الأحكام والفوائد:
النساء شقائق الرجال في التكليف، فمن الواجب تعليمهن وتعلمهن وقد علمهن- ﵌ وأقرهن على طلب التعلم، واعتنى بهن وتفقدهن كما في حديث ابن عباس: أن رسول الله ﵌ خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم. وبلال يأخذ في طرف ثوبه.
لا يجوز اختلاط النساء بالرجال في التعلم، فأما أن يفردن بيوم كما في هذا الحديث، وإما أن يتأخرن عن صفوف الرجال كما مرَّ في حديث ابن عباس- ﵁ يجعل لتعليم (١) النساء يوم خاص بهن ويتكرر هذا اليوم بقدر الحاجة. ولما كانت الحاجة دائمة فاليوم مثلها.
فيه عظيم أجر من أصيب في أفلاذ كبده إذا حزن ولم يقل قبيحا وجاء التنصيص على الرجال فهم مثل النساء في هذه المثوبة.
وفيه البداية في التعليم بما تشتد إليه حاجة المتعلم. فإن حنان النساء وضعفهن يحملانهن على الجزع الشديد وقد يخرج بهن إلى القبيح فذكر لهن ما يكون عدة لهن ووقاية عند نزول المصيبة.
وفيه ما ينبغي من تهيئة القلوب وتحضير النفوس لتلقي التكاليف الشرعية لتنشرح لها الصدور وتنشط فيها الجوارح ولذا قدم الوعظ على الأمر.
اقتداء:
إن الجهالة التي فيها نساؤنا اليوم هي جهالة عمياء، وأن على
стр. 702
أوليائهن المسؤولين عنهن إثما كبيرا فيما هن فيه. وأن أهل العلم والإرث النبوي مسؤولون عن الأمة، رجالها ونسائها، فعليهم أن يقوموا بهذا الواجب العظيم في حقِّ النساء بتعليمهن خلف صفوف الرجال، وفي يوم خاص بهن اقتداء بالمعلم الأعظم: عليه وعلى آله الصلاة والسلام (١).
стр. 703
تَعْلِيمُ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ .
عَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ- ﵌ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي: «أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِهَا الْكِتَابَةَ». رواه ابو داوود.
ــ
السند:
رجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي فلم يخرج له فيهما، لكنه ثقة. وثقه أبو حاتم وابن نافع وابن حيان، وقد تابعه غيره. وخرج الحديث أيضا النسائي والبيهقي في السنن الكبرى والإمام أحمد.
المتن:
الأشخاص: الشفاء هي بنت عبد الله القرشية العدوية من السابقات والمهاجرات الأول- ﵂ وحفصة هي بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين ﵄.
الألفاظ:
النملة قروح تخرج في الجنب، ورقيتها كلام كانوا يقولونه عليها مما لا محظور فيه فأقره النبي- ﵌. ولم يذكر الرواة نصه.
المعنى:
عرف ﵌ أن الشفاء كانت علمت حفصة
стр. 704
الكتابة، وكانت الشفاء من عاقلات النساء وعارفاتهن، فدعاها إلى تعليم حفصة رقية النملة وحثها عليها، ونشطها لذلك بتذكيرها بتعليمها لها الكتابة، فمن كان من شأنه عمل من الأعمال خف عليه القيام به. مبينا لها بذلك أن تعليم هذه مثل تعليم تلك في النافع وفعل الخير.
الأحكام والفوائد:
فيه مشروعية الرقية وذلك بشرط أن تكون بالكلام المفهوم الذي لا محظور فيه كما دلت عليه الآثار، وإذا كانت الأدوية سببا للشفاء بخواصها فبعض الأقوال تكون في ذلك مثلها تلك من ناحية البدن وهذه من ناحية الروح وقد دلت على هذا وذاك التجربة وأقرَّت الجميع الشريعة.
وفيه تعلم الرقية وتعليمها مثل كل ما يمكن أن ينتفع به على الوجه المشروع وفيه حث العارف بشيء مما يحتاج إليه الناس أن ينشره بينهم ويعلمهم إياه.
وفيه تعليم النساء الكتابة واستدل به على ذلك جماعة من الأئمة منهم الخطابي في شارح السنن، وصاحب المنتقى.
توسع في الاستدلال:
وأقوى منه في الاستدلال العمومات القرآنية المتكاثرة الشاملة للرجال والنساء، فإن مذهب الجماهير وهو المذهب الحق أن الخطاب بصيغة التذكير شامل للنساء إلا بمخصص يخرجهن من نص إو إجماع أو بضرورة طبيعية. لأن النساء شقائق الرجال في التكليف ولا خلاف في أنه إذا اجتمع النساء والرجال ورد الخطاب أو الخبر مذكرا على طريقة التغليب.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾
стр. 705
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. كيف نص في الثانية على الرجال لما كان الحال مقتضيا لهم، وأطلق في الأولى فدل على أنه لا فرق بين أن يكون الكاتب رجلاً أو امرأة، وهو من أدلته مشروعية تعلم النساء الكتابة، وكل آية دعت للعلم، قد دعت للكتابة لأن الله قد بين لنا أنه علم بالقلم ليبين لنا أن القلم هو طريق العلم وآلة حفظه وتدوينه وأقسم بالقلم تنويها بشأنه وجاء ذلك كله على الخطاب العام الشامل للنساء شموله للرجال والعمومات إذا تكاثرت أفادت القطع ولهذا جعلنا هذا الطريق من الاستدلال أقوى من الاستدلال بالحديث الذي هو خبر آحاد وخبر الآحاد- من حيث ذاته- يفيد الظن وإن كان صحيحا. وحيث تواردت تلك العمومات وثبت هذا الحديث فقد بلغ الدليل بنصه وقطعيته غاية القوة والبيان.
الاقتداء:
فاستنادا إلى هذه الأدلة، وسيراً على ما استفاض في تاريخ الأمة، من العالمات الكاتبات الكثيرات- علينا أن ننشر العلم بالقلم في أبنائنا وبناتنا في رجالنا ونسائنا على أساس ديننا وقوميتنا إلى أقصى ما يمكننا أن نصل إليه من العلم الذي هو تراث البشرية جمعاء، وثمار جهادها في أحقاب التاريخ المتطاولة، وبذلك نستحق أن نتبوأ منزلتنا اللائقة بنا والتي كانت لنا بين الأمم (١).
**
стр. 706
سِتْرُ وَجْهِ الْمَرْأَةِ مِنَ الدِّينِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ .
((مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄).
ــ
السند:
هذا سند من بيت البركات على المسلمين: بيت الصديق ﵁، فعروة هو ابن الزبير وأمه أسماء. والمنذر أخوه شفيقه. وهشام وفاطمة زوجان وأبناء عم وجدتهما أسماء، ﵃.
المتن:
خمير الوجه: تغطيته بغير النقاب وما في معناه مما يشد على الوجه. وذلك بأن تسدل الثوب على وجهها نازلا من رأسها. وجاء هذا مبينا في حديث عائشة الذي رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة وغيرهم، قالت: ((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله- ﵌ محرمات. فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجها، فإذا جاوزونا كشفناه)).
الاحتجاج:
أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ من أهل العلم والدين، فما كان يخفي عليها ما جاء من نهي المرأة عن النقاب وهي محرمة.
