فإذا دَخَلَتْ دَفَعْتُه إلَيْها، وجَعَلْتُ لها النَّفَقَةَ إذا قالُوا: نَدْفَعُها إليه إذا دَفَعَ الصَّداقَ إلينا.
(٢٢١٩) وإنْ كانَتْ نِضْوًا (١) أجْبِرَتْ على الدُّخُولِ، إلّا أن يَكُونَ مِنْ مَرَضٍ لا يُجامَعُ فيه مِثْلُها، فتُمْهَلُ (٢).
(٢٢٢٠) ولو أفْضاها فلم تَلْتَئِم (٣) فعليه دِيَتُها لها ومَهْرُها كامِلًا (٤)، ولها مَنْعُه أن يُصِيبَها حتّى تَبْرَأ البُرْءَ الذي إنْ عاد لم يَنْكَأْها ولم يَزِدْ في جُرْحِها (٥)، والقولُ في ذلك قَوْلُها.
(٢٢٢١) وإنْ دَخَلَتْ عليه فلم يَمَسَّها حتّى طَلَّقَها .. فلها نِصْفُ المهْرِ؛ لقول الله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فإنِ احْتَجَّ بالأثَرِ عن عُمَرَ في إغْلاقِ البابِ وإرْخاء السِّتْرِ أنّه يُوجِبُ المهْرَ، فمِنْ قَوْلِ عُمَرَ: «ما ذَنْبُهُنَّ إنْ جاء العَجْزُ مِنْ قِبَلِكُم؟» .. فأخْبَر أنّه يَجِبُ إذا خَلَّتْ بَيْنَه وبَيْنَ نَفْسِها كوُجُوبِ الثَّمَنِ بالقَبْضِ، وإن لم يُغْلِقْ بابًا ولم يُرْخِ سِتْرًا، قال: وسواءٌ طالَ مُقامُه معها أو قَصُرَ، لا يَجِبُ المهْرُ والعِدَّةُ إلّا بالمسِيسِ نَفْسِه.
стр. 1214
قال المزني: قلت أنا (١): قد جاء عن ابن مسعود وابن عباس معنى ما قال الشافعيُّ، وهو ظاهرُ القرآنِ (٢).
стр. 1215
(٢٣٠)
باب المتعة
من كتاب الطلاق من قديم وجديد (١)(٢٢٢٢) قال الشافعي: جَعَلَ اللهُ المتْعَةَ للمُطَلَّقاتِ، وقال ابنُ عُمَرَ: «لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ، إلّا التي فَرَضَ لها ولم يَدْخُلْ بها، فحَسْبُها نِصْفُ المهْرِ» (٢).
(٢٢٢٣) قال الشافعي: فالمتْعَةُ على كُلِّ زَوْجٍ طَلَّقَ ولِكُلِّ زَوْجَةٍ إذا كان الفِراقُ مِنْ قِبَلِه، أو يَتِمُّ به، مِثْلُ: أن يُطَلِّقَ أو يُخالِعَ أو يَمْلِكَ، وإذا كان الفِراقُ مِنْ قِبَلِها فلا مُتْعَةَ لها ولا مَهْرَ أيضًا؛ لأنّها لَيْسَتْ بمُطَلَّقَةٍ، وكذلك إذا كانَتْ أمَةً فباعَها سَيِّدُها مِنْ زَوْجِها فهو أفْسَدَ النكاحَ ببَيْعِه إيّاها (٣)، فأمّا الملاعَنَةُ .. فإنّ ذلك منه ومنها، ولأنّه إن شاء أمْسَكَها، فهي كالمطَلَّقَةِ، وأما امْرأةُ العِنِّينِ .. فلو شاءَتْ أقامَتْ معه، ولها عِنْدِي مُتْعَةٌ، والله أعلم.
قال المزني: قلت أنا: هذا عندي غَلَطٌ عليه، وقياسُ قَوْلِه: لا حَقَّ لها؛ لأنّ الفِراقَ مِنْ قِبَلِها دُونَه (٤).
стр. 1216
(٢٣١)
باب الوليمة والنَّثْر
من كتاب الطلاق وإملاء على مسائل مالك
(٢٢٢٤) قال الشافعي: والوَلِيمَةُ التي تُعْرَفُ: وَلِيمَةُ العُرْسِ، وكُلُّ دَعْوَةٍ على إمْلاكٍ أو نِفاسٍ أو خِتانٍ أو حادِثِ سُرُورٍ، فدَعا إليها رجلٌ، فاسْمُ الوَلِيمَةِ يَقَعُ عليها (١)، ولا أرَخِّصُ في تَرْكِها، ومَن تَرَكَها لم يَبِنْ لي أنّه عاصٍ كما يَبِينُ في وَلِيمَةِ العُرْسِ؛ لأنّي لا أعْلَمُ أنّ النبيَّ ﷺ تَرَكَ الوَلِيمَةَ على عُرْسٍ، ولا أعْلَمُه أوْلَمَ على غَيْرِه، وأوْلَمَ على صَفِيَّةَ في سَفَرٍ بسَوِيقٍ وتَمْرٍ، وقال لعبدِالرحمنِ بنِ عوفٍ: «أوْلِمْ ولو بشاةٍ» (٢).
(٢٢٢٥) قال: وإنْ كان المدْعُوُّ صائِمًا .. أجابَ الدَّعْوَةَ وبَرَّكَ وانْصَرَفَ، وليس بحَتْمٍ أن يَأكُلَ، وأحِبُّ لو فَعَلَ (٣)، وقد دُعِيَ ابنُ عمر فجَلَس، ووُضِعَ الطعامُ فمَدَّ يدَه، وقال: خُذُوا بسم الله، ثُمّ قَبَضَ يَدَه فقال: إنّي صائمٌ (٤).
стр. 1217
(٢٢٢٦) قال: وإذا كان فيها المعْصِيَةُ مِنْ المسْكِرِ والخَمْرِ أو ما أشْبَهَه مِنْ المعاصِي الظّاهِرَةِ .. نَهاهُم، فإن نَحَّوْا ذلك عنه (١)، وإلّا لم أحِبَّ له أن يَجْلِسَ، وإنْ عَلِمَ ذلك عِنْدَهُم لم أحِبَّ له أن يُجِيبَ.
(٢٢٢٧) وإنْ رَأى صُوَرَ ذَواتِ أرْواحٍ لم يَدْخُلْ إنْ كانَتْ مَنْصُوبَةً، وإنْ كانَتْ تُوطَأ فلا بأسَ، وإنْ كانَ [كذا] صُوَرَ الشَّجَرِ فلا بأسَ.
(٢٢٢٨) وأحِبُّ أن يُجِيبَ أخاه، بَلَغَنا أنّ النبيَّ ﷺ قال: «لو أهْدِيَ إليَّ ذراعٌ لقَبِلْتُ، ولو دُعِيتُ إلى كُراعٍ لأجَبْتُ».
(٢٢٢٩) وقال في نَثْرِ السُّكَّرِ واللَّوْزِ والجَوْزِ في العُرْسِ: لو تُرِكَ كان أحَبَّ إليَّ؛ لأنّه يُؤخَذُ بخِلْسَةٍ ونُهْبَةٍ، ولا يَبِينُ أنّه حرامٌ، إلّا أنّه قد يَغْلِبُ بَعْضُهُم بعضًا فيَأخُذُ مَنْ غَيْرُه أحَبُّ إلى صاحِبِه (٢).
стр. 1218
[٣٩]
كتاب النُّشوز (١)
مختصر القَسْمِ ونشوزِ الرجل على المرأة، من الجامع من كتاب جماع عشرة النساء، ومن كتاب نشوز الرجل على المرأة، ومن كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن إملاء على مسائل مالك (٢)
стр. 1219
(٢٢٣٠) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال الشافعي: وجِماعُ المعروفِ بين الزَّوْجَيْن كَفُّ المكْرُوهِ، وإعْفاءُ صاحبِ الحَقِّ مِنْ المؤُونَةِ في طَلَبِه، لا بإظْهارِ الكَراهِيَةِ في تأدِيَتِه، فأيُّهما مَطَلَ بتأخِيرِه فمَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ.
