لشعبها العربي الذي ... إلى صورة مشوهة من العجمة بالعسف والجهل وعدم المعونة على سلوك سبيل الحياة.
وتدهش إذ تعلم أن الحركة الجزائرية بمظاهرها من نقاش على صفحات الصحف والمجلات هي حركة مفاضلة بين شيخين من شيوخ الطرق الصوفية هنالك، أيهما أصح نسبا وأنفذ أمرا وأقدر على الكرامات والخوارق؟.
الحقيقة التي يعلمها كل أحد أن هذه الحركة الأدبية ظهرت واضحة من يوم برزت جريدة "المننقد" المعطلة بقرار وزاري، فمن يوم ذلك عرفت الجزائر من أبنائها كتابا وشعراء ما كانت تعرفهم من قبل. ولم تكن الجريدة أسست للدفاع عن أحد، وإنما أسست للمبدئين الذين لا يزالان مكتوبين على سفر هاته المجلة إلى اليوم. ثم كانت مخاصمات ضرورية في مبدأ كل نهوض ثم تقررت المباديء وعرفت الخطط ورجع الجميع- في الغالب- إلى العمل في دائرة الاإخاء والتسامح والتفاهم بالحسنى. ولم تكن قط في الجزائر هاته الصورة التي ذكرها الكاتب من الخصومة على المفاضلة بين شيخين ولكن صاحبنا تخيل فخال، وجازف المقال. وبدل أن يقتصر في كتابته على جاوة التي يعرفها- إن كان يعرفها- جاوزها إلى الجزائر التي لا يعرفها فكان من الخاطئين.
الجهة الثانية:
كتب الأستاذ سلامة موسى في كتاب "تاريخ الفنون وأشهر الصور" في فصل "الفنون الإسلامية" يقول: "وقد نزع الإسلام نزعة توحيدية وجعل للتوحيد المقام الأول في الإيمان فتأثرت الفنون من هذه الناحية بحذف كل ما يختص برسم الإنسان أو الحيوان أو نحت تماثيلهما. وذلك لأن الصور والتماثيل تومىء إلى الأوثان التي يخشى
стр. 842
على التوحيد منها. ولكنا نجد أمتين إسلاميتين هما: الفرس، ومصر (مدة الفاطميين) تسمامحتا بعض التسامح في الرسم والنحت حتى كانت ترى في قصور الفاطميين مناظر الرقص والصيد والغزلان، وكانت كتب الفرس وقصورهم تزين أيضا بصور الحيوان والنبات. ولكن هذا لا يطعن فيما نثبته من معأرضة الإسلام لهذين الفنين بل هو أجدر أن يؤيد ما قلناه، وذلك لأن فارس ليست سنية وكذلك مصر أيام الفاطميين كانت شيعية. والتشيع نوع من الانشقاق عن الإسلام وخروج على جمهور المسلمين".
لا شك أن حضرة الكاتب يجهل أن جمعا كبيرا من علماء الإسلام لا يمنعون من الصور ما كان مثل رقم في ثوب، وإنما يمنعون ما كان تمثالا تام التصوير، وليس جهله بهذا هو الذي يدعونا إلى الإنكار عليه. ولكن قوله: "والتشيع نوع من الانشقاق عن الإسلام" هو الجدير بكل إنكار. فقد حسب نفسه لما عرف شيئا من تاريخ الفنون أنه عارف بمذاهب الإسلام، فحكم على الشيعة بالانشقاق عنه. وهذا الكاتب لم يكفه أن ينفي- في أكثر ما يكتب- عن الإسلام كل ما يحسبه فضيلة حتى جاء يحأول أن ينفي عنه أمما كاملة من أبنائه ونعوذ بالله من سوء القصد وقبح الغرور.
الجهة الثالثة:
قوم من بني جلدتنا مرقوا من جنسنا- وهم أحرار فيما يفعلون، ورفضوا شريعتنا- وهم أحرار فيما يفعلون. ثم نصبوا دعاية لهذا الرفض وهذا المروق يزعمون أن ما فعلوه مما لا يأباه الإسلام، ويرمون كل من لم يوافقهم بالجمود والتعصب.
ليعلموا - أولا- أن كاتب هذه السطور وبني دينه وجلدته يحترمون جميع الأجناس البشرية، ويقدرون الحق والعدل في جميع
стр. 843
القوانين الأممية، ويدعون لهؤلاء السادة وما اختاروه لأنفسهم غير أنهم. ينكرون هذه الدعاية العريضة التي يتقول فيها على الإسلام بغير علم ويرمي فيها علماءه بالجهل والتعصب والجمود.
أيها السادة- مع احترامي لكم ولما اخترتموه لأنفسكم- أقول لكم بغاية الصراحة: إنكم تجهلون أصول الإسلام لأنكم لم تتعلموها، وإنكم- بضرورة ذلك- مخطئون فيما تنسبونه إليه، وأن الناس، لعلمهم بذلك منكم، لا يغترون بشيء مما تقولون.
خير لكم- أيها السادة- أن تسلكوا في دعايتكم مسلك البيان للمنافع الدنيوية التي تحصل للناس بموافقتكم- إذا كانت ثم منافع- وتضربوا الأمثال لذلك بما حصل لكم بالفعل من الميزان كان قد حصل، وتدعوا أمر الدين والفتوى لأهلهما، وأنتم لو سلكتم مسلك الدعاية بالدنيا لما عرضت لكم. ولكن لما أخذتم تدعون باسم الدين لم يسعني إلا تنبيهكم بهذه الكلمات، وعساكم- لما كنتم ترغبون من علماء الدين أن يجاوبوكم- أن تتلقوا مني هذه الآية القرآنية الكريمة، وهذا الحديث النبوي الشريف، كتحقيق لرغبتكم واعتبار لها. وثقوا مع ذلك باحترامي لأشخاصكم، وتقديري لما هنالك بيننا من روابط شخصية أو عمومية هي غير ما نحن بصدده:
قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وأين الرفض من هذا التسليم.
وقال سيدنا ومولانا محمد- ﵌:
« .. مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ الله مِنْهُ يوم القيامة عَدْلاً وَلَا صَرْفاً»
стр. 844
رواه مسلم والبخاري في صحيحهما من طريق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه الحليم الكريم (١).
стр. 845
ما هكذا عهدنا أدب صروف
وقفت في جزء فيفري الماضي من مجلة "المقتطف" الكبرى على مقال من قلم تحريرها تحت عنوان "مفاخر اور الكلدانيين" جاء فيه قول كاتبه: " لقد جاء في بعض الخرافات العربية القديمة أن عاصفة من الرمل طمرت مدينة عاد فأصبحت بعد العاصفة ولا عين لها ولا أثر".
لا نشك أن كاتب المقال ليس مسلما، كما لا نرتاب أنه لا يجهل أن قصة عاد من قصص القرآن، فتعبيره عنها بالخرافة من سوء الأدب الذي ما عهدنا في المرحوم الدكتور صروف الذي كان في علمه وفلسفته وشدة تحقيقه ديِّنًا صحيح التدين محترما لكتب الأديان، هذا من الوجهة الأدبية، وأما من الوجهة العلمية فإن الحكم على قصة مشهورة متواترة عند أمة بأنها خرافة بدون بحث ولا تدليل ليس من شأن العلماء المحصلين.
