المخرج عن الإسلام فسكتم، وقال الناس إنكم خفتم على مناصبكم وها أنتم أولاء تسألون اليوم عن البدع والمنكرات الفاشية في المسلمين باسم الدين، تنكر البدع التي أماتت ضمائرهم وخدرت عقولهم، وجمدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم، وسلبتهم حقيقة دينهم، وتركتهم بلاء على أنفسهم، وفتنة لغيرهم، فهل أنتم اليوم أيضا ساكتون، وبالتخويف على مناصبكم معتذرون؟
إننا ندعوكم بكلمة الله إلى الصدع بالحق وإنقاذ المسلمين، فإن أجبتم فذلك الظن بكم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، وإن أبيتم فعليكم إثم الهالكين وحسب المسلمين رب العالمين (١).
عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
"المتخرج من جامع الزيتونة" عمره الله
стр. 947
معاذ الله:
ظن المتستر وراء (الطالب الزيتوني) أنني لم أجبه ترفعا عنه، ومعاذ الله من هذا معاذه. وإنما لم أجبه لأنه تستر وراء إمضاء مستعار في مخاطبة من يكتب بإمضائه الصريح وليس من العدل أن ينازل الرجال من يختفي وراء الحجال، فإن أردت أن تجاب، فارفع الحجاب، وسلام عليك يا أستاذ!
(عبد الحميد)
стр. 948
من آثار جمعية العلماء في تهدئة الأفكار
نشرت جمعية العلماء المسلمين على الأمة الجزائريين منشورين في أيام الحادثة (١)، تحضها على ملازمة الهدوء والسكون وتدعوها إلى الثقة بالعدالة الفرنسوية وهذا نص المنشور الأول:
نداء من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
ايها الشعب الكريم!
ها أنت اليوم استيقظت من نوم عميق، وفتحت عينيك للحياة، ونهضت للعمل مع العاملين.
فتقو بالاتحاد وتسلح بالايمان وتدرع بالصبر، وتحصن بالثبات، سر بهدوء ونظام في طريق الحق والخير، إلى منزلتك اللائقة بك من الحياة بين الشعوب.
كن حذرا كن يقظا.
أعرف أصدقاءك من أعدائك.
وما أصدقاؤك إلا الذين يحترمون الإنسانية في جميع أجناسها وجميع أديانها ويرحمون الضعيف وينصرون المظلوم، ويقاومون الظلم والاستعباد.
وما أعداؤك إلا الذين وقفوا لك في طريق الحياة والتقدم منذ عرفتهم وعرفوك، فسدوا عليك أبواب الرزق والعلم، وسلبوك الحرية والثروة، واستغلوك كما تستغل الحيوانات العجماء بل أشد وأشر.
стр. 949
وها هم اليوم يريدون خدعك، ويحاولون استعمالك آلة لأغراضهم ضد أصدقائك الإنسانيين.
أيها الشعب الكريم:
كن- كلك- مع الحكومة الفرنسوية الممثلة للشعب الفرنسي الديموقراطي أصدق تمثيل.
كن كلك ضد كل متعصب ضد أي جنس وأي دين.
كن متحدا فبالاتحاد- فقط- تبلغ غايتك الشريفة الإنسانية.
كن مستيقظا منظما، لتبرهن على أنك شعب لا تريد إلا العيش والحرية والسلام.
إرفع عقيرتك بالاحتجاج ضد جميع الذين يستعملون العنف والقسوة والأساليب الشيطانية الخفية ليحدثوا الفتنة والشغب ضد فرنسا والجزائر.
ناد من كل قلبك: لتحيى الجزائر! لتحيى فرانسا الشعبية!
ليسقط الظلم والاستعباد! ليسقط أضداد الأجناس وحرية الأديان والأفكار!
عن الجمعية: الرئيس عبد الحميد بن باديس
وهذا نص المنشور الثاني
أيها الشعب الكريم:
كبر على أعدائك أن يروك فرحا مسرورا بمؤتمرك العظيم، ووفدك إلى باريس، وبلوغ صوتك إلى الحكومة الفرنسية وأحزاب الجبهة الشعبية ورجوع وفدك يحصل الآمال الصادقة، والثقة التامة من تلك الحكومة وتلك الأحزاب.
стр. 950
كبر على أعدائك كل هذا فأخذوا يدبرون لك المكائد، وينصبون لك الأشراك، فكانت تلك الجناية المفكرة على الإمام (ابن دالي) ثم كانت تلك- التهمة الشنيعة على الأستاذ (الطيب العقبي).
كل ذلك لأجل أن يثيروك فيخرجوك عن النظام والسكينة ليصوروك بالصورة التي يريدونها لك من القبح والفساد، ولأجل أن يزيلوا ثقتك بالجبهة الشعبية حكومتها وأحزابها، ويوهموك أنه لم يصبك في أيامهم ما أصابك في أيامها فيفضلوك عنها لتقع فريسة بين أيديهم.
أيها الشعب الكريم:
إرفع صوتك بالاحتجاج ضد كل إجرام وكل كيد.
أعلن مقتك للكائدين المكارين.
دم على ثقتك بالجبهة الشعبية حكومتها وأحزابها.
ثق بأن عين العدالة الفرنسية ستفضح الكائدين.
عن الجمعية الرئيس: عبد الحميد بن باديس
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
وشكر وتقدير
كانت حادثة اعتقال الأستاذ (الطيب العقبي) في ظاهرها محنة لجمعية العلماء المسلمين الجزائربين أثرت ما تؤثره المحن المفاجئة من حيرة لم تذهب بالصبر واضطراب لم يزلزل العقيدة.
ولكنها كانت في حقيقتها نعمة عظيمة لا يقوم بها الشكر فقد أحدثت في العالم المتصل بالجزائر روحا جديدة من العطف على الجمعية والتنبه لمكانتها والتأييد لها والانتصار لمبادئها الحقة وكانت موحدة لشعور سكان الشمال الإفريقي على الخصوص.
стр. 951
وقد أحدث طرفا الحادثة وهما الإعتقال والإفراج، ضجة أسف عامة، وهزة فرح شاملة، نطقت بها مئات البرقيات والرسائل التي وردت على الأستاذ وعلى مركز الجمعية، وعبرت عنها الصحف العربية والفرنساوية.
فجمعية العلماء المسلمين الجزائريين تتقدم بالشكر الجم للجرائد التونسية على موقفها الشريف في هذه الحادثة واعتنائها المضاعف واهتمامها بإظهار الحقيقة وللجرائد الباريزية على انتصارها للحق وللأمم التي أظهرت عطفها على الجمعية، وشاركتها في الأسف عند نزول الكربة والْفَرح عند انجلائها مقدرة للجميع إحساسهم سائلة رب العباد أن يديم على الكل ستره العميم وفضله الشامل (١).
عن الجمعية الرئيس: عبد الحميد بن باديس
تنظيم الإجتماع العام والدعوة إليه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قسنطينة في ......... سنة ١٣٥٥هـ -١٩٣٦م
الأخ الشيخ
رئيس شعبة الجمعية بـ ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فإن الاجتماع العام للجمعية يكون صبيحة الأحد ١١ رجب ٢٧ سبتمبر بنادي الترقي بعاصمة الجزائر، فالرجاء منكم أن تحضروه أنتم وبعض أعضاء مجلس إدارة شعبتكم، هذا على سبيل اللزوم ثم من تيسر له القدوم من بقية الأعضاء هذا على سبيل الرغبة الأكيدة.
