← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

في آية الأنعام لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء وهي من الإنس أظهر ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح. وفي آية (الناس) قدم الجنة على الناس لأن الحديث عن الوسوسة وهي من شياطين الجنّ أخفى وأدقّ وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمرَّ. فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد فيربى عليه ويكون شرا منه لأنه بمثابة السلاح الذي يفتك به، ورب كلمة واحدة صغيرة يوحيها جِنِّيٌ لإنسي ويوسوس إليه بتنفيذها، فتتولّد منها فتن ويتمادى شرها من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل، وهذا النوع الإنساني المهيأ لقابلية الخير وقابلية الشر، إذا انحط وتسفّل كان شرّا محضًا، وإذا ترقى وتعالى شارف أفق الملأ الأعلى وأوشك أن يكون خيرًا محضا لولا أن العصمة لم تكتب إلّا لطائفة منه وهم الأنبيإء عليهم الصلاة والسلام. فإلإنسإن إذا انحط يكون شرًا من الشيطان، وإذا ارتقى يكون أفضل من الملك- أعني جنس الإنسان- ومن هذا الجنس كان محمد ﵌ أكمل الخلق الذي ليس لمخلوق رتبة مثله في الكمال. ... انتهى تلخيص الدرس وقد حرصنا على ما وعته الذاكرة من معانيه وقيده القلم من ألفاظه ثم تصرفنا في المواضيع التي طرقها الأستاذ بما لا يخرج عن مراده ولا يخالف طريقته في تفسير كلام الله والله ينفعنا بالقرآن ويوفقنا إلى خدمته (١).

стр. 632

حَوْلَ كَلِمَاتِ الْأُسْتَاذِ الْكَبِيرِ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ الزِّيْنَةِ وَالسَّتْرِ -١ - نشرت جريدة " الزهرة " الغراء حديثا لفضيلة العلامة الكبير الشيخ محمد بن يوسف المفتي الحنفي بحضرة تونس، أفضى به لأحد محرري جربدة " اللواء التونسي"، فرأينا في بعض ما قاله الاستاذ نظراً لا ينبغي السكوت عليه فكتبنا عليه ما يلي: قال الحرر: " ثم تلا- الاستاذ- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ .. ﴾ (١) الآية، يقال للمرأة إذا زال ثوبها عن وجهها: أدني عليك من ثوبك، أي استري وجهك، وتلا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ .. ﴾ الآية قلت- المحرر- وما المراد من الزينة؟ قال: الزينة هي الوحه إذ الوجه هو مناط جمال المرأة". فظاهر من مساق تلاوة الاستاذ للآية ان يستشهد بها على وجوب ستر الوجه. وظاهر من السؤال انه عن المراد بلفظ الزينة من:

стр. 633

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وظاهر من الجواب أنه فسر الزينة بالوجه في قوله: ﴿زِينَتَهُنَّ﴾. ولو ذهبنا على هذا الرأي في الاستشهاد والجواب لكان تقدير الآية هكذا، ولا يبدين وجوههن الا ما ظهر من وجوههن. وهذا لا قائل به وتكاد لا تكون فائدة لمعناه. والصواب: أن الذي فسر بالوجه والكفين-لا بالوجه فقط- هو لفظة "ما" في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهي واقعة على الزينة الظاهرة. إذ الزينة منها باطن كالسوار للذراع والدملج للعضد والقُرط للأذن والقلادة للنحر والخلخال للساق، ومنها ظاهر كالكحل للعين والخاتم للأصبع. والزينة هي هاته الأشياء المتزين بها ونحوها. فتعلق بها هذا الخطاب باعتبار محالها فالمقصود محالها بدليل انها إذا لم تكن في محالها لا يتعلق بها هذا الخطاب وقد جاء تفسير الزينة الظاهرة عن السلف مرة بالوجه والكف ومرة بالكحل والخاتم، والثاني راجع للأول لأن الوجه محل الكحل والكف محل الخاتم، فالثاني فسر على حقيقة اللفظ والأول على المراد. ولما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ عمَّ اللفظ الباطنة والظاهرة. ولما قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ خص الظاهرة فجاز ابداؤها وبقيت الباطنة على المنع. وأفادت الآية منع كشف العنق والصدر والساق والذراع وجميع الباطن، وأباحت كشف الظاهر، وهو الوجه والكفان، إذ هما ليس بعورة من المرأة بإجماع. فبان بهذا بطلان تفسير الأستاذ الزينة من ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ الوجه، وبطلان استدلاله بالآية على وجوب ستره، إذ هي بالعكس دالة على جواز ابدائه بحكم الاستثناء الصريح.

стр. 634

ونرى أن نزيد المقام تقريراً وتوضيحاً بما ننقله عن إمامين كبيرين في الحديث والفتوى: الإمام الجصاص الحنفي والقاضي عياض المالكي. ثم عن إمام دار الهجرة. قال الجصاص: - وهو يريد ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ -. "وقال أصحابنا: المراد الوجه والكفان، لأن الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف، فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين. ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضا أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين، فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو عورة. وإذا كان كذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة". وقال عياض " في هذا كله- وهو يعني حديث نظر الفجأة- عند العلماء حجة انه ليس بواجب ان تستر المرأة وجهها وإنما ذلك استحباب وسنة لها. وعلى الرجل غض بصره عنها إلى ان قال: ولا خلاف ان فرض ستر الوجه مما اختص به أزواج النبي ﷺ . اهـ من الاكمال بنقل المواق. ونقل صدره النووي وأقره. وفي الموطأ: (سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال: ليس بذلك بأس، إذا كان على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال. قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يواكله أو مع أخيها على مثل ذلك). فمالك يرى جواز مواكلة المرأة للأجنبي إذا لم تكن في خلوة معه، بأن كان ذلك بحضرة زوجها أو أخيها مثلا. وهي تقتضي ابداء وجهها وكفيها للأجنبي إذ ذلك لازم عند المواكلة كما قاله الباجي وأقره. فهذه النقول كلها مفيدة لما دلت عليه الآية من أن الوجه والكفين

