← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

والسلام- وخلفهم. وقد جاء في رواية مسلم مفسرا فقال: «وأنا العاقب الذي لا نبي بعده» وعند غير مسلم «الذي لا نبي بعدي» وأفاد بالتفسير أنه لا يعقبه غيره فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله وسلم عليهم أجمعين. تقدم لنا في صدر الدرس أن قوله- ﵌ لي خمسة أساء يقتضي اختصاصه بها وهو اقتضاء صحيح ومطابق للواقع فهذه الأسماء ليست إلا له إذ لم يسم الله نبيا ولا رسولا بواحد منها فهو مختص بالتسمية بها من الله بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام-. نعم قد سمى بعض العرب أبناءهبم محمدا قبل البعثة بقليل، وهم نفر قليل ولم يعرفوا بنبوة، ومنهم من أسلم فكان من أتباع النبي- ﵌، فكان ذلك القليل النادر في حكم العدم، على أن القصود بتخصيصه تخصيصا من بين سائر الانبياء والشيء إنما يفضل بالنسبة لمن في منزلته. فمحمد- ﵌ لما تذكر فضائله وخصوصياته إنما تذكر بالنسبة للأنبياء والمرسلين فإذا قلنا أن محمدا- ﵌ خص بكذا بهذا الاسم مثلا فمعنى ذلك أننا لا نجده لمثله من الأنبياء والمرسلين. فهذا الاختصاص اللفظي بهذه التسمية. وكذلك هو مختص بها من جهة معانيها فله من الكمالات التي يتحلى بها والإنعامات التي جعله الله سببا فيها والمواقف التي يقفها ما ليس لغيره، فليس ينال غيره من الحمد مثل ما يكون له من الله ومن الناس وهو يقابل تلك النعم الربانية عليه بالحمد، فلا يكون الحمد من أحد مثل الذي يكون منه لله. وكفى في هذا حديث الشفاعة الثابت المشهور فإنه لما يخر ساجدا لله يفتح عليه بأنواع من الحمد لم

стр. 807

يكن يعرفها هو من قبل فقد بلغ في حمده لله مقاما لم يبلغه أحد. ولما يتقبل الله شفاعته العامة في فضل القضاء يحمده أهل الموقف كلهم في ذلك المقام المحمود، فقد بلغ من حمد الناس له مقاما لم يبلغه غيره. فبان اختصاصه- ﵌ بمعنى الإسمين الشريفين محمد وأحمد دون جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. وكذلك الاسم الثالث فإنه مختص بمعناه. وإذا راجعنا تواريخ الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- فإننا لا نجد أحدا منهم محي به من الكفر ما محي بمحمد- ﵌ ولنقتصر على هذين النبيين الكريمين موسى وعيسى- عليهم الصلاة والسلام- فأنتم تعرفون من القرآن ما قاسى موسى من بني إسرائيل الذين ما جفت أقدامهم من ماء البحر حتى قالوا اجعل لنا إلهاً كما لهه آلهة. وما تقصه كتبهم يدل أنهم لم ترسخ لهم قدم في الإيمان، فأي محو هنا؟ وأما عيسى- ﵊ فقد رفعه الله إليه وما آمن به إلا أفراد ثم بقيت دعوته مغمورة. وما انتشرت النصرانية المنسوبة إليه باطلا إلا بعد ثلاثمائة سنة على يد ملك بيزنطا قسطنطين. على أنهما- عليهما الصلاة والسلام- لم يرسلا رسالة عامة حتى يعم المحو بهما وإنما أرسلا رسالة خاصة لبني إسرائيل كما لم يأتيا من الآيات بمثل ما أتى به لمحو كل كفر وباطل، وكفى بآية القرآن الخالدة على الزمان المتجددة على الأجيال. فهذا يبين لكم أن المحو العلمي والعملي بأكمله وأشمله إنما هو خصوصية له ﵊. ولعلكم تقولون أن العرب قد ارتدت بعد موته- ﵌ فأين هو المحو؟ فالجواب: أن الردة لم تكن عامة، فإن الأكثر والأظهر هم الذين ثبتوا على الإسلام والطاعة لخليفة رسول الله- ﵌ ولم يبدلوا شيئا، وطائفة كثيرة

стр. 808

بقيت على الإسلام وإنما امتنعت عن أداء الزكاة، وهذه هي التي توقف عمر وغيره في قتالها وشرح الله صدر أبي بكر لقتالها ورجع الصحابة- ﵃ إليه، وطائفة أخرى ارتدت عن الإسلام جملة كأصحاب طليحة وسجاح- راجعا الاسلام بعد- والأسود ومسيلمة وكان في غمار هؤلاء المرتدين أفراد من المؤمنين يقاومون وتوقفت طائفة تنتظر لمن تكون الغلبة. وكان السر الأكمل في هذه الردة على تفصيلها أن يتبين للناس أن الذين اتبعوه اتبعوه لأنه نبي لا لأنه عربي. لقد ثبت المحو به مباشرة في الأكثر الأظهر وثبت المحو بواسطة خليفته ومن معه ممن انطبق عليهم قول الله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. والمحو على يد هؤلاء السادة محو به. وهكذا كل محو يقع على يد أتباعه إلى يوم الدين فهو محو به وله مثل حسنات مباشريه على قاعد السابق للخير والبارىء به والداعي إليه. وكذلك الإسم الرابع فهو مختص بمعناه لأن الله لم يجمع الناس جمعا تشريعيا على نبي قبله فقد كان النبي يرسل إلى قومه خاصة وأرسل هو ﵌ إلى الناس عامة. وكذلك الإسم الخامس فهو المختصر، بختم الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم عليهم أجمعين. هذه الأسماء الشريفة نأخذ منها حظ العلم وحظ العمل فأما حظ العلم فقد تقدم، وأما حظ العمل فعلينا إذ علمنا معنى اسمه محمد

