التَّسَتُّرُ بِالنَّقَائِصِ .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- ﵌ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ -وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ- فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا. وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ».
رواه البخاري في الأدب ومسلم في الزهد والرقائق
ــ
الكلمات:
المعافى: من العافية وهي السلامة، فالمعافى هو السالم. ويحتمل أن يكون المراد هنا سلامة العرض من القدح أو سلامة البدن من الحد أو سلامة العاقبة من المؤاخذة بالذنب. والمجاهر: هو المعلن بفسقه.
المعنى:
قد يرتكب المذنب المعصية مع شعوره بقبح ما أتى وخجله به من ربه وانكسار قلبه من أجل معصيته، فهو لذلك يتستر بذنبه فلا يطلع عليه غيره لا بقول ولا بفعل، فهذا قد سلم منه الناس فلم يؤذهم بشره ولم يدعهم إلى الاقتداء به، وسلم منه الشرع فلم يكسر من هيبته ولم ينقص عند الناس من حرمته، فسلم له هو عرضه من القدح وبدنه من الحد وسلم له أصل إيمانه، وهو حياؤه من الله وخوفه منه، واحترامه لدينه وبعضه لما يأتي من معصيته فيوشك بهذه الحياة التي في قلبه أن يقلع عن ذنبه ويتوب فيسلم عن المؤاخذة بسبب الثوبة، وقد يترجح
стр. 737
ما في قلبه من خوف وخجل واحترام وبغض للمعصية وتألم بها- على نفس المعصية- فيسلم من المؤاخذة بها عند الموازنة يوم القيامة. فصدق فيه هذا الوعد بأنه معافى من ذنبه وسالم من المؤاخذة به.
أما الذي يجاهر بمعصيته ويعلن بها فهذا قد تعدَّى على مجتمع الناس بما أظهر من فساد وما أوجد من قدوة سيئة وما عمل لمجاهرته على شيوع الفاحشة فيهم. وقد تعدى على الشرع بما انتهك من حرمته وجرأ من السفهاء عليه. وهو بمجاهرته قد دل على استخفافه بحق الله وحق عباده وعلى عناده للدين وخلو قلبه من الخوف والحياة، وأي إيمان يبقى بعدهما. ولما كانت المجاهرة بالمعصية تطلق في الغالب على من يعلن أمره للجماعات بين النبي- ﵌ أن مجاهرة الفرد كمجاهرة الجماعة من باب التنبيه على الجزئي الخفي من جزئيات المنهي عنه لأنه هو الذي شأنه أن لا يتنبه له فيتساهل فيه ومن تساهل في الجزئي الخفي أدَّاه ذلك إلى التساهل في غيره. وهذا الجزئي الخفي هو أن يعمل عملا يستره الله فيه ثم يحدث به رفيقه فيكشف ستر الله عنه.
إستنباط:
قد تبين ما في المجاهرة من المفاسد والظلم، وقد دل الحديث على أن أهلها غير معافين، فهم هالكون، فهي حرام، ومعصية زائدة في أصل المعصية، فالمجاهر بمعصيته ارتكب معصيتين: المعصية والمجاهرة بها، وقد تجر عليه المجاهرة آثاما كثيرة بما يتسبب عن معصيته من شيوع الفاحشة وسوء القدوة، ويستمر ذلك يكتب عليه من آثاره ما بقي متسبب عن آثاره إلى يوم القيامة. فيا لفداحة الحمل يوم الفزع الأكبر وكما يحرم تحدث الشخص بمعصية نفسه لما فيه من المجاهرة كذلك يحرم عليه أن يتحدث بمعصية غيره ولو كان هو الذي
стр. 738
حدثه لما في ذلك من إذاعة الفاحشة ومن الغيبة.
تنبيه وتحذير:
المجاهر بفسقه الذي لا يستتر من أحد يجوز ذكره بفسقه الذي جاهر به إذا كان في ذكره به مصلحة أو دفع مفسدة، ويجب أن يحذر من ذكره لغير ذلك فإنه من الغيبة وإذاعة الفاحشة.
إعتبار:
هذا في الأفراد، ومثلها الأمم، فالأمة التي تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتضرب على يد سفهائها وأهل الفساد منها وتهجرهم وتنبذهم من مجتمعها تسلم من الشرور والبلايا، وتقل أو تنعدم منها المفاسد والمنكرات، والأمة التي تسكت عن سفهائها وأهل الشر من كبرائها وتدعهم يتجاهرون فيها بالفواحش والقبائح، هي أمة هالكة متحملة جريرة المجاهرة، بالمعاصي، بالهلاك في الدين والعذاب في الآخرة.
تربية:
روى الحاكم في مستدركه، عن ابن عمر- ﵄ أن رسول الله- ﵌ قال: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله). فليعمل المسلم على اجتناب المعاصي كلها. حتى إذا ألم بشيء منها فليجتهد في إخفائه وستره وليضرع إلى الله تعالى في سجوده أن يتوب عليه من ذنبه وليتوسل إليه- تعالى- بإيمانه به وحيائه وخوفه منه واحترامه لشرعه وعباده، فهو- ﷻ يحب التوابين ويحب المتطهرين (١).
стр. 739
الشِّرْكُ وَالْوَثَنِيَّةُ وَدَعْوَى النُّبُوَّةِ .
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﵌: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».
رواه الترمذي. وقال: هذا حديث صحيح.
ــ
كان النبي- ﵌ يعرف أصحابه بما يكون في أمته من بعده، وهو تعريف للأمة بما يكون فيها، يعرفهم بذلك ليحذروه ويجتنبوا أسبابه ويبادروا إلى معالجته عند وقوعه. لا يستبعد مسلم صدور الشرك والوثنية ودعوى النبوة من غير المسلمين، وإنما يستبعد ويستنكر أن يكون شيء من هذا ممن يقولون أنهم مسلمون. ولهذا قدم النبي- ﵌ هذا التعريف والإنذار. حتى إذا وقع شيء من هذا من هذه الأمة بودر إلى إنكاره وعلاجه ولم يتساهل معهم في شيء من ذلك لأنهم يقولون أنهم مسلمون.
اللحوق بالمشركين:
من اعتقد مثل عقيدتهم أو فعل مثل أفعالهم أو قال مثل أقوالهم فقد لحق بهم، وقد يكون اللحوق تاما مخرجا عن أصل الإسلام، وقد يكون دون ذلك. فأصل عقيدة الشرك عند عرب الجاهلية أنهم يعلمون أن الله هو خلقهم وهو يرزقهم وهو المالك لجميع مخلوقاته، ولكنهم كانوا يجعلون توجههم وتقربهم وتضرعهم لآلهتهم على اعتقاد
стр. 740
أنها هي تقربهم إلى الله. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تتوجه لبعض الأموات وتتضرع لهم وتقف أمام قبورهم بخضوع وخشوع تامين وتتضرع وتناديهم على اعتقاد أنهم يقربونها إلى الله ويتوسطون لها إليه. ويزيدون أنهم يتصرفون لها بقضاء الحوائج وجلب الرغائب ودفع المصائب. ومن أعمال المشركين في الجاهلية أنهم يسوقون الأنعام لطواغيتهم فينحرونها عندها طالبين رضاها ومعونتها. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تسوق الأنعام إلى الأضرحة والمقامات تنحرها عندها إرضاءً لها وطلبا لمعونتها أو جزاء على تصرفها وما جلبت من نفع أو دفعت من ضر.
