← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الاهتداء: فحق على المسلم أن يختار من يصاحب من رفقة، أو يجالس من جماعة، أو يكثر من سواد قوم فإنه محاسب على أعماله، ومن أعماله مجرد حضور بدنه. جنبنا الله الفتن ودعاتها، والمظالم وأهلها، وكثر بنا سواد المؤمنين وحشرنا في زمرة الصالحين آمين (١).

стр. 667

مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي السنة: قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ». ــ السند: رواه مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ومسلم يحيى عن ابن يحيى عن مالك. المتن: روي بوجهين ثابتين: الأول فهو أهلكُهم برفع الكاف، اسم تفضيل، والثاني بفتح الكاف فعل ماض. الألفاظ: الهلاك: الاستحالة إلى الفساد وذهاب حالة الصحة والاستقامة التي تصدر عنها الفوائد، ويكون بها الاستعداد، يقال هلك زيد إذا مات، وهلك الطعام إذا تغير واستحال. فهلاك الناس فسادهم في أحوالهم بفساد عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك عنوان ذهابهم واضمحلالهم. وأهلكُهم على الوجه الأول أشدهم هلاكا، وعلى الوجه الثاني أوقعهم في الهلاك. المعنى على الوجه الأول: إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس، يعيبهم وينقصهم ويحقر من

стр. 668

أمر جماعتهم، فقد صار بذلك أعظم هلاكا منهم لارتكابه معصية كبيرة تعدت إلى غيره وعمتهم، وهي معصية الكبر الذي هو احتقار المرء من عداه، فهذا قد تكبر على جميع الناس فكان عظم هلاكه على حسب عظم معصيته بهذا العموم في الكبر والاحتقار. وعلى الوجه الثاني: إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس يثبطهم ويقنطهم فهو بذلك التثبيط والتقنيط أيْأسهم من رحمة الله وصدهم عن الرجوع إليه وبالتوبة ودفعهم إلى الاستمرار فيما هم عليه، فأوقعهم بكلمته تلك في الهلاك، هلاك اليأس والقنوط والاندفاع في الشر. الأحكام: على الوجه الأول: لا يجوز الحكم على عموم الناس بالشر والفساد ولو كان ذلك ظاهراً بينهم فاشيا فيهم، لأنه حكم بدون علم، وظن سوء بمن قد يكون في غمار الناس على خلاف ما عليه أكثرهم. هذا إذا حكم حكما لمجرد الإخبار فأحرى وأولى إذا زاد على ذلك تحقيرهم. وعلى الوجه الثاني: لا يجوز لمن رآى الناس في حالة سيئة أن يقنطهم من رحمة الله وإمكان تدارك أمرهم واصلاح حالهم. هذا إذا كان يحمله على ذلك ما تعظمه من سوء حالهم في ظاهر أكثرهم وأحرى وأولى إذا كان يحمله على ذلك صدهم وتثبيطهم عن التوبة والأخذ بأسباب الإصلاح. توجيه: كان الحديث الشريف مفيدا لعدم الجواز لما ذكر، لأنه سيق مساق الذم لهذا القول ووصف قائله بأنه أعظم الناس هلاكا أو أوقع الناس في الهلاك وما أدى إلى أحد هذين لا يكون إلا ممنوعا.

стр. 669

ويؤيد هذا الحديث في المنع الأدلة الدالة على منع الحكم بدون علم. وظن السوء بالناس وتحقيرهم وتقنيطهم عن الخير وصدُّهم عنه. تقييد وتعميم: قد يقول الإنسان هلك الناس اشفاقا عليهم وتحزنا لما هم فيه فلا يكون مثل من قاله تحقيرا وتقنيطا غير أنه يبقى في عبارته ذلك التعميم الذي هو حكم بغير علم. مع ما توقعه هذه العبارة من القنوط- خصوصا إذا تكررت- ولو لم يقصده القائل فلا ينبغي أن تقال هذه العبارة ومثلها من كل ما يفيد هلاك جميع الناس. الآداب: على الوجه الأول: على من يريد أن يرشد المسلمين ويعمل لإصلاح حالهم أن ينظر إليهم بعين الشفقة والحنانة لا بعين الزراية والاحتنقار. فإن الشفوق تدفعه شفقته إلى المبالغة في العناية بتتبع الأدواء واستقصاء أنواع العلاج، بخلاف الزاري المحتقر فإنه يترفع بنفسه عن الناس ويتركهم فيما هم عليه وإن باشر شيئا من معالجتهم فإنه يباشره من استثقال واشمئزاز لا يصل معهما إلى داء الأمة شيء من علاجه ولن يستطيع هو معهما صبرا على الاستمرار في عمله أو على إتقان القليل منه. على أن الشفوق تشعر نفوس الأمة منه بتلك الشفقة فتقابله بمثلها وبالامتثال لما يأتيها منه لمعالجتها واثقة منه بنصحه منقادة لإرشاده راجية نيل الخير على يده. والزاري المحتقر تشعر منه الأمة بذلك فتقابله بمثله وتنقبض نفوسها عنه وتقوي ريبتها في قوله وفعله وقد تصارحه ببعضه فتؤدي الحال

стр. 670

بينهما إلى العداوة والمقاطعة. ويكون خيرا له لو تركهم من أول الأمر وشأنهم. وعلى الوجه الثاني: على مرشدي المسلمين أن يعانوا أدواءهم بالعلاجات النافعة ويشخصوها لهم عند الحاجة بالعبارات الرقيقة المؤثرة في رفق وهوادة مجتنبين كل ما فيه تقنيط أو تثبيط، وأن يعرِّفوهم بأنهم- وإن ساءت نواح من أحوالهم- فهنالك (١) نواح ما تزال صالحة. وهنالك علاجات من الإسلام قريبة ناجعة وأن يعرفوا ما فيهم من فضائل وما لهم من مجد، وما لهم بهذا الإسلام من قدر وعز ليثيروا فيهم النخوة ويبعثوهم على العمل والخير. وإذا ذكروا لهم سيئاتهم ذكروا لهم قرب السبيل إلى النجاة منها بالإقلاع عنها فيسرعون بالتوبة والإنابة. أصل عام في التربية: هذا الحديث أصل عظيم في التربية المبنية على علم النفس البشرية فإن النفوس عندما تشعر بحرمتها وقدرتها على الكمال تنبعث بقوة ورغبة وعزيمة لنيل المطلوب. وعندما تشعر بحقارتها وعجزها تقعد عن العمل، وترجع إلى أحطِّ دركات السقوط. فجاء هذا الحديث الشريف يحذر من تحقير الناس وتقنيطهم، وذلك يقتضي أن المطلوب هو احترامهم وتنشيطهم وهذا الأصل العظيم الذي دل عليه هذا الحديث الشريف يحتاج إليه كل مرب سواء أكان مربِّيا للصغار أم للكبار، وللأفراد أم للأمم، إذ التحقير والتقنيط وقطع حبل الرجاء قتل لنفوس الأفراد والجماعات، وذلك ضد التربية، والاحترام والتنشيط وبعث الرجاء احياء لها وذلك هو غرض كل مرب ناصح في تربيته.

стр. 671

فاللهم صلي على هذا النبي الكريم العظيم الرحيم الذي علمته ما لم يكن يعلم وكان فضلك عليه وعلينا به عظيما، فكم من علوم وأسرار انطوت عليها أحاديثه الشريفة قد أتت على ما لم تعرفه البشرية إلاَّ بعد حين ولا عجب فهو الذي أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (١).