стр. 635

ليسا بعورة وأنه لا يجب على المرأة سترهما. نعم نصَّ أكثر الفقهاء المتأخرين مع جميع المذاهب على أن المرأة يجب عليها ستر وجهها إذا خشيت منها الفتنة، وهذا حكم عارض معلل بهذه العلة، فيدور معها وجودا وعدما. ولذا لنا كانا نتحقق الفساد بسفور نساء المدن والقرى - وحالتنا هي حالتنا- لا نرى لهن جواز السفور ما دامت هاته الحال، ونعرف نساء جهات في بادية قطرنا لا يسترن وجوههن وليس بهن فساد ولم تقع بهن من فتنة، فلما سئلنا عن سفورهن اجبنا بتركهن على حالهن أخذاً بأصل الجواز. إننا بما كتبنا أردنا اعتراض عبارة الأستاذ وبيان الحكم الأصلي لستر الوجه والكفين والحكم العارض، وتد بينا ذلك حسب المستطاع. وبقي الكلام على آية الإدناء التي ربما تظن معارضتها لآية الابداء المتقدمة وسنتكلم عليها في العدد الآتي إن شاء الله. -٢ - نعيد اليوم- وقد عدنا إلى تمام هذا الوضوع- ما كنا صرحنا به في القسم الأول من قولنا: " ... فهذه النقول كلها مفيدة لما دلت عليه الآية من أن الوجه والكفين ليسا بعورة، وأنه لا يجب على المرأة سترهما. نعم نص أكثر الفقهاء المتأخرين مع جميع المذاهب على أن المرأة يجب عليها ستر وجهها إذا خشيت منها الفتنة، وهذا حكم عارض معلَّل بهذه العلة فيدور معها وجوداً وعدماً. ولذا لما كنا نتحقق الفساد بسفور نساء المدن والقرى- وحالتنا هي حالتنا- لا نرى لهن جواز السفور ما دامت هاته الحال. ونعرف نساء جهات في بادية قطرنا لا يسترن وجوههن وليس بهن فساد ولم تقع بهن من فتنة فلما سئلنا عن سفورهن اجبنا بتركهن على حالهن أخذاً بأصل الجواز". نعيد هذا ليتقرر مما نريده عند قارئنا بجلاء تام.

стр. 636

قد فرغنا في القسم الأول من الكلام على آية الإبداء وهي آية قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ونريد أن نتكلم في هذا القسم على آية الإدناء وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وفي هذه الآية تفسيران أخذ الاستاذ بأحدهما وهو مرجوح في نظرنا بما نقيمه من الأدلَّة على مرجوحيته، وسنتكلم على الآية في ثلاثة مباحث. المبحث الأول: في معنى الإدناء والجلابيب: الإدناء من الدنو وهو القرب، فالإدناء التقريب، فيدنين عليهن من جلابيبهن بمعنى يقرِّبن عليهن، وأصل فعل دنا أن يتعدلى بمن، تقول: دنوت منه وأدنيته منه، وإنما يتعدى بعلى إذا كان في الكلام معنى الارخاء أو الضم كما في قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ (١) وكما في: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾. والجلباب- على اختلاف عبارات اللغويين في تفسيره- هو الثوب الأعلى الذي تجعله المرأة فوق رأسها وترسله على بدنها كالملحفة ونحوها. و"من" للتبعيض لأن الذي تدنيه عليها من ناحية وجهها. إنما هو بعض جلبابها. فأفادت الآية طلب تقريب المرأة بعض جلبابها وإرخائها وضمه عليها

стр. 637

من ناحية وجهها. وهذا محتمل لأن يكون بتغطية جميع الوجه وبتغطية بعضه. واختلاف المفسرين من السلف في معنى الآية دليل على وجود هذا الاحتمال. وما نقله الاستاذ بالمعنى من تفسير الزمخشري هو أحد الوجهين المحتملين وأجود ما نقل عن أئمة العربية في تفسير الآية قول الكسائي: "يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن" قال الزمخشري: "أراد بالانضماه معنى ادناء" والتقنع لا يقتضي ستر الوجه كله. المبحث الثاني: في اختلاف المفسرين من السلف: في الآية قولان لهم نقلهما ابن جرير في تفسيره الشهير. الأول - هو أن يغطين وجوههن ورؤسهن فلا يبدين منهن إلاَّ عيناً واحدة. وهذا قول عبيدة وقول ابن عباس من طريق أبي صالح. الثاني- أُمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن، وهو قول قتادة وقول ابن عباس من طريق محمد بن سعد. المبحث الثالث: في الترجيح: قد مضت آية الابداء مفيدة جواز إبداء الوجه والكفين على مقتضى ما تقدم من البيان، وجاءت بعدها هذه آية الادناء محتملة لطلب ستر الوجه كله كما في القول الأول. وتكون عليه معارضته لآية الابداء المتقدة. تلك تبيح كشف الوجه وهذه تُحْظره، ومحتملة لطلب الارخاء والضم لبعض الجلباب على بعض الوجه وهو الجبين كما في القول الثاني ولا تكون حينئذ معارضة لآية الابداء.

стр. 638

وحملها على ما لا تكون به معارضة بين الآيتين- وهو الوجه الثاني- أرجح وأولى إن لم يكن متعينا. ثم ان قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ يفيد أن علة طلب الادناء هي تمييزهن عن الاماء اللاتي كن يمشين حاسرات أو بقناع مفرد فيتعرضن لهن أهل الشطارة والسفهاء. وفي الادناء على الوجه الثاني في الآية تحصيل لهذا المقصود من التمييز، فحملها عليه مناسب للعلة وسالم من المعارضة فهو المختار. وبهذا التقرير تكون كل آية مفيدة معنى غير الذي أفادته الأخرى، فآية الابداء أفادت طلب ستر الأعضاء إلا الوجه والكفين، وآية الادناء أفادت طلب الستر الأعلى الذي يحيط بالثياب ويعم الرأس وما والاه من الوجه وهو الجبين وينضم على البدن، ليحصل به تمييز الحرائر بالمبالغة في التستر والاحتشام. وهذا هو المناسب لجوامع كلم القرآن والله أعلم (١).

стр. 639

كَلِمَةُ الْمُحْتَفَلِ بِهِ ختم الاستاذ عبد الحميد بن باديس حفلة تكريمه بكمة بليغة شكر بها الوفود الحاضرة، وعاد بهم إلى الماضي فوزع معاني التمجيد والتكريم التي تجلت عنها الحفلة- على الأصول التي كونته. فكانت كلمته درسا في التواضع وعرفان الجميل عرف منه الحاضرون ناحية نفسية من أخلاق الأستاذ المحتفل به. وقد حافظنا ما استطعنا على معاني تلك الكلمة إذ فاتنا أن ننقل ألفاظها، قال حفظه الله (١): ــ أيها الإخوان: أنتم ضيوف القرآن. وهذا اليوم يوم القرآن. وما أنا إلا خادم القرآن. فاجتماعكم على تنائي الديار وتباعد الأقطار هو في نفسه تنويه بفضل القرآن ودعوة جهيرة إلى القرآن في وقت نحن أحوج ما نكون إلى دعوة المسلمين إلى قرآنهم. فهل علمتم أنكم باحتفالكم هذا قمتم بواجبات أهونها ما سميتموه احتفالا بشخصي. إن أقوال خطبائكم وشعرائكم كلها في الحقيقة اشادة بيوم القرآن ووفود القرآن وكل ما لي من فضل في هذا فهو أنني كنت السبب فيه. أيها الإخوان. أنا رجل أشعر بكل ما له أثر في حياتي. وبكل من له يد في

стр. 640

[صورة] الشيخ عبد الحميد يلقي كلمة شكر للمحتفين به بمناسبة ختم القرآن ---------- [صورة] تمثل تقديم الهدايا لفضيلة الأستاذ عبد الحميد بمناسبة الاحتفال بختم القرآن

стр. 641

تكويني. وان الانصاف الذي هو خير ما ربى عليه امرؤ نفسه- ليدعوني أن أذكر في هذا الموقف التاريخي العظيم بالتمجيد والتكريم كل العناصر التي كان لها الأثر في تكويني حتى تأخذ حظها مستوفى من كل ما أفرغتم على شخصي الضعيف من ثناء ومدح بالقول والفعل. فإني أشهد الله أنكم بالغتم في التحفي بي والتنويه بأعمالي، وأشهد أن هذا التحفي عسير عليَّ جزاؤه ثقيل علي حمله، فلعلي إذا ذكرت هذه العناصر ووفيتها حقها من الاعتراف لها بالفضل توزعت حصصها من التنويه وتقاضت حقوقها من الثناء الذي أثقلتم به كاهلي. فأكون بذلك قد أرضيت ضميري وخففت عن نفسي. إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي ربَّاني تربية صالحة ووجهني وجهة صالحة. ورضي لي العلم طريقة اتبعها ومشربا أرده وقاتني وأعاشني وبراني كالسهم وراشني وحماني من المكاره صغيرا وكبيرا. وكفاني كلف الحياة فلأشكرنه بلساني ولسانكم ما وسعني الشكر. ولأكل ما عجزت عنه من ذلك لله الذي لا يضيع جزاء العاملين. ثم لمشائخي الذي علموني العلم وخطوا لي مناهج العمل في الحياة ولم يبخسوا استعدادي حقه، وأذكر منهم رجلين كان لهما الأثر البليغ في تربيتي وفي حياتي العملية، وهما من مشائخي اللذان تجاوزا بي حد التعليم المعهود من أمثالهما لأمثالي- إلى التربية والتثقيف والأخذ باليد إلى الغايات المثلى في الحياة. أحد الرجلين الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني نزيل المدينة المنورة ودفينها، وثانيهما الشيخ محمد النخلي المدرس بجامع الزيتونة المعمور رحمهما الله. وإني لأذكر للأول وصية أوصاني بها وعهداً عهد بي إليَّ وأذكر ذلك العهد في نفسي ومستقبلي وحياتي وتاريخي كله فأجدني مدينا لهذا الرجل بمنة لا يقوم بها الشكر، فقد أوصاني وشدَّد عليَّ أن لا أقرب الوظيفة ولا أرضاها ما حييت ولا أتخذ علمي مطية لها كما كان يفعله أمثالي في ذلك الوقت.

стр. 642

صورة للشيخ عبد الحميد بن باديس ﵀ أخذت له بمناسبة الاحتفال بختم القرآن.

стр. 643

وأذكر للثاني كلمة لا يقل أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العملية وذلك انني كنت متبرماً بأساليب المفسرين وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله، ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقية غشاوة من التقليد واحترام آراء الرجال حتى في دين الله وكتاب الله. فذاكرت يوما الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق فقال لي: اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة وهذه الأقوال المختلفة وهذه الآراء المضطربة يسقط الساقط ويبقى الصحيح وتستريح. فوالله لقد فتح بهذه الكلمة القليلة عن ذهني آفاقاً واسعة لا عهد له بها. ثم لأخواني العلماء الأفاضل الذين وازوني في العمل من فجر النهضة إلى الآن، فمن حظ الجزائر السعيد ومن مفاخرها التي تتيه بها على الأقطار أنه لم يجتمع في بلدٍ من بلدان الإسلام فيما رأينا وسمعنا وقرأنا مجموعة من العلماء وافرة الحظ من العلم مؤتلفة القصد والاتجاه مخلصة النية متينة العزائم متحابة في الحق مجتمعة القلوب على الإسلام والعربية قد ألف بينها العلم والعمل- مثل ما اجتمع للجزائر في علمائها الأبرار فهؤلاء هم الذين ورى بهم زنادي وتأثل بطارفهم تلادي، أطال الله أعمارهم ورفع أقدارهم، ثم لهذه الأمة الكريمة المعوانة على الخير المنطوية على أصول الكمال ذات النسب العريق في الفضائل والحسب الطويل العريض في المحامد. هذه الأمة التي ما عملت يوما- علم الله- لارضائها لذاتها. وإنما عملت وما أزال اعمل لارضاء الله بخدْمة دينها ولغتها ولكن الله سددها في الفهم وأرشدها إلى صواب الرأي فتبينت قصدي على وجهه وأعمالي على حقيقتها فأعانت ونشطت بأقوالها وأموالها وبفلذات

стр. 644

صورة أخذنت بمناسبة ختم القرآن في قاعة كلية الشعب يقسنطينة يوم الإثنين ١٤ ربيع الثاني ١٣٥٧هـ - ١٩٣٨م.

стр. 645

أكبادها. فكان لها بذلك كله من الفضل في تكويني العملي أضعاف ما كان لتلك العناصر في تكويني العلمي. ثم الفضل أولاً وأخيرً لله ولكتابه الذي هدانا لفهمه والتفقه في أسراره والتأدب بآدابه. وان القرآن الذي كوَّن رجال السلف لا يكثر عليه أن يكوِّن رجالاً في الخلف لو احسن فهمه وتدبره وحملت الأنفس على منهاجه. أيها الاخوان. إذا لم يكن لي في حياتي العلمية من لافت للقرآن إلا تلك الكلمة التي سمعتها من الشيخ النخلي، وقد فعلت فعلها في نفسي وأوصلتني في فهمي إلى الدرجة التي تحمدونها اليوم فإننا- والحمد لله- نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم وغايتنا التي ستتحقق أن يكوِّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها. وان أعز ما وصلنا إليه هو تبين الغاية وتلاقي الجهود وفقنا الله واياكم للأعمال الصالحة ورزقنا الإخلاص فيها والثبات عليها إنه سميع مجيب (١). كلمة الأستاذ الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس (٢) أيها الاخوان: الإسلام دين الحياة والعلم والفن، والحياة قوة وايمان وجمال،

стр. 646

أخذت هذه الصورة بمناسبة الاحتفال بختم الشيخ عبد الحميد لتفسير القرآن يوم الأحد ١٢ ربيع الثاني ١٣٥٧هـ - ١٩٣٨م في الجامع الأخضر بقسنطينة، وقد وقع الاحتفال في كلية الشعب.