ثم- بعد هذا- نقول في تحقيق هذه القصة القرآنية: أن القرآن العظيم كما يسلك في أدلته العقلية أقرب طريق وأوضحه كذلك يسلك في تذكيره أصدق المواعظ وأبلغها. وأنه كان يخوِّف العرب أن يحل بهم ما حل بالأمم قبلهم، ولقد خلت قبلهم أمم كثيرة جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوا فأخذهم الله بالعذاب الشديد، ولكن القرآن كان يذكرهم ويخوفهم بمن هم أقرب الأمم إليهم ممن كانوا في أرضهم العربية، قد تواترت لديهم أخبارهم، ومثلت أمامهم آثارهم من قوم عاد سكان الأحقاف وقوم ثمود سكان الحجر. وقد كان للتذكير
стр. 846
بأحوال تلك الأمم التي هي في أرضهم ومن جنسهم أبلغ الأثر في نفوسهم، كما كان من حديث عقبة بن ربيعة الذي رواه أصحاب السير: تلا عليه النبي- ﵌ حم فصلت إلى قوله صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، فأمسك عتبة بيده على فم النبي- ﵌ وأناشده الرحم أن يكف. وما كان محمد الرجل العظيم، والمصلح الحكيم، والرسول الكريم ليجعل تذكيره الذي يريد التأثير به على سامعيه مما لا حقيقة له ولو أنه خاطبهم بما لا يعرفونه من أخبار تلك الأمم وتيقنوه لأسرعوا إلى تكذيبه فيما يقول. فسكوتهم- وهم أسرع (١) الناس إلى مجادلته بالباطل- دليل قاطع على أن القصة كانت عندهم مما هو معلوم بالقطع من تواتر الخبر، ومشاهدة الأثر (٢).
стр. 847
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
في عامها الثاني
ــ
تمهيد:
كنا نعلم من يوم تأسيس هذه الجمعية رغم تفاؤلنا، ما ستلقاه مثل كل مشروع عظيم من صعوبات وعقبات، ولكننا ما كنا نحسب أن حظها من ذلك يكون (١) إلا من خارجها ولكن الواقع جاء بخلاف ذلك وكانت مصاعب الجمعية ومتاعبها من داخلها، حصلت نفرة بين أعضاء مجلس الإدارة ورئيس لجنة العمل فأدت إلى ما أدت إليه من فرقة وفتنة وقى الله شرها. وقد علم الناس حقيقة الحال من البيان الرسمي الذي نشره مجلس إدارة الجمعية أثر انتخابه مما لا حاجة إلى إعادته وإن كنا سنشير إلى أشياء منه لزيادة البيان.
بأي نية ذهبت للأجتماع العمومي: ذهبت عازماً على إصلاح ذات البين وعلى تسيير انتخاب الجمعية على مقتضى قانونها الأساسي والوقوف معه مهما كان الحال. وعرفت من الاجتماعات التي كانت قبل يوم الانتخاب ومن محأولاتي الخاصة أن الصلح غير ممكن وأنه لم يبق علي إلا المحافظة على الجمعية قبل كل شيء وكنت رغم ما يأتيني من أنباء بما يدبر من أمور، مطمئنا على الجمعية لأنني كنت أعتقد أن الاجتماع العمومي سيضم جمعا عظيما من أهل العلم وحسبي بعلمهم هاديا لهم إلى ما فيه خير وسداد للجمعية والأمة. فدخلت صبيحة الإثنين ١٨ محرم الماضي إلى نادي الترقي وأنا على هذا الاعتقاد.
стр. 848
ماذا كان يدبر للاستيلاء على الجمعية:
كان رئيس لجنة العمل قد سعى سعيا شديدا في تكوين عدد كثير ممن يوافقونه على القائمة التي يقدمها للانتخاب، وكانت مكاتبات لبعض الجهات في الحث على القدوم يوم الانتخاب وأصبح مكتب الدعاية منعقدا على الساعة الخامسة في مدرسة السلام يديره رئيس لجنة العمل وشيخ زاوية بمستغانم- كما اعترف لي بذلك رئيس اللجنة في الحديقة العمومية أمام جماعة- وأصبحت الوصولات توزع على كل من يقال فيه طالب ليأتي للجمعية العمومية وينتخب من كتبت أسماؤهم في ورقة سلمت له.
نكتة المسألة:
القائمة التي أعطيت من طرف السيدين المذكورين فيها ثلاثون شخصا الأعضاء الأقدمون مع ضرب على أسماء بعضهم وزيادة عليهم والسيد رئيس اللجنة هو أحد الثلاثين وحضرته- بلا مؤاخذ ومع الاحترام- ليس من أهل العلم ولا من الطلبة، وإذا كانت الأعمال والأقوال هي التي تدل على المقصود والنوايا فلا نكون ظالمين إذا استدللنا بهذا العمل على ما يدل عليه مفوضين العلم بذلك والجزاء عليه إلى الله تعالى.
كيف كنا وكيف كانوا:
بينما كان السيدان يعملان عملهما ويقويان حزبهما كنا تاركين للمسألة حالها تسير بطبيعتها ولو كنا على شيء من سوء النية أو القصد إلى الاستيلاء بالأغلبية لكنا دعونا تلامذتنا دعوة عامة للحضور- وهم كثر وكلهم من أهل العلم- فملؤوا نادي الترقي والشوارع المتصلة به ولا فخر ولكن ما كنا- والحمد لله- لنقصد إلى التكثر ولا إلى العصبية والتحزب وإحداث الفرقة بين الناس.
стр. 849
صبيحة يوم الإثنين وما صبيحة الإثنين:
اكتظ النادي على سعته بالناس وألقيت خطاب الافتتاح والترحيب وعرَّفت الجمع بأن المنتخبين لا بد أن يكونوا من أهل العلم كما تنص عليه المادة السابعة من القانون الأساسي للجمعية التي تقول: "الأعضاء العاملون هم الذين يصح أن يطلق عليهم لقب عالم بالقطر الجزائري بدون تفريق بين الذين تعلموا ونالوا الإجازات بالمدارس الرسمية الجزائرية وبين الذين تعلموا بالعاهد العلمية الإسلامية الأخرى" وعرفت الجمع بأن مجلس الإدارة عين لجنة لتقيد أسماء من ينطبق عليهم هذا الوصف المذكور في المادة وأنها تقبل من كانت له شهادة أو كان باشر التعليم أو كان يشار إليه بالعلم في قومه وأنه بعد تقييد أسماء المنتخبين يكون الانتخاب. وهنا قامت القيامة واضطربت أركان القاعة بالضجيج وأبى القوم إلا الانتخاب في الحين دون اعتبار للمادة القانونية ولا اعتبار لتقييد أسماء المنتخبين، واستمر ذلك الاضطراب وذلك الهياج إلى قرب الزوال فافترقنا- بعد أن وقفنا على شفا حفرة من الهلاك فأنقذنا الله منها- على أن نجتمع مساء على الساعة الثانية بعد الزوال.
لوازم واستاجابات:
عرفنا بما رأينا في ذلك الجمع وما سمعنا فيه أن أهل العلم قد حشر فيهم من ليس منهم وكان معهم من لم يتخلق بأخلاقهم ولا تأدب بآدابهم وأن ما وقع صباحا سيقع مساء وأن ذلك مفض ولا محالة إلى عاقبة سيئة ربما قضت على الجمعية وعلى النادي الذي نحن ضيوف فيه وأن المسؤولية تكون على رئيس الجمعية فلزمني إذاً أن أخبر إدارة الشرطة لترسل أعوانها لحفظ النظام فأعلمتها وعرفت بما رأيت وما سمعت أنه يراد الاستيلاء على الجمعية بطريق غير مشروع
стр. 850
وبعدد كبير لا تنطبق عليه المادة القانونية، ولذلك فر من فر من الوقوف أمام اللجنة وهي لجنة تعريف وسؤال لا لجنة امتحان، فلزمني أن أحافط على شرف الجمعية العلمية من أن يسيطر عليها غير أهل العلم.