ومن أقوال المشركين في الجاهلية حلفهم بطواغيتهم تعظيما لها، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة يحلفون بالله فيكذبون ويحلفون بمن يعظمونه من الأحياء أو الأموات فلا يكذبون. فهذه الطوائف الكثيرة كما قد لحقت بالمشركين وصدق رسول الله- ﵌ في قوله: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين».
عبادة الأوثان:
كانت عبادة الأوثان في الجاهلية بالخضوع والتذلل لها ورجاء النفع وخوف الضر منها، فينذرون لها النذور وينحرون لها النحائر يلطخونها بالدماء ويتمسحون لها. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة لها أشجار ولها أحجار تسميها بأسماء وتذكرها بالتعظيم وتذبح عندها الذبائح وتوقد عليها الشموع وتحرق عندها البخور وتتمسح بها وتتمرغ عليها. مثل فعل الجاهلية أو تزيد. فصدق عليهم رسول الله- ﵌: (وحتى يعبدوا الأوثان) هذا كله واقع في الأمة لا شك فيه. وكما كان من نصح نبيها- ﵌ أن أنذرها بوقوعه فيها قبل وقوعه- فإن من نصح علمائها لها أن يعرفوها به اليوم بعد وقوعه ويصوروه لها على صورته
стр. 741
الشركية الوثنية التي ينفر منها المسلم بطبعه. ولو أن الأمة سمعت صيحات الإنكار من كل ذي علم لأقلعت عن ضلالها ورجعت إلى رشدها، فما أسعد من نصحها من أهل العلم وجاهد لإنقاذها. وما أشقى من غشها وزادها رسوخا في ضلالها وتماديا في هلاكها. فَحَيَّهَلَّا على العمل أيها المصلحون الناصحون المخلصون، فإنَّ عهد الغش والخديعة قد آذن بذهاب، وأن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.
دعوى النبوة:
قد ضلت وهلكت باتباع أشخاص ادعوا النبوة من هذه الأمة طوائف كثيرة، وقد كان منهم أول الإسلام مسيلمة الكذاب والأسود العنسي، ثم كان المختار بن عبيد الثقفي، ثم كان منهم في عصرنا قبيله الباب، وإليه تنسب البابية، والبهاء وإليه تنسب البهائية، وغلام القادياني وإليه تنسب القاديانية، وقد كادت هذه القاديانية تدخل الجزائر على يد طائفة الحلول وشيخها لولا أن قام في وجوههم العلماء المصلحون وفضحوهم على صفحات (الشهاب) أيام كان أسبوعيا فردَّ الله كيدهم ووقى الله الجزائر شراً عظيما. وقد أخبر النبي- ﵌ عن هؤلاء الكذابين بأنهم ثلاثون فلا بد أن يصلوا إلى هذا العدد وقد تكون بقيتهم في أحشاء الأيام.
وقد أخبر ﷺ أنهم كذابون وأنه لا نبي بعده، وقد صدق قوله ﵌، فما من واحد منم إلا وقد ظهر من كذبه ما عسر تأويله على أصحابه، ومن غلطه وخلطه ما يدل على أنه لا مستند له من اليقين. فصلى الله على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين (١).
стр. 742
كَلِمَاتُ الشِّرْكِ
(النَّهْيُ أَنْ يُقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ) (١).
قال الإمام ابن ماجة في سننه: " حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَعْرِفُهَا لَكُمْ، قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ»، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- بِنَحْوِهِ".
ــ
السند الأول:
هشام ثقة أخرج له البخاري والأربعة. وابن عيينه أحد أئمة الإسلام المشهورين. وابن عمير روى له الستة وابن حراش مثله. وحذيفة الصَّحابي الشهير.
السند الثاني:
ابن أبي الشوارب ثقة روى عنه مسلم والترمذي والنسائي. وأبو عوانه أحد الأعلام روى له الستة. وعبد الملك وربعي تقدما. والطفيل صحابي.
стр. 743
رتبة الحديث:
الحديث صحيح بسنديه مرفوع بهما، ولا يضر إبهام الرجل الرائي، لأن حذيفة قال: انه من المسلمين، والمسلمون يومئذ هم الصحابة، وكلهم عدول. ولأن حذيفة نقل بلوغ الرؤيا للنبي- صلى الله عليه وآله وسم- ونقل قوله عند سماعها.
مزيد بيان:
ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب: " أن سفيان وشعبة وزائدة (يعني ابن قدامة ثقة روى له البخاري) وجماعة رووا عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل حديثه هذا. وقال أبو عمر: وفي حديث زائدة عن الطفيل أنه رأى في المنام أن قائلا يقول له من اليهود: نِعْمَ القوم أنتم لولا قولكم ما شاء الله وما شاء محمد. ثم رأى ليله أخرى رجلاً من النصارى فقال له مثل ذلك. فأخبر بذلك النبي- ﵌ فقام خطيبا فقال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد وقولوا ما شاء الله وحد» وزاد بعضهم فيه: ثم ما شاء محمد". فأفادنا كلام ابن عبد البر تعدد الرواة عن عبد الملك، وبينت لنا رواية زائدة بن قدامة أن الرائي هو الطفيل بن سخبرة، وأن الرؤيا تكررت، وأن النبي- ﵌ قام خطيبا في الناس لمزيد العناية والاهتمام بالأمر. وأنه قال ما شاء الله وحده.
الجمع:
لا تعاوض بين الروايات، فيعمل بها كلها، وقوله في رواية زائدة: (ما شاء الله وحده) لا ينافي. (ثم ما شاء محمد) فيكفي الاقتصار على ثم ما شاء محمد، كما عند ابن ماجة. والأحسن أن يزيد قبله لفظة وحده ليأتي بجميع الوارد.
стр. 744
الألفاظ:
تشركون: أي تقرنون بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق بعبارة تفهم التسوية، وهي العبارة المذكورة في الجملة التالية المبينة، وهي قوله: «تقولون ما شاء الله وشاء محمد» وهذه العبارة قد تكون في نحو قولهم: افعل ذلك ما شاء الله وشاء محمد، أو لا أفعله ما شاء الله وشاء محمد. وفي الاستثناء في اليمين نحو: إلا ما شاء الله وشاء محمد. وفي باب اليمين أورد الحديث ابن ماجة. إن كنت لأعرفها لكم، ان: نافية. واللام: في (لاعرفها) لام الجحود، والفعل بعدها منصوب، فنفى معرفته بهذه العبارة منهم على وجه يفيد أنها شيء ما كان ليخطر في باله لمنافاته لإيمانهم وتوحيدهم وعدم مناسبتها لحالهم، ثم: تفيد انحطاط مشيئة المخلوق عن مشيئة الخالق وتأخرها وتلك هي رتبتها، وقد شاء الله ما شاء وحده، ثم كانت مشيئة المخلوق. فلفظة وحده أصرح في استقلال مشيئة الله.