стр. 672

نَظَافَةُ الطُّرُقِ وَالْمَجَالِسِ أَوْ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْبَلَدِيَّةِ . " قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رواه مسلم عن أبي هريرة ﵃. ــ المفردات: اتقوا: اجتنبوا. اللعانين: الكثيرو اللعن، واللعن الابعاد من رحمة الله، واللعان في الحقيقة من يصدر منه اللعن بكثرة، وقيل في التخلي في الطريق والتخلي في الظل لعانان لأنهما سبب في صدور اللعن بكثرة من الناس لفاعلهما، فأسند ما في معنى الفعل إلى سببه مجازا. التخلي أصل معناه الذهاب إلى الخلاء، والمراد به هنا قضاء الحاجة البشرية من بول أو غائط، وأطلق التخلي عليها لأن الشأن أن تكون في الخلاء ففي اسمه أدب من آدابه. المعنى: إذا أردتم قضاء الحاجة فاجتنبوا الطرقات وانجتنبوا الأماكن التي اتخذها الناس للجلوس في ظلها، ومن تخلى في واحد من هذين فإنه يجلب على نفسه لعنا كثيرا. الحكم: التخلي في طرقات الناس وأماكن جلوسهم متعد عليهم مؤذ ظالم لهم فهو داخل في لعن الله للظالمين، وشأن الناس عندما يجدون القذر

стр. 673

في طرقاتهم وأماكن جلوسهم أن يلعنوا من آذاهم بذلك، وهم مظلومون منه، فيكون لعنهم من دعوة المظلوم، ودعوة المظلوم مستجابة، فصار المتخلي قد أوقع نفسه في لعنة الله ولعنة الناس المظلومين، والذنب الذي يؤدي إلى هذا اللعن لا يكون إلا من الكبائر. فالتخلي في طربق الناس أو في ظلهم كبيرة من الكبائر. تعميم: تشمل الطرق الطرق إلى البيوت والأسواق والقرى وموارد الماء والطرقات كلها ومثل المكان الذي اتخذه الناس للجلوس في ظله كل مكان اتخذوه للجلوس فيه لمنفعة من منافعهم فيدخل في ذلك الأسواق والمنتزهات وغيرها، فكل ذلك مما يحرم التخلي فيه ويلحق بالتخلي وضع القذر والوسخ والزبل والشوك وكل ما فيه مضرة لما في الجميع من التعدي والإذاية. تتميم: كما انتظم الحديث الصحيح المتقدم النهي عن تقذير الطرقات والأماكن العامة بذلك الترهيب الشديد كذلك جاء الترغيب في تنقيتها وإزالة الأذى عنها شاملا ذلك ما كان من المستقذرات وغيرها من كل ما فيه أذى، فقد ثبت في الصحيح اأن أبا برزة الأسلمي- ﵁ قال للنبي- ﵌: يا نبي الله علمني شيئا انتفع به، فقال ﷺ : «أعزل الأذى عن طريق المسلمين» وثبت قول ﷺ : بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخَّره فشكر الله له فغفر له. وإذا كانت إزالة الأذى عن الطريق- ومثلها كل مجتمع عام- فيها الأجر والمثوبة فوضع الأذى فيه الاثم والعقوبة.

стр. 674

تطبيق: من أحسن المصالح التي يقوم عليها اجتماع الناس في التمدن الحاضر وألزمها، مصلحة التنظيف في الإدارات البلدية، وأنت ترى أن الأحاديث النبوية المتقدمة قد انتظمت ذلك التنظيف بالترهيب من التقذير وكل مؤذ، والترغيب في إزالتها، فوضع الإسلام بذلك أصل هذه المصلحة قبل أن يعرفها تمدن اليوم، فعلى المسلم أن يلتزم ذلك كأمر ديني يثاب عليه عند ربه ليكون دافعه إلى القيام به من نفسه ورقيبه في تنفيذه ضميره الديني وإيمانه، وقد شهد التاريخ لمدن الإسلام أيام مدنيته الزاهرة بانفرادها بين مدن عصرها النظافة وحسن المظهر، وما ذلك إلا من تطبيق مثل ما تقدم مما وضعه الإسلام من أصول المصالح التي تقوم عليها الحياة ويترقى بها المجتمع. فعلينا- معشر المسلمين- أن نعني بما دعتنا إليه هذه الأحاديث النبوية الشريفة لنكون بين الناس مثلا حسنا راقيا في النظافة البلدية لنفع أنفسنا ومجتمعنا ونرفع اسم ديننا ونفوز بالأجر والرضى من ربنا. وفقنا الله لإحياء معالم الدين، ورفع اسم الإسلام والمسلمين (١).

стр. 675

الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ إِسْتِغْلَالَهُمَا وَالاِسْتِفَادَةَ مِنْهُمَا . قَالَ ﵌: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». (البخاري عن ابن عباس ﵃. ــ اللغة: النعمة: ما يفعل على وجه الإحسان ضد النقمة، وهي ما يفعل على وجه العقوبة. المغبون: المنقوص في حقه، أصله من غبن في البيع إذا نقص من حقه، ثم يستعمل في كل من نقص من حظه في كل شيء. الصحة: اعتدال المزاج وقوة البنية ضد المرض. الفراغ: الخلاء، ومصدر فرغ يفرغ إذا كان خاليا من الشغل، وهذا هو المراد. التراكيب: مغبون خبر مقدم لكثير والجملة نعمتان. والصحة والفراغ خبر لهما مقدر والجملة مستأنفة بيانيا. المعنى: إن كثيرا من الناس يكونون في صحة من أبدانهم وفراغ من أشغالهم ولا يعمرون أوقاتهم الفارغة بطاعة الله، ولا يستعملون أبدانهم الصحيحة فيها، فتضيع عليهم تلك الأوقات، وتلك الصحة باطلا فيخسرونهما، ولا يستفيدون منهما فيكون ما خسروه منهما نقصا في حظهم من حياتهم، وإذ كانت الحياة هي أغلى شيء عند

стр. 676

الإنسان يحافظ عليه، ولا يبذل شيئا منه إلا بحقه، فهؤلاء الذين نقصوا حظهم في حياتهم هم أعظم المغبونين. فقه الحديث ومقصوده: عمر الإنسان أنفس كنز يملكه، ولحظاته محسوبة عليه وكل لحظة ثمرة معمورة بعمل مفيد، فقد أخذ حظه منها وربحها، وكل لحظة تمر فارغة، فقد غبن حظه منها وخسرها. وكذلك بدنه فهو أنفس آلة عنده، وإنما فائدة الآلة بالعمل، فإذا كانت الآلة، في عمل فهو ربح وزيادة، وإذا كانت في بطالة فهو في نقص وخسران، فالرشيد الرشيد، هو من أحسن استعمال ذلك الكنز الثمين، وتلك الآلة العظيمة، فعمر وقته بالأعمال، وداوم على استعمال ذاته فيها فربحهما، والسفيه السفيه من أساء التصرف فيهما فأخلى وقته من العمل، وعطل ذاته عن الشغل فخسرها. ولما كان الإنسان مضطرا إلى السعي في معاشه فيشغله ذلك عن وجوه الطاعات، من العلم ونوافل الصلاة والصوم والحج وغيرها. ومعرضا للأمراض فتمنعه منها، ولكنه لا يخلو من حالة يكون فيها فارغا من الشغل لمعاشه، ومعافى من المرض في بدنه، ذكره هذا الحديث الشريف بما عليه في هذه الحالة من المحافظة عليها وعمارتها بالطاعات حتى لا يخسرها وتنقص من عمره بلا فائدة فيكون مغبونا فيها. تفريغ على الحديث: فإذا عمَّر الإنسان وقت فراغه من الكد لعيشه، بطاعة من طاعات الله واستعمل بدنه مغتنما فرصة صحته فيها، ثم عرض شغل من اشغال عيشه فقطعه عنها، او طرأ عليه مرض فمنعه منها ونيته المداومة على تلك الطاعة لولا الشاغل والمانع، فإنه يكتب له في شغله وفي مرضه، ثواب ما كان يعمله في صحته وفراغه، ومن الدليل على ذلك حديث البخاري-

