← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أزيدها، قال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله- ﵌ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فهذا الرجل لا نذر في كلامه وقد أراد الإحرام- وهو في نفسه عبادة- من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه وهو مسجد رسول الله ﵌ وموضع قبره. وأراد أن يزيد أميالا تقرباً لله تعالى بإيقاع الإحرام بذلك الموضع الشريف وزيادة التعب بالأميال. ومع ذلك رده مالك عن ذلك وبيَّن له قبح فعله بما يراه لنفسه من السبق وقرأ عليه الآية مستدلا بها وما كان مثل هذا داخلا في الآية عنده ألا وهو يراه حراما. فهذا هو مستند الشاطبي في فهم كلام مالك والحكم بأنه يرى في كل بدعة تقرب بما ليس قربة الحرمة لا كراهة التنزيه. فلم يكن متوهما ولا متقولا ولا مقدما على التحريم بدون دليل. وقد بان مما تقدم أن الحكم على بدعة التقرب بما ليس قربة محكوم عليها بالضلالة والحرمة وأن ذلك هو مذهب إمام دار الهجرة، وبعد ثبوت الحق بالدليل، سقط كل قال وقيل، ونزيد على ذلك الآن ما قاله فقهاؤنا المتأخرون في بدع الجنائز من القراءة ونحوها: "سئل أبو سعيد بن لب كبير فقهاء غرناطة في عصره عما يفعله الناس في جنائزهم حين حملها من جهرهم بالتهليل والتصلية والتبشير والتنذير ونحو ذلك على صوت واحد أمام الجنازة. كيف حكم ذلك في الشرع؟. فأجاب: السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار. خرَّج ابن المبارك أن النبي- ﵌ كان إذا اتبع جنازة أكثر الصمت وأكثر حديث نفسه. قال فكانوا

стр. 912

يرون أنه يحدث نفسه بأمر الميت وما يرد عليه وما هو مسؤول عنه. وذكر ذلك أن مطرفا كان يلقى الرجل من إخوانه في الجنازة وعسى أن يكون غائبا فما يزيد على التسليم يعرض عنه اشتغالا بما هو فيه فهكذا كان السلف الصالح. واتباعهم سنة ومخالفتهم بدعة: وذكر الله والصلاة على رسول الله- صلى الله عليه وآه وسلم- عمل صالح مرغب فيه في الجملة لكن للشرع توقيت وتحديد في وظائف الأعمال، وتخصيص يختلف باختلاف الأحوال والصلاة وإن كانت مناجاة الرب، وفي ذلك قرة عين العبد، تدخل في أوقات تحت ترجمة الكراهة والمنع. والله يحكم ما يريد ". ا. هـ، وقال أبو سعيد في جواب آخر: أن ذكر الله والصلاة على رسوله ﵇ من أفضل الأعمال وجميعه حسن لكن للشرع وظائف وقَّتها وأذكار عيَّنها في أوقات وقتها، فوضع وظيفة موضع أخرى بدعة، وإقرار الوظائف في محلها سنة، وتبقى وظائف الأعمال في حَمل الجنائز إنما هو الصمت والتفكر والاعتبار. وتبديل هذه الوظائف بغيرها تشريع. ومن البدع في الدين، ا. هـ. وقال أبو سعيد في جواب آخر: المنقول عن السلف الصالح- ﵃ في المشي مع الجنائز هو الصمت والتفكر في فتنة القبر وسؤاله وشدائده وأهواله. وكان أحدهم إذا قدم من سفره فيلقاه أحد إخوانه بين يدي الجنائز لم يزد على السلام إقبالا على الصمت، واشتغالا بالتفكر في أحوال القبر، والخير كله في اتباعهم وموافقتهم في فعل ما فعلوه. وترك ما تركوه، ا. هـ. نقل هذا كله الوانشريسي في المعيار وهذه هي فتوى أبي سعيد بن لب في موضوعنا المنطبقة على كل ما أحدث من الأوضاع بقصد التقرب وليست قربة في هذه المواضع وإن كانت حسنة في أصلها وقد رأيت

стр. 913

إنكاره لها، فترك هذا كله فضيلة. ونقل كلاما آخر لأبي سعيد خارجا عن الموضوع كما سنبينه عندما ننتهي إليه. ونعود الآن إلى بقية ما قاله فقهاؤنا عليهم الرحمة والرضوان. وسئل الإمام عبد الله العبدوسي ما حكم القراءة بين يدي الجنازة، وكذلك ما يفعله الفقراء (هم الإخوان الطرقيون) أمامها. فأجاب: وكذلك يجب قطع الفقراء من الذكر أمامها على ما جرت به العادة لأنه بدعة ومباهاة. ويقال لولي الجنازة ما تعطيه للفقراء تأثم عليه. أعطه للمساكين صدقة عن وليك الميت فذلك أنفع وأبقى لكما إلى الآخرة. والجنازة على الاعتبار والتذكير والاستبصار والإقبال على أمر الآخرة. وكان السلف الصالح- ﵃ يبكون ويحزنون حتى لا يدري الغريب بينهم ولي الميت من غيره، ا. هـ. نقلها من المعيار. وأنت تراه كيف أفتى بوجوب تغيير هذه البدعة المنكرة وجعل ما يعطى للقائمين بها جالبا للإثم على من أعطى. ذلك لأنه أعان على المنكر. والمعين على المنكر كفاعله. وعقد الوانشريسي فصلا قبيل نوازل النكاح ذكر فيه البدع فجزم ببدعية هذه المحدثات عند الجنائز فقال: ومنها الذكر الجهري أمام الجنائز فإن السنة في اتباع الجنازة الصمت والتفكر والاعتبار وهو فعل السلف. واتباعهم سنة، ومخالفتهم بدعة. وقد قال مالك: لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها. ا. هـ، فهذه أقوال الفقهاء أهل الفتوى الجارية على أصل مذهب مالك الجاري على مقتضى تلك الأدلة التي بينا، وعليها بنينا. (عبد الحميد بن باريس)

стр. 914

-٤ - لو أردنا الاقتصار في المسألة على ما أقمناه من الاستدلال عليها. ثم ما ذكرنا من أنها قول مالك ومشهور مذهبه، وما نقلنا من فتوى أهل الفتوى من المتأخرين- لكفانا ذلك في بيان الحق بدليله والتأيد بالسابقين إليه. ولكن رأينا في ما نقله فضيلته إبهاما وإيهاما وتحريفا، فوجب أن نتتبعه بالبيان. قال فضيلته: (وذهب اللخمي وابن يونس وابن رشد وابن العربي والقرطبي وابن الحاجب وابن عرفة من أئمة المالكية إلى أن القراءة مستحبة في المواطن الثلاثة، إذا أريد إهداء ثوابها إلى الميت). هنا مسألتان إحداهما هي انتفاع الميت بإهداء القراءة إليه هكذا على الإطلاق، وهذه ليست محل النزاع. والأخرى هي قراءة الجماعة على الميت عند موته وعند رفعه وعند دفنه على فبره. وهذه هي محل الكلام. وكلامه يوهم بصريحه أن هولاء الأئمة كلهم يستحبون القراءة في المواطن الثلاثة، وقد كان عليه أن يبين مأخذه لا أن يلقي به على هذا الإهمال والإجمال. والذين ذكرهم الموافق في مسألة قراءة يس عند موته هم ابن حبيب وابن رشد وابن يونس واللخمي ولم يقل في المواطن الثلاثة كما قال فضيلته وأما ابن العربي والقرطبي فجاءا في كلام للعبدوسي هكذا: (وأما القراءة على القبر فنصر) ابن رشد في الأجوبة، وابن العربي في أحكام القرآن له، والقرطبي في التذكرة، على أنه ينتفع بالقراءة أعني الميت سواء قرأ على القبر أو قرأ في البيت وبعث الثواب له أو في بلد إلى بلد. وأما شهاب الدين القرافي في القواعد فنص على أنه لا ينتفع بذلك إلا إذا قرأ على القبر مشافهة وهو قول خارج عن المذهب". نقل هذه الفتوى من المعيار ونقلها كنون. وكلام هؤلاء الأئمة إنما هو في أن القراءة يصل ثوابها دون توقف على القراءة