стр. 952
وقد وجهنا لكم عددا من أوراق الدعوة لتوزعوها بعناية على إخواننا أعضاء الجمعية لديكم ممن ترون منهم تيسر القدوم.
والله يستعملنا وإياكم في طاعته، ويتولانا وإياكم بجميل عفوه وجزيل بره.
والسلام عليكم ومن أخيكم رئيس الجمعية (١)
عبد الحميد بن باديس
((ورقة استدعاء))
للاجتماع العام الذي يقع بنادي الترقي بالعاصمة صبيحة الأحد الثاني من رجب ١٣٥٥هـ ٢٧ سبتمبر ١٩٣٦م.
أيها الأخ الكريم ...
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
اما بعد فالمجلس الإداري للجمعية يدعوكم للحضور للاجتماع العام في الزمان والمكان المذكورين أعلاه ويؤكد عليكم في الدعوة، راجيا لكم التوفيق والتيسير.
والسلام من أخيكم رئيس الجمعية
عبد الحميد بن باديس
стр. 953
استصحب هاته الورقة معك عند القدوم:
فالمرجو من كل من لم يصله كتابه من رؤساء الشعب أو بطاقته من الأعضاء أن يعتبر النص المنشور هنا موجها إليه. وأن يسعى جهده لحضور هذا الاجتماع وعدم تفويته ما استطاع ووجد إلى الحضور سبيلا والله الميسر والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 954
المجلة الزيتونية
يحق لي- وأنا تلميذ من تلامذة الزيتونة- أن اغتبط بالمجلة الزيتونية غبطة خاصة.
ويحق لي- وأنا جندي مع جنود الإصلاح الإسلامي العام- أن أسر سرورا خاصا بتعزز معاقل الإصلاح بها.
ما كنت لأنسى أربع سنوات قضيتها بالزيتونة، شطرها متعلماً وشطرها متعلماً ومعلماً، فكان لي منها آباء وإخوة وأبناء، فأكرم بهم من آباء وأكرم بهم من إخوة وأكرم بهم من أبناء.
مضت بضع سنوات حالت فيها الأعمال المتوالية بيني وبين زيارة ذلك المعهد الشريف وأهله الكرام، ولقد كان- علم الله- شذى مجالسنا بذكره، ونعيم أرواحنا بذكراه، وما أعرف صائفة حل بنا معشر خدمة الإصلاح- بها البلاء واستحكمت حلقاته مثل الصائفة الماضية، بما كبدت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما نصب لها ولرجالها من إشراك لولا دفع الله وحفظه، وما أعلم صائفة هاج بي الشوق إلى جامع الزيتونة مثلها، ولقد علم رفاقي أنه كان صبابة وهياجا لا شوقا معتادا. وأي واجبات هي من حقوق الجزائر غالبت ذلك الشوق فغلبته فلم أستطع براحا، وأي ألم هو كنت ألقاه بين سلطان الواجب وصولة العاطفة، لكن الله الذي أرانا فنونا من لطفه في تلك الصائفة عجل بما سكن ذلك الشوق، وأنعش الروح، وشرح الخاطر، فاطلع علينا (المجلة الزيتونية) من سماء تلك الديار، مشرق الشموس مطلع الأقمار وقد ازدانت غرتها بأسماء أربعة من خيرة الشباب العلماء
стр. 955
العاملين: الأستاذ محمد الشاذلي بن القاضي والأستاذ محمد الهادي ابن القاضي، وكنت تلقيت قسما من البلاغة على المنعم والدهما، والأستاذ محمد المختار بن محمود، والأستاذ الطاهر القصار، وكنت مررت يوم امتحان شهادة التطويع أمام المنعمين والديهما مع غيرهما وقد اضطلع هؤلاء الأساتذة الأربعة بالمجلة وتحريرها وإدارتها وماليتها. وأمدهم الأستاذ الأكبر شيخ الجامع بتأييده الرسمي ووازرهم في العمل أمثالهم من الشباب العلماء وأصحاب الفضيلة الشيوخ الكبراء مثل العلامة أستاذنا شيخ الإسلام المالكي ابن عاشور والعلامة أستاذنا الشيخ الصادق النيفر والعلامة الأستاذ الشيخ عبد العزيز جعيط والعلامة الأستاذ الشيخ البشير النيفر وغيرهم. فكانت المجلة الزيتونية تمثل تمثيلا صحيحا جامع الزيتونة بشيوخه وشبانه فتتجلى فيها الجرأة والرصانة، والنشاط والتؤدة. فتسير- إن شاء الله- إلى غايتها في قوة وسلام.
كانت أول دعوة للإصلاح الإسلامي أعلنت في هذا الشمال الإفريقي على لسان الصحافة- هي دعوتنا منذ بضع عشرة سنة في جريدة (المنتقد) الشهيدة وفي خلفها (الشهاب) وما كان ينتظر من جامع الزيتونة المعمور في جلاله وثقل تقاليده أن يخف لتأييد تلك الدعوة فكنا نعذره بالسكوت حينا، ونأمل أن يأتي يوم يأبى عليه الحق فيه إلا أن يقول كلمته ويرفع صوته فيدوي له هذا الشمال، وكنا نستعجل هذا الفينة بعد الفينة بما نلوح ونصرح به من عتب واستنجاد، حتى جاء هذا العام المبارك فجاءت (المجلة الزيتونية) تعلن الإصلاح وتحمل رايته وتدعو إليه باسم جامع الزيتونة المعمور فكان فوزا مبينا للإصلاح والمصلحين ونصرا عظيما للإسلام والمسلمين.
وقد صدر العدد الأول بمقال الافتتاح بقلم رئيس التحرير الأستاذ محمد المختار ابن محمود وخطاب لصاحب الفضيلة، الأستاذ الأكبر شيخ
стр. 956
الجامع وخطاب للأستاذ محمد الشاذلي بن القاضي صاحب المجلة وكلها صريحة فيما ذكرناه من تقدم جامع الزيتونة والمجلة الزيتونية لميدان الإصلاح الإسلامي العام. وها نحن ننقل فيما يلي دررا منها نحلي بها جيد هذا المقال:
قال الأستاذ رئيس التحرير: "ونحن إذا تأملنا حالة المسلمين في هذا العصر، من كل قطر ومصر وجدناهم قد نبذوا تعاليم الإسلام ظهريا. وتجافوا عنه كبرا وعتيا. فسوق المفاسد والضلالات في رواج وظلام الشرك يوشك أن لا يكون له انبلاج، فكان لزاما على علماء الدين في جميع النواحي أن يشمروا عن ساعد الجد. وينفقوا كل ما لديهم من مال وجاه وكد. ويرفعوا أصواتهم بإرشاد الناس. من جميع الأجناس. حتى يملأ صوتهم الفضاء، ويصل إلى عنان السماء، فينفذ إلى قلوب أعمتها الضلالة وأتت عليها الجهالة. وبذلك يتميز السبيل القصد عن الجائرات من السبل، وما تكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ويصرع الباطل وإن شاع ويظهر الحق وتعلو كلمة الله في جميع البقاع".