стр. 677

رضي الله عنه- عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري- ﵃ سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله- ﵌: إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا، والسفر نوع من الشغل. تفريغ آخر: وإذا كان المؤمن عاملا في طاعة الله- تعالى- أيام صحته، وفراغه، ثم مرض فإن له أجرين أجرا على ما كان يعمل في صحته بدليل ما تقدم، وأجرا على مرضه لقوله ﵌: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه». رواه البخاري- ﵁ وكذلك إذا شغل بالسعي على نفسه أو على العيال، فإن له أجرين أجر ما شغل عنه، وأجر سعيه على عياله، وأدلة ثواب الساعي على عياله كثيرة منها حديث الرجل الذي رأى الصحابة- ﵃ من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله، لو كان في سبيل الله، فقال رسول الله ﵌: إن خرج يسعي على ولده صغارا فهو في سبييل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو فبي سبيل الله. رواه الطبراني بسند صحيح. ومثله من شغل بطاعة عن طاعة كمن شغل بالرباط عن نافلة الحج، مثلا لأنه إذا كان المشغول بالسفر المأذون فيه يكتب له ما كان يعمله مقيما لأن نيته المداومة لولا عارض السفر- فالمشغول بالطاعة عن طاعة كان ينوي فعلها لولا عروض الطاعة الأخرى- أحرى وأولى. سلوك العاملين بهذه الأحديث: يعمرون أوقاتهم كلها بالأعمال، أعمال القلب أو أعمال اللسان وأعمال

стр. 678

الجوارح فلا يشتغلون عن طاعة إلا بطاعة ولا يخرجون من عمل إلا إلى عمل فإذا مرضوا صبروا واحتسبوا وأتوا بما يستطيعون فتتضاعف أجورهم بأعمالهم وبنيانهم ويربحون جميع حياتهم، وأولئك هم الفائزون، سلك الله بنا وبالمسلمين مسلكهم بمنه وكرمه آمين (١).

стр. 679

نِظَامُ الْغِذَاءِ . «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ. فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». رواه الترمذي وغيره وقال: حسن صحيح ــ إن الإنسان بجزئه الترابي، وهو بدنه- مخلوق أرضي، وبجزئه النوراني- وهو روحه- مخلوق سماوي، فإذا جذبه جزؤه الترابي بزمام الشهوة إلى السفليات الارضية، طار به جزؤه النوراني على بساط العقل إلى علويات السماء. وهو لن يزال دائما بين هذا وذاك في انحطاط واعتلاء. لم يخلق الإنسان للأرض وإن خلق منها، وإنما خلق للسماء وللملأ الأعلى، وآخر كلمة قالها النبي- ﵌: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» وإنما ينتهي إلى هذا بصفاء روحه واستنارة عقله، وما البدن الترابي إلا آلة لهما، لاستكمال قوتهما، ومظر لتلك الاستنارة وذلك الصفاء، وعيار على ما فيهما من قوة وضعف بما يكسبانه ويكتسبانه في طريق الاختبار والابتلاء. لينال الإنسان ما يستحقه على حسن تصرفه أو سوء تصرفه من عادل الجزاء، بعد خروجه من دار الفناء إلى دار البقاء. فالجسد آلة بديعة للروح لازمة لها في الدنيا وملازمة لها في الأخرى، فمن العدل الإلهي أن يكون لها حظها هنالك، كما كان لها حظها هنا. ومن العدل الواجب على الإنسان أن يعطيها- كما يعطي الروح- حقها من الاعتناء، فكما يغذي روحه بما ينير عقلها

стр. 680

من العلوم والمعارف، وما يزكيها من الأخلاق والأداب، وما يقويها من صالح العمل، ومفيد السعي في وجوه الحياة ويحفظها من كل ما يغشى العقل من جهالات وأوهام، وما يدسي النفس من رذائل، وما يضعفها من كسل وبطالة، كذلك عليه أن يغذي بدنه بما ينميه وما يصلحه وما يقويه، ويحفظه من كل ما يفسده أو ينهكه أو يؤذيه. يتوقف هذا البدن وصلاحه على الغذاء، وقد جعل الله فيه وعً، وأي وعاء، وهو المعدة، مخزن الغذاء وبيت الداء، وعلى حفط نظام هذا الوعاء تترتب الصحة والمرض والسقم والشفاء. فإذا ملأ ابن آدم بطنه كان عليه شر وعاء، وانبعثت منه شر الأدواء: أسقام للبدن وأثقال على الروح وظلمات للعقل، فانقلب على الانسان مع انتفاع به إلى أصعب الشر وأقسى البلاء. وإذا اقتصر على أكلات تقيم الصلب وتمسك البدن حصل من البدن على العمل، وسلم من آلام المرض، ونعم بالعافية، وكان انتفاعه بالآلة البدنية خالصا من شوائب الضرر. واذا غلبته الشهوة، وكان- لا محالة- منقادا للذة، فليقف دون الشبع، ولا يملأ كل الملأ المعدة حتى لا تثقل حركتها في الهضم، وحتى لا تنتفخ في البطن فتسد مجاري النفس وبذلك يكون قد عدل بين أصول الحياة البدنية الثلاث: طعامه وشرابه ونفسه، فأعطى لكل واحد الثلث من بطنه. غير أن الإنسان إذا كان هكذا تغلبه الشهوة، وتقوده اللذة، فإنه بمظنة أن يتجاوز- ولو في بعض الأحيان- العدل إلى الامتلاء. فشرع له الصوم ليقاوم شر ذلك بما فيه من راحة للمعدة ونقاء، وتربية على امتلاك زمام نفسه عن الشهوات واللذات وعلى استطاعة حملها على الجوع والعطش عند الاقتضاء، هذا للمعتدل وللمالئي للبطن الملوك للشهوة بالأحرى والأولى، اما ذاك المقتصر على الاكلات فهو له

стр. 681

زيادة في القوة ورسوخ لما تمكن منه من العادة المشروعة الحسنة. فالصوم ضرورة لنظام الغذاء وحفظ الصحة البدنية وعون للإنسان على حسن استعماله لآلته الترابية الأرضية للترقي إلى آفاقه الروحية النورانية وكمالاته العلوية. فالحمد لله الذي شرع لنا الصيام وفرض علينا رمضان ووفقنا إلى القيام به في كل عام. نسئله المزيد إنه الحميد المجيد. ليس الخبز كل ما نريد: نحن- المسلمين- ربينا تربية إسلامية على الفة الجوع، والتقلل من الأكل والاقتصار على قدر الحاجة، والمواساة في المطعم والمشرب. فطعام الواحد عندنا يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الثلاثة يكفي الستة وطعام الأربعة يكفي الثمانية ونعتقد عن تجربة أن الرجل لا يهلك عن نصفه قوته. بهذه التربية استطعنا أن نبقى ونعيش في مثل ما عليه حالة معظم الأمة الجزائرية من الفاقة والعوز والجوع والمسغبة، بينما هي تنظر إلى ما ينعم فيه غيرها من النعمة والرخاء، مما لو أصاب أمة أخرى لاجتاحها وأفناها، أو لأثارها ودفعها إلى موارد العذاب والردى. وكما ربانا الإسلام هذه التربية من ناحية الغذاء فقد ربانا تربية أخرى من نواحي أخرى. ربانا على محبة العلم والمعرفة والرغبة فيهما والتلهف على ما فات منهما والاحترام لمن كان له حظ فيهما. وبهذه التربية استطعنا، رغم الفاقة ورغم الجوع ورغم التثبيط والمعاكسة أن نحافظ على قرآننا وخطنا، وبقايا علوم لغتنا وديانتنا، وجملة معارفنا، واندفعنا إلى تأسيس المكاتب العربية رغم ما يحول بينها وبيننا واندفعنا إلى المكاتب الحكومية فضاقت عنا وبقيت مئات الآلاف في أنياب الجهل والفقر من أبنائنا.