стр. 707
فلو كان التخمير مثله لما أقرتهن عليه وما كانت لتفرق بينهما برأيها، وفي كليهما ستر وتغطية لولا أنها على توقيف من النبي- ﵌ في التفريق ما بينهما. ولهذا احتج مالك ﵁ بتقريرها فخرجه في موطئه.
التأييد:
يؤيد هذا حديث عائشة المتقدم وفيه تقرير النبي- ﵌ لهن على ما فعلن. وهو حديث محتج به: والذي وقع فيه كلام من رواته- وهو يزيد بن أبي زياد- قد قبله مسلم وجعله ممن يشمله اسم الستر والصدق وتعاطي العلم. كما في مقدمة صحيحه.
الأحكام والاستدلال:
ستر وجه المرأة عن رؤية الأجنبي مشروع بالتقرير النبوي له في وقت الإحرام الذي هو وقت كشف وجه المرأة: ولذلك كن- كما في حديث عائشة- يكشفن وجوههن إذا جاوزهن الركبان. وما نهيت المرأة عن النقاب في الإحرام إلا وقد كان النقاب من شأنها وعادتها- والعادة التي يقرها النبي- ﵌ لمصلحة تصير من الدين باستنادها إلى التقرير النبوي الذي هو أصل من أصول التشريع، والمصلحة المراعاة هنا هي سد ذريعة افتتان الرجال بالنساء بسبب النظر، ودفع هذه الفتنة على اعتباره القول والفعل النبويان كما في حديث الخثعمية الآتي قريبا، ولما لم يكن وقوع الافتتان محققا دائما لم يكن ستر الوجه حتما لازما في كل حال بل يجوز للمرأة الكشف عند عدم تحقيقها كما في حديث الخثعمية أيضا على ما سيأتي من البيان.
حديث الخثعمية:
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان الفضل بن عباس
стр. 708
رديف رسول الله- ﵌ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله- ﵌ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. ا. هـ
المقصود منه:
رواه مالك والجماعة، وفي رواية الترمذي من طريق علي كرم الله وجهه قال: واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت: أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجز لي أن أحج عنه، قال: حجي عن أبيك، قال- علي- ولوى عنق الفضل فقال العباس: يا رسول الله، لويت عنق ابن عمك، قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما. ففي قوله- ﵌ لم آمن عليهما الشيطان أن الفتنة لم تقع وإنما خاف وقوعها فسد ذريعتها، وفي قوله هذا وفعله دليل على مراعاة الفتنة، وسد ذريعتها، وفي عدم أمره للمرأة بستر وجهها دليل على جواز ذلك لها، وهذا بناء على أنها كانت مكشوفة الوجه، كما هو الظاهر من نظر الفضل إليها، ومن خوف الفتنة وهو الذي فهمه أكثر الناس، وإن احتمل أن تكون مستورة الوجه بما سدلته من رأسها كما قاله ابن العربي.
تحصيل:
ستر وجه المرأة مشروع راجح وكشفه عند أمن الفتنة جائز وعند تحققها واجب، وأمر الفتنة يختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأشخاص والأحوال فيختلف الحكم باختلاف ذلك ويطبق في كل بحسبه.
تطبيق:
من المسلمين اليوم أقوام- معظمهم من غير أهل المدن والقرى-
стр. 709
ألفوا خروج نسائهم سافرات فلا يلفتن أنظارهم بذلك، فهؤلاء لا يطالبن بستر الوجوه مع بقاء حكم غض البصر وحرمة تجديد النظر، ومن المسلمين أقوام- معظمهم من أهل المدن أو القرى- ألفوا ستر وجوه النساء فكشف المرأة بينهم وجهها يلفت الأنظار إليها، ويغري أهل الفساد بها، ويفتح بابا للقال والقيل في شأنها، وشأن أهلها، وعشيرتها، فهؤلاء يجب عليهن ستر وجوههن، اتقاء للشر والفتنة والوقيعة في الأعراض.
هذه أحكام عامة لنساء المؤمنين- ولأمهات المؤمنين زوجات النبي ﵌ أحكام خاصة بهم، على أنهن خير القدوة للنساء أجمعين.
تفرقة وتحذير:
هنا سفور إسلامي وهو كشف المرأة وجهها- دون شعرها وعنقها- عند أمن الفتنة، مع عدم إظهار الزينة، غير الوجه والكفين، وعدم إثارة الفتنة بروائح الطيب وخشخشة الحلي ورنين الخلخال.
وهنالك سفور إفرنجي فيه كشف الشعر والعنق والأطراف مع التبرج بالزينة وما إليها، فعلينا- معشر المسلمين- أن نوجه قوتنا كلَّها إلى منع السفور الافرنجي الذي قد طغى حتى على نساء أمراء الشرق المسلمين ووزرائه، وأن نحذر كل ما يؤدي إليه وأن نحافظ على الوضعية الإسلامية العفيفة الطاهرة بسفورها- إذا كان سفوراً على ما فصلناه- في دائرة محدودة ليس فيها إثارة ولا إغراء.
توصية:
على المربين لأبنائنا وبناتنا أن يعلموهم ويعلموهن هذه الحقائق
стр. 710
الشرعية ليتزودوا وليتزودن بها وبما يطبعوهم ويطبعوهن (١) عليه من التربية الإسلامية العالية، لميادين الحياة فيكونوا ويكنَّ - إن شاء الله تعالى- مثال الطهر والعفاف، والصون للأجيال، حقق لله الآمال ويسر الصالح من الأعمال إنه عظيم الفضل كريم النوال (٢).
стр. 711
النساء والكمال .
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ. وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
رواه البخاري- ومسلم
ــ
تمهيد:
إن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم وقوة الإرادة وقوة العمل، فهي أسس في الخلق الكريم، والسلوك الحميد، اللذين ينهض بهما بجلائل الأعمال ويبلغ بهما إلى أسمى غايات الشرف والكمال، والمرأة لما خلقت لقسم الحياة الداخلي أعطيت من القوى الثلاث القدر الذي تحتاج إليه منها وهو دون ما يحتاج إليه الرجل الذي خلق للقيام بقسم الحياة الخارجي فكانت بخلقتها أضعف منه في العلم والإرادة والعمل فكانت لذلك دونه في الكمال، وتقسيم الحياة إلى قسميها ضروري لبقاء النسل وحفظه وتقسيم وظيفة الحياة بين الرجل والمرأة، وإعطاء كل واحد منهما القدر الذي يحتاج إليه في وظيفته من بديع صنع الحكيم الخبير، فلو لم يعط الرجل ما أعطى من كمال القوى لما استطاع القيام بالأعمال الكبيرة في قسه ولو اعطيت المرأة مثل ما أعطى لما صبرت على البقاء في قسمها فأخلته فاختل النظام فحصل الفساد. ونحن نرى اليوم المرأة في المدنية الغربية ومقلديها لما خيل إليها أنها قوية مثل الرجل هجرت وظيفتها أو أهملتها وخرجت
стр. 712
تزاحم الرجل في وظيفته فأضرت بالقسم الداخلي من الحياة بإهماله واضطرابه وأضرت بالقسم الخارجي بمزاحمة الرجل وزحزحة قسم كبير منه عن العمل وتعريضه للفتن، والأمم الغربية اليوم تشكو مر الشكوى من تفكك نظام الاسرة وانحلال رباط الأخلاق الزوجية وبعضها عاجز عن تدارك أمره بما فيه من فوضى الآراء وتشعب الأهواء وتأصل الداء، وبعضها قد أخذ يعالج الحالة بما فرضه على العزابة من ضريبة مالية وما جعله من مكافآت المتزوجين والمتزوجات.