стр. 915

على القبر خلافا لمن شرط ذلك وهو القرافي وليس هو فيما اتخذ سنة للتقرب من القراءة عند دفن الميت على قبره الذي هو موضوعنا. والعبدوسي الذي نقل هذا عنهم هو الذي أفتى- كما قدمنا- بما هو مذهب السلف من السكوت والاعتبار. فلم يفهم من كلام هؤلاء الأئمة- قطعا- خلاف ما أفتى به. وليس عندي مختصر ابن الحاجب ولا مختصر ابن عرفة حتى أعرف ما قالا. وأحسب أنه لو كان لهما قول مقابل لمذهب مالك لذكره شراح مختصر خليل وحواشيهم. ثم قال فضيلته: (وذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله ووافقهما عياض والقرافي من المالكية وبعض الحنفية إلى استحباب القراءة عند القبر خاصة) وكان عليه - أيضا- أن يذكر مأخذه وأحسبه استند في هذا النقل المجمل المبهم على ما نقله كنون والرهوني والحطاب من كلام القرافي، وقد وقع منهم اختصار في نقله أدى إلى اضطراب فيه، فقال الرهوني نقلا عن القرافي: "مذهب أحمد بن حنبل وأبي حنيفة أن القراءة يحصل ثوابها للميت إذا قرىء عند القبر حصل للميت أجر المستمع" فأوهم أن القراءة عند القبر شرط في مذهبهما ووقع غيره في هذا الوهم فنقل عنهما التفريق بين القراءة عند القبر وعند غيره. ونحن ننقل لك كلام القرافي من الفرق الثاني والسبعين بعد المائة لتتجلى لك حقيقة مذهبهما وموضوع كلامهما. قال القرافي: "وقسم اختلف فيه هل فيه حجر (أي منع للعامل من نقله لغيره) أم لا. وهو الصيام والحج وقراءة القرآن فلا يحصل شيء من ذلك للميت عند مالك والشافعي ﵄. وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل يصل ثواب القراءة للميت. فأنت ترى أن الشافعي موافق لمالك خلافا لما زعمه فضيلته، وأن موضوع الكلام في وصول القراءة للميت لا في اتخاذها قربة في المواطن

стр. 916

الثلاثة. خلافا لما أوهمه الرهوني وتوهمه غيره وخرج به فضيلته عن الموضوع. ثم قال القرافي في الفرق المذكور: "ومن الفقهاء من يقول إذا قرىء عند القبر حصل للميت أجر المستمع، وهو لا يصح أيضا لانعقاد الاجماع على أن الثواب، يتبع الأمر والنهي فما لا أمر فيه ولا نهي لا ثواب فيه بدليل المباحات وأرباب الفترات. والموتى انقطع عنهم الأوامر والنواهي. وإذا لم يكونوا مأمورين لا يكون لهم ثواب وإن كانوا مستمعين. ألا ترى أن البهائم تسمع أصواتنا بالقراءة ولا ثواب لها لعدم الأمر لها بالاستماع فكذلك الموتى. والذي يتجه أن يقال ولا يقع فيه خلاف أنه يحصل لهم بركة القراءة لا ثوابها كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده فإن البركة لا تتوقف على الأمر". فالقرافي بعد ما أيد مذهب مالك ورد على مخالفه ثم على رأي بعض الفقهاء اختار حصول البركة بالقراءة للأموات عند قبورهم، وهو رأي- كما قال العبدوسي فيما تقدم- خارج عن المذهب، ولسنا نكتفي في رده بمجرد أنه خارج عن المذهب بل نرده بأن تحصيل البركة للأموات من خير ما يتقرب به العبد لربه في نفع إخوانه الذين سبقوه إلى الدار الآخرة وما كانت لتفوت النبي ﷺ حتى نستدركها عليه فقد حصر الدفن للأموات ولقد زار أهل المقابر وما جاء عنه إلا الدعاء، وما لم يجيء عنه ويدعى أنه قربة فهو البدعة وكل بدعة ضلالة إلى آخر الاستدلال المتقدم. وأما ما نسبه للقاضي عياض فأصله في شرحه على مسلم في حديث القبرين اللذين مر بهما النبي- ﵌ فقال: «أما أنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة

стр. 917

وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا. ثم قال لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا». ونقل الأبي كلا عياض فقال: "وأخذت منه تلاوة القرآن على القبر لأنه إذا رجي التخفيف بتسبيح الشجر فالقرآن أولى" فنقول أن هذا من القياس في العبادات وهو مردود في مذهب مالك، والنبي ﵌ وأصحابه ﵃ كانوا يحفظون القرآن فلو أن قراءة القرآن للتخفيف على الأموات مشروعة لكان النبي ﵌ قرأ وأمرهم بالقراءة لكنه لم يقرأ ولم يأمرهم بالقراءة واقتصر على وضع فلقتي العسيب. ومعاذ الله أن يترك الأحرى إلى غير الأحرى كما يقتضيه التمسك بالقياس وأما أمر العسيب والتخفيف به ما دام رطبا فهو كما قال الإمام المازري: "فلعله أوحى إليه أن يخفف عنهما ما داما رطبين ولا وجه يظهر غيره" وكما قال الأبي: "والأظهر أنه من سر الغيب الذي اطلعه الله عليه" ولا يخفى أن كلام هذين الإمامين مما يرد ذلك القياس، لأن القياس حيث يكون ينبني على العلة المشتركة ومبنى ما هنا على سر غيبي خاص. ... عرض فضيلته في القسم الثاني من كلامه إلى حكم تغيير بدعة القراءة في المواطن الثلاثة فقال: "أقصى حكمها في النهي أن تكون من قبيل المكروه والمكروه لا يغير على فاعله". ونحق قد بينا بالاستدلال المتقدم أن بدعة التقرب بما لم يشرع التقرب به في موطن من المواط من لا تكون إلا حراما وأن كراهتها عند مالك كراهة التحريم فيجب تغييرها كما يجب تغيير المحرمات.

стр. 918

وعلى ذلك جاءت فتوى العبدوسي المتقدمة: "وكذلك يجب قطع الفقراء من الذكر أمامها على ما جرت به العادة" ثم لا نسلم له أن المكروه كراهة التنزيه لا يغير على فاعله. فإن المكروه منهي عنه ومن نهى عن شيء فقد أنكره فهو داخل في المنكر على قدر درجته في والنهي عن المكروه. وقال القرافي في أواخر فروقه: "المسألة الخامسة من التأدية إلى إحداهما والمضار والمفاسد مطلوب زوالها ولا تزال إلا بالتغيير كل بحسب منزلته في الضرر والفساد. والمكروه منهي عنه ونحن مأمورون بتبليغ أوامر الله ونواهيه. وقد نص أصحاب حواشي الرسالة وغيرهم أنه يستحب الأمر بالمندُوب والنهي عن المكروه. وقال القرافي في أواخر فروقه: "المسألة الخامسة المندوبات والمكروهات يدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الإرشاد للورع ولما هو أولى من غير تعنيف ولا توبيخ بل يكون ذلك من باب التعاون على البر والتقوى" لكن فضيلته لا يريد هذا التعاون الذي قد يدرب الناس على الإنكار فيترقوا فيه إلى ما يضر بنواح معينة فهو لهذا يزعم أن غاية هذه البدع أن تكون مكروهة وأن المكروه لا يغير ثم يغري السلطة بالمغيرين! ثم قال فضيلته- مستدلا على عدم التغيير-: "وقد جرى عمل كثير من بلاد الإسلام على اتباع قول الذين رأوا الاستحباب فلأهل الميت الخيار أن يتبعوا السنة أو يتبعوا المستحب". ومعاذ الله أن يكون الترك هو السنة ويكون الفعل مستحبا. إذ معنى هذا أن سنة النبي- ﵌ وطريقته هي ترك المستحب فعاش في جميع حياته تاركا لهذا المستحب معرضا عنه زاهدا فيه حتى جاءت الخلوف فأقبلت عليه وتمسكت به فنقول لمن جاء يستفتينا أنت مخير إن شئت تمسكت بسنة محمد- صلى الله عليه

стр. 919

وآله وسلم- وهي الترك، وإن شئت تمسكت بهذا المستحب الذي أحدثته الخلوف. لا كلا! ما كان مقابلا للسنة إلا البدعة. وما كانت البدعة إلا ضلالة إلى آخر الاستدلال المتقدم وقد تقدمت مناقشتنا له فيمن نسب إليهم الاستحباب. ثم أراد فضيلته أن يستدل على أن ما جرى عليه عمل الناس من الخلافات لا يغير فقال: "قال أبو سعيد بن لب كبير فقهاء غرناطة في عصره وهو القرن الثامن: أن ما جرى عليه عمل الناس وتقادم في عرفهم وعاداتهم ينبغي أن يلتمس لهم مخرج شرعي على ما أمكن من وفاق أو خلاف (أي بين العلماء) إذ لا يلزم ارتباط العمل بمذهب معين أو بمشهور من قول قائل". ما يجري، به عمل الناس ينقسم إلى قسمين قسم المعاملات وقسم العبادات. وقسم المعاملات هو الذي يتسع النظر فيه بالمصلحة والقياس والأعراف وهو الذي تجب توسعته على الناس بسعة مدارك الفقه وأقوال الأئمة والاعتبارات المتقدمة، وفي هذا القسم جاء كلام أبي سعيد هذا وغيره وفيه نقله الفقهاء وأنت تراه كيف يعبر بالعرف والعادة. أما قسم العبادات فإنه محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه فلا يقبل منه إلا ما ثبت عن النبي- ﵌ فلا يتقرب إلا بما تقرب به وعلى الوجه الذي كان تقربه به ومن نقص فقد أخال ومن زاد فقد ابتدع وشرع وذلك هو الظلام والضلال: ومن هذا القسم التقرب بالقراءة في المواطن الثلاثة بعد ما ثبت أن سنة النبي ﵌ تركها وفيها جاء كلام ابن سعيد الذي نقلناه عنه فيما تقدم. فمن العجيب- ولا عجب مع الغرض- أن يقلب فضيلته الحال فيهمل كلام أبي سعيد الذي هو في موضوعنا ويأتي بكلام له في موضوع آخر وينزل قوله في قسم المعاملات على ما هو من قسم العبادات.