مساء الإثنين:
ما جاءت الساعة الواحدة بعد الزوال حتى امتلأت سقائف النادي ورحابه والدرج المصعدة إليه- فما أكثر العلماء في ذلك اليوم- وبقي الناس في انتظار الساعة الثانية لفتح باب النادي وجاء أعوان الشرطة وفتح النادي، وعاد الحال إلى ما كان عليه في الصباح ولما رأيت الأمر لا يزيد إلا هياجا وارتباكا أعلنت بارتفاع الجلسة ووقف الشرطة محافظين على النظام حتى خرج الناس. ولا والله ما أهان الشرطة أحداً ولا زادوا على إسكاتهم للغوغاء وحفظهم للنظام وأحسب أنه لولا وجود الشرطة عند الإعلام برفع الجلسة لكانت وجوه خاصة رأيتها ثم تفعل ما لا تحمد عقباه. ولا أشك أن التهويل الذي أثاره بعض الناس في بعض النشريات على استدعاء الشرطة والتقبيح لذلك أمام الفكر العام والتعديِّ بالباطل على أعوان الحكومة ورميهم بأنهم أهانوا العلماء، لا أشك أنهم ما حملهم على ذلك إلا شدة تأسفهم على ما فاتهم من كيد دبروه كانوا ينفذونه لولا وجود أعوان الشرطة، مع ما يقصدون من الحط من مقام الجمعية. فنحن بقدر ما تقولوا على أعوان الشرطة وسبوهم نشكرهم على حفظهم للأمن والنظام وقيامهم بواجبهم ونعترف بأنه لولاهم- بعد حفظ الله- لكانت الجمعية في خبر كان.
يوم الثلاثاء:
أصدرت الجمعية منشورا ونشرت في الصحف الفرنسية بما وقع وأعلمت أن الانتخاب يكون من الغد يوم الثلاثاء فجاء
стр. 851
الناس صبيحة الثلاثاء وكان الانتخاب مساءها على ما هو مبين بالصحف وبيان الجمعية. وكان يوم هدوء ونظام وتأمين. وشاهد أعوان الشرطة ورجال الخفية الفرق بين يوم الإثنين الذي حضرته الغوغاء ومن حشر في أهل العلم ويوم الثلاثاء الذي لم يحضره أولئك- ولا أعني بكلامي هذا أن كل من تخلف عن يوم الثلاثاء فهو ليس من أهل العلم كلا- فقد تخلف بعض أهل العلم الذين لم يستطيعوا بما شاهدوا من فظاعة يوم الإثنين أن يعودوا إلى الاجتماع أو لم يحسبوا يوم الثلاثاء إلا مثل يوم الإثنين.
كيف كان الترشيح للإنتخاب:
قدم مجلس الإدارة القديم قائمة هذه صورتها: الشيوخ ابن باديس، الإبراهيمي، العقبي، الميلي العمودي، الفضيل (من مجلس الإدارة القديم وكانوا حاضرين)، المهاجي (منه وكان غائبا لقدومه من الحج) ابن عربية، أبو اليقظان خير الدين، التبسي، المكي، القاسمي (هؤلاء جدد وكانوا حاضرين) أبو عبد الله البوعبدلى (جديد وكان غائبا واعتذر ببرقية يقول فيها: اعتبروني، معكم في كل شيء) وأعلن للمنتخبين أن لهم الحرية في أن ينتخبوا القائمة كلها أو يرفضوها كلها أو يختاروا بعضها دون بعض فجرى الانتخاب على الوجه القانوني على تفاوت في عدد الأصوات وفاز الشيوخ المذكورون إلا واحداً فاز عليه الزاهري بنحو العشرين صوتا.
عناصر مجلس الإدارة:
لقد جاء مجلس الإدارة مؤلفا من جميع عناصر الأمة الجزائرية ممثلا لها خير تمثيل ففيه من العلماء المنتمين للزوايا كالمهاجي وأبي عبد الله والفضيل وفيه من العلماء الموظفين كابن
стр. 852
عربية القاضي والمعمودي الوكيل الشرعي وفيه من علماء القبائل الفضيل وفيه من علماء الإباضية أبو اليقظان، أفبعد هذا يقول قائل يلتزم الصدق: أن الجمعية إنما تمثل طائفة.
رئاسة الجمعية:
شاء الإخوان أن يجددوا لهذا العاجز حمل مسؤولية الرئاسة رغم امتناعه ووالله لقد كنت أود لو صرفت عني ووالله لولا خوفي من عظيم المسؤولية عند الله ما قبلت من إخواني ذلك رغم شدة احترامي لإرادتهم، وتقديري لإشارتهم، فالله نسأل لنا ولهم أن يعيننا جميعا على القيام بقوة وأمانة وإخلاص بهذا العبء الثقيل (١).
стр. 853
بواعثنا - عملنا- خطتنا- غايتنا
رأينا كما يرى كل مبصر ما نحن عليه معشر المسلمين من انحطاط في الخلق وفساد في العقيدة وجمود في الفكر وقعود عن العمل وانحلال في الوحدة وتعاكس في الوجهة وافتراق في السير. حتى خارت النفوس القوية وفترت العزائم المتقدة، وماتت الهمم الوثابة ودفنت الآمال في صدور الرجال، واستولى القنوط القاتل واليأس المميت فأحاطت بنا الويلات من كل جهة وانصبت علينا المصائب من كل جانب.
رأينا هذا كله كما رآه المسلمون كلهم وذقنا منه الأمرَّين مثلهم ففزعنا إلى الله الذي لم تستطع هذه الأهوال والمصائب كلها أن تمس إيماننا به، وتزعزع ثقتنا فيه، فاستغثنا واستجرنا واستخرنا، وتوسلنا إليه ﷻ بالإيمان وبسابق آلائه، وجأرنا إليه بأسمائه، فهدانا- وله المنة- إلى النور الوضَّاء الوهاج الأتم، والمنهاج الواضح الأقوم، هدانا إلى سنة سيدنا الأكرم، وقدوتنا ألأعظم سيدنا محمد ﵌.
عرفنا- مما هدانا إليه ربنا- الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والهدى الذي ما بعده إلا الضلال وسبيل النجاة التي ما في كل مخالفتها إلا الهلاك، والدواء الذي بدونه لا تبرأ النفوس من أدوائها ولا تظفر بالقليل من شفائها، فحمدنا الله على ما هدانا وعقدنا العزم على المحافظة على هذه النعمة وشكرها، وما شكرها إلا في العمل بها وبنشرها وأشفقنا على أنفسنا من تبعة الكتمان وما جاء فيمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه من ضعف الإيمان، فأخذنا على
стр. 854
أنفسنا دعوة الناس إلى السنة النبوية المحمدية وتخصيصها بالتقدم والأحجية فكانت دعوتنا- علم الله- من أول يوم إليها والحث على التمسك والرجوع إليها ونحن اليوم على ما كنا سائرون وإلى الغاية التي سعينا إليها قاصدون وقد زدنا من فضل الله، أن أسسنا هذه الصحيفة الزكية. وأسميناها (السنة النبوية المحمدية) لتنشر على الناس ما كان عليه النبي- ﵌ في سيرته العظمى، وسلوكه القويم، وهديه العظيم، الذي كان مثالا ناطقا لهدي القرآن وتطبيقا لكل ما دعا القرآن إليه بالأقوال والأفعال والأحوال مما هو المثل الأعلى في الكمال والحجة الكبرى عند جميع أهل الإسلام فالأئمة كلهم يرجعون إليها، والمذاهب كلها تنطوي تحت لوائها، وتستنير بضوئها، وفيها وحدها ما يرفع أخلاقنا من وهدة الانحطاط ويطهر عقيدتنا من الزيغ والفساد ويبعث عقولنا على النظر والتفكير، ويدفعنا إلى كل عمل صالح ويربط وحدتنا برباط الأخوة واليقين ويسير بنا في طريق واحد مستقيم ويوجهنا وجهة واحدة في الحق والخير ويحيي منا النفوس والهمم والعزائم ويثير كوامن الآمال ويرفع عنا الإصر والأغلال ويصيرنا-حقا- خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
فها نحن اليوم نتقدم بهذه الصحيفة للأمة كلها على هذا القصد وعلى هذه النية: عملنا نشر السنة النبوية المحمدية وحمايتها من كل ما يمسها بأذية. وخطتنا الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم، والاهتداء بفهم الأئمة المعتمد عليهم، ودعوة المسلمين كافة إلى السنة النبوية المحمدية دون تفريق بينهم. وغايتنا أن يكون المسلمون مهتدين بهدي نبيهم في الأقوال، والأفعال، والسير، والأحوال حتى يكونوا للناس كما كان هو ﵌ مثالا أعلى في الكمال.
