530
يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
الألفاظ والتراكيب:
أتوا على وادي النمل: هبطوا إليه من مكان أعلى منه، وهو بالشام أو بالحجاز، لم تتوقف العبرة على تعيينه فلم يعين، وأضيف للنمل لكثرته فيه. نملة: لفظها مؤنث ومعناها محتمل مثل شاة وحمامة. مساكنكم: هي قرى النمل التي يسكنها تحت وجه الأرض، المحكمة الوضع والتركيب، والتقسيم، ولذلك قيل فيها مساكن ولم يقل غيرها. لا يحطمنكم: لا يكسرنكم بالحوافر والأقدام. لا يشعرون: لا يحسون بوجودكم.
الإتيان بإذا وجوابها لإفادة أن قولها كان يسبب إتيانهم عند أول ما أتوا. لا يحطمنكم: نعتهم عن أن يحطمهم، والحطم ليس من فعلهم حتى ينهوا عنه. وإنما المعنى لا تكونوا خارج مساكنكم فيحطمكم فنهتهم عن السبب والمراد النهي عن السبب لما في ذلك من الإيجاز المناسب لسرعة الإنذار لسرعة النجاة، ولما في ذكر السبب وهو الحطم من التخويف الحامل على الإسراع إلى الدخول، والجملة مؤكدة للأولى فكأنها قالت أدخلوا مساكنكم لا تبقوا خارجها. ونظير التركيب في التعبير بالمسبب عن السبب لا أرينك ههنا .. أي لا تكن هنا فأراك.
المعنى:
سار سليمان- ﷺ في تلك الجنود العظيمة يحيط به الإنس والجن وتظلهم الطير حتى هبطوا على وادي النمل، فرأتهم كبيرة النمل وقائدته فصاحت في بني جنسها فنادتهم للتنبيه وأرشدتهم إلى طريق النجاة بأمرهم بالدخول في مساكنهم وحذرتهم من
стр. 531
الهلاك بحطم سليمان وجنوده لهم عن غير شعور منهم فلا يكون اللوم عليهم وإنما اللوم على النمل إذا لم يسرع بالدخول.
عبرة وتعليم:
عاطفة الجنسية غريزة طبيعية، فهذه النملة لم تهتم بنفسها فتنجو بمفردها. ولم ينسها هول ما رأت من عظمة ذلك الجند، إنذار بني جنسها إذ كانت تدرك بفطرتها أن لا حياة لها بدونهم ولا نجاة لها إذا لم تنج معهم فانذرتهم في أشد ساعات الخطر أبلغ الإنذار. ولم ينسها الخوف على نفسها وعلى بني جنسها من الخطر الداهم أن تذكر عذر سليمان وجنده.
فهذا يعلمنا أن لا حياة للشخص إلا بحياة قومه ولا نجاة له إلا بنجاتهم، وأن لا خير لهم فيه إلا إذا شعر بأنه جزء منهم ومظهر هذا الشعور أن يحرص على خيرهم كما يحرص على نفسه وأن لا يكون اهتمامه بهم دون اهتمامه بها.
واجب القائد والزعيم:
هذه النملة هي كبيرة النمل، فقهد كان عندها من قوة الإحساس ما أدركت به الخطر قبل غيرها فبادرت بالإنذار. فلا يصلح لقيادة الأمة وزعامتها إلا من كان عنده من بعد النظر وصدق الحدس وصائب الفراسة، وقوة الإدراك للأمور قبل وقوعها، ما يمتاز به عن غيره، ويكون سريع الإنذار بما يحس وما يتوقع.
عظة بالغة:
هذه نملة وفت لقومها وأدت نحوهم واجبها، فكيف بالإنسان العاقل فيما يجب عليه نحو قومه. هذه عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه ولا يؤدي الواجب نحوهم، ولمن يرى الخطر داهماً لقومه فيسكت
стр. 532
ويتعامى ولن يقود الخطر إليهم ويصبه بيده عليهم.
آه، ما أحْوجنا- معشر المسلمين- إلى أمثال هذه النملة!
الآية الخامسة وهي: ١٩ من النمل (٢٧):
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
الألفاظ والتراكيب:
التبسم: إنفراج الشقنين على الأسنان، وقد يكون للغضب وقد يكون للسخرية وقد يكون للضحك، وهو الأكثر وهو بدايته ولهذا قيد بضاحكا. أوزعني أن اشكر: ألهمني شكر نعمتك وتحقيقه في اللغة والتصريف أنك تقول: وزعت الشيء أي كففته وأوزعني الله الشيء أي جعلني أزع ذلك الشيء أي أكفه. كما تقول ركبت الفرس وأركبني زيد الفرس أي جعلني أركبه، فأوزعني شكر نعمتك أي إجعلني أزع أي أكف شكر نعمتك أي أمنعه من أن يذهب عني وينفلت منِّي، فالمقصود اجعلني ملازما لشكرك فلا أنفك لك شاكرا. نعمتك: عام يشمل كل نعمة لله عليه وعلى والديه. وأن أعمل: معطوف على أن أشكر فيقدر مثل تقديره كما تقدم. ترضاه: وصف مؤكد للتقييد على ما سيأتي لأن العمل الصالح مرضي عنه الله. وإنما ذكر الوصف ليفيد أن رضى الله مقصود بالعمل الصالح. أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين: إجعلني معهم وأكمل الصالحين الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم عليهم أجمعين، وتحقيقه أن الصالحين بما امتازوا به من كمال صاروا كأنهم في حمى خاص بهم لا يدخل عليهم فيه إلا من كان مثلهم
стр. 533
فلهم مقامهم في الرفيق الأعلى ولهم منازلهم في الجنة ولهم ذكرهم الطيب عند الله وعند العباد، وهذه المنازل والمقامات لا يدخلها العبد إلا برحمة من الله بتيسير لأسبابها وتفضل عظيم.
المعنى:
لما سمع سليمان- ﵊ كلام النملة تبسم تبسم السرور والتعجب من قولها وطلب من ربه تعالى أن يلهمه شكر ما أنعم به عليه وعلى والديه وأن يلهمه عملا صالحا ينال به رضاه وطلب منه تعالى أن يجعله في الصالحين بأن يثبت اسمه بينهم ويقرن ذكره بذكرهم ويلحقه بهم ويسكنه الجنة معهم بما يغمره به من رحمته وفضله وإحسانه.
توجيه:
صدور ذلك الإنذار البليغ من مثل تلك النملة في ضعفها وصغرها طريف مستظرف ككل شيء يصدر من حيث لا ينتظر صدوره، فهذا مبعث تعجب سليمان- ﵇ وشهادة النملة له ولجنوده بأنهم لو وطئوا النمل لوطئوه من غير شعور. فهم لرحمتهم وشفقتهم وارتباطهم بزمام التقوى وأخذهم بالعدل لا يتعمدون التعدي على أضعف المخلوقات العجماء، هذه الشهادة أدخلت السرور على سليمان ﵇ لما دلت عليه من ثبوت هذا الوصف العظيم له ولجنده وظهوره منهم واشتهارهم به. كما بعث سروره شعوره بما آتاه الله من الملك العظيم والعلم الذي لم يؤته غيره حتى فهم به ما همست به النملة وهي من الحِكم الذي ليس له صوت يستبان في حال من الأحوال.
أدب من سرته النعمة:
نعم الله على العبد تدخل عليه السرور بجبلة الفطرة، والفرح بنعمة الله من الاعتراف بفضله والاكبار لنواله. ومن أدب العبد حينئذ أن
стр. 534
يسأل الله التوفيق، بشكر تلك النعمة بصرفها في الطاعة والتوفيق لشكرها بما يقوم به من أعمال صالحة في رضى الله كما فعل سليمان- ﵇.