стр. 920

ثم فرع على ما أبطلناه من رأيه فقال: "وعليه فكل من يتصدى لمنع أقارب الأموات من تشييع جنائزهم بالقراءة فقد أنكر عليهم بغير علم واجترأ عليهم بالتدخل في خاصة أمورهم بدون سبب يحق له ذلك" وإذا ثبت أن ذلك بدعة وضلالة قد أنكرها أهل العلم فمن منع منها منع بعلم. ولو ترك كل مرتكب بدعة ضالة لأن منعه تدخل في خاصة أموره لعم الفساد وغرقت السفينة كما في الحديث المشهور. ثم بين فضيلته ما هو شأن العالم في الإنكار فقال: "وإنما شأن العالم في مثل هذا أن يرغبهم في التأسي بالسنة وبيان أنها الحالة الفضلى بقول لين". وإذا بان أن هذه بدعة وهي ضلالة فإنها تغير بدرجات التغبير الثلاث فمن استطاع تغييرها باليد فلا يجوز له الاقتصار على اللسان، ثم إننا والله لقد وددنا لو ظفرنا بهذا الذي قلت منك ياصاحب الفضيلة وددنا لو أنك قمت مرة واحدة من عمرك- وأنت شيخ الإسلام- فرغبت الناس بالتأسي بالسنة وبينت أنها الحالة الفضلى بقولك اللين، وكلامك العذب الرقيق. ولكن- وياللأسف- كانت أول قومة قمتها هي قومتك هاته التي نحن في معالجتها ودفع أضرارها وغسل أوضارها. ثم جاء فضيلته بالداهية الدهياء: "فإن هم تجاوزوا ذلك فحق على (ولاة الأمور) في البلدان أن يدفعوا عن أهل المآثم عادية من يتصدى بزعمه لتغبير المنكر دون أن يعلم، من كل من تزبب قبل أن يتصرم". أرأيت كيف يغري السلطة بالمصلحين أرأيت كيف يستكبر إنكار من ينكر البدعة، ويسميه عاديا وهو هو الذي لم ينبس ببنت شفة أمام أي عادية من عوادي الزمان؟ .. ليس هذا مقام رد فأرد عليك

стр. 921

مثل ما تقدمه. ولكنه مقام ظلم وتحريش وتحقيق نكل الأمر فيه إلى العزيز الحكيم. إلى هنا ننتهي من البحث الذي بنيناه على النظر والاستدلال لا على مجرد سرد الأقوال. وقد وعد فضيلته بأنه سيتبع فتواه ببيان تأصيل أحكامها ونحن لبيانه هذا من المنتظرين والعاقبة للمتقين. عبد الحميد بن باديس

стр. 922

حول فتوى القراءة على الأموات لماذا التذييل، بدل التدليل والتأصيل؟ ــ -١ - وعد الشيخ الطاهر بن عاشور في آخر فتواه التي فرغنا من نقضها أنه سيتبعها بأدلتها فقال: "هذا حاصل هذا الجواب بما تضمنه البعض من أقوال أهل المذهب أتيت به واقتصرت فيه على ذلك دون تطويل ولا تأصيل، لقصد إحاطة أصناف المستفتين بحكم هذه المسألة. وسأتبعه ببيان تأصيل أحكامه ليزداد أهل النظر فإنهم يحبون أن يلحقوا الفروع بأصولها، ويميزوا عن خليط ثفالها خالص منخولها". ومعنى هذا أنه ذكر الأقوال مجردة ولم يذكر أدلتها من الكتاب والسنة وأنه سيذكر أدلة تلك الأقوال ليتميز القوي منها بقوة مدركة من الضعيف لضعف مدركه. وقد قلنا في آخر نقضنا لفتواه: "وعد فضيلته بأنه سيتبع فتواه ببيان تأصيل أحكامها، ونحن لبيانه هذا من المنتظرين؟ ". وكنا ننتظر منه أمرين أحدهما دفاعه عن فتواه إن كان له عنها من دفاع، وثانيهما وفاؤه بما وعد. فأما الثاني فإنه لم يكتب فيه حرفا إلى الآن وأنى له أن يأتي بأدلة من الكتاب والسنة لما يعترف هو نفسه أنه خلاف السنة. وإننا نتحداه ونقول له إنه لن يستطيع أن يأتي على بدعة القراءة على الأموات في المواطن الثلاثة بسنة ثابتة من قول أو عمل أو تقرير فليأت بشيء من ذلك إن كان من الصادقين.

стр. 923

وأما الأول فإنه حاد فيه عن صريح الدفاع واكتفى فيه بمثال نشرته جريدة الزهرة تحت عنوان (تذييل للفتوى في قراءة القرآن في الجنازة) ولعله اكتفى أيضا بما كتبه أولئك المجاهيل الذين قمشوا مسائل وأقاويل من غير فهم ولا تطبيق، وبعثروها في مقالات طويلة حالكة سداها البغض والبذاء ولحمتها الخبط والمهاترة، ثم أمضوها بإمضاءات مستعارة جبنا عن منازلة من يصارحهم باسمه أو لبقية ما من حياء من المجاهرة بذلك السقط والهذر. فأما إذا كان فضيلته اكتفى بهؤلاء فإنه لمزر به أن يكون هؤلاء الذين لا يستطيعون الظهور في كتابة علمية دينية انصاره، ثم كيف يكونون انصاره وهم يستحون- إن كانوا يستحون- من التظاهر بنصرته؟ لا يامولانا ان في الدنيا علماء وانه يعز علينا- والله- أن لا يكون من ينصرك إلا بمثل ذلك الجهل الظاهر من جاهل مختف وإنك ترتاح له وتكتفي به، ونحن من ناحيتنا نربأ بأنفسنا عن تضييع الوقت في مطالعة ما لا يساوي نظرة إليه فضلا عن الاشتغال بالرد عليه ومن ذا يرضى بمخاطبة من يتستر في موضوع ديني معروف فيه الراد والمردود عليه، فما دين هؤلاء الجبناء المجاهيل وما قيمتهم وما هي النواحي التي تحركهم؟ أما قيمتهم العلمية والأخلاقية فقد عرفناها من كتابتهم وأما غيرها فإننا منه مستريبون، وإذا كانوا مسلمين حقيقة ومستقلين في إرادتهم فليصرحوا بأسمائهم إن كانوا من أنفسهم واثقين. وأما إذا كان فضيلته يكتفي بذلك التذييل فها نحن نعرض لنقضه وإبطال ما زاده من الباطل فيه بعد بيان ما كان دفعه إليه بدل التدليل الذي عجز عنه بعدما كان وعد به. ***

стр. 924

بينما كانت الأمة التونسية- كسائر الأمم الإسلامية- تتألم من المضار التي تلحقها من بدع المآتم التي أساسها بدعة القراءة على الأموات التي تجمع الناس فتنفق على أكلهم وشربهم الأموال وتبذر الثروات وتثقل الكواهل بالديون ويتعدى على أموال الأيتام ويتحمل الضعيف المحال ما يتركه على أسوأ حال. بينما الأمة التونسية هكذا والمصلحون منها يعالجون حالتها إذا بشيخ الإسلام ورئيس مجلس الشورى المالكي يطلع عليها بفتوى غريبة تقرر تلك البدعة وتؤيدها وتتلمس التأويلات البعيدة لتسويغ ويلاتها، فأعظمت ذلك الأمة التونسية، واستنكرته مثلما أعظمناه نحن واستنكرناه فبادر الصحافي الكبير السياسي المحنك الأستاذ محمد الجعائبي في جريدته (الصواب) ذات الثلاثين سنة في خدمة الأمة التونسية بصدق وثبات وتضحية فكتب مقالا تحت عنوان "فتوى ضد البدع والضلالات والقراءة على الميت وفي الجنائز" ونشر فتوى (١) لشيخنا أبي الفضل المالكي شيخ الجامع الأزهر سابقا ﵀ مؤرخة بـ ٤ ربيع الثاني ١٣٣٤هـ، وكانت هذه الفتوى ردا مفحما على فتوى الشيخ ابن عاشور وكتب الأستاذ العجائبي تصديرا عليها قال فيه: "فكان جواب الشيخ محررا على أبدع أسلوب قد اقتصر فيه على السؤال دون أن يحاول التحريش أو الإملاء على أولياء الأمر بما يجب اتخاذه من التدابير تاركا ما لله لله وما لقيصر لقيصر" ولا يخفى ما في كلام الأستاذ شيخ الصحافة التونسية من الإنكار والاستهجان تعريضا بفتوى الشيخ ابن عاشور، وأثر هذا أخذت الأسئلة ترد على شيخ الإسلام لا تستطيع أن تصرح بالإنكار- ومن يستطيع مصارحة شيخ الإسلام بالإنكار- ولكنها لم تستطع محوه من بين السطور ونحن ننقل من