"وسيكون في المجلة باب بعنوان (الوعظ والإرشاد) وهو من أعظم أبواب المجلة حيث سيكون مجالا فسيحا لإرشاد الناس وتنبيههم إلى مواقع الخطأ فيما هم سائرون عليه حتى يقلعوا عنه ويرجعوا إلى هدي الإسلام".
"وسيكون شعار المجلة في جميع أعمالها وفي مختلف أطوارها، الإصلاح الديني ومقاومة كل حركة ترمي إلى الإلحاد أو إلى التعصب الديني أو المذهبي ومقاومة البدع بجميع أنواعها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا".
وقال الأستاذ الأكبر أستاذنا المالقي- في بيان مهمة مشيخة الجامع
стр. 957
الأعظم التي تسعى لتحقيقها-: (خامسا) إرشاد العلماء للعامة وإنقاذهم من وهدة الجهالة التي لا يعذر صاحبها وذلك بالوعظ والإرشاد في الجوامع، والمجتمعات العامة وتعهدهم بالموعظة كما كان عليه سلف الأمة ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
وقال الأستاذ صاحب المجلة: "وليس هذا هو كل ما يتطلب منا القيام به فإن أمامنا مهمات كثيرة تتطلب رجالا مصلحين أمثالكم هي اليوم في طي الذهول أو النسيان".
...
نحن نسجل بغاية السرور والغبطة ومع صادق الرجاء وعظيم الأمل، هذه التصريحات الجليلة التي لا تصدر إلا من قلوب أفعمث بالخير، ونفوس تشعر بالواجب، وهمم تريد النهوض بإرث النبوة والرسالة من إنقاذ الخلق وهدايتهم إلى الصراط المستقيم. وخصوصا تصريحات مولانا الأستاذ الأكبر فقد بين أن من مقاصد مشيخة الجامع القيام بالوعظ والإرشاد في الجوامع والمجتمعات وأن تلك هي سيرة السلف الصالح. وطبع كلامه بكلمة أمام دار الهجرة التي هي شعار "الشهاب".
وهذا الذي بيَّنه فضيلته هو ما قامت وتقوم به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وهو ما لقيت وتلقى في سبيله كل عرقلة وشر من طرف الإدارة الظالمة الغاشمة المتعرضة لتربية المسلمين تربية إسلامية إنسانية صحيحة، فليتكل فضيلته على الله وليقدم الشبان العلماء من أبناء الزيتونة إلى ميادين الوعظ والإرشاد في الجوامع والمجتمعات في جميع نواحي المملكة- لا العمالة! - التونسية. وليوطن إخواننا من الأساتذة أنفسهم على ما يلقونه من البلاء وما تمطرهم به سحب الظلم والجهل من أنواع الأذى وفقهم الله وأعانهم على تعجيل ما عزموا عليه.
***
стр. 958
وبعد فإن اسم الزيتونة إسم إسلامي علمي تاريخي عظيم فيجب أن تكون "المجلة الزيتونية" ممثلة له مجددة لعهده. وأن في تعاون أساتذة الجامع: شبابهم وشيوخهم على النهوض بها ما يحقق ذلك إن شاء الله. وإنني أقترح على إخواني القائمين بها أن يضموا إلى قلم تحريرها رجالا من الزيتونيين الذين يعرفون بعض اللغات الغربية ولهم خبرة بحركات العصر من وراء البحر فإن العلوم والآداب والفنون تراث الإنسانية كلها لا تستقل فيها أمة عن أمة وأكمل الأمم إزاءها من تحسن كيف تحافظ على حسنها وتستفيد من حسن غيرها (١).
وسلام عليكم أيها الرفاق، من أخ مشتاقا عبد الحميد بن باديس
стр. 959
المجلة التونسية
اجتمعنا بالأستاذ مبارك الميلي في شهر رمضان الماضي ودار الحديث على النهضة الإصلاحية التي ظهرت بجامع الزيتونة المعمور، وكان من ثمارها المجلة الزيتونية. فأخبرني الأستاذ أنه كتب لها تقريظا وأرسله إلى إدارتها. وكنا نحسب أنه يصدر بجزء شوال ولما اجتمعت بالأساتذة أصحاب المجلة بشهر شوال أخبروني باتصالهم بالتقريظ واعتذروا عن تأخره بكثرة المواد وذكروا لي أنهم سينشرونه- مع تعليق على شيء فيه- في جزء ذي القعدة فصدر الجزء ولم ينشر فيه. فلما اجتمعت بالأستاذ الميلي في العشرين منه تذاكرنا أمر التقريظ وتأخر نشره وسألته هل فيه ما جعل نشره على الإاخوان ثقيلا؟ وطلبت منه أن يطلعني عليه وأن يأذن لي في نشره فأعطانيه فلم أجد فيه إلا كل ما يسر ويفيد فبادرت بنشره (١).
стр. 960
دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأصولها
بقلم الأستاذ عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
ــ
١ - الإسلام هو دين الله الذي وضعه لهداية عباده، وأرسل به جميع رسله، وكمله على يد نبيه (محمد) الذي لا نبي من بعده.
٢ - الإسلام هو دين البشرية الذي لا تسعد إلا به وذلك لأنه:
أولا- كما يدعو إلى الأخوة الإسلامية بين جميع المسلمين، يذكر بالأخوة الإنسانية بين البشر أجمعين.
ثانيًا- يسوي في الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية بين جميع الأجناس والألوان .. ثالثا- لإنه يفرض العدل فرضا تاما بين جميع الناس بلا أدنى تمييز.
رابعا- يدعو إلى الإحسان العام.
خامسا- يحرم الظلم بجميع وجوهه وبأقل قليله من أي أحد على أي أحد من الناس.
سادسا- يمجد العقل ويدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير.
سابع- ينشر دعوته بالحجة والإقناع لا بالختل والإكراه.
ثامنا- يترك لأهل كل دين دينهم يفهمونه ويطبقونه كما يشاؤون.
تاسعا- شرك الفقراء مع الأغنياء في الأموال وشرع مثل القراض
стр. 961
والمزارعة والمغارسة، مما يظهر به التعاون العادل بين العمال وأرباب الأراضي والأموال.
عاشرا- يدعو إلى رحمة الضعيف فيكفي العاجز ويعلم الجاهل ويرشد الضال ويعان المضطر ويغاث الملهوف وينصر المظلوم ويؤخذ على يد الظالم.
حادي عشر- يحرم الاستعباد والجبروت بجميع وجوهه.
ثاني عشر- يجعل الحكم شوري ليس فيه استبداد ولو لأعدل الناس.
٣ - القرآن هو كتاب الإسلام.
٤ - السنة- القولية والفعلية- الصحيحة تفسير وبيان للقرآن.
٥ - سلوك السلف الصالح- الصحابة والتابعين وأتباع التابعين- تطبيق صحيح لهدي الإسلام.
٦ - فهوم أئمة السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنة.