المعنى:
كان بعض من الصحابة يقولون هذه العبارة دون أن يعلم بهم النبي- ﵌ فأراد الله أن يطلع عليها نبيه لينهاهم عنها، وكان من حكمتها أن اطلعهُ عليها بهذا الوجه، أرى بعض الصحابة رؤيا فيها تعبير لهم بالشرك الذي هو أبغض الأشياء إليهم من بعض أهل الكتاب، وهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، والمسيح ابن مريم ليكون ذلك أشد في الزجر وأعظم في التوبيخ، فذكرت الرؤيا للنبي- ﵌ وكانوا يقصُّون عليه رؤاهم فنفى علمه بصدور تلك العبارة منهم، وأظهر إنكاره وتعجبه من صدور تلك العبارة الشركية التي ما كان ليظن صدورها منهم، وفي هذا ما فيه من اللوم والتعنيف فقام
стр. 745
خطيبا فيهم فنهاهم عن العبارة الشركية الباطلة وبين عبارة التوحيد والحق الصحيحة وهي أن يقولوا (ما شاء الله وحده ثم ما شاء محمد) أو (ما شاء الله ثم ماشاء محمد).
الأحكام:
أفاد الحديث النهي عن القرن بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق. ومشيئة المخلوق بالواو وجواز القرن بينهما بثم، وأثبت للمخلوق مشيئة، ولكنها مقيدة ومتأخرة بخلاف مشيئة الخالق فإنها سابقة ومطلقة مستقلة، وما تشاءون إلا أن يشاء الله. وأفاد أن القرن بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق شرك وأن من فعل ذلك يقال له قد أشركت، لأنه لما قصت عليه الرؤيا وفيها قوله: لولا أنكم تشركون، أقر ذلك ولم ينكره، وأن كلمة الشرك لا يجوز أن تقال ولو كان قائلها لا يعتقد المساواة بين الخالق والمخلوق، كما هو حال الصحابة الذين لا يشك في عملهم بذلك وأن قائل كلمة الشرك هذه وإن كان يقال له أشركت كما تقدم لا يخرج بذلك من الإيمان حيث كان لا يعتقد التسوية، فإنه لم يحكم بردتهم بتلك الكلمة وإنما نهاهم عن قولها.
تأييد:
روى ابن ماجة في هذا الباب بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﵌: «إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت» وهذا الحديث في معنى الحديث الذي تكلمنا عليه.
تفصيل أول:
الشرك يكون بالاعتقاد، وهذا مخرج عن الايمان ويكون بالقول مثل الكلمة المتقدمة، وهذا لا يخرج صاحبه من الإيمان وإنما يحرم عليه النطق به.
стр. 746
تفصيل ثان:
من الصفات ما يثبت لله على ما يليق بجلاله ويثبت للمخلوق على ما يليق بحدوثه وافتقاره كالمشيئة وكااعطاء عندما تكون للمخلوق أسباب فيها، فهذا يسند إليهما ويحرم أن يسوى بينهما في العبارة، ويجب الإتيان بعبارة صريحة في عدم التسوية، فأما المشيئة فقد تقدمت وأما العطاء فكأن تقول لمن أعطاك شيئا هذا من فضل الله ثم من فضلك، ومنها ما لا يجوز أن يجمع فيه بين الإسناد للمخلوق والخالق أبدا كالعطاء الذي لا دخل للمخلوق فيه لخروجه عن الأسباب الممكن هو منها، فلا يجوز أن تقول في غيث نزل مثلا هذا من الله ومن فلان ولا ثم من فلان، لأنه لا دخل لأحد فيما وراء الأسباب.
تطبيق:
إذا نظرنا في حالة السواد الأعظم منا معشر المسلمين الجزائريين فإننا نجهد هذه الكلمات شائعة بينهم. فاشية على ألسنتهم وهي (بربي والشيخ) وهم يعنون أن ما يفعلونه هو بالله وبتصرف الشيخ (بربي والصالحين)، (بربي والناس الملاح)، (إذا حب ربي والشيخ) (شوف ربي والشيخ)، وهي كلها من كلمات الشرك كما ترى، فأما قولهم: (بربي والشيخ) ونحوه فمما لا يجوز أن يذكر فيه المخلوق مع الخالق قطعا لأن ما تفعله هو بالله وحده أي بتقديره وتيسيره ولا دخل للمخلوق فيه، وأما قوله: (إذا حب الله والشيخ) فمما لا يجوز إلا بلفظة ثم. فيكون بمعنى إذا شاء الله ثم شاء الشيخ إذا كان هذا الشيخ حيا وكان الأمر مما يكن أن تدخل مشيئته فيه ولقد شب على هذه الكلمات ونحوها الصغير وشاب عليها الكبير وانقطع عنها النهي والتغييرحتى صارت كأنها من الكلمات المشروعة، وصار قلعها من الألسنة من أصعب الأمور وأصبحت كلمة بالله وحده ونحوها
стр. 747
مهجورة لديهم منسية عندهم ثقيلة على أسماعهم ثقل من يدعوهم إليها ويلهج بها على قلوبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
العلاج:
على من عرف هذا الحديث النبوي أن يعمل به في نفسه وأن ينشره بين الناس وأن يعالجهم به بتفهيمهم فيه وتحذيرهم من مغبة مخالفته والإصرار على معاندته، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. فإلى التوحيد أيها المسلمون وإلى الإرشاد أيها العالمون والله مع الصابرين (١).
стр. 748
بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ
مَنْ فِعْلِ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
" عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»)).
رواه الشيخان رحمة الله عليهما
ــ
هذا الحديث أحد الأحاديت الكثيرة المستفيضة التي جاءت في التحذير من بناء المساجد على القبور، والتنبيه على أن ذلك يؤدي إلى عبادتها والتأكيد لذلك بذكر ما كان ممن قبلنا من ذلك وما أداهم إليه فأخبر النبي- ﵌ في هذا الحديث أن أصحاب تلك الكنيسة كانوا يبنون المساجد على قبور صلحائهم ويصورون صورهم. وإنما يفعلون ذلك تعظيما لهم واستئناسا بصورهم وليعبدوا الله تعالى عند قبورهم تبركا بهم. فكانوا بسبب فعلهم من بناء المساجد على القبور ونحتهم للصور شرار الخلق عند الله يوم القيامة، لأن تعريف المسند إليه بالإشارة- وهو أولئك- يفيد أن المشار إليه الموصوف بصفات- وهي بناء المساجد على القبور وتصوير الصور- حقيق وجدير بما يذكر بعد اسم الإشارة- وهو قوله شرار الخلق- من أجل اتصافه بتلك الصفات. وذلك لأن القبر المعظم ببناء المسجد عليه والصورة المعظمة لتمثيلها ذلك الصالح يصيران مما يعبد ويعتقد
стр. 749
فيه النفع والشر والعطاء والمنع، فيدعو ويسأل ويطلب منه الحوائج وتخشع عنده القلوب وتنذر له النُّذور، وهذه من العبادة التي لا تكون إلا لله، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-: أن وداً وسواعا ويغوث ويعوق ونسراً التي كانت أصناما لقوم نوح وعبدتها العرب من بعدهم، كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم. ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك- الذين نصبوها، وتنسخ، وتغير العلم- عبدت. فعلم من هذا أن ما يكون موضوعا في أصله بقصد حسن يمنع وينهى عنه إذا كان يؤدي بعد ذلك إلى مفسدة.