стр. 925

تلك الأسئلة ما يفهم منه ذلك الإنكار وما يصور الحالة المنكرة التي يتألم إخواننا التونسيون- مثلنا- منها ويريد شيخ الإسلام بفتواه- الغريبة تقريرها. سأل الشيخ مصطفى الشنوفي من حمام الأنف، ونشرت سؤاله الزهرة فقال: "إن سؤالنا الذي نطلب إماطة اللثام عن دخيلته وتحقيق ما ينتابه من أحكام هو ما يلي: بعد وضع الحالة التي عليها القراء وكذا الأمكنة والمستمعون، بل قل المتفرجون تحت أعين الباحثين. وهاك ما كل الناس على اطلاع تام عليه حيث أنه متكرر صباحا مساء كل يوم. يموت مسلم فيذهب وليه طائعا أو تحت تأثير خوف العار لاستئجار جماعة تصدوا لإيجار ما يحفظونه من كتاب الله تعالى، بعد المماكسة طبعا وفعلا عندما يقترب أمد المأتم تراهم زرافات بحالة لا نقول أنها منفردة إذ هذا ليس من توابع ما نحن فيه إلا أننا نريد أن نأخذ بيد الشيخ حفظه الله ونطلعه وما نخاله جاهلا لكن هذا من باب التذكير فحسب. جماعة الطرق تتلو أحزابا بها من الخلط ما لا يخفى مما يكون في غالب الأحيان وفي كثير من الجمل موجبا للتوبة مما تضمنه من الكفر الغير المقصود مع كونه في اعتقادهم يستحق عليه أجزل المثوبات كل هذا مقصود به استمطار الرحمة على جثمان الفقيد. جماعة القراء تتلو قرآنا يبرأ منه جميع بدور القراء، ما هو شاذ وما هو ليس بشاذ، فترى مدودا لا ندري كم مقياسها، أثلاثة ألفات أم أربعة، بل ربما نقول ولا نرى أنفسنا جازفنا في التعبير انها تبلغ في بعض الأحيان الستة والسبعة على أقل تقدير مع ما يتبع هذا من زلزلة استغفر الله، بل قلقلة في عرف القراءات وهي حسب الاشتهاء لا عند الاقتضاء مع الوقف الذي ما أنرل الله به من سلطان على أن

стр. 926

معدل السير في الساعة تبلغ إن كان هناك مأتم ثان مزمع على الحضور فيه العشرة أحزاب في الساعة، إذاً يكتفون في الغالب بأوائل الكلم أو ترخيمها حتى يتسنى لساداتنا القراء انتهاز المأتم الثاني كيلا يفوت. كل هذا مع تفاوت في الصياح تبعا لمركز الفقيد من حيث الوجاهة وترقب أوفر الجزاء. ولا نريد التعليق على ختم القرآن المزعوم الذي تتفرق فيه الأسفار على عشرة أنفار، بينا مرتل يجوِّد ثمنا أو ربعا على أكثر تقدير، يجوِّد كما يريد لا كما يقول الشاطبي نرى بعضهم يهمهم والآخر يكمل بقية حديثه الذي بدأه مع صاحبه خارج الدار أما القاريء فتراه يقلب صفحات السفر بسرعة يستحيل كونه حقق نظره فيها فضلا على تمكنه من تلاوتها، أما الجلوس فعلى غاية الاحتشام والاحترام لجلال القرآن. فهل هذا هو القرآن وهل هاته تلاوته وهل هؤلاء الأشخاص الذين يجوز لهم قراءته، وهل لناس أن يستمعوهم؟ لنخرج من الدار ولنشاهد أكبر مهزلة يبرأ منها الإسلام صياح وعويل من الدار وآذان وتكبير وصلاة على النبي- ﵌ وسورة البقرة ويس وتبارك وجمهرة وتخريج وأحزاب قادرية ومدائح عيساوية وطيبية وشاذلية وتيجانية. خبز وزيتون ومغفرة من الله: يريد الكل إحتكار الأسماع فتراه يجهد نفسه في الصياح حتى إنك لا تشاهد إلا أوداجا منتفخة وعيونا بارزة ودماء للوجوه متصاعدة. جمعية أصوات وأنواع قراءات: ثم تجتاز المزابل والصوابيط (١) والطرقات القذرة التي من فرط نتنها

стр. 927

يعد اجتيازها نصرا من الله لنصل للمقبرة ولنلق نظرة مجردة على تلكم الجماعة عندما يقع لحد الميت: تقرأ سورة يس فالبعض جالس على الأرض والآخر فوق قبر والآخر متوسده مع تعدد في أنواع الجلوس ولا تنس فكل لا يطيق مفارقة نعله المحبوب أما القلب فيفكر هل يكون ممن يقاول في جنازة السيد فلان الذي توفي صبيحة هذا اليوم واللسان يتلو والعين ترهق شيخ القراء، كم تناول من الأجر من ذوي الميت وهل أخفى شيئا لنفسه. هاته صورة مصغرة مما هو واقع وعمت به البلوى والذي يشاركنا في مشاهدة أدواره جمع التونسيين. فهل تجوز قراءة القرآن في الأماكن القذرة على قارعة الطريق وعدم الاحتشام في تلاوة القرآن والخشوع والله بر في آياته. والخلاصة أننا نتقدم بغاية الاحترام لفضيلة شيخ الإسلام المالكي والحنفي كل ما على ما يقتضيه أصل مذهبه الزكي ونلتمس من علماء الشريعة السمحة أن يفتون بحكم الله المنطبق على زماننا الذي اختلط فيه الحلال بالحرام وأن تكون فتياهم تعالج المسألة كما هي واقعة لا كما هي في النظر المجرد ولا نخالهم إلا فاعلين". وكتب الشيخ محمد بن ابراهيم التوزري يقول: "إنني أرفع إلى حضرتكم السامية هذه الأسئلة راجيا التكرم بإيضاح الجواب عن كل مسألة على حدتها ونص الأسئلة: ما قولكم دام مجدكم، هل سنة النبي- ﵌ تنسخ بعد وفاته باختلاف الزمان (أم لا) وهل فعل وقول العلماء يصح أن يكون دليلا على جواز فعل ما كان مخالفا للسنة أو فعل الصحابة والسلف الصالح- رضي الله تعالى عنهم- (أم لا) وهل العرف الحادث من الناس يصح جعله دليلا على جواز رفع الصوت خلف الجنازة (أم لا)؟

стр. 928

وهل رفع الصوت خلف الجنازة مظنة التشويش على المتفكر السائر مع الجنازة (أم لا) وهل إذا ادعى المتفكر التشويش برفع الصوت خلف الجنازة يصدق (أم لا)؟ وهل يأثم من يشوش غيره برفع الصوت خلف الجنازة (أم لا)؟ أفيدوا مأجورين ولكم مني جزيل الشكر ومن الله الثواب. وكتب الشيخ التهامي عزيز البانقي القرقني يقول: "وحيث ثبت أن السنة في المحتضر وفي تشييع الجنازة وفي الدفن هو الصمت ظهر أن قراءة القرآن في المواقع الثلاثة خلاف السنة، وخلاف السنة إنما هو البدعة. وقد حكم بالكراهة مطلقا في ذلك أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة في شرحه لمختصر البخاري حيث قال: مذهب مالك كراهة القرآن في هاته المواقع (١) لأننا مكلفون بالتفكير والاعتبار ومكلفون بالتدبر في القرآن فآل الأمر إلى إسقاط أحد العملين ا. هـ. وما أشبه عصر ابن لب وابن سراج والمواق بهذا العصر وأهله وها أنا سائل جنابكم يا صاحب السماحة والفضيلة بقطع النظر عن الكراهة أو الجواز: هل تلك الصيغة يقرأ بها مشيعو الجنائز قول الله تعالى كنطقهم بلفظة غفور بدون واو ورحيم بدون ياء وعذاب بدون ألف ويجعلون لا النافية لام ابتداء ونون المتكلم ومعه غيره نون جمع المؤنث ويقطعون كلمات الله محافظة على الصيغة وعلى أصواتهم أَيُبَاحُ لهم القراءة بهاته الصفة سواء كانوا مع الجنازة أو في مواقع أخرى أم يحرم عليهم. وهل تلك الأجرة التي يأخذها مشيعو الجنازة من أولياء الميت على القراءة جائز أم لا؟ وهل تعد صدقة أم لا؟ وهل تدخل في مؤن التجهيز