стр. 855
والله نسأل التوفيق والتسديد في القصد والقول والعمل لنا وللمسلمين أجمعين (١).
الرئيس عبد الحميد بن باديس
стр. 856
((عبداويون))! ثم ((وهابيون)) !
ثم ماذا؟ لا ندري. والله!
بقلم الأستاذ عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعببة العلماء المسلمين الجزائرين.
ــ
لما قفلنا من الحجاز وحللنا بقسنطينة عام ٣٢ وعزمنا على القيام بالتدريس أدخلنا في برنامج دروسنا تعليم اللغة وأدبها والتفسير والحديث والأصول ومبادئ التاريخ ومبادئ الجغرافية ومبادئ الحساب وغير هذا ورأينا لزوم تقسيم المعلمين إلى طبقات واخترنا للطلبة الصغرى منهم بعض الكتب الابتدائية التي وضعتها وزارة المعارف المصرية وأحدثنا تغييرا في أساليب التعليم وأخذنا نحث على تعلم جميع العلوم باللسان العربي والفرنسي ونحبب الناس في فهم القرآن وندعو الطلبة إلى الفكر والنظر في الفروع الفقهية والعمل على ربطها بأدلتها الشرعية ونرغبهم في مطالعة كتب الأقدمين ومؤلفات المعاصربن، لما قمنا بهذا وأعلناه قامت علينا وعلى من وافقنا قيامة أهل الجمود والركود وصاروا يدعوننا (١) للتنفير والحط منا "عبداويين" دون أن أكون- والله- يوم جئت قسنطينة قرأت كتب الشيخ محمد عبده إلا القليل فلم نلتفت إلى قولهم، ولم نكترث لإنكارهم، على كثرة سوادهم وشدة مكرهم وعظيم كيدهم، ومضينا على ما رسمنا من خطة وصمدنا إلى ما قصدنا من غاية وقضيناها عشر سنوات في الدرس لتكوين نشء علمي لم نخلط به غير. من عمل آخر فلما كملت العشر
стр. 857
وظهرت- بحمد الله- نتيجتها رأينا واجبا علينا أن نقوم بالدعوة العامة إلى الإسلام الخالص والعلم الصحيح إلى الكتاب والسنة وهدى صالح سلف الأمة وطرح البدع والضلالات ومفاسد العادات فكان لزاما أن نؤسس لدعوتنا صحافة تبلغها للناس فكان المنتقد وكان الشهاب ونهض كتاب القطر ومفكروه في تلك الصحف بالدعوة خير قيام وفتحوا بكتاب الله وسنة رسوله- ﵌ أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، وكانت هذه المرة غضبة الباطل أشد ونطاق فتنته أوسع وسواد اتباعه أكثر وتمالأ على دعاء الحق الجمود والبدعة وعليها بنيت صروح من الجاه، ومهما جرت أنهار من المال، وأصبحت الجماعة الداعية إلى الله يدعون من الداعين إلى أنفسهم "الوهابيين" ولا والله ما كنت أملك يومئذ كتابا واحدا لابن عبد الوهاب ولا أعرف من ترجمة حياته إلا القليل ووالله ما اشتريت كتابا من كتبه إلى اليوم، وإنما هي أفيكات قوم يهرفون بما لا يعرفون ويحأولون من إطفاء نور الله ما لا يستطيعون وسنعرض عنهم اليوم وهم يدعوننا "وهابيين" كما أعرضنا عنهم بالأمس وهم يدعوننا "عبداويين" ولنا أسوة بمواقف أمثالنا مع أمثالهم من الماضين.
ولما كان من سنة القرآن الحكيم التنبيه على مشابهة اللاحقين من الناس للسابقين في منازعهم وأهوائهم وكثير من أحهوالهم حتى كان التاريخ يعيد نفسه بإعادة ذلك منهم وجاء ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ وقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وغيرها، لما كان هذا من سنة القرآن فتحنا هذا الباب من الصحيفة تحت عنوان: "التاريخ يعيد نفسه" لننشر فيها- ما أمكننا النشر- قصصا عن حياة رجال السنة المصلحين مع دعاة البدعة المبطلين، تزيد العالم المصلح ثباتا على الحق والقاريء
стр. 858
الصادق تبصرة في الأمر و ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
ولسنا نقصد في وضع قصصنا إلى وضع تأليف ولا نخص هذا النقل بكاتب معين أو كتاب مختص، وبين أيدينا الآن كتاب "الاعتصام" لمؤلفه علامة العقول والنقول أبي إسحاق الشاطبي المالكي المتوفى سنة ٧٩٠، فرأينا أن ننقل منه الفصل التالي الذي يذكر فيه أبو إسحاق ما رمي به من مثل ما رمينا به حتى كأنا في زمان واحد، قال ﵀: "فلما أردت الاستقامة على الطريق وجدت نفسي غريبا في جمهور أهل الوقت لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد ولم يكن ذلك بدعا في الأزمنة المتقدمة فكيف في زماننا هذا، فقد روي عن السلف الصالح من التنبيه على ذلك كثير كما روي عن أبي الدرداء- ﵁ أنه قال لو خرج رسول الله- ﵌ عليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة، قال الأوزاعي فكيف لو كان اليوم، قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان. وعن أم الدرداء قالت: دخل أبو الدرداء وهو غضبان فقلت: ما أغضبك؟ فقال: "والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا". وعن أنس بن مالك قال: "ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله- ﵌ غير قولكم: لا إله إلا الله. قلنا بلى يا أبا حمزة؟ قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس أفكانت تلك صلاة رسول الله- ﵌ وعن أنس قال: لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا، قال: ووضع يده على خده ثم قال: إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله على ذلك لمن عاش في المنكر ولم يدرك ذلك السلف الصالح فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب
стр. 859
دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله من ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح، يسأل عن سبيلهم ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليعرض أجرا عظيما، وكذلك فكونوا إن شاء الله.
وعن ميمون بن مهران قال: لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف، ما عرف غير هذه القبلة.
وعن سهل بن مالك عن أبيه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة، إلى ما أشبه هذا من الآثار الدالة على أن المحدثات تدخل في المشروعات، وأن ذلك قد كان قبل زماننا، وإنما تتكاثر على توالي الدههور إلى الآن.
فتردد النظر بين- أن اتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلا بد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل- وبين أن اتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذا بالله من ذلك إلا أني أوافق المعتاد، وأعد المؤالفين، لا من المخالفين فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئا فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت علي القيامة وتواترت علي الملامة وفوَّق إلى العتاب سهامه، ونسبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة وأني لو التمسك لتلك المحدثات مخرجا لوجدت غير أن ضيق العطن والبعد عن أهل الفطن، رقي بي مرتقا صعبا، وضيق علي مجالا رحبا وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات لموافقات العادات أولى من اتباع الواضحات، وإن خالفهت السلف الأول.
وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب
стр. 860
أو خرجوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة، فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه، كما يعزى إلى بعض الناس، بسبب أني لم التزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة، وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء.
وتارة نسبت إلي الرفض وبغض الصحابة- ﵃ بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في خطبهم، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب. وقد سئل (أصبغ) عن دعاء الخطباء للخلفاء المتقدمين فقال: هو بدعة فلا ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة. قيل فدعاؤه للغزاة والمرابطين قال ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه وأما أن يكون شيئا يعمد إليه في خطبته دائما فإني أكره ذلك. ونص أيضا عز الدين بن عبد السلام على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة.
وتارة أضيف إلي القول بجواز القيام على الأئمة وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم. وتارة أحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على المسائل ويوافق هواه، وإن كان شاذا في المذهب الملتزم أو في غيره.
وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في كتاب "الموافقات" (١) وتارة إلى معاداة أولياء الله، وسببب ذلك أني
стр. 861
عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم.
وتارة نسبت إلي مخالفة السنة والجماعة، بناء منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها- وهي الناجية- ما- عليه العموم، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي- ﵌ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان وسيأتي بيان ذلك بحول الله، وكذبوا علي في جميع ذلك وأوهموا والحمد لله على كل حال.
انتهى كلام أبي إسحاق وسننقل عنه في العدد الآتي ما ذكره من حال بعض الأئمة الذين كانوا قبله ووقع لهم ما وقع له (١).
стр. 862
الدعاء منه عادة ومنه عبادة (١)
"الدعاء: هو النداء لطلب شيء من المدعو ولذلك لا يدعي إلا العاقل أو ما نزل منزلته مجازا من الجمادات أو ما كان له فهم لبعض الأصوات من العجماوات، وإذا كان لشيء معظم ليطلب منه ما وراء الأسباب العادية وفوق الطاقة البشربة فهو عبادة. ولا يكون إلا من المخلوق لخالقه، وإذا لم يكن كذلك فهو عادة وهو دعاء المخلوقين بعضهم بعضا لغرض من الأغراض".
الشهاب ج ١٢، م ٦، شعبان ١٣٤٩.
"يجب أن نمهد لمناقشته- (الشيخ الدجوي) -: بيان معنى الاستغاثة وتقسيمها، فالاستغاثة هي طلب الغوث، وهو تخليص من شدة أو إعانة على دفع مشقة فهي من أقسام النداء والدعاء، وتكون من المخلوق لخالقه عبادة وتكون من المخلوق لمثله عبادة، فيدعو المخلوق ويستغيث به فيما هو مقدوره كقولك يا زيد أسقني ماء ويا عمرو أدعوك لتنصحني وإنني في عسر مالي فأغثني وفرج عني بما تقرضني وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، فقد طلب منه أن ينصره عليه بما عنده من القوة البدنية، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ولم يطلب منه أن (يتصرف) له فيه بتصرف باطن وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي
стр. 863
طلبوا منكم النصرة بالقوة التي في يديكم من العدد والعدة لا أنهم طلبوا منكم أن تنصروهم بطريق الغيب و"التصرف".
ويدعو المخلوق خالقه ويستغيثه، في تيسير الأسباب العادية وفيما هو وراء تلك الأسباب من الألطاف الخفية وما هو فوق الطاقة البشرية وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ فتوجهوا إليه بالدعاء وطلب التخليص من المكروه بالنصر على الأعداء وقد كان النبي- ﵌ بين ظهرانيهم فلم يستغيثوه لعلمهم أن الاستغاثة فيما وراء الأسباب لا تكون إلا لله.
فعلم من هذا أن الاستغاثة قسمان: إستغاثة بما هو في طوق البشر ودائرة الأسباب وهذه تكون للمخلوق لأنها عادة واستغاثة فيما هو خارج عن طوق البشر ودائرة الأسباب، وهذه لا تكون إلا للخالق لأنها عبادة، وعلى هذين القسمين نزلنا آيات التنريل.
أفخفي هذا على فضيلته حتى أخذ يستدل بآية الاستغاثة العادية التي تكون بين المخلوقين على الاستغاثة التعبدية التي لا تكون إلا لله. إن خفاء هذا على مثله لعجيب.
ثم هذا التقسيم الذي ذكرنا في الاستغاثة هو بنفسه يجري في الدعاء وما الاستغاثة إلا نوع منه فما كان منه لشيء معظم ليطلب منه ما هو وراء الأسباب العادية وفوق الطاقة البشرية فهو عبادة ولا يكون من المخلوق إلا لخالقه وإذا لم يكن كذلك فهو عادة وهو دعاء المخلوقين بعضهم لبعض لغرض من الأغراض ومن الأول قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ فنصره الله تعالى بما ليس من صنع البشر ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فدعا موسى قومه وطلب منهم ما هو في مكنتهم.
стр. 864
جهل هذا كله من كلامنا أو تجاهله بعض الطلبة فادعى علينا بالباطل وكتب في بعض الصحف يقول: (والملخص مما يدور عليه كلامكم هو كون الدعاء عبادة بإطلاق) ثم أخذ بناء على دعواه هذه المبنية على جهله أو تجاهله يندد ويشنع ويتعجب، وقد وجد مادة - د ع و - وأمَامَه واسعة فنقل معظمها فانتفخ بها بطن المقال دون أن تكون به حاجة إليها في المقام.
ج ٦، م ٧ صفر ١٣٥٠.
لا يجوز دعاء غير الله ولا أحد مع لله .
الدعاء عبادة، وكل عبادة فإنها لا تكون إلا لله: فالدعاء لا يكون إلا لله هذا قياس من الضرب الأول من الشاكل الأول مقدمته الصغرى دليلها من نفسها لأنها من لفظ الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره ومقدمته الكبرى معلومة من الدين بالضرورة ومن أدلتها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإذا كان سيدي الطالب له إلمام بقواعد المنطق الأولية فهذا يكفيه وإذا أراد التوسع فليتفهم ما نقلناه سابقا من المجلد السادس والسابع وليراجع بقية ردنا على الشيخ الدجوي في المجلد السابع وبقية مجالس التذكير في المجلد السادس وليجد الفهم فيما كتبناه في الدعاء، بالمجلد الثامن.
من دعا غير الله فقد عبده .
لما كان الدعاء عبادة فمن دعا فقد عبد ومن دُعي فقد عبد، ولهذا تواردت نصوص الآيات والأحاديث على النهي عن دعاء غير الله دون استثناء لشيء من مخلوقاته، مثل قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ﴿أَمَّنْ
стр. 865
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وقال عليه وآله الصلاة والسلام في وصيته لابن عباس- ﵄: «وإذا سألت فاسأل الله» رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وهو في الأربعين النووية فإذا أراد سيدي الطالب أن يزداد بصيرة فليطالع شراحها.
فإن قلت أن الداعي للمخلوقات لا يسمى دعاؤه عبادة قلت أن من فعل ما يسميه الشرع عبادة كان فعله عبادة لأن العبرة بتسمية الشرع لا بتسميته، ولأن العبرة في التسمية الشرعية بالعمل، لا بتسمية العامل كمن حلف بغير الله فقد أشرك بتسمية النبي- ﵌ ذلك منه شركا في قوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه. وإن لم يسمّ الحالف فعله ذلك شركا. وراجع ص ٢٠ - ٧٢١ من المجلد السادس من الشهاب تزدد علما.
التوسل بالنبي- ﵌ غير دعائه .
دعاؤه هو الطلب منه قضاء الحوائج وهذا ممنوع بالأدلة المتقدمة والتوسل به أن تطلب من الله وتسأله به ﵌، مثل أن تقول اللهم إنني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة مثل ما في حديث الأعمى الذي تكلمنا عليه في الجزء الثالث من المجلد الثامن وذكرنا دلالته على جواز التوسل به ﵊ ومن التوسل به التشفع أو لاستشفاع به، وكله بمعنى الطلب من الله به فالله هو المدعو وهو المطلوب منه، وهذا كله جائز لا كلام لنا فيه غير أن سيدي الطالب لم يفرق بين دعائه والتوسل به فذهب يستدل بالجائز على
стр. 866
الممنوع مسويا بينهما، وما ذكره عن البيهقي وفي العتبي- على تسليم صحته وعلى ما في سنده- لا يخرج عن التوسل والاستشفاع به ﵌ وهو غير دعائه وطلب الحوائج منه الذي قامت الأدلة على منعه من كل مخلوق لأنه من العبادة التي لا تكون إلا للخالق، وما نقله من كلام الشيخ ابن تيمية هو في بيان أن استجابة دعاء الداعي لا تكون دليلا على أن دعاءه مشروع كما هو صريح كلامه، ويكفي دليلا على مراده هذا هذه العبارة الأخيرة مما نقله من كلامه وهي قوله: "فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر إما أنه يدل على حسن حال المسائل فلا" وكون السؤال وقع من بعض الناس له مخالفين أمره وقوله إذا سألت فاسأل الله، شيء وكونه شرعه لنا ودعانا إليه شيء آخر وقد خفي على سيدي الطالب هذا القدر من الفرق ما بينهما فجعل سؤال بعض الناس دليلا على المشروعية ولو تأمل الفصل الطويل الذي نَقلَ بعضه من كلام الشيخ ابن تيمية لظهر له الفرق جليًا.