الإرشاد النبوي:
فأراد النبي- ﵌ أن يعرفنا بهذا الضعف في جنس المرأة حتى لا نعدو بها ما خلقت له من وظيفة القسم الداخلي من الحياة فنظلمها ونظلم الحياة، وأراد أن يدلنا على ضعفها بدليل تاريخي مشاهد للأجيال، فذكر لنا تخلفها عن الرجل في بلوغ ذروة الكمال، فأخبرنا أنه قد كمل في الأمم الماضية من الرجال كثير وما كمل منهم من النساء غير امرأتين. وذكر فضل عائشة على نساء وقتها كفضل الثريد على الطعام من أطعمة العرب ليجمع بين الحديث على الأمم الماضية وأمته ويدل على استمرار الكمال في النساء مثل استمراره في الرجال كل بما قدر ويسر له.
إلى أي درجات الكمال بلغتا:
قد بينت درجات الكمال في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ وقد ذهب بعض الناس إلى أن كمال مريم وآسية ببلوغهما درجة النبوة، وذهب الأكثرون إلى أنهما لم تبلغا إليها وإنما بلغتا ما دونها من رتبة الصديقية، واستدلوا بما تقتضيه
стр. 713
رتبة النبوة من الظهور لهداية الناس وإرشادهم، وذلك غير ما خلقت له المرأة، وهذا الحديث ليس نصا في كمال النبوة فلا تقوم الحجة. وقد جاء في صحيح مسلم- من طريق علي- ﵁ قال: سمعت رسول الله- ﵌ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة». فأخبر بخير نساء الدنيا في الأمم الماضية وخير نساء الدنيا في هذه الأمة، فكما لم تكن هذه نبية لم تكن تلك نبية، على ظاهر الفرق ما بينهما في الخيرية. وذهب قوم إلى نبوة مريم بدليل أن الملائكة خاطبتها باصطفاء الله لها وأمرها بالقنوت والسجود والركوع في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ وهذه هي النبوة: تبليغ الملائكة وحي الله بالاصطفاء والتكليف لمن يشاء من عباده. فهذا الدليل القوي دليل على خصوصية مريم البرة النقية ﵍ بهذه المزية بين بنات حواء كلهن.
الاقتداء:
هؤلاء السيدات الكاملات كلهن قد كملن في الدين فمنهن أمُّ نبي ومنهن زوجة نبي ومنهن منقذة نبي. فعلينا أن نكمل النساء تكميلا دينيا يهيئن للنهوض بالقسم الداخلي من الحياة وإعداد الكاملين ومساعدتهم للنهوض بالقسم الخارجي منها. وبذلك تنتظم الحياة انتظاما طبيعيا تبلغ به الإنسانية سعادتها وكمالها (١).
стр. 714
شَهِيدَةٌ فِي مَيْدَانِ الْوَغَى (١).
((مَالِك، عَنْ إِسْحَقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَا يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ -وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ- فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَلَسَتْ تَفْلِي فِي رَأْسِهِ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَوْمًا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ -يَشُكُّ إِسْحَقُ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ، قَالَتْ: فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بن أبي سفيان فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ)).
ــ
السند:
ثبت عند البخاري من طريق الليث تصريح أنس بالرواية عن أم حرام خالته، فكان أنس مرة يصرح بها ومرة لا يصرح، وإذا روى الصحابي ما هو من أقوال النبي- ﵌ وشؤونه عن غيره فلا يقدح في حديثه عدم تصريحه بمن روى عنه لأن غيره
стр. 715
صحابي مثله، والصحابة كلهم عدول، ورواة هذا الحديث- غير مالك- أقارب، فإن اسحاق ابن عم أنس وأم حرام خالة أنس، وقد روى هذه القصة بلفظ أخصر عن أم حرام أو آخر عمير بن الأسود العنسي. أخرجه البخاري.
المتن:
جاء عنه بألفاظ متقاربة كلها متفقة على أصل المعنى، وخرجه البخاري بتلك الألفاظ في مواضع من صحيحه.
العربية:
فلي الرأس: تفتيشه لإخراج الهوام أو للتنظيف من غبار ونحوه، والمقصود هنا الثاني لأن الأخبار متواترة تواتراً معنويا بنظافة جسمه- ﵌ وطيب ريحه وعرقه. وثبج البحر: وسطه، وهو معظمه ومحل هوله.
سؤال وجوابه:
ما وجه دخوله- ﵌ عليها وتمكينها من فلي رأسه؟ كانت كل محرما له بالخؤولة أو بالرضاعة؛ حكاه الأئمة.
تحقيق تاريخي:
أول ما ركب المسلمون البحر للغزو في خلافة عثمان- ﵁ استأذنه معاوية- ﵁ فأذن له فغزا قبرص سنة سبع وعشرين. ذكره ابن الأثير وغيره، وأول ما غزا المسلمون القسطنطينية وركبوا إليها البحر كان في خلافة معاوية سنة ٢٨هـ، وكان في ذلك الجيش أبو أيوب الأنصاري دفينها.
تطبيق على هذا الحديث:
خرجت أم حرام مع زوجها وركبت البحر في زمان معاوية، أي
стр. 716
في زمان إمارته، وكان ذلك أول جيش ركب البحر، وكانت هي معهم وتوفيت بعد خروجها من البحر ونزولها في أرض قبرص، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، وأما الجيش الثاني فهو الجيش الذي غزا القسطنطينية ولم تكن أم حرام معهم. وما جاء في صحيح البخاري صريح فيما قلناه من تعين الجيش الأول والجيش الثاني. ونصه من طريق عمير بن الأسود عن أم حرام قالت: سمعت رسول الله- ﵌ يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا قالت أم حرام قلت: يا رسول الله، أنا فيهم، قال: أنت فيهم. ثم قال النبي- ﵌: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا.
فكانت مع أول جيش غزا البحر وهو جيش معاوية إلى قبرص لا غيره كما حققنا.
الأحكام:
فيه دخول الرجل على محرمة دون حضور الزوج. وفيه سنة إطعام الزائر، وفيه تصرف المرأة فيما تحت يدها من مال زوجها من الطعام بالمعروف. وفيه مباشرة محرم الرجل له في غير العورة. وفيه سنة القيلولة. وفيه سنة إظهار السرور بالنعم والطاعات، وفيه جواز سؤال من بدر منه ما لا يعرف سببه، وفيه الاهتمام بكل ما يصدر منه- ﵌، وفيه جواز ركوب البحر، وفيه جواز التوسع بالحلال، وفيه فضل الغزو في البحر، وفيه سؤال الشهادة، وفيه سنة طلب الدعاء ممن ترجى إجابته، وفيه الدعاء ممن طلب منه، وفيه غزو النساء مع الرجال.