стр. 682

ولولا تلك التربية الإسلامية التي زرعتها القرون فاستقرت في قرارات النفوس، وصارت من الخلق الموروث لكان ما نحن فيه من ظلم وتعاسة وتقديم كل أحد علينا في وطننا والترك لمعامل التجويع والتجهيل تخرج آلاتها الفتاكة المتنوعة للقضاء عليها، شاغلا لنا عن العلم وعن الشعور به وعن طلبه وعن المزاحمة عليه. جهل قوم من ذوي السلطة هذا الخلق منا فحسبوا- وهم جد عالمين بما فيه الأمة من جوع وفاقة- أننا قوم لا نريد إلا الخبز، وأن الخبز عندنا هو كل شيء وأننا إذا ملئت بطوننا مهدنا ظهونا، وانهم إذا أعطونا الخبز فقد أعطونا كل ما نطلب، اذ الخبز- في زعمهم- هو كل ما نريد، فإذا حادثناهم في حالنا سكتوا عن كل شيء الا عن الجوع والخبز، وإذا رفعنا أصواتنا بمطالبتهم بحقوقنا لديهم، أو بإنجاز مواعيدهم خرجت المراسيم بتوزيع قناطير القمح أو الفرينة أو الدقيق أو سلفات البذر التي لا ينال المحتاج الحقيقي منها ما يسد حاجته وتذهب في أثناء توزيعها في تعاريج والتواءات أخرى ... فإذا صدرت تلك المراسم طبل المطبلون وزمر المزمرون-، وحسب المغرورون اننا قد رضينا وفرحنا وانتهى أمرنا. يا قوم، إنتا أحياء، وإننا نريد الحياة وللحياة خلقنا، وأن الحياة لا تكون بالخبز وحده، فهنالك ما علمتم من مطالبنا العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكلها ضروريات في الحياة. ونحن نفهم جيدا ضروريتها للحياة، وقد بذلنا فيها لكم ما كان- يوما- سببا قويا في حياتكم فلا تبخلوا علينا اليوم بما فيه حياتنا إن كنتم منصفين، وللأيام والأمم مقدرين. وإلا فالله يحكم بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين (١).

стр. 683

أَثَرُ النِّيَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ . «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». أخرجه الشيخان في صحس جحهما ــ الألفاظ: الأعمال: هي الأفعال التي تصدر عن الجوارح فتدخل فيها الأقوال، والغالب أن الأعمال أخص من الأفعال فهذه فيما كان عن قصد وغيره وتلك فيما كان عن قصد. النية: هي القصد إلى الفعل. الهجرة: الترك، والمراد هنا مفارقة دار الكفر إلى دار السلام خوف الفتنة على الدين بالمنع من إقامته. يصيبها: يحصل عليها. ينكحها: يتزوجها. التراكيب: بالنيات يتعلق بمحذوف تقديره معتبرة، ودل هذا المتعلق الخاص ما جاء بعده من التفصيل بين الهجرتين والمقام الذي القى فيه الكلام. كما سنبينه في مورد الحديث. ونظيره في هذا التقدير قولهم: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، أي معتبر بهما. والمرء بأدبه، أي معتبر أو يعتبر به والباء سببية. وإنما للحصول والمحصور فيه هو الجار والمجرور وما أفادته الباء من معنى السببية أي لا سبب تعتبر به الأعمال إلا النيات نظيره إنما زيد قوي بقومه أي لا سبب لقوته إلا قومه. فأفاد التركيب حصر اعتبار الأعمال في نياتها والمقصود بها لا في صورها وظواهرها.

стр. 684

ولكل امرىء خبر ما نوى، أي نواه. قدم عليه ليحصر فيه بإنما فأفاد التركيب ان حظ كل عامل من عمله هو ما قصده أي عين ما قصده في كميته ومقداره دون ما لم يقصد فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله أي قصدا فهجرته إلى الله ورسوله أي وقوعا واعتبارا ففعل الشرط وجوابه لم يردا على معنى واحد. ومثل هذا يقال في الشرط الثاني وجوابه وذكر تزوج امرأة بعد دنيا يصيبها تخصيص بعد تعميم لأن ذلك الخاص هو سبب الحديث، واللام في الدنيا لام الأجل والعلة فتفيد أن طلب الدنيا أو طلب التزوج هو العلة الباعثة له دون قصد طاعة الله فلا يدخل فيه ما إذا كان الباعث هو الطاعة. وطلب هذه الأشياء، جاء على سبيل التبع. سبب الورود: قال القسطلاني: قد اشتهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، المروية في المعجم الكبير للطبراني بإسناد رجال ثقات من رواية الأعمش. ولفظه: " عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها. قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس". المعنى: إن أعمال الناس قد تشترك في صورها ومظاهرها، حتى لا يكون في ذلك فرق بينها ولكنها بذلك التساوي الصوري الظاهري لا تكون متساوية في الاعتبار والحقيقة وما يتبعها من القبول والرد في نظر الشرع فقد هاجر مهاجر أم قيس كما هاجر سائر المهاجرين. الجميع قد كان منهم مفارقة الديار وترك دار الكفر إلى دار الإسلام واللحوق بالنبي- ﵌ فالعمل عمل واحد قطعا، ولكن القصد مختلف فقد كان قصدهم بهجرتهم طاعة الله ورسوله، وكان

стр. 685

قصده بهجرته التزوج بأم قيس فكانت هجرتهم واقعة عند الله- تعالى- موقعها محصلة لهم رضاء ومثوبته، وكانت هجرته لا موقع لها عند الله ولا حظ لها من ثوابه، وكانت معتبرة من عمله الدنيوي لا من عمله الديني ومثله كل من قصد بهجرته غرضا من أغراض الدنيا ما حمله على الهجرة إلا هو. هذا معنى الجملة الأولى من الحديث الشريف. ومعنى الثانية: أن الأعمال المعتبرة عند الله التي قصد بها طاعته تتساوى أيضا في صورها ومظاهرها ولكنها لا تتساوى منازلها في الاعتبار والقبول والمثوبة، بل تتفاوت حظوظ أصحابها في ذلك بحسب تفاوتهم في مقاصدهم منها فيهاجر المهاجران- مثلا- كلاهما يقصد بهجرته طاعة الله ورسوله هذا لا يقصد إلا ذلك، وذاك يقصد معه على سبيل التبع غرضا دنيويا من تجارة أو تزوج. فحظ الأول من هجرته هو طاعة الله ورسوله وحدها غير متبعة بشيء وحظ الثاني هو الطاعة المتبعة بشيء. وثواب الأولى- قطعا- أعظم من ثواب الثانية. أو يكون أحدهما قصد الهجرة وما يكون معها من جهاد بالنفس والمال ومصاحبة النبي- ﵌ وخدمته وصحبته والتفقه عليه وتكثير سواد أصحابه وعمارة مدينته. والآخر لم يخطر بباله شيء من هذا. فحظ الأول من عمله عظيم وثوابه كثير على حسب كثرة مقاصده وتنوعها وحظ الثاني واحد وهو الهجرة، وثوابه عليها بالخصوص. وذلك على حسب قصده ونيته. ومثل هذين القاصدان للمسجد لأجل صلاة واحدهما يقصده مع ذلك عمارة المسجد وحبس الجوارح على الطاعة وإرشاد الضال وتنبيه الغافل وتعليم الجاهل، وتكثير الجماعة والتعاون على الخير بحضور مشاهده وبعث غيره على الاقتداء به فيه. والآخر لم يخطر بباله شيء من هذا. فحظ الأول من عمله وثوابه عليه أكثر بكثير من حظ الثاني وثوابه وإن كانا كلاهما في طاعة الله.