نصيحة بنصيحة .
نصحني سيدي الطالب إذا يسر الله لي زيارة القبر الشريف أن أسأله عليه وآله الصلاة والسلام الشفاعة، وقد يسر الله لي ذلك وله الحمد والمنة منذ عشرين سنة، وقد دعوت الله وحده وتوسلت له بنبيه وتوجهت إليه به أن يميتني على ملته، ويجعلني من أنصار سنته، وأهل شفاعته، إلى أشياء أخرى قد استجاب الله تعالى بعضه (١)، وأنا أرجو الاستجابة في الباقي وجزاء نصيحتك أيها الأخ أنني أنصحك بالتأمل الجيد فيما تقرأ وتكتب والتثبت التام فيما تعزو وتنقل فإننا
стр. 867
لا ندين إلا بما ثبت عن رسول الله- ﵌، من آية قرآنية أو سنة نبوية قولية أو فعلية، وما كان عليه السابقون مما رواه الأئمة في كتب الإسلام المشهورة، فعليك إذا نقلت أن تبين الكتاب وتعين المحل المنقول منه ليكون لقولك قيمة في مقام البحث والنظر، والله يتولى إرشادك وتسديد خطاك في سنن العلم والدين (١). الأستاذ عبد الحميد بن باديس
стр. 868
كلمة كفر لو دري قائلها
لما كتبنا في الجزء الماضي في تحقيق العبادة الشرعية تحرينا الاستدلال بالكتاب والسنة وهدي الصحابة لأن المسألة مسألة دينية وهذه هي مآخذها، ولأنها جرى فيها خلاف والله تعالى يقول:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ فقال عنا أحد الكاتبين في جريدة (آتي البيوت من ظهورها) فسمى إستدلالنا بالكتاب والسنة وهدي الصحابة إتيان للبيوت من ظهورها وهي كلمة مصادمة للآية القطعية المتقدمة وغيرها ولعل الكاتب لم يتفهمها ولم يدر مقتضاها وإلا فما كان لمسلم أن يقولها. ثم إذا كان الكتاب والسنة وهدي سادات الأمة ظهورا للبيوت فما هي- يا صوفي الزمان- أبوابها. ما عندنا- والله يا أخي- إلا هذه التي جعلتها ظهورا للبيوت، فإذا كانت لا ترضيكم- فـ ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١).
стр. 869
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
جواب الرئيس للشيخ قدور الحلوي
ــ
إلى جناب المكرم المحترم سيدي قدور الحلوي السلام عليكم ورحمة الله. وبعد فقد وقفت في بعض الجرائد على تقديمكم استعفاءكم لنا من عضوية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومن رئاسة لجنتها الدائمة بالجزائر احتجاجا على البرقية المنشورة في بعض أعداد (الدفاع) الأخيرة بغير استشارة ولا موافقة غالب أعضاء الجمعية. وتحرجا مما نشر في مجلة الشهاب من مقال منقول عن مجلة المنار الإسلامي.
فأما استعفاؤكم من عضوية الجمعية فقد قبلته. وأما استعفاؤكم من رئاسة لجنتها الدائمة فهو واقع منكم في غير محله إذ حضرتكم لم تكونوا رئيس اللجنة في يوم من الأيام ورئيسها معروف منشور اسمه مع أعضائها في عدد (السنة) الذي نشر فيه الاجتماع العام الماضي ومن العجب أن يخفى عليكم هذا. وأعجب منه أن لا يعرف عضو في جمعية مركزه فيها، وأما البرقية المنشورة في (الدفاع) فهي برقية احتجاج على لجنة م ميرانت الوزارية التي ذهبت لتطعن المسلمين الجزائريين الطعنة النجلاء في مسألة المساجد والمكاتب والصحافة وهي مسائل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كتبت فيها صحفها- أيام كانت لها صحافة- ونشرت فيها بياناتها ووجهت فيها برقيات احتجاجها قبل تكوين هاته اللجنة، أتريد من الجمعية أن تسكت عن الاحتجاج لما احتج القطر كله بالمظاهرات والبرقيات مع جميع الجهات والطبقات؟ أفتخرج الجمعية عن إجماع المسلمين في مسائل هي
стр. 870
المقصودة بها بالذات؟ وأما توجيه البرقية باسم الجمعية فلاعتماد الرئيس على التفويض المعطي له من المجلس الإداري في القيام بالدفاع عن الجمعية في جميع مسائلها وقد علم كل أحد أن هذه المسائل هي مسائل الجمعية التي ما زالت تدافع عنها وتضطهد فيها ومن أجلها. على أن أكثر أعضاء المجلس الإداري قد خاطبوا الرئيس يستحثونه على القيام بالاحتجاج. وستسمع يوم الاجتماع العام الآتي كيف يكون التصويت على تلك البرقية وغيرها بالإجماع ليعلم كل أحد أن هذه الجمعية متضامنة في جميع أعمالها لا يشذ عنها إلا من شذ. وأما جعلكم تحرجكم مما نشر بمجلة (الشهاب) السبب الثاني لاستعفائك، وعجب آخر من حضرتكم إذ مجلة الشهاب معروفة بخطتها الإصلاحية مستقلة بها من يوم نشأتها قبل وجود الجمعية بسبع سنوات فكيف تحملون مسؤوليتها على الجمعية.
فأما ما تهجمتم به على الجمعية في بقية مقالكم ولخصتم به ما كان يتقوله غيركم عن الجمعية وأنتم من أعضائها دون أن يحملكم على الخروج منها، فإنا لا نجيبكم عنه لأنا فرغنا منه قبل اليوم مع أناس بيتت حقيقتهم الأيام وضربهم الله بالتفرق والخذلان، فأين هم، وأين صحافتهم اليوم، وتلك عاقبة الظالمين ونهاية كيد الخائنين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).
الجزائر: عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
стр. 871
إنكار العلماء المتقدمين على المدعين المبتدعين
للأستاذ عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
ــ
كلما قام دعاة الإصلاح بالإنكار على البدع الفاشية، والضلالات الرائجة، وبينوا قبحها وضررها بالبراهين الساطعة وأفحموا أهلها بالأدلة القاطعة، صاح المتعيشون عليها في اتباعهم المغترين بهم: "لو كان ما نحن عليه باطلا لأنكره العلماء المتقدمون قبل أن ينكره هؤلاء (العصريون) لكن المتقدمين ﵏ رأوه وسكتوا عليه وأقرو. ورضوا به ومضى على ذلك الزمن الطويل وعاش عليه الجيل بعد الجيل، وقالوا مثل ما قال الأولون ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ولما كان هذا قد يغر الجاهل وشبه الجاهل فيحسب أن الأمر كما ذكروا وأن العلماء المتقدمين سكتوا وما أنكروا، أردنا أن ننقل لقراء (السنة) بعضا من إنكار أهل العلم على هؤلاء، المتسمين بالفقراء المدعين لطريقة الزهد المتمسكين بالبدعة ليعرفوا سنة العلماء في الرد عليهم والتقبيح لحالهم والتحذير من ضلالهم فيعلموا أن العلماء الإصلاحيين المعاصرين ما جاءوا إلا على سنة سلفهم المتقدمين وما قاموا إلا بما يفرضه عليهم الدِّين من نصح المسلمين وإرشاد الضالين والذبِّ عن سنة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعليهم وسلم.
стр. 872
إنكار الإمام القشيري، صاحب الرسالة القشيربة، من أهل القرن الخامس:
قال في وصف المتشبهين بالصوفية المنتحلين لطريقتهم المباينين لسلوكهم: " فعدُّوا قلة المبالات بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ودانوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام واستخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا في ميدان الغفلات وركنوا إلى اتباع الشهوات وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات والارقفاق بما يأخذونه من السوقة وأصحاب السلطان".
إنكار الإمام أبي بكر الطرطوشي المالكي، من أهل القرن الخامس والسادس:
قال في خطبة كتابه الذي ألفه في إنكار البدع والمحدثات وعندنا منه نسخة خطية مكتوبة نحو القرن العاشر: "ثم ازداد الأمر إدبارا حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المؤمنين- وفقنا الله وإياهم- استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة والتغيير واعتقدته من الدين الذي يقربنا إلى الله وجاهرت به جماعة المسلمين وشاقت به سييل المؤمنين وخالفت الفقهاء والعلماء وحماة الدين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فرأيت أن أوضح الحق وأكشف عن شبه أهل الباطل بالحجج التي تضمنها كتاب الله تعالى وسنة رسوله وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتي (١) عليهم في أقاصي الأرض ودانيها حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها والله ولي التوفيق".
стр. 873
إنكار الإمام أبي حيان الأندلسي، من أهل القرن السابع والثامن:
قال في الجزء الرابع من تفسيره الكبير ص٣١٠، وهو يصف متصوفة زمانه مما ينطبق على أمثالهم في زماننا: "ولو عاش الحسن إلى هذا الزمن العجيب الذي ظهر فيه ناس يتسمون بالمشايخ يلبسون ثياب شهرة عند العامة بالصلاح ويتركون الاكتساب ويرتبون لهم أذكارا لم ترد في الشريعة يجهرون بها في المساجد ويجمعون لهم خداما يجلبون الناس إليهم لاستخدامهم ونتش أموالهم ويذيعود عنهم كرامات، ويرون لهم منامات يدونونها في أسفار، ويحضون على ترك العلم والاشتغال بالسنة ويرون الوصول إلى الله بأمور يقررونها من خلوات وأذكار لم يأت بها كتاب منزل ولا نبي مرسل ويتعاظمون على الناس بالانفراد على سجادة، ونصب أيديهم للتقبيل، وقلة الكلام واطراق الرؤوس وتعيين خادم يقول: الشيخ مشغول في الخلوة، رسم الشيخ، قال الشيخ، رأى الشيخ، الشيخ نظر إليك، الشيخ كان البارحة يذكرك، إلى نحو من هذه الألفاط التي يخشون بها على العامة ويجلبون عقول الجهلة هذا ان سلم الشيخ وخادمه من الاعتقاد الذي غلب الآن على متصوفة هذا الزمان من القول بالحلول أو القول بالوحدة فإذ ذلك يكون منسلخا من شريعة الإسلام بالكلية والعجب لمثل هؤلاء كيف ترتب لهم الرواتب وتبنى لهم الربط وتوقف عليهم الأوقاف وتخدمهم الناس في عروهم عن سائر الفضائل ولكن الناس أقرب إلى أشباههم منهم إلى غير أشباههم وقد أطلنا في هذا رجاء أن يقف عليه مسلم فينتفع به".
إنكار الإمام أبي إسحاق الشاطبي المالكي، من أهل القرن الثامن:
قال في كتاب الاعتصام (١: ٢١٦) - يصف فقراء زمانه بالأندلس-: "فهذه مجالس الذكر على الحقيقة وهي التي حرمها
стр. 874
الله أهل البدع من هؤلاء الفقراء الذين زعموا أنهم سلكوا طريق التصوف وقلما تجد منهم من يحسن قراءة الفاتحة في الصلاة إلا على اللحن فضلا عن غيرها ولا يعرف كيف يتعبد ولا كيف يستنجي أو يتوضأ أو يغتسل من الجنابة وكيف يعلمون ذلك وهم قد حرموا مجالس الذكر التي تغشاها الرحمة وتنزل فيها السكينة وتحف بها الملائكة. فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا فاقتدوا بالجهال أمثالهم، وأخذوا يقرأون الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فينزلونها على آرائهم لا على ما قال أهل العلم فيها، فخرجوا على الصراط المستقيم".
إنكار الإمام القلصادي المالكي، من أهل القرن التاسع:
قال في كتابه "لباب الأزهار اليمنية على الأنوار السنية" ص ٣٥: " وكم من سنة دثرت وبدعة أقيمت وتوصل عليها بدلائل وذلك بسبب علماء السوء لأن البدعة في الغالب لا يحدثها عالم لكن إذا وقعت ينصرها من كان له غرض فاسد ويقيم الدَّليل على صحة ذلك ويحدث لذلك اتباع على ما هو مشاهد معلوم" وقال فيه ص ١٥١: "وليس المراد بالذكر ادامته باللسان فقط وعدم التحلي به وذلك من تلبيس إبليس ويحسبون أنهم على شيء".
إنكار الشيخ عبد الرحمن الأخضري الجزائري، من أهل القرن العاشر:
لهذا العالم الصالح قصيدة تعرف بالقدسية مشهررة وصف فيها هذه الطائفة وصفا كاسفا فاضحا صورهم على الصورة التي يعرفها منهم كل من عرفهم ولا يستطيع أن ينكرها أحد حتى المتعصب لهم، ومما قال فيهم: وظهرت في هذه البلاد: طائفة البلع والازدراد .. الخ.
إنكار الشيخ عبد الكريم الفكون القسنطيني، من أهل القرن الحادي عشر:
قال في كتابه: "منشور الهداية في التعريف بحال من ادعى العلم
стр. 875
والولاية" فلما رأيت الزمان بأهله تعثر وسفائن النجاة من أمواج البدع تتكسر وسحائب الجهل قد أضلت وأسواق العلم قد كسدت واضمحلت فصار الجاهل رئيسا والعالم في منزله يدعي من أجلها خسيسا وصاحب أهل الطريقة، قد أصبح وأعلام الزندقة على رأسه لائحة، وروائح السلب والطرد من المولى عليه لائحة، تمسكوا من دنياهم بمناصب شرعية، وحالات كانت قدما للسادات الصوفية، فأوهموا العامة بأسماء ذهبت مسمياتها وأوصاف تلاشت أهلها منذ زمان وأعصار لبسوا باتنحالهم لها على أهل العصر أنهم من أهلها- وربما صارت الطائفة البدعية مقطعا للحقوق وقسما يقسم بهم في البر والعقوق- أعلنوا بأن سوابق الأقدار منوطة بإرادتهم وتأثيرات الأكوان صادرة عن اختيارهم فزادت بهم العامة شغبا إلى شغبهم وتشويشا دخل في قلوبهم واتخذت أتباعهم ألقابا باسم الشيخوخة، وزاد في إفصاج أحوالهم والحمل على بثها وإبدائها ما أحدثوه من أن من مات منهم بنوا عليه وشيدوا بناءات وجعلوا عليهم قبابا من العود وألواحا منقوشة بأسمائهم وما اختاروا من ألقاب التي لا تصلح لهم، وهي من أوصاف ساداتنا العلماء والعاملين والصلحاء الفاضلين وصيروا ذلك لغابر الدهر بحيث أنهم لبسوا على العامة في الحياة وعلى من سيكون بعد الممات".