٧ - البدعة كل ما أحدث على أنه عبادة وقربة ولم يثبت عن النبي- ﵌ فعله وكل بدعة ضلالة.
٨ - المصلحة كل ما اقتضته حاجة الناس في أمر دنياهم ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم وتقدم عمرانهم مما تقره أصول الشريعة.
٩ - أفضل الخلق هو (محمد) ﵌، لأنه:
أولا- اختاره الله لتبليغ أكمل شريعة إلى الناس عامة.
ثانيا- كان على أكمل أخلاق البشرية.
ثالثا- بلغ الرسالة ومثل كمالها بذاته وسيرته.
стр. 962
رابعا- عاش مجاهدا في كل لحظة من حياته في سبيل سعادة البشرية جمعاء حتى خرج من الدنيا ودرعه مرهونة.
١٠ - أفضل أمته بعده هم السلف الصالح لكمال اتباعهم له.
١١ - أفضل المؤمنين هم الذين آمنوا وكانوا يتقون وهم الأولياء والصالحون فحظ كل مؤمن من ولاية الله على قدر حظه من تقوى الله.
١٢ - التوحيد أساس الدين، فكل شرك- في الاعتقاد أو في الفعل- فهو باطل مردود على صاحبه.
١٣ - العمل الصالح المبني على التوحيد به وحده النجاة والسعادة عند الله فلا النسب ولا الحسب ولا الحظ بالذي يغني عن الظالم شيئا.
١٤ - اعتقاد تصرف أحد من الخلق مع الله في شيء ما شرك وضلال، ومنه اعتقاد الغوث والديوان.
١٥ - بناء القباب على القبور ووقد السرج عليها والذبح عندها لأجلها والاستغاثة بأهلها ضلال من أعمال الجاهلية ومضاهاة لأعمال المشركين فمن فعله جهلا يُعَلَّم ومن أقره ممن ينتسب إلى العلم فهو ضال مضل.
١٦ - الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف ومبناها كلها على الغلو في الشيخ والتحيز لاتباع الشيخ وخدمة دار الشيخ وأولاد الشيخ إلى ما هناك من استغلال .... ومن تجميد للعقول وإماتة للهمم وقتل للشعور وغير ذلك من الشرور ..
١٧ - ندعو إلى ما دعا إليه الإسلام وما بيناه منه من الأحكام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من الأئمة مع الرحمة والإحسان دون عداوة أو عدوان.
стр. 963
١٨ - الجاهلون والمغرورون أحق الناس بالرحمة.
١٩ - المعاندون المستغلون أحق الناس بكل مشروع من الشدة والقسوة.
٢٠ - عند المصلحة العامة- من مصالح الأمة يجب تناسي كل خلاف
بفرق الكلمة ويصدع الوحدة ويوجد للشر الثغرة، ويتحتم التآزر والتكاتف حتى تنفرج الأزمة وتزول الشدة بإذن الله، ثم بقوة الحق وادراع الصبر وسلاح العلم والعمل والحكمة.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
عبد الحميد بن بادبيس
بقسنطينة بالجامع الأخضر اثر صلاة الجمعة ٤ ربيع الأول ١٣٥٦هـ (١)
стр. 964
لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة
من المعلوم عند أهل العلم أن مما حفط الله به دينه وأبقى به حجته أنه لا تنقطع الدعوة إلى الله في هذه الأمة والقيام على الحق والإعلان بالسنن والرد على المحرِّفين والمتغالين والزائغين والمبتدعين وأن أهل هذه الطائفة معروفة مواقفهم في كل جيل محفوظة آثارهم عند العلماء غير ان غلبة الجهل وكثرة أهل الضلال قد تحول دون بلوغ صوتهم إلى جميع الناس فترى أنصار الباطل كلما قام داع من دعاة الحق في ناحية اعترضوه بسكوت من سكت ممن كان قبله وأوهموا اتباعهم المغرورين بهم أن هذا الداعي جاء بدين جديد فيكون من أعظم ما يرد به عليهم ويبصر أولئك المغترين بهم نشر ما تقدم من كلام دعاة الحق وأنصار الهدى في سالف الزمان، ولهذا ننشر فيما يلي خطبة جليلة لمولانا السلطان سليمان ابن سيدي محمد بن عبد الله أحد مفاخر ملوك المسلمين في القرن الثاني عشر في القطر الشقيق المغرب الأقصى، وقد كان هذا الإمام علامة مشاركا تحريرا سلفيا مصلحا كبيرا عاملا بعلمه آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر داعياً للسنة محارباً للبدعة. معلماً للأمة ما علمه الله منفذاً فيها لأحكام الله، وقد نشر هذه الخطبة في رسالة خاصة إخواننا العلماء المصلحون بالمغرب ورجوا من الخطباء أن يخطبوا بها كما كان أمر صاحبها ﵀، أن يخطب بها في زمانه فنقلناها من تلك الرسالة ونحن نرجو من خطباء الجزائر أن يخطبوا بها على الناس إن كانوا لهم ناصحين.
стр. 965
نص الخطبة
الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة، وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة وحفظ ملة نبيه الكريم وصفيه الرؤوف الرحيم، من الإضاعة، إلى قيام الساعة وجعل التأسي به أنفع الوسائل النافعة أحمده حمداً ينتج اعتماد العبد على ربه وانقطاعه. وأشكره شكراً يقصر عنه لسان البراعة، وأستمد معونته بلسان الذلة والضراعة وأصلي على محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة، على العموم والإشاعة والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه حسب الاستطاعة أما بعد أيها الناس شرح الله لقبول النصيحة صدوركم وأصلح بعنايته أموركم، واستعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم فإن الله قد استرعانا جماعتكم وأوجب لنا طاعتكم وحذرنا إضاعتكم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. سيما فيما أمر الله به ورسوله أو هو محرم بالكتاب والسنة النبوية، وإجماع الأمة المحمدية الذين إن مكناهم في الأرض أقَاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولهذا نرثي لغفلتكم! أو عدم إحساسكم ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم! فألقوا لأمر الله آذانكم وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم وطهروا من دنس البدع إيمانكم وأخلصوا لله أسراركم وإعلانكم واعلموا أن الله بفضله أوضح لكم طريق السنة لتسلكوها. وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها وكلفكم لينظر عملكم، فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوه. واعرفوا فضله عليكم وعوه واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون! والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون وافترقوا أوزاعا! وانتزعوا الأديان والأمول انتزاعا بما هو حرام كتابا وسنة واجماعا! وتسموا فقراء: وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا! ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ
стр. 966
بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾! وكل ذلك بدعة شنيعة، وفعلة فظيعة وسبة وضيعة، وسنة مخالفة لأحكام الشريعة وتلبيس وضلال وتدليس شيطاني وحبال زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتا! وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك درهم وأقواتا! وتصدى له أهل البدع من عساوة وجلالة وغيرهم من ذوي البدع والضلالة، والحماقة والجهالة! وصاروا يرقبون للهوهم الساعات! وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات! وكل ذلك حرام ممنوع والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع، فأنشدكم الله، عباد الله هل فعل رسول الله- ﵌ لعمه سيد الشهداء موسما؟ وهل فعل سيد هذه الأمة أبو بكر لسيد الارسال- صلى الله عليه وعلى جميع الصحابة والآل- موسما؟ وهل تصدى لذلك أحد من التابعين ﵃ أجمعين-، ثم أنشدكم الله، هل زخرفت على عهد رسول الله- ﵌ المساجد، أم زوقت أضرحة الصحابة والتابعين الأماجد كأني لكم تقولون في نحو هذه المواسم المذكورة وزخرفة أضرحة الصالحين وغير ذلك من أنواع الابتداع، حسبنا الاقتداء والاتباع، إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، وهذه المقالة قالها الجاحدون هيهات هيهات لما توعدون. وقد رد الله، مقالهم ووبخهم وما أقالهم، فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدين. وأهل الصلاح والدين خير القرون قرني الحديث (١) وبالضرورة أنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، فقد قبض رسول الله- ﵌ عقد الدين قد سجل، ووعد الله بإكماله وقد عجل، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