стр. 809

أن نستكثر من الأخلاق الطيبة والأعمال النافعة والمواقف الشريفة مما ننال به الحمد من الله والناس. وعلينا إذ علمنا معنى اسمه أحمد أن نكثر من حمد الله على نعمه نعم الخلقة ونعم الهداية، فنحمده إجمالا وتفصيلا، ويتضمن هذا علمنا بهذا النعم وذلك يقتضي توسيع دائرة معلوماتنا بخلقه وبشرعه فنتناول كل ما نستطيع من العلوم والمعارف التي توصلنا إلى ذلك وقدلنا عليه. وعلينا إذا علمنا معنى اسمه الماحي أن نعمل على محو الكفر والضلال والشر والباطل وكل ما ينهي عنه الإسلام وما ابتدعه المبتدعون وحملوه إياه. نمحو ذلك كله من أنفسنا وحيثما استطعنا ولا سبيل إلى هذا المحو إلا بالعلم والعمل وإظهار الإسلام بسلوكنا في الحياة أمام الناس في مظهره الصادق الصحيح فأعظم ما محى به الكفر سلفنا الصالح هو هديهم وسلوكهم وتطبيقهم للإسلام تطبيبقا صحيحا على الحياة في أنفسهم وفي غيرهم في جميع الأحوال. وعلينا إذ علمنا معنى اسمه الحاشر أن نتقيد بشريعته وسنته فلا نقول ولا نعمل ولا نعتقد إلا مالا يخرج عنهما فيكون قولنا دائما ماذا قال محمد- ﵌ وماذا فعل وكيف كان في مثل هذا الموقف في مثل هذا الحال في كل ما نقفه من مواقف وما يعترضنا من أحوال وبهذا نكون قد حشرنا أنفسنا على اثره. وعلينا أن ندعو الناس إلى اتباع شريعته وسنته بما نبين لهم من براهين الحق وأدلة الصدق وبما نذكر لهم من محاسنه ومحاسن ما جاء به وبذلك نكون قد عملنا على حشر ما استطعنا من الناس على شريعته وجمعنا ما أمكننا من القلوب على تعظيمه ومحبته، وفي ذلك الخير والسعادة للناس أجمعين. وعلينا إذ علمنا معنى اسمه العاقب وهو الخاتم أن نرد كل ما يحدثه

стр. 810

المحدثون من زيادة في شريعته، ونعد كل من يأتي ذلك ويتظاهر بالإسلام دجالا من الدجاجلة وقد أخبر النبي- ﵌ أنه يكون بعده دجاجلة وكذابون وأولهم مسيلمة والمتنبؤون الكذبة فلا قول إلا قوله ولا هدى إلا هديه ولا إسلام إلا ما جاء به. ... ها ان مالكا- رحمه الله تعالى ورضي عنه وجازاه عنا أحسن الجزاء- قد ختم كتابه الجليل بهذا الحديث الشريف المشتمل على هذه- الأسماء النبوية الكريمة فهل هنالك من نكتة؟ إن هذا الموطأ هو أقدم كتاب لنا ألفه إمام عظيم من أتباع التابعين، وهو كتاب يعلمنا العلم والعمل ويعرفنا كيف نفهم وكيف نستنبط وكيف نبني الفروع على الأصول، يعطينا هذا كله وأكثر منه بصريح بيانه وبأسلوب ترتيبه للأحاديث والآثار والمسائل. وإن شراح هذا الكتاب الجليل لم يوفوه حقه- في نظري القاصر- من هذه الناحية وهي من أعظم نواحيه. ومما هو مشهور من ابتكار مالك في كتابه هذا الكتاب الجامع الذي ختم به الموطأ، فإنه نظر إلى مسائل عديدة من أمهات الشريعة في العقائد والأخلاق والآداب والأحكام وغيرها فنظمها في سلك واحد وسماها بالكتاب الجامع، وهذه الأصول التي نظمها في هذا الباب بنى عليها من جاء بعده فروعا وعقد عليها أبوابا كالبخاري وغيره. وإن مالكا لم يذكر في موطئه كتابا خاصا بالسيرة النبوية كما فصل ذلك غيره ممن جاء بعده ولكنه ذكر أسماءه الشريفة- ﵌ فكفاه وذكر أسمائه متضمنا لسيرته- ﵌ فكفاه في ذكر حياته- ﵌ أن يذكر أسماءه.

стр. 811

ولما كانت سيرته من بدايتها إلى نهايتها هي المثال الصادق للشريعة كلها والسفر الجامع للدِّين الإسلامي كله- ختم كتابه بهذا الحديث المشتمل على هذه الأسماء المتضمنة لها. وهو كالتحصيل بعد التفصيل. ونكتة أخرى وهو أن كل ما نأخذه من الشريعة المطهرة علما وعملا فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية. والمثال الكامل لذلك كله هو حياة محمد- ﵌ في سيرته الطيبة فهذا الحديث بعد ما تقدمه من الكتاب كله مثل الغاية من الوسيلة. فسيرته- ﵌ هي الجامعة لمحاسن الإسلام والغاية لكل كمال. ومن أبدع المناسبة لختم الكتاب أن كان آخر هذه الأسماء الشريفة هو العاقب والعاقب هو الخاتم، عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الآل والتابعين أفضل الصلاة وأزكى التسليم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (١).

стр. 812

آثار وأخبار (١). استقر رأي الأعضاء الإداريين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين على تخصيص الصفحة الأولى من جريدة الجمعية بهذا الباب: باب الآثار والأخبار. والمنقول في هذا الباب هو الحديث المرفوع إلى رسول الله ﵌، والأثر المروي عن أحد الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين-، والقول المنسوب إلى إمام من أئمة الدين أو صالح من صلحاء المؤمنين رحمة الله عليهم أجمعين. ويختار من الآثار والأخبار ما قل لفظه ليسهل على القارىء حفظه، ودل مع ذلك على ترغيب أو ترهيب أو تربية أو تسلية. وعلى القارىء أن يحفط ما يجده في هذا الباب من الآثار. وعلى الكاتب أن يعقب كل أثر بتعليق يشير فيه إلى ما حضره من فوائد تؤخذ من ذلك الأثر، ولا بأس أن يكون التعليق منقولا أيضا. فإن المقصود هو أن يحرص الكاتب على إفادة القارىء سواء في ذلك إفادته بما فهمه هو أو بما فهمه غيره. ١ - شكوى علماء الدين من الأرذال المفسدين: روى ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" عن الحسن البصري أحد كبار علماء التابعين أنه قال:

стр. 813

اللهم إليك نشكو هذا الغثاء الذي كنَّا نحدث عنه، إن أجبناهم لم يفقهوا، وإن سكتنا عنهم وكلناهم إلى عي شديد. والله لولا ما أخذ الله على العلماء في علمهم ما أنبأناهم بشي أبدا (١: ٦). تعليق: الغثاء في الأصل ما يخالط زبد السيل من أعشاب وأوراق، والمراد به- هنا أرذال الناس وسقطهم. وقد أفاد الأثر أولا: أن علماء الدين المرشدين كانوا من قديم الزمان يعانون متاعب في الإرشاد ويتحملون إذايات المفسدين، ويتلقون اعتراضات من أدعياء العلم المفتونين. وثانيا: أن تلك المتاعب والإذايات والاعتراضات لا تسقط عن العالم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تنجيه من تبعة الكتمان الثابتة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ وقوله- ﵌، «من سئل علما علمه فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» رواه ابن عبد الله في الجامع وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم بروايات متحدة المعنى متقاربة الألفاظ. وثالثا: أن العلم أمانة عند العلماء، وهم مكلفون بأدائها لمستحقيها. وليس العلم ملكا لهم يستغلونه فيكتمونه إن رأوا الكتمان أوفق بمصالحهم الشخصية، وينشرون منه ما لا يصادم أهواء العامة بل يزيدهم جاها لديهم. ولا أبخس صفقة ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة.

стр. 814

٢ - حكم طلب العلم: روى ابن عبد البر في جامعه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله- ﵌ «أطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم» (١: ٧). تعليق: أفاد الحديث أمرين: أحدهما وجوب طلب العلم، وثانيهما عدم اعتبار المشقة في طلبه مانعا من وجوبه، بلغت المشتقة ما بلغت. والحديث رواه ابن عبد البر من طرق متعددة ثم قال ( ... في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم وإن كانوا قد اختلفوا فيه اختلافا متقاربا). ومثار الخلاف الذي أشار إليه ابن عبد البر ما في لفظة العلم من الإجمال، فإن المراد من العلم العلم الديني قطعا، لكن مسائل الدين منها ما هو فرض ومنها ما هو غير فرض ومنها ما هو فرض عيني ومنها ما هو فرض كفاءي. وقد أورد ابن عبد البر أقوال الأئمة في معنى الحديث، فروى عن اسحاق بن راهويه أنه قال: " معناه أنه يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته، إن كان له مال، وكذلك الحج وغيره، وما وجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه، وما كان فضيلة لم يخرج إليه حتى يستأذن أبويه ". وروى عن مالك أنه سئل: عن طلب العلم أهو فريضة على الناس فقال: لا، ولكن يطلب من المرء ما ينتفع به في دينه. وروى عن ابن المبارك أنه سئل عن معنى هذا الحديث فقال: فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلمه.

стр. 815

وروى عن ابن عيينة أنه قال: فريضة على جماعتهم، ويجزىء فيه بعضهم عن بعض وتلا هذه الآية: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. ثم أورد ابن عبد البر جملة من المسائل الواجبة وجوبا عينيا، وجملة من الواجبات الكفائية، ونحن لا نرى لزوما للتفصيل فإنه يلوح من كلام الأئمة المتقدم أن طلب العلم على وجهين: أحدهما الاشتغال بتحصيل مسائله والانقطاع إلى تعلم قواعده. وهذا هو الواجب كفاية. وثانيهما السؤال عن حكم ما نزل به من أمر دينه واستفتاء أهل العلم فيه وهذا واجب عينا فاحفظ هذا الضابط واعتبر به مسائل دينك يسهل عليك الفرق بين ما هو واجب على عموم المسلمين يسقط عنهم بوجود عالم بينهم، وما هو واجب عليك في خاصة نفسك لا تبرأ منه ذمتك إلا بمعرفته (١). ٣ - براءة رسول الله- ﵌ ممن غير دينه: روى مالك في الموطأ، وروى غيره أيضا عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله- ﵌ خرج إلى القبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إنْ شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا. فقالوا: يارسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: كلا أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. وأنا فرطهم على الحوض.

стр. 816

فقالوا: يارسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: قال يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء. وأنا فرطهم على الحوض. فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم ألا هلم ألا هلم ألا هلم: فيقال إنهم قد بدلوا بعدك؟ فأقول: فسحقا فسحقا فسحقا». تعليق: قد أتينا هذه المرة بحديث فيه طول. ولكن ما فيه من الفوائد نعتقد أنه يكون حافزا للقارىء إلى حفظه. وليس حفظ الحديث الجليل بكثير على همة المستفيدين. وفوائد هذا الحديث أولاها: جواز زيارة القبور، غير أن الجواز مقيد بكونها على الصفة التي وقعت من رسول الله- ﵌ ومن أصحابه- رضوان الله عليهم-. وصفة الزيارة في هذا الحديث مركبة من ثلاثة أشياء: أحدها حق الدعاء للموتى، ثانيها الاعتبار بحالهم، ثالثها دعاء الزائر لنفسه بحسن الخاتمة. الأول مستفاد من جملة السلام عليكم. والثاني مستفاد من جملة وإنا بكم لاحقون. والثالث مستفاد من جملة إن شاء الله. فقد قال أبو القاسم الجوهري معناه: " لا نبدل ولا نغير، نموت على ما متم عليه إن شاء الله تعالى" نقله الباجي في شرح الموطأ. الفائدة الثانية: تسميته- ﵌ لمن لم يره من أمته بإخوانه. فنحن من أخوانه- ﵌ وكفى بهذه النسبة شرفا. فما على المسلم إلا أن يعمل بسنة نبيه ﵌ حتى تتحقق فيه هذه النسبة. وليس من الأدب ومن الإيمان أن يستضعف المسلم هذه النسبة ويحاول

стр. 817

تقويتها بنسبة أخرى إلى شخص آخر ككونه خوني فلان أو حبيبه أو درويشه (١). وعدم تسميته- ﵌ لأصحابه بالإخوان يدل على فضل الصحبة وإن لها مزية زائدة على مطلق الأخوة. وهذا لا خلاف فيه. الفائدة الثالثة: عنايته- ﵌ بأمته في الآخرة كما كان حريصا على هدايتهم في الدنيا يدل لهذه العناية قوله: وأنا فرطهم على الحوض. قال الباجي في شرحه: يريد أنه يتقدمهم إليه ويجدونه عنده. رواه ابن حبيب عن مالك. يقال فرطت القوم: إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيء لهم الماء والرشاء. الفائدة الرابعة: إن عنايته- ﵌ بأمته في الآخرة خاصة بالثابتين على سنته منهم، فأما المبتدعون الذين بدلوا سنته وأحلوا محلها بدعتهم فإنه- ﵌ يبعدهم عنه بقوله: فسحقا فسحقا فسحقا. ثم هذا الإبعاد معناه الحرمان من ماء الحوض في وقت شدة الحاجة إليه. فإن كان الابتداع والتبديل بالمروق من الدين فالإبعاد حرمان من الشفاعة أيضا، ويبقى ذلك المبتدع مخلدا في النار وإن كان الابتداع لا يخرج من الدين، فالإبعاد عن الحوض لا يمنع المبتدع أن تناله الشفاعة، غير أن في الإبعاد عن الحوض عذابا بالظمأ وخزيا بالطرد. نسأل الله أن يحيينا على سنة رسوله الكريم وأن لا يحرمنا من ماء حوضه العذب ولا من شفاعته المرجوَّة (٢).

стр. 818

٤ - الترغيب في الذكر قال الحسن البصري وأبو العالية والسدى والربيع بن أنس: «إن الله يذكر من ذكره ويشكر من شكره ويعذب من كفره». نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره (١: ٣٦٠). تعليق: الأحاديث والآثار في فضل الذكر والترغيب فيه كثيرة، وليس فيها على كثرتها ما يدل على احتياج الذاكر إلى إذن في ذكره من غيره. وليس فيها على كثرتها ما يدل على أن الله قد نصب بعض عباده لإعطاء الإذن في ذكره لمن يريده. فاذكروا الله أيها المؤمنون. ولا تتخذوا وسطاء بينكم وبين الله في الإذن بالذكر ولا في قبوله. وما أصدق قول الناس: "باب الله ما عليه بواب". ٥ - ما هو الذكر ومن هو الذاكر ؟ عن خالد بن أبي عمران قال: قال رسول الله ﵌ «من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلَّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن. ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن». أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، نقل ذلك السيوطي في الدر المنثور (١: ١٤٩). وعن سعيد بن جبير أنه قال في جواب مسائل سأله عنها عبد الملك ابن مروان: "وتسأل عن الذكر فالذكر طاعة الله. فمن أطاع الله فقد ذكر الله،

стр. 819

ومن لم يطعه فليس بذاكر وأن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن". نقله ابن غيلان في شرحه على حلية الأبرار للنووي (١: ١٥). تعليق: قد جمعنا بين الحديث المرفوع والأثر الموقوف على سعيد بن جبير من كبار علماء التابعين لاتحادهما في المعنى وورودهما على غرض واحد، وقدمنا الحديث لأنه الأصل، وأخرنا الأثر لأنه الفرع الشاهد المقوي لسند ذلك الحديث .. وقوله في الحديث: وإن قلت صلاته ... الخ. يريد صلاة التطوع وصيام التطوع، أما من قلت صلاته الواجبة أو صيامه الفرض فإنَّه عاص لا يوصف بالطاعة. وبهذا الحديث وذلك الأثر تعلم المراد من الآيات الآمرة بالذكر. كقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. فليس المراد من الذكر في أمثال هاتين الآيتين خصوصا الذكر اللساني. بل المراد الطاعة بجميع أنواعها من صلاة وصيام وصدقة وتلاوة قرآن وتسبيح وتحميد وتهليل وغير ذلك. فإن المطيع إنما أطاع الله لكونه ذكره بقلبه أو بلسانه. وغرضنا من تقديم هذين الحديث والأثر إلى القراء أن يعلموا أولا: أن معنى الذكر أوسع مما يتخيلون، وأن بعض من يمدونهم من العباد في غير الذاكرين هم في عرف الشرع من الذاكرين. وأن يعلموا ثانيا: أن ما عليه كثير من العوام من الاعتماد على السبح (١) دون الطاعة هو غرور في غرور وأن كثيرا ممن يعد نفسه ويعده الناس من الذاكرين هو في عرف الشرع من الغافلين.

стр. 820

فيا أيها المسلمون تثبتوا في الحقائق الشرعية واطلبوا تفسيرها من صاحب الشريعة أو ممن قرب زمنه من زمنه. ولا تعتمدوا في فهم حقائق دينكم على عرفكم وعادتكم فإن الجهل بالسنة وخروج أمر العامة من يد العاملين بها مما ابتليت به الأمة الإسلامية قديما. ٦ - هل ينفع الذكر مع تصدي حدود الله ؟ عن أبي هند الداري عن النبي- ﵌ «قال الله اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي فمن ذكرني وهو مطيع فحق عليَّ أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني وهو لي عاص فحق علي أن أذكره بمقت». أخرجه الديلمي وابن عساكر. ونقله السيوطى في الدر المنثور (١: ١٤٨). وعن ابن عمر- ﵁ أنه قيل له: أرات (١) قاتل النفس وشارب الخمر والزاني يذكر الله، وقد قال الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟ قال: " إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت". اخرجه عبد الله بن حميد وابن أبي حاتم نقله في الدر المنثور (١: ١٤٩) تعليق: إن في ذلك الحديث وهذا الأثر لذكرى لقوم يؤمنون. كثيرا ما يعظ المسلم أخاه وينكر عليه تكاسله في الواجبات ونشاطه في المنهيات فيجيبه بقوله إن الله غفور رحيم، أو نحن أخذنا الورد عن

стр. 821

سيدي فلان وقد ضمن لمن يذكر ورده الجنة. فليعلم المسلمون أن ذكر الله على هاته الصفة ونحوها مما يوجب مقت الله ولعنته. أيها المسلمون من وعظ منكم فليتعظ، ومن نهى عن منكر فلينته. ومن أمر بمعروف فليأتمر ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). ٧ - الحث على القرآن: عن عثمان بن عفان- ﵁ عن النبي- ﵌: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن. تعليق: قد تقاصرت همم المسلمين في هذه المدة الأخيرة عن تعليم القرآن وتعلمه. فقل الحافظون له؛ فعلى كل من نصب نفسه لإرشاد المسلمين في دينم أن يحثهم على العناية بحفظ كتاب ربهم، وعلى الكتَّاب أن يطرقوا هذا الموضوع الكثير النواحي. هذا يأتيه من ناحية فضيلة القرآن- وذلك من ناحية اختيار المعلمين وما هي الصفات المطلوبة فيهم؟ والآخر من ناحية أسلوب التعليم وما هو الأقرب إلى التحصيل من أي الأساليب؟ ورابع من ناحية تحسين حال المعلمين وتوفير أجرتهم، وكل من هذه النواحي يلزم أن تتعدد فيها الكتابة حتى تحدث تأثيرا في المجتمع وتكون رأيا عاما في الموضوع. وحسبنا في هذا الباب باب الآثار والأخبار ما أرشدنا إليه.

стр. 822

والحديث صريح في فضل من جمع بين تعلم القرآن وتعليمه لغيره وأنه خير من غيره، وإنما ثبتت له هذه المزية لأن المراد من متعلمه من حفظه وفهمه وعمل به والمراد من معلمه من يلقنه غيره ويفسره له ويرشده إلى العمل به. وإذا كان هذا النوع الممدوح في الحديث المفضل على غيره بشهادة الصادق المصدق مفقودا من بيننا أو كالمفقود، فالواجب علينا السعي في تكوينه ولهذا دعونا الكتاب إلى العناية بهذا الموضوع. قال الحافظ ابن حجر في بيان وجه خيرية معلم القرآن ومتعلمه: " ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدى. - ولهذا كان أفضل. وهو من جملة من عنى بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهذا أشرف الجميع". هذا كلام ابن حجر. ثم أفاد أن ليس المراد بهذا الحديث من كان قارئا أو مقرئا محضا لا يفهم شيئا من معاني ما يقرأه أو يقرئه. ٨ - الإعتصام بكتاب الله: عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- ﵁ قال: سمعت رسول الله- ﵌ يقول: «أتاني جبريل فقال يا محمد أمتك مختلفة بعدك! قال: فقلت له: فأين المخرج يا جبريل؟ قال: فقال: في كتاب الله. به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا ومن تركه هلك (مرتن) قول فصل

стр. 823

وليس بالهزل. لا تخلقه الألسن ولا تفنى عجائبه. فيه نبأ من كان قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما هو كائن بعدكم». أخرجه الإمام أحمد. نقله الحافط ابن كثير أوائل كتابه فضائل القرآن الذي ختم به تفسيره. تعليق: صدق رسول الله- ﵌ فقد وقع الاختلاف. وقد دعونا الناس إلى المخرج وهو كتاب الله وسنة رسوله المبينة له. فقال المعاندون ما قالوا إلاَّ من كان يؤمن بأن محمدا رسول الله فليمتثل إرشاده. وقد أرشدنا إلى المخرج من هذا الاختلاف فلنعمل بإرشاده وهدانا إلى طريق الحق عند الإلتباس فلنهتد. وقد وصف الله كتابه بقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ فهو هدى بين واضح لا يلتبس على مديد الحق التماس الهدى منه. وإذا كانت طباعنا العربية وسلائقنا في فهم لسان العرب قد حالت وفسدت وصعب علينا أو تعذر فهم كلام ربنا، فإن في تعلم اللغة العربية وعلومها ما يجعل لنا سلائق مكتسبة، وأن فيما كتبه أئمة التفسير قبلنا ما يجبر نقص السليقة الكسبية عن السليقة الفطرية. وقد أوصل الجهل بكتاب الله بعض أدعياء العلم إلى أن جعلوا الدعوة إلى توحيد الله ونبذ ضروب الشرك طريقة خاصة بابن تيمية على معنى أنها بدعة حصلت بعد انعقاد الاجماع! فمن سلك هذه الطريقة فقد عرض دينه للخطر! ولو نظروا في كتاب الله وتأملوه لوجدوا جل آياته دعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك. وإذا ذكرت لهم هذا قالوا-: تلك آيات نزلت في مشركي مكة،

стр. 824

فكيف تطبقونها على من يشهد الشهادتين. وهذا نوع آخر من جهالاتهم وتلبيس إبليس عليهم فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ قال المفسرون معناه من بلغه القرآن فتخصيص إنذاره بمشركي مكة تعطيل للقرآن. قال الغزالي في الإحياء: " وينبغي للتالي أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن. فإن سمع أمراً أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور. وكذا إن سمع وعدا أو وعيدا. وكذا ما يقف عليه من القصص فالمقصود به الاعتبار. قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال محمد بن كعب القرظي: "من كلمه القرآن فكأنما كلمه الله " أ. هـ كلام الغزالي (١). ٩ - مدح العامل بالقرآن: عن أبي موسى الأشعري- ﵁ عن النبي- ﵌:

стр. 825

«المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب. والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنطة طعمها مر وريها مر». رواه البخاري ومسلم وغيرهما. تعليق: جعل رسول الله- ﵌ طيب الطعم دائرا مع العمل. وجعل طيب الرائحة صفة التلاوة. والمجدي على المرء هو عمله. أما التلاوة وحدها لا تجدي فالمنافق يتلو القرآن ولكنه في الدرك الأسفل من النار. وقد دل الحديث على أن العمل بالقرآن درجتين (١) أعلاهما الجمع بين التلاوة والعمل. ودل على أن المخالفة لأوامره ونواهيه دركتين (٢) أدناهما الجمع بين الأعراض عن حفظه والإضراب عما دعا إليه. والعمل بالقرآن يقتضي فهم معانيه وكذلك كان المخاطبون بهذا الحديث فإن القرآن بلغتهم نزل. ولهذا لم يقل في الحديث: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن ويفهمه ويعمل به)) لأن ذكر الفهم لأولئك المخاطبين حشو، تتحاشى عنه البلاغة النبوية. فيا أيها القراء المؤمنون تطلبوا معاني ما تقرأون واعملوا بما تفهمون كي تكونوا أترجة، ويا أيها المؤمنون الأميون اسألوا أهل الذكر والعلم بكتاب ربكم وتحروا العمل بما دعاكم إليه كي تكونوا ثمرة. وقد دلت مقابلة القارىء العامل بالقارىء المنافق على تسمية من يخالف ما يقرأه منافقا والمنافقون في الدرك الأسفل من النار وهم

стр. 826

أخس صنوف الكفار. ولكنا نجد من الناس من لا يختلف في إيمانه ثم هو يخالف ما يقرأه. وقد قال العلماء: إن هذا النوع من المؤمنين يسمي نفاقهم نفاق عمل لا نفاق كفر. ويسمون منافقين مجازا لأن فيهم خصلة من خصالهم وهي مخالفة للأوامر. فالقارىء إن لم يعمل بما يقرأه فهو منافق حقيقة أو مجازا. أعاذنا الله وإياكم من النفاق حقيقته ومجازه وجعلنا ممن يتلو كتابه عالما بمعانيه عاملا بما يفهمه منه. ١٠ - ذم المباهي والمتعيش بالقرآن: عن أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي- ﵌: «تعلموا القرآن واسالوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسأون به الدنيا. فإن القرآن يتعلمه ثلاتة نفر: رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرأه لله (١). رواه أبو عبيد في فضائل القرآن وصححه الحاكم، نقله الحافظ في فتح الباري (٩: ٨٢). تعليق: حديث أبي سعيد أخرجه الإمام أحمد بلفط آخر وفي آخره: ((ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر)) وفسر الراوي عن أبي سعيد الفاجر بمن يتأكل بالقرآن، فقوله في رواية أبي عبيد (ورجل يستأكل به) بمعنى الفاجر في رواية الإمام أحمد، ويكون حينئذ قوله في رواية أبي عبيد (رجل يباهي به) بمعنى قوله في الرواية الأخرى (ومنافق).

стр. 827

وقد دل الحديث على ذم المباهي بتلاوته. وكثيرا ما يقصد قراء زماننا المباهاة بأصواتهم والفخر بحفظهم، ولا سيما إذا كانوا يتلون مجتمعين بصوت واحد، فليحذر من يجد هذا من نفسه، وليعلم أن كتاب الله هداية تخشع لها القلوب وتستسلم إليها الجوارح. ودل أيضا على ذم المسترزق بالقرآن وكثير من قراء زماننا لا يقصدون من حفظه إلا التوسل به للتلاوة على الموتى بأجرة ونحو ذلك من الأغراض الدنيوية المحضة. ولا يتناول هذا الذم من يأخذ الأجرة على تعليم القرآن إذا كانت في مقابلة تعبه وشغل وقته، ولم يتخذ تعليمه صناعة من الصناعات المادية المحضة بل على هذا المعلم- إن أراد السلامة من ذلك الذم- أن يكون هو نفسه عاملا بكتاب الله وأن يقصد من تعليمه الدعوة إلى العمل به. ١١ - الغاية من قراءة القرآن: عن ابن مسعود- ﵁ أنه كان يقول: ((أنزل عليهم القرآن ليعملوا به، فاتخذوا درسه عملا. أن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به)). نقله الثعالبي في تفسيره (١: ٩) تعليق: ذم ابن مسعود من اتخذ تلاوة القرآن عملا. فكيف حال من آجر نفسه للتلاوة وباع عمله ذلك؟ وللفقهاء خلاف في حصول الأجر لمن يقرأ القرآن من غير فهم ولا

стр. 828

تأمل. وهذا إذا قصد التالي بتلاوته وجه الله تعالى لأن الإخلاص شرط شرعي لترتيب الثواب الأخروي فهل هذا الذي يتلو القرآن من غير فهم بأجرة مخلص لله في تلاوته حتى يختلف في إثابته على التلاوة؟ وقد فتحنا بابا للبحث في موضوع "الفداوي" (١) واللبيب يكفيه ما اقتصرنا عليه (٢). ١٢ - معنى ليلة القدر: قال الشوكاني: " قيل: سميت ليلة القدر لأن الله يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة، وقيل: لعظيم قدرها وشرفها، وقيل: لأن للطاعات فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا. وقال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ- أي ضيق-﴾. تفسير الشوكاني (٥: ٤٥٩). تعليق: هذا كلام الشوكاني حذفنا منه كلمات قليلة لا تؤثر في فهم الرأي. والأقوال الثلاثة، الأول ذكرها أيضا محي السنة أبو محمد البغوي في تفسيره. ولا أرى مانعا من صدق هذه الأقوال مجتمعة، فهي ليلة قدر

стр. 829

بمعنى تقدير الأرزاق والآجال وغيرها لوقوع هذا التقدير فيها، وهي ليلة قدر وشرف لنزول القرآن فيها. وللطاعات فيها قدر وفضل على الطاعات في غيرها، وهي ليلة تكثر فيها الملائكة بالأرض كثرة لا تكون في غيرها لقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾. وعلى تفسير القدر بمعنى تقدير أمور الخلق يقال: كيف يتجدد هذا التقدير كل سنة وقدر الله أزلي؟ وقد نقل البغوي جواب هذا السؤال في تفسيره فقال: " قيل للحسن بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: نعم. قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير التي خلقها إلى المواقيت تنفيذاً للقضاء المقدر". وقد استبان من هذا أن الليلة التي تقدر فيها أمور الخلق هي الليلة التي قال الله فيها: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وسماها في آية الدخان مباركة إذ قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. فليلة القدر والليلة المباركة إسمان لليلة واحدة، هي ليلة إنزال القرآن. وهذه الليلة في رمضان لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وليست في شعبان كما يظنه العوام الذين يفرقون (١) بين ليلة القدر والليلة المباركة ويعتقدون اعتقادا مخالفا للقرآن، أن الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان، وبعض العوام يسمون ليلة النصف من شعبان ((ليلة قسام الأرزاق)) ولهم في هذه الليلة خرافات يبنونها على أساس الجهالات. وغرضنا من هذا التنبيه إرشاد المسلمين إلى معرفة هذه الليلة معرفة صحيحة كما نطق الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وبهذه المعرفة على هذا الوجه تتطهر عقولهم من خرافات وتزول عنهم جهالات.

стр. 830

١٣ - معنى خيرية ليلة القدر: عن أنس قال: " العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر" أخرجه عبد الله بن حميد، نقله في الدر المنثور (٦: ٣٧٠). تعليق: بين هذا الأثر- وفي معناه آثار كثيرة- أن خيرية ليلة القدر راجعة إلى تفضيل الطاعة فيها والعمل الصالح على غيرها من الليالي والأيام. وهذا يفيد أن المسلم الذي يتطلب ليلة القدر إنما يتطلبها ليعمل صالحا ويجد في العبادة، فالمؤمن اإنما يطلبها للدين لا للدنيا، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله- ﵌ قال: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". ١٤ - الدعاء ليلة القدر: عن عائشة- ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني (١). رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم. نقله ابن كثير في تفسيره (٩: ٢٦١). تعليق: ليلة القدر من أوقات الاستجابة فينبغي للمؤمن أن يكثر فيها من

стр. 831

الدعاء ولهذا سألت عائشة- ﵂ عن صيغة تدعو بها تلك الليلة. وقد بيَّن رسول الله- ﵌ لزوجه الكريمة عليه صيغة الدعاء، فيتعين أن يكرر المسلم هذا الدعاء ليلة القدر وأن يفضله على ما سواه لأنه لفظ أفضل الخلق الذي علمه لأحب زوجاته. ثم هذا يؤكد ما قدمناه من أن ليلة القدر تراد للدين لا للدنيا، وكثير من العوام يتمنى لو يعلم ليلة القدر ليطلب بها دنياه فلتب إلى الله من وقع له هذا الخاطر السيء. فإن الله يقول في كتابه العريز: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. وكثير من العوام يعتقدون في بعض البيوتات الغنية أن مؤسس ذلك البيت رأى ليلة القدر فسأل الله أن يجعل ماله ونسله خيرا من مال الناس ونسلهم فكان ذلك ثم يجعلون هذه الميزة الدنيوية دليل (١) على ولاية ذلك الداعي وصلاح ذريته. وحديث عائشة- ﵂ وآية من كان يريد حرث الآخرة وما في معنى ذلك من الآيات والآثار شاهدة بفساد ذلك الاعتقاد وضلال تلك الأفكار، وأن الفرق بين التقي والفاجر هو الإقبال على الآخرة أو الإقبال على الدنيا. ولسنا ننكر على من يطلب الدنيا بأسبابهها التي جعلها الله تعالى وإنما ننكر على من يكون همه الدنيا دون الآخرة حتى أنه يترصد ليلة القدر ليطلب فيها الدنيا غافلا عن الآخرة. ثم يعتقد أن من نال ثروة دنيوية بغير أسباب ظاهرة ليديه فإنما ذلك لولايته ودعائه ليلة القدر!.

стр. 832

١٥ - علامات ليلة القدر: عن ابن عباس: أن رسول الله- ﵌ قال في ليلة القدر: «ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء». أخرجه أبو داود الطيالسي نقله ابن كثير (٩: ٢٥٧) تعليق: الأحاديث في تعيين ليلة القدر كثيرة متضاربة، والصحيح أنها في رمضان. والراجح أنها في العشر الأواخر منه. وهذه العلامات التي ذكرها الرسول- ﵌ ليلة القدر ليس فيها أن السماء تنشق وأنه يظهر فيها ألوان من نور كل نور له لون خاص إلى غير ذلك من خرافات العوام. وان مما يؤسف المؤمن ان الأوقات المفضلة في ديننا قد غمرناها بالخرافات وصرفنا نفوسنا عما يراد فيها من الطاعات، فحرمنا من خير كثير وقلما تجد وليا صالحاً أو وقتا فاضلا ألا وهو محاطا بخرافات تعين ابليس على إبراز قسمه في الاغراء. وتقف حجر عثرة أمام الداعي المرشد إلى الصراط المستقيم. وان مما يؤسف المؤمن ان هذا الشهر، شهر رمضان، الذي جمع الله لنا فيه بين الصيام والقيام، وأودع فيه أفضل ليالي العام يقطعه أكثرنا في اللهو والقمار والنوم والشجار. أيها المسلمون: طهروا عقولكم من الخرافات ونوِّروا قلوبكم بالطاعات، وانتهزوا فرصة الأوقات المفضلات، ولا تهملوها فتعود عليكم بالحسرات.

стр. 833

اللهم صلي على من أنزلت عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. انتهى بحمد الله الجزء الثاني من المجلد الأول ويليه الجزء الأول من المجلد الثاني

стр. 834

كتاب آثار ابن باديس الجزء الأول من المجلد الثاني مقالات اجتامعية تربوية أخلاقية دينية سياسية إعداد وتصنيف دكتور عمار الطالبي الشركة الجزائرية لصاحبها الحاج عبد القادر بوداود

стр. 835

جميع الحقوق محفوظة الشركة الجزائرية لصاحبها الحاج عبد القادر بوداود الطبعة الأولى ١٣٨٨ هجرية = ١٩٦٨ ميلادية الطبعة الثنية ١٤٠٣ هجرية = ١٩٧٣ ميلادية الطبعة الثالثة ١٤١٧ هجرية = ١٩٩٧ ميلادية

стр. 836

آثار ابن باديس ٣

стр. 837

[صورة: العلامة الثائر الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الحديثة بالمغرب العربي وقائد الحركة الإصلاحية ومؤسسها بالجزائر]

стр. 838

هذا هو الجزء الأول من المجلد الثاني من كتاب آثار ابن باديس، وهو مجموعة من المقالات الاجتماعية والتربوية والأخلاقية والدينية والسياسية، دبجها يراع العلامة الإمام ابن باديس في مختلف المناسبات. وقد قامت لجنة من كبار العلماء- بتكليف من دار اليقطة العربية- بالإشراف على طبع هذا الكتاب وتصحيحه، ليأتي سليماً من الأخطاء، خالياً من التحريف، كسفر له أهمية بالغة في النهضة الإسلامية والوثبة العربية في المغرب الإسلامي.

стр. 839

آثار ابن باديس: قسم الإصلاح والثورة ضد البدع

стр. 840

يتكلمون بما لا يعلمون إن الجاهل بالشيء جاهل به ولو كان من أعلم الناس بغيره، وما علمه بما علم برافع جهله فيما جهل، أن هذه لحقيقة من الوضوح بمكان. ولكن يحتاج إلى تكرار ذكرها بقدر ما يتكرر من وقوع مخالفتها. أن الناس قسمان: الجاهلون بكل علم، والعالمون وليس منهم من يعلم كل علم. ومن العجيب أن أهل الجهل اعرف بجهلهم فلا يتكلمون فيما لا يعلمون. وأما أهل العلم فكثير منهم يتجاوزون حدود علمهم فيتكلمون بما لا يعلمون. فكأن الجاهلين آيسوا من العلم ولم تكن لهم شبهة فاحجموا وكأن هؤلاء اغتروا بما عندهم فقالوا فيما غاب عنهم فاقدموا وذلك هو الغرور المبين. قد لا أكون أنا كاتب هذه السطور سالما من هذا العيب، ولكن ذلك لا يمنعني من لأن أذكره لاحذره واحذر منه. خصوصا إذا رأيت شره قد مس العزيزين عليَّ: ديني، ووطني، وقد رأيت ذلك هذه الأيام من ثلاث جهات فأردت أن أعرض لها في هذا الفصل: الجهة الأولى: نشرت "مجلة الرابطة الشرقية" في عددها الثالث من المجلهد الثاني مقالا بامضاء (علوي) عرض فيه كاتبه للخلاف الواقع بين العلويين الاشراف الحضارمة، والإرشاديين في جاوة وسنغافورة وقبل أن يدخل في موضوعه ذكر "الجزائر" لينظر بها فقال: "إليك نبأ عن الجزائر فإن في أرجائها حركة تحسبها حركة نهوض

стр. 841

لشعبها العربي الذي ... إلى صورة مشوهة من العجمة بالعسف والجهل وعدم المعونة على سلوك سبيل الحياة. وتدهش إذ تعلم أن الحركة الجزائرية بمظاهرها من نقاش على صفحات الصحف والمجلات هي حركة مفاضلة بين شيخين من شيوخ الطرق الصوفية هنالك، أيهما أصح نسبا وأنفذ أمرا وأقدر على الكرامات والخوارق؟. الحقيقة التي يعلمها كل أحد أن هذه الحركة الأدبية ظهرت واضحة من يوم برزت جريدة "المننقد" المعطلة بقرار وزاري، فمن يوم ذلك عرفت الجزائر من أبنائها كتابا وشعراء ما كانت تعرفهم من قبل. ولم تكن الجريدة أسست للدفاع عن أحد، وإنما أسست للمبدئين الذين لا يزالان مكتوبين على سفر هاته المجلة إلى اليوم. ثم كانت مخاصمات ضرورية في مبدأ كل نهوض ثم تقررت المباديء وعرفت الخطط ورجع الجميع- في الغالب- إلى العمل في دائرة الاإخاء والتسامح والتفاهم بالحسنى. ولم تكن قط في الجزائر هاته الصورة التي ذكرها الكاتب من الخصومة على المفاضلة بين شيخين ولكن صاحبنا تخيل فخال، وجازف المقال. وبدل أن يقتصر في كتابته على جاوة التي يعرفها- إن كان يعرفها- جاوزها إلى الجزائر التي لا يعرفها فكان من الخاطئين. الجهة الثانية: كتب الأستاذ سلامة موسى في كتاب "تاريخ الفنون وأشهر الصور" في فصل "الفنون الإسلامية" يقول: "وقد نزع الإسلام نزعة توحيدية وجعل للتوحيد المقام الأول في الإيمان فتأثرت الفنون من هذه الناحية بحذف كل ما يختص برسم الإنسان أو الحيوان أو نحت تماثيلهما. وذلك لأن الصور والتماثيل تومىء إلى الأوثان التي يخشى