النعمة المزدوجة:
إذا أنعم الله على الأبوين بنعمة الإيمان والصلاح فهي نعمة على ولدهما إذا أتبعهما، وتكون تلك النعمة من الله عليهما سيما في حسن تربيتهما له وتوجيهه في الوجهة الصالحة، كما أن نعمة الله على الولد هي نعمة على والديه فهو من أثرهما ومثل حسناته في ميزانهما لأنهما أصل ذلك وسببه ويدعو له الناس فيدعون لهما ويدعو هو لهما. وقد يؤذن له فيشفع لهما. فالنعمة على الوالد أو على الولد هي نعمة مزدوجة بينهما ولهذا ذكر سليمان- ﵇ نعمة الله على والديه مع نعمته عليه.
الغاية المطلوبة:
إن شعور العبد برضى الله عنه هو أعظم لذة روحية تعجز عن تصويرها الألسن. واحلال الرضوان على أهل الجنة أكبر من كل ما في الجنة من نعيم. فالغاية التي يسعى إليها الساعون ويعمل لها العاملون هي رضى الله. فالعمل الصالح ترتضيه العقول وتستعذبه الفطر. ولكنه لا يفيد صاحبه إذا لم يبغ به مرضاة الله. ولهذا قال سليمان- ﵇: (تَرْضَاهُ).
جمع وتحقيق:
قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)
стр. 535
فأفادَ أن الأعمال سبب في دخول الجنة وفي هذه الآية: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ﴾ فأفاد أن الدخول بالرحمة، ولا منافاة ما بينهما فَالأعمال سبب شرعي لدخول الجنة والهداية إليه والتوفيق فيه وقبوله هو رحمة من الله. والعمل من حيث ذاته لا يستحق على الله جزاء لأنه لا ينتفع به إذ هو الغني عن خلقه. وإنما تفضل فجعله سبباً في نيل ثوابه ثم تفضل فجعل الجزاء مضاعفاً إلى عشر، إلى أضعاف كثيرة إلى الموفي للصابرين بغير حساب.
دقيقة روحية:
إن الأرواح النورانية الطاهرة السامية لا لذة لها حقيقية في هذا العالم الفاني المادي المنحط، وإنما لذتها الحقيقية في عالمها العالي الأقدس وفي الرفيق الأعلى الأطهر وفي معاشرة أمثالها من النفوس الطيبة الزكية. في ذلك القدس الأسنى، فهي دائمة الشوق إليه والانجذاب نحوه. ولذا كان من دعوات الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- الدخول في الصالحين واللحوق بهم. مثل قول سليمان هنا، وقول إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١). وقول يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٢).
وفقنا الله لشكر ما من به من سابق النعمة، وللقيام فيما بقي من العمر بواجب الخدمة وختم لنا باللحوق بعباده الصالحين (٣).
стр. 536
ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الرابع
الآية السادسة وهي: ٢٠ من النمل (٢٧):
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.
ــ
الألفاظ والتراكيب:
تفقد: التفقد تطلبك ما فقدته وغاب عنك وتعرفك أحْواله.
لا أرى: لا أبصر، الهدهد: هو (تبيب) وهو طائر صغير الجرم منتن الريح ليس من كرام الطير ولا من سباعها. ما لي لا أرى: استفهم عما حصل له فمنعه من الرؤية حيث ظن أولا أن الهدهد كان حاضراً وإنما هو لم يره. أم كان من الغائبين: استفهم عن غيبته حيث ظن ثانيا أنه غائب فاستفهم عن صحة ما ظن، فكلمة أم فيها اضراب وفيها استفهام، فأضرب إضراب إنتقال من ظن إلى ظن. كان من الغائبين: تعريض بقبح فعله لما انحط عن شرف الحضور وكان من الغائبين.
المعنى:
تطلب سليمان- ﵇ معرفة ما غاب عنه من أحوال الطير فلم ير الهدهد وأخذ يتساءل فظن أن شيئاً ستره عنه فلم يره،
стр. 537
ولما لم يكن شيء من ذلك ظن أنه كان غائباً غير حاضر وذلك هو الظن الأخير الذي حصل به اليقين.
تعليم وقدوة:
من حق الرعية على راعيها أن يتفقدها ويتعرف أحوالها إذ هو مسؤول عن الجليل والدقيق منها يباشر بنفسه ما استطاع مباشرته منها ويضع الوسائل التي تطلعه على ما غاب عليه منها وينيط بأهل الخبرة والمقدرة والأمانة تفقد أحْوالها حتى تكون أحوال كل ناحية معروفة مباشرة لمن كلف بها. فهذا سليمان على عظمة ملكه واتساع جيشه وكثرة أتباعه قد تولى التفقد بنفسه ولم يهمل أمر الهدهد على صغره وصغر مكانه، وقد كان عمر بن الخطاب- ﵁ يقول: "لو أن سخلة بشاطىء الفرات يأخذها الذئب ليسأل عنها عمر" وهذا التفقد والتعرف هو على كل راع في الامم والجماعات والاسر والرفاق وكل من كانت له رعية.
تعليل وتحرير:
تفقد سليمان جنس ما معه من الطير للتعرف كما ذكرنا وذكر الطير لأنه هو الذي تعلهقت به القصة وليس في السكوت عن غير الطير ما يدل على أنه لم يتفقده فالتفقد لم يكن للهدهد بخصوصه وإنما لما تفقد جنس الطير فقده ولم يجده فقال ما قال. فلا وجه لسؤال من سأل: كيف تفقد الهدهد من بين سائر الطير.
تدقيق لغوي وغوص علمي:
سأل سليمان عن حال نفسه فقال: ما لي لا أرى الهدهد ولم يسأل عن حال الهدهد فيقل (١) ما للهدهد لا أراه فأنكر حال نفسه قبل أن ينكر حال غيره. فنقل الحافظ الإمام ابن العربي عن الإمام
стр. 538
عبد الكريم بن هوازن القشيري شيخ الصوفية في زمانه قال: " إنما قال مالي لا أرى لأنه اعتبر حال نفسه ذا علم أنه أوتي الملك العظيم وسخر له الخلق فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العمل فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصر في حق الشكر فلأجله سلبها فجعل يتفقد نفسه فقال: مالي، وكذلك تفعل شيوخ الصوفية إذا فقدوا آمالهم تفقدوا أعمالهم، هذا في الآداب فكيف بنا اليوم ونحن نقصر في الفرائض".
توجيه:
مثل هذه المعاني الدقيقة القرآنية الجليلة النفيسة من مثل هذا الإمام الجليل من أجل علوم القرآن وذخائره إذ هي معاني صحيحة في نفسها، ومأخوذة من التركيب القرآني أخذاً عربياً صحيحاً، ولها ما يشهد لها من أدلة الشرع. وكل ما استجمع هذه الشروط الثلاثة فهو صحيح مقبول، ومنه فهم عمر وابن عباس- ﵄ أجل رسول الله- ﵌ من سورة النصر، أما ما لم تتوفر فيه الشروط المذكورة وخصوصا الأول والثاني، فهو لا يجوز في تفسير كلام الله وهو كثير في التفاسير المنسوبة لبعض الصوفية. كتفسير ابن عبد الرحمن السلمي من المتقدمين والتفسير المنسوب لابن عربي من المتأخرين.
الآية السابعة وهي: ٢١ من النمل (٢٧):
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
الألفاظ والتراكيب:
عذابا شديدا: ينتف ريشه هكذا فسره ابن عباس وجماعة من
стр. 539
التابعين. بسلطان مبين: بحجة قاطعة توضح عذره في غيبته. سميت الحجة سلطاناً لما لها من السلطة على العقل في إخضاعه، أفادت أو إن المخلوف على حصوله هو أحد الثلاثة، فإذا حصلت الحجة فلا تعذيب ولا ذبح، ولو لم تحصل لفعل أحدهما، وقدم التعذيب لأنه أشد من القتل، وحالة الغضب تقتضي تقديم الأشد.
المعنى:
يقسم سليمان على معاقبة الهدهد- وقد تحقق غيبته- بالتعذيب أو بالذبح إذا لم يأته بالحجة التي تبين عذره في تلك الغيبة ولا يستثنى للعفو ولا يجعل سببا لسلامته من العقوبة إلاّ الحجة.
توجيه واستنباط:
ليس في الآية ما يفهم خصوص نتف الريش من لفط العذاب الشديد، وإنما فهم ابن عباس- ﵁ وأئمةٌ من التابعين ذالك بالنظر العقلي والاعتبار، فإنَّ نتف ريشه يعطل خاصية الطيران فيه فيتحول من حياة الطير إلى حياة دواب الأرض، وذلك نوع من المسخ، وقد علم ان المسخ في القرآن أشنع عقوبة في الدنيا، فلهذا فسروا العذاب الشديد بنتف الريش.
والإنسان خاصيته التفكير في أفق العلم الواسع الرحيب، فمن حرم انسا- فردا أو جماعة- من العلم فقد حرمه من خصوصية الإنسانية وحوله إلى عيشة العجماوات وذلك نوع من المسخ فهو عذاب شديد وأي عذاب شديد؟
صرامة الجندية:
كان هذا الهدهد من جنود سليمان التي حشرت له وقد كان في مكانه الذي عين له وأقيم فيه، فلما فارق وترك الفرجة في صفه وأوقع الخلل في جنسه استحق العقاب الصارم الذي لا هوادة فيه. وهذا
стр. 540
أصلٌ في صرامة أحكام الجندية وشدتها لعظم المسؤولية التي تحملتها وتوقف سلامة الجميع على قيامها بها وعظم الخطر الذي يعم الجميع إذا أخلت بها.
تقدير العقوبة:
جرم الهدهد صغير وما كلف الا بما يستطيعه من الوقوف في مكانه والبقاء في مركزه، ولكن جرمه باخلاله بهذا الواجب كان جرماً كبيراً فإن الخلل الصغير مجلبة للخلل الكبير فقدرت عقوبته على حسب كبر ذنبه لا على حسب صغر ذاته.
تنبيه وإرشاد:
كل واحد في قومه أو في جماعته هو المسؤول عنهم من ناحيته، مما يقوم به من عمل حسب كفاءته واستطاعته، فعليه أن يحفظ مركزه ولا يدع الخطر يدخل ولا الخلل يقع من جهته فإنه إذا قصَّر في ذلك وترك مكانه فتح ثغرة الفساد على قومه وجماعته، وأوجد السبيل لتسرب الهلاك إليهم. وزوال حجر صغير من السد المقام لصد السبيل يفضي إلى خراب السد بتمامه. فاخلال أي أحد بمركزه ولو كان أصغر المراكز مؤد إلى الضرر العام. وثبات كل واحد في مركزه وقيامه بحراسته هو مظهر النظام والتضامن وهما أساس القوة.
الحق فوق كل أحد:
لقد أغضب سليمان غياب الهدهد فلذا توعده هذا الوعيد وأكده هذا التأكيد. ولكن سلطان سليمان في قوته وملكه ومكانته يجب أن يخضع لسلطان آخر هو أعظم من سلطانه: هو سلطان الحق، والحق فوق كل أحد. وملك سليمان ملك حق فلا بد له من الخضوع لسلطان الحجة ليقيم ميزان العدل، والعدل أساس الملك وسياج العمران (١).
стр. 541
ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم الخامس
الآية الثامنة وهي: ٢٢ من النمل (٢٧):
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾
ــ
الألفاظ والتراكيب:
مكث: أقام، وقرأ عاصم بفتح الكاف. غير: صفة زمان محذوف، فالتقدير غير بعيد. فاعل مكث هو الهدهد مثل فاعل قال الآتي. أحطت: الاحاطة بالشيء، عقليا هي العلم به من جميع نواحيه. سبأ: إسم مدينة باليمن سميت باسم سبأ جد العرب اليمانية حمير وغيرها، وصرفه الجمهور على اعتبار المكان، ومنعه من الصرف المكي والبصري على اعتبار البلدة. بنبأ: النبأ الخبر الذي له شأن وخطورة. واليقين: المحقق، جعله نفس اليقين مبالغة في تحقيقه. وفي الكلام إيجاز بالحذف، اذ المعنى: فجاء الهدهد فسأله سليمان- ﵇ ءن سبب مغيبه فقال.
المعنى:
لم تطل غيبة الهدهد عن مركزه في جنود سليمان، فلم يلبث في غيبت إلاَّ زمانا قصيراً، وكان سؤال سليمان له عن غيبته فور رجوعه،
стр. 542
فأسرع بالجواب والاعتذار عن الغيبة والدفاع عن نفسه فقال: اطلعت على شيء لم تطلع أنت عليه وعرفته من جميع نواحيه، وقد أتيتك من بلدة سبأ بخبر خطير ذي شأن عظيم تيقنته غاية اليقين.
توجيه واستنباط:
كان في جواب الهدهد حجة بينة لسبب غيابه، وذلك لأنه لم يذهب عابثا ولا لغرض خاص به، وإنما ذهب مستطلعا مكتشفا فحصل علما وجاء بخبر عظيم في زمن قصير فرجحت هذه الفوائد العظيمة بتركه لمركزه في الجند فسقطت عنه المؤاخذة.
فإن قيل: ان أصل مفارقته لمركزه دون استئذان كان مخالفة يستوجب عليها العقوبة فالجواب أن هذه المخالفة كانت لقصد حسن وهو الاستطلاع وأثمرت خيرا فاستحق العفو عن تلك المخالفة التي كانت عن نظر ولم تكن عن تهاون وانتهاك للحرمة.
فإن قيل: ما الذي أوقع في نفس الهدهد رغبته في طلب ما طلب، فالجواب: انه يجوز أن يكون شاهد عمران اليمن من مكان بعيد ببصره الحاد فرغب في المعرفة أو أن يكون قد مر باليمن من قبل ولم يتحقق من حالها فأراد أن يتحقق.
وهذه الآية مأخذ من مآخذ الأصل القائل: ان المخالف للأمر عن غير انتهاك للحرمة لا يؤاخذ بتلك المخالفة. ومن فروع هذا الأصل سقوط الكفارة عمن أفطر في رمضان متعمدا متأولا تأويلا قريبا.
عزة العلم وسلطانه:
ابتدأ الهدهد جوابه معتزا بما أحاط به من العلم متجملا بما حصل منه مظهرا لارتفاع منزلته به متحصنا به من العقاب. ولم تمنعه عظمة سليمان- ﵇ من اظهار علمه واعلان اختصاصه به دون سليمان.
стр. 543
أدب واقتداء:
قد سمع سليمان هذا من الهدهد وأقره عليه، فللصغير أن يقول للكبير، وللحقير أن يقول للجليل، علمت ما لم تعلم وعندي ما ليس عندك، إذا كان من ذلك على يقين وكان لقصد صحيح. ومن أدب من قيل له ذلك ولو كان كبيرا جليلا أن يتقبل ذلك ولا يبادر برده وعليه أن ينظر فيه ليعرف مقدار صدق قائله فيقبله أو يرده بعد النظر والتأمل، اذ قد يكون في أصغر مخلوقات الله وأحقرها من يحيط علما بما لم يعلم مثل سليمان- ﵇ في علمه وحكمته واتساع مدركاته. وكفى بمثل هذا زاجرا لكل ذي علم عن الاعجاب بعلمه والاعتزاز بسعة اطلاعه والترفع عن الاستفادة ممن دونه.