стр. 967
الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ قال عمر بن الخطاب- ﵁ على منبر رسول الله- ﵌ بحضرة الصحابة- ﵃: أيها الناس، قد سننت لكم السنن وفرضت الفرائض وتركتم على الجادة، فلا تميلوا بالناس يميناً ولا شمالاً فليس في دين الله ولا فيما شرع نبي الله، أن يتقرب بغناء ولا شطح، .. والذكر- الذي أمر الله به، وحث عليه، ومدح الذاكرين به، هو على الوجه الذي كان يفعله- ﵌، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد، فهذه سنة السلف، وطريقة صالحي الخلف، فمن قال بغير طريقهم فلا يستمع ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين قوله: ﴿مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع؟! أأمنا من مكر الله؟! أم تلبيساً على عباد الله؟! أم منابذة لمن النواصي بيديه!؟ أم غرورا لمن الرجوع بعد إليه!؟ فتوبوا واعتبروا وغيروا المناكر واستغفروا. فقهد أخذ الله بذنب المترفين من دونهم! وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم! وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع. ما بين العاصي والمداهن المطيع! أفيزلكم الشيطان، وكتاب الله بأيديكم؟ أم كيف يضلكم وسنة نبيكم تناديكم، فتوبوا إلى رب الأرباب. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. ومن أراد منكم التقرب بصدقة، أو وفق لمعروف أو إطعام أو نفقة. فعلى من ذكر الله في كتابه. ووعدكم فيه جبريل ثوابه كذوي الضرورة الغير الخافية والرضى الذي لستم بأولى منهم بالعاقبة. ففي مثل هذا تسد الذرائع وفيه تمتثل أوامر الشرائع.
стр. 968
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
ولا يتقرب إلى مالك النواصي، بالبدع والمعاصي. بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون. والأتقياء المفلحون أكل الحلال وقيام الليالي، ومجاهدة النفش في حفط الأحوال بالأقوال والأفعال. البطن وما حوى، والرأس وما وعى، وآيات تتلى، وسلوك الطريقة المثلى، وحج وجهاد ورعاية السنة في الموسم والأعياد، ونصيحة تهتدى، وأمانة تؤدى، وخلق على خلق القرآن يحدى، وصلاة وصيام، واجتناب مواقع الآثام، وبيع النفس والمال من الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. الصراط المستقيم كتاب الله، وسنة رسول الله- ﵌. وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات، والاجتماع للبيات. وحضور النساء والأحداث. وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والأحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص ...؟ ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾؟، عن المقداد (١) بن معد يكرب- ﵁: سمعت رسول الله- ﵌ يقول: يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يدييه راية يحملها، وأناس يتبعونها، فيسأل عنهم ويسألون عنه؟ ..
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
стр. 969
الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾.
فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائف أن يمنعوا هؤلاء الطوائف، من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم ثم إياكم والبدع فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية فمن المنقول عن المال، والمشهور في الأواخر والأوائل أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم وأظلم ما بينهم وبين ربهم وانقطعت عنهم الرحمات ووقعت فيهم المثلاث، وشحت السماء، وحلت النقماء وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقعت م بركة الزروع، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق الفوائد، والأدب مع الله ثلاثة: حفط الحرية، بالاستسلام والاتباع، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع ومراعاتها في الضيق والاتساع، لا ما يفعله هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، عن العرباض (١) بن سارية- ﵁ قال: وعظنا رسول الله- صلى الله عليه وآله رسلم-، موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقام إليه رجل فقال يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ أو قال: أوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولي عليكم وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإيكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
стр. 970
وها نحن عباد الله أرشدناكم وحذرناكم وأنذرناكم، فمن ذهب بعد لهذه المواسم أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم. فقد سىعى في هلاك نفسه. وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه. وتله الشيطان للجبن. وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
стр. 971
جواب صريح
تمهيد:
ورد سؤال على الأستاذ الجليل محمد بن الحسن الحجوي وزير معارف الحكومة المغربية من الشيخ حافظ إبراهيم ربيشطي من أهل العلم ببلدة شقودرة بمملكة ألبانيا، عن أشياء منها ما يتعلق بالطريقة التجانية، فأجاب الأستاذ عن تلك المسائل كلها ونشر جوابه في مجلة "الرسالة" حيث نشر السؤال، ولقد أجاد الأستاذ في جوابه غير أنه أحاط كلامه في شأن الطريقة التجانية بشيء من الغموض حمله عليه فيما أظن مركزه ومحيطه وليس له في هذا عذر عند الله فإن السؤال كان واضحا والموضوع عظيما هاما والموقف محتاجا إلى صراحة لا يخاف فيها إلا الله. فريت من واجبي الديني أن أجيب بصراحة وأن آتي من كلام الأستاذ بما هو مؤيد لجوانبي مع التعليق عليه لا أقصد من ذلك - علم الله- إلا النصح لإخواني الذين ضلوا بهذه الطريقة عن الصراط المستقيم هدانا الله كلنا إليه ..
تلخيص السؤال:
يدعي المنتسبون للطريقة التجانية:
١ - أن قراءة (صلاة الفاتح) أفضل من تلاوة القرآن ستة آلاف مرة متأولين بأن ذلك بالنسبة لمن لم يتأدب بآداب القرآن.
٢ - أن (صلاة الفاتح) من كلام الله القديم ولا يترتب عليها ثوابها إلا لمن اعتقد ذلك.
стр. 972
٣ - وأن (صلاة الفاتح) علمها النبي- ﵌ لصاحب الطريقة ولم يعلمها لغيره.
٤ - وأن مؤسس الطريقة التجانية أفضل- الأولياء.
٥ - وأن من اتنسب إلى تلك الطريقة يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب وتغفر ذنوبه الصغار والكبار، حتى التبعات.
فهل الإندماج فيها غير مناف للشريعة الغراء؟.
الجواب:
١ - القرآن كلام الله و (صلاة الفاتح) من كلام المخلوق ومن اعتقد أن كلام المخلوق أفضل من كلام الخالق فقد كفر. ومن جعل ما للمخلوق مثل ما لله فقد كفر بجعله لله ندا فكيف بمن جعل ما للمخلوق أفضل مما للخالق.