стр. 686

فالنيات والمقاصد كما تفرق بين المسلمين المتماثلين وتؤثر فيها بالقبول والرد، وهو مقتضى الجملة الأولى، كذلك تفرق بين العملين المقبولين وتؤثر فيهما باختلاف مقدار الثواب وحظ العامل منه وهو مقتضى الجملة الثانية، وهذا أثر كبير للنيات في الأعمال. الأحكام: أفاد الحديث إن العمل الديني لا يكون مقبولا حتى تقصد به طاعة الله وإن من قصد به غير ذلك فعمله مردود عليه وان أجر العامل يقل ويكثر على حسب نيته بعمله وأنه يمكنه أن يقصد مقاصد كثيرة من الخير بعمل واحد فيتضاعف ثوابه عليه بحسب نيته وإن لم يقع ذلك فعلا بعمله، كقصد إرشاد الضال في المسجد ولم يجده أو تعليم الجاهل ولم يلقه وقصد الجهاد من الهجرة ومات قبله وأمثال ذلد كثيرة. تفريع: كما أثرت النية في الأفعال التعبدية بالقبول والرد أو بتفاوت الأجر كذلك تؤثر في الأعمال المباحة فإن المباحات في نفسها لا يثاب ولا يعاقب عليها ولكنها بالنية والقصد منها يدخلها ذلك وتلحق بما أريد منها إلحاق الوسائل بمقاصدها. فالشيء- مثلا- مباح وقد ينوي به الذهاب إلى التعلم فيصير عمل طاعة فيثاب عليه ولو لم يجد المعلم فلم يتعلم، وقد ينوي به الذهاب إلى السرقة فيصير عمل معصية فيأثم به وإن حيل بينه وبين ما قصد فلم يسرق وكذا سائر المباحات. إرشاد وترغيب: كما حكينا أن نجتهد في تطهير أعمالنا من المخالفات وقصرها على الطاعات والمباحات، كذلك علينا أن نجتهد في طاعتنا أن تكون خالصة لوجه الله وأن نبعد عنا كل خاطر يلفتنا إلى غيره حتى يسلم لنا القصد

стр. 687

كله خالصا والعمل كاملا أو يسلم لنا القصد الأول الذي هو شرط القبول فإذا كان شيء آخر بعده يكون لاحقا وتابعا وأن نتفقه ونتدبر بعد ذلك في نيتنا بطاعتنا فنوفرها ونستثمرها ونقصد بها ما حضرنا من وجوه الخير التي يمكن أن تقصد بها. وأن ننظر مثل ذلك في أعمالنا المباحة كأكلنا وشربنا ونومنا ومشينا وراحتنا ورياضتنا فنقصد بها الإستعداد للطاعات والتقوى لفعل الخيرات وكل ما يمكن أن تؤدي إليه أو تعين عليه من معروف فتصير أعمالنا المباحات من قسم الطاعات فما أسعدنا حينئذ وما أعظم ثروتنا من الخير. نحن لا نسلم من مخالفة وتقصير وفي ذلك علينا خسار كثير ولا يجبر ذلك الخسار إلا بسلوك هذا الطريق الشرعي القويم، فهلم أيها الإخوان في الله إليه، ففيه- والله- التجارة الرابحة، والحياة الناجحة وإرضاء الرحمن وإرغام الشيطان والسعادة في الدارين. تنبيه وتحذير: الأعمال إما طاعات لأنها مأمور بها وجوبا أو استحبابا، وإما مخالفات لأنها منهي عنها تحريما أو كراهة، واما مباحات لأنها غير مأمور بها ولا منهي عنها، فالمخالفات بقسميها لا تقبلها النيات طاعات لأنها في قسمها غير عمل صالح ولأننا علمنا بالنهي عنها ان قصد الشارع هو تركها وعدم وجودها فقصد المكلف مضاد لقصد الشارع فكان ساقطا لا عبرة به ولا أهلية له لقلب الموضع الشرعي ... والطاعات بقسميها هي التي تؤثر فيها النية بالقبول والرد بحسب قصد الله بها وقصد غيره أو بتفاوت درجات القبول وبحسب المقصود على ما تقدم وهي المقصودة بالقصد الأول من الحديث. والمباحات مثلها تؤثر فيها النيات فتقبلها طاعة أو معصية لأن الشرع لما أباحها علمنا أنه لا قصد له لا في وجودها ولا في عدمها من حيث

стр. 688

ذاتها فكان لقصد المكلف حينئذ سبيل إلى التأثير فيها. وقد غفل عن هذه الحقيقة أقوام- عفا الله عنهم- فتراهم يستدلون على أعمالهم بقوله ﵌: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى» قاصدين إلى تبريرها غير ملتفتين إلى كونها من قسم الطاعات أو المخالفات أو المباحات. وكثيرا ما يرتكبون البدع كدعاء المخلوقات وكالحج إلى الأضرحة وإيقاد الشموع عليها والنذور لها وكالرقص وضرب الدف في بيوت الله وغير هذا من أنواع البدع والمنكرات، ويتوكؤون في ذلك كله على «إنما الأعمال بالنيات» كلا، ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب فإن البدع كلها من قسم المخالفات وأن المخالفات لا تنقلب طاعات بالنيات. فحذار أيها الأخوان في الله من هذا الجهل الذي أدى إلى تحريف الكلم عن مواضعه وإلى المداومة على المنكر والفرح به، ونعوذ بالله- لنا ولجميع إخواننا المسلمين- أن نكون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ونسأله تعالى- لنا ولإخواننا المسلمين- أن نكون من الذين يرجون لقاء ربهم فيعملون الأعمال الصالحة ولا يشركون بعبادة ربهم أحدا (١).

стр. 689

التَّوَجُّهُ إِلَى اللَّهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ . قال أبو عيسى الترمذي: ((حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَالَ: فَادْعُهْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ»، - هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر -وهو غير الخطمي)) ــ السند: محمود بن غيلان: ثقة من رجال البخاري ومسلم. عثمان بن عمر هو ابن فارس العبدي المتوفي سنة (٢٠٩هـ) ثقة، روي عنه الستة، وهو الراوي عن شعبه. ولهم عثمان بن عمر بن موسى التيمي متقدم غير هذا. أبو جعفر، هكذا عند الترمذي غير منسوب وقال فيه: هو غير الخطمي، يعني أبا جعفر يزيد بن عمير الأنصاري الخطمي، لكن ابن ماجة قال: حدثنا أحمد بن منصور بن يسار، ثنا عثمان بن عمر، ثنا شعبة عن أبي جعفر المدني إلى آخر السند والمتن. فصرح بأن أبا جعفر هو المدني. وهذا هو أبو جعفر القاري يزيد بن القعقاع. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان إمام أهل المدينة في