стр. 647

والعلم يمثل القوة، والفن يمثل الجمال وبهذا تحتفل بكم- ياضيوف القرآن- جمعيات قسنطينة الحيوية التي تمثل القوة والايمان والجمالى. أيها الاخوان: إذا كنت استمد القوة والحياة فإنما استمدهما ممن أولوني شرف الثقة والإخلاص لديني ولأمتي وأخص منهم الأسود الكبار، وهم إخواني الأقوياء من رجال العلم الذين اجدني مهما وقفت موقفا إلا وجدتهم معي كالأسود. وأما الاشبال الصغار فهؤلاء الأبناء الذين تشاهدونهم يحتفلون بكم الليلة. ولقد جاءت قسنطينة تحييكم بكبارها وصغارها. فذكراكم يا ضيوف القرآن خالدة وهي منقوشة في قلبي لا تفنى ولا تنمحي. انني أعاهدكم على أنني أقضي بياضي على العربية والإسلام كما قضيت سوادي عليهما، وأنها لواجبات ... وإنِّي سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم. وأطلب منكم شيئا واحداً وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن. انا زارع محبة، ولكن على أساس من العدل والانصاف والاحترام مع كل أحد من أي جنس كان ومن أي دين كان، من كل جنس من كل دين. فاعملوا للأخوة ولكن مع كل من يعمل للأخوة فبذلك تكون الأخوة صادقة (١).

стр. 648

آثار ابن باديس قسم الحديث

стр. 649

الْفَنُّ الْأَدَبِيُّ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ . كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ وكَانَ النَّبِيُّ ﵌ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَحَدَا الحَادِي، وَكَانَ يَحْدُو بِهِنَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ». قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﵌ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ». رواه البخاري في باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه وفي باب المعاريض وغيرهما من طريق أبي قلابة وثابت البناني وقتادة ثلاثتهم عن أنس - رضي الله تعالى عنهم- وسقناه من مجموع ألفاظهم. ــ الأشخاص: انجشة غلام حبشي كان يحدو في السفر بالنساء كما كان البراء بن مالك يحدو بالرجال. أبو قلابة: إمام شهير من فقهاء التابعين نزل الشام ومات بها. المفردات: الحدو والحَداء: سوق الابل والغناء لها لتنشط وتسرع في السير. ويح: كلمة تقال لمن وقع في بلية أو توقعت له رحمة له، بخلاف ويل فإنها تقال لمن وقع في عذاب أو توقع له وهو يستحقه ولا يرحم فيه. وانجشة: هنا شارف أن يقع في بلية كسر القوارير فخوطب خطاب رحمة من الوقوع في ذلك. رويدك: مصدر مصغر

стр. 650

بمعنى امهال القوارير، جمع قارورة، وهي الزجاجة سميت بذلك لاستقرار الشراب فيها. القوارير: النساء. التراكيب: ويحك: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف لم يستعمل، وتقدير الكلام: هلكت هلاكك الذي تستحق عليه الرحمة. رويدك مثله وتقديره أمهل امهالك. ونصب سوقك على التوسع بإسقاط الخافض أي في سوقك، ولما كان يدعوه إلى الرفق اقتضى الحال أن يعبر عن المطلوب الرفق به، وهن النساء بالقوارير على طريق الاستعارة التصريحية حيث شبهن بها بجامع الرقة واللطف والضعف، وحذف لفظ المشبه وذكر لفظ الشبه به. فكانت اللفظة المجازية بالغة غاية البيان عن حالة النساء وكان التركيب بها بالغا غاية البلاغة باشتماله على ما اقتضاه حال الدعاء إلى الرفق مما صورهن بصورة تدعو إلى الرفق وتستوجبه. المعنى: لما غنى انشجة للإبل وعلى ظهورها النساء نشطت واعنقت في السير فاتعبتهن فأشفق النبي- ﵌ عليهن فأمر انجشة بالرفق بهن لأنهن ضعيفات عن تحمل شدة الاضطراب فوق ظهور الإبل المسرعة. الفن: إدراك صفات الشيء على ما هي عليه من حسن وقبح إدراكا صحيحا، والشعور بها كذلك شعورا صادقا والتصوير لها تصويرا مطابقا، بالتعبير عنها بعبارات بليغة في الإبانة والمطابقة للحال ذلك هو الفن الأدبي، والنفوس تميل إلى الحسن وتنشرح له وتنفر من

стр. 651

القبيح وتنقبض عنه، ولذا كان أكثر الفن الأدبي في تصوير الحسن وعرضه على الناس ليشاركوا الفنان في إدراك ذلك الحسن والشعور به والتذوق للذة ذلك الإدراك والشعور. وفي ذلك تربية لملكة الذوق الحسن في النفوس. وان النفوس لفي أشد الحاجة إلى تلك الملكة لتنعم بصور هذا الكون العظيم وما فيها من حسن فتقاوم بذلك ما تعانيه من متاعب الحياة وأوصابها وتدفع بلذة ذلك الشعور بالحسن ما تجده من آلامها، وإذا رجعت إلى القرآن العظيم فإنك تجد العدد العديد من آياته الكريمة يعرض علينا أنواعا من مخلوفات الله تعالى في صورها الحسنة الجذابة واقرأ في ذلك- مثلا- سورة الرحمن فإنك واجد ما قلناه. وكذلك في الأحاديث النبوية عدد كثير من مثل ذلك، ومنها هذا الحديث الشريف الذي بين أيدينا، فقد صور النساء في صورة حسنة جذابة بما في القوارير من بياض ولمعان ودقة ولطف مع التصوير لحقيقة حالهن في الضعف الخلقي وفي الضعف القلبي وسرعة انكسار قلوبهن وعسر انجبارها، فكانت هذه العبارة آية من آيات الفن الأدبي، التي تدخل على النفوس بهجة وانشراحا وتثير فيها حاسة الذوق للحسن والجمال. وقد القى كعب بن زهير قصيدته المشهورة في حضرة النبي- ﵌ فوصف المرأة والماء الذي مزجت به الخمرة والناقة وصورها تصويرا فنيا ولم ينكر عليها (١) لأنه لم يكن يصف شخصا معينا يؤدي وصفه إلى اثارة الشهوة البهيمية نحوه وإنما كان يعرض صوراً من محاسن تلك الأشياء التي تلذ للنفوس البشرية صورها الجمالية وتنمي فيها قوة الشعور والذوق. الرد على المتشددين: علم أبو قلابة- رضي الله تعالى عنه- تشدداً وتنطعا مما كان

стр. 652

حدثهم بهذا الحديث يحملانهم على الامتناع من الكلمات التي فيها بعض وصف النساء فرد عليهم بتكلم النبي- ﵌ بهذا (١) الكلمة التي لو تكلم بها أحدهم لعابوها عليه وبين لهم أن لا عيب فيها وفي مثلها مما لا فحش في لفظه ولا قبح في معناه ولا غاية سوء من ذكره. فقه: في الحديث سماع النساء لصوت الحادي وفيه للعناية بهن في السفر والرفق بهن فيه. وفيه التنبيه على المحافظة على قلوبهن وعواطفهن ليدوم ودَّهن وسلامتهن، ويدوم الهناء معهن والاستمتاع بهن لأنهن ضعيفات القلوب رقيقات العواطف شديدات الاحسان (٢) يصبرن على كل شيء من الرجل إلا على كسر قلوبهن ومس عواطفهن، فهذا الحديث الشريف من الأحاديث الكثيرة التي جاءت في الوصاية بالنساء والمحافظة عليهن ومراعاة جانبهن، ويمتاز هذا الحديث بما فيه من ذكر السبب الذي يوجب ذلك ويقتضيه، على أبين تصوير وأبلغه فليكن دائما على بالنا، في معاملتنا للنساء وحياتنا معهن والله المستعان (٣).

стр. 653

الرَّاعِي الْغَاشُّ لِرَعِيَّتِهِ . ((عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ. إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»)). (رواه مسلم) ــ الصحابي الجليل والأمير الظالم: معقل بن يسار ﵁: أسلم قبل الحديبية وشهد بيعة الرضوان. سكن البصرة وبها مات في خلافة معاوية- ﵁ وحفر نهرا بالبصرة بأمر عمر- ﵁ وإليه ينسب، وفيه جاء المثل: (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل). عبيد الله بن زياد: أبوه زياد بن سمية، ألحقه معاوية بأبي سفيان فنسب اليه. ولَّى (عبيدَ الله) معاويةُ البصرة وأقره عليها يزيد. وعبيد الله هذا هو الذي جهز الجيوش لقتال الحسين بن علي- ﵄ وهو ألزمهم بقتاله- قتله الله- وقد قتله إبراههيم بن الأشعث بعد، وخبره مذكور ومعروف. ترك الموعظة خوف المفسدة: كان معقل بن يسار يرى من ظلم عبيد الله بن زياد وغشه للرعية

стр. 654

ولم يستطع ان يواجهه بما في هذا الحديث من الموعظة خوف أن يبطش به فتثور من أجل قتله أو إذايته ثائرة بالبصرة تؤدي إلى سفك دماء المسلمين دون ان تكف ابن زياد عن ظلمه فاتقاء لهذا لم يواجهه بالموعظة حتى جاء عبيد الله لعيادته وقد علم معقل أنه في مرض موته فاغتنم الفرصة وجابهه بالموعظة لما خلصت للمصلحة وأمن المفسدة. ما الراعي وما الرعية: الرعاية: حفظ الشيء وتفقد أحواله واعطاؤه ما يحتاج اليه وصرفه عما يؤذيه وما لا فائدة له فيه ووقايته مما يعدو عليه، وكل من جعل الله تحت يده شيئا من مخلوقاته فقد استرعاه ذلك الشيء أي: جعله في رعايته وطالبه وكلفه بأن يرعاه، فصار مسؤولا عنه عند الله، وما من بالغ عافل ذكرا أو انثى إلا وقد جعل الله شيئا في رعايته ولو لم يكن من ذلك إلا نفسه وعقله وبدنه، وأعظم بهما من شيء تجب رعايته. وهذا معنى التعميم في الحديث. الواجب على الراعي في رعيته: يجب على كل راع- بالتعميم المتقدم المستفاد من الحديث السابق- أن ينصح لما استرعاه الله من رعية في القول والعمل وان لا يدخر شيئا من جهده في حفظه وتفقد أحواله، واعطائه ما يحتاج اليه، وصرفه عما يؤذيه وما لا فائدة له فيه، ووقايته من كل ما يعدو عليه، وان يستصفي له من الآراء والأعمال والأقوال أبلغ ما يقدر عليه، فإذا قصر في شيء من هذا فقد غش رعيته بما يدخله عليها من الضرر في ولايته عليها وارتكب بذلك الكبيرة التي توعد عليها بالنار. توجيه: لما كانت أعظم الرعايات رعاية أمر العامة بالامرة والولاية حدَّث

стр. 655

معقل بن يسار بهذا الحديث عبيد الله بن زياد لأنه كان أميرا لمصر عظيم، فيكون من أول من يشمله عموم لفظ: (ما من أحد). وهذا هو وجه تخريج مسلم لهذا الحديث في كتاب الامارة. واما اللفط فهو على عمومه. الوعيد- معناه وشرطه وعمومه: توعد الله على لسان نبيه- ﵌ الراعي الغاش بتحريم الجنة عليه. والتحريم هو المنع ويكون موقتا موقوتا ويكون مؤبدا، فإن مات الغاش مستحلا للغش أو عوقب على اصراره بسوء الخاتمة- عياذا بالله- فتحريمها عليه مؤبد، وان مات مسلما مصرا فتحريمها عليه كل وقت، يدخل النار بغشه ثم يخرج منها بما في قلبه من ايمان ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وهذا المعنى- على تفصيله- عام بحسب صريح لفظه لكل راع غاش واقتضى قوله- ﵌ في الحديث: «يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته» أن هذا الوعيد فيمن مات مصراً ولم يتب، فأما من تاب ولم يمت يوم مات على غشه فليس داخلا في هذا الوعيد. نعم ينجو التائب من غقوبة الغش بتوبته ولكنه تبقى عليه تبعات العباد وما ألحق بهم من ضرر وهي حقوق أخرى جنى عليها زيادة على أصل الغش. فلهما عقوباتها والقصاص عليها. تطبيق: كل من تولى أمراً من أمور الأمة فهو من رعاتها المسؤولين عنها المتوعدين بهذا الوعيد الشديد إذا غشوها على أي وجه كانت تلك الولاية من الوجوه التي تختلف باختلاف الأمم وأوضاعها ومما هو من أعظم الولاية على الأمة اليوم بحسب وضعها، النيابة عنها والتكلم بلسانها من أدنى درجات تلك النيابة إلى أعلاها. فليعلم هذا من

стр. 656

يتقدم لهذه الولاية وليراقب الله فيها، كما على كل راع أن يعلم هذا الوعيد ويحذر ان يقتحمه. نسأل الله لنا وللمسلمين أن يوفقنا إلى القيام بأحسن الرعاية في كل ما استرعانا من أنفسنا وغير أنفسنا (١).

стр. 657

إِتِّحَادُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاوُنِهِمْ . «الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، ومسلم عنه أيضا إلى قوله بعضا. ــ المفردات: المؤمن، (ال) في اللفظين جنسية استغراقية، فالمراد جميع الأفراد. (للمؤمن): اللام لام الاختصاص. و (يشد): يقوي بعضه بعضا بالتضام والالتحام. (شبك): أدخل أصابع اليمنى بين أصابع اليسرى وأصابع اليسرى بين أصابع اليمنى. التراكيب: الجملة الأولى خبرية لفظا طلبية معنى، أي ليكن المؤمن للمؤمن كالبنيان، وجيء بالطلب على صورة الخبر تنبيها على أن هذا المطلوب هوالشأن الذي لا ينبغي أن يكون سواه، فهو بحيث يخبر عنه لا أن يطلب. والجملة الثانية استئنافية لبيان وجه التشبيه. المعنى: الواجب على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التضام والالتحام، حتى يكون منهم جسد واحد كما قال ﵌ في الحديث الآخر «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

стр. 658

زيادة بيان: لقد قرر الحديث الشريف معنى الاتحاد الذي يجب أن يكون بين جميع أفراد المؤمنين على أكمل وجه في التصوير وأبلغه في التأثير، فقد شبههم بالبنيان وذلك وحده كاف في افادة الاتحاد، وزاد عليه التصريح بالشد والتقوية ليبين أن في ذلك الاتحاد القوة للجميع تأكيدا للزوم الاتحاد بذكر فائدته، ثم زاد عليه التصوير بالمحسوس لما شبك ﵌ بين أصابعه، هذا كله ليبين للمؤمنين لزوم الاتحاد وضرورته. تبصر: ألا ترى البنيان كيف يتركب من الحجارة الكبيرة والحجارة الصغيرة والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتكسى، وكل ذلك محتاج اليه في تشييد البنيان، فكذلك بنيان المؤمنين فإنه متكون من جميع أفرادهم على اختلاف طبقاتهم، فالكبير والجليل له مكانه، والصغير والحقير له مكانه، وعلى كل حال أن يسد الثغرة التي من ناحيته مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه كما لا غناء له عن كل واحد منها، فكل واحد من المؤمنين عليه تبعته بمقدار المركز الذي هو فيه والقدرة التي عنده، ولا يجوز لأحد وان كان أحقر حقير أن يخل بواجبه من ناحيته، فإنه إذا أزيل حجر صغير من بنيان كبير دخل فيه الخلل بمقدار ما أزيل، وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرق للكبير. ثم ألا ترى أصابعك وفيها القوي وفيها الضعيف حتى إذا شبكتها صارت كشيء واحد له قوة ومتانة زائدة، وكل أصبع منها يمكن أن يلوى ما دام وحده، فإذا شبكتها عسر ليها وقوي أمرها، فكذلك المؤمنين باتحادهم- وفيهم القوي وفيهم الضعيف- تكون لهم قوة عامة زائدة، وكل واحد منهم بمفرده يمكن قهره، فأما إذا اتحدوا فإنهم يكونون بقوة اتحادهم في مأمن من كل قهر.

стр. 659

تفقه: لما قال ﵌ (المؤمن للمؤمن .. الخ) علق الحكم على الوصف فاقتضى ذلك أن هذا هو واجب كل مؤمن من حيث انه مؤمن مع كل مؤمن من حيث انه مؤمن، فيجب لهذا أن تطرح في مقام الاتحاد والتعاون جميع المفرقات من المذاهب والمشارب وينظر إلى وصف الايمان فقط، فهذه المذاهب وهذه المشارب أهلها كلهم أهل ايمان لا يدفع بعضهم بعضا عن ذلك، والنبي- ﵌ قد أمرهم بالاتحاد والتعاون باعتبار الوصف الأصلي الذين هم مشتركون فيه ليكون الاتحاد والتعاون في مكنتهم دون التفات إلى ما أحدثوه من مفرقاتهم. فمن تعامى عن وصف الايمان الموجب للاتحاد ونظر إلى مذهب أو مشرب من موجبات الافتراق فقد عصى أبا القاسم- ﵌ وحاد الله ورسوله وأعرض عن دعوة الحق وأجاب داعي الشيطان. سلوك: علينا أن نعتقد بقلوبنا أن الاتحاد واجب أكيد محتم علينا مع جميع المؤمنين، وأن فيه قوتنا وحياتنا وفي تركه ضعفنا وموتنا. وأن نعلن ذلك بألسنتنا في كل مناسبة من أحاديثنا. وأن نعمل على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا في كل ما يقتضيه وصف الايمان الجامع العام والله المستعان وعليه التكلان (١).

стр. 660

دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ أَوِ الْكَلِمَةُ الْمُنْتِنَةُ . عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» السند رواه الشيخان وغيرهما. ــ الألفاظ: كسعه: ضرب دبره بيده أو صدر قدمه. رجل ... رجلا: كان الرجلان من الموالي. يا للانصار، يا للمهاجرين: استغاثة من كل بقومه ومواليه لينصروه على الآخر. دعوى الجاهلية: الدعاء الذي كان يدعو به أهل الجاهلية بنعرة العصيبة لاثارة الحمية، يدعو الرجل قومه لينصروه ولو على الباطل. دعوها: اتركوها. منتنة: مكروهة في العقل والدين ككراهة الشيء النتن في الشم ومفرقة للجمع كما يفرق النتن المجتمعين. المعنى: كان الرجل في الجاهلية- إذا نزل له أمر- استنصر بقبيلته وتعضد بهم ودعاهم إلى معونته ونصرته، بما بينه وبينهم من عصبية قبلية فتثور حميتهم فيندفعون إلى مؤازرته فيؤيدونه ظالما أو مظلوما، فإذا كان ظالما زادوا في ظلمه وإذا كان مظلوما لم ينتهوا عند حد في الانتقام له من ظالمه، فلما جاء الإسلام أبطل الانتصار بالعصبية،

стр. 661

والتعضد على الانتقام بالقبيلة. وجعل الحكم بالقضاء الشرعي والتوصل إليه بالبينات والحكام. فلو أن ذلك المكسوع كان ممن تأدب بالإسلام وتغلغلت روح الإسلام في قلبه لكان دعا بدعوى الإسلام فقال: يامسلمون قد ضربني هذا. وأقام عليه البينة وساقه إلى النبي- ﵌ ليقتص له منه، ولما لم يكن كذلك وكانت الروح الجاهلية لا تزال منها عقابيل في صدره دعا بدعوى الجاهلية، وكان صاحبه مثله فقابله بمثلها، فلما سمع النبي- ﵌ ذلك منهما سأل عن السبب الذي أثار تلك الدعوى فلما عرَّفوه بسببها نهى عنها وحذر منها فأبرزها في أقوى صورة تنفر منها ابرازا للمعقول في صورة المحسوس لأنه أبلغ فى التأثير على السامع فوصفها بأنها منتنة. الدعويان وأثرهما: دعوى الجاهلية- يا بني عمي، أو يا قومي، أو يا أهل بلدي، أو يا أهل وطني- انتقموا لي. فإذا دعا بها وقعت التفرقة بين عشيرة وعشيرة أو بين قوم وقوم، أو بين بلد وبلد، أو بين وطن ووطن، وأثارت الحمية في كل واحدة من الناحيتين على الأخرى ودفعت إلى الإسر اف والتعدي فأوسعت الظلم والشر وأبقث الإحن والأحقاد والتّرات مما يسترسل معه الظلم والفساد في المستقبل. أما دعوى الإسلام فهي: يا عباد الله، أو يا مسلمون، إني ظُلمت فأنقذوني اشهدوا لي. فإذا دعا بها كانت جامعة لا تفريق فيها، وأهابت بالسامعين كلهم كذاتٍ واحدَةٍ كلهم ينصرون الحق فيكفوا الظلم إن كان واقعا على المظلوم في الحال ويشهدون بالظلم عند الحاكم ليجري العدل مجراه. فأين تلك الآثار من هذه الآثار؟ ولقد ظهرت آثار الأولى في الأمة العربية في جاهليتها، وظهرت الثانية فيها بعد إسلامها فأرى الله العباد- عيانا

стр. 662

جهرة- اختلاف الأثرين في أمة واحدة في زمن قريب وأقام عليهم حجته. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. تفرقة وتمييز: كل من سعى إلى تحصيل شيء مستعينا بذوي عصبية له لنسبة جنس أو قبيلة أو بلد أو حرفة أو فكرة غير ناظر إلى أنه على حق أو على باطل، فقد دعا دعوى الجاهلية، وكل من أجابه فقد شاركه في دعواه. أما من عرف الحق وتيقن من نفسه الصدق في طلبه واستعان على تحصيله بمن تربطهم به روابط خاصة ولا يأبى أن يعينه عليه من لم يكن من جماعته، لأن قصده إلى تحصيل الحق بإعانة أي كان، فهذا لا يكون دعا دعوى الجاهلية بل دعا دعوى إسلامية لأنها لم تخرج عن التعاون على الحق وهو من التعاون على البر والتقوى. استدلال: ثبت في صحيح مسلم في غزوة حنين أن رسول الله- ﵌ قال: (أبا عباس ناد أصحاب السمُرة) فنادى بأعلى صوته: أين أصحاب السمرة؟ وكانت الدعوة: يا معشر الانصار يا معشر الانصار ثم قُصِرَت على بني الحرث بن الخزرج فصارت يا بني الحرث بن الخزرج يا بني الحرث بن الخنررج. فكانت الدعوة- في ذلك اليوم الشديد- لمن جمعتهم بيعة الرضوان، وهم أهل السمرة ثم لمن جمعهم اسم الانصار ثم لمن جمعهم اسم أب. وكان ذلك كله حقا لأنه دعوة إلى الحق. تحذير وإرشاد: ليحذر المسلم من كل كلمة مفرقة من كل ما يثير عصبية للباطل وحمية جاهلية، يدعو بها ولا يجيب من دعا إليها .. فإن بلاء كثيراً حل بنا وفتنة كثيرة أصابتنا من تلك الكلمات المفرقة.

стр. 663

ولتكن دعوته- إذا دعا- بالكلمات الجامعة التي تشعر بالأخوة العامة وتبعث على القيام بالواجب بأيد متشابكة وقلوب متحدة. حتى إذا دعا جماعة خاصة يعلم منه نفعا خاصا في مكان خاص، فليكن بما يفهمهم أنه إلى الحق دعاهم وعلى القيام به استعان بهم دون إباية من انضمام كل من ينضم إليهم، فإنه ما توجه قوم إلى نصرة الله- ورضا الله قصدهم- إلا كان الله معهم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).

стр. 664

تَكْثِيرُ السَّوَادِ .. ! ((مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قَالَ: ((قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ)). ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ رواه البخاري في كتاب الفتن. ــ الألفاظ: سواد القوم: أشخاصهم. قطع عليهم: بعث، فرض عليهم جيش يبعث للقتال. اكتتبت: كتب اسمه في جملة الجيش. المعنى: كان عبد الله بن الزبير قائما بمكة، وكان عبد الملك بن مروان، بالشام، والفتنة مشتعلة بين المسلمين، بسبب النزاع ما بينهما. فكان عبد الله بن الزبير يبعث البعوث من الحجاز إلى قتال عبد الملك بالشام ففرض على أهل المدينة جيشا، فكتب فيه أبو الأسود محمد ابن عبد الرحمن الأسدي اسمه ليكون من جملته. ثم لقي عكرمة مولى ابن عباس، فذكر ذلك له، فنهاه عكرمة عن أن يكون (١) في

стр. 665

ذلك الجيش، وأخبره عن ابن عباس، بما كان من سبب نزول قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهو أن قوما من المسلمين كان المشركون يخرجون معهم لا ليقاتلوا المسلمين، وإنما ليكثروا سواد المشركين، ويظهروا عظيم جيشهم، وكثرة عددهم في أعين المسلمين. فكانوا يقتلون بما يصيبهم من رمي السهام وضرب السيوف، فواخذهم الله لمجرد تكثيرهم سواد المشركين، وإن لم يشاركوهم في القتال، ولا حضروه طائعين، وانزل الآية الكريمة فيهم. المطابقة: ذكر عكرمة هذا لأبي الأسود لأنه أفاد حكم الله فيمن كثر سواد المقاتلين للمسلمين دون أن يقاتل، أو يكون راضيا أو طائعا بالحضور. فكيف بمن اكتتب للقتال مثل أبي الأسود؟ ولا فرق في المؤاخذة في قتال المسلمين بين أن يكون مع المشركين، أو مع المسلمين في الفتنة. الأحكام: من حضر مع قوم وكثر جمعهم فهو منهم وشريك لهم في عملهم، سواء أكان خيراً أم شرا، كما يفيده الحديث الذي جعلناه ترجمة. وهو في مسند أبي يعلي. فأما في الشر فالنص فيه حديث ابن عباس هذا، وأما في الخير فحديث أبي هريرة في الصحيح، في القوم الذين يجتمعون فيسبحون الله ويكبرونه ويهللونه ويحمدونه ويسألونه، ويستجيرونه ويستخبرونه ويستغفرونه فيقول الله للملائكة ﵈، قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا، فتقول الملائكة: ربِّ، فيهم فلان عبد أخطأ، إنما مر فجلس معهم فيقول تعالى: «وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم».

стр. 666

الاهتداء: فحق على المسلم أن يختار من يصاحب من رفقة، أو يجالس من جماعة، أو يكثر من سواد قوم فإنه محاسب على أعماله، ومن أعماله مجرد حضور بدنه. جنبنا الله الفتن ودعاتها، والمظالم وأهلها، وكثر بنا سواد المؤمنين وحشرنا في زمرة الصالحين آمين (١).

стр. 667

مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي السنة: قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ». ــ السند: رواه مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ومسلم يحيى عن ابن يحيى عن مالك. المتن: روي بوجهين ثابتين: الأول فهو أهلكُهم برفع الكاف، اسم تفضيل، والثاني بفتح الكاف فعل ماض. الألفاظ: الهلاك: الاستحالة إلى الفساد وذهاب حالة الصحة والاستقامة التي تصدر عنها الفوائد، ويكون بها الاستعداد، يقال هلك زيد إذا مات، وهلك الطعام إذا تغير واستحال. فهلاك الناس فسادهم في أحوالهم بفساد عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك عنوان ذهابهم واضمحلالهم. وأهلكُهم على الوجه الأول أشدهم هلاكا، وعلى الوجه الثاني أوقعهم في الهلاك. المعنى على الوجه الأول: إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس، يعيبهم وينقصهم ويحقر من

стр. 668

أمر جماعتهم، فقد صار بذلك أعظم هلاكا منهم لارتكابه معصية كبيرة تعدت إلى غيره وعمتهم، وهي معصية الكبر الذي هو احتقار المرء من عداه، فهذا قد تكبر على جميع الناس فكان عظم هلاكه على حسب عظم معصيته بهذا العموم في الكبر والاحتقار. وعلى الوجه الثاني: إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس يثبطهم ويقنطهم فهو بذلك التثبيط والتقنيط أيْأسهم من رحمة الله وصدهم عن الرجوع إليه وبالتوبة ودفعهم إلى الاستمرار فيما هم عليه، فأوقعهم بكلمته تلك في الهلاك، هلاك اليأس والقنوط والاندفاع في الشر. الأحكام: على الوجه الأول: لا يجوز الحكم على عموم الناس بالشر والفساد ولو كان ذلك ظاهراً بينهم فاشيا فيهم، لأنه حكم بدون علم، وظن سوء بمن قد يكون في غمار الناس على خلاف ما عليه أكثرهم. هذا إذا حكم حكما لمجرد الإخبار فأحرى وأولى إذا زاد على ذلك تحقيرهم. وعلى الوجه الثاني: لا يجوز لمن رآى الناس في حالة سيئة أن يقنطهم من رحمة الله وإمكان تدارك أمرهم واصلاح حالهم. هذا إذا كان يحمله على ذلك ما تعظمه من سوء حالهم في ظاهر أكثرهم وأحرى وأولى إذا كان يحمله على ذلك صدهم وتثبيطهم عن التوبة والأخذ بأسباب الإصلاح. توجيه: كان الحديث الشريف مفيدا لعدم الجواز لما ذكر، لأنه سيق مساق الذم لهذا القول ووصف قائله بأنه أعظم الناس هلاكا أو أوقع الناس في الهلاك وما أدى إلى أحد هذين لا يكون إلا ممنوعا.

стр. 669

ويؤيد هذا الحديث في المنع الأدلة الدالة على منع الحكم بدون علم. وظن السوء بالناس وتحقيرهم وتقنيطهم عن الخير وصدُّهم عنه. تقييد وتعميم: قد يقول الإنسان هلك الناس اشفاقا عليهم وتحزنا لما هم فيه فلا يكون مثل من قاله تحقيرا وتقنيطا غير أنه يبقى في عبارته ذلك التعميم الذي هو حكم بغير علم. مع ما توقعه هذه العبارة من القنوط- خصوصا إذا تكررت- ولو لم يقصده القائل فلا ينبغي أن تقال هذه العبارة ومثلها من كل ما يفيد هلاك جميع الناس. الآداب: على الوجه الأول: على من يريد أن يرشد المسلمين ويعمل لإصلاح حالهم أن ينظر إليهم بعين الشفقة والحنانة لا بعين الزراية والاحتنقار. فإن الشفوق تدفعه شفقته إلى المبالغة في العناية بتتبع الأدواء واستقصاء أنواع العلاج، بخلاف الزاري المحتقر فإنه يترفع بنفسه عن الناس ويتركهم فيما هم عليه وإن باشر شيئا من معالجتهم فإنه يباشره من استثقال واشمئزاز لا يصل معهما إلى داء الأمة شيء من علاجه ولن يستطيع هو معهما صبرا على الاستمرار في عمله أو على إتقان القليل منه. على أن الشفوق تشعر نفوس الأمة منه بتلك الشفقة فتقابله بمثلها وبالامتثال لما يأتيها منه لمعالجتها واثقة منه بنصحه منقادة لإرشاده راجية نيل الخير على يده. والزاري المحتقر تشعر منه الأمة بذلك فتقابله بمثله وتنقبض نفوسها عنه وتقوي ريبتها في قوله وفعله وقد تصارحه ببعضه فتؤدي الحال

стр. 670

بينهما إلى العداوة والمقاطعة. ويكون خيرا له لو تركهم من أول الأمر وشأنهم. وعلى الوجه الثاني: على مرشدي المسلمين أن يعانوا أدواءهم بالعلاجات النافعة ويشخصوها لهم عند الحاجة بالعبارات الرقيقة المؤثرة في رفق وهوادة مجتنبين كل ما فيه تقنيط أو تثبيط، وأن يعرِّفوهم بأنهم- وإن ساءت نواح من أحوالهم- فهنالك (١) نواح ما تزال صالحة. وهنالك علاجات من الإسلام قريبة ناجعة وأن يعرفوا ما فيهم من فضائل وما لهم من مجد، وما لهم بهذا الإسلام من قدر وعز ليثيروا فيهم النخوة ويبعثوهم على العمل والخير. وإذا ذكروا لهم سيئاتهم ذكروا لهم قرب السبيل إلى النجاة منها بالإقلاع عنها فيسرعون بالتوبة والإنابة. أصل عام في التربية: هذا الحديث أصل عظيم في التربية المبنية على علم النفس البشرية فإن النفوس عندما تشعر بحرمتها وقدرتها على الكمال تنبعث بقوة ورغبة وعزيمة لنيل المطلوب. وعندما تشعر بحقارتها وعجزها تقعد عن العمل، وترجع إلى أحطِّ دركات السقوط. فجاء هذا الحديث الشريف يحذر من تحقير الناس وتقنيطهم، وذلك يقتضي أن المطلوب هو احترامهم وتنشيطهم وهذا الأصل العظيم الذي دل عليه هذا الحديث الشريف يحتاج إليه كل مرب سواء أكان مربِّيا للصغار أم للكبار، وللأفراد أم للأمم، إذ التحقير والتقنيط وقطع حبل الرجاء قتل لنفوس الأفراد والجماعات، وذلك ضد التربية، والاحترام والتنشيط وبعث الرجاء احياء لها وذلك هو غرض كل مرب ناصح في تربيته.
следующие страницы →