هذا إذا كانت الأفضلية في الذات فأما إذا كانت الأفضلية في النفع فإن (١) الأدلة النظرية والأثرية قاضية بأفضلية القرآن على جميع الأذكار وهو مذهب الأئمة من السلف والخلف. قال سفيان الثوري ﵀ "سمعنا أن قراءة القرآن أفضل من الذكر". نقله القرطبي في الباب السابع منكتاب "التذكار" وقال النووي ﵀ "واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار. وقد تظاهرت الأدلة على ذلك" قاله في الباب الثاني من كتاب التبيان ومخالفة مثل هذا موجب للتبديع والتضليل.
٢ - وأما زعم من زعم- متأولا لتلك الأفضلية الباطله- بأن
стр. 973
(صلاة الفاتح) خير لعامة الناس من تلاوة القرآن لأن ثوابها محقق ولا يلحق فاعلها إثم والقرآن إذا تلاه العاصي كانت تلاوته عليه إثما لمخالفته لما يتلوه. واستدلوا على هذا بقول أنس- ﵁ الذي تحسبه العامة حديثا: رب تال للقرآن والقرآن يلعنه- فهو زعم باطل لأنه مخالف لما قاله أئمة السلف والخلف من أن القرآن أفضل الأذكار ولم يفرقوا في ذلك بين عامة وخاصة ولا بين مطيع وعاص، ومخالف لمقاصد الشرع من تلاوة القرآن، وذلك من وجوه:
الأول- أن المذنبين مرضى القلوب فإن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله فكل معصية يأتي بها الإنسان هي من فساد في القلب ومرض به. والله تعالى قد جعل دواء أمراض القلب تلاوة القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فمقصود الشرع من المسلمين أن يتلوه ويتدبروه ويستشفوا بألفاظه ومعانيه من أمراضهم من عيوبهم وذنوبهم وذلك الزعم الباطل يصرف المذنبين- وأيّنا غير مذنب؟ - عن تلاوته.
الثاني- أن القلوب تعتريها الغفلة والقسوة والشكوك والأوهام والجهالات وقد تتراكم عليها هذه الأدران كما تتراكم الأوساخ على المرآة فتطمسها وتبطل منفعتها وقد يصيبها القليل منها أو من بعضها فلا تسلم القلوب على كل حال من إصابتها فهي محتاجة دائما وأبدا إلى صقل وتنظيف بتلاوة القرآن وقد أرشد النبي- صلى الله طيه وآله وسلم- إلى هذا فيما رواه البيهقي في "الشعب" والقرطبي في
стр. 974
" التذكار" - "أن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد. قالوا: يا رسول الله فما جلاؤها، قال: «تلاوة القرآن» " فمقصود الشرع من المذنبين أن يتلوا القرآن لجلاء قلوبهم وذلك الزعم الباطل يصرفهم عنه.
الثالث- أن الوعيد والترهيب قد ثبتا في نسيان القرآن بعد تعلمه، وذهابه من الصدور بعد حفظه فيها. فروى أبو داوود عن سعد- مرفوعا-: "ما من أمرء يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي اله أجذم". وروى الشيخان عن عبد الله- مرفوعا-: "واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم". فمقصود الشرع دوام التلاوة لدوام الحفظ ودفع النسيان وذلك الزعم الباطل يؤدي إلى تقليلها أو تركها.
ومثل هذا الزعم في البطلان والضلال زعم أن تالي القرآن يأثم بقراءته مع مخالفته فإن المذنب يكتب عليه ذنبه مرة واحدة. ولا يكتب عليه مرة ثانية إذا ارتكب ذنبا آخر وإنما يكتب عليه ذلك الذنب الآخر فكيف يكتب عليه ذنب إذا باشر عبادة التلاوة؟ والأصل القطعي - كتابا وسنة- أن ما جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهو يبطل إن تجدد له سيئاته إذا جاء بتلاوة القرآن.
وما قول أنس ﵁ "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه" فليس معناه أن القرآن يلعنه لأجل تلاوته، كيف وتلاوته عبادة؟ وإنما معناه أنه ربما تكون له مخالفة لبعض أوامر القرآن أو نواهيه من كذب أو ظلم مثلا فيكون داخلا في عموم لعنه للظالمين والكاذبين. وهذا الكلام خرج مخرج التقبيح للإصرار على مخالفة القرآن مع تلاوته بعثا للتالي على سرعة الاتعاظ بآيات القرآن وتعجيل المتاب، ولم يخرج مخرج الأمر بترك التلاوة والانصراف عنها. هذا هو الذي يتعين حمل كلام هذا الصحابي الجليل بحكم الأدلة المتقدمة. ونظيره ما ثبت في الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله
стр. 975
حاجة أن يدع طعامه وشرابه". قال الشراح- واللفظ للقسطلاني-: "وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور وإنما معناه التحذير من قول الزور فهو كقوله ﵊: «من باع الخمر فليشقص الخنازير» أي يذبحها، ولم يأمره بشقصها، ولكنه التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر. وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم له أجر صيامه". هذا فيمن يرتكب الزور وهو صائم فيكون متلبسا بالعبادة والمخالفة في وقت واحد، فكيف بمن كان ذنبه في غير وقت عبادة التلاوة؟ فالمقصود من كلام أنس تحذيره من الإصرار على المخالفة، وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته.
٢ - وليس عندنا من كلام الله إلا القرآن العظيم. هذا إجماع المسلمين حتى أن ما يلقيه جبريل- ﵇ في روع النبي ﵌ سماه الأئمة بالحديث القدسي، وفرقوا بينه وبين القرآن العظيم ولم يقولوا فيه كلام الله. ومن الضروري عند المسلمين أن كلام الله هو القرآن وآيات القرآن، فمن اعتقد أن (صلاة الفاتح) من كلام الله فقد خالف الإجماع في أمر ضروري من الدين وذلك موجب للتفكير.
٣ - قد بعث النبي- ﵌ معلما كما صح عند (١)، وعاش معلما آخر لحظة من حياته، فتوفاه الله تعالى نبيا رسولا ونقله للرفيق الأعلى، وقد أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، وانقطع الوحي وانتهى التبليغ والتعليم. وترك فينا ما إن تمسكنا به لن نضل أبدا وهو كتاب الله وسنته، كما صحَّ عنه، هذا كله مجمع عند المسلمين، وقطعي في الدين، فمن زعم أن محمداً مات وقد بقي شيء لم يعلمه للناس في حياته فقد أعظم على الله الفرية وقدح في تبليغ الرسالة،
стр. 976
وذلك كفر. فمن اعتقد أن (صلاة الفاتح) علمها النبي- ﵌ لصاحب الطريقة التجانية دون غيره، كان مقتضى اعتقاده هذا أنه مات ولم يبلغ وذلك كفر. فإن زعم أنه علمه إياها في المنام فالإجماع على أنه لا يؤخذ شيء من الدين في المنام مع ما فيه من الكتم وعدم التبليغ المتقدم.