стр. 842

على التوحيد منها. ولكنا نجد أمتين إسلاميتين هما: الفرس، ومصر (مدة الفاطميين) تسمامحتا بعض التسامح في الرسم والنحت حتى كانت ترى في قصور الفاطميين مناظر الرقص والصيد والغزلان، وكانت كتب الفرس وقصورهم تزين أيضا بصور الحيوان والنبات. ولكن هذا لا يطعن فيما نثبته من معأرضة الإسلام لهذين الفنين بل هو أجدر أن يؤيد ما قلناه، وذلك لأن فارس ليست سنية وكذلك مصر أيام الفاطميين كانت شيعية. والتشيع نوع من الانشقاق عن الإسلام وخروج على جمهور المسلمين". لا شك أن حضرة الكاتب يجهل أن جمعا كبيرا من علماء الإسلام لا يمنعون من الصور ما كان مثل رقم في ثوب، وإنما يمنعون ما كان تمثالا تام التصوير، وليس جهله بهذا هو الذي يدعونا إلى الإنكار عليه. ولكن قوله: "والتشيع نوع من الانشقاق عن الإسلام" هو الجدير بكل إنكار. فقد حسب نفسه لما عرف شيئا من تاريخ الفنون أنه عارف بمذاهب الإسلام، فحكم على الشيعة بالانشقاق عنه. وهذا الكاتب لم يكفه أن ينفي- في أكثر ما يكتب- عن الإسلام كل ما يحسبه فضيلة حتى جاء يحأول أن ينفي عنه أمما كاملة من أبنائه ونعوذ بالله من سوء القصد وقبح الغرور. الجهة الثالثة: قوم من بني جلدتنا مرقوا من جنسنا- وهم أحرار فيما يفعلون، ورفضوا شريعتنا- وهم أحرار فيما يفعلون. ثم نصبوا دعاية لهذا الرفض وهذا المروق يزعمون أن ما فعلوه مما لا يأباه الإسلام، ويرمون كل من لم يوافقهم بالجمود والتعصب. ليعلموا - أولا- أن كاتب هذه السطور وبني دينه وجلدته يحترمون جميع الأجناس البشرية، ويقدرون الحق والعدل في جميع

стр. 843

القوانين الأممية، ويدعون لهؤلاء السادة وما اختاروه لأنفسهم غير أنهم. ينكرون هذه الدعاية العريضة التي يتقول فيها على الإسلام بغير علم ويرمي فيها علماءه بالجهل والتعصب والجمود. أيها السادة- مع احترامي لكم ولما اخترتموه لأنفسكم- أقول لكم بغاية الصراحة: إنكم تجهلون أصول الإسلام لأنكم لم تتعلموها، وإنكم- بضرورة ذلك- مخطئون فيما تنسبونه إليه، وأن الناس، لعلمهم بذلك منكم، لا يغترون بشيء مما تقولون. خير لكم- أيها السادة- أن تسلكوا في دعايتكم مسلك البيان للمنافع الدنيوية التي تحصل للناس بموافقتكم- إذا كانت ثم منافع- وتضربوا الأمثال لذلك بما حصل لكم بالفعل من الميزان كان قد حصل، وتدعوا أمر الدين والفتوى لأهلهما، وأنتم لو سلكتم مسلك الدعاية بالدنيا لما عرضت لكم. ولكن لما أخذتم تدعون باسم الدين لم يسعني إلا تنبيهكم بهذه الكلمات، وعساكم- لما كنتم ترغبون من علماء الدين أن يجاوبوكم- أن تتلقوا مني هذه الآية القرآنية الكريمة، وهذا الحديث النبوي الشريف، كتحقيق لرغبتكم واعتبار لها. وثقوا مع ذلك باحترامي لأشخاصكم، وتقديري لما هنالك بيننا من روابط شخصية أو عمومية هي غير ما نحن بصدده: قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وأين الرفض من هذا التسليم. وقال سيدنا ومولانا محمد- ﵌: « .. مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ الله مِنْهُ يوم القيامة عَدْلاً وَلَا صَرْفاً»

стр. 844

رواه مسلم والبخاري في صحيحهما من طريق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. ثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه الحليم الكريم (١).

стр. 845

ما هكذا عهدنا أدب صروف وقفت في جزء فيفري الماضي من مجلة "المقتطف" الكبرى على مقال من قلم تحريرها تحت عنوان "مفاخر اور الكلدانيين" جاء فيه قول كاتبه: " لقد جاء في بعض الخرافات العربية القديمة أن عاصفة من الرمل طمرت مدينة عاد فأصبحت بعد العاصفة ولا عين لها ولا أثر". لا نشك أن كاتب المقال ليس مسلما، كما لا نرتاب أنه لا يجهل أن قصة عاد من قصص القرآن، فتعبيره عنها بالخرافة من سوء الأدب الذي ما عهدنا في المرحوم الدكتور صروف الذي كان في علمه وفلسفته وشدة تحقيقه ديِّنًا صحيح التدين محترما لكتب الأديان، هذا من الوجهة الأدبية، وأما من الوجهة العلمية فإن الحكم على قصة مشهورة متواترة عند أمة بأنها خرافة بدون بحث ولا تدليل ليس من شأن العلماء المحصلين. ثم- بعد هذا- نقول في تحقيق هذه القصة القرآنية: أن القرآن العظيم كما يسلك في أدلته العقلية أقرب طريق وأوضحه كذلك يسلك في تذكيره أصدق المواعظ وأبلغها. وأنه كان يخوِّف العرب أن يحل بهم ما حل بالأمم قبلهم، ولقد خلت قبلهم أمم كثيرة جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوا فأخذهم الله بالعذاب الشديد، ولكن القرآن كان يذكرهم ويخوفهم بمن هم أقرب الأمم إليهم ممن كانوا في أرضهم العربية، قد تواترت لديهم أخبارهم، ومثلت أمامهم آثارهم من قوم عاد سكان الأحقاف وقوم ثمود سكان الحجر. وقد كان للتذكير
следующие страницы →