الفوائد:
منها: أن رؤيا الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وحي محفوظ، وقد
стр. 717
كان الصحابة يعلمون هذا علما عاماً ولذلك سألت أم حرام أولا وثانيا سؤال المتيقن بوقوع الغزو على الوجه الذي ذكر- ﵌ ثم قد تكون رؤياهم بالمثال كما رأى النبي- ﵌ بقرة تنحر فأولها بمن قتل من أصحابه في غزوة أحد، وقد تكون بالصريح الذي لا يحتاج إلى التأويل كما هنا، ومنها تحقيق استجابة دعائه إذا دعا، ولهذا قال لها في الثانية- جازما-: أنت من الأولين. وهذا فيما لم يعلم بالمنع منه كما في حديث وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض، يعني أمته فمنعنيها. ومنها أن من معجزاته- ﵌ إخباره بأمور غيبية لم يكن شيء مما يدل عليها أو يقتضي وقوعها يوم أخبر فوقعت كما أخبر فركب أصحابه البحر وغزوا الروم ومدينة قيصر من بعده بينما كانوا يوم أخبر بهذا من أبعد الأمم عن ركوب البحر والبراعة فيه وكانت أم حرام مع الطائفة الأولى كما أخبرها، وكانت منهم على أبلغ وجه حيث فازت بالثمرة المقصودة من الغزو وهي الشهادة وإن كان موتها في غير مباشرة القتال لقوله ﵌: ومن قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد. رواه مسلم ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
الموعظة:
علم الله أن السيادة في البر لمن ساد في البحر، وأن أقسام الأرض المتقاطعة وأصناف الأمم المتباينة، لا يقرب بينها. ويفتح الطريق لتواصلها وتعارفها، وينقل مدنياتها من بعض إلى بعض منها إِلاَّ ركوب البحر وملك ناصيتها، فجاءت الآيات القرآنية العديدة في ذكر البحر
стр. 718
وصفاته ومنافعه وسفنه وبديع الصنعة فيه وعظيم النعمة به. وجاء هذا الحديث يبشر الأمة الإسلامية بما هيء لها من أسباب السيادة ويعرفها أنها أمة ملك وسلطان وقوة وأنها ستملك البحار، وتغزو الأمصار الكبار، يعرفها بهذا ويدعوها إليه لتعد له عدته وتأخذ له طريقه وتتوصل إليه بأسبابه. إذ لا يكون ملك إلا بأسباب الملك، ولا تكون قوة إلا بأسباب القوة ولا تكون السيادة إلا بأسباب السيادة، وقد علمت من دينها أن السيادة لا تكون إلا بالملك وأن الملك لا يكون إلا بالقوة: قوة الأبدان وقوة العقول وقوة الأخلاق وقوة المال- وبهذه يكون العدل الذي هو أساس الملك- وأن لا قوة إلا بالعلم والعمل والتهذب، فإذا دعاهم هذا الحديث إلى السيادة فقد دعاهم إلى هذا كله ونبههم على هذا التقدير المحكم الذي ارتبط بعضه ببعضه وعلى أنه لا سبيل إلى غايته إلاَّ بإتيانه من بدايته، وقد فهم المسلمون هذا دهرا فسلكوه فأنجز لهم الله وعده، وجهلوه أدهارا فتركوه فأذاقهم الله بأسه، وما ربك بظلام للعبيد. ولئن عادوا إليه ليعودن إليهم، ولن يخلف الله الميعاد (١).
стр. 719
خُرُوجُ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ .
((روى مسلم في صحيحه بسنده عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللهَ بْنَ عُمَرَ- ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا». قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ.))
ــ
الشرح:
قد صح من السنة العملية والسنة القولية خروج النساء إلى المساجد وحضورهن مشاهد الخير، وثبت نهي الرجال عن منعهن من ذلك، ومنه ما في هذا الحديث. وعليهن قبل الخروج أن يستأذن الرجال كما هو مقتضى قوله إذا استأذنكم إليها، كما ثبت أيضا نهيهن عن مس الطيب إذا أردن الخروج وعليهن لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وأن يضربن بخمرهن على جيوبهن وأن يدنين عليهن من جلابيبهن وهي ما يجعل فوق الثياب كلها كالملاءة ونحوها وأن لا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن فلا يسمع منها خشخشة الحلي ولا رنين الخلخال. وأن يمشين في حافات الطريق ولا يحاققن الطريق، أي لا يمشين في وسطه وهذه كلها مأخوذة من الآيات والأحاديث في هذا الباب ولما سمع بلال بن عبد الله أباه يحدث بهذا الحديث عن رسول الله- ﵌ قابله بالرد وقال والله لنمنعهن فغضب أبوه غضبا شديدا وسبه وشتمه سبا سيئا مقابلا لقوله السيء ومقابلته للحديث النبوي بالمعارضة.
стр. 720
نفي تعارض:
ثبت عن عائشة أنها قالت: لو أن رسول الله- صلى الله عليه وآله ولسلم- رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل، وهذا لا يعارض ما تقدم، لأن الذي أحدثته هو الطيب والزينة وهو نهي عن منعهن ونهاهن عن مس الطيب عند إرادة الخروج فلو رأى ما أحدثن لمنعهن لإخلالهن بالشرط حتى يلتزمنه ولا يمنعهن منعا يكون إبطالا لنهيه الأول عن منعهن.
قدوة:
لما سمع عبد الله بن عمر ابنه بلالا يصارحه بمعارضة السنة ومخالفتها لم يملك نفسه واستشاط غضبا حتى سبه سبا سيئا لم يكن من عادة ابن عمر صدور مثله منه. وهكذا كل مسلم غيور على الإسلام والكتاب والسنة يسمع من أهل الإسلام التكذيب بهما أو التعدي عليهما أو المعارضة لهما بالرأي والهوى أو تحريفهما عن مواضعهما كذلك فإنه لا يملك نفسه أن يدافع عنهما وقد يملكه الغضب لله فيكون منه بعض ما ليس من عادته أن يصدر منه من قول.
تحذير وإرشاد:
هذا الذي وقع من بلال كثيرا ما يقع مثله أو نحوه من أهل الجهل والبدعة الذين شبوا عليهما وشاخوا حتى صارت البدعة عندهم سنة والسنة بدعة فإذا ذكرت لهم الحكم الشرعي بدليله من الكتاب والسنة صدوا ونفروا وأبوا واستكبروا وصارحوا بالمخالفة أو سكتوا وأضمروا الخلاف. وما هذا شأن المؤمنين فحذار إذا سمعت حكما شرعيا ونصا قرآنيا أو حديثا صحيحا نبويا أن تقابل بالخلاف بل انشرح بذلك صدر ولا يكن في صدرك من حرج مما قضى الله ورسوله وسلم تسليما (١).
стр. 721
تَحْرِيمُ الْخُلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ خُصُوصًا عَلَى الْأَقَارِبِ .
((أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﵌ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ»)).
ــ
المفردات:
الحمو: على وزن دَلو قال الليث بن سعد: هو أخ الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه، فالأحماء أقارب الزوج والأختان أقارب الزوجة والأصهار يقال عليهما.
التراكيب:
نصب إياكم على التحذير. أفرأيت معناه أخبرني. الحمو الموت تشبيه بليغ كزيد أسد، وفي الموت استعارة تصريحية شبه فساد البيوت وخرابها وانحلال روابطها بالموت بجامع الهلاك والزوال في كل. فجاء عليه وآله الصلاة والسلام بهذا التركيب البليغ البالغ للمبالغة في التحذير والبلوغ إلى غاية التأثير.
المعنى:
حذر عليه وآله الصلاة والسلام الرجال من الدخول على النساء، وكانوا يتساهلون في الدخول على نساء أقاربهم، فسأل هذا الأنصاري - رضي الله تعالى عنه-عن أقارب الزوج، فأجابه- ﵌-
стр. 722
بأن الخوف منه أكثر والشر منه أقرب والفتنة به أشد، لأنه متمكن الدخول إلى بيت أخيه دون إنكار عليه، فيتوصل إلى المرأة ويخلو بها دون كلفة ولا مراقبة، بخلاف الأجنبي فهو بعيد عن الدار ينكر عليه دخولها ويخشى من مراقبة أهلها، فإذا كان الأجنبي ممنوعا من الخلوة بالأجنبية فأحرى وأولى قريب زوجها. وبيَّن عليه وآله الصلاة والسلام أن الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الهلاك والفتنة في الدين وإلى خراب البيت وفساد الأسرة واضمحلالها.
الأحكام:
حرم الحديث الخلوة بالأجنبية خصوصا على الأقارب أما المحرم كزوجة الإبن أو زوجة الأب فلا تحرم الخلوة بها للمحرمية وأما الدخول دون خلوة فإذا انتفت الريبة فهو غير ممنوع.
العمل بالحديث:
الناس- إلا من شاء الله- بهذا الحديث جاهلون، وعن سوء العاقبة التي حذر منها غافلون، وفي الهلاك الديني والعرضي واقعون، فحق على من قرأ هذا الحديث أن يعلمه للناس وينشره فيهم ويحث نفسه وإياهم على العمل به والسير على أدبه ولا يستعظمن ما يراه من جهل فإنه ما جاء إلا من قلة نشر العلم فإذا نشر العلم- ولو كان في أوله قليلا- فإنه لا يلبث بإذن الله أن يصير كثيرا، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (١).
**
стр. 723
خَيْرُ النِّسَاءِ .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ- ﵌ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلِي عِيَالٌ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ». رواه مسلم
ــ
السند:
الحديث ثابت في الصحيحين وإنما انفرد مسلم بهذه الرواية التي فيها ذكر سبب ورود الحديث وهو خطبة النبي- صلى الله وآله وسلم- أم هانيء- ﵂ وما أجابت به.
الكلمات:
حنا عليه: يحنو حنوا عطف فالأحنى هو الأكثر عطفا. وحنت المرأة على ولدها حنوا فهي حانية إذ لم تتزوج بعد أبيه فإذا تزوجت فلا يقال فيها حانية. رعي الشيء يرعاه رعاية حفظه فالأرعى هو الأحفظ. وذات اليد هي الأموال لأنها صاحبة اليد تجعل فيها.
التراكيب:
ركبن الإبل: كناية عن نساء العرب وقصد بها التعميم أي خير نساء العرب كلهن. وجملة أحناه مستأنفه لبيان ما كن به خير النساء، وأفردَ الضمير في أحناه باعتبار الجنس.
стр. 724
الأشخاص:
أم هانيء بنت أبي طالب كانت تزوجت هبيرة بن عمر المخزومي أسلمت عام الفتح وهرب زوجها إلى نجران فأولادها منه هم العيال الذين اعتذرت به وأبت أن تتزوج عليهم فقبل النبي- ﵌ عذرها.
المعنى:
خير نساء العرب نساء قريش لجمعهن بين: الرأفة بالولد والشفقة عليه والعناية به في تربيته حتى يتركن التزوج من أجل التفرغ للقيام به، وحفظهن للمال وحسن التدبير فيه والأمانة عليه. فيكفين الزوج أعز شيء لديه وهو ماله وولده اللذان بهما حسن حاله وبقاء أثره.
تنبيه على استلزام:
لا تستطيع ترك التزوج بعد تأيمها للتفرغ لتربية أولادها إلا المرأة الكاملة العفاف الشديدة الرأفة التي أنساها حبها في أولادها والشفقة عليهن داعية النفس إلى الزواج وما استطاعت ذلك إلا بما عندها من ملكة العفاف فوصفها بأنها حانية يستلزم أنها عفيفة.
توجيه:
لا بقاء لأمة من الأمم إلا بانتظام أسرها وحفظ نسلها وقد خصص الله المرأة للقيام بهذين الأمرين العظيمين وزودها من الرحمة والشفقة ما يعينها عليهما، وإنما تقوم بهما إذا جمعت ما بين العفة في نمسها والاقتصاد في نفقتها والتفرغ للقيام بأولادها ولهذا لما جمع نسوة قريش ذلك كله كن خير نساء العرب.
إرشاد:
يبين لنا هذا الحديث الشريف ما خلقت له المرأة من العمل العظيم
стр. 725
في الحياة ويرشدنا بذلك لوجوب القيام عليها وتهيئتها لذلك بالتربية والتعليم فتكون تربيتنا وتعليمنا لها بما يقوي فيها هذه الصفات: العفة وحسن تدبير المنزل والنفقة فيه، والشفقة على الولد وحسن تربيته، وكل زيادة على هذه- بعد تهذيب أخلاقها وتصحيح دينها وتحبيبها في قومها- فهي ضارة بها أو مخرجة لها عن مهمتها العظيمة ملحقة الضرر بقومها فلنجعل هذا الحديث الشريف دليلنا ومرشدنا في كل ما نسعى إليه من تعليم النساء والبنات.
الأحكام:
امتنعت أم هانيء من التزوج للقيام بأولادها فأقرها النبي- ﵌ وأثنى على المتصفات به فدل ذلك على استحسانه لمن ملكت عفتها وقدرت عليه. وثناء النبي- ﵌ على نساء قريش بوصفهن دليل على ما ينبغي من اختيار المرأة المتصفة بمثل هذا الوصف. ودليل ما ينبغي أن يتخير من معادن النساء في بيوتهن وأقوامهن فإن الأخلاق تتوارث والبنات متأثرات بالأمهات في الغالب.
تصديق:
إن نساء أنجبن من أنجبن من رجالات قريش في الجاهلية والإسلام وولدن محمدا- ﵌ لهن خير نساء في كل ما توصف به النساء من خير فصدق رسول الله- ﵌ وبرَّ وشهدت بصدقه الأيام (١).
**
стр. 726
الآيه الخالدة لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليهم وسلم .
أَبُو هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رسول الله- ﵌: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا اُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رواه البخاري ومسلم وغيرهما
ــ
لما كان المقصود من الرسالة هو هداية الخلق وإقامة الحجة عليهم كان الرسل- صلوات الله عليهم- أكمل الناس في أخلاقهم وأنزههم في سيرتهم، معروفين بذلك بين أقوامهم قبل نبوتهم، ثم إذا بعثهم الله تعالى آتاهم من العلم وقوة الإدراك ووضوح البيان ما تنهض به حجتهم وتتضح به دعوتهم ويقطع بكل من يعارضهم بشبهة ويموه بباطل، وإذا قرأت ما قصَّه علينا القرآن العظيم من مواقف الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم- رأيت كيف أنهم كانوا يدعون الناس بالحجج والبراهين والأدلة العقلية الجلية، وأنهم كانوا إذا سئلوا الآيات المعجزات الخارقة للعادة ردوا الأمر إلى الله ونفوا أن تكون لهم قدرة على الإتيان بها إلا بإذن الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيظهر الله على أيديهم الآيات تأييدا لهم وتخويفا لأقوالهم وقطعا لمشاغبتهم، فيخضع لها بَعضهم ويستمر الأكثرون على العناد، فما من نبي من الأنيياء إلا وقد أعطاه الله من الآيات والمعجزات ما مثله في وضوحه، وظهوره والعجز عن
стр. 727
معارضته ما يؤمن عليه العباد، ويتفقون عليه لولا ما يصدهم عنه من العناد، وهو معنى قوله- ﵌ «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر». والنبي- ﵌ قد أوتي مثل هذه الآيات، وقد غفل الكثير منها كثير من أصحابه- ﵃ واشتهرت عند أئمة الحديث والنقل، غير أن آيته الخالدة الدائمة كعموم رسالته ودوامها هي القرآن العظيم وهو الوحي الذي أوحاه الله إليه، فهي المعول عليها في دوام الحجة على تعاقب العصور والأجيال، اذ لا يقوم غيرها مقامها في بقائها مشاهدة لجميع الناس، ولذا حصر آيته فيها فقال: «وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي».
تفرقة وترجيح:
آيات الرسل- صلوات الله عليهم- كانت معجزات كونية لا يشهدها إلاَّ من حضرها، ثم تبقى أخبارا يمكن للجاحد إنكارها ويتأتي للمشاغب أن يصنع من الخزعبلات والمخارق ما يموه به على ضعفه العقول ويدعي مماثلتها.
وآية النبي- ﵌ وهي القرآن العظيم معجزة علمية عقلية يخضع لسلطانها كل من يسمعها ويفهمها ولا يستطيع معارضتها، لا في لفظها وأسلوبها وبيانها، الذي عجزت عن معارضة أقصر سوره العرب، على ما كان من حميتها وانفتها وشدة رغبتها في إبطالها لو وجدت سبيلا إليها فقط- بل لا تستطاع معارضتها فيما اشتملت عليه من أصول العلوم التي يحتاج إليها البشر في كمالهم وسعادتهم أفرادا وجماعات، وأمما وما اشتملت عليه من الأدلة القاطعة والحكم الباهرة في كل ما دعت إليه إلى ما اشتملت عليه من حقائق كونية كانت مجهولة عند البشر حتى كشفها العلم في هذا العصر مثل
стр. 728
انباء الخلق كله على أساس الزوجية في أشياء كثيرة. مصداق قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. فبهذا كانت آية النبي- ﵌ أعظم الآيات وأبقاها، وكانت مغنية عن غيرها كافية عما عداها كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.
تفريع:
لما بقيت هذه الآية الكبرى على العصور- وانبنت على الاحتجاج بالعلم والعقل كان لها في كل عصر اتباعها الكثيرون عن اقتناع واطمئنان ويزداد ويكثر عددهم بتوالي الأزمان. ويكثر الداخلون فيهم بقدر ما يزداد تقدم البشر في العلم والعرفان، وقد شوهد هذا اليوم وقبل اليوم. ونحن نرى في هذا العصر كيف ينتشر الإسلام تباعا لهذه الآية بين الأمم وفي علمائها دون نشر للدعوة من المسلمين تبينها ولا قوة لهم تؤيدها. وإنما بما فيه من علم وحجة وأدب وحكمة تخضع العقول وتجذب القلوب. ولهذا فرع النبي- ﵌ على كون آيته، وحيا رجاء أن يكون أكثر الأنبياء- صلوات الله عليهم- أتباعا يوم القيامة الذي تظهر فيه التابعية الصادقة فقال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
إنفراده- ﵌ بالاتباع من يوم بعثته:
ليس المنتمون لموسى- ﷺ ولعيسى ﷺ باتباع لهم، لأن دعوة الأنبياء- صلوات الله عليهم- واحدة ودينهم- وهو الإسلام- واحد وإن اختلفت بعض الفروع العملية في شرائعهم، فمن لم يؤمن بواحد منهم كمن لم
стр. 729
يؤمن بهم كلهم، وما كان محمد- ﵌ بدعا من الرسل وما جاء إلا بمثل ما جاؤا به، وما جاء إلا مصدقا لهم. فالذين لم يتبعوه من المنتمين إليهما ﵉ غير متبعين لهما فانقطعت تابعيتهما ببعثة محمد- ﵌ فمن آمن به كان من اتباعه وإلا كان من الهالكين. وقد قال- ﵌ «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار».
إقتداء:
كل داع له من الأجر مثل أجور من اتبعه على دعوته لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، فرجا النبي- ﵌ كثرة أتباعه إذ في ذلك انتشار الهداية، وكان- ﵌ أحرص الناس على هداية الناس، وفي ذلك مضاعفة أجره وجزائه عند الله، فلنا فيه الأسوة الحسنة بالحرص على نشر هدايته وتبليغ دعوته ورجاء كثرة الأجر والثواب بكثرة ما نوفر من اتباعه فليعمل العاملون لهذا وليجهدوا فيه.
وقد رجا النبي- ﵌ كثرة أتباعه لدوام وظهور آيته الخالدة، وهي القرآن العظيم، فعلى الناشربن لهدايته والمبلغين لدعوته أن يجعلوا القرآن أمامهم وحجتهم ومرجعهم، فإنه هو كتاب الدعوة، ومنشور الهداية، ومظهر الحجة. وأتباع النبي ﵌ هم أتباع القرآن وخلفاؤه في التبليغ، وورتثه في العلم هم الذين يبلغون القرآن ويتلون القرآن وينذرون بالقرآن كما كان هو- ﵌ كذلك وكما قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
стр. 730
﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾.
جعلنا الله ممن اتبعوا دينه، ونشروا هدَايته وبلغوا حجته غير مبدلين ولا مغيرين (١).
стр. 731
قِيمَةُ الرَّجُلِ بِقِيمَةِ قَوْمِهِ .
لما قَالَ النَّبِيُّ- ﵌ «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» (١) نبه على معنى عظيم في ارتباط كل فرد بأمته ارتباط الجزء بكله وهذا الارتباط يقتضي أمورا كثيرة منها ما جاء نصا في الحديث الشريف ومنها ما يؤخذ مما يقتضيه التشبيه ومن هذا أن الفرد منظور إليه في النظر الاجتماعي العام بما ينظر به إلى أمته، سواء أساواها في المستوى الذي هو فيه من رقي وانحطاط، أم كان أسمى منها أو أدنى فقيمته في النظر الاجتماعي العام هي قيمتها.