مدرك عقيدة:
لا يعلم أحد من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- شيئا مما غاب عنه إلا باعلام الله، فليس لهم كشف عام عن جميع ما في الكون، وإنما يعلمون منه ما اطلعهم الله عليه. ومن مدارك ذلك هذه القصة، فإن سليمان- ﵇ لم يكن يعلم من مملكة سبأ شيئا حتى اطلعه الله عليه بواسطة الهدهد. وإذا كان هذا حال الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فغيرهم من عباد الله الصالحين من باب أحرى وأولى.
تحقيق تاريخي:
رويت في عظم ملك سليمان روايات كثيرة ليست على شيء من الصحة، ومعظمها من الاسرائيليات الباطلة التي امتلات بها كتب التفسير مما تلقى من غير تثبت ولا تمحيص من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه. وروى شيئا من ذلك الحاكم في مستدركه وصرح الذهبي ببطلانه، ومن هذه المبالغات الباطلة انه ملك الارض كلها
стр. 544
مشارقها ومغاربها، فهذه مملكة عظيمة بسبأ كانت مستقلة عنه ومجهولة لديه على قرب ما بين عاصمتها باليمن وعاصمته بالشام (١).
معذرة إلى القراء الكرام
ما قرأتموه من التذكير بهذه الآية الكريمة في هذا الجزء قد كتبت شطره مساء يوم الإثنين ٢ جمادى الأولى و ١٩ جوان وشطره بكرة الثلاثاء الغد منه. وفي صبيحة هذه الثلاثاء ابتدئت المحاكمة في قضية مقتل المفتي ابن دالي عمر التي اتهم الشيخ الطيب العقبي والسيد عباس التركي باطلا ظلما عدوانا، فكان من واجبي أن أحضر جميع الجلسات، فانشغل بالي عن تتميم مجالس التذكير. ولقد مات ابني الوحيد ومات أخ لي عزيز فما شغل ذلك بالي مثل اليوم ولا منعني عن دروسي وأعمالي ذلك لأن هذه القضية اليوم قضية الإسلام والعربية والجزائر، لا قضية فرد أو جماعة. فمعذرة يا قرائي الاعزة، والله نسأل أن يظهر الحق ويدحض الباطل.
стр. 545
ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
القسم السادس
الآية التاسعة وهي: ٢٣ من النمل (٢٧):
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾
ــ
الألفاظ والتراكيب:
وجدت: اصبت، امرأة: هي بلقيس بإجماع المفسرين والمؤرخين. تملكهم: تتولى أمرهم ملكة عليهم. وعبر بالمضارع تصويرا للحال العجيب، وهو أن تتولى ملكهم امرأة، وعاد الضمير على سبأ ضمير جمع مذكر على معنى القوم، اذ كانوا يسمون باسم أبيهم. فذكر لفظ سبأ أولا بمعنى المدينة، وأعيد عليه الضمير بمعنى القوم على أسلوب الاستخدام. من كل شيء: لفظ عام أريد به كل ما تحتاج إليه من أشياء الملك والسلطان والقوة والعمران. عرش: هو سرير الملك الذي تجلس عليه. عظيم: في كبره وقوته وحسنه.
المعنى:
يقول الهدهد لسليمان- ﵇ مبينا الخبر العظيم الذي جاء به: اني وجدت أولئك القوم الذين يسكنون تلك المدينة قد جعلوا امرأة ملكة عليهم. وقد أعطيت تلك الملكة كل ما تحتاج اليه
стр. 546
في نظام ملكها وعظمته، ومن مظاهر تلك العظمة السرير العظيم الذي تجلس عليه بين أهل مملكتها.
عظمة المملكة العربية اليمنية:
كانت بلقيس ملكة على اليمن في منتصف القرن العاشر قبل الميلاد وقد كانت ملكة عظيمة على مملكة عظيمة راقية. والهدهد الذي شاهد ملك سليمان وعظمته قد استعظم ملكها وعرشها، وعظمة العرش عنوان عظمة الملك، فلذا خصصه الهدهد بالذكر ورغب سليمان في الإتيان به.
تفوق العرب على الإسرئيليين:
كل ذلك الرقي وتلك العظمة بلغتهما المملكة العربية اليمنية بنفسها من تفكيرها وعملها من قرون بعيدة. فأما الإسرائيليون- وهم إذ ذاك في القرن الخامس من تاريخهم- فإنهم لم يبلغوا في ذلك العهد إلى شيء من ذلك. وما كان لسليمان من بناءات ومنشآت فهو مما صنعته له الجن والشياطين، كما جاء في آيات من القرآن عديدة، ولم يترك بنو إسرائيل من الآثار ما يدل على شيء ذي بال من الفن والقوة، فأما ما تركته اليمن فهو شيء كثير قائم مشاهد، والاكتشافات ما زالت تظهر منه شيئا فشيئا.
ولاية المرأة للملك:
ثبت عن النبي- ﵌ أنه قال: ((لن يفلع قوم ولّوا أمرهم امرأة)) قاله لما بلغه أن الفرس ملكوا عليهم امرأة. فاقتضى هذا أن لا تلي المرأة ولاية لا إمارة ولا قضاء، وأيدت هذا النص الصحيح السنة العملية فأخذ به جمهور أئمة الإسلام، وجاءت روايات عليلة عن بعضهم لم يلتفت إليها ولم يعمل بها.
стр. 547
تعليل:
لا تصلح المرأة للولاية من ناحية خلقتها النفسية، فقد أعطيت من الرقة والعطف والرأفة ما أضعف فيها الحزم والصرامة اللازمين للولاية، وفي اشتغالها بالولاية إخلال بوظيفتها الطبيعية الاجتماعية التي لا يقوم مقامها فيها سواها، وهي القيام على مملكة البيت وتدبير شؤونه وحفظ النسل بالاعتناء بالحمل والولادة وتربية الأولاد.
رفع اعتراض:
في تواريخ الأمم نساء تولين الملك، ومن المشهورات في الأمم الإسلامية شجرة الدر في العصر الأيوبي، ومنهن من قضت آخر حياتها في الملك وازدهر ملك قومها في عهدها. فما معنى نفي الفلاح عمن ولوا أمرهم امرأة؟
هذا اعتراض بأمر واقع ولكنه لا يرد علينا لأن الفلاح المنفي هو الفلاح في لسان الشرع، وهو تحصيل خير الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ازدهار الملك أن يكون القوم في مرضاة الله، ومن لم يكن في طاعة الله فليس من المفلحين، ولو كان في أحسن حال فيما يبدو من أمر دنياه. على أن أكثر من ولوا أمرهم امرأة من الأمم إذا قابلهم مثلهم كانت عاقبتهم أن يُغْلبَوا.
الآية العاشرة وهي: ٢٤ من النمل (٢٧): ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
الألفاظ والتركيب:
من دون الله: تجاوزوا عبادة الله إلى عبادة الشمس. زين: حسن.
стр. 548
أعمالهم: سجودهم للشمس وغيره من أعمال كفرهم. فصدهم: صرفهم صرفا شديدا. السبيل: هو الطريق الوحيد المعهود للنجاة وهو توحيد الله. لا يهتدون: لا يكون منهم سلوك في طريق الحق والسداد.
جملة وجدتها مستأنفة للبيان جواباً على تقدير سؤال، فالكلام السابق بين حالتها من ناحية الدنيا فتشوقت نفس السامع إلى معرفة حالتها من ناحية الدين ..
عدم اهتدائهم مسبب عن صد الشيطان لهم، وصده مسبب عن تزييفه لأعمالهم لهم، هذا ما تفيده الفاء.
المعنى:
وجدتهها وقومها مجوساً يعبدون الشمس فيسجدون لها ولايسجدون لله، وقد تمكن الشيطان منهم فحسن في أعينهم أعهمالهم فصرفهم عن عبادة الله وتوحيده مع ظهور الدلائل ووضوح الآيات فثبتوا على ضلالهم لا يكون منهم اهتداء لطريق النجاة الظاهر في حال من الأحوال.