стр. 929

ويقضي بها أن شح بعض الورثة أم لا؟ فالرجاء منكم أن تجيبوا جوابا شافيا أبقاكم الله ملجأ للسائلين ومفيدا للطالبين (انتهى). ولا يخفى ما في هذه الأسئلة من الرد على الفتوى والإنكار عليها والتنبيه على خروجها عن الموضوع وعدم مطابقتها لصورة الواقع وتعريضها بأن المفتي تعمد الإغضاء عما يعلمه كل أحد ويشاهده من المضار والمفاسد بسبب القراءة على الجنائز وذهب بفتواه يتأول ويتحمل لما هو من عالم الخيال. ولما أحرجته هذه الأسئلة أجاب عنها بذلك التذييل ولما كان هذا التذيبل قد اشتمل على الباطل والخطأ مثل الفتوى فإننا سنعرض لبيان ما فيه من ذلك في العدد القادم إن شاء الله (١). عبد الحميد بن باديس -٢ - كان أصل السؤال عن القراءة عند تشييع الجنازة وحول الميت وعند القبر. وكان جوابه عنه هكذا: " إن السنة في المحتضر وفي تشييع الجنازة وفي الدفن هو الصمت والتفكر والاعتبار. فإذا نطق الحاضر فليكن نطقه بالدعاء للميت والرحمة فإن دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مرجوة الإجابة. وأما قراءة القرآن عن الميت حين موته وحين تشييع جنازته وحين دفنه فلم تكن معمولا بها في زمن رسول الله- ﵌ وزمن الصحابة. إذ لم ينقل ذلك في الصحيح من كتب السنة والأثر مع توفر اللدواعي على نقله لو كان موجودا. إلا الأثر

стр. 930

المروي في قراءة سورة يس عند رأس الميت عند موته على خلاف فيه. ولهذا كان ترك القراءة هو السنة وكان أفضل من القراءة في المواطن الثلاثة المذكورة". ثم أخذ بعد هذا الجواب الواضح البين يقاوم ما فيه من صريح السنة مما فرغنا من رده عليه. وأما في تذييل الفتوى فإنه قال هكذا: "اعلم أن موضوع الفتوى الصادرة منا هو أن قول مالك أن السنة في تشييع الجنازة السكوت. والقراءة في الجنازة مكروهة عنده وأنها عند فريق من العلماء مستحبة غير مكروهة لقصد انتفاع الميت بثوابها". وهذا كلام قاصر على خصوص القراءة عند التشييع فلنقصر كلامنا اليوم معه فيه. وقد زعم أن القراءة عند التشييع عند فريق من العلماء مستحبة. ونقول أنه لم يقل باستحبابها واحد من الأئمة- ﵃ ولا من شيوخ مذاهبهم ولا ذكرها متن من المتون التي يدرس بها فقههم في الأمصار. فهو مطالب بأن يثبت هذا الفريق ولو بواحد من هؤلاء ولن يستطيع- ولا محالة- إثبات العدوم، وفيما نقلناه في كلامنا السابق ما يدل على الاتفاق على بدعتها، ونزيد هنا قول الإمام ابن شامة الشافعي المتوفى سنة ٦٦٥هـ في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" قال: "وفيما يفعله الناس اليوم في الجنائز بدع كثيرة ومخالفة لما ثبت في السنة من ترك الاسراع بها والقرب منها والإنصات فيها ومن قراءتهم القرآن بالألحان". ثم قال فضيلته: "فمدرك مالك ههو التيمن بقصد التأسي بالفعل الواقع في زمن رسول الله- ﵌ وزمن أصحابه فالمراد بالسنة عنده الطريقة التي كان عليها رسول الله- ﵌". نعم السنة هي الطريقة التي كان عليها- ﵌ فيما يفعل ويترك، ونحن مأمورون باتباعه في هذه الطريقة،

стр. 931

بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ رَحِيمٌ﴾ والتأسي به فيما فعل وفيما ترك يمن ومخالفته شؤم، ولنا به أسوة حسنة فالقراءة عند التشييع تركها فتركها من سنته أي من طريقته فهو سنة وفعلها ليس من طريقته فهو بدعة. والخير في الاتباع، والشر في الابتداع. وخير أمور الناس ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع هذا هو البيان الواضح لمدرك الإمام- ﵀ لا كما توهمه عبارة فضيلته من تهوين أمر الاتباع بأنه قصد التيمن والتبرك وأن الترك لا يدخل في لفط السنة لأنها هي الطريقة. ثم قال: "ولما كان مالك لا يرى وصول ثواب القراءة للميت لم يوجد في نظره ما يعأرض مقصد التأسي فلذلك قال بكراهة القراءة فيها". مذهب مالك أن ما تركه النبي- ﵌ من الطاعات في موطن مع وجود المقتضي لفعله بحسب الظاهر فإنه يترك دون التفات إلى ذلك الذي يظهر أنه مقتضى إذ يترك النبي- ﵌ تبين أنه ليس بمقتضى في الشرع ففعل تلك الطاعة عليه اعتبار لما ألغاه الشارع واعتداد بما طرحه. وفي هذا معاندة له وافتيات عليه، ولهذا منع الذي أراد أن يحرم من المسجد النبوي وقرأ عليه قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقد تقدم تفصيل هذا في سابق كلامنا، فلو أن مالكا كان يقول بوصول ثواب القراءة لما قال بها في التشييع لأن السنة فيه هي تركها، والدعاء المتفق على نفعه لا يقول به مالك في الركوع لأن السنة فيه هي تركه، وهكذا ما هنا.

стр. 932

ثم قال: " وأما الذين خالفوه فمدركهم أن السكوت ترك فلا يدل على استحباب السكوت ولا على كراهة ضده". قد علمت مما تقدم أن هؤلاء الذين يزعم أنهم مخالفون لمالك في سنة ترك القراءة في التشييع لا وجود لهم في الأمة ولا في شيوخ مذاهبهم ومع ذلك فقد أخذ فضيلته يقرر في مدركهم فزعم أن السكوت ترك وأن الترك لا يدل على استحباب السكوت ولا على كراهة ضده، ومقتضى هذا الاستدلال من السنة النبوية يكون بالفعل دون الترك وهذا باطل والحق أنه كما يستدل بفعله- ﵌ يستدل بتركه. والتقرب إلى الله بترك ما تركه كالتقرب إليه بفعل ما فعله. ومن فعل ما تركه كمن ترك ما فعله وكما لا يتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعله كذلك لا يتقرب إليه بفعل ما تركه، وهاك من كلام الأئمة ما يثبت لك هذا الأصل ويعرفك بدليله: قال ابن السمعاني: "إذا ترك الرسول ﵌ شيئا وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه- ﵌ لما قدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله، أمسك عنه الصحابة وتركه إلى أن قال لهم: أنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه. وأذن لهم في أكله"، نقله الشوكاني في (إرشاد الفحول)، وفي أوائل الجزء الرابع من (الموافقات) للإمام الشاطبي بحث واف في الاستدلال بتركه ﵌ وذكر أنواعه، وقال القسطلاني في كتابه (المواهب اللدنية): "وتركه- ﵌ سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين فعله وتركه فنأتي من القول في الوضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله" وقال ابن حجر الهيتمي: "ألا ترى أن الصحابة- ﵃ والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهي، وكرهوا استلام الركنين الشاميين، والصلاة

стр. 933

عقب السعي بين الصفا والمروة قياسا على الطواف. وكذا تركه ﵌ مع قيام المقتضى فيكون تركه سنة وفعله بدعة مذمومة". والنقول على هذا الأصل- وهو الاستدلال بتركه- كثيرة والأدلة فيه ثابتة واضحة وقد اعتنى ببسطة الأستاذ (محمد أحمد العدوي) حفظه الله في كتابه (أصول في البدع والسنن) بسطا كافيا لمن هدَاه الله (١). (عبد الحميد بن باديس) -٣ - الاستدلال بترك النبي- ﵌ أصل عظيم في الدين. والعمل النبوي دائر بين الفعل والترك، ولهذا تكلم علماء الأصول على تركه كما تكلموا على فعله. وقد ذكرنا جملة من كلامهم فيما قدمنا، غير أن تقرير هذا الأصل الذي يهدم بدعا كثيرة من فصل ما تركه النبي- ﵌ مما يتأكدُ مزيد تثبيته وبيانه. إذ بالغفلة عنه ارتكبت بدع وزيدت زيادات ليست مما زيدت عليه في شيء. وحسبك أن مثل هذا العالم يقرر في ذيل فتواه أن "السكوت ترك فلا يدل على استحباب السكوت ولا على كراهة ضده" فالترك إذاً ليس دليلاً شرعياً، ولهذا أردنا أن نعود إلى بيان هذا الأصل ونقل كلام أئمة الأصول والنظر فيه. قال الإمام الشاطبي في آخر الجزء الثاني من كتاب الموافقات: "والجهة الرابعة مما يعرف به مقصد الشارع السكوت عن شرع