ــ
جمعتني ليلة بثلاثة من شبابنا المتعلم التعليم الأوروبي والمتأدب الأدب الإفرنجي ممن لا ينقصه شيء عن الطبقات الراقية منهم، وانساق بنا الكلام إلى ما تكتسب به الأمم والأفراد الاحترام في عين غيرها، واتفقنا على أن الأمة التي لا تحترم مقوماتها من جنسها ولغتها ودينها وتاريخها لا تعد أمة بين الأمم، ولا ينظر إليها إلا بعين الاحتقار مع القضاء عليها في ميادين الحياة بالتقهقر والاندحار. وان الفرد الذي لا يحافظ على ذلك من أمته لتأخرها في سير الزمان بما أحاط بها من ظروف الحياة وأن تحلى بأعظم وأحسن ما يتحلى به الراقون من أمة أخرى لا ينظر إليه إلا بالعين التي ينظر بها إلى أمته.
أخذ أولئك الشبان- وقد زالت عن أبصارهم غشاوة الغرور
стр. 732
والغفلة لما أقنعتهم بأن قيمة الرجل بقيمة أمته- يقصون علي من الوقائع التي وقعت لهم هم أنفسهم ما يثبت تلك الحقيقة ويؤيدنها. قلت لأولئك الأخوان- وقد اندهشت مما لم أكن أحسبه يقع-: لا تلوموا من عاملكم بما تقتضيه نظرة اجتماعية عامة، ولكن لوموا أنفسكم إن جهلتم هذه الحقيقة، وأنتم أبناء دين قررها من أول أيامه في مثل الحديث الشريف الذي افتنحنا به هذا المقال. واليوم- وقد تجلت لكم الحقيقة علميا وعمليا- عليكم أن تلتفتوا إلى أمتكم فتنشلوها مما هي فيه بما عندكم من علم وما اكتسبتم من خبرة محافظين لها على مقوماتها سائرين بها في موكب المدنية الحقة بين الأمم، وبهذا تخدمون أنفسكم وتخدمون الإنسانية بإنهاض أمة عظيمة تاريخية من أممها، ثم لا يمنع هذا من أخذ العلم عن كل أمة وبأي لسان واقتباس كل ما هو حسن مما عند غيرنا ومد اليد إلى كل من يريد التعاون على الخير والسعادة والسلام (١).
стр. 733
مِنَ السُّنَّةِ تَعَلُّمُ اللُّغَاتِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا .
زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ- ﵌ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ» قَالَ: فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ. قَالَ: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ. رواه الترمذي وحسنه ورواه غيره
ــ
لما نزل النبي- ﵌ بالمدينة مهاجراً كان بها وبضواحيها مع الأوس والخزرج- ﵃ اليهود، فأقرهم النبي- ﵌ وكتب بينه وبينهم عهداً، وكانت الكتب تدور بينه وبينهم في الشؤون والمصالح من الطرفين. فكانوا يكاتبونه بالخط العبراني، كانت لغتهم العربية، ولكنهم كانوا يكتبون بالخط العبري، فأمر النبي- ﵌ كاتبه زيد بن ثابت- ﵁ أن يتعلم الخط العبري ليكتب له إليهم ويقرأ له ما يرد عليه منهم فيكون على يقين من كلامهم إليه وبلوغ كلامه إليهم، وما كان ليحصل له هذا اليقين- وهم ليسوا بمحل الثقة- لو تولى ذلك واحد منهم فقد لا يكتب عنه كل ما يقوله لهم وقد لا يقول له كل ما كتبوه إليه، فتعاطى زيد تعلم الخط العبراني، فما مضى عليه نصف شهر حتى حذقه وتولى الكتابة عن النبي- ﵌ والقراءة له.
стр. 734
الفوائد والأحكام:
الأولى: كل قوم تربط بينهم المصالح لا بد لهم من التعاون، ولا يتم التعاون إلا بالتفاهم والتفاهم بالمشافهة والكتابة، فعلى القوم المترابطين بالمصلحة أن يفهموا بعضهم لغة بعض وخطه، وبقدر ما تكثر الأقوام المترابطة بالمصلحة تكثر اللغات والخطوط ويلزم تعلمها، لأن العلة هي الحاجة. وسواء كانت المصلحة التي تربط الأقوام عمرانية أو علمية لأن المصلحة من حيث هي مصلحة محتاج إلى تحصيلها، والنبي- ﵌ أمر زيداً بتعلم الكتابة، لأن اللغة كانت عربية ولو كانت لغة أخرى لأمره بتعلمها لعلة الحاجة، والحكم يدور مع العلة. وقد جاء عن زيد من طريق أخرى- ذكرها الترمذي- أن النبي- ﵌ أمره أن يتعلم السريانية. فنحن اليوم وقد ربطت بيننا وبين أمم أخرى مصالح علينا أن نعرف لغتهم وخطهم كما عليهم هم أن يعرفوا لغتنا وخطنا.
الثانية: هذه السنة أصل في اتخاذ الكتبة والتراجمة في الدولة وما يشترط فيهم من العلم والأمانة.
الثالثة: كان في إمكان النبي- ﵌ أن يكاتبهم بالخط العربي ويلزمهم أن يكاتبوه به ولكن تسامح الإسلام واحترامه لمحترمات الأمم في دينهم وقوميتهم قضيا بترك اليهود يكتبون ويكاتبون بخطهم، فأقرهم النبي- ﵌ على ما أرادوا وكلف هو من تعلم خطهم. وتركها لاتباعه سنة بعده.
الرابعة: هذه السنة أصل في ضبط أمور الدولة بالكتابة فيما يصدر عنها وفيما يوجه إليها. ومثلها ضبط كل العاملات، فهي أصل في التسجيل على العموم. وهكذا تجد سنة النبي- ﵌ إذا تتبعتها- قد قررت - بالفعل- أصولا كثيرة
стр. 735
من أصول المدنية والعمران، ولهذا كان على قارئها أن يتناولها للفهم والاستنباط والتطبيق على الأحوال (١).
стр. 736
التَّسَتُّرُ بِالنَّقَائِصِ .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- ﵌ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ -وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ- فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا. وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ».
رواه البخاري في الأدب ومسلم في الزهد والرقائق
ــ
الكلمات:
المعافى: من العافية وهي السلامة، فالمعافى هو السالم. ويحتمل أن يكون المراد هنا سلامة العرض من القدح أو سلامة البدن من الحد أو سلامة العاقبة من المؤاخذة بالذنب. والمجاهر: هو المعلن بفسقه.
المعنى:
قد يرتكب المذنب المعصية مع شعوره بقبح ما أتى وخجله به من ربه وانكسار قلبه من أجل معصيته، فهو لذلك يتستر بذنبه فلا يطلع عليه غيره لا بقول ولا بفعل، فهذا قد سلم منه الناس فلم يؤذهم بشره ولم يدعهم إلى الاقتداء به، وسلم منه الشرع فلم يكسر من هيبته ولم ينقص عند الناس من حرمته، فسلم له هو عرضه من القدح وبدنه من الحد وسلم له أصل إيمانه، وهو حياؤه من الله وخوفه منه، واحترامه لدينه وبعضه لما يأتي من معصيته فيوشك بهذه الحياة التي في قلبه أن يقلع عن ذنبه ويتوب فيسلم عن المؤاخذة بسبب الثوبة، وقد يترجح
стр. 737
ما في قلبه من خوف وخجل واحترام وبغض للمعصية وتألم بها- على نفس المعصية- فيسلم من المؤاخذة بها عند الموازنة يوم القيامة. فصدق فيه هذا الوعد بأنه معافى من ذنبه وسالم من المؤاخذة به.