هذا وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة- ﵃ سألوا النبي- صلى الله عليه واله وسلم- كيف يصلون عليه فانتظر الوحي وعلمهم الصلاة الإبراهيمية وقد تواترت في الأمة تواترا معنويا ونقلها الخلف عن السلف طبقة عن طبقة وأجمع الناس على مشروعيتها في التشهد. ومن مقتضى الاعتقاد الباطل المتقدم أنه- ﵌ كتم عن أفضل أمته ما هو الأفضل وحرم منه قرونا من أمته وهو الأمين على الوحي وتبليغه، الحريص على هداية الخلق وتمكينهم من كل كمال وخير، فمن قال عليه ما يقتضي خلاف هذا فقد كذب عليه وكذب ما جاء به. ومن رجح صلاة على ما علمه هو ﵌ لأصحابه- ﵃ بوحي من الله واختيار منه تعالى فقد دخل في وعد: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
٤ - لا تثبت الأفضلية الشرعية إلا بدليل شرعي ومن أدعاها لشيء بدون دليل فقد تجرأ على الله وقفا ما ليس به علم وقد أجمعت الأمة على تفضيل القرون المشهود لها بالخيرية من الصادق المصدوق ﵊ فاعتقاد أفضلية صاحب الطريقة التجانية تزكية على الله بغير علم وخرق للإجماع المذكور، موجب للتبديع والتضليل.
стр. 977
٥ - عقيدة الحساب والجزاء على الأعمال قطعية الثبوت ضرورية العلم فمن اعتقد أنه يدخل الجنة بغير حساب فقد كفر.
فالمندمج في الطريقة التجانية على هذه العقائد ضال كافر. والمندمج فيها دون هذه العقائد عليه إثم من كثر سواد البدعة والضلال.
ثم هاكم من جواب الأستاذ عن فصول السؤال، مما يؤيد جوابنا مع تعليقنا عليه:
"ومن المكر الخفي والكيد للإسلام المنطوي تحت هذه المقالة تزهيد الناس في القرآن العظيم وفي تلاوته ثم الإعراض عنه إلى ما هو أخف عملا وفي الميزان أثقل في زعمهم الباطل وإني لأعجب لمسلم استنار بنور القرآن يقبل هذه المقالة في الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله".
لهذه وغيره نقول أن الطريقة التجانية ليست كسائر الطرق في بدعها، والمشاهد اليوم من أضرارها، ودعنا من حديث ماضيها بما فيه، بل هي طريقة موضوعة لهدم الإسلام تحت اسم الإسلام، فإن كتبها وأقوال أصحاب صاحبها مطبقة على هذه الأفكار وأكثر منها فلا تجد في كتبهم ما هو خالص منها حتى يمكن أن يكون هو الأصل وأن غيره مدسوس وإنك لتجد هذه الكتب محل الرضى والقبول والتقديس عند جميع أتباع الطريقة عالمهم وجاهلهم. ولو كان عالمهم بالكلمة المنسوبة إلى صاحب الطريقة، والله أعلم بصحة نسبتها: "زنوا كلامي بميزان الكتاب والسنة"- لأعدموا تلك الكتب أو حرموا على جماعتهم قراءتها أو حذفوا منها هذه الكفريات والأضاليل وأعلنوا البراءة منها للناس لكن شيئا من ذلك لم يقع. وإنما يطنطنون بتلك الكلمة قوليا ويقرون تلك الكتب وما فيها علميا. وماذا يفيد القول مع التقرير والعمل. ولهذا رغم من كان في هذه الطريقة من أناس مشهورين بالعلم كالشيخ الرياحي فإن الحالة هي الحالة وتلك الكفريات
стр. 978
والأضاليل فاشية منتشرة في اتباع الطريقة إلى اليوم.
قال الأستاذ الحجوي .... بعدما نقل أقوالهم في ضمان شيخهم ومضاعفة الأجور لهم ودخولهم الجنة بغير حساب-: "فكأنها (الطريقة التجانية) ورقة حماية من دولة لها سلطة عالية، تعالى من يجير ولا يجار عليه، فكأنهم نسوا القرآن".
فبهذا صارت الطريقة التجانية في نظر أهل العلم بالسنة والكتاب كأنها مسجد الضرار ضد الإسلام. فالله يقول في نبيه خاتم النبيين، وهم يقولون في الشيخ التجاني هو الختم وهو لبنة التمام للأولياء فحجروا على الله ملكه وقطعوا المدد المحمدي وهم لا يبالون أو لا يشعرون، وحتى إن شعروا فالمقصد يبرر الواسطة. وإذا سمعوا أن النبي أفضل النبيين قالوا أن التجاني رجله على رقبة كل ولي لله، بهذه العبارة الجافة من كل أدب الجارحة لعواطف كل مسلم لأن الولي في عرفهم يشمل النبي إذ يقولون أن ولاية النبي أفضل من نبوته، ولا يبالون أن يكون أصحابهم أفضل من أبي بكر وعمر والعشرة المبشرين بالجنة الذين كانوا يخافون الحساب ولا يأمنون العقاب، ولم يكن عندهم بشارة بالنجاة منهما. إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون".
دعا الإسلام إلى الجد ومحاسبة النفس والعمل على الخوف والرجاء في جميع نواحي الحياة الدنيا على أن يكون ذلك على السداد والإخلاص ليكون ذخرا لسعادة الأخرى فجاءت عقيدة ضمان الشيخ ودخول الجنة بلا حساب هادمة لذلك كله وقد ظهرت آثارها بالفعل كما حكاه الأستاذ الحجوي فيما يلي:
"حكى لي بعض القضاة قال: كان في محكمتي تسعون عدلا في البادية. وقد تقصيت أخبار الصالح والطالح منهم لأعلم مقدار ثقتي بهم في حقوق المسلمين فوجدت عشرين منهم متساهلين لا يؤتمنون
стр. 979
على الحقوق، وحين دققت النظر في السبب تبين لي أنهم جميعا تيجانيون. فبقيت متحيرا حتى انكشف لي أن السبب هو اتكالهم على أنه لا حساب ولا عقاب يترصدهم فانتزع الخوف من صدورهم".
هذا في العدول وهم من أهل العلم فكيف بالعامة؟ فهذه الطريقة ما وضعت إلا لهدم الإسلام ولا أجزم بأن صاحبها هو الذي وضعها هذا الوضع فقد يكون فيمن اتصل به من كاد هذا الكيد، ودسَّ، وليس مثل هذا الكيد جديدا على الإسلام. قال الإمام ابن حزم في كتاب "الاحكام" ج ٣ ص ٢١: "فإن هذه الملة الزهراء الحنيفة السمحة كيدت في وجوه جمة، وبغيت لها الغوائل من طرق شتى، ونصبت لها الحبائل من سبل خفية، وسعي عليها بالحيل الغامضة وأشد هذه الوجوه سعي من تزيا بزيهم، وتسمى بأسمهم ودسَّ لهم سم الأساود، في الشهد والماء البارد، فلطف لهم من مخالفة الكتاب والسنة، فبلغ ما أراد ممن شاء الله تعالى خذلانه. وبه تعالى نستعيذ من البلاء، ونسأله العصمة بمنه، لا إله إلا هو".