стр. 934

التسبب أو شرعية العمل مع قيام المعنى المقتضى له. وبيان ذلك أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقرر لأجله كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله- ﵌ فإنها لما تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذاك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم، كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن رسول الله- ﵌ ولم تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعا بلا إشكال. فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل. والثاني أن يسكت عنه وموجبه المقتضى له قائم، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص لأنه لما كلن هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودا ثم لم يشرع الحكم ولا نبه عليه كان ذلك صريحا في أن الزائد على ما كان هناك بدعة زائدة ومخالفة لما قصد الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه ومثال هذا سجود الشكر في مذهب مالك، وهو الذي قرر هذا المعنى في العتبية من سماع أشهب وابن نافع، ثم نقل كلام مالك وبينه، وتطبيق هذا الأصل على مسألتنا أن تقول: (إن المقتضي للقراءة- وهو حصول البركة للميت ووصول الثوابا إليه- قائم ومع قيامه فقد ترك النبي- ﵌ القراءة ففهم من هذا الترك مع قيام المقتضى أن قصد الشارع هو الوقوف عندما بين من السكوت والاعتبار، وأن زيادة القراءة في ذلك الموطن بدعة زائدة ومخالفة لما قصد الشارع وإن كانت عبادة من حيث ذاتها، كما قال مالك في سجود الشكر عند الأمر

стр. 935

تُحبه "لا يفعل ليس هذا مما مضى من أمر الناس" وإن كان السجود في نفسه عبادة، ثم قال أبو إسحاق الشاطبي في آخر الفصل المذكور "وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل وأنها بدعة منكرة من حيث وجد في زمانه ﵇ المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليرجعهما كما كانا أول مرة، لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعا إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها. وهو أصل صحيح إذا اعتبر وصح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها. ودل على أن وجود المعنى المقتضى مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة ما كان موجودا قبل فاذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل. وقد قرر هذا الأصل الإمام ابن القيم في آخر الجزء الثامن من كتاب إعلام الموقعين عندما تكلم على ما ورد من السنن الثابتة من دون معأرض. وطبق هذا الأصل على مسألتنا شيخنا الشيخ بخيت الحنفي مفتي الديار المصرية ﵀ في كتابه (أحسن الكلام) فقال: "وأما رفع صوت المشيعين للجنازة بنحو قرآن أو ذكر أو قصيدة بردة أو يمانية فهو مكروه لا سيما على الوجه الذي يفعل في هذا الزمان ولم يكن شيء منه موجودا في زمن النبي- ﵌ ولا في زمن الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف الصالح. بلهو مما تركه النبي- ﵌ مع قيام المقتضى لفعله فيكون تركه سنة، وفعله بدعة مذمومة شرعا كما هو الحكم في كل ما تركه النبي- ﵌ مع قيام المقتضى لفعله" وقال أيضا: "وأما ما يفعل في زماننا أمام الجنائز من الأغاني ورفع الصوت بالبردة واليمانية على الوجه الذي يفعل في هذا الزمان والمشي بالمباخر فلا يقول بجوازه أحد".

стр. 936

فهذا الأصل العظيم الذي قرره مالك- ﵀ وهو أن ما تركه النبي- ﵌ مع قيام المقتضي فالدين تركة- وبينه أبو إسحاق الشاطبي- قد رأيت تقريره والاستدلال له والتفريع عليه من جماعة غير مالكية كابن السمعاني والقسطلاني الشافعيين وابن القيم الحنبلي والشيخ بخيت الحنفي مع تطبيق هذا الأخير له على عين مسألتنا. فلم ينفرد به مالك من أئمة الاجتهاد والفتوى ولا أبو إسحاق الشاطبي من أئمة الأصول والنظر نقول هذا لأن المتأولين للبدع والمنكرات- مثل فضيلته- أصبحوا وكأنهم يتبرمون بقول مالك وشدته فيها ويحاولون التملص إلى أقوال ولو لم تكن منزلة قوله في الاستدلال والنظر حتى زعم فضيلته أن لمالك مخالفين في القراءة عند التشييع وجاء لهم بمدرك حاول أن يهدم به هذا الأصل العظيم. أما أبو إسحاق الشاطبي فقد صار يوصم عند بعض أنصار البدعة والمتأولين لها بالشذوذ وما ذنبه عندهم إلا نصرته للسنة بكتابه الفريد. في بابه كتاب (الاعتصام) وبفصول من كتابه الفريد الآخر كتاب (الموافقات). ولقد كنا أيام الطلب بجامع الزيتونة- عمره الله- نسمع من شيوخنا كلهم الثناء العاطر على هذا الكتاب وصاحبه وكانت له عندهم منزلة عظيمة. وأحسن الدروس في المناظرات الامتحانية هو الذي رصعه صاحبه بكلام الشاطبي وأحسن فهمه وتنزيله فليت شعري ماذا يقول المتأولون للبدع والمنكرات- مثل فضيلته- فيه اليوم وقد أصبح حجة للمصلحين. وقد بلغني أن كتاب (الموافقات) قد قرر تدريسه بالجامع - عمره الله- وأن الذي يدرسه للشيوخ هو الشيخ عبد العزيز جعيط أحد المفتيين المالكيين والمترشح- فيما يظهر- لمشيخة الإسلام بعد عمر طويل- إن شاء الله- لشيخ الإسلام الحالي، ولعله مر في درسه

стр. 937

على هذا الفصل الذي نقلناه من الموافقات في تقرير الأصل المتقدم أو قاربه. فماذا قال أو يقول فيه؟ إن هذا الأصل وهو أن ما تركه النبي ﵌ مع قيام المقتضى فالدين تركه والزيادة عليه بدعة مذمومة مخالفة لمقصد الشارع- هو حجة المصلحين في رد البدع الغالين والمتزيدين، فماذا قلت يا فضيلة الشيخ عبد العزيز أو ماذا تقول. بين! بين! فإنك تعرف وعيد الكاتمين. وإلا فعليك - لا قدر الله- إثم الهالكين والمعاندين (١). (عبد الحميد بن باديس) -٤ - قال فضيلته: "وقد عأرضه، أي الترك النبوي" قصد آخر حسن وهو التبرك بقراءة القرآن ووصول ثواب ذلك للميت، فهم يرون في السكوت في الجنازة فضيلة بركة التأسي وفي القراءة فضيلة وهي وصل الثواب للميت. هذه هي حجة كل مبتدع ومحدث في الدين ما ليس منه ومتعبد بغير ما شرع الله لعباده بواسطة رسوله- ﵊ يفعل ما تركه النبي- ﵌ بدعوى أن في فعله خيرا وفضيلة وزيادة مفيدة، ويعأرض التشريع الإلهي بالترك النبوي مع قيام المقتضى برأيه وهواه، واستدراكه ودعواه. ومن مقتضى منعه- قطعا- أن ذلك الخير وتلك الفضيلة والزيادة المفيدة قد فاتت النبي- ﵌ في السنين الطويلة التي

стр. 938

عاشها تاركا لها فلم يفعلها ولم يبلغها وهو المأمور بالتبليغ المعصوم من الكتمان حتى تفطن لها هذا المبتدع فجاء بها وفاز بتحصيلها، وكانت من الفضائل التي رجح ميزانه بها وخلا منها ميزان محمد- عليه وآله الصلاة والسلام- ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. ولو جرى الأمر على هذا الأصل الباطل والقول الضال لأذن للعيدين والتراويح والكسوف والاستسقاء، وقيل أن عدمها في العهد النبوي ترك وهو لا يدل على استحباب عدم الآذان ولا على كراهة ضده وقد عأرضه قصد آخر حسن وهو ما في الآذان من حصول الثواب للمؤذن والحاكي؟ ففي عدم الآذان فضيلة بركة التأسي وفي الآذان فضيلة حصول الثواب للمؤذن والحاكي. وهكذا يمكن أن تزاد عبادات كثيرة في غير مواضعها تركها النبي- ﵌ مع قيام المقتضى لها ويعأرض تركه ﵇ لها بما فيها من الفضائل الذي غفل عنه هو ﵇ واهتدى إليه المبتدعون، وكفى بقول يؤدي إلى هذا ضلالا وشرا وفسادا. نعم في قراءة القرآن العظيم لقارئه وسامعه كل البركة ووصول الثواب المهدى، قال به جمع الأئمة عليهم الرحمة، غير أن النبي- ﵌ وهو الرحيم بأمته الحريص على دلالتهم على الخير وما فيه الأجر والثواب لم يقرأ القرآن العظيم في هذا الموطن فدلنا على أن الترك هو الخير، وأن هذا الموطن ليس محلا للقراءة بل هو محل لعبادة أخرى هي عبادة التفكر والاعتبار. فالقراءة فيه بدعوى تلك المعأرضة مخالفة ومشاقة له، وما هو أكبر من ذلك من دعوى الاهتداء إلى ما لم يهتد إليه ﵇. ثم قال فضيلته: "واعتضدوا بقراءة سورة يس".