أما الذي يجاهر بمعصيته ويعلن بها فهذا قد تعدَّى على مجتمع الناس بما أظهر من فساد وما أوجد من قدوة سيئة وما عمل لمجاهرته على شيوع الفاحشة فيهم. وقد تعدى على الشرع بما انتهك من حرمته وجرأ من السفهاء عليه. وهو بمجاهرته قد دل على استخفافه بحق الله وحق عباده وعلى عناده للدين وخلو قلبه من الخوف والحياة، وأي إيمان يبقى بعدهما. ولما كانت المجاهرة بالمعصية تطلق في الغالب على من يعلن أمره للجماعات بين النبي- ﵌ أن مجاهرة الفرد كمجاهرة الجماعة من باب التنبيه على الجزئي الخفي من جزئيات المنهي عنه لأنه هو الذي شأنه أن لا يتنبه له فيتساهل فيه ومن تساهل في الجزئي الخفي أدَّاه ذلك إلى التساهل في غيره. وهذا الجزئي الخفي هو أن يعمل عملا يستره الله فيه ثم يحدث به رفيقه فيكشف ستر الله عنه.
إستنباط:
قد تبين ما في المجاهرة من المفاسد والظلم، وقد دل الحديث على أن أهلها غير معافين، فهم هالكون، فهي حرام، ومعصية زائدة في أصل المعصية، فالمجاهر بمعصيته ارتكب معصيتين: المعصية والمجاهرة بها، وقد تجر عليه المجاهرة آثاما كثيرة بما يتسبب عن معصيته من شيوع الفاحشة وسوء القدوة، ويستمر ذلك يكتب عليه من آثاره ما بقي متسبب عن آثاره إلى يوم القيامة. فيا لفداحة الحمل يوم الفزع الأكبر وكما يحرم تحدث الشخص بمعصية نفسه لما فيه من المجاهرة كذلك يحرم عليه أن يتحدث بمعصية غيره ولو كان هو الذي
стр. 738
حدثه لما في ذلك من إذاعة الفاحشة ومن الغيبة.
تنبيه وتحذير:
المجاهر بفسقه الذي لا يستتر من أحد يجوز ذكره بفسقه الذي جاهر به إذا كان في ذكره به مصلحة أو دفع مفسدة، ويجب أن يحذر من ذكره لغير ذلك فإنه من الغيبة وإذاعة الفاحشة.
إعتبار:
هذا في الأفراد، ومثلها الأمم، فالأمة التي تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتضرب على يد سفهائها وأهل الفساد منها وتهجرهم وتنبذهم من مجتمعها تسلم من الشرور والبلايا، وتقل أو تنعدم منها المفاسد والمنكرات، والأمة التي تسكت عن سفهائها وأهل الشر من كبرائها وتدعهم يتجاهرون فيها بالفواحش والقبائح، هي أمة هالكة متحملة جريرة المجاهرة، بالمعاصي، بالهلاك في الدين والعذاب في الآخرة.
تربية:
روى الحاكم في مستدركه، عن ابن عمر- ﵄ أن رسول الله- ﵌ قال: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله). فليعمل المسلم على اجتناب المعاصي كلها. حتى إذا ألم بشيء منها فليجتهد في إخفائه وستره وليضرع إلى الله تعالى في سجوده أن يتوب عليه من ذنبه وليتوسل إليه- تعالى- بإيمانه به وحيائه وخوفه منه واحترامه لشرعه وعباده، فهو- ﷻ يحب التوابين ويحب المتطهرين (١).
стр. 739
الشِّرْكُ وَالْوَثَنِيَّةُ وَدَعْوَى النُّبُوَّةِ .
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﵌: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».
رواه الترمذي. وقال: هذا حديث صحيح.
ــ
كان النبي- ﵌ يعرف أصحابه بما يكون في أمته من بعده، وهو تعريف للأمة بما يكون فيها، يعرفهم بذلك ليحذروه ويجتنبوا أسبابه ويبادروا إلى معالجته عند وقوعه. لا يستبعد مسلم صدور الشرك والوثنية ودعوى النبوة من غير المسلمين، وإنما يستبعد ويستنكر أن يكون شيء من هذا ممن يقولون أنهم مسلمون. ولهذا قدم النبي- ﵌ هذا التعريف والإنذار. حتى إذا وقع شيء من هذا من هذه الأمة بودر إلى إنكاره وعلاجه ولم يتساهل معهم في شيء من ذلك لأنهم يقولون أنهم مسلمون.
اللحوق بالمشركين:
من اعتقد مثل عقيدتهم أو فعل مثل أفعالهم أو قال مثل أقوالهم فقد لحق بهم، وقد يكون اللحوق تاما مخرجا عن أصل الإسلام، وقد يكون دون ذلك. فأصل عقيدة الشرك عند عرب الجاهلية أنهم يعلمون أن الله هو خلقهم وهو يرزقهم وهو المالك لجميع مخلوقاته، ولكنهم كانوا يجعلون توجههم وتقربهم وتضرعهم لآلهتهم على اعتقاد
стр. 740
أنها هي تقربهم إلى الله. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تتوجه لبعض الأموات وتتضرع لهم وتقف أمام قبورهم بخضوع وخشوع تامين وتتضرع وتناديهم على اعتقاد أنهم يقربونها إلى الله ويتوسطون لها إليه. ويزيدون أنهم يتصرفون لها بقضاء الحوائج وجلب الرغائب ودفع المصائب. ومن أعمال المشركين في الجاهلية أنهم يسوقون الأنعام لطواغيتهم فينحرونها عندها طالبين رضاها ومعونتها. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تسوق الأنعام إلى الأضرحة والمقامات تنحرها عندها إرضاءً لها وطلبا لمعونتها أو جزاء على تصرفها وما جلبت من نفع أو دفعت من ضر.
ومن أقوال المشركين في الجاهلية حلفهم بطواغيتهم تعظيما لها، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة يحلفون بالله فيكذبون ويحلفون بمن يعظمونه من الأحياء أو الأموات فلا يكذبون. فهذه الطوائف الكثيرة كما قد لحقت بالمشركين وصدق رسول الله- ﵌ في قوله: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين».
عبادة الأوثان:
كانت عبادة الأوثان في الجاهلية بالخضوع والتذلل لها ورجاء النفع وخوف الضر منها، فينذرون لها النذور وينحرون لها النحائر يلطخونها بالدماء ويتمسحون لها. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة لها أشجار ولها أحجار تسميها بأسماء وتذكرها بالتعظيم وتذبح عندها الذبائح وتوقد عليها الشموع وتحرق عندها البخور وتتمسح بها وتتمرغ عليها. مثل فعل الجاهلية أو تزيد. فصدق عليهم رسول الله- ﵌: (وحتى يعبدوا الأوثان) هذا كله واقع في الأمة لا شك فيه. وكما كان من نصح نبيها- ﵌ أن أنذرها بوقوعه فيها قبل وقوعه- فإن من نصح علمائها لها أن يعرفوها به اليوم بعد وقوعه ويصوروه لها على صورته