سلاح الشيطان وأصل الضلال:
محبة الإنسان نفسه غريزة من غرائزه، وهو محتاج إليها ليجلب لنفسه حاجتها ويدفع عنها ما يضر بها ويسعى في تكميلها. هذه هي الناحية النافعة والمفيدة من هذه الغريزة ولكنها من جهة أخرى هي مدخل من أعظم مداخل الشيطان على الإنسان فيحسن له أعماله وهو لمحبة نفسه يحب أعماله ويغتر بها فيذهب مع هواه في تلك الأعمال على غير هدى ولا بيان فيهلك هلاكاً بعيداً فاستحسان المرء لأعماله هو أصل ضلاله وتزيين الشيطان لتلك الأعمال هو أحد أسلحة الشيطان.
الوقاية:
فعلى المرء ان يتهم نفسه في كل ما تدعوه إليه، وأن يزن جميع
стр. 549
أعماله بميزان الشرع الدقيق خصوصا ما تشتد رغبته فيه ويعظم حسنه في عينه.
الآية الحادية عشر وهي: ٣٥ من النمل (٢٧): ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
الألفظ والتراكيب:
ألا يسجدوا: عدم سجودهم، فاِنْ مصدرية، ولا نافية، وهو بدل بعض من أعمالهم، خصص بالذكر لانه أصل كفرهم ومبعث فساد أعمالهم. الخبء: الشيء المخبوء، فعل بمعنى مفعول، يقال خبأت الشيء أخبؤه خبأً بمعنى سترته عن العيون، فالخبء يشمل كل ما احتوته السموات والأرض مما يبرزه الله للخلق لمنفعتهم فتشاهده العيون مثل المطر والنبات، أو تدركه العقول مثل بدائع الخلق ودقائق الصنع، ومنه ما يكشفه الله لعلماء الأكوان من أسرار الخلقة عندما يستعملون عقولهم ووسائلهم العلمية فيأتون بما فيه نفع للعباد ورقي للعمران. ما يخفون: ما يكتمون في أنفسهم أو عن غيرهم. وما يعلنون: يظهرون للناس.
المعنى:
زين لهم الشيطان من أعمالهم على الخصوص عدم سجودهم لله الذي أقام عليهم الحجة بما يخرجه لهم من الخيرات المخبئات من السموات والأرض من أمطار السماء ونبات الأرض مما يدل على عظيم قدرته ولطف علمه الذي أحاط بما (١) ببواطن الأشياء وظواهرها وبما
стр. 550
تنطوي عليه السرائر تواريه الستائر وما هو ظاهر للعموم.
استدلال وتوجيه:
السجود مظهر لغاية الذل والخضوع والانقياد والاستسلام، وتلك أصل العبادة ولا يستحقها من العبد الا من هو- حقيقة- المنعم الغني الكامل القوي، وما هو الا خالقه. فاستدل على استحقاق الله السجود دون غيره بما ذكر من اخراجه الخبء ويشمل علمه لما خفي وما علن. وذلك متضمن لكماله وانعامه وشمول علمه وعموم سلطانه.
حكم وانبناؤه:
انبنى على ان السجود عبادة ولا يستحقها الا الخالق، تحريم السجود للمخلوق فلا يجوز أن يعظم به أحد أحدا ولو لم يقصد به العبادة اما إذا قصد به العبادة فهو الكفر البواح.
تحذير:
كثيرا ما رأينا في الرسوم التي تنشرها الصحف أناسا من المسلمين راكعين أو مقاربين للسجود لذي سلطان. فعلى المسلم أن يحذر من ذلك فلا يفعله ولا ينحني لأحد من الخلق وان ينكره إذا رآه.
تشويق القرآن إلى علوم الأكوان:
من أساليب الهداية القرآنية إلى العلوم الكونية أن يعرض علينا القرآن صوراً من العالم العلوي والسفلي في بيان بديع جذاب يشوقنا إلى التأمل فيها والتعمق في أسرارها، وهنا يذكر لنا ما خبأه، في السموات والأرض لنشتاق اليه. وتبعث في البحث عنه واستجلاء حقائقه ومنافعه غريزة حب الاستطلاع ومعرفة المجهول وبمثل هذا انبعث أسلافنا في خدمة العلم واستثمار ما في الكون إلى أقصى
стр. 551
ما استطاعوا ومهدوا بذلك السبيل لمن جاء بعدهم ولن نعز عزَّهم الا إذا فهمنا الدين فهمهم وخدمنا العلم خدمتهم.
ترتيب في الاستدلال:
إخراج الخبء لا يكون إلاَّ من العالم بذلك الخبء الذي أحاط علمه به في حال ستره وفي حال ظهوره فيدل ذلك على شمول علمه لما ظهر وما بطن، ومنه ما يخفون وما يعلنون، ولذلك عطفه عليه لترتبه عليه ترتب المدلول على دليله.
الآية الثانية عشر وهي: ٢٦ من النمل (٢٧):
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
تعميم:
العرش: مخلوق عظيم من عالم الغيب أعظم من السموات والأرض.
المعنى:
الموصوف بتلك الصِّفات والمنعم بتلك الانعامات المستحق للسجود منهم، وقد زين لهم الشياطين عدم السجود له، هو الله الذي لا معبود غيره ولا يستحق العبادة سواه خالق المخلوقات كلها، والمالك لها والمدبر لامرها، والمتصرف فيها من أصغر مخلوق إلى أعظم مخلوق، وهو عرشه العظيم الذي فاق كل ما نرى من عالم الشهادة.
توجيه الترتيب:
لما ذكر استحقاقه للعبادة بكمالاته وانعاماته ذكر أن لا مستحق للعبادة غيره، إذ لا يشاركه في تلك الكمالات والانعامات سواه، فكأن الجملة كالنتيجة لما قبلها. ولما ذكر وحدانيته في الألوهية فلا
стр. 552
يعبد سواه، ذكر وحدانيته في الربوبية بانفراده بالخلق والملك والتصرف والتدبر لهذا المخلوق العظيم، ونبه به على ما دونه من المخلوقات، ولما كان الحديث على عظمة ملك العباد ملك النبوة وغيره ذكر عظمة ملك الله التي تصغر ازاءها كل عظمة.
بيان مراد:
قد يتماثلان (١) اللفظان ولكن يجب أن يعبر كل واحد بمعنى لائق بالمقام الذي قيل فيه فلقد جاء في حق سليمان- ﵇ ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ووصف الهدهد بلقيس بأنها أوتيت من كل شيء، ولما كان المتحدث عنه أولا هو سليمان فكل شيء يعم ما يحتاج اليه من أمر النبوة وملك النبوة.
كما انه قد قال عنها: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وقال عن الله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. فعرش بلقيس عظيم بين عروش الملوك، وعرش الله عظمته أعظم من السموات والارض. وهكذا لا بد من اعتبار المقام في فهم الكلام.
العبرة والقدوة:
قد ألهم الله الحيوانات إلى ما قد يخفي عن بعض العقلاء، ومضى منا كلام عن هذا فيما تقدم من هذه الآيات الكريمة، وهذا الهدهد بين الهداهد فلهم إلْهام خاصٌ يقتضيه تخصيصه بهذا الموقف واتصاله بسليمان- ﵇، وزمن الانبياء زمن خرق العوائد وظهور الآيات، وقد كان في حسن بيانه وترتيب أخباره وبديع تهديه عبارة بالغة لأولي الألباب، فقد تحصن بالعلم ونـ ره (٢) بالنبأ المتيقن وفصل
стр. 553
النبأ فشرح حاليها الدنيوية والدينية وتنقل من تشويق إلى تشويق أبلغ منه فكان متثبتا فيما أخبره. بارعا فيما صور مستدلا فيما قرر وفيما أنكر، بصيرا بكيد الشيطان للإنسان متفطنا لانبناء الضلالات بعضها على بعض خبيرا بترتيب الادلة وحسن الاستنتاج.