стр. 939

لو كان لمن يقول بقراءة القرآن العظيم عند التشييع دليل من أثر أو صحيح نظر لأمكن أن يقال: "واعتضدوا بحديث يس"، لكن قد علمنا مما تقدم أنه لا دليل لهم إلا مشاقة الترك النبوي بتخيل الأفضلية ودعوى الاهتداء إلى ما لم يهتد إليه النبي- ﵌ مما تقدم لنا إبطاله فلا يمكن حينئذ أن يقال فيهم "اعتضدوا" ويبقى النظر في حديث قراءة يس نفسه فلنتكم على سنده ومتنه ليتبين أنه خارج عن موضوعنا. حديث قراءة يس: عن معقل بن يَسَار قال: قال رسول الله- ﵌ " أقرأوا يس على موتاكم" قال الحافظ في التلخيص (١٥٣) بنقل الأستاذ محمد حامد الفقي: رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان- وليس بالنهدي- عن أبيه عن معقل بن يسار ولم يقل النسائي وابن ماجة عن أبيه. وأعله ابن القطار بالاضطراب وبالوقف وبالجهالة لحال أبي عثمان وأبيه. ونقل الإمام أبو بكر بن العربي المالكي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب حديث ا. هـ، وقد صححه الحاكم وابن حبان وهما معروفان بالتساهل في التصحيح وسكت عنه أبو داود وسكوته يقتضي عدم تضعيفه ولكنه لا يقتضي بلوغه درجة الصحيح وإذا ضم إليه ما ورد في معناه- ولم يبلغ منها شيء إلى درجة الحجة- إرتقى إلى رتبة الحسن لغيره. هذا كلمة موجزة في سنده بينت لنا رتبته. وأما متنه فإن المراد بقوله ﵊: "على موتاكم" من حضرتهم الموت. قال ابن حبان في صحيحه- بنقل ابن حجر وغيره: أراد به من حضرته المنية لا

стр. 940

أن الميت يقرأ عليه- قال وكذلك قوله- ﵌: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" ا. هـ، ومما يدل على أن المراد من حضرته المنية ما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، قال حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان قال كانت المشيخة يقولون إذا قرئت- يعني يس- لميت خفف عنه بها. وفي مسند الفردوس- بنقل ابن حجر- عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله- ﵌ "ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلاّ هَوَّن الله عليه" قال الصنعاني شارح (بلوغ المرام): وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به المحتضر ا. هـ. وحديث أحمد المتقدم رواه جمع من شراح الحديث مختصرا كما رأيت وأصله في المسند هكذا: "حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان بن عمرو عن المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحرث حين اشتد سوقه فقال: هل أحد منكم يقرأ يس؟ قال فقرأها صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين آية منها قبض، قال: فكان المشيخة يقولون: "إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها". قال الحافظ ابن حجر في (الإصابة): وهو حديث حسن الإسناد. وغضيف المتوفى صحابي وصالح الذي قرأها، له إدراك، فالمشيخة الذين حضروا بين صحابي وتابعي، والحديث وإن كان موقوفا فمثله لا يقال بالرأي، قال الحافظ: فله حكم المرفوع، وما في هذا الحديث صريح غاية الصراحة، بأن قراءة يس إنما هي على المحتضر ففيه (لما اشتد سوقه) والسوق قال أئمة اللغة: هو النزع. وكان المحتضر نفسه هو الذي قال: "هل فيكم أحد يقرأ يس" وقد فهم الأئمة- ﵃ أنه في المحتضر، فأخرجه ابن ماجة تحت قوله: "باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر" وأخرجه البغوي في (المصابيح) تحت قوله: "باب ما يقال عند من حضره الميت". ومثله التبريزي في (المشكاة)، وكذلك الإمام ابن أبي زيد فإنه

стр. 941

ذكر رخصة بعض العلماء- وهو ابن حبيب- في قراءة يس- في (باب ما يفعل بالمحتضر من رسالته) فقال هكذا: "وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به". فبان بهذا كله أن حديث قراءة يس- على ما فيه كما عبر فضيلته في أصل الفتوى - خارج عن موضوعنا، لأن موضوعنا في القراءة على الميت بعد موته وهو الذي يفعله الناس ويسمونه (فدوة) وعند تشييعه كما يفعل (مروقية) تونس وغيرهم، وهو الذي قصر فضيلته الكلام عليه في التذييل كما تقدم، وبعد دفنه عند قبره. وليس لنا أن نقيس هذه المواطن على قراءة يس عند المحتضر لأن القياس لا يدخل في العبادات، ولأن المعنى الذي قصد من قراءتها- وهو التخفيف، عليه حال النزاع- معدوم في هذه المواطن. ولهذا فنحن ما زلنا نطالب فضيلته بالإتيان بسنة صحيحة قولية أو فعلية تثبت مشروعية القراءة في موطن من هذه المواطن. وأنَّى له ذلك؟ (١). عبد الحميدبن باديس -٥ - حقا لقد صارت مسألة السنة في تشييع الجنازة- وهي الواضحة الجليلة- ذات ذيول ففضيلته قد جعل لفتواه تذييلا فلا تأصيل ولا تدليل. ونحن- بحكم العدوى الكتابية- قد جعلنا لردنا عليه هذا التذييل. ولكنه لم يخل من دليل.

стр. 942

كل ما يريده فضيلته هو بقاء تلك الحالة المنكرة البشعة من تشييع الجنائز التي نشرنا فيما مضى بيان بعض الكتاب من إخواننا التونسيين عنها، وهو يعلم أن لا بقاء لها إلا ببقاء تلك الفئة من (المروقية) قائمة بها، وأنها لا تقوم بها إلا بثمن فليفت حينئذ فضيلته- ولا بد- بتحليل ذلك الثمن وجواز أخذ الأجرة على القراءة، فلذا قال في تذييله: "وأما أخذ الأجرة على قراءة القرآن فاعلم أن أخذ الأجر على القراءة جائز باتفاق الأئمة الأربعة". باتفاق الأئمة الأربعة! هذا باطل ما دعا إليه وحمل عليه إلا الحرص على بقاء هذه البدعة والعياذ بالله، والحقيقة هي أن الحنفية والحنابلة- كما هو مصرح به في كتبهم- لا يجيزون أخذ الأجرة على القراءة وحجتهم على ذلك أن الأجر دفع لأجل حصول ثواب القراءة للدافع لكان القارىء ما قرأ إلا لأجل ذلك الأجر فلم يكن عمله خالصا لله فلم يكن له عليه ثواب، فهو آثم لأنه أكل الأجر بالباطل والدافع آثم لأنه متسبب له في عمل بلا إخلاص وفي ذلك الأكل بالباطل، واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن شبل: "قال: قال رسول الله- ﵌: اقرؤا القرآن واعملوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به". رواه أحمد بسند قال في مجمع الزوائد رجاله ثقاة، ورواه غيره، وأجابوا عن حديث ابن عباس- ﵄: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله". رواه البخاري بأنه محمول على أخذ الأجر في تعليمه أو الرقية به مما يحصل مقابل الأجر لدافعه جمعا بين الأدلة، وقال بهذا بعض المالكية أيضا، وهو قول قوي- كما ترى- نظرا وأثرا، فأين هو الإجماع الذي يدعيه فضيلته؟. إلى هنا وجب أن ننتهي من الحديث مع فضيلته. وبقيت لنا كلمة

стр. 943

مع جريدة (الزهرة) التي تساءلت عن آداب الإسلام سنقولها لها- إن شاء الله- إذا إبنا من سفرنا مع وفد الأمة الجزائرية إلى باريس، فإلى اللقاء. عبد الحميد بن باديس

стр. 944

إلى علماء جامع الزيتونة: إن مسؤولية العلماء عند الله فيما أصاب المسلمين في دينهم لعظيمة، وأن حسابهم على ذلك لشديد طويل، ذلك بما كتموا من دين الله، وبما خافوا في نصرة الحق سواه، وبما حافظوا على منزلتهم عند العامة وسادة العامَّة، ولم يحافظوا على درجاتهم عنده، وبما شحوا ببذل القليل من دنياهم في ما يرضيه، وبما بذلوا وأسرفوا في الكثير من دينهم فيما يغضبه، اللهم إلا نفرا منهم بينوا وما كتموا، ونصحوا لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وخاصتهم فقامت بهم حجة الله، وتداولت بهم أجيال المسلمين إرث النبوة، واتصل بهم سند الحق وانفضحت بهم شبهة الباطل، أولئك هم الطائفة التي لن تزل ظاهرة على الحق لا يضر بها من خذلها حتى تقوم الساعة. وإنَّا راجعنا تاريخ المسلمين في سعادتهم وشقائهم وارتفاعهم وانحطاطهم وجدنا ذلك يرتبط ارتباطا متينا بقيام العلماء بواجبهم أو قعودهم عما فرضه الله وأخذ به الميثاق عليهم. ولهذا فنحن ندعو العلماء كلهم إلى أن يذكروا هذا الميثاق وأن لا ينبذوه وراء ظهورهم، وأن يبادر كل ساكت وقاعد إلى التوبة والإصلاح والبيان، فقد علموا قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ

стр. 945

اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ونحن نحمد الله فقد تجاوبت أصوات العلماء بالإصلاح الإسلامي من كل ناحية، وقد كان من أعظم ذلك ارتفاع صوت الأزهر كما نشرنا، في الجزء الماضي من مجلة (الشهاب) وقد كنا نشرنا في جزء ربيع الثاني من العام الماضي الفتوى التي أصدرها عشرون عالما من علماء طرابلس الغرب في وجوب إلغاء ما يستعمله أصحاب الطرق من المشي على الفحم المصهور وابتلاع العقارب والأفاعي والحشرات السامة وطعن أجسادهم وثقبها بالالات الحادة. وقدموا في ذلك مطلبا لحكومة البلاد وعملت على تنفيذه، ثم اطلعنا على عريضة مؤرخة بربيع الأول من العام الماضي قدمها نحو الثلاثين عالما من علماء المغرب الأقصى من مدرسين بجامع القرويين وغيرهم إلى جلالة مولانا السلطان (سيدي محمد) أيده الله يشتكون إليه ما كان من مخالفة ما تقدم من أمره بمنع بدع كل الطوائف المبتدعة كطائفة العيسيوية وغيرهم، ويرغبون من جلالته إصدار أوامره بزجر المجرمين المخالفين فصوت العلماء بالإصلاح الإسلامي والحمد لله قد ارتفع من مصر وطرابلس والجزائر والغرب الأقصى وما بقي ساكنا إلا جامع الزيتونة، فلا تسمع له همسا. لقد ارتفعت الشكوى في الصحف التونسية هذه المدة الأخيرة من بلدان عديدة من القطر التونسي الشقيق بالبدع والمناكر التي يأتيها الطرقيون به. والفضائح التي ارتكبها بعضهم وسيق من أجلها إلى العدلية كما يساق المجرمون، ووجهت سؤالات صريحة إلى العلماء في حكم الإسلام في ذلك كله. وعلماء جامع الزيتونة وشيوخ الفتوى فيه وشيخا الإسلام منهم- وأجمون ساكتون كأن الأمر لا يعنيهم وكأن آيات الله لم تطرق آذانهم، فأين أنتم أيها الشيوخ، وأين إيمانكم؟ لقد سئلتم عن رفض الشريعة الإسلامية بسبب التجنس ذلك الرفض

стр. 946

المخرج عن الإسلام فسكتم، وقال الناس إنكم خفتم على مناصبكم وها أنتم أولاء تسألون اليوم عن البدع والمنكرات الفاشية في المسلمين باسم الدين، تنكر البدع التي أماتت ضمائرهم وخدرت عقولهم، وجمدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم، وسلبتهم حقيقة دينهم، وتركتهم بلاء على أنفسهم، وفتنة لغيرهم، فهل أنتم اليوم أيضا ساكتون، وبالتخويف على مناصبكم معتذرون؟ إننا ندعوكم بكلمة الله إلى الصدع بالحق وإنقاذ المسلمين، فإن أجبتم فذلك الظن بكم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، وإن أبيتم فعليكم إثم الهالكين وحسب المسلمين رب العالمين (١). عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين "المتخرج من جامع الزيتونة" عمره الله

стр. 947

معاذ الله: ظن المتستر وراء (الطالب الزيتوني) أنني لم أجبه ترفعا عنه، ومعاذ الله من هذا معاذه. وإنما لم أجبه لأنه تستر وراء إمضاء مستعار في مخاطبة من يكتب بإمضائه الصريح وليس من العدل أن ينازل الرجال من يختفي وراء الحجال، فإن أردت أن تجاب، فارفع الحجاب، وسلام عليك يا أستاذ! (عبد الحميد)

стр. 948

من آثار جمعية العلماء في تهدئة الأفكار نشرت جمعية العلماء المسلمين على الأمة الجزائريين منشورين في أيام الحادثة (١)، تحضها على ملازمة الهدوء والسكون وتدعوها إلى الثقة بالعدالة الفرنسوية وهذا نص المنشور الأول: نداء من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ايها الشعب الكريم! ها أنت اليوم استيقظت من نوم عميق، وفتحت عينيك للحياة، ونهضت للعمل مع العاملين. فتقو بالاتحاد وتسلح بالايمان وتدرع بالصبر، وتحصن بالثبات، سر بهدوء ونظام في طريق الحق والخير، إلى منزلتك اللائقة بك من الحياة بين الشعوب. كن حذرا كن يقظا. أعرف أصدقاءك من أعدائك. وما أصدقاؤك إلا الذين يحترمون الإنسانية في جميع أجناسها وجميع أديانها ويرحمون الضعيف وينصرون المظلوم، ويقاومون الظلم والاستعباد. وما أعداؤك إلا الذين وقفوا لك في طريق الحياة والتقدم منذ عرفتهم وعرفوك، فسدوا عليك أبواب الرزق والعلم، وسلبوك الحرية والثروة، واستغلوك كما تستغل الحيوانات العجماء بل أشد وأشر.

стр. 949

وها هم اليوم يريدون خدعك، ويحاولون استعمالك آلة لأغراضهم ضد أصدقائك الإنسانيين. أيها الشعب الكريم: كن- كلك- مع الحكومة الفرنسوية الممثلة للشعب الفرنسي الديموقراطي أصدق تمثيل. كن كلك ضد كل متعصب ضد أي جنس وأي دين. كن متحدا فبالاتحاد- فقط- تبلغ غايتك الشريفة الإنسانية. كن مستيقظا منظما، لتبرهن على أنك شعب لا تريد إلا العيش والحرية والسلام. إرفع عقيرتك بالاحتجاج ضد جميع الذين يستعملون العنف والقسوة والأساليب الشيطانية الخفية ليحدثوا الفتنة والشغب ضد فرنسا والجزائر. ناد من كل قلبك: لتحيى الجزائر! لتحيى فرانسا الشعبية! ليسقط الظلم والاستعباد! ليسقط أضداد الأجناس وحرية الأديان والأفكار! عن الجمعية: الرئيس عبد الحميد بن باديس وهذا نص المنشور الثاني أيها الشعب الكريم: كبر على أعدائك أن يروك فرحا مسرورا بمؤتمرك العظيم، ووفدك إلى باريس، وبلوغ صوتك إلى الحكومة الفرنسية وأحزاب الجبهة الشعبية ورجوع وفدك يحصل الآمال الصادقة، والثقة التامة من تلك الحكومة وتلك الأحزاب.

стр. 950

كبر على أعدائك كل هذا فأخذوا يدبرون لك المكائد، وينصبون لك الأشراك، فكانت تلك الجناية المفكرة على الإمام (ابن دالي) ثم كانت تلك- التهمة الشنيعة على الأستاذ (الطيب العقبي). كل ذلك لأجل أن يثيروك فيخرجوك عن النظام والسكينة ليصوروك بالصورة التي يريدونها لك من القبح والفساد، ولأجل أن يزيلوا ثقتك بالجبهة الشعبية حكومتها وأحزابها، ويوهموك أنه لم يصبك في أيامهم ما أصابك في أيامها فيفضلوك عنها لتقع فريسة بين أيديهم. أيها الشعب الكريم: إرفع صوتك بالاحتجاج ضد كل إجرام وكل كيد. أعلن مقتك للكائدين المكارين. دم على ثقتك بالجبهة الشعبية حكومتها وأحزابها. ثق بأن عين العدالة الفرنسية ستفضح الكائدين. عن الجمعية الرئيس: عبد الحميد بن باديس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وشكر وتقدير كانت حادثة اعتقال الأستاذ (الطيب العقبي) في ظاهرها محنة لجمعية العلماء المسلمين الجزائربين أثرت ما تؤثره المحن المفاجئة من حيرة لم تذهب بالصبر واضطراب لم يزلزل العقيدة. ولكنها كانت في حقيقتها نعمة عظيمة لا يقوم بها الشكر فقد أحدثت في العالم المتصل بالجزائر روحا جديدة من العطف على الجمعية والتنبه لمكانتها والتأييد لها والانتصار لمبادئها الحقة وكانت موحدة لشعور سكان الشمال الإفريقي على الخصوص.
следующие страницы →