الأحكام:
هذا الحديث نص صريح في المنع من بناء المساجد على قبور الصالحين وتصوير صورهم وفيه الوعيد الشديد على ذلك. ونظيره حديث جندب- ﵁ عند مسلم- ﵁ سمع رسول الله- ﵌ يقول- قبل أن يموت ﵇ بخمسة أيام-: «ألا وأن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك».
تطبيق:
هذه هي حالتنا اليوم معشر مسلمي الجزائر وأحسب غيرنا مثلنا. نجد أكثر أو كثيرا من مساجدنا مبنية على القبور المنسوب أصحابها إلى الصلاح، ومنهم من كانوا معروفين بذلك ومنهم المجهولون، فإن قيل إنما بنيت المساجد على تلك القبور للتبرك بأصحابها لا لعبادتهم قلنا إن النهي جاء عاما لبناء المسجد على القبر بقطع النظر على قصد
стр. 750
صاحبه به، ولو كانت صورة البناء للتبرك مرادة بالنهي. لاستثناها الشرع فلما لم يستثنيها علمنا أن النهي على العموم، وذلك لأنها وإن لم تؤد إلى عبادة المخلوق في الحال فإنها في مظنة أن تودي إلى ذلك في المآل. وذرائع الفساد تسد لا سيما ذريعة الشرك ودعاء غير الله التي تهدم صروح التوحيد. وانظر إلى ما جاء في حديث ابن عباس في أصنام قوم نوح وكيف كان أصل وضعها وكيف كان مآلها، وتعال إلى الواقع المشاهد نتحاكم إليه فإننا نشاهد جماهير العوام يتوجهون لأصحاب القبور ويسألونهم وينذرون لهم ويتمسحون بتوابيتهم، وقد يطوفون بها ويحصل لهم من الخشوع والابتهال والتضرع ما لا يشاهد منهم إذا كانوا في بيوت الله التي لا مقابر فيها، فهذا هو الذي حذر منه الشرع قد أدت إليه كله وهبها لم تؤد إلى شيء منه أصلا فكفانا عموم النهي وصراحته والعاقل من نظر بإنصاف ولم يغتر بكل قول قيل.
إيمان وامتثال:
علينا أن نصدق بهذا الحديث بقلوبنا فنعلم أن بناء المساجد على القبور من عمل شرار الخلق كما وصفهم النبي- صلى الله عليه وآله وسام- وأن تنطق بذلك ألسنتنا كما نطق به هذا الحديث الشربيف وأن نبني عليه أعمالنا فلا نبني مسجداً على قبور ولا نعين عليه، وأن ننكره كما ننكر سائر المنكرات حسب جهدنا، ومن أعظم الإنكار تبليغ هذا الحديث بنصه وتذكير الناس به والعمل على نشره حتى يصير معروفا عند عامة الناس وخاصتهم، إذ لا دواء للبدع الشيطانية إلا نشر السنة النبوية، ولا نستعظم انتشار هذه البدعة وكثرة ناصريها فإنها ما انتشرت وكثر أهلها إلا بالسكوت عن مثل هذا الحديث والجهل به. ولنكن في إرشادنا مقتصرين على إيراد لفط الحديث وشرحه
стр. 751
على أنه واضح مفهوم بنفسه- دون أن نمس شيئا من شؤون أولئك المقبورين فإنهم إخواننا سبقونا بالإيمان فلهم علينا حق الدعاء والاستغفار. فإذا عملنا كلنا على هذا من حسن قصد ومحبة في الخير للمسلمين رجون! أن يؤيدنا الله تعالى ويجعل النفع بأيدينا. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (١).
стр. 752
النَّهْيُ عَنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقُبُورِ .
«نَهَى رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ».
مسلم من طريق جابر بن عبد الله ﵁
ــ
هذا حديث صحيح صريح في النهي عن البناء على القبر ومعضداته من السنة كثيرة. وهو من الظهور والصراحة بحيث لا يحتاج إلى تفسير، وإنما نسأل كل مؤمن بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ نسأل كل مؤمن بهذه الآيات أن يعمل بنهي النبي- ﵌ عن البناء على القبر فلا يبن على قبر ولا يعن بانيا، ويعلن هذا الحديث في الناس ويذكرهم به ولا يفتأ يقرع به أسماع الغافلين ويفتح به أعين الجاهلين ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)
стр. 753
لَعْنُ مَنِ اتَّخَذَ الْمَسَاجِدَ عَلَى الْقُبُورِ .
«لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي، ﵌.
ــ
لما أخبر عليه وآله الصلاة والسلام أن الله لعن اليهود والنصارى بين علة وسبب لعنهم، وهي اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد. وذلك بأن بنوا عليها المساجد أي أماكن العبادة كما هو صريح في حديث آخر هكذا ((بنوا على قبره مسجداً))، وسنذكره في الجزء الآتي إن شاء الله. فالمتخذ للمساجد على القبور ملعون بنص هذا الحديث الصحيح الصريح.
فيا أيها المؤمنون بمحمد- ﵌ المصدقون لحديثه إياكم والبناء على القبور، إياكم واتخاذ المساجد عليها إن كنتم مؤمنين. وعليكم تبليغ هذا الحديث والتذكير به والتكرير لذكره يكن لكم أجر المجاهدين في سبيل رب العالمين وثواب العاملين لإحياء سنة سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين (١).
стр. 754
بِنَاءً الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُوْرِ مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
" أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»)).
البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ (١).
ــ
كانوا شرار الخلق بسبب بنائهم المساجد على قبور صالحيهم واتخاذ الصور لهم وكلاهما ذريعة الشرك والوثنية، وإن كان النصارى يقصدون التبرك بآثار الصالحين. ولا يقال أن هذا فيمن جمع بين البناء والتصوير لأنه قد جاء لعنهم على البناء وحده كما في الحديث المتقدم في جزء مضى ولا يقال أن هذا لأنهم نصارى لأن المقصود النهي عن مثل فعلهم هذا والتحذير منه ببيان العقاب المترتب عليه حتى لا يفعل المسلمون هذا الفعل فيترتب عليه عقابه.
فحذار أيها المسلم من فعل أهل الضلال ومشاكلة الأشرار ولا تغتر بكثرة الهالكين (٢).
стр. 755
تَأْكِيدُ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورَ مَسَاجِدَ .
" عَنْ جُنْدَبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصُلَحَائِهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
رواه مسلم
ــ
هذا الحديث كالأحاديث الماضية صريح في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وذلك ببناء المساجد عليها كما تقدم في حديث أم حبيبة وأم سلمة- ﵄ في الجزء الماضي، وبالصلاة إليها كما فيما سننقله في الجزء الآتي، وفي هذا الحديث تأكيد النهي بكلمة (ألا) مرتين، وبتكرير النهي المستفاد أولا من (لا) وثانيا من الجملة الأخيرة المصرح فيها بمادة النهي مع التأكيد بأن، وبعد هذا التأكيد في هذه الصراحة لا يبقى من يشك أو يشكك في معناه إلا من أعمى الله بصيرته واستولى الغرض والهوى على لبه وران كسبه على قلبه عياذا بالله. هذا وإننا بعد أن نفرغ من نقل متون هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة نأتي بكلام الأئمة من شراحها عليها ثم بكلام الأئمة من فقهائنا المالكية رحم الله الجميع ونفعنا بمحبتهم وحشرنا في زمرتهم لا مبدلين ولا مغيرين آمين (١).