(٢٢٣١) وتُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ عن تِسْعٍ، وكان يَقْسِمُ لثَمانٍ، ووَهَبَتْ سَوْدَةُ يَوْمَها لعائشةَ، قال: فبهذا نَقُولُ.
(٢٢٣٢) ويُجْبَرُ على القَسْمِ، فأمّا الجِماعُ فمَوْضِعُ تَلَذُّذٍ، ولا يُجْبَرُ أحَدٌ عليه (١)، قال الله ﵎: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩]، قال بعضُ أهل التفسير (٢): «لنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بما في القُلُوبِ؛ لأنّ اللهَ تَجاوَزَه، ﴿فلا تميلوا﴾ لا (٣) تُتْبِعُوا أهْواءَكُمْ أفْعالَكُم، فإذا كان الفِعْلُ والقولُ مع الهوى فذلك كُلُّ الميْلِ»، وبَلَغَنا أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقْسِمُ فيَقُولُ: «اللهم هذا قَسْمِي فيما أمْلِكُ، وأنت أعْلَمُ بما لا أمْلِكُ»، يعني والله أعلم: قَلْبَه. وبَلَغَنا أنّه كان يُطافُ به محْمُولًا ﷺ في مَرَضِه على نِسائه حتّى حَلَّلْنَه.
(٢٢٣٣) قال: وعِمادُ القَسْمِ اللَّيْلُ؛ لأنّه سَكَنٌ، وقال: ﴿أزواجا لتسكنوا إليها﴾ [الروم: ٢١].
(٢٢٣٤) قال: فإذا كان عند الرجلِ حَرائِرُ مُسْلِماتٌ وذِمِّيَّاتٌ فهُنّ في القَسْمِ سواءٌ، ويَقْسِمُ للحُرَّةِ لَيْلَتَيْن، وللأمَةِ لَيْلَةً، إذا خَلّى الموْلَى بَيْنَه وبَيْنَها في لَيْلَتِها ويَوْمِها، وللأمَةِ أنْ تُحَلِّلَه مِنْ قَسْمِها دون الموْلى.
стр. 1220
(٢٢٣٥) ولا يُجامِعُ المرْأةَ في غَيْرِ نَوْبَتِها (١)، ولا يَدْخُلُ في اللَّيْلِ على التي لم يَقْسِمْ لها، ولا بأسَ أن يَدْخُلَ عليها بالنَّهارِ في حاجَةٍ (٢).
(٢٢٣٦) ويَعُودُها في مَرَضِها في لَيْلَةِ غَيْرِها، فإنْ ثَقُلَتْ فلا بأسَ أن يُقِيمَ عِنْدَها حتّى تَخِفَّ أو تَمُوتَ، ثُمّ يُوَفِّي مَنْ بَقِيَ مِنْ نِسائه مِثْلَ ما أقام عِنْدَها.
(٢٢٣٧) وإنْ أراد أن يُقِيمَ لَيْلَتَيْن لَيْلَتَيْن (٣)، أو ثلاثًا ثلاثًا .. كان ذلك له (٤)، وأكْرَهُ مُجاوَزَةَ الثَّلاثِ (٥).
(٢٢٣٨) ويَقْسِمُ للمَرِيضَةِ، والرَّتْقاءِ، والحائضِ، والنُّفَساءِ، والتي آلَى أو تَظاهَرَ منها، ولا يَقْرَبُها حتّى يُكَفِّرَ؛ لأنّ في مَبِيتِه سَكَنَ إلْفٍ.
(٢٢٣٩) قال الشافعي: وإنْ أحَبَّ أن يَلْزَمَ مَنْزِلًا يأتِينَه فيه .. كان ذلك عَلَيْهِنّ، فأيَّتُهُنّ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّها، وكذلك الممْتَنِعَةُ بالجُنُونِ.
(٢٢٤٠) وإنْ سافَرَتْ بإذْنِه فلا قَسْمَ لها، ولا نَفَقَةَ، إلّا أن يَكُونَ هو الذي أشْخَصَها (٦)، فيَلْزَمُه كُلُّ ذلك لها (٧).
стр. 1221
(٢٢٤١) وعلى وَلِيِّ المجْنُونِ أن يَطُوفَ به على نِسائِه أو يأتِيَه بهنَّ (١)، وإنْ عَمَدَ أن يَجُورَ به أثِمَ.
(٢٢٤٢) وإنْ خَرَجَ مِنْ عند واحدةٍ في اللَّيْلِ، أو أخْرَجَه السُّلْطانُ .. كان عليه أن يُوَفِّيَها ما بَقِيَ مِنْ لَيْلَتِها.
(٢٢٤٣) وليس للإماءِ قَسْمٌ، ولا يُعَطَّلْنَ (٢).
(٢٢٤٤) وإذا ظَهَرَ منه الإضْرارُ بامْرأتِه .. أسْكَنّاها إلى جَنْبِ مَنْ نَثِقُ به.
(٢٢٤٥) وليس له أن يُسْكِنَ امْرأتَيْن في بَيْتٍ، إلّا أنْ تَشاءا.
(٢٢٤٦) وله مَنْعُها (٣) مِنْ شُهُودِ جِنازَةِ أمِّها وأبِيها ووَلَدِها، وما أحِبُّ ذلك له (٤).
стр. 1222
(٢٣٢)
باب الحال التي تختلف فيها حال النساء
من الجامع من كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن نشوز الرجل على المرأة
(٢٢٤٧) قال الشافعي: في قولِ رسولِ الله ﷺ لأمِّ سَلِمَةَ: «إنْ شِئتِ سَبَّعْتُ عندك وسَبَّعْتُ عِنْدَهُنّ، وإنْ شِئتِ ثَلَّثْتُ عندكِ ودُرْتُ» .. دليلٌ على أنّ الرَّجُلَ إذا تَزَوَّجَ البِكْرَ أنّ عليه أن يُقِيمَ عِندها سَبْعًا، والثَّيِّبِ ثلاثًا، ولا يَحْتَسِبُ بها عليه نِساؤُه اللاتي عنده قَبْلَها، وقال أنس بن مالك: «للبِكْرِ سَبْعٌ، وللثَّيِّبِ ثَلاثٌ».
(٢٢٤٨) قال: ولا أحِبُّ أن يَتَخَلَّفَ عن صلاةِ جماعَةٍ (١)، ولا شُهودِ جِنازَةٍ، ولا بِرٍّ كان يَفْعَلُه (٢)، ولا إجابةِ دَعْوَةٍ.
стр. 1223
(٢٣٣)
باب القَسْم للنساء إذا حضر سفر
من الجامع من كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن كتاب نشوز الرجل على المرأة
(٢٢٤٩) قال الشافعي: أخبرنا عَمِّي محمد بن علي بن شافع، قال المزني: أحسِبُه: عن الزُّهْرِيّ (١)، عن عُبَيْدِالله بن عبدالله بن عتبة، عن عائشةَ، قالتْ: «كان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بين نِسائه، فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بها».
(٢٢٥٠) قال الشافعي: وكذلك إذا أراد (٢) أن يَخْرُجَ باثْنَتَيْن أو أكْثَرَ أقْرَعَ (٣).
(٢٢٥١) وإنْ خَرَجَ بواحِدَةٍ بغَيْرِ قُرْعَةٍ .. كان عليه أن يَقْسِمَ لمن بَقِيَ بقَدْرِ مَغِيبِه مع التي خَرَجَ بها.
(٢٢٥٢) ولو أراد السَّفَرَ لنُقْلَةٍ، لم يَكُنْ له أن يَنْتَقِلَ بواحِدَةٍ إلّا أوْفَى البَواقِيَ مِثْلَ مُقامِه معها، ولو خَرَجَ بها مُسافِرًا بقُرْعَةٍ، ثُمّ أزْمَع المقامَ لنُقْلَةٍ .. احْتُسِبَ عليها مُقامُه بعد الإزْماعِ.