إنكار الشيخ مصطفى لعروسي، من أهل القرن الثالث عشر:
هذا العالم هو محشي شيخ الإسلام زكرياء شارح الرسالة القشيرية قال- بنقل الأستاذ الميلي في تاريخ الجزائر (٢: ٢٦٣) -: "إني بذلا للنصيحة أحذرك من متابعة مشايخ هذا الوقت ممن لا يثمر الاجتماع بهم خلاف المقت إذ هم قطاع طريق الله على عباده وأعداء الأولياء الداعين إلى سبيل رشاده حيث لا همة لهم إلا جمع العرض
стр. 876
الفاني ولا سعي لهم إلا في تجريد القاصي والداني أزاحهم الله من جميع البلاد وأراح منهم الدواب والعباد ... فعليك يا أخي في مثل هذا الوقت بخاصة نفسك وتباعد عمن بهم تزيد قاذورات رجسك وتابع هدى سيد المرسلين وإمام كل النبيين- والمرسلين فكافيك التمسك بالقرآن والتمسك على طريق سيد ولد عدنان ولا تغرنك - لو فرض- خوارق العادات فإنها كما تكون للكرامة توجد لقصد الإهانة. فهذه وصيتي إليك قد ذكرتها شفقة عليك دعاني لذكرها رعاية المقام فتقبلها مني وعليك السلام".
بان بهذا لمن عرف وأنصف أن الحق لم يعدم أنصارا في سائر الأزمان وأن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة على مرِّ الأيام وأن الطائفة القائمة على الحق التي تحيي من سنة النبي- ﵌ ما أمات الناس لن تزول من على وجه الأرض ولا تزال ظاهرة لا يضرها من خالفها أو خذلها حتى يأتي أمر الله والحمد لله رب العالمين (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 877
الصوفي السني
بين الحكومة السنية والحكومة الطرقية
بقلم الأستاذ عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريبن.
ــ
أما الصوفي السني فهو الإمام المجاهد السيد أحمد الشريف السنوسي الذي توفاه الله منذ أشهر بالمدينة المنورة فقد كان على جانب عظيم من التمسك بالكتاب والسنة والتخلق بأخلاق السلف الصالح وكانت دعوته إلى الله وإرشاده للعباد بهدايتهما وكانت تربيته لأتباعه مبنية على التفقه في الدين والتزام العمل به والزهد والصبر وحفظ الكرامة. وأما الحكومة السنية فهي الحكومة السعودية القائمة على تنفيذ الشريعة الإسلامية بعقائدها وآدابها وأحكامها الشخصية والعمومية حتى ضرب الأمن أطنابه ومد العدل سرادقه على جميع تلك المملكة العربية العظيمة بما لم تعرفه دولة على وجه الأرض غير دولة الإمام يحيى المضارعة لها في السنية وإقامة عمود الشريعة الإسلامية.
وأما الحكومة الطرقية فهي حكومة مصر التي تشارك المشاركة الرسمية في بدع المواليد وتؤيد تأييدا رسميا الإجتماعات الصوفية بما فيها من مناكر وقبح مظاهر وسوء مناظر مما تضج منه صحافتها كل يوم فضلا عن العلماء المصلحين من أمتها. ويواطؤها على هذا علماؤها الرسميون بسكوتهم وإقرارهم وأحيانا بدفاعهم وتأويلاتهم.
أما كيف كان هذا الإمام بينهما فهاك الخبر لتنظر وتعتبر: لما
стр. 878
رجع الإمام من الأناضول بعد ما أنكر الكماليون جميله واستثقلوا بقاءه، ما آوته إلا الحكومة السنية حكومة ابن سعود فأقام عندها في الحجاز مكرما مبجلا. وأما الحكومة المصرية الطرقية فإنها أبت عليه أن يدخل مصر مراعاة لوعد كانت أخذته عليها إيطاليا في شأن الإمام. ولم ينته احترامها لهذا الوعد القاضي بحرمان إمام عظيم من دخول أرضها عند هذا الحد الاعتيادي عند من لا يراعي إلا جهة واحدة وإن أغفل جهات عديدة، بل تجاوز تصلب حكومة مصر ويبسها إلى منعه من دخول مصر في الحالة التي يرثي فيها العدو لعدوه ولو كان كعداوة إيطاليا للإمام. ذلك أن الإمام لما مرض مرضه الأخير واشتد به الألم رغب في التداوي بمصر فطلبت حكومة الحجاز من حكومة مصر السماح له بذلك وكانت الحكومة المصرية في انتظار قدوم ملك إيطاليا فماطلت ولم تجب حتى مات الإمام دون أن تسمح له بالدخول لأجل التداوي.
نحن لا نتكلم على هذه المسألة من ناحيتها السياسية وإنما نتكلم عليها من ناحيتها الإنسانية ومن ناحيتها الدينية على الخصوص. فالحكومة السعودية التي طهرت الحجاز من البدع والضلالات والخرافات ورجعت اتباع الطرق التي تسمي نفسها الطرق الصوفية إلى عقولهم ودينهم لما جاء هذا الصوفي السني أكرمت وفادته وأنزلته المنزلة اللائقة به وحكومة مصر التي تؤيد الطرقية وبدعها وخرافاتها وتشويهها لما كان عليه الجنيد وأمثاله، وما كان عليه أئمة الهدى كلهم تعامل هذا الصوفي السني هذه المعاملة القاسية الخشنة الخالية من كل لطف ومراعاة وفي هذا الموقف من هاتين الحكومتين البرهان القاطع على أن الحكومة السعودية ما طاردت الطرق لأنها تصوف وإنها طاردتها لأنها مدعية بالباطل ومتصفة بضده. وأن الحكومة المصرية ما نصرت الطرق لأنها تصوف وإنما ناصرتها لأن غالب علمائها الذين يعيشون على رواتبها
стр. 879
وعلى رضا العامة وتعظيمها واستغلال جهلها أقروها على ذلك وحسنوه لها فأقرتهم والعامة عليه:
وهل أفسد الناس إلاَّ الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
وقبل الحكومة السعودية قد كان علماء الإسلام المصلحون يقبلون طريقة الحق وينكرون طرق الباطل وقد ذكرنا جمعا منهم من القرن الخامس إلى القرن السالف في عدد مضى وهم قدوتنا أنعم بهم من قدوة وقبل الحكومة المصرية وعلمائها قد كان من يقر ما أقرت دون بينة ولا برهان. وسيبقى كذلك على الدهر من ينصر السنة ويؤيدها ويدافع عنها. ومن ينشر البدعة وينفخ في بوقها وينقر على طبلها. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
стр. 880
الإسلام دين علم خالد
ألف الأستاذ محمد فريد وجدي كتابا تحت هذا العنوان بحث فيه في الوحي والدين والإسلام، فوفى البحث حقه. وقد كان بعض المعجبين بالأستاذ أطلعني على الكتاب فوقفت فيه على أشياء أنكرتها منها: تعبيره عن موجد الكون بروح الكون وجعله الحياة الإنسانية قبسة من الحياة الوجودية، ويعني بالحياة الوجودية ما عبر عنه بروح الكون وهذا صريح في أن الروح الإنسانية مأخوذة من الله تعالى، جل َّ (١) الله عن ذلك، وكيف يؤخذ الحادث من القديم؟ ومنها زعمه عن الموجودات (ص ١٢) أنها سابحة في روح الوجود سبح النينان في المحيط الزاخر، منه وجدت وبه تحيا وفيه تفنى، وكما كان تعبيره عن موجد الكون بروح الوجود من العبارات الحلولية الموهمة أن الموجد سارٍ في الموجودات فقد كان تعبيره هنا بأنها سابحة فيه وتفنى فيه مقتضيا أنها حالة فيه وكلا الأمرين محال باطل اعتقاده، حاشا الأستاذ أن يكون قصده، ومنها زعمه أن في الناس علماء منتهين (ص ١٨) لا يتطلبون أن يأخذوا الدِّين آدابا وأخلاقا ولا أن يتعلموا منه أسلوبا في الحياة ولا دستورا في المعاملات ثم يقول عنهم (ص ٢٥) أن هؤلاء العلماء الأعلام يرون أن لا حاجة بهم إلى الأديان المعروفة هم هكذا ويسميهم بالعلماء الأعلام!
رأيت هذا في الكلام واستنكرته ونبهت الإخوان عليه ثم رأيت لحجة الإسلام الأستاذ رشيد رضا بحثا مستفيضا في هذا الكتاب وملؤلفه (٢).