стр. 756
مِنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ الصَّلَاةُ إِلَيْهَا .
" عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ- ﵌ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». قَالَتْ: وَلَوْ ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
رواه الشيخان واللفظ للبخاري.
ــ
أفادت عائشة- ﵂ أنهم لم يبرزوا قبره- ﵌ للناس خوفا من أن يتخذ مسجدا بالصلاة إليه فاتخاذ القبور مساجد الذي تكرر النهي عليه ولعن مرتكبه يكون بالبناء عليها كما في الأحاديث الماضية وبالصلاة أيها كما في هذا الحديث (١).
стр. 757
حَدِيثُ تَزْكِيَةِ الْأَمْوَاتِ
لَا يُجْزَمُ لِأَحَدٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا بِنَصٍّ مِنَ الشَّارِعِ .
" قال ابن شهاب: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ العَلاَءِ -امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﵌ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟» فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ ﵇: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي.» فَقَالَتْ: فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا" رواه البخاري في صحيحه من طرق في عدة أبواب.
ــ
المتن:
ثبت عند البخاري أيضا «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» وثبت عنده أيضا «ما أدري ما يفعل به».
ترجمة شخصي الحديث:
شخصا الحديث هما اللذان كانا سببا في وروده، وهما أم العلاء المزكية وعثمان المزكى، فأما أم العلاء فهي بنت الحارث بن ثابت الأنصارية الخزرجية، وهي أم خارجة بن زيد الراوي عنها. وأما عثمان بن مظعون فهو أبو السائب بن حبيب بن وهب القرشي الجمحي
стр. 758
من السابقين، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، هاجر الهجرتين وشهد بدرا، وهو أول من مات من الهاجرين بالمدينة، وأول من دفن بالبقيع منهم.
الشرح:
لما جاء المهاجرون إلى المدينة ولا أهل لهم ولا مال نزلوا على الأنصار من الأوس والخزرج، فاقتسمهم الأنصار بالقرعة فطار في قسمة بيت زيد بن ثابت، عثمان بن مظعون، فأنزلوه في أبياتهم فمرض مرضه الذي توفي فيه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله ﵌ فقامت أم العلاء في حضرة النبي ﵌ تثني على عثمان فدعت له بالرحمة وشهدت له جازمة بأن الله أكرمه، أي بالجنة، لأنها هي دار كرامة الله لعباده. فأنكر عليها النبي- ﵌ وقال لها: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أي من أين علمت ذلك، ففدته بأبيها تادبا معه- ﵌ في الخطاب، وقالت: فمن يكرمه الله، أي إذا لم يكن عثمان مع سابقيته وهجرته وبدريته فمن يمكرم، فبين لها النبي- ﵌ ما يجوز أن يقطع به وما لا يجوز أن يتعدى حد الظن، فقال لها: أما هو فقد أتاه اليقين، يعني الموت، وهذا مقطوع به، وإني لأرجو له الخير، وهذا هو الذي لا يجاوز حد الظن، ثم بين لها أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن البشر لا يعلمون الغيب حتى الأنبياء- ﵈ فإنهم لا يعلمون إلا ما علمهم، فقال لها: «والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي» فاهتدت إلى ما هداها إليه النبي- ﵌ وقالت: والله لا أزكي أحدا بعده أبداً، تعني مثل هذه التزكية التي قطعت له فيها بالكرامة.
стр. 759
توضيح:
ما في لفظ الحديث موافق لما في سورة الأحقاف المكية من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. قال البيضاوي: أي في الدارين على التفضيل إذ لا علم بالغيب. يعني إلاَّ ما علمه الله وقد أعلمه الله بأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر في سورة الفتح المدنية، وأعلمه بما أخبره به في الصحيح من منازله الكريمة يوم القيامة ومقامه المحمود وغيره من أنواع الخصوصية والكرامة.
الأحكام:
في الحديث اقتسام أهل القدرة أهل العجز عند الضرورة والشدة، وفيه الدخول على الميت بعد تسجيته في أكفانه، وفيه الدعاء للميت بالرحمة، وفيه المنع من القطع لأحد بالجنة دون نص شرعي، وفيه المبادرة بإنكار القول الباطل في الدين فور سماعه، وفيه مراجعة المعلم بإبداء وجه النظر الذي وقع الخطأ فيه، وفيه جواز ظن ورجاء الخير لأهله.
تفرقة:
ذكر الميت بما علم من حاله في حياته ثناء عليه جائز والقطع له بالنجاة ممنوع، فأما هذا الثاني فدليل منعه من الحديث المذكور، وأما الأول فدليل جوازه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي عباس قال: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من وراءي فالتفت اليه فإذا هو علي. فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك أني كنت أكثر، اسمع رسول الله- ﵌ يقول: جئت أنا وأبو
стр. 760
بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو ولأظن أن يجعلك الله معهما. وهذا في ذلك الجمع دليل على إجماعهم على جوازه وهو لم يخرج عن ذكره بما علمه منه في حياته وظن الخير له بذلك بعد مماته.
تحذير وإرشاد:
لقد ابتلى كثير من الناس بالغلو فيمن يعتقدون فيهم الصلاح فيجزمون لهم بما لا يعلمه إلا الله، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا مات في رتبة كذا وحصل عند الله على منزلته كذا، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا يشفع لأتباعه ويعديهم على الصراط أو يجعله في بطنه ويمر بهم وأنه يحضر لهم عند الموت ويحضر لهم عند السؤال ويكون معهم في مواقف يوم القيامة، وكل هذه الدعاوى انبنت على الجزم بأنه ممن أكرمه الله وأنه من أهل الجنة، ذلك الجزم الذي سمعت النهي والإنكار صريحين فيه من النبي- ﵌ على أم العلاء في رجل من السابقين الأولين البدريين، وليست هذه الدعاوى المبنية على المخالفة لهذا النهي النبوي الصريح قاصرة على العوام بل تجدها عند غيرهم وتسمعها ممن يرفعون أنفسهم عن طبقتهم وتقرأها في الكتب التي عدلت عن الأحاديث النبوية الصحيحة والطريقة النبوية الواضحة وذهبت في نيات الطريق فكانت بلاء على العامة وأشباههم ووبالا. فاحذر أيها الأخ المسلم من عقيدة الجزم بالكرامة والجنة لغير من نص عليه المعصوم عليه وآله الصلاة والسلام، ومن تلك الدعاوى الباطلة التي انبنت عليها. ولا تجزم بالكرامة على الله لأحد غير المنصوص عليه وإن كان عظيما فإن قول رسول الله- ﵌ أحق وأعظم وأنف من لا يقول هذا ولا يقبله مرغم. وكل من استعظمته ممن هو على جانب من الصلاح والخير فإنه لا يداني
стр. 761
مقام عثمان بن مظعون البدري في الصلاح والخير وقد سمعت ما سمعت من النهي النبوي عن القطع له بالكرامة، ومهما أعدنا القول في هذا فإننا لا نفيه حقه من الإنكار والاستئصال لما نعلمه من رسوخ هذه الضلالة وقدمها والتهاون فيها وعظيم التجري على الله بها، وهذا الحديث النبوي هو دواؤها والقاطع لها فليتأمله قراؤنا ولينشروه في المسلمين وليذيعوه بالتلاوة والتفسير والتأكيد والتقرير عسى أن يشفي الله به القلوب من داء الغلو والادعاء والغرور والتغرير وليظن المسلم الخير بأهل الخير وليرج لهم حسن الجزاء والمصير كما رجا النبي ﵌ الخير لعثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنه- بعد ما نهى عن الجزم بالكرامة له وهذا هو دين الله الحق الوسط السالم من الغلو والتقصير والله نسأل لنا ولجميع المسلمين أن يقف بنا عند حدود الشرع الشريف، ويحفظنا من الغلو والتقصير والتحريف إنه هو الولي الحفيظ اللطيف (١).
стр. 762
تَفَاوُتُ الصَّدَقَاتِ
بِنِسْبَتِهَا لَأَمْوَالِ الْمُتَصَدِّقِينَ .
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ». فَقَالَ رَجُلٌ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَخَذَ مِنْ عُرْضِهِ مِائَةَ أَلْفٍ دِرْهَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا وَرَجُلٌ لَيْسَ لَهُ إِلَّا دِرْهَمَانِ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ».
رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له، والحاكم قال: صحيح على شرط مسلم، المنذري.
ــ
الألفاظ:
السبق الوصول للغاية قبل غيره، وأصله في الأبدان، ويكون للعقول في الوصول للفهم وللأعمال في الوصول للأجر والفضيلة، ومنه هذا. العُرض- بضم العين- هو الجانب، كعرض الحائط أي جانبه.
المعنى:
يقول- ﵌ إن درهما واحداً تصدق به صاحبه نال به من الأجر والفضل أعظم مما نال صاحب مائة ألف درهم تصدق بها. فبلغ درهمه إلى غاية من الأجر والفضل ولم يبلغ إليها الآخر. ولما خفي وجه هذا على السائل لأن المعروف أن ثواب الكثير أكثر بيَّن له- ﵌ أن هذا حيث يكون الدرهم
стр. 763
بالنسبة لمال صاحبه كثيرا، فإن درهم ذى درهين هو شطر ماله، وتكون المائة ألف بالنسبة لمال صاحبها قليلة، فإنها لم تكن إلا من جانبه، وسلم أصله ومعظمه.
توجيه:
الأجرُ على قدر المشقة، والثواب على قدر النصب، وما يجده ذو الدرهمين من إنفاق أحدهما، وهما كل ما يملك من المشقة والنصب، أعظم مما يجده ذو المائة ألف، وهي بعض ماله الكثير، وذو الدرهمين كان عنده من الإيمان واليقين ما أنفق به شطر ماله فهو أعظم إيمانا ممن أنفق جزءا من مائة منه. وما عند ذى الدرهمين من خلق الإيثار والتضحية والبذل في سبيل الله أعظم بكثير مما عند ذى المائة ألف. فهو أعظم منه أجرا وفضلا، فقد كان أعظم منه مشقة.
فقد كان أعظم منه مشقة وأقوى منه إيمانا، وأبلغ منه تضحية وبذل جهد في سبيل الله وإيثارا. لا جرم كان أعظم منه فضلا واجرا.
تبصرة:
يقعد الشيطان للقليل المال في طريق الإنفاق فيزهده فيه. ومن مداخله عليه أنه يحقر له ما ينفقه من قليل بأنه لا غناء فيه فيقبض يده عن الصدقة بذلك القليل الذي يستطيعه فيفوته أجر كبير. فبصرنا نبينا- ﵌ بالحقيقة، وبين لنا أن ذلك القليل بالنسبة لمال صاحبه هو كثير حتى أنه يسبق كثير غيره من أهل المال العظيم ليشارك فقيرنا غنينا بقليله فيكون من السابقين إلى الأجر الكثير.
تربية:
الأخلاق الفاضلة التي هي موجودة في فطرة الإنسان بأصولها،
стр. 764
وتنمو بحسن التربية وتنطمس بالإهمال- قد حفظهما الله تعالى علينا بما وفقنا إليه من الإسلام، وما علمنا من آداب وما شرعه لنا من أعمال. ومما ينمي تلك الأخلاق ويقويها المداومة على الأعمال التي تنشأ عنها. ومن أعظم تلك الأخلاق وأدخلها في باب النهوض بجلائل الأعمال وحفظ سعادة الاجتماع خلق البذل، فجاء هذا الحديث الشريف وغيره يبين لنا عظيم أجر صدقة المقل ليحثه على مشاركة الغني في العطاء بما استطاع فيكون البذل من الجميع عاما، والسخاء بينهم مشتركا، وآثاره عليهم ظاهرة فينمو خلقه بذللك في الأمة كلها وترسخ أصوله في نفوسها فتصبح وهي أمة سخية بما عندها في سبيل ما ينفعها متعاونة بالبذل في مهماتها مشتركة بجميع طبقاتها في كل مشروع خيري من مشاريعها، وإذا تربت الأمة على هذه الصفة وتدرجت إلى الكمال فيها فذلك عنوان نجحها وفوزها وبلوغها غاية آمالها، وسعادتها في الدارين وفقنا الله لبذل كل عزيز وغال في سبيله والمسلمين اجمعين (١).
стр. 765
إِتْبَاعُ رَمَضَانَ بِسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ .
" عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-، قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»)).
رواه مسلم وأصحاب السنن وغيرهم، وجاء بمعناه عن ثوبان وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن عمر.
ــ
المفردات:
تقول العرب: اتبع الفرس لجامها، أي ألحقه بها في العطاء. يضرب مثلا في الأمر باستكمال المعروف واستتمامه، ويصدق هذا ولو كان بين العطاء الأول، والعطاء الثاني مهلة، وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أي ألحقنا بعض القرون ببعض في الهلاك الناشيء عن تكذيبهم مع أن بين كل قرن وقرن مدة طويلة، فالإتباع هو الإلحاق لشيء بشيء في أمر سواء، أكان عن اتصال أو عن انفصال. الدهر: أصل معناه مدة الدنيا، ويطلق على أمد من الزمان قل، أو كثر، والمراد به هنا السنة، كما جاء مصرحا به في بعض روايات الحديث.
التراكيب:
أفادت ثم أن الاتباع متأخر عن الصوم، وإن كان قد جاء من طريق غير أبي أيوب العطف بالواو. والضمير في (كان) عائد على عمل المفهوم من الكلام السابق، أي كان عمله، وهو صومه شهرا وستة أيام.