стр. 1224
(٢٣٤)
باب نشوز المرأة على الرجل
من الجامع من كتاب نشوز الرجل على المرأة، ومن كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن
(٢٢٥٣) قال الشافعي: قال الله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ الآية [النساء: ٣٤] (١)، وفي ذلك دَلالَةٌ على اخْتِلافِ حالِ المرأةِ فيما تُعاتَبُ فيه وتُعاقَبُ عليه، فإذا رَأى منها دَلالَةً على الخوْفِ مِنْ فِعْلٍ أو قَوْلٍ وَعَظَها، فإنْ أبْدَتْ نُشُوزًا هَجَرَها، فإنْ أقامَتْ عليه ضَرَبَها، وقد يَحْتَمِلُ ﴿تخافون نشوزهن﴾ إذا نَشَزْنَ فخِفْتُم لَجاجَتَهُنّ في النُّشُوزِ أن (٢) يَكُونَ لهم جمعُ العِظَةِ والهَجْرِ والضَرْبِ.
(٢٢٥٤) وقال رسول الله ﷺ : «لا تَضْرِبُوا إماءَ الله»، فأتاه عُمَرُ فقال: يا رسولَ الله، ذَئِرَ النساءُ على أزْواجِهِنّ (٣)، فأذِنَ في ضَرْبِهِنّ (٤)، فأطافَ بآلِ محمّد نساءٌ كثيرٌ كُلُّهُنّ يَشْتَكِينَ أزْواجَهُنّ، فقال رسولُ الله ﷺ : «لقد أطافَ بآلِ محمّد سَبْعُون امْرأةً كُلُّهُنّ يَشْتَكِين أزْواجَهُنّ، ولا تَجِدُونَ أولئك خِيارَكُمْ»، ويحْتَمِلُ قولُه ﷺ أن يَكُونَ قبل نُزُولِ الآيةِ بضَرْبِهِنّ، ثُمّ أذِنَ فجَعَلَ لهم الضَّرْبَ، وأخْبَرَ أنّ الاخْتِيارَ تَرْكُ الضربِ.
стр. 1225
(٢٣٥)
باب الحَكَمَين في الشِّقاق بين الزوجين (١)
من الجامع من كتاب الطلاق، ومن أحكام القرآن، ومن نشوز الرجل على المرأة (٢)(٢٢٥٥) قال الشافعي: ولمّا أمَرَ اللهُ جل ثناؤه فيما خِفْنا الشِّقاقَ بَيْنَهما بالحَكَمَيْن، دَلّ ذلك على أنّ حُكْمَهُما غيرُ حُكْمِ الأزْواجِ غَيْرِهما، فإذا اشْتَبَه حالاهُما، فلم يَفْعَل الرَّجُلُ الصَّفْحَ ولا الفُرْقَةَ، ولا المرأةُ تأدِيَةَ الحَقِّ ولا الفِدْيَةَ، وصارا مِنْ القَوْلِ والفِعْلِ إلى ما لا يَحِلُّ لهما ولا يَحْسُنُ، وتمادَيا .. بَعَثَ الإمامُ حَكَمًا مِنْ أهْلِه وحَكَمًا مِنْ أهْلِها، مأمُونَيْنِ، برِضا الزَّوْجَيْن وتَوْكِيلِهما إيّاهُما بأن يَجْمَعا ويُفَرِّقا (٣) إنْ رَأيا ذلك، واحْتَجَّ بقَوْلِ عليّ بن أبي طالب: «ابْعَثُوا (٤) حَكَمًا مِنْ أهْلِه وحَكَمًا مِنْ أهْلِها»، ثم قال للحَكَمَيْن: «هل تَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما؟ عَلَيْكُما إن رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا أنْ تجْمَعا، وإن رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا أنْ تُفَرِّقا»، فقالت المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ الله فيما عَلَيَّ
стр. 1226
فيه وَلِي، فقال الرجلُ: أمّا الفُرْقَةُ فلا، فقال عليٌّ: «كَذَبْتَ والله، حتّى تُقِرَّ بمِثْلِ الذي أقَرَّتْ به»، فدَلَّ أنّ ذلك ليس للحاكِمِ إلّا برِضا الزَّوْجَين (١)، ولو كان ذلك لبَعَثَ بغَيْرِ رِضاهما.
(٢٢٥٦) قال: ولو فَوَّضا مع الخُلْعِ والفُرْقَةِ إلى الحَكَمَيْن الأخْذَ لكُلِّ واحدٍ منهما مِنْ صاحِبِه .. كان على الحَكَمَيْن الاجتهادُ فيما يَرَيانِه صَلاحًا لهما بعد مَعْرِفَة اخْتِلافِهما.
(٢٢٥٧) ولو غاب أحَدُ الزَّوْجَيْن ولم يَفْسَخ الوكالةَ .. أمْضَى الحكَمان رَأيَهُما.
(٢٢٥٨) وأيُّهما غُلِبَ على عَقْلِه .. لم يُمْضِ الحَكَمان بَيْنَهُما شَيْئًا حتّى يُفِيقَ ثُمّ يُحْدِثَ الوَكالَةَ.
(٢٢٥٩) وعلى السُّلْطانِ إن لم يَرْضَيا حَكَمَيْن، أن يَأخُذَ لِكُلِّ واحِدٍ منهما مِنْ صاحِبِه ما يَلْزَمُه، ويُؤدِّبَ أيّهُما رَأى إن امْتَنَعَ بقَدْرِ ما يَجِبُ عليه.
وقال في «كتاب الطلاق» من «أحكام القرآن»: «ولو قال قائلٌ: يُجْبِرُهما على الحَكَمَيْن كان مَذْهَبًا»، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا ظاهرُ الآيةِ، والقياسُ ما قال عليٌّ؛ لأنّ اللهَ تعالى جَعَلَ الطلاقّ للأزْواجِ، فلا يَكُونُ إلّا بهم (٣).
(٢٢٦٠) قال الشافعي: ولو اسْتَكْرَهَها على شيءٍ أخَذَه منها على أن
стр. 1227
طَلَّقَها (١)، وأقامَتْ على ذلك بَيِّنَةً .. رَدَّ ما أخَذَ، ولَزِمَه ما طَلَّقَ، وكانتْ له الرَّجْعَةُ (٢).
(٢٣٦)
باب الوجه الذي تحل به الفدية
من الجامع من الكتاب والسنة وغير ذلك
(٢٢٦١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (١).
(٢٢٦٢) وخَرَجَ النبيُّ ﷺ إلى صلاةِ الصُّبْحِ، فوَجَدَ حَبِيبَةَ بنتَ سَهْلٍ عند بابِه، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ هذه؟»، فقالتْ: أنا حبيبةُ بنتُ سَهْلٍ، لا أنا ولا ثابتٌ لزَوْجِها، فلمّا جاء ثابتٌ قال له ﷺ : «هذه حبيبةُ تَذْكُرُ ما شاء الله أنْ تَذْكُرَ»، فقالت حبيبةُ: يا رسولَ الله، كُلُّ ما أعْطاني عندي، فقال رسولُ الله ﷺ : «خُذْ منها»، فأخَذَ منها، وجَلَسَتْ في أهْلِها.
(٢٢٦٣) قال الشافعي: وجُمْلَةُ ذلك أنْ تَكُونَ المرْأةُ المانِعَةُ ما يَجِبُ عليها له المفْتَدِيَةُ تَخْرُجُ مِنْ أن لا تُؤدِّيَ حَقَّه، أو كَراهِيَةً له، فتَحِلُّ الفِدْيَةُ للزَّوْجِ، وهذه مخالِفَةٌ للحالِ التي تَشْتَبِهُ فيها حال الزَّوْجَيْن خَوْفَ الشِّقاقِ (٢).
стр. 1230
(٢٢٦٤) قال: ولو خَرَجَ في بعضِ ما تَمْنَعُه مِنْ الحقِّ إلى أدَبِها بالضَّرْبِ أجَزْتُ ذلك له؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قد أذِنَ لثابتٍ بأخْذِ الفِدْيَةِ مِنْ حبيبةَ وقد نالها بضَرْبٍ، ولم يَقُل: لا تأخُذْ منها إلّا في قُبُلِ عِدَّتِها كما أمَرَ المطَلِّقَ غيرَه.
(٢٢٦٥) ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنّ الخُلْعَ ليس بطَلاقٍ، وعن عثمان ﵁ قال: «هي تَطْلِيقَةٌ إلَّا أن تَكُونَ سَمَّيْتَ شيئًا».
قال المزني: قلت أنا (١): وقد قَطَعَ في «باب الكلام الذي يَقَعُ به الطَّلاقُ» أنّ الخلْعَ طَلاقٌ، فلا يَقَعُ إلّا بما يَقَعُ به الطَّلاقُ أو ما يُشْبِهُه مع إرادَة الطَّلاقِ، فإنْ سَمَّى عَدَدًا أو نَوَى عَدَدًا فهو ما نَوَى.
قال المزني: قلت أنا (٢): وإذا كان الفِراقُ عن تَراضٍ فلا يَكُونُ إلّا بالزَّوْجِ، والعَقْدُ صحيحٌ ليس في أصْلِه عِلَّةٌ، فالقياسُ عندي أنّه طَلاقٌ، وممّا يُؤكِّدُ ذلك قولُ الشافعيّ: «فإنْ قِيلَ: فإذا كان طَلاقًا فاجْعَلْ له الرَّجْعَةَ .. قيل: لمّا أخَذَ مِنْ المطَلَّقَةِ عِوَضًا، وكان مَنْ مَلَكَ عِوَضَ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ مِلْكِه، لم يَكُنْ له رَجْعَةٌ فيما مَلَكَ عليه، فكذلك المخْتَلِعَةُ» (٣).
(٢٢٦٦) قال الشافعي: وإذا حَلَّ له أن يَأكُلَ ما طابَتْ به نَفْسًا على غَيْرِ فِراقٍ، حَلَّ له أن يَأكُلَ ما طابَتْ به نَفْسًا ويَأخُذَ ما الفِراقُ به.
(٢٢٦٧) وقال في «كتاب الإملاء على مسائل مالك»: ولو خَلَعَها تَطْلِيقَةً بدِينارٍ على أنّ له الرَّجْعَةَ، فالطلاقُ لازمٌ، وله الرَّجْعَةُ، والدِّينارُ مَرْدُودٌ، ولا يَمْلِكُه والرَّجْعَةَ معًا، ولا أجِيزُ عليه مِنْ الطّلاقِ إلّا ما أوْقَعَه.
стр. 1231
قال المزني: ليس هذا قياسَ أصْلِه؛ لأنّه يَجْعَلُ النِّكاحَ والخُلْعَ بالبَدَلِ المجْهُولِ والشَّرْطِ الفاسِدِ سواءً، ويَجْعَلُ لها في النِّكاحِ مَهْرَ مِثْلِها، وله عليها في الخُلْعِ مَهْرُ مِثْلِها، ومِن قَوْلِه: لو خَلَعَها بمائةٍ على أنّها متى طَلَبَتْها فهي لها وله الرَّجْعَةُ عليها .. أنّ الخلعَ ثابِتٌ، والشَّرْطَ والمالَ باطلٌ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها، كان أقَلَّ أو أكْثَرَ، فكذلك في القياسِ الخلعُ ثابتٌ، والدينارُ والشَّرْطُ في الرَّجْعَةِ باطلٌ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها، ومِن قَوْلِه: لو خَلَعَ محْجُورًا عليها بمالٍ .. أنّ المالَ يَبْطُلُ، وله الرَّجْعَةُ، وإنْ أراد أن تَكُونَ بائنًا؛ كما لو طَلَّقَها طَلْقَةً بائنًا لم تَكُنْ بائنًا، وكانتْ له الرَّجْعَةُ (١).
قال المزني: قلت أنا (٢): فكذلك إذا طَلَّقَها بدينارٍ على أنّ له الرَّجْعَةَ لم تَكُنْ له رَجْعَةٌ؛ لأنّ حُكْمَ الطّلاقِ بالبَدَلِ بائنٌ لا يُبْطِلُه الشَّرْطُ؛ كما أنّ حُكْمَ طَلْقَةٍ بغَيْرِ بَدَلٍ أنّ له الرَّجْعَةَ لا يُبْطِلُه الشَّرْطُ (٣).
(٢٢٦٨) قال الشافعي: ولا يَلْحَقُ المخْتَلِعَةَ طَلاقٌ وإنْ كانَتْ في العِدَّةِ، وهو قَوْلُ ابنِ عبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ، وقال بعضُ الناسِ: يَلْحَقُها الطلاقُ في العِدَّةِ، واحْتَجَّ ببَعْضِ التّابِعِين، واحْتَجَّ الشافعيُّ عليه مِنْ القرآنِ والإجماعِ بما يَدُلُّ على أنّ الطّلاقَ لا يَلْحَقُها بما ذَكَرَ اللهُ ﵎ بيْنَ
стр. 1232
الزَّوْجَيْن مِنْ اللِّعانِ والظِّهارِ والإيلاءِ والميراثِ والعِدَّةِ بوَفاةِ الزَّوْجِ (١)، فدَلَّتْ خَمْسُ آياتٍ مِنْ كتابِ الله على أنّها ليْسَتْ بزَوْجَةٍ، وإنّما جَعَلَ اللهُ الطّلاقَ يَقَعُ على الزَّوْجَةِ، فخالفَ القرآنَ والأثَرَ والقياسَ، ثُمّ قَوْلُه في ذلك مُتَناقِضٌ، فزَعَمَ إنْ قال لها: «أنتِ خَلِيَّةٌ» أو «بَرِيَّةٌ» أو «بَتَّةٌ» يَنْوِي الطلاقَ، أنّه لا يَلْحَقُها طلاقٌ، وإنْ قال: «كُلُّ امْرأةٍ لي طالقٌ» لا يَنْويها ولا غَيْرَها طَلَقَ نِساؤُه دُونَها، ولو قال لها: «أنتِ طالقٌ» طَلَقَتْ، فكيف يُطَلِّقُ غيرَ امْرَأتِه؟
стр. 1233
(٢٣٧)
باب ما يقع وما لا يقع على امرأته من طلاق (١)
من إباحة الطلاق وما سَمِعتُ منه لفظًا
(٢٢٦٩) قال الشافعي: ولو قال لها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا في كُلِّ سنةٍ واحدةً»، فوَقَعَتْ عليها تَطْلِيقَةٌ، ثُمّ نَكَحَها بعد انْقِضاءِ العِدَّةِ، فجاءَتْ سَنَةٌ وهي تحْتَه .. لم يَقَعْ بها طَلاقٌ؛ لأنّها قد حَلَّتْ منه (٢) وصارَتْ في حالٍ لو أوْقَعَ عليها الطَّلاقَ لم يَقَعْ، وإنّما صارَتْ عِنْدَه بنِكاحٍ جَدِيدٍ، فلا يَقَعُ فيه طَلاقُ نِكاحٍ غَيْرِه.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا أشْبَهُ بأصْلِه مِنْ قولِه: «تَطْلُق كُلَّما جاءتْ سَنَةٌ وهي تحْتَه حتّى يَنْقَضِيَ طلاقُ ذلك المِلْكِ» (٤)، قال المزني: قلت أنا (٥): ولا يَخْلُو قَوْلُه: «أنْتِ طالِقٌ في كُلِّ سَنَةٍ» مِنْ أحَدِ ثلاثةِ مَعانٍ، إمّا أن يُرْيدَ في هَذا النّكاحِ الذي عَقَدتُ فيه الطلاقَ، فقد بَطَلَ وحَدَثَ غيرُه، فكيف يَلْزَمُه؟ وإمّا أن يُرِيدَ في غَيْرِ مِلْكِي، فهذا لا يَذْهَبُ إليه أحَدٌ يَعْقِلُ، وليس بشَيْءٍ، وإمّا أن يُرِيدَ في كُلِّ نِكاحٍ يحْدُثُ، فقَوْلُه: «لا طلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ»، وهذا طلاقٌ قبل نكاحٍ، فتَفَهَّم يرْحَمُك اللهُ.
стр. 1234
(٢٣٨)
باب الطلاق قبل النكاح (١)
من كتاب إملاء على مسائل ابن القاسم، ومن مسائل شتى سَمعتُها لفظًا
(٢٢٧٠) قال الشافعي: ولو قال: «كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها طالقٌ»، أو لامْرأةٍ بعَيْنِها أو لعَبْدٍ: «إنْ مَلَكْتُكَ فأنْتَ حُرٌّ»، فتَزَوَّجَ أو مَلَكَ .. لم يَلْزَمْه شَيْءٌ؛ لأنّ الكلامَ الذي له الحكْمُ كان وهو غيرُ مالِكٍ (٢)، فبَطَلَ، ولو قال لامْرأةٍ لا يَمْلِكُها (٣): «أنتِ طالقٌ السّاعةَ» لم تَطْلُقْ، فهي بعد مُدَّةٍ أبْعَدُ، فإذا لم يَعْمَل القَوِيُّ كان الضَّعِيفُ أوْلى أن لا يَعْمَلَ.
قال المزني: قلت أنا (٤): وأجْمَعُوا أنّه لا سَبِيلَ إلى طَلاقِ مَنْ لم أمْلِكْ؛ للسُّنَّة المجْتَمَعِ عليها، فهي مِنْ أنْ تَطْلُقَ ببِدْعَةٍ أو على صِفَةٍ أبْعَدُ (٥).
стр. 1235
(٢٣٩)
باب مخاطبة المرأة بما يلزمها من الخلع وما لا يلزمها
من كتاب النكاح والطلاق إملاء على مسائل ابن القاسم (١)(٢٢٧١) قال الشافعي: ولو قالتْ له امرأتُه (٢): «إنْ طَلَّقْتَنِي ثلاثًا فلك عليّ مائةُ درهمٍ» .. فهو كقَوْلِ الرَّجُلِ: «بِعْنِي ثَوْبَك هذا بمائةِ درهمٍ»، فإنْ طلَّقَها ثلاثًا فله المائةُ.
(٢٢٧٢) ولو قالتْ له: «اخْلَعْنِي أو بِتَّنِي أو أبِنِّي أو أبْرِئْنِي أو ابْرَأ منِّي أو بارِئْنِي ولك عليَّ ألْفُ درهمٍ (٣)»، وهي تُرِيدُ الطلاقَ، فطَلَّقَها .. فله ما سَمَّتْ له.
(٢٢٧٣) ولو قالتْ له: «اخْلَعْنِي على ألْفٍ» .. كانتْ له الألْفُ ما لم يَتَناكَرا (٤)، فإنْ قالتْ: «على ألْفٍ ضَمِنَها لك غَيْرِي»، أو «على ألفِ
стр. 1236
فلس»، فأنْكَرَ .. تَحَالَفا، وكان له عليها مَهْرُ مِثْلِها.
(٢٢٧٤) ولو قالتْ له: «طَلِّقْنِي ولك عليَّ ألْفُ درهمٍ»، فقال: «أنتِ طالقٌ على ألْفٍ إنْ شِئتِ» .. فلها المشِيئَةُ وَقْتَ الخِيارِ، فإنْ أعْطَتْه إيّاها في وَقْتِ الخِيارِ لَزِمَه الطلاقُ، وسواءٌ هَرَبَ الزَّوْجُ أو غابَ حتّى مَضَى وَقْتُ الخيارِ، أو أبْطَأتْ هي بالألْفِ (١).
(٢٢٧٥) ولو قال لها: «أنتِ طالقٌ إنْ أعْطَيْتِنِي ألفَ درهمٍ»، فأعْطَتْه إيّاها زائدةً .. فعليه طَلْقَةٌ؛ لأنّها أعْطَتْه ألْفَ دِرْهَمٍ وزيادَةً، ولو أعْطَتْه إيّاها
стр. 1237
رَدِيَّةً .. فإنْ كانَتْ فِضَّةً يَقَعُ عليها اسْمُ «دَراهِمُ» طَلَقَتْ وكان عليها بَدَلُها، وإن لم يَقَعْ عليها اسْمُ «دَراهِمُ» لم تَطْلُقْ.
(٢٢٧٦) ولو قال: «متى - أو: متى ما - أعْطَيْتِنِي ألْفًا فأنتِ طالقٌ» .. فذلك لها، وليس له أن يَمْتَنِعَ مِنْ أخْذِها، ولا لها إذا أعْطَتْه أن تَرْجِعَ فيها.
(٢٢٧٧) ولو قالتْ له: «طَلِّقْنِي ثلاثًا ولك ألفُ درهمٍ»، فطَلَّقَها واحدةً .. فله ثُلُثُ الألْفِ، وإنْ طَلَّقَها ثلاثًا فله الألْفُ، ولو لم يَكُنْ بَقِيَ عليها إلّا طَلْقَةٌ، فطَلَّقَها واحدةً .. كانتْ له الألْفُ؛ لأنّها قامَتْ مَقامَ الثَّلاثِ في أنّها تُحَرِّمُها حتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه.
قال المزني: قلت أنا (١): قياسُ قولِه ما حَرَّمَها إلّا الأُولَيان مع الثّالِثَةِ؛ كما لم يُسْكِرْه في قولِه إلّا القَدَحانِ مع الثالثِ، وكما لم يُعْمِ الأعْوَرَ المفْقُوءَةَ عَيْنُه الباقِيَةُ عنده إلّا الفَقْءُ الأوَّلُ مع الفَقْءِ الآخِرِ، وأنّه ليس على الفاقِئ الآخِر عِنْدَه إلّا نِصْفُ الدِّيَةِ، فكذلك يَلْزَمُه أن يَقُولَ: لم يُحَرِّمْها عليه حتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه إلّا الأُولَيان مع الثالثةِ، فليس عليها إلّا ثُلُثُ الألْفِ بالطَّلْقَةِ الثالثةِ في مَعْنَى قولِه (٢).
стр. 1238
(٢٢٧٨) قال الشافعي: ولو قالتْ له: «طَلِّقْنِي واحدةً بألْفٍ»، فطَلَّقَها ثلاثًا .. كانتْ له الألْفُ، وكان مُتَطَوِّعًا بالاثْنَتَيْن.
(٢٢٧٩) ولو بَقِيَتْ له عليها طَلْقَةٌ، فقالتْ: «طَلِّقْنِي ثلاثًا بألْفٍ، واحدةً أحْرُم بها عليك، واثْنَتَيْن إن نكَحْتَنِي بعد زَوْجٍ» .. فله مَهْرُ مِثْلِها إذا طَلَّقَها كما قالتْ.
(٢٢٨٠) ولو طَلَّقَها (١) على أنْ تَكْفُلَ وَلَدَه عَشْرَ سِنِينَ .. فجائزٌ إن اشْتَرَطَ إذا مَضَى الحوْلان نَفَقَتَه بَعْدَهما في كُلّ شَهْرٍ كذا قَمْحٌ وكذا زَيْتٌ (٢)، فإنْ كَفَى، وإلّا رَجَعَتْ عليه بما يَكْفِيه، وإن مات رَجَعَ عليها بما بَقِيَ.
(٢٢٨١) ولو قال: «أمْرُكِ بيَدِكِ، فطَلِّقِي (٣) نَفْسَكِ إنْ ضَمِنْتِ لي ألْفَ درهمٍ»، فضَمِنَتْها في وَقْتِ الخِيارِ لَزِمَها، ولا يَلْزَمُها في غيرِ وَقْتِ الخِيارِ؛ كما لو جَعَلَ أمْرَها إلَيْها، لم يَجُزْ إلّا في وَقْتِ الخِيارِ.
(٢٢٨٢) ولو قال: «إنْ أعْطَيْتِنِي عَبْدًا فأنْتِ طالقٌ»، فأعْطَتْه أيَّ عَبْدٍ ما كان .. فهي طالقٌ، ولا يَمْلِكُ العَبْدَ، وإنّما يَقَعُ في هذا الموْضِعِ بما يَقَعُ به الحِنْثُ.
قال المزني: قلت أنا (٤): ليس هذا قياسَ قولِه؛ لأنّ هذا في مَعْنَى العِوَضِ، قال المزني: وقد قال في هذا الباب [ف: ٢٢٧٦]: «متى -
стр. 1239
أو: متى ما - أعْطَيْتِني ألَفَ دِرْهَمٍ فأنتِ طالقٌ، فذلك لها، وليس له أن يَمْتَنِع مِنْ أخْذِها، ولا لها إذا أعْطَتْه أن تَرْجِعَ فيها»، والدراهمُ والعبدُ سواءٌ، غيرَ أنّ العبدَ مجهولٌ، فيَكُونُ له عليها مَهْرُ مِثْلِها، وقد قال: «لو قال لها: (إنْ أعْطَيْتِينِي شاةً مَيِّتَةً، أو خنزيرًا، أو زِقَّ خَمْرٍ، فأنتِ طالقٌ)، ففَعَلَتْ .. طَلَقَتْ، ويَرْجِعُ عليها بمَهْرِ مِثْلِها» (١).
(٢٢٨٣) قال الشافعي: ولو طلَّقَها بعَبْدٍ بعَيْنِه، ثُمّ أصابَ به عَيْبًا .. رَدَّه، وكان له عليها مَهْرُ مِثْلِها.
(٢٢٨٤) ولو قال: «أنتِ طالقٌ وعليكِ ألْفُ درهمٍ» .. فهي طالقٌ، ولا شيءَ عليها، وهذا مثلُ قولِه: «أنتِ طالقٌ وعليكِ حَجٌّ»، ولو تَصادَقا أنّها سَألَتْه الطلاقَ، فطَلَّقَها على ذلك .. كان الطَّلاقُ بائنًا.
(٢٢٨٥) ولو خَلَعَها على ثَوْبٍ على أنّه مَرْوِيٌّ، فإذا هو هَرَوِيٌّ، فرَدَّه .. كان له عليها مَهْرُ مِثْلِها، والخُلعُ فيما وَصَفْتُ كالبيعِ المسْتَهْلَكِ.
(٢٢٨٦) ولو خالَعَها على أن تُرْضِعَ وَلَدَه وَقْتًا مَعْلومًا، فماتَ الموْلُودُ .. فإنّه يَرْجِعُ بمَهْرِ مِثْلِها؛ لأنّ المرأةَ تُدِرُّ على الموْلُودِ ولا تُدِرُّ على غَيْرِه، ويَقْبَلُ ثَدْيَها ولا يَقْبَلُ غَيْرَه، ويَتَرَأَّمُها فيَسْتَمْرِيه ولا يَسْتَمْرِيه مِنْ غَيْرِها ولا يَتَرَأَّمُه ولا يَطِيبُ نَفْسًا (٢).
قال المزني: (يترأمه): يستلذ رضاعه، و (يترأمها): يستلذ الرضاع منها (٣).
стр. 1240
(٢٢٨٧) ولو قال له أبو امْرَأتِه: «طَلِّقْها وأنتَ بَرِيءٌ مِنْ صَداقِها»، فطَلَّقَها .. طَلَقَتْ، ومَهْرُها عليه، ولا يَرْجِعُ على الأبِ بشَيْءٍ؛ لأنّه لم يَضْمَنْ له شَيْئًا، وله عليها الرَّجْعَةُ.
(٢٢٨٨) ولو أخَذَ منها ألْفًا على أن يُطَلِّقَها إلى شَهْرٍ .. فالطلاقُ ثابِتٌ، ولها الألْفُ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها.
(٢٢٨٩) ولو قالتا له: «طَلِّقْنا بألْفٍ»، ثُمّ ارْتَدَّتا، فطَلَّقَهُما بعد الرِّدَّة .. وَقَفَ الطلاقُ، فإن رجَعَتا في العِدَّةِ لَزِمَهُما، والعِدَّةُ مِنْ يومِ الطّلاقِ، وإن لم تَرْجِعا حتّى انْقَضَت العِدَّةُ لم يَلْزَمْهما شَيْءٌ.
(٢٢٩٠) ولو قال لهما: «أنْتُما طالقان إنْ شِئتُما بألْفٍ» .. لم تَطْلُقا ولا واحدةٌ منهما حتّى تَشاءا معًا في وَقْتِ الخِيارِ.
(٢٢٩١) ولو كانتْ إحْداهُما محْجُورًا عليها وَقَعَ الطّلاقُ عليهما، وطَلاقُ غيرِ المحْجُورِ عليها بائِنٌ، وعليها مَهْرُ مِثْلِها، ولا شَيْءَ على الأخْرَى، ويَمْلِكُ رَجْعَتَها.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا عندي (٢) يَقْضِي على فَسادِ تجْوِيزِه مَهْرَ أرْبَعٍ في عُقْدَةٍ بألْفٍ؛ لأنّه لا فَرْقَ بيْنَ مَهْرِ أرْبَعٍ في عُقْدَةٍ بألْفٍ، وخَلْعِ أرْبَعٍ في عُقْدَةٍ بألْفٍ، فإذا أفْسَدَه في إحْداهُما للجَهْلِ بما يُصِيبُ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنّ .. فَسَدَ في الأخْرَى، ولكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُنّ وعَلَيْها مَهْرُ مِثْلِها (٣).
(٢٢٩٢) قال الشافعي: ولو قال له أجْنَبِيٌّ: «طَلِّقْ فُلانَةَ على أنّ لك عليَّ ألفَ درهمٍ»، ففَعَلَ .. فالألْفُ له لازمةٌ.
стр. 1241
(٢٢٩٣) ولا يَجُوزُ ما اخْتَلَعَتْ به الأمَةُ إلّا بإذْنِ سَيِّدِها، ولا المكاتَبَةُ ولو أذِنَ لها سَيِّدُها؛ لأنّه ليس بمالٍ لسَيِّدٍ فيَجُوزَ إذْنُه فيه، ولا لها فيَجُوزَ ما صَنَعَتْ في مالها، وطَلاقُهُما بذلك بائنٌ، فإذا أعْتِقَتا اتَّبَعَ كُلَّ واحدةٍ منهما بمَهْرِ مِثْلِها؛ كما لا أحْكُمُ (١) على المفْلِسِ حتّى يُوسِرَ.
(٢٢٩٤) وإذا أجَزْتُ طَلاقَ السَّفِيهِ بلا شَيْءٍ كان ما أخَذَ عليه جُعْلًا أوْلَى، ولوَلِيِّه أن يَلِيَ عليه ما أخَذَ بالخُلْعِ؛ لأنّه مالٌ له، وما أخَذَ العَبْدُ بالخلعِ فهو للسَّيِّدِ، فإن اسْتَهْلَكَا ما أخَذَا رَجَعَ الوَلِيّ والسَّيِّدُ على المخْتَلِعَةِ مِنْ قِبَلِ أنّه حَقٌّ لَزِمَها فدَفَعَتْه إلى مَنْ لا يَجُوزُ لها دَفْعُه إليه.
(٢٢٩٥) ولو اخْتَلَفا فهو كاخْتِلافِ المتَبايِعَيْن، فإنْ قالتْ: «خَلَعْتَنِي بألْفٍ»، وقال: «بل بألْفَيْن»، أو قالت: «على أن تُطَلِّقَنِي ثلاثًا، فطَلَّقْتَنِي واحدةً» .. تحالَفا، وله صَداقُ مِثْلِها، ولا يُرَدُّ الطلاقُ، ولا يَلْزَمُه منه إلّا ما أقَرَّ به، ولو قال: «طَلَّقْتُكِ بألفٍ»، وقالت: «بل على غيرِ شَيْءٍ» .. فهو مُقِرٌّ بطَلاقٍ لا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ، فيَلْزَمُه، ومُدَّعٍ ما لا يَمْلِكُه بدَعْواه.
(٢٢٩٦) ويَجُوزُ الوَكيلُ في الخلعِ، حُرًّا كان، أو عَبْدًا، أو مَحْجُورًا عليه، أو ذِمِّيًّا.
(٢٢٩٧) فإنْ خَلَعَ عنها بما لا يَجُوزُ .. فالطّلاقُ لا يُرَدُّ، وهو كشيءٍ اشْتَراه لها فقَبَضَتْه فاسْتَهْلَكَتْه، فعَلَيْها قِيمَتُه، ولا شيءَ على الوكيلِ إلّا أن يَكُونَ ضَمِنَ ذلك له.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي ليس بشيءٍ، الخلعُ عنده كالبيعِ في أكْثَرِ مَعانِيه، وإذا باع الوكيلُ ما وَكَّلَه به صاحِبُه بما لا يَجُوزُ مِنْ الثَّمَنِ
стр. 1242
بَطَلَ البَيْعُ عنده عنه (١)، فكذلك لمّا طَلَّقَها عليه بما لا يَجُوزُ مِنْ البَدَلِ، بَطَلَ الطلاقُ عنه كما بَطَلَ البَيْعُ عنه (٢).
(٢٢٩٨) قال الشافعي: ولو وَكَّلَ مَنْ يُخالِعُها بمائةٍ، فخالَعَها عنه بخَمْسِين .. فلا طَلاقَ عليه؛ كما لو قال: «أنتِ طالقٌ بمائةٍ»، فأعْطَتْه خَمْسِينَ.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا بيانٌ لما قُلْتُ في المسألة قَبْلَها.
стр. 1243
(٢٤٠)
باب الخلع في المرض
من كتاب نشوز الرجل على المرأة
(٢٢٩٩) قال الشافعي: ويَجُوزُ الخلعُ في المرَضِ كما يَجُوزُ البيعُ، فإنْ كان الزَّوْجُ هو المريضَ، فخالَعَها بأقَلَّ مِنْ مَهْرِها، ثُمّ ماتَ .. فجائزٌ؛ لأنّ له أن يُطَلِّقَ بغَيْرِ شَيْءٍ، وإنْ كانتْ هي المريضةَ، فخالَعَتْه بأكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِها، ثُمّ ماتَتْ مِنْ مَرَضِها .. جاز له مَهْرُ مِثْلِها، وكان الفَضْلُ وَصِيَّةً يُحاصُّ أهْلُ الوَصايا بها في ثُلُثِها.
(٢٣٠٠) ولو كان خَلَعَها بعَبْدٍ يَسْوَى مائةً (١)، ومَهْرُ مِثْلِها خمسُونَ .. فهو بالخيارِ، إنْ شاء أخَذَ نِصْفَ العَبْدِ ونِصْفَ مَهْرِ مِثْلِها، أو يَرُدُّ ويَرْجِعُ بمَهْرِ مِثْلِها؛ كما لو اشْتَراه فاسْتَحَقَّ نِصْفَه.
قال المزني: قلت أنا (٢): ليس هذا عندي بشيءٍ، ولكن له مِنْ العبدِ مَهْرُ مِثْلِها، وما بَقِيَ مِنْ العَبْدِ بعد مَهْرِ مِثلِها وَصِيَّةٌ له إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، فإن لم يَخْرُجْ ما بَقِيَ مِنْ العَبْدِ مِنْ الثُّلُثِ ولم يَكُنْ لها غَيْرُه فهو بالخيارِ، إنْ شاء قَبِلَ وَصِيَّتَه، وهو الثُّلُثُ مِنْ نِصْفِ العَبْدِ، وكان ما بَقِيَ للوَرَثَةِ، وإنْ شاء رَدَّ العَبْدَ وأخَذَ مَهْرَ مِثْلِها؛ لأنّه إذا صار في العَبْدِ شِرْكٌ لغَيْرِه، فهو عَيْبٌ يَكُونُ فيه الخيارُ (٣).
стр. 1244
(٢٤١)
باب خُلْع المشركين
من كتاب نشوز الرجل على المرأة
(٢٣٠١) قال الشافعي: وإن اخْتَلَعَت الذِّمِّيَّةُ بخَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ فدَفَعَتْه، ثُمّ تَرافَعا إلينا .. أجَزْنا الخلْعَ والقَبْضَ، ولو لم تَكُنْ دَفَعَتْه .. جَعَلْنا له عليها مَهْرَ مِثْلِها، وهكذا أهْلُ الحرْبِ، إلّا أنَّا لا نَحْكُمُ عليهم حتّى يَجْتَمِعُوا على الرِّضا، ونَحْكُمُ على الذِّمِّيَّينِ إذا جاءنا أحَدُهما (١).
стр. 1245
[٤١]
كتاب الطلاق
стр. 1246
(٢٤٢)
باب إباحة الطلاق ووجهه وتفريعه
من الجامع من كتاب أحكام القرآن، ومن كتاب إباحة الطلاق
ومن جماع عشرة النساء وغير ذلك (١)(٢٣٠٢) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وقُرِئتْ: ﴿لقُبُلِ عِدَّتِهنّ﴾، قال (٢): والمعنى واحدٌ.
(٢٣٠٣) وطَلَّقَ ابنُ عمرَ امْرَأتَه وهي حائضٌ في زمان النبي ﷺ ، قال عمرُ: فسَألْتُ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمّ ليُمْسِكْها حتّى تَطْهُرَ ثُمّ تَحِيضَ ثُمّ تَطْهُرَ، ثُمّ إن شاء أمْسَكَ بَعْدُ، وإنْ شاء طَلَّقَ، فتِلْكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطَلَّقَ لها النساءُ»، قال: وقد رَوَى هذا الحديثَ سالمٌ وابنُ سِيرينَ ويُونُسُ بنُ جُبَيْرٍ (٣) يخالِفُون نافِعًا في شيءٍ منه، قالوا كُلُّهُم عن ابنِ عُمرَ: إنّ (٤) النبيَّ ﷺ قال: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمّ ليُمْسِكْها حتّى تَحِيضَ ثُمّ تَطْهُرَ، ثُمّ إنْ شاء بَعْدُ طَلَّقَ (٥)، وإنْ شاء أمْسَكَ»، ولم يقولوا: «ثم تحيض ثم تطهر».
стр. 1247
[قال المزني: يَنْبَغِي عندي أن يكون: «حتّى تَطْهُرَ، ثُمّ إنْ شاء طَلَّقَ بَعْدُ، وإنْ شاء أمْسَكَ» (١).
(٢٣٠٤) قال [الشافعي]: وفي ذلك دليلٌ أنّ الطلاقَ يَقَعُ على الحائضِ (٢)؛ لأنّ النبيّ ﷺ لم يَأمُرْ بالمراجَعَةِ إلّا مَنْ لَزِمَه الطلاقُ.
(٢٣٠٥) قال: فأحِبُّ أن يُطَلِّقَ واحدةً؛ لتكُونَ له الرَّجْعَةُ للمدْخُولِ بها، وخاطِبًا لغيرِ المدْخُولِ بها، ولا يَحْرُمُ عليه أن يُطَلِّقَها ثلاثًا؛ لأنّ اللهَ ﵎ أباحَ الطلاقَ، فليس بمَحْظُورٍ، وعَلَّمَ النبيُّ ﷺ ابنَ عمرَ مَوْضِعَ الطلاقِ، فلو كان في عَدَدِه محْظُورٌ ومباحٌ لعَلَّمَه إيّاه إن شاء الله، وطَلَّقَ العَجْلانيُّ بين يَدَيْ رسول الله ﷺ ثلاثًا فلم يُنْكِرْه عليه، وسَألَ النبيُّ ﵇ رُكانَةَ لمّا طَلَّقَ امْرَأتَه ألْبَتَّةَ: ما أراد؟ ولم يَنْهَه أن يُرِيدَ أكْثَرَ مِنْ واحدةٍ.
(٢٣٠٦) قال الشافعي: ولو طَلَّقَها طاهرًا بعد جِماعٍ (٣) .. أحْبَبْتُ أن يرْتَجِعَها، ثُمّ يُمْهِلَ ليُطَلِّقَ كما أمِرَ، وإنْ كانَتْ في طُهْرٍ بعد جِماعٍ .. فإنّها تَعْتَدُّ به.
(٢٣٠٧) قال: ولو لم يَدْخُلْ بها، أو دَخَلَ بها وكانَتْ حامِلًا أو لا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أو كِبَرٍ، فقال لها: «أنتِ طالقٌ للسُّنَّة أو للبِدْعَةِ (٤)» .. طَلَقَتْ مَكانَها؛ لأنّه لا سُنَّةَ في طَلاقِها ولا بِدْعَةَ (٥).
قال المزني: لا طَلاقَ سُنَّةٍ في الحامِلِ وغَيْرِها (٦).
стр. 1248
(٢٣٠٨) [قال الشافعي:] وإنْ كانَتْ تَحِيضُ، فقال: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ» .. فإنْ كانَتْ طاهِرًا مِنْ غيرِ جِماعٍ طَلَقَتْ ثلاثًا مَعًا، وإنْ كانَتْ مُجامَعَةً أو حائضًا أو نُفَساءَ وَقَعَ عليها الطلاقُ حين تَطْهُرُ مِنْ الحيضِ أو النِّفاسِ، وحين تَطْهُرُ المجامَعَةُ مِنْ أوَّلِ حَيْضٍ بعد قَوْلِه وقَبْلَ الغُسْلِ.
(٢٣٠٩) وإنْ قال: نَوَيْتُ أن تَقَعْنَ في كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةٌ .. وَقَعْنَ مَعًا في الحُكْمِ، وعلى ما نَوَى فيما بَيْنَه وبَيْنَ الله، ولو كان قال: «في كُلِّ قُرْءٍ واحدةٌ» .. فإنْ كانَتْ طاهرًا حُبْلَى وَقَعَت الأُولَى ولم تَقَع الثِّنْتانِ، كانَتْ تَحِيضُ على الحَبَلِ أو لا تَحِيضُ حتّى تَلِدَ ثُمّ تَطْهُرَ، فإن لم يُحْدِثْ لها رَجْعَةً حتّى تَلِدَ بانَتْ بانْقِضاءِ العِدَّةِ، ولم تَقَعْ عليها غيرُ الأُولَى.
(٢٣١٠) ولو قال لامْرَأتِه: «أنْتِ طالقٌ ثلاثًا، بَعْضُهُنّ للسُّنَّةِ، وبَعْضُهُنّ للبدعةِ» .. وَقَعَت اثْنَتانِ في أيّ الحالَيْنِ كانَتْ، والأخْرَى إذا صارَتْ في الحالِ الأُخْرَى.
قال المزني: قلت أنا (١): أشْبَهُ بمَذْهَبِه عندي أنّ قَوْلَه: «بَعْضُهُنّ» يَحْتَمِلُ واحدةً، فلا يَقَعُ غَيْرُها، أو اثْنَتَيْن، فلا يَقَعُ غَيْرُهما، أو مِنْ كُلِّ واحدةٍ بَعْضُها (٢)، فيَقَعُ عليها بذلك ثلاثٌ (٣)، فلمّا أنْ كان الشَّكُّ كان القَوْلُ قَوْلَه مع يَمِينِه ما أراد بـ «بَعْضُهُنّ» في الحالِ الأُولَى إلّا واحدةً، و (بَعْضُهُنّ) الباقي في الحال الثّانيةِ، فالأقَلُّ يَقِينٌ، وما زاد شَكٌّ، وهو لا يَسْتَعْمِلُ الحُكْمَ بالشَّكِّ في الطلاقِ (٤).
стр. 1249
(٢٣١١) قال الشافعي: ولو قال: «أنتِ طالقٌ أعْدَلَ أو أحْسَنَ أو أكْمَلَ» أو ما أشْبَهَه .. سألْتُه عن نِيَّتِه، فإن لم يَنْوِ شيئًا وَقَعَ الطلاقُ للسُّنَّةِ، ولو قال: «أقْبَحَ أو أسْمَجَ أو أفْحَشَ» أو ما أشْبَهه .. سألْتُه عن نِيَّتِه، فإن لم يَنْوِ شيئًا وَقَعَ الطلاقُ للبدعةِ، ولو قال: «أنتِ طالقٌ واحدةً حَسَنَةً قَبِيحَةً أو جَمِيلَةً فاحِشَةً» .. طَلَقَتْ حين تَكَلَّم.
(٢٣١٢) ولو قال: «أنتِ طالقٌ إذا قَدِمَ فلانٌ للسّنَّةِ»، فقَدِمَ .. فهي طالقٌ للسُّنَّةِ.
(٢٣١٣) ولو قال: «أنتِ طالقٌ لفلانٍ أو لِرِضا فلانٍ» .. طَلَقَتْ مَكانَه.
(٢٣١٤) ولو قال: «إن لم تَكُونِي حاملًا فأنتِ طالقٌ» .. وُقِفَ عنها حتّى تَمُرَّ بها (١) دَلالَةٌ على البراءةِ مِنْ الحَمْلِ (٢).
стр. 1250
(٢٣١٥) ولو قالتْ له: «طَلِّقْنِي»، فقال: «كُلُّ امْرأةٍ لي طالقٌ» .. طَلَقَت امْرأتُه التي سألَتْه، إلّا أن يَكُونَ عَزَلها بنِيَّتِه (١).
стр. 1251
(٢٤٣)
باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع إلا بالنية (١)
من الجامع من كتاب الرجعة، ومن كتاب الطلاق
ومن إملاء على مسائل مالك وغير ذلك (٢)(٢٣١٦) قال الشافعي: ذَكَر اللهُ ﵎ الطلاقَ في كتابِه بثلاثةِ أسْماءٍ: «الطلاقُ، والفِراقُ، والسَّراحُ» (٣).
(٢٣١٧) فإنْ قال: «أنتِ طالقٌ، أو طَلَّقْتُكِ، أو فارَقْتُكِ، أو سَرَّحْتُكِ» .. لَزِمَه الطلاقُ، ولم يَنْوِ في الحُكْمِ، ويَنْوِي فيما بَيْنَه وبَيْنَ اللهِ؛ لأنّه قد يُرِيدُ طَلاقًا مِنْ وَثاقٍ؛ كما لو قال لعَبْدِه: «أنْتَ حُرٌّ» يُرِيدُ: حُرَّ النفسِ، ولا يَسَعُ امْرَأتَه وعَبْدَه أن يَقْبَلا منه، وسواءٌ كان ذلك عند غَضَبٍ أو مَسْألَةِ طلاقٍ أو رِضا، وقد يَكُونُ السَّبَبُ ويَحْدُثُ كلامٌ على غيرِ السَّبَبِ.
(٢٣١٨) فإنْ قال: «قد فارَقْتُكِ مسافِرًا إلى المسجدِ»، أو: «سَرَّحْتُكِ إلى أهْلِكِ»، أو: «قد طَلَّقْتُكِ مِنْ وَثاقٍ (٤)»، أو ما أشْبَهَ هذا .. لم يَكُنْ
стр. 1252
طلاقًا، فإنْ قيل: فقد يَكُونُ هذا طلاقًا فنَدِمَ فأتْبَعَها كلامًا يَخْرُجُ به منه .. قيل: فقد يَقُولُ: «لا إلهَ إلّا اللهُ»، فيَكُونُ مُؤمِنًا، يُبِينُ آخِرُ الكَلامِ عن أوَّلِه، ولو أفْرَدَ «لا إلهَ» كان كافرًا.
(٢٣١٩) قال: ولو قال: «أنْتِ خَلِيَّةٌ، أو بَرِيَّةٌ، أو بائنٌ، أو بَتَّةٌ، أو حَرامٌ (١)»، أو ما أشْبَهَه .. فإنْ قال: (قُلْتُه ولا أنْوِي طلاقًا، وأنا أنْوِي به السّاعَةَ طلاقًا) لم يَكُنْ طلاقًا حتّى يَبْتَدِئه ونِيَّتُه الطلاقُ وما أرادَ مِنْ عَدَدِه.
(٢٣٢٠) ولو قال: «أنْتِ حُرَّةٌ» يُرِيدُ الطلاقَ، ولأمَتِه: «أنْتِ طالقٌ» يُرِيدُ العِتْقَ .. لَزِمَه ذلك.
(٢٣٢١) ولو قال: «أنْتِ طالقٌ واحدةً بائنًا» كانَتْ واحدةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ؛ لأنّ اللهَ حَكَمَ في الواحدةِ والثِّنْتَيْن بالرَّجْعَةِ؛ كما لو قال لعَبْدِه: «أنْتَ حُرٌّ، ولا وَلاءَ لي عليك (٢)» كان حُرًّا وله الوَلاءُ، جَعَلَ رسولُ الله ﷺ الوَلاءَ لمَنْ أعْتَقَ؛ كما جَعَل اللهُ ﵎ الرَّجْعَةَ لمَنْ طَلَّقَ واحدةً واثْنَتَيْن، وطَلَّقَ رُكانَةُ امْرَأتَه الْبَتَّةَ، فأحْلَفَه النبيُّ ﷺ : ما أراد إلّا واحدةً، ورَدَّها عليه، وطَلَّقَ المطَّلِبُ بنُ حَنْطَبٍ امْرأتَه الْبَتَّةَ، فقال له عمرُ: «أمْسِكْ عليك امْرَأتَك؛ فإنّ الواحدَةَ تَبُتُّ (٣)»، وقال عليٌّ لرَجُلٍ قال لامْرأتِه: «حَبْلُكِ على غارِبِكِ (٤)»: «ما أرَدْتَ؟»، وقال شريح: «أمّا الطّلاقُ فسُنَّةٌ،