((كلمة إلى العلماء))
(وفي مقدمتهم صديقي العلامة الأستاذ البشير النيفر التونسي).
إنني أدعو كل عالم تجاني إلى النظر في فصول السؤال والجواب فإن أقروا ما أنكرناه فليعلنوا إقرارهم له. وإذا أنكروا ما أنكرناه فليعلنوا إنكارهم له، يصرحوا:
١ - بأن (صلاة الفاتح) ليست من كلام الله.
٢ - وأنها ليست مثل الصلاة الإبراهيمية.
٣ - وأن النبي- ﵌ لم يعلمها لصاحب طريقتهم.
стр. 980
٤ - وأن لا فضل له ولا لأتباعه إلا بتقوى الله.
٥ - وأن المنتسب إلى طريقتهم لا يمتاز من المسلمين عن غير المنتسب إليها.
ومن لم يصرح بهذا باء بوزره ووزر الهالكين من الجاهلين وكان عليه إثم الكاتمين من العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (١).
عبدالحميد بن باديس
стр. 981
رسالة جواب سؤال عن سوء مقال
للعلامة السلفي الأستاذ عبد الحميد بن باديس حفظه الله
ــ
عقائد نقية، أدلة جلية، كلمات نبيلة، نقول جليلة بيان لعظيم مقام النبوة والرسالة، ولضلال من خاطب ذلك المقام بخطاب الجهالة، قرظها عشرة من كبار العلماء بتونس والجزائر والمغرب الأقصى، وعلق على مواضع منها العلامة الجليل القاضي الشيخ شعيب التلمساني.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى لله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
سؤال:
ما قول ساداتنا العلماء- ﵃ وأدام النفع بهم في رجل يزعم أنه قطب الزمان الفرد، وأن الكل دونه، وأنه العارف المسلك، إلى غير ذلك من أعلى صفات العارفين، وأسمى درجات الكاملين، ثم يقول مخاطبا للنبي- ﵌ بما نصه:
إن مت بالشوق منكد ... ما عذر ينجيك
إن تبق في هجري زائد ... للمولى ندعيك
من هو بالملك موحد ... ينظر في أمرك
عبس بالقول تساعد ... ما نرجوه فيك
ولما قيل له في هذه الأبيات قال: ألسن المحبين أعجمية. فهل يعد خطابه هذا سوء أدب وهل تجوز مخاطبة النبي- صلى الله عليه
стр. 982
وآله وسلم- بمثله، وهل صدور مثله من شأن ال'ارفين الكاملين، وهل يقبل منه ما اعتذر به من عجمة ألسن المحبين، أفيدونا مأجورين إن شاء الله تعالى من رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انتهى.
الجواب:
الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الذي أدبه الله فأحسن تأديبه، ووفر من كل خير وكمال على جميع العالمين نصيبه، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الهادين والمهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين- أما بعد- فقد وقفت على سؤالكم وتأملت من جميع فصوله، وأحطت خبرا إن شاء الله- تعالى- بلفظه ومدلوله، وهممت أن لا أجيبكم عنه بحرف واحد، لما أعلم من تصميم أكثر العامة على العناد فيما اعتقدوه من الباطل، وسكوت أكثر الخاصة عن التصريح بالإنكار عليهم، والإرشاد لهم، وتهافت بعض الطلبة القاصرين، على تسويد صحفهم وصحائفهم بشبهات يسمونها بأفواههم دلائل وأجوبة عن متبوعيهم من الجاهلين، يخشونها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والتأويلات الباطلة الممنوعة، والروايات المدخولة عمن ليس قوله حجة على الناس في الدِّين وإنما غايته إذا ثبت عنه ذلك وحسن به الظن أن يؤول على وجه صحيح يقبله الشرع. ثم يردون بمثل هذا على الآيات البينة والأحاديث الثابتة وعمل السلف الصالح المشهود لهم بالخيرة على لسان المعصوم. أفمع هؤلاء ينفع الكلام أو يحسن الجواب. لكنني تذكرت ما جاء في وعيد الكاتبين، وفي وعد من بذل الجهد في نصح إخوانه المسلمين، ورجوت أن لا أعدم أنصارا على الحق، وإخوانا متكاتفين في نصرة الدين، من عدول حملة العلم الذين ينفون عنه تحريف الغالين،
стр. 983
وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فاستخرت الله- تعالى- وحررت لكم هذا الجواب في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، غير قاصد- علم الله- شخص أحد بالتقص، ولا خارج بعون الله- تعالى- عن جادة الفهم من دلالة الظاهر والنص، والله أسأل أن ينفع به المسترشدين ويهدي به في المعاندين ويفت به أعضاء المفسدين آمين.
المقدمة في وجوب الأدب مع النبي- ﷺ إجماعا وأبدا وعلى كل حال:
أجمع علماء الملة من جميع الفرق على وجوب الأدب مع النبي- ﵌ حيا وميتا كما يجب الإيمان به حيا وميتا للنصوص القطعية في ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية. وعلى هذا كانت سيرة السلف الصالح معه- ﵊ في الحياة وبعد الممات. روى الترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر- ﵄ فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويبتسم إليهما. وجاء من غير وجه أن أصحابه كانوا حوله كأنما على رؤوسهم الطير حتى كانوا من تعظيمه وتوقيره يهابونه فلا يسألونه فيحبون أن يأتي الأعرابي الجاهل فيسأله، ولما ناظر أبو جعفر المنصور مالكا في المسجد النبوي ورفع صوته، قال له مالك: لا ترفع صوتك
стр. 984
في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ...﴾ الآية. ومدح قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ...﴾ الآية. وذم قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١) وأن حرمته ميتاً كحرمته حياً. فاستكان لهما أبو جعفر (٣) وقد كان مالك- رحمه الله تعالى- إذا ذكر النبي- صلى
стр. 985
الله عليه وآله وسلم- يتغير وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه.
وكان جعفر الصادق كثير الدعابة والتبسم وإذا ذكر عنده النبي- ﵌ اصفر. والواقف على سير السلف الماضيين والعلماء المتقدمين يجد فيها كثيرا من هذا في مراعاة حرمته- ﵌ وشدة التأدب مع جنابه الشريف، ومن أكثر الناس محافظة على الأدب وتحريضا عليه ووصاية به شيوخ الزهد والعلم من أئمة التصوف العارفين كرجال الرسالة القشيرية الذين أبقى الله بعظيم فضله على الإسلام وجميل صنعه لنصرة الدين كلامهم حجة على كل من ينتسب إلى طريقتهم في مثل هاته الأزمان، قال في الرسالة عن عبد الله بن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم، وعن أبي علي الدقاق: من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل، وقال أبو حفص الحداد: التصوف كله أدب لكل وقت أدب ولكل حال أدب ولكل مقام أدب فمن لازم الأدب بلغ مبلغ الرجال، ومن حرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث يرجو الوصال، وقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن (١).
الفصل الأول: في بيان خروج كلامه عن دائرة الأدب المرعية وتهجمه على الحضرة النبوية .
إنْ مت بالشوق منكد ... ما عذر ينجيك
أي حق للعبد الحقير، على السيد الجليل الكبير، حتى يطالبه