وفيما ذكر الله لنا من هذه العبر البالغة من هذا الحيوان الأعجم حث لنا على أن نسلك عندما نخبر ونبين أو نبحث وننظر ونستدل ونرتب ونعلل، أن نسلك هذا المسلك.
واذا كان الله تعالى قد بعث غرابا ليتعلم منه ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه فكذلك ذكر لنا أمر هذا الهدهد الممتاز بين الهداهد لنقتدي به، تنبيها لنا على أخذ العلم من كل أحد والاستفادة من كل مخلوق والشعور دائما بالنقص للسلامة من شر ادواء الإنسان: العجب والكبر والغرور ... ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
لمحة نفسية:
الظواهر دلائل البواطن فالمرء يعرف من سبحات وجهه وفلتات لسانه، وكثير ما تدل كلماته على مهنته أو فكرته وعقيدته، كما تدل هيبته أو لبسته وشمائله.
وما يباشره المرء تنطبع به نفسه ويصطبغ خياله فيجري على لسانه في تشبيهاته وتمثيلاته وفنون قوله فقد تختلف العبارات عن شيء واحد في وقت واحد باختلاف نفسيات المتكلمين عليه. وقد عرف الهدهد بين الطيور بثقوب البصر والاهتداء إلى الماء في جوف الأرض خصوصا هدهد سليمان الممتاز بين الهداهد فلما استدل ذكر من صنع الله ما هو أقرب اليه وأغلب عليه وهو اخراخ الخبء الذي منه الماء المخبوء في جوف الأرض.
стр. 554
إشارة علمية:
دَلالة الصنعة على الصانع دلالة فطرية عقلية قطعية، فكل ذي صنعة في مكنته أن يستدل بصنعته على وجود خالق هذا العالم وكماله.
يشاهد ان صنعته ما كانت الا به وبما له من قدرة فينا وعلم بها فيهديه ذلك إلى ان هذا العالم ما كان الا من خالق قادر عالم. فالهدهد ذكر ما هو من عمله في الاستدلال على وجود الخالق تعالى ووحدانيته.
ومثله كل ذي صنعة.
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (١)
стр. 555
يس (١)
ــ
مثل هذا اللفظ مما افتتحت به بعض سور القرآن، وللعلماء فيه طريقتان: الأولى أنه لفظ له معنى يعلمه الله، فهو من التشابه الذي لا يعلمه الراسخون، وإنما يؤمنون به ويردون علمه إلى عالمه.
سؤال وجوابه:
القرآن أنزل للبيان، ولا بيان إلاَّ بالإلهام، فكيف يكون في القرآن لفظ لا يفهم له معنى؟ والجواب: أنَّ عدم فهم معنى من بضع عشرة كلمة افتتحت بها بعض السور لا يخل ببيان القرآن لما أنزل لبيانه من عقائد وآداب وأحكام وغيرها من مقاصد القرآن.
توجيه وتنيظير:
ان الله تعالى أعطانا العقل الذي به ندرك الآيات التي نصبها لنا لنستدل بها على وجوده ووحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته ولطفه ورحمته. وبالنظر في هذه الآيات نصل- بتسيير الله- بعقولنا إلى إدراك بدائع عجيبة وأسرار غريبة ما تزال تتجلى لنا ما دمنا نتأمل فيها ونعتبر بها. وما يزال الإنسان يكتشف منها حقائق مضت عليه أزمان وهو يعدها من المحال. ويجتني منها فوائد ما كانت تخطر له في أحقابه الماضية على بال.
غير أن استجلاء هذه الحقائق واستحصال هذه الفوائد من الآيات الكونية- على نفاستها وعظيم نفعها- محفوف بخطر الاعجاب بذلك
стр. 556
العقل، حتى يحسب أنه محيط بالحقائق كلها، وأن مدركاتها يقينيات بأسرها، فيؤديه حسبانه الأول إلى الفتنة بالمدركات، فيحسب أن لا شيء بعدها، فقد يخرج إلى انكار خالقها، ويؤديه حسبانه الثاني إلى الذهاب في ظنونه وأوهامه وفرضياته إلى غايات لا نسب بين اليقين وبينها. فكان من لطف الله بالإنسان أن جعل لعقله حداً يقف عنده وينتهي اليه، ليسلم من هذا الخطر، خطر الاعجاب بالعقل، ففي آيات الله الكونية حقائق كثيرة تقف العقول حيارى أمامها، وقد تشهد آثارها ولا تستطيع أن تعرف كنهها، كحقيقة الكهرباء في الكون، وحقيقة الروح والعقل في الإنسان، فمثل هذه الحقائق المنغلقة التي يرتد عقل الإنسان اليه عنها خاسئا وهو حسير. هي التي تعرفه بقدره وبعظمة هذا الكون وفخامة أمره. فيقف بعقله عند حد النظر والاعتبار والاستدلال ببديع الصنعة وعظيم النعمة على حكمة الله البالغة ومنته السابغة، دون خلط للاوهام بالحقائق ولا فتنة بالمخلوق عن الخالق.
هذه الحقائق التي خفيت عن العقل البشري فلم يدرك كنهها لم تقدح في دلالة آيات الأكوان على ما دلَّت عليه من وجود الخالق ووحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته، وفضله واحسانه ورحمته، فكذلك لم يقدح في بيان القرآن ودلالة آياته خفاء معاني بضع عشرة كلمة من كلماته، وكما كان خفاء تلك الحقائق في الآيات الكونية ايقافا للعقل عند حده وتعريفا له بقدره، وتنبيها له على عظم آيات ربه، كذلك كان خفاء هذه المعاني في الآيات القرآنية لمثل ذلك. ونظير الآيات الكونية والآيات الكلامية في هذا الجلاء العام والخفاء الخاص جملة من الأحكام، كعدد الصلوات والركعات والسجدات التي خفيت على العقول حكمتها وقد ظهرت الحكم الكثيرة الجلية في سائر أحكام الشريعة غيرها، ولم يقدح في حكمة الشريعة في أحكامها، خفاء ما خفي في بعضها، كما لم يقدح خفاء ما خفي من حقائق الآيات
стр. 557
الكونية ومعاني الآيات الكلامية في دلالتها وبيانها. والحكمة هنا في هذه الاحكام هي الحكمة المتقدمة فيهما.
ونظير الآيات الكونية والآيات الكلامية والأحكام الشرعية في هذا الخفاء الجزءي تصرفات الله في خلقه بمجاري اقداره فقد تظهر حكم الله فيها وقد تخفى، وقد تخفى دهراً وتظهر بعد مدة. وقد نبهنا الله على هذه الحقيقة بما قص علينا في قصة يوسف ﵇، وما كان مجهولا من حكم قدر الله في مبدأ أمره وما ظهر من تلك الحكم الباهرة للقدر في آخر أمره، وبما قصه علينا في قصة أم موسى لما أوحي اليها بقذفه في اليم وعدم الخوف عليه وما كان من عواقب امره، وكما لا ينفي الحكمة عن تدبير الله عدم ظهورها كذلك لا ينفي الحكمة عن شرعه عدم فهمها ولا يقدح في دلالة الآيات وبيانها عدم إدراك كنهها أو عدم فهم معناها.
ففي خلق الله وفي شرع الله وفي قدر الله وفي كلام الله ما يخفي على العقول إدراك حقيقته أو حكمته، أو معناه لطفاً من الله بالإنسان وتنبيها له، وقد قامت الحجة عليه فيما جهل بما عرف. وتجلت له بدائع الخلقة وجلائل النعمة فيما ظهر، فآمن بوجود مثلها فيما خفي. إذ الرب الحكيم الرحيم لا يكون منه إلا ما هو حكمة وفيه نعمة، فكان الإنسان في القسم الأول مدركا مستدلا معتبرا، قد استعمل عقله فأدَّاه إلى الإيمان واليقين فيما ظهر. وكان في القسم الثاني مصدِّقا مذعنا لربه صاغرا، قد أدرك الحجة فآمن بالغيب فيما استتر.
فجمع بين النظر والاستدلال، والتسليم والاذعان.
فهذا توجيه وجود لفظ لا نفهم معناه من كتاب الله- عند من يقول به- ببيان حكمته، مع تنظيره بمثله في خلق الله وشرعه وقدره.
بناء العمل على هذا العلم:
قد رأيت كيف يقف العقل عاجزاً أمام بعض أسرار الخلق والقدر
стр. 558
والشرع والقرآن، مع يقينه بما علم منها، ان ما عجز عن إدراكه ما هو إلاّ مثل ما عرف في الحق والحكمة والنعمة، إذ الجميع- ما عرف وما عجز عنه- من إله واحد حكيم خبير رحمن رحيم. فليذكر الناظر في خلق الله وقدره وشرعه وكلامه دائما هذه الحقيقة، وهي ثبوت الحق والحكمة والنعمة في جميعها، وإمكان عجز عقله في بعض المواضع والأحوال عن إدراكها فيكون عمله في خلق الله هو النظر والبحث والتعليل والاكتشاف واستجلاء الحقائق الكونية واستخراج الفوائد العلمية والعملية إلى أقصى حد توصله اليه معلوماته وآلاته حتى إذا انتهى إلى مشكل استغلق عليه اعترف بعجزه ولم يرتكب من الأوهام والفروض البعيدة ما يكسوا الحقيقة ظلمة، ويوقع الباحث من بعده في ضلالة أو حيرة، فكثيراً ما كانت الفروض الوهمية الموضوعة موضع اليقينيات سببا في صد العقول عن النظر وطول أمد الخطأ والجهل، ويكون عمله في قدر الله هو الاعتبار في تصاريف القدر، والاتعاظ بأحوال البشر، واستحصال قواعد الحياة من سير الحياة، فإذا رأى من تصاريف القدر ما لم يعرف وجهه ولم يتبين له ما فيه من عدل وحكمة واحسان ورحمة، فليذكر عجزه وليذكر ظهور ما خفي عنه من مثل ذلك في وقت ثم ظهر له فيوقن ان هذا مثله، وانه إذا طالت به الأيام قد يظهر له من وجهه ما خفي منه، فيتلقاه الآن بالتسليم والتنزيه، راداً علمه إلى الله تعالى مفوضا أمره إليه، ويكون عمله في شرع الله هو الفهم لنصوص الآيات والأحاديث ومقاصد الشرع وكلام أئمة السلف، وتحصيل الاحكام وحكمها، والعقائد وأدلتها، والآداب وفوائهدها، والمفاسد وأضرارها، حتى إذا بلغ إلى حكم لم يعرف حكمته وقضاء لم يدر علته ذكر عجزه فوقف عنده، فلم يكن من المرتابين ولا من المتكلفين، ولم يمنعه عجزه عن تعليل وتبين وجهه ذلك القليل عن المضي في التفهم والتدبر لما بقي له من
стр. 559
الكثير، ويكون عمله في كتاب الله هو التفهم والتدبر لآياته والتفطن لتنبيهاته ووجوه دلالاته واستثارة علومه من منطوقه ومفهومه، على ما دلت عليه لغة العرب في منظومها ومنثورها، وما جاء من التفاسير المأثورة وما نقل من فهوم الأئمة الموثوق بعلمهم وأمانتهم، المشهود لهم بذلك من أمثالهم، فإذا وقف أمام المتشابه رده إلى المحكم، وإذا انتهى إلى فواتح السور ذكر عجزه فآمن بما لها من معنى وقال: الله أعلم به. فهذا السير النظري والعمل العلمي المبني على اليقين بعدل الخالق ﷻ وحكمته ورحمته في خلقه وقدره وشرعه وكلامه ومعرفة العبد بقدره ومقامه يزداد السائر على مقتضاه ايمانا وعلماً وفوائد جمة، ويسلم من الغرور والأوهام والفتنة، وهو سبيل الراسخين الذين يقولون فيما لا يفهمونه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١).
القول الثاني في فواتح السور:
وذهبت جماعة من أهل العلم- من السلف والخلف- إلى ان هذه الفواتح قد فهمت العرب المراد منها، ولذلك لم تعترض على البيان بها ولا طعنت في عربيته بعدم فهمها، وان كنا لا نجد في كلامها ما نعرف به المعنى الذي فهمته منها، وممن ذهب إلى ذلك الامام أبو بكر بن العربي فقال في كتاب ((القبس على موطأ مالك بن أنس)): "وليست من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فان محمداً- ﵌ لو خاطب الكفار منها بما لا يفهم لكان ذلك أقوى أسبابها في الطعن عليه، وكانوا يقولون: هذا يتكلم بما لا نفهم وهو يدعي أنه بلسان عربي مبين. وما حمعسق في اللسان؟ وما كفهيعص في الكلام؟ فدل أنهم فهموا الغرض وعرفوا المقصود؟.
стр. 560
اختلاف المتؤلين:
منهم طائفة تكلمت على كل لفظ من ألفاط الفواتح وذكرت له معنى، واختلفوا في تلك المعاني التي ذكروها، وهي كما ذكر الامام ابن العربي: "لا سبيل إلى تمييز واحد منها بدليل لأنه معدوم، ولا بأثر لأنه غير منقول" ولا تطمئن إلى شيء منها القلوب التي عاشت على اليقين، ولا تسلم واحداً منها العقول التي اعتادت قفو العلم على نور الدليل.
ومنهم طائفة أخذتها كلها بوجه واحد، فقال بعضٌ: إنها حروف تنبيه تقرع الأسماع فتلفت السامعين إلى الاستماع والتدبر، لما اشتملت عليه السورة من الأحكام والعقائد والآداب وغيرها من مقاصد القرآن، فهي نظير الا والهاء في مألوف الاستعمال. وقال بعضهم: انها حروف تعجيز وافحام وتقريع، لأن القرآن الذي عجزوا عن معارضته من هذه الحروف وأخواتها تركبت كلماته، فكأنما يقال لهم: ما هذا الذي عجزتم عنه إلاَّ كلام جنس كلامكم، وما ركبت لكلماته الا مما ركبت منه كلماتكم، وهذا لعجزهم، ولتقريعهم أوجع. ومما يؤيد هذا أن أكثر هذه الفواتح ذكر بعده الكتاب المعجز وصفاته، مثل قوله تعالى:
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾ (١) ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ... الآية﴾ (٢). ﴿المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٣). ﴿الر * تِلْكَ آيَاتُ
стр. 561
الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (١). ﴿الر * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (٢). ﴿الر * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٣). ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٤). ﴿الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٦) وغيرها ...
الفائدة العملية:
قد افتتحت هذه السور من القرآن العظيم بكلمات التنبيه، وجاءت أول سورة منه بعد الفاتحة مفتتحة به، فلنكن عند قراءته في انتباه واقبال على استيعاب لفظه وتفهم معناه، فإن التالي للقرآن والسامع له في حضرة الرب على بساط القرب، والغفلة في هذا المقام من قلة الأدب، ومن قل أدبه في مقام الاحسان والكرامة استوجب أضعاف ما يستوجبه غيره من العتب والملامة وتعرض لموجبات الحسرة والندامة، فالله نسأل أن يجعلنا من قرائه على اتنباه واستحضار أناء الليل وأطراف النهار العاملين به بالعشي والأبكار، إنه الجواد الكريم الستار.
...
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا
стр. 562
مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (١).
بيان المفردات:
الحكيم: هو الموصوف بالحكمة، وأصل اللفظ من حكم، بمعنى أمسك، فالحكمة هي العلم الصحيح الذي يمسك صاحبه عن الجهالات، والضلالات، والسفالات، فيكون ذا إدراك للحقائق قويم وخلق كريم، وعمل مستقيم، لا يحكم الا عن تفكير، ولا يقول الا عن علم، ولا يفعل الا على بصيرة، فإذا نظر أصاب، وإذا فعل أطاب، وإذا نطق أتى بفصل الخطاب. ووصف القرآن بالحكيم لأنه هو العلم الصحيح، المثمر لهذا كله، والصراط المستقيم، هو دين الإسلام، الذي جاء به جميع المرسلين، قبل النبي- صلى الله عليه وعليهم وسلم-. تنزيل: بمعنى منزل، وهو الصراط المستقيم. العزيز: القوي الغالب، الممتنع الذي لا نظير له. الرحيم: المنعم الدائم الانعام والاحسان. الإنذار: الاعلام بوقوع ما يخاف منه، وهو الهلاك والعذاب العاجل والآجل. والغافل عن الشيء: التارك له المعرض عنه، مع حضوره لديه لاشتغال باله بسواه.
المعنى:
أقسم الله تعالى بالقرآن الحكيم على أن محمداً- ﵌ من المرسلين رداً على من قالوا له: لست مرسلا، في حال أنه على دين الإسلام، الذي بعثه الله به ثابتا عليه في عقده، وقوله، وفعله، وجميع أمره. وأخبر تعالى أنَّ هذا الإسلام الذي جاء به النبي- ﵌ نزَّله عليه الله القوي الغالب، الذي لا يغالب، العديم الشبيه والنظير، والمنعم الدائم الانعام المستمر الاحسان. وبيَّن تعالى أنه كان من المرسلين لينذر الأمة العربية
стр. 563
ويعلمها سوء عاقبة ما هي عليه من الشرك والضلال، تلك الأمة التي ما أنذر آباؤها فهي مشتغلة بما توارثته من آبائها، من عبادة الأوثان، وارتكاب الاثم والعدوان، وأنواع الضلال، والخسران، معرضة عن توحيد خالق الأرض والسموات، وعن النظر فيما نصب للدلالة عليه من الآيات، طال عليها أمد الجهالة، واستولت عليها أسباب الضلالة، فتمكنت منها الغفلة، التمكن التام، فتركت في أوديتها البعيدة المدى، كالأنعام أو أضل من الأنعام.
أصل المعرفة والسلوك من هذه الآيات الكريمة:
تمهيد:
خلق الله الخلق حنفاء موحِّدين، فأتتهم الشياطين فأضلتهم عن سواء السبيل، فمن رحمته تعالى بهم، أن أرسل اليهم، رجالا منهم، لهدايتهم، وأنزل عليهم كتبا منه، لدلالتهم. فالله هو المرسل وتلك الكتب هي رسائله، وأولئك الرجال هم رسله، والخلق هم المرسل اليهم.
المعرفة:
فللمرسل العلوُّ والكمال، وله الخلق، والأمر، ومنه الرحمة، والعدل، والاحسان، والفضل، وله الربوبية، والالوهية، دون شريك ولا مثال.
وفي تلك الوسائل الحق، والحكمة، والنور المخرج، من كل ظلمة والفرقان في كل شبهة، والفصل في كل خصومة، بها تفتح البصائر، وتطةَر الضمائر، وتعرف طريق الحق، والهدى من طرائق الباطل والضلال.
ولأولئك الرسل-عليهم الصلاة والسلام- أكمل ما يمكن للإنسان من كمال، وأكمل المعرفة بالمرسل- تعالى-، وأعظم الخشية له، وأكمل الرحمة بالخلق، وأشد الشفقة عليهم، وأكمل العلم بما جاءوا
стр. 564
به وأعظم التمسك به، وأكثر الاتباع له، فلا كمال الا بالاقتداء بهم، ولا نجاة الا باتباعهم، ولا وصول إلى الله تعالى الا باقتفاء آثارهم. وللمرسل إليهم عجز المخلوق وضعفه، أمام خالقه، وحاجته وافتقاره اليه، وعليه حق عبادته، وطاعته، والرجاء لفضله، والخوف من عقابه، والفكر في آياته، ومخلوقاته، والنهوض للعمل في مرضاته، واستثمار أنواع نعمائه، والشكر له على جميع آلائه. فبمعرفة هذه الأربعة حق معرفتها، ومعرفة مقام كل واحد منها، وما له فيه- كمال الإنسان العلمي الذي هو أصل كماله العملي، والشروط اللازم فيه.
وقد اشتملت هذه الآيات على هذه الأربعة في حق الأمة المحمدية فالمرسل هو ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ والرسالة هي: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ والرسول هو "محمد"﵌ المخاطب بـ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ والمرسل اليهم هم العرب الذين ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾.
تمهيد:
لما ضل الخلق عن طريق الحق، والكمال، الذي يوصلهم اليه، إلى مرضاته والفوز بما لديه أرسل اليهم الرسل ليعرفوهم بأن ذلك الطريق هو الإسلام، ويكونوا أدلتهم في السير وقادتهم إلى الغاية، وأنزل عليهم الكتب لينيروا لهم بها الطريق، ويقودهم على بصيرة، ويتركوهم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يهلك عليها إلاَّ من ظلم نفسه، فحاد عن السواء، أو تخلف عن القافلة فكان من الهالكين. فالقافلة هم الخلق، والطريق هو الإسلام، والادلة هم الرسل، والمصابيح هي الكتب، والغاية هو الله ﷻ .
السلوك:
فعلى مريد النجاة من المهالك والفوز بأسنى المطالب، وأعلى المراتب
стр. 565
- أن ينضم إلى القافلة الربانية يتعاون مع أفرادها ويقوم بحق الرفقة فيها، ويعد نفسه جزءا منها لا سلامة له الا بسلامتها، فهو يحب لكل واحد منها ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، ويهديه إلى ما يهديها اليه من خير ويقيه مما يقيها منه من سوء. وان يطيع أولئك الأدلة ويقتفي آثارهم، وينزل بنزولهم، ويرتحل بارتحالهم، وأن يرجع في معرفة وجوه السير، وأصنافه، وأوقاته، ومراحله، ومنازله، اليهم دون أدنى اعتراض، ولا مخالفة، ويقابل ما يتحملونه من مشاق الدلالة، ومتاعب القيادة، بغاية ما يستطيع من الأدب معهم، والتعظيم، والانقياد لهم، والمحبة فيهم، وحسن الثناء عليهم، وطلب عظيم الجزاء، من الله لهم تعالى على عظيم إحسانهم. وان يلتزم ذلك الطريق ويسير في سوائه غير مائل إلى جنباته، ولا ذاهب في بنيَّاته (١) لا مفرطا في السير يسبق الرفقة فينفر بلا دليل، ولا مفرطا فيه، فيتخلف عنها بلا معين نمطا وسطا مع الجماعة لا من الغلاة ولا من المقصرين. وأن يستنير بما رفعه أولئك الأدلة من مصابيح الهداية، وأن يسير تحت أنوارها الساطعة، مفتح البصر، للاستضاءة بها غير مغلق الأجفان عنها، متعرفا بها أديم الأرض ومواقع قدمه منها. وأن يعرف عظم الغاية التي هو سائر إليها، فيقصر همه كله في الوصول اليها، ويحضرها قلبه في كل لحظات سيره، ليسرع مع الرفقة إليها، وتخف عليه مشاق الطريق وأتعابها، ويعذب لديه كل ألم في الانتهاء إليها.
فبسلوك هذا الطريق القويم، بدلالة الرسول الكريم، وأنوار الكتاب المبين، إلى ربِّ العالمين الرحمن الرحيم، كمال الإنسان العملي المبني على الكمال العلمي.