стр. 766
المعنى:
من صام رمضان وصام بعده ستة أيام من شوال كان ذلك من عمله كصيام الدهر، لأن الله تعالى جعل الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان بعشر أشهر، وستة أيام بعده بشهرين، فذلك تمام السنة. وجاء هذا التفسير عند النسائي من طريق ثوبان مرفوعا.
توجيه كلام مالك:
تطبيق:
قد علمت ان الإتباع يصدق بالإلحاق متصلا أو منفصلا، والفصل هنا واجب بيوم الفطر للعلم بحرمة صومه، فمن فصل به فقط فهو متبع، ومن فصل بأكثر منه فهو متبع، ومقتضى الإطلاق في لفظة (ستا) أنه لا فرق في حصول الفضل بين أن تكون متوالية أو متفرقة، وما تقدم في فصل المعنى من حديث ثوبان يؤيد هذا الإطلاق، لأن المقصود تحصيل ستة أيام لتكون بمقتضى جزاء الحسنة بعشر ستين يوما، وهذا حاصل عند تفرقها وعند اجتماعها.
الأحكام:
ذهب الشافعية والحنابلة وغيرهم- وهو المصحح عند الحنفية- إلى استحباب صوم هذه الأيام محتجين بهذا الحديث الصحيح الصريح. وأما المالكية فقد قال يحيى إن يحيى راوي الوطأ: سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان أنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون بذلك.
стр. 767
والذي يظهر من عبارات مالك أن المكروه هو صوم ستة أيام متوالية بيوم الفطر، كما يفهم من قوله: (في صيام ستة أيام بعد الفطر) ومن قوله (وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء) وإنما يخشى هذا الإلحاق إذا كانت متوالية ومتصلة بيوم الفطر. فالكراهة إذا عنده منصبة على صومها بهذه الصفة من التوالي والاتصال لا على أصل صومها. وهذا هو التحقيق في مذهبه.
فقه مالك واحتياطه:
أنبني فقه مالك واحتياطه على أصلين:
الأصل الأول: أن العبادة المقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، وهو أصل عام في جميع العبادات، وفي خصوص الصيام قد ثبت نهيه ﵌ أن يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين، وظاهر أن وجه هذا النهي هو خوف أن يعدَّ ذلك من رمضان، فحمى الشارع بهذا النهي العبادة من الزيادة في أولها. فبنى مالك- بسعة علمه وبعد نظره- على ذلك حمايتها من الزيادة في آخرها فكره صوم تلك الأيام متوالية متصلة بيوم الفطر مخافة- كما قال-: (أن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء) فكان احتياطه في الأخير مطابقا لاحتياط النبي- ﵌ في الأول، وذلك كله لأجل المحافظة على بقاء العبادة المقدرة على حالها غير مختلطة بغيرها. وقد جاء نظير هذا الاحتياط في الصلاة، فقد روى أبو داود في سننه: أن رجلاً دخل إلى مسجد رسول الله- ﵌ فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين فقال له عمر بن الخطاب- ﵁: اجلس خنى تفصل بين فرضك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا. فقال له عليه وآله الصلاة والسلام: (أصاب الله بك يا ابن الخطاب). يعني أن الذين كانوا قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فأدى ذلك إلى اعتقاد جهالهم وجوب الجميع
стр. 768
فأدى ذلك إلى تغيير شرع الله وهو سبب الهلاك. لا يقال أن مقدار العبادة معلوم من الدين بالضرورة فكيف يظن أنه قد يعتقد الجميع من الأصل والزيادة عبادة واحدة، لأننا نقول إذا دام وصل النافلة بالفريضة وطال العهد وخلفت الخلوف أدى ذلك أهل الجهالة إلى ذلك الاعتقاد، والاحتياط للعبادة يقتضي قطع ذلك الاعتقاد من أصله بالنهي عما يؤدي إليه وهو من سد الذرائع الذي هو أحد أصول مالك في مذهبه. ومع هذا فقد نقل الإمام القرافي، عن الإمام عبد العظيم المنذري أن الذي خشي منه مالك رحمه الله تعالى قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والقوانين (١) وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ا. هـ.
فلله مالك ما أوسع علمه، وما أدق نظره، وما أكثر اتباعه فرحمة الله تعالى عليه وعلى أئمة الهدى أجمعين.
الأصل الثاني: أن ما ورد من العبادة مقيداً بقيد يلتزم قيده، وما ورد منها مطلقا يلتزم إطلاقه، فالآتي بالعبادة المقيدة دون قيدها مخالف لأمر الشرع ووضعه. والآتي بالعبادة المطلقة ملتزما فيه ما جعله بالتزامه كالقيد مخالف كذلك لأمر الشرع ووضعه، وهو أصل في جميع العبادات. ومثال ما ورد من العبادة مقيدا، التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين مرة والختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. فقيدت هذه العبادة المحددة بإيقاعها دبر كل صلاة، فالإتيان بها في غير دبر الصلوات مخالفة للوضع الشرعي ومثال ما ورد مطلقا (٢) لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة (٣) وسبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة فيلتزمها في وقت
стр. 769
معين من النهار فيخرج عن مقتضى الإطلاق في لفظ يوم من نص الحديث فيكون مخالفا للوضع الشرعي.
ولفظ الحديث الوارد في هذه الأيام جاء مطلقا في الاتباع، صادقا بالاتصال والانفصال، وفي لفظ ستة صادقا بتواليها وتفرقها فالتزام اتصالها وتواليها تقييد لما أطلقه الشرع وتزيد عليه.
اقتداء وتحذير:
هذان الأصلان اللذان قررنا بهما فقه مالك هما اصلاح مجمع عليهما كثيرة في الشريعة المطهرة أدلتهما والفروع التي تنبني عليهما فلنا في مالك وغيره من أئمة الهدى القدوة الحسنة في التمسك بهما. فنحتاط لعبادتنا حتى لا نخلط بين فرضها ونفلها. ونتقبل ما جاء من العبادات مقيدا أو محددا بقيده وحده، ونتقبل ما جاء منها مطلقا على إطلاقه فلا نلتزم فيه ما يخرجه عن الإطلاق. ولنحذر كل الحذر من الأخلاق بقيود الشارع أو التقييد لمطلقاته، ففي ذلك استظهار عليه وقلة أدب معه وتبديل لوضعه واختيار عليه وإنما الخير لله ولرسوله لا لأحد من الناس وأن الغالب على الناس أنهم لا يتعمدون الإخلال بالقيود وإنما يتعمدون التقييد للمطلقات وأنواع الالتزامات مع أنهما في المخالفة سواء فلنحذر من الوقوع في مثل هذا على الخصوص.
إمتثال:
نصوم هذه الستة كما رغبنا نبينا، طمعا في فضل ربنا، غير ملتزمين وصلها ولا موالاتها. والله يلهمنا والمسلمين أجمعين أنواع المبرات وإقامتها بمنه وكرمه آمين (١).
стр. 770
عَلَى رِسْلِكُمَا .
عَنْ صَفِيَّةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: " أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﵌ يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﵌: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا». رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
ــ
الألفاظ:
تنقلب: ترجع إلى بيتها، يقلبها: يردها ويمشي معها، وما يزال هذا الفعل قلب بمعنى رد مستعملا في اللغة الدارجة بالقاف المعقودة، على رسلكما: على هينتكما، أي مشيتكما الهينة التي لا عجلة فيها، أي لا تسرعا. كبر عليهما: عظم وشق يبلغ مبلغ الدم يصل حيث يصل. أن يقذف: أن يرمي.
الأشخاص:
صفية بنت حيي بن أخطب تزوجها النبي- ﵌ سنة سبع من الهجرة سبيت في فتح خيبر فأعتقا النبي- ﵌ وتزوجها، توفيت في شهر رمضان سنة (٥٠هـ).
стр. 771
المعنى:
كان النبي- ﵌ يواظب على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فجاءته زوجته صفية ليلة تؤنسه وتحادثه فلما أرادت الانصراف إلى بيتها قام معها النبي- ﵌ يؤنسها إلى بيتها كما جاءت هي إليه، وبلغ معها باب المسجد فمر بهما رجلان من الأنصار فأسرعا في مشيهما واستحييا لما رأيا رسول الله- ﵌، فخشي النبي- ﵌ عليهما من وسوسة الشيطان المسلط على الإنسان بأن يلقي في قلوبهما شيئا من وجود امرأة مع النبي- ﵌ والشيطان يقنع بالخطرة يلقيها في قلب المؤمن يؤلمه بها ولو كان صدق إيمانه يرد عنه كيد الشيطان، ويدفعه ويقنع بإذاية المؤمن ولو بخطرة السوء تمر بالقلوب تمسه في دينه أو عرضه، فأراد النبي- ﵌ أن يسد في وجه الشيطان باب الكيد لذينك الرجلين الصَّحابيين- ﵄ ويقطع عليه طريق إذايتهما وإذايته معهما، فقال لهما تمهلا ولا تسرعا في مشيكما وأعلمهما بأنها زوجته صفية. وكان الصحابيان الجليلان لم يقع في قلوبهما شيء ولم يخطر أدنى خاطر منه في بالهما، فاستعظما وكبر عليهما واشتد عليهما أن يظن النبي- ﵌ فيهما خطور مثل هذا ببالهما، حتى يحتاج إلى تعريفهما، وهما كانا يريان أنفسهما بصدق إيمانهما أبعد ما يكون عن هذا. فبين لهما النبي- ﵌ الداعي الذي دعاه إلى تعريفهما بالواقع، وهو الخوف عليهما مما قد يكون بإلغاء الشيطان دون قصد منهما، لا شيء هو واقع منهما وبين لهما ما يعرفهما بإمكان ذلك وسهولته بما فعل للشيطان من التمكن من إلقاء الوسواس للإنسان وبلوغه منه في الإحاطة والتمكن مبلغ الدم.
стр. 772
الْأُسْوَةُ: وَلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
حماية الأعراض من التهم:
كما على المسلم أن يقي عرضه من طعنات الألسن بالسوء عليه أن يقيه من هواجس النفوس به فإن الهواجس مبادي الظنون والظنون مطايا الأقوال والأقوال سهام نافذة وقلما يثبت غرض على كثرة الرمي ومن خسر عرضه خسر قيمته وخسر كل شيء فلخطر هذه النهاية لزم الاحتفاظ على العرض من تلك البداية.
فلا ينبغي للمسلم أن يرى حيث تقع في أمره شبهة وتتوجه عليه تهمة ولو كان عند نفسه بريئا وعما يرمي به بعيدا، فليس الإنسان يعيش في هذه الدنيا لنفسه بل يعيش لنفسه ولإخوانه، وإذا تعرض للتهم خسر نفسه وخسره إخوانه، وأدخل على نفسه البلاء منهم وأدخل البلاء عليهم به. فكانت مصيبته على الجميع وضرره عائدا على الإسلام وجماعة المسلمين خصوصا إذا كان المؤمن يقتدى به ويرجع إليه فإن زوال الثقة به خسارة كبرى وهدم لأركان الدين وتعطيل لانتفاع الناس بالعلم وانتفاعه هو بعلمه.
وإذ وقف الإنسان موقفا مشروعا وخاف أن تتطرق إليه في خواطر الناس شبهة كان عليه أن يبادر للتصريح بحقيقة حاله والتعريف بمشروعية موقفه.
وليس لأحد، بعد رسول الله- ﵌ أن يغتر بمنزلته عند الناس فلا يبالي بما قد يخطر لهم. بل ذو المنزلة
стр. 773
أحق بالتبيين والتصريح لعظيم حاجة الناس إلى بقاء ثقتهم به وتوقف استفادتهم منه وقيامه بما ينفعهم على تلك الثقة.
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: " في الحديث دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظن السوء بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم".
مدافعة الشيطان عن القلوب:
علينا وقد علمنا أن الشيطان متمكن من الوسوسة لنا من جميع نواحينا متصلا بنا اتصالا، وقريبا منا قربا مثل اتصال وقرب الدم لا يمكننا الانفصال عنه كما لا يمكننا الانفصال عن الدم، أن نأخذ جميع الحيطة لرد كيده وإبطال تدبيره وإحباط وسوسته وذلك بالمبادرة إلى الاستعاذة بالله منه بالاستعاذة الثانية عن النبي- ﵌ في الأحوال المختلفة وبمقابلة كل نوع من وسوسته بما يبطله من ذكر الله فإذا جاء من ناحية الإيمان بادرنا إلى لا إله إلا الله وإذا جاء من ناحية التنزيه بادرنا إلى سبحان الله، وإذا جاء من ناحية الإنعام: بادرنا إلى الحمد لله وإذا جاء من ناحية التخويف من الخلق بادرنا إلى " الله أكبر" وهكذا نبادر إلى رد ما يوسوس به من كلمات الباطل إلى ضدها من كلمات الحق.
وكما على المؤمن أن يدفع ذلك عن قلبه عليه أن يدفعه عن قلب أخيه بمصارحته بما يزيل إساءة الظن به، أو حمل شيء عليه، أو نفرة من ناحيته، أو إشغال لأمره، وأن يبين له ما يقصد بذلك من مدافعة الشيطان ورده عن نفسه وعن أخيه ليكون عينا له على قصده، فيرجع الشيطان عنهما مذموما مدحورا. وهذه المدافعة للشيطان وحماية
стр. 774
القلوب منه من أعظم الجهاد وأوجبه وألزمه بل هي أصل الجهاد كله فإنه هو أصل البلاء كله فالسلامة منه هي السلامة من كل سوء والتمكن من نيل كل خير والفوز بكل سعادة في الدنيا والآخرة (١).
стр. 775
إِنَّمَا يُؤْخَذُ الدِّينُ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
قَالَ عَلَيْه وَآلِهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِهُ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ»
رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁.
ــ
الألفاظ:
الراهب: هو العابد، وكانت الرهبنة فيمن قبلنا بالانقطاع عن الناس والتفرغ للعبادة، ابتدعها أهلها دون أن يكتبها الله عليهم كما في سورة الحديد. ثم جاء الإسلام فشرع الجمعة والجماعة فأبطل الانقطاع عن الناس للعبادة إلا من فرَّ بدينه أيام الفتنة خوفا على نفسه منها. والعالم: من له دراية وملكة واشتغال بالعلم، والمقابلة