стр. 690

القراءة فسمي القارئي لذلك. عمارة بن خزيمة بن ثابت الانصاري روي له أصحاب السنن الأربعة وثقه النسائي وابن حبان وابن سعد. عثمان بن حنيف هو الأنصاري الأوسي الصحابي المشهور. مخرجو الحديث: رواه ابن ماجة في باب ما جاء في صلاة الحاجة من سننه والنسائي والحاكم والبيهقي وابن خزيمة والطبراني. رتبة الحديث العلمية والعملية: قال فيه الترمذي كما تقدم حسن صحيح غريب. فالصحيح ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى آخر سنده سالما من العلة والشذوذ فإذا خف الضبط في بعض رواته فهو الحسن. وما يقول فيه أبو عيسى الترمذي حسن صحيح أقوى مما يقول فيه حسن فقط، لأن وصفه بالصحة مع وصفه بالحسن يفيد أن خفة الضبط في بعض رجاله تكاد لا تؤثر عليه حتى كأنها لم تحطه عن رتبة الصحبح التام. وأما الغريب فهو ما انفرد بروايته راو فقط وإذا كان ذلك المنفرد ثقة فذلك الانفراد لا يضر فالغرابة لا تنافي الصحة والحسن. وغرابته جاءته من انفراد أبي جعفر به كما تقدم. وصححه أيضا ابن ماجة والحاكم والبيهقي والطبراني. فبعدما عرفنا من حال سنده وتصحيح هؤلاء الأئمة له حصل لنا العلم الكافي- وهو الظن الغالب- بثبوت. وحيث كان بهذه المنزلة من الثبوت فإنه صالح لاستنباط الأحكام الشرعية العملية منه. ألفاظ المتن: زاد ابن ماجة بعد قوله: ((فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه)) قوله ((ويصلي ركعتين)) ولذلك أخرجه في باب ما جاء في صلاة الحاجة.

стр. 691

وهذه زيادة عدل فهي مقبولة. والأمر بالوضوء مما يؤيدها. وزاد النسائي بعد قوله: اللهم شفعه في: وشفعني في نفسي، فرجع وقد كشف الله عن بصره. المفردات: التوجه إلى الشيء: هو القصد إليه، فأتوجه إليك أي أقصد إليك. و (الباء) في بنبيك وفي اني توجهت بك هي باء الاستعانة، والمستعان به هو السبب الحصل للمستعان عليه ولذلك جعل بعضهم باء الاستعانة من باء السببية، فالنبي- ﵌ مستعان به على السؤال أي على نجح السؤال بحصول الشيء المسؤول من الله تعالى، ومستعان به على التوجه بمعنى القصد أي على نجح ذلك القصد بحصول المطلوب منه تعالى فهو متوصل به إلى نجح السؤال ونجح القصد، وكل ما يتوصل به إلى الشيء يقال فيه وسيلة إليه، فالسؤال به توسل به، فيمكن أن تسمي هذه الباء باء التوسل، وهي الداخلة على ما هو وسيلة في حصول شيء و (الهاء) في قوله (فادعه) هاء السكت أو ضمير عائد على الله تعالى. الشفاعة: سؤال الخير لغير السائل، فقوله شفعه فيّ أي اقبله في أي اقبل دعاءه وسؤاله لي. التراكيب: قوله أسالك وأتوجه إليك بنبيك. وقوله إني أتوجه بك يحتمل أن يكون على ظاهره، فالسؤال والتوجه والتوسل بذات النبي- ﵌ نظرا لمقامه عند الله تعالى ويكون هذا نظير قول القائل: أسألك بالله، من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾، وفي سنن أبي داود والنسائي مرفوعا: «وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ» وقول القائل: أسألك بالرحم، من قوله تعالى:

стр. 692

﴿وَالْأَرْحَامٍ﴾ بالجر في قراءة الشاميين، وقول عائشة لفاطمة رضي الله عنمها: "عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﵌" ويحتمل أن يكون على تقدير مضاف هكذا بدعاء نبيك في العبارة الأولى وبدعائك في العبارة الثانية، لأنه إنما سأله أن يدعو لك، فيكون التوسل بدعائه ولقوله: فشفعه فيَّ أي اقبل دعاءه لي. وجملة (فشفعه) معطوفة على جملة (أسألك)، وجملة (اني توجهت بك) معترضة بين المتعاطفين. المعنى: هذا رجل أعمى جاء النبي- ﵌ يسأله أن يدعو الله تعالى له أن يشفيه من العمى فخير بين أن يدعو له وأن يصبر على بلواه، وأخبره أن الصبر خير له من جهة الأجر والمثوبة، فاختار الرجل أن يدعو له فأمر أن يتوضأ وضوءاً حسنا مستكملا لفرائضه وفضائله في ظاهره وباطنه، وأن يصلي ركعتين ويدعو بالدعاء المذكور. والظاهر أنه بعد الفراغ من الركعتين مثل ما جاء في دعاء الاستخارة بعد ركعتيها، وكان الدعاء سؤال ا من الله تعالى وتوجها إليه وتوسلا بنبيه أو بدعائه وثناءاً على النبي- ﵌ بما بعثه الله من الرحمة المناسب ذكرها غاية المناسبة في مقام الدعاء والتوسل وخطابا له ﵇ بأنه توجه به إلى ربه لتقضى حاجته ثم رجوعا إلى سؤال الله تعالى أن يقبل فيه شفاعة النبي، ﵌. سؤال: الرجل قد اختار أن يدعو له فأمره أن يتوضأ ويصلي ويدعو بذلك الدعاء ولم يدع هو له مع أنه قال له في التخيير إن شئت دعوت وإن شئت صبرت.

стр. 693

جوابه: الظاهر أنه دعا له وإن لم يصرح بذلك في متن الحديث لقول الأعمى: (اللهم شفعه فيَّ) أي اقبل دعاءه وسؤاله لي. الأحكام: لم يدع الأعمى النبي- ﵌ ولم يسأله أن يشفيه هو، لأن الدعاء لقضاء الحوائج وكشف البلايا ونجو ذلك هو العبادة، وفي حديث النعمان بن بشير المرفوع «الدُّعاءُ هوَ العِبَادةُ» رواه أحمد وأصحاب السنن. والعبادة لا تكون إلا لله لم يدعه لا وحده ولا مع الله، لأن الدعاء لا يكون إلا لله. وهذا بخلاف ما يفعله الجهال والضلال من طلبهم من المخلوقين من الأحياء والأموات أن يعطوهم مطالبهم ويكشفوا عنهم بلاياهم، وإنما سأله أن يدعو له الله تعالى أن يعافيه وهذا جائز أن يسأل المؤمن من أخيه في حال حياته أن يدعو الله تعالى له. ومن هذا حديث البخاري في سؤال أم أنس ابن مالك من النبي- ﵌ أن يدعو لأنس خادمه، فدعا له. ومن هذا ما رواه الترمذي وأبو داود عن عمر بن الخطاب قال: استأذنت النبي- ﵌ في العمرة فأذن لي وقال اشركنا يا أخي في دعائك ولا تنسنا زاد في رواية الترمذي فقال: كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. يعني قوله: أشركنا ... الخ ثم انه توسل بذاته بحسب مقامه عند ربه وهذا على الوجه الأول من الوجهين المتقدمين في فصل التراكيب أو توسل بدعائه، وهذا على الوجه الثاني منهما. فمن أخذ بالوجه الأول قال يجوز التوسل بذاته، ومن أخذ بالوجه الثاني قال إنما يتوسل بدعائه، ثم ان من أخذ بالوجه الأول فهذا الدعاء حكمه باق بعد وفاته كما كان في حياته، ومن أخذ بالوجه الثاني لا يكون بعد وفاته. لأن دعاءه إنما

стр. 694

كان في حياته لمن دعا له. فالوجهان المتقدمان- كما ترى- هما مثار الخلاف في جواز التوسل بذاته وعدم جوازه، فمن أخذ بالوجه الأول جوَّز ومن أخذ بالثاني منع. سؤال: فان قلت قد عرفنا القولين وعرفنا مدركهما فما هو الراجح عندك منهما؟ جوابه: الراجح هو الوجه الأول الذي يجيز السؤال بذات النبي- ﵌ نظرا لمقامه العظيم عند ربه لوجهين: الأول: ان ذلك هو ظاهر اللفط ولا موجب للتقدير ولا منافاة بين أن يكون في قوله أسالك وأتوجه اليك بنبيك وقوله اني توجهت بك قد سأل بذاته. وفي قوله: (اللهم شفعه فيَّ) قد سأل قبول دعائه له وسؤاله. والثانى: أنه لما كان جائزاً السؤال من المخلوقين بما له من مقام عظيبم عندهم فلا مانع من أن يسأل الله تعالى بنبيه بحسب مقامه العظيم عنده. سؤال آخر: بعدما رجحت جواز التوسل بذاته ﵌ نظرا لمقامه العظيهم عند الله تعالى فهل يقاس عليه غيره من كل ذي مقام عند الله تعالى فيتوسل به أو يكون هذا مقصورا عليه؟ جوابه: القياس في باب العبادات ضعيف، وإذا ارتكب هنا فلا يقاس عليه الاَّ كلُّ ذي مقام محقق عند الله تعالى. سؤال آخر: بعد ما عرفنا حكم سؤال الله تعالى بأهل المكانة عنده من مخلوقاته.

стр. 695

فهل الأفضل هو سؤاله بمخلوقاته أو سؤاله بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في طاعاته؟ جوابه: الأفضل هو سؤاله تعالى بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في أنواع طاعاته، وذلك لوجهين: الأول: ان ذلك هو مقتضى النص القرءاني الصريح القطعي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ويشمل ذلك تسميته بها ونداءه بها. الوجه الثاني: مما جاء في السنة العملية في أحاديث كثيرة ثابتة مستفيضة، كان سؤاله تعالى فيها كلها بأسمائه وصفاته منها حديث: «أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسد الخ» رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود، ومنها حديث رجل كان يصلي في المسجد فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قيوم أسألك. فقال النبي- ﵌: دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق أنس، ومنها حديث: إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق. رواه النسائي والحاكم من طريق عمار بن ياس، وهكذا سائر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب كلها متواردة على دعاء الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهي كلها تحقيق وبيان لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. هذا كله في دعائه تعالى بأسمائه وصفاته. وأما ما جاء في دعائه والتوسل إليه بعمل العبد في أنواع طاعاته، فمنها حديث بريدة: أن رسول الله- ﵌ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد (والشهادة عمل العبد) أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، فقال رسول الله- ﵌: لقد سألت الله بالإسم الأعظم

стр. 696

الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب. رواه أبو داوود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم إلا أنه قال: لقد دعوت الله باسمه الأعظم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، قال الحافظ عبد العظيم المنذري، قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وإسناده لا مطعن فيه. ومنها حديث الثلاثة الذي (١) آووا إلى غار فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعله يفرجها عنكم فدعا أحدهم ببروره والديه، فانفرجت منها فرجة، ودعا الثاني بعفته عن الزنا بعد ما كاد فانفرجت فرجة، ودعا الثالث بوفائه لأجيره، فانفرجت البقية. وهذا حديث صحيح مشهور رواه الشيخان وغيرهما (٢). ومن ذلك حديث سارة زوج إبراهيم ﵇ لما مدَّ الجبار الظالم إليها يده يريدها على السوء، قامت تتوضأ وتصلي وقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله. فقالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل فعاد إليها وعادت إلى الدعاء كالمرة الأولى، وفي الثالثة تركها وقال: ارجعوها إلى إبراهيم. رواه مفصلا البخاري في كتاب البيوع من صحيحه من طريق أبي هريرة، فانظر إليها كيف توسلت لربها بإيمانها الذي هو أشرف أعمالها، وبعفتها

стр. 697

وإحصانها لفرجها ولم تتوسل إليه برسوله وخليله زوجها إبراهيم ﵊. سؤال آخر: بعد ما عرفنا رجحان سؤاله تعالى بالأسماء والصفات والطاعات فهل ثبت عن الصحابة سؤالهم وتوسلهم بذاته؟ جوابه: لم يثبت عن واحد منهم شيئا (١) من ذلك فيما لدينا من كتب السنة المشهورة، بل ثبت عدولهم عن ذلك في وقت مقتض له لو كانوا يفعلونه وذلك في حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون. ومعنى الحديث أنهم كانوا يتوسلون بالنبي- ﵌ يدعو لهم في الاستسقاء ويودعون، ثم صاروا يتوسلون بالعباس فيدعو لهم ويدعون، فالتوسل هنا قطعا بدعائهما لا بذاتهما. ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مرجوحية التوسل بالذات أن الصحابة لم يقولوا في موقفهم ذلك: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا أي بذاته ومقامه بل عدلوا عن ذلك إلى التوسل بالعباس يدعو لهم ويدعون كما كان النبي- ﵌ يفعل في الاستسقاء. ولقد استدل بعضهم بعدول الصحابة عن التوسل بذات النبي- ﵌ في هذا المقام على منعه، ونحن لما بينا قبل من دليل جوازه إنما نستدل بعدولهم على مرجوحيته.

стр. 698

سؤال آخر: قد عرفنا فيما تقدم مشروعية سؤال المؤمن من أخيه المؤمن في حياته أن يدعو له فهل يشرع الذهاب إلى القبر وطلب الدعاء من الميت؟ جوابه: لو كان هذا جائزا لفعله الصحابة في الحديث المتقدم ولذهبوا لقبر النبي- ﵌ يسألونه أن يدعو لهم كما كان يدعو لهم في حياته، ولم يرد في حديث عن واحد منهم أنه كان يذهب إلى القبر النبوي ويطلب منه- ﵌ أن يدعو له، بل جاء عن ابن عمر- وهو من عرف بشدة اتباعه وتحريه- أنه كان يقف فيسلم على النبي- ﵌ ثم على أبي بكر ثم على عمر رضي الله تعالى عنهما ثم ينصرف لا يزيد شيئا. أخرجه مالك في الموطأ. تلخيص وتحصيل: تحصل لنا من جميع ما تقدم: (١) أن دعاء المخلوق وحده أو مع الله ممنوع. (٢) وأن التوسل بدعائه في حياته وهو من المؤمنين مطلوب ومشروع. (٣) وأن التوسل بذات النبي- صلى الله عليه وآله ومسلم- جائز مرجوح. (٤) وأن التوسل بذات غيره من أهل المكانة المحققة له وجه في القياس. (٥) وأن التوسل بذات غيره ممن ليس لنا اليقين القاطع بمقامه لا وجه له. (٦) وأن طلب الدعاء منه بعد موته بدعة لم يفعلها الصحابة. (٧) وأن الراجح في التوسل إلى الله هو التوسل إليه بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في أنواع طاعاته. هذه سبع مسائل كثر فيها هذه الأيام القال والقيل، وتعرض لها من الكتّاب الأصيل والدخيل، وقد منَّ الله بتحريرها على هذا الوجه الذي لم أره لغيري، وقد كنت في تحريرها علم الله باحثاً منصفاً

стр. 699

متجرداً فما كان فيها من حق وصواب فهو من الله وما كان فيها - عياذاً بالله- من باطل وخطأ فهو مني وأستغفر الله والخير قصدت وحسبنا الله ونعم الوكيل (١).

стр. 700

حَقُّ النِّسَاءِ فِي التَّعْلِيمِ . عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ- ﵁: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﵌: "غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ" فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ. فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ، فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». رواه البخاري. ــ الشرح: كان الرجال يلازمون النبي- ﵌ فيحيطون به للتعلم فلا يستطيع النساء مزاحمتهم عليه وكن يجلسن في آخر صفوف المسجد، فإذا تحدث النبي- ﵌ بالعلم بعد الصلاة لا يتمكن من كمال السماع، وكانت لهن رغبة في العلم مثل الرجال إذ كلهن يعلمن أنَّهنّ مكلفات بأحكام الشريعة مثلهم. فلذا سألن رسول الله- ﵌ أن يعيِّن لهن يوما باختياره هو يخصصهن به. فأجابهن إلى ما طلبن ووعدهن يوما يعينه ووفى لهن بوعده، فلقيهن في ذلك اليوم وحدهن فوعظهن وأمرهن بأشياء مما عليهن من أمر الدين. وأخبرهن بأن كل واحدة منهن يموت لها ثلاثة من ولدها فتقدمهم قبلها فإن ذلك التقديم يكون لها حجابا ووقاية من النار لعظم الأجر بعظم المصيبة، فطمعت إحداهن في فضل الله وخافت أن يكون هذا الفضل محصورا فيمن قدمت ثلاثة فسألت عمن قدمت اثنتين فأخبرها رسول الله- ﵌ بأنه لمن قدمت اثنتين أيضا.

стр. 701

الأحكام والفوائد: النساء شقائق الرجال في التكليف، فمن الواجب تعليمهن وتعلمهن وقد علمهن- ﵌ وأقرهن على طلب التعلم، واعتنى بهن وتفقدهن كما في حديث ابن عباس: أن رسول الله ﵌ خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم. وبلال يأخذ في طرف ثوبه. لا يجوز اختلاط النساء بالرجال في التعلم، فأما أن يفردن بيوم كما في هذا الحديث، وإما أن يتأخرن عن صفوف الرجال كما مرَّ في حديث ابن عباس- ﵁ يجعل لتعليم (١) النساء يوم خاص بهن ويتكرر هذا اليوم بقدر الحاجة. ولما كانت الحاجة دائمة فاليوم مثلها. فيه عظيم أجر من أصيب في أفلاذ كبده إذا حزن ولم يقل قبيحا وجاء التنصيص على الرجال فهم مثل النساء في هذه المثوبة. وفيه البداية في التعليم بما تشتد إليه حاجة المتعلم. فإن حنان النساء وضعفهن يحملانهن على الجزع الشديد وقد يخرج بهن إلى القبيح فذكر لهن ما يكون عدة لهن ووقاية عند نزول المصيبة. وفيه ما ينبغي من تهيئة القلوب وتحضير النفوس لتلقي التكاليف الشرعية لتنشرح لها الصدور وتنشط فيها الجوارح ولذا قدم الوعظ على الأمر. اقتداء: إن الجهالة التي فيها نساؤنا اليوم هي جهالة عمياء، وأن على

стр. 702

أوليائهن المسؤولين عنهن إثما كبيرا فيما هن فيه. وأن أهل العلم والإرث النبوي مسؤولون عن الأمة، رجالها ونسائها، فعليهم أن يقوموا بهذا الواجب العظيم في حقِّ النساء بتعليمهن خلف صفوف الرجال، وفي يوم خاص بهن اقتداء بالمعلم الأعظم: عليه وعلى آله الصلاة والسلام (١).

стр. 703

تَعْلِيمُ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ . عَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ- ﵌ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي: «أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِهَا الْكِتَابَةَ». رواه ابو داوود. ــ السند: رجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي فلم يخرج له فيهما، لكنه ثقة. وثقه أبو حاتم وابن نافع وابن حيان، وقد تابعه غيره. وخرج الحديث أيضا النسائي والبيهقي في السنن الكبرى والإمام أحمد. المتن: الأشخاص: الشفاء هي بنت عبد الله القرشية العدوية من السابقات والمهاجرات الأول- ﵂ وحفصة هي بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين ﵄. الألفاظ: النملة قروح تخرج في الجنب، ورقيتها كلام كانوا يقولونه عليها مما لا محظور فيه فأقره النبي- ﵌. ولم يذكر الرواة نصه. المعنى: عرف ﵌ أن الشفاء كانت علمت حفصة

стр. 704

الكتابة، وكانت الشفاء من عاقلات النساء وعارفاتهن، فدعاها إلى تعليم حفصة رقية النملة وحثها عليها، ونشطها لذلك بتذكيرها بتعليمها لها الكتابة، فمن كان من شأنه عمل من الأعمال خف عليه القيام به. مبينا لها بذلك أن تعليم هذه مثل تعليم تلك في النافع وفعل الخير. الأحكام والفوائد: فيه مشروعية الرقية وذلك بشرط أن تكون بالكلام المفهوم الذي لا محظور فيه كما دلت عليه الآثار، وإذا كانت الأدوية سببا للشفاء بخواصها فبعض الأقوال تكون في ذلك مثلها تلك من ناحية البدن وهذه من ناحية الروح وقد دلت على هذا وذاك التجربة وأقرَّت الجميع الشريعة. وفيه تعلم الرقية وتعليمها مثل كل ما يمكن أن ينتفع به على الوجه المشروع وفيه حث العارف بشيء مما يحتاج إليه الناس أن ينشره بينهم ويعلمهم إياه. وفيه تعليم النساء الكتابة واستدل به على ذلك جماعة من الأئمة منهم الخطابي في شارح السنن، وصاحب المنتقى. توسع في الاستدلال: وأقوى منه في الاستدلال العمومات القرآنية المتكاثرة الشاملة للرجال والنساء، فإن مذهب الجماهير وهو المذهب الحق أن الخطاب بصيغة التذكير شامل للنساء إلا بمخصص يخرجهن من نص إو إجماع أو بضرورة طبيعية. لأن النساء شقائق الرجال في التكليف ولا خلاف في أنه إذا اجتمع النساء والرجال ورد الخطاب أو الخبر مذكرا على طريقة التغليب. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾

стр. 705

وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. كيف نص في الثانية على الرجال لما كان الحال مقتضيا لهم، وأطلق في الأولى فدل على أنه لا فرق بين أن يكون الكاتب رجلاً أو امرأة، وهو من أدلته مشروعية تعلم النساء الكتابة، وكل آية دعت للعلم، قد دعت للكتابة لأن الله قد بين لنا أنه علم بالقلم ليبين لنا أن القلم هو طريق العلم وآلة حفظه وتدوينه وأقسم بالقلم تنويها بشأنه وجاء ذلك كله على الخطاب العام الشامل للنساء شموله للرجال والعمومات إذا تكاثرت أفادت القطع ولهذا جعلنا هذا الطريق من الاستدلال أقوى من الاستدلال بالحديث الذي هو خبر آحاد وخبر الآحاد- من حيث ذاته- يفيد الظن وإن كان صحيحا. وحيث تواردت تلك العمومات وثبت هذا الحديث فقد بلغ الدليل بنصه وقطعيته غاية القوة والبيان. الاقتداء: فاستنادا إلى هذه الأدلة، وسيراً على ما استفاض في تاريخ الأمة، من العالمات الكاتبات الكثيرات- علينا أن ننشر العلم بالقلم في أبنائنا وبناتنا في رجالنا ونسائنا على أساس ديننا وقوميتنا إلى أقصى ما يمكننا أن نصل إليه من العلم الذي هو تراث البشرية جمعاء، وثمار جهادها في أحقاب التاريخ المتطاولة، وبذلك نستحق أن نتبوأ منزلتنا اللائقة بنا والتي كانت لنا بين الأمم (١). **
следующие страницы →