(٢٥٠)
باب الإيلاء من نسوة
(٢٤٠٦) قال الشافعي: وإذا قال لأرْبَعِ نِسْوَةٍ له: «والله لا أقْرَبُكُنَّ» .. فهو مُولٍ منهنَّ كُلِّهِنَّ، يُوقَفُ لكُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ، فإذا أصاب واحدةً أو اثْنَتَيْن خَرَجَتا مِنْ حُكْمِ الإيلاءِ، ويُوقَفُ للباقِيَتَيْن حتّى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ، ولا حِنْثَ عليه حتّى يُصِيبَ الأرْبَعَ اللائي حَلَفَ عليهنَّ كُلَّهُنَّ، ولو طَلَّقَ منهنَّ ثلاثًا كان مُولِيًا في الباقيةِ؛ لأنّه لو جامَعَها واللائي طَلَّقَ حَنِثَ، ولو ماتَتْ إحْداهُنّ سَقَطَ عنه الإيلاءُ؛ لأنّه يجامِعُ البَوَاقِيَ ولا يحْنَثُ.
قال المزني: قلت أنا (١): أصْلُ قَوْلِه أنَّ كُلَّ يَمِينٍ مَنَعَت الجماعَ بكُلِّ حالٍ فهو بها مُولٍ، وقد زَعَمَ أنّه مُولٍ مِنْ الرّابِعَةِ الباقيةِ، ولو وَطِئَها وَحْدَها ما حَنِثَ، فكَيْفَ يَكُونُ منها مُولِيًا؟ ثُمّ بَيَّنَ ذلك بقولِه: «لو ماتَتْ إحْداهُنّ سَقَطَ عنه الإيلاءُ»، فالقياسُ أنّه لا إيلاءَ عليه حتّى يَطَأَ ثلاثًا، فيَكُونُ مُولِيًا مِنْ الرابعةِ؛ لأنّه لا يَقْدِرُ أن يَطأَها إلّا حَنِثَ، وهذا بقَوْلِه أوْلَى (٢).
стр. 1284
(٢٤٠٨) قال الشافعي: ولو كان قال: «والله لا أقْرَبُ واحدةً مِنْكُنَّ» وهو يُرِيدُهُنَّ كُلَّهُنَّ .. فهو مُولٍ، يُوقَفُ لهنَّ، وأيَّ (١) واحدةٍ أصاب منهُنَّ خَرَجَ مِنْ الإيلاءِ في البَواقِي؛ لأنّه حَنِثَ بإصابةِ الواحدةِ، فإذا حَنِثَ مَرَّةً لم يَعُد الحِنْثُ عليه إلّا بالإيلاءِ ثانيةً.
стр. 1285
(٢٥١)
باب على من يجب التوقيت في الإيلاء، وعمَّن يسقط
(٢٤٠٩) قال الشافعي: لا تَعَرَّضُ للمُولِي ولا لامْرَأتِه حتّى تَطْلُبَ الوَقْفَ بعد أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فإمّا أن يَفِيءَ، وإمّا أن يُطَلِّقَ.
(٢٤١٠) ولو عَفَتْ ذلك ثُمّ طَلَبَتْه كان ذلك لها؛ لأنّها تَرَكَتْ ما لم يَجِبْ لها في حالٍ دُون حالٍ.
(٢٤١١) وليس ذلك لسَيِّدِ الأمَةِ ولا لوَلِيِّ مَعْتُوهَةٍ.
(٢٤١٢) ومَن حَلَفَ على أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فلا إيلاءَ؛ لأنّها تَنْقَضِي وهو خارجٌ مِنْ اليَمِينِ.
(٢٤١٣) قال: ولو حَلَفَ بطلاقِ امْرَأتِه لا يَقْرَبُ امْرَأةً له أخْرَى، ثُمّ بانَتْ منه، ثُمّ نَكَحَها .. فهو مُولٍ.
قال المزني: وقلت أنا (١): وقال في موضع آخر (٢): «لو آلى منها، ثُمّ طَلَّقَها فانْقَضَتْ عِدَّتُها (٣)، ثُمّ نَكَحَها نِكاحًا جَدِيدًا .. سَقَطَ عنه حُكْمُ الإيلاءِ»، [وإنّما سَقَطَ عنه حُكْمُ الإيلاءِ (٤) لأنّها صارَتْ في حالٍ لو طَلَّقَها لم يَقَعْ طَلاقُه عليها، ولو جاز أن تَبِينَ امْرَأة المولي حتّى تَصِيرَ أمْلَكَ بنَفْسِها منه ثُمّ يَنْكِحَها فيَعُودَ حُكْمُ الإيلاءِ، جاز هذا بعد ثَلاثٍ وزَوْجٍ غيرِه؛ لأنّ اليَمِينَ قائمةٌ بعَيْنِها في امْرَأةٍ بعَيْنِها، يُكَفِّرُ إنْ أصابَها، كما كانَتْ قائِمَةً قَبْل التَّزْوِيجِ، وهكذا الظهارُ مِثْلُ الإيلاءِ.
стр. 1286
قال الشافعي: «ولو آلى مِنْ امْرَأتِه الأمَةِ ثُمّ اشْتَرَاها فخَرَجَتْ مِنْ مِلْكِه ثُمّ تَزَوَّجَها، أو العَبْدُ مِنْ حُرَّةٍ ثُمّ اشْتَرَتْه فعَتَقَ فتَزَوَّجَتْه .. لم يَعُد الإيلاءُ؛ لانْفِساخِ النّكاحِ».
قال المزني: قلت أنا (١): هذا كُلُّه أشْبَه بأصْلِه؛ لأنّ كُلَّ نِكاحٍ أو مِلْكٍ حَدَثَ لم يَعْمَل فيه إلّا قَوْلٌ وإيلاءٌ وظهارٌ يَحْدُثُ، قال المزني: قلت أنا (٢): والقياسُ أنّ كُلَّ حُكْمٍ يَكُونُ في مِلْكٍ إذا زال ذلك المِلْكُ زالَ ما فيه مِنْ الحُكْمِ، قال المزني: فإذا زالَ نِكاحُه فبانَتْ منه امْرَأتُه زال حُكْمُ الإيلاءِ عنه في معناه (٣).
(٢٤١٤) قال الشافعي: والإيلاءُ يَمِينٌ لوَقْتٍ، فالحُرُّ والعَبْدُ فيه سواءٌ، ألا تَرَى أنّ أجَلَ العَبْدِ وأجَلَ الحُرِّ العِنِّينِ سنةٌ.
(٢٤١٥) ولو قالت: قد انْقَضَت الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ، وقال: لم تَنْقَضِ .. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، وعليها البَيِّنَةُ.
(٢٤١٦) ولو آلى مِنْ مُطَلَّقَةٍ يَمْلِكُ رَجْعَتَها .. كان مُولِيًا مِنْ حينِ يَرْتَجِعُها، ولو لم يَكُنْ يَمْلِكُ رَجْعَتَها .. لم يَكُنْ مُولِيًا.
(٢٤١٧) والإيلاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، حُرَّةٍ وأمَةٍ، ومُسْلِمَةٍ وذِمِّيَّةٍ .. سواءٌ.
стр. 1287
(٢٥٢)
باب الوقف (١)
من كتاب الإيلاء، ومن إملاء على مسائل مالك، وإملاء على مسائل ابن القاسم (٢)(٢٤١٨) قال الشافعي: إذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرِ المولي .. وُقِفَ وقيلَ له: إن فِئتَ وإلّا فطَلِّقْ، و «الفَيْئَةُ»: الجماعُ، إلّا مِنْ عُذْرٍ، فيَفِيءُ باللِّسانِ ما كان العُذْرُ قائمًا، فيَخْرُجُ (٣) بذلك مِنْ الضِّرارِ.
(٢٠١٩) ولو جامَعَ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ .. خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الإيلاءِ وكَفَّرَ عن يَمِينِه.
(٢٤٢٠) وإن قال: أجِّلْنِي في الجماعِ .. لم أؤجِّلْه أكْثَرَ مِنْ يَوْمِه، فإنْ جامَعَ .. خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الإيلاءِ، وعليه الحِنْثُ في يَمِينِه، ولا يَبِينُ أن أؤجِّلَه ثلاثًا، ولو قالَه قائلٌ كان مَذْهَبًا، فإنْ طَلَّقَ، وإلّا طَلَّقَ عليه السلطانُ واحدةً.
قال المزني: قلت أنا (٤): قد قَطَعَ أنّه يُخَيَّرُ مَكانَه، فإمّا أن يَفِيءَ وإمّا أن يُطَلِّقَ (٥)، وهذا بالقياس أوْلى، والتأقِيتُ لا يَجِبُ إلّا بخَبَرٍ لازِمٍ، وكذلك
стр. 1288
قال في اسْتِتابَةِ المرْتَدِّ مَكانَه (١)، فإنْ تابَ (٢)، وإلّا قُتِلَ، فكان أحَجَّ مِنْ قَوْلِه: ثلاثًا (٣).
(٢٤٢١) وقال الشافعي: إنّما قُلْتُ (للسُّلْطانِ أن يُطَلِّقَ عليه واحدةً)؛ لأنّه كان على المولي أن يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ؛ إذْ كان الحاكِمُ لا يَقْدِرُ على الفَيْئَةِ إلّا به، فإذا امْتَنَع قَدَرَ على الطَّلاقِ عنه ولَزِمَه حُكْمُ الطلاقِ؛ كما يَأخُذُ كُلَّ شَيْءٍ وَجَبَ عليه إذا امْتَنَع مِنْ أن يُعْطِيَه.
وقال في القديم: فيها قولان، هذا أحَدُهما، وهو أحَبُّهُما إليه، والثاني: يُضَيَّقُ عليه بالحَبْسِ حتّى يُطَلِّقَ أو يَفِيءَ؛ لأنّ الطلاقَ لا يَكُونُ إلّا منه.
قال المزني: قلت أنا (٤): ليس الثاني بشيءٍ، وما عَلِمْتُ أحَدًا قاله (٥).
(٢٤٢٢) قال الشافعي: ويُقالُ للّذِي فاء بلِسانِه مِنْ عُذْرٍ: إذا أمْكَنَكَ أن تُصِيبَها وَقَفْناك، فإنْ أصَبْتَها، وإلّا فَرَّقْنا بَيْنَك وبَيْنَها.
(٢٤٢٣) قال: ولو كانَتْ حائِضًا، أو أحْرَمَتْ مَكانَها بإذْنِه، أو بغَيْرِ إذْنِه فلم يَأمُرْها بإحْلالٍ .. لم يَكُنْ عليه سَبِيلٌ حتّى يُمْكِنَ جِماعُها ويَحِلَّ إصابَتُها.
(٢٤٢٤) قال: وإذا كان المنْعُ ليْسَ مِنْ قِبَلِه، مِثْلَ أنْ تَكُونَ صَبِيَّةً، أو مُضْناةً لا يُقْدَرُ على جِماعِها .. فإذا صارَتْ في حَدِّ مَنْ تُجامَعُ اسْتُؤنِفَتْ به أرْبَعَةُ أشْهُرٍ.
стр. 1289
(٢٤٢٥) وإذا كان المنْعُ مِنْ قِبَلِه .. كان عليه أن يَفِيءَ فيْءَ جماعٍ أو فيْءَ مَعْذُورٍ وفيْءَ الحبْسِ باللسانِ.
وقال في موضِعٍ آخَرَ: «إذا آلى فحُبِسَ، اسْتُؤنِفَتْ له أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مُتَتابِعَةٍ»، قال المزني: قلت أنا (١): الحبْسُ والمرَضُ عندي سواءٌ؛ لأنّه ممنوعٌ بهما، فإذا حُسِبَ عليه في المرَضِ وكان يَعْجِزُ فيه عن الجماعِ بكُلِّ حالٍ أُجِّلَ الْمُولِي كان المحْبُوسُ الذي يُمْكِنُ أن تأتِيَه في حَبْسِه فيُصِيبَها بذلك أوْلى (٢).
(٢٤٢٦) وقال في موضعين: ولو كان بَيْنَها وبَيْنَه مَسِيرَةُ أشْهُرٍ وطَلَبَه وَكِيلُها بما يَلْزَمُه لها .. أمَرْناه أن يَفِيءَ بلِسانِه والمسِيرِ إليها كما يُمْكِنُه، فإنْ فَعَلَ، وإلّا طُلِّقَ عليه.
(٢٤٢٧) قال الشافعي: ولو غُلِبَ على عَقْلِه لم يُوقَفْ حتّى يَرْجِعَ إليه عَقْلُه، فإنْ عَقَلَ بعدَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وُقِفَ مَكانَه، فإمّا أن يَفِيءَ، وإمّا أن يُطَلِّقَ.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا يُؤكِّدُ أن يُحْسَبَ مُدَّةُ حَبْسِه، ومَنْعُ تأخِيرِه يَوْمَيْن أو ثلاثةً.
стр. 1290
(٢٤٢٨) قال الشافعي: ولو أحْرَمَ .. قيلَ له: إن وَطِئتَ فَسَدَ إحْرامُك، وإن لم تَفِئْ طُلِّقَ عليك.
(٢٤٢٩) ولو آلى ثُمّ تَظاهَر، أو تَظاهَر ثُمّ آلى، وهو يَجِدُ الكفّارَةَ .. قيلَ له: أنْتَ أدْخَلْتَ المنعَ على نَفْسِكَ، فإن فِئتَ فأنْتَ عاصٍ، وإن لم تَفِئْ طُلِّقَ عليك.
(٢٤٣٠) ولو قالتْ: لم يُصِبْنِي، وقال: أصَبْتُها .. فإن كانَتْ ثَيِّبًا فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنّها تَدَّعِي ما به الفُرْقَةُ التي هي إليه، وإن كانَتْ بِكْرًا أرِيها النساءَ، فإنْ قُلْنَ: هي بِكْرٌ .. فالقَوْلُ قَوْلُها مع يَمِينِها.
قال المزني: قلت أنا (١): إنّما أحْلَفَها؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يَكُونَ لم يُبالِغْ فرَجَعَت العُذْرَةُ بحالها (٢).
(٢٤٣١) قال الشافعي: ولو ارْتَدّا أو أحَدُهما في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، أو طَلَّقَها (٣) أو خالَعَها ثُمّ راجَعَها، أو رَجَعَ مَنْ ارْتَدَّ منهما في العِدَّة .. اسْتأنَفَ في هذه الحالاتِ كُلِّها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ حَلَّ له الفَرْجُ، ولا يُشْبِه هذا البابُ الأوَّلَ؛ لأنّها في هذا البابِ كانَتْ مُحَرَّمَةً كالأجْنَبِيَّةِ، الشَّعْرُ والنَّظَرُ والجَسُّ، وفي تلك الأحْوالِ لم تَكُنْ مُحَرَّمَةَ شيءٍ غيرِ الجماعِ.
قال المزني (٤): القياسُ عندي أنّ ما حَلَّ له بالعَقْدِ الأوَّلِ فحُكْمُه حُكْمُ امْرأتِه، والإيلاءُ يَلْزَمُه بمَعْناهُ، وأمّا مَنْ لم تَحِلَّ له بعَقْدِه الأوَّلِ حتّى يُحْدِثَ نِكاحًا جَدِيدًا، فحُكْمُه حُكْمُ مَنْ آلى ثُمّ تَزَوَّجَ، فلا حُكْمَ للإيلاءِ في معناه المشْبِهِ لأصْلِه.
стр. 1291
(٢٤٣٢) قال الشافعي: وأقَلُّ ما يَكُونُ به المولي فايِئًا في الثَّيِّبِ أن يُغَيِّبَ الحشَفَةَ، وفي البِكْرِ ذَهابُ العُذْرَةِ، فإن قال: لا أقْدِرُ على افْتِضاضِها .. أجِّلَ أجَلَ العِنِّينِ.
(٢٤٣٣) ولو جامَعَها مُحْرِمَةً أو حائِضًا، أو هو مُحْرِمٌ أو صائمٌ .. خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الإيلاءِ.
(٢٤٣٤) ولو آلى ثُمّ جُنَّ فأصابَها في جُنُونِه أو جُنُونِها .. خَرَجَ مِنْ الإيلاءِ، وكَفَّرَ إذا أصابَها وهو صَحِيحٌ، ولم يُكَفِّرْ إذا أصابَها وهو مجنونٌ؛ لأنّ القَلَمَ عنه مرفوعٌ في تلك الحالِ.
قال المزني: قلت أنا (١): جَعَلَ فِعْلَ المجنونِ في جُنونِه كالصَّحِيحِ في خُرُوجِه مِنْ الإيلاءِ بلا كفّارَةٍ (٢)، وأثْبَتَها على الصَّحِيحِ (٣)، قال المزني: قلت أنا (٤): إذا خَرَجَ مِنْ الإيلاءِ في جُنُونِه بالإصابةِ فكيف لا يَلْزَمُه الكفّارَةُ؟ ولو لم تَلْزَمْه الكفّارةُ ما كان حانِثًا، وإذا لم يَكُنْ حانِثًا لم يَخْرُجْ مِنْ الإيلاءِ (٥).
(٢٤٣٥) قال الشافعي: والذِّمِّيُّ كالمسْلِمِ فيما يَلْزَمُه مِنْ الإيلاءِ إذا تحاكَموا إلينا (٦)، وحُكْمُ الله على العِبادِ واحِدٌ.
стр. 1292
وقال في «كتاب الجزية» [ف: ٣٤١٨]: «ولو جاءَت امْرَأةٌ منهم تَسْتَعْدِي بأنّ زَوْجَها طَلَّقَها أو آلى أو تَظاهَرَ منها، حَكَمْتُ عليه في ذلك حُكْمِي على المسلمِين، ولو جاء رَجُلٌ منهم يَطْلُبُ حَقًّا، كان على الإمامِ أن يَحْكُمَ على المطلوبِ وإن لم يَرْضَ بحُكْمِه».
قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبَهُ القَوْلَيْن به؛ لأنّ تأوِيلَ قول الله عنده: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]: أن تَجْرِيَ عليهم أحْكامُ الإسلامِ (٢).
(٢٤٣٦) قال الشافعي: وإذا كان العَرَبِيُّ يَتَكَلَّمُ بألْسِنَةِ العَجَمِ فآلى بأيّ لِسانٍ منها .. فهو مُولٍ في الحُكْمِ، وإن كان لا يَتَكَلَّمُ بأعْجَمِيَّةٍ، فقال: (ما عَرَفْتُ ما قُلْتُ، وما أرَدْتُ إيلاءً) .. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه.
(٢٤٣٧) ولو آلى ثُمّ آلى .. فإنْ حَنِثَ في الأُولَى والثانيةِ لم يَعُدْ عليه الإيلاءُ، وإنْ أرادَ باليَمِينِ الثانيةِ الأُولَى فكفّارَةٌ واحدةٌ، وإنْ أرادَ غَيْرَها فأحِبُّ كفّارَتَيْن.
(٢٤٣٨) قال: وقد زَعَمَ مَنْ خالَفَنا في الوَقْفِ أنّ الفَيْئَة فِعْلٌ يُحْدِثُه بعد اليَمِينِ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، إمّا بجماعٍ، وإمّا في مَعْذُورٍ بلسانٍ، وزَعَمَ أنّ عَزِيمَةَ الطلاقِ انْقِضاءُ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ بغَيْرِ فِعْلٍ يُحْدِثُه، وقد ذَكَرَهما اللهُ بلا فَصْلٍ بينهما، فقُلْتُ له (٣): أرأيْتَ لو عَزَمَ أن لا يَفِيءَ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، أيَكُونُ طَلاقًا؟ قال: لا، حتّى يُطَلِّقَ، قيل (٤): فكَيْفَ يَكُونُ انْقِضاءُ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ طَلاقًا بغير عَزْمٍ ولا إحْدَاثِ شَيْءٍ لم يَكُنْ؟
стр. 1293
(٢٥٣)
باب إيلاء الخصي المجبوب وغير المجبوب
من كتابي الإيلاء، ومن الطلاق والنكاح، وإملاء على مسائل مالك (١)(٢٤٣٩) قال الشافعي: وإذا آلى الخَصِيُّ مِنْ امْرأتِه .. فهو كغَيْرِ الخَصِيِّ إذا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِه ما يَنالُ به مِنْ المرأةِ ما يَبْلُغُ الرَّجُلُ حتّى يُغَيِّبَ الحشَفَةَ.
(٢٤٤٠) ولو كان مجْبُوبًا .. قيلَ له: فِئْ بلِسانِكَ، لا شَيْءَ عليك غَيْرُه؛ لأنّه ممّن لا يُجامِعُ مِثْلُه.
وفي «الإملاء»: «ولا إيلاءَ على المجْبُوبِ؛ لأنّه لا يُطِيقُ الجماعَ أبَدًا». قال المزني: قلت أنا (٢): إذا لم يَجْعَلْ ليَمِينِه مَعْنًى يُمْكِنُ أن يَحْنَثَ به سَقَط الإيلاءُ، فهذا بقَوْلِه عندي أوْلَى (٣).
стр. 1294
(٢٤٤١) قال الشافعي: ولو آلى صَحِيحًا ثُمّ جُبَّ ذَكَرُه .. كان لها الخيارُ مَكانَها في المقامِ معه أو فِراقِه.
стр. 1295
[٤٤]
كتاب الظهار
стр. 1296
(٢٥٤)
باب من يجب عليه الظِّهار ومن لا يجب
من كتابي ظهار جديد وقديم
(٢٤٤٢) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ الآية [المجادلة: ٣] (١)، قال الشافعي: فكُلُّ زَوْجٍ جاز طَلاقُه وجَرَى
стр. 1297
عليه الحُكْمُ مِنْ بالغٍ .. جَرَى عليه الظِّهارُ، حُرًّا كان أو عَبْدًا أو ذِمِّيًّا، وفي امْرأتِه، دَخَلَ بها أو لم يَدْخُل، يُقْدَرُ على جماعِها أو لا يُقْدَرُ، بأن تكُونَ حائضًا، أو مُحْرِمَةً، أو رَتْقاءَ، أو صغيرةً، أو في عِدَّةٍ يَمْلِكُ رَجْعَتَها، فذلك كُلُّه سواءٌ.
قال المزني: قلت أنا (١): يَنْبَغِي أن يَكُونَ معنى قَوْلِه في التي يَمْلِكُ رَجْعَتَها أنّ ذلك يَلْزَمُه إن راجَعَها؛ لأنّه يَقُولُ: «لو تَظاهَر منها ثُمّ أتْبَعَ التّظاهُرَ طَلاقًا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ .. لم تَكُنْ عليه كفّارَةٌ»، وكذا قال: «إذا طَلَّقَها بإيلاءٍ وكانَتْ له عليها الرَّجْعَةُ .. فلا حُكْمَ للإيلاءِ حتّى يَرْتَجِعَ، فإذا ارْتَجَعَ رَجَعَ عليه حُكْمُ الإيلاءِ»، وقد جَمَعَ الشّافعيُّ بَيْنَهما حيثُ يَلْزَمان وحَيْثُ يَسْقُطان، وفي هذا لِمَا وَصَفْتُ بيانٌ (٢).
(٢٤٤٣) قال الشافعي: ولو تَظاهَر مِنْ امْرَأتِه وهي أمَةٌ، ثُمّ اشْتَراها .. فَسَدَ النِّكَاحُ، والظِّهارُ بحالِه، لا يَقْرَبُها حتّى يُكَفِّرَ؛ لأنّها لَزِمَتْه وهي زوجةٌ (٣).
(٢٤٤٤) ولا يَلْزَمُ المغْلُوبَ على عَقْلِه، إلّا مِنْ سُكْرٍ.
وقال في القديم: «في ظِهارِ السَّكْرانِ قَوْلان: أحَدُهما - يَلْزَمُه، والآخَرُ - لا يَلْزَمُه»، قال المزني: قلت أنا (٤): (يَلْزَمُه) أشْبَهُ بأقاوِيلِه،
стр. 1298
و (لا يَلْزَمُه) أشْبَهُ بالحَقِّ عندي إذا كان لا يُمَيِّزُ (١)، قال المزني: وعِلَّةُ جَوازِ الطلاقِ عنده: إرادَةُ المطَلِّقِ، ولا طلاقَ عِنْدَه على مُكْرَهٍ، لارْتِفاعِ إرادَتِه (٢)، والسَّكْرانُ الذي لا يَعْقِلُ مَعْنَى ما يَقُولُ لا إرادَةَ له؛ كالنّائِمِ لا إرادَةَ له.
فإنْ قِيل: لأنّه أدْخَلَ ذلك على نَفْسِه .. قيل: أوَلَيْسَ وإنْ أدْخَلَه على نَفْسِه فهو في مَعْنَى ما أدْخَلَه عليه غَيْرُه مِنْ ذَهابِ عَقْلِه وارْتِفاعِ إرادَتِه، ولو افْتَرَقَ حُكْمُهُما في المعْنَى الواحِدِ لاخْتِلافِ سَبَبِه مِنْ نَفْسِه ومِن غَيْرِه، لَاخْتَلَفَ حُكْمُ مَنْ جُنَّ بسَبَبِ نَفْسِه وحُكْمُ مَنْ جُنَّ بسَبَبِ غَيْرِه، فيَجُوزُ بذلك طَلاقُ بعض المجانين.
فإن قيل: ففَرْضُ الصلاةِ يَلْزَمُ السَّكْرانَ ولا يَلْزَمُ المجْنُونَ .. قيل: وكذلك فَرْضُ الصّلاةِ يَلْزَمُ النائمَ ولا يَلْزَمُ المجْنُونَ، فهَلْ تُجِيزُ طَلاقَ النُّوّامِ لوُجُوبِ فَرْضِ الصّلاةِ عليهم؟ فإن قيل: لا يَجُوزُ؛ لأنّه لا يَعْقِلُ (٣) .. قيل: فكذلك طَلاقُ السَّكْرانِ؛ لأنّه لا يَعْقِلُ (٤)، قال الله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣]، فلم تكُنْ له صَلاةٌ حتّى يَعْلَمَها ويُرِيدَها، كذلك لا طلاقَ له ولا ظِهارَ حتّى يَعْلَمَه ويُرِيدَه، وهو قولُ عُثْمانَ بنِ عَفّان وابنِ عبّاس وعمر بن عبدالعزيز ويحيى بن سعيد والليث بن سعد وغيرهم، وقد قال الشافعي [ف: ٣٢١٠]: «إذا ارْتَدَّ سَكْرانًا (٥) لم نَسْتَتِبْه في سُكْرِه ولم نَقْتُلْه فيه»، قال المزني: وفي ذلك دليلٌ أن لا حُكْمَ لقَوْلِه: «لا أتُوبُ»؛ لأنّه لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ، فكذلك هو في
стр. 1299
الطّلاقِ والظِّهارِ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ، وهو أحَدُ قَوْلَيْه في القديمِ في الظِّهارِ (١).
(٢٤٤٥) قال الشافعي: ولو تظاهر منها، ثُمّ تَرَكَها أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ .. فهو مُتَظاهِرٌ، ولا إيلاءَ عليه يُوقَفُ له، لا يَكُونُ المتظاهِرُ به
стр. 1300
مُولِيًا، ولا المولي بالإيلاءِ مُتَظاهِرًا، وهو مُطِيعٌ لله ﵎ بتَرْكِ الجماعِ في الظِّهارِ، عاصٍ له لو جامَعَ قَبْلَ أن يُكَفِّرَ، وعاصٍ بالإيلاءِ، وسواءٌ كان مُضارًّا بتَرْكِ الكفّارَةِ أو غَيْرَ مُضارٍّ، إلّا أنّه يأثَمُ بالضِّرارِ (١)؛ كما يَأثَمُ لَوْ آلى أقَلَّ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يُرِيدُ ضِرارًا، ولا يُحْكَمُ عليه بحُكْمِ الإيلاءِ، ولا يُحالُ حُكْمُ اللهِ ﵎ عمّا أنْزَلَه فيه، ولو تَظاهَرَ يُرِيدُ طَلاقًا كان ظِهارًا، أو طَلَّقَ يُرِيدُ ظِهارًا كان طَلاقًا، وهَذِه أصُولٌ (٢).
(٢٤٤٦) قال: ولا ظِهارَ مِنْ أمَةٍ ولا أمِّ وَلَدٍ؛ لأنّ الله يقول: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ [المجادلة: ٣]؛ كما قال: ﴿يؤلون من نسائهم﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦]، فعَقَلْنَا عن اللهِ جل وعز أنّها ليْسَتْ مِنْ نِسائِنا، وإنّما نِساؤُنا أزْواجُنا، ولو لَزِمَها واحِدٌ مِنْ هذه الأحكامِ لَزِمَتْها كُلُّها.
стр. 1301
(٢٥٥)
باب ما يكون ظهارًا وما لا يكون ظهارًا
(٢٤٤٧) قال الشافعي: الظِّهارُ أن يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرأتِه: «أنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي».
(٢٤٤٨) فإن قال: «أنْتِ مِنِّي»، أو: «أنْتِ معي كظَهْرِ أمِّي»، وما أشْبَهَه .. فهو ظِهارٌ.
(٢٤٤٩) ولو قال: «فَرْجُكِ» أو: «رأسُكِ»، أو: «ظَهْرُكِ»، أو: «جِلْدُكِ»، أو: «يَدُكِ»، أو: «رِجْلُكِ عليّ كظَهْرِ أمِّي» (١) .. كان هذا ظِهارًا.
(٢٤٥٠) ولو قال: «كبَدَنِ أمِّي»، أو: «كرَأسِ أمِّي»، أو: «كيَدِها» .. كان هذا ظِهارًا؛ لأنّ التّلَذُّذَ بكُلِّ أمِّه محَرَّمٌ (٢).
(٢٤٥١) ولو قال: «كأمِّي»، أو قال: «مِثْلُ أمِّي»، وأراد في الكَرامَةِ .. فلا ظِهارَ، وإنْ أرادَ ظِهارًا .. فهو ظِهارٌ، وإن قال: لا نِيَّةَ لي .. فليس بظِهارٍ.
(٢٤٥٢) ولو قال: «أنْتِ عليَّ كظَهْرِ … » امْرَأةٍ محَرَّمَةٍ عليه مِنْ نَسَبٍ أو رَضاعٍ .. قامَتْ في ذلك مَقامَ الأمِّ؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ».
стр. 1302
قال المزني: قلت أنا (١): وحِفْظِي وغَيْرِي (٢) عنه أنّه قال: لا يَكُونُ مُتَظاهِرًا ممّن كانَتْ حَلالًا في حالٍ ثُمّ حَرُمَتْ، والأخْتُ مِنْ الرَّضاعِ قد كانَتْ حَلالًا في حالٍ ثُمّ حَرُمَتْ بسَبَبٍ؛ كما تَحْرُمُ (٣) نِساءُ الآباءِ وحَلائلُ الأبْناءِ بسَبَبٍ، وهو لا يَجْعَلُ هذا ظِهارًا، ولا في قَوْلِه: «كظَهْرِ أبي» (٤).
(٢٤٥٣) قال الشافعي: ويَلْزَمُ الحِنْثُ بالظِّهارِ كما يَلْزَمُ بالطلاقِ.
(٢٤٥٤) ولو قال: «إذا نَكَحْتُكِ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي»، فنَكَحَها .. لم يَكُنْ مُتظاهِرًا؛ لأنّ التَّحْرِيمَ إنّما يَقَعُ مِنْ النساءِ على مَنْ حَلَّ له، ولا معنى للتّحْرِيمِ في المحَرَّمِ، ويُرْوَى مِثْلُ ما قُلْتُ عن النبيّ ﷺ ثُمّ عليٍّ وابنِ عبّاسٍ وغيرِهم، وهو القياسُ.
(٢٤٥٥) ولو قال: «أنْتِ طالقٌ كظَهْرِ أمّي»، يُرِيدُ الظِّهارَ .. فهي طالِقٌ؛ لأنّه صَرَّح به، ولا مَعْنَى لقَوْلِه: «كظَهْرِ أمّي» (٥) إلّا أنّكِ حَرام بالطّلاقِ كظَهْرِ أمّي، أو مُحالٌ لا مَعْنَى له (٦).
стр. 1303
(٢٤٥٦) ولو قال: «أنْتِ عليّ حَرامٌ كظَهْرِ أمِّي»، يُرِيدُ الطّلاقَ .. فهو ظِهارٌ (١).
(٢٤٥٧) ولو قال لأخْرَى: «قد أشْرَكْتُكِ معها»، أو: «أنْتِ شَريكَتُها»، أو: «أنْتِ كهي»، ولم يَنْوِ ظِهارًا .. لم يَلْزَمْه؛ لأنّها تكُونُ شَرِيكَتَها في أنّها زَوْجَةٌ له أو عاصِيَةٌ أو مُطِيعَةٌ له كهي.
(٢٤٥٨) ولو تَظاهَرَ مِنْ أرْبَعِ نِسْوَةٍ له بكَلِمَةٍ واحِدَةٍ .. فقال في «كتاب الظهار» الجديد وفي «الإملاء على مسائل مالك»: أنّ عليه في كُلِّ واحِدَةٍ كفّارَةً؛ كما تَطْلُقْن معًا بكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وقال في الكتاب القديم: ليس عليه إلّا كفّارَةٌ واحدةٌ؛ لأنّها يَمِينٌ، ثُمّ رَجَعَ عنه إلى الكفّارات.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي (٣) بقَوْلِه أوْلى.
стр. 1304
(٢٤٥٩) قال الشافعي: ولو تَظاهَرَ منها مِرارًا، يُرِيدُ بكُلِّ واحِدَةٍ ظِهارًا غَيْرَ الآخَرِ قَبْلَ يُكَفِّرُ .. فعليه بكُلِّ تَظَهُّرَةٍ كفّارةٌ؛ كما يَكُونُ عليه في كُلِّ تَطْلِيقَةٍ تَطْلِيقَةٌ، ولو قالها مُتَتابِعاتٍ، فقال: أرَدْتُ ظِهارًا واحدًا .. فهو واحدٌ (١)؛ كما لو تابع بالطّلاقِ كان كطَلْقَةٍ واحدةٍ.
(٢٤٦٠) ولو قال: «إذا تَظاهَرْتُ مِنْ فُلانَةَ - أجْنَبِيَّةٍ - فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمّي»، فتَظاهَرَ مِنْ الأجْنَبِيَّةِ .. لم يَكُنْ عليه ظِهارٌ؛ كما لو طَلَّقَ أجْنَبِيَّةً لم يَكُنْ عليه طَلاقٌ.
стр. 1305
(٢٥٦)
باب ما يُوجِبُ على المتظاهر كفارةً
من كتابي الظهار جديد وقديم، وما دخله من كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى والشافعي
(٢٤٦١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة﴾ الآية [المجادلة: ٣]، قال: فالذي عَقَلْتُ ممّا (١) سَمِعْتُ في ﴿يعودون لما قالوا﴾: أنّه إذا أتَتْ على المتظاهِرِ مُدَّةٌ بعد القَوْلِ بالظِّهارِ لم يُحَرِّمْها بالطلاقِ الذي تَحْرُمُ به، وَجَبَتْ عليه الكفّارَةُ؛ كأنّهم (٢) يَذْهَبُون إلى أنّه إذا أمْسَكَ ما حَرَّمَ على نَفْسِه فقَدْ عاد لِما قال فخالَفَه فأحَلَّ ما حَرَّمَ، لا أعْلَمُ مَعْنًى أوْلَى به مِنْ هذا.
(٢٤٦٢) قال: ولو أمْكَنَه أن يُطَلِّقَ فلم يَفْعَلْ لَزِمَتْه الكفّارَةُ، وكذلك لو ماتَ أو ماتَتْ.
(٢٤٦٣) ومعنى قولِ الله : ﴿من قبل أن يتماسا﴾: وَقْتٌ لأن يُؤدِّيَ ما وَجَبَ عليه قَبْل المُمَاسَّةِ حتّى يُكَفِّرَ، وكان هذا - والله أعلم - عُقُوبَةً مُكَفِّرَةً لقَوْلِ الزُّورِ، فإذا مُنِعَ الجماعَ أحْبَبْتُ أن يُمْنَعَ القُبَلَ والتَّلَذُّذَ احْتِياطًا حتّى يُكَفِّرَ (٣).
стр. 1306
(٢٤٦٤) فإن مَسَّ لم تَبْطُل الكفّارَةُ؛ كما يُقالُ له: (أدِّ الصّلاةَ في وَقْتِ كذا)، فيَذْهَبُ الوَقْتُ فيُؤدِّيها بعد الوَقْتِ لأنّها فَرْضٌ.
(٢٤٦٥) ولو أصابَها وقد كَفَّر بالصَّوْمِ في لَيْلِ الصَّوْمِ .. لم يَنْتَقِضْ صَوْمُه ومَضَى على الكفّارَةِ، ولو كان صَوْمُه يَنْتَقِضُ بالجماعِ لم تُجْزِئه الكفّارَةُ بعد الجماعِ.
(٢٤٦٦) ولو تَظَهَّرَ فأتْبَع الظهارَ طلاقًا تَحِلُّ قَبْلَ زَوْجٍ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أو لا يَمْلِكُها، ثُمّ راجَعَها .. فعليه الكفّارةُ، ولو طَلَّقَها ساعَةَ نَكَحَها؛ لأنّ مُراجَعَتَه إيّاها بعد الطلاقِ أكْثَرُ مِنْ حَبْسِها بعد الظهارِ.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا خِلافُ أصْلِه: «كُلُّ نِكاحٍ جَديدٍ لم يَعْمَلْ فيه طَلاقٌ ولا ظِهارٌ إلّا جَدِيدٌ»، وقد قال في هذا الكتاب: «لو تظاهَر منها، ثُمّ أتْبَعَها طلاقًا لا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، ثُمّ نكَحَها، لم يَكُنْ عليه كفّارةٌ؛ لأنّ هذا مِلْكٌ غَيْرُ الأوَّلِ الذي كان فيه الظهارُ»، قال الشافعي: «ولو جاز أن يَظَّهَّر منها فَيَعُودَ عليه الظهارُ إذا نكَحَها، جاز ذلك بعد ثلاثٍ وزَوْجٍ غَيْرِه، وهكذا الإيلاءُ»، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أشْبَهُ بأصْلِه، وأوْلى بقَوْلِه، والقياسُ: أنّ كُلَّ حُكْمٍ كان في مِلْكٍ، فإذا زال ذلك الملْكُ زال ما فيه مِنْ الحُكْمِ، فلمّا زال ذلك النكاحُ زال ما فيه مِنْ الظِّهارِ والإيلاءِ (٣).
стр. 1307
(٢٤٦٧) قال الشافعي: ولو تظاهَرَ مِنْها ثُمّ لاعَنَها مَكانَه بلا فَصْلٍ .. سَقَطَ الظهارُ، ولو كان حَبَسَها قَدْرَ ما يُمْكِنُ اللِّعانُ فلم يُلاعِنْ .. كانَتْ عليه الكفّارةُ.
(٢٤٦٨) وقال في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»: لو تظاهَرَ منها يَوْمًا، فلم يُصِبْها حتّى انْقَضَى .. لم يَكُنْ عليه كفّارَةٌ؛ كما لو آلى فسَقَطَت اليَمِينُ، سَقَطَ عنه حُكْمُ اليَمِين.
قال المزني: قلت أنا (١): أصْلُ قَوْلِه: إنّ المتَظاهِرَ إذا حَبَسَ امْرأتَه مُدَّةً يُمْكِنُه الطّلاقُ فلم يُطَلِّقْها فيها، فقد عاد ووَجَبَتْ عليه الكفّارَةُ، وقد حَبَسَها هذا بَعْدَ التَّظاهُرِ يَوْمًا يُمْكِنُه فيه الطّلاقُ فتَرَكَه، فعادَ إلى اسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ، فالكفّارَةُ لازِمَةٌ له في مَعْنَى قَوْلِه، وكذا قال: «لو مات أو ماتَتْ بعد الظِّهارِ وأمْكَنَ الطّلاقُ فلم يُطَلِّقْ، فعليه الكفَّارَةُ» (٢).
(٢٤٦٩) قال الشافعي: ولو تظاهَرَ وآلى .. قيل: إن وَطِئْتَ قبل الكفّارَةِ خَرَجْتَ مِنْ الإيلاءِ وأثِمْتَ، وإن انْقَضَت الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ .. وُقِفْتَ، فإن قُلْتَ: أنا أعْتِقُ أو أطْعِمُ .. لم نُمْهِلْكَ أكْثَرَ ممّا يُمْكِنُكَ، اليَوْمَ وما أشْبَهَه، وإن قُلْتَ: أصُومُ .. قيل: إنّما أمِرْتَ بعد الأرْبَعَةِ بأن تَفِيءَ أو تُطَلِّقَ، فلا يَجُوزُ أن يُجْعَلَ لك سَنَةٌ.
стр. 1308
(٢٥٧)
باب عتق المؤمنة في الظِّهار
من كتابي جديد وقديم
(٢٤٧٠) قال الشافعي: قال الله تعالى في التظاهر: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المجادلة: ٣]، قال: فإذا كان واجِدًا لها أو لثَمَنِها .. لم يُجْزِه غَيْرُها.
(٢٤٧١) وشَرَطَ الله ﵎ في رَقَبَةِ القَتْلِ مُؤمِنَةً؛ كما شَرَطَ العَدْلَ في الشَّهادَةِ وأطْلَقَ الشُّهُودَ في مواضِعَ، فاسْتَدْلَلْنا على أنّ ما أطْلَقَ على مَعْنَى ما شَرَطَ، وإنّما رَدَّ الله أمْوالَ المسْلِمِين على المسْلِمِين، لا على المشْرِكِين، وفَرَضَ الله جل ذكره الصَّدَقاتِ فلم (١) تَجُزْ إلّا للمُؤمِنِين، فكذلك ما فَرَضَ اللهُ مِنْ الرِّقابِ لا تَجُوزُ إلّا مِنْ المؤمِنِين.
(٢٤٧٢) وإن كانَتْ أعْجَمِيَّةً وَصَفَت الإسلامَ (٢).
(٢٤٧٣) وإنْ أعْتَقَ صَبِيَّةً أحَدُ أبَوَيْها مُؤمِنٌ، أو خَرْساءَ جُلِبَتْ تَعْقِلُ الإشارَةَ بالإيمانِ (٣) .. أجْزَأتْه، وأحَبُّ إليَّ أن لا يُعْتِقَها إلّا أنْ تَتَكَلَّمَ بالإيمانِ.
(٢٤٧٤) ولو سُبِيَتْ صَبِيَّةٌ مع أبَوَيْها كافِرَيْن، فعَقَلَتْ ووَصَفَت الإسلامَ وصَلَّتْ، إلّا أنّها لم تَبْلُغْ .. لم تُجْزِئْه حتّى تَصِفَ الإسلامَ بعد البُلُوغِ.
стр. 1309
(٢٤٧٥) قال: ووَصْفُها الإسلامَ: أنْ تَشْهَدَ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسولُ الله، وتَبْرَأَ مِنْ كُلِّ دِينٍ خالفَ الإسلامَ (١)، وأحَبُّ إليّ أن لو امْتَحَنَها بالإقْرارِ بالبَعْثِ بعد الموْتِ وما أشْبَهَه (٢).
стр. 1310
(٢٥٨)
باب ما يُجزِئ من الرقاب وما لا يُجزِئ
وما يُجزِئ من الصوم وما لا يُجزِئ
(٢٤٧٦) قال الشافعي: لا يُجْزِئ (١) في رَقَبَةٍ واجِبَةٍ تُشْتَرَى بشَرْطِ أنْ تُعْتَقَ؛ لأنّ ذلك يَضَعُ مِنْ ثَمَنِها، ولا يُجْزِئ فيها مُكاتَبٌ، أدَّى مِنْ نُجُومِه شَيْئًا أو لم يُؤَدِّه؛ لأنّه ممْنُوعٌ مِنْ بَيْعِه، ولا يُجْزِئ أمُّ وَلَدٍ في قَوْلِ مَنْ لا يَبِيعُها.
قال المزني: قلت أنا (٢): هو لا يُجِيزُ بَيْعَها، وله بذلك كِتابٌ (٣).
(٢٤٧٧) قال الشافعي: وإنْ أعْتَقَ مَرْهُونًا أو جانيًا جِنايَةً، فأدَّى الرَّهْنَ والجنايةَ .. أجْزَأ.
(٢٤٧٨) وإنْ أعْتَقَ عَبْدًا له غائبًا .. فهو على غَيْرِ يَقِينٍ أنّه أعْتَقَ.
(٢٤٧٩) ولو اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عليه .. لم يُجْزِئه؛ لأنَّه عَتَقَ بمِلْكِه.
(٢٤٨٠) ولو أعْتَقَ عَبْدًا بينه وبين آخَرَ عن ظِهارِه وهو مُوسِرٌ .. أجْزَأ عنه مِنْ قِبَلِ أنّه لم يَكُنْ لشَرِيكِه أن يُعْتِقَ ولا يَرُدَّ عِتْقَه، وإنْ كان مُعْسِرًا عَتَقَ نِصْفُه، فإنْ أفاد واشْتَرَى النِّصْفَ الباقيَ فأعْتَقَه أجْزَأ عنه (٤).
стр. 1311
(٢٤٨١) ولو أعْتَقَه على أن يَجْعَلَ له رَجُلٌ عَشَرَةَ دنانيرَ .. لم يُجْزِئه.
(٢٤٨٢) ولو أعْتَقَ عنه رَجُلٌ عبدًا بغَيْرِ أمْرِه .. لم يُجْزِئه، والوَلاءُ لمَنْ أعْتَقَ، ولو أعْتَقَه بأمْرِه بجُعْلٍ أو غَيْرِه .. أجْزَأه، والوَلاءُ له، وهذا منه شِراءٌ مَقْبُوضٌ، أو هِبَةٌ مَقْبُوضَةٌ.
قال المزني: مَعْناه عندي: أن يُعْتِقَه عنه بجُعْلٍ (١).
(٢٤٨٣) قال الشافعي: ولو أعْتَقَ عَبْدَيْن عن ظِهارَيْن أو ظِهارٍ وقَتْلٍ، كُلُّ واحدٍ منهما عن الكفّارَتَيْن .. أجْزَياه (٢)؛ لأنّه أعْتَقَ عن كُلّ واحدةٍ عَبْدًا تامًّا؛ نِصْفًا عن واحدةٍ، ونِصْفًا عن واحدةٍ، ونِصْفًا عن واحدةٍ، ونِصْفًا عن واحدةٍ، فكَمُلَ فيهما العِتْقُ، ولو كان ممّن عليه الصَّوْمُ (٣)، فصام شَهْرَيْن عن إحْداهما .. كان له أن يَجْعَلَه عن أيِّهما شاء، وكذلك لو صام أرْبَعَةَ أشْهُرٍ عنهما أجْزأه.
(٢٤٨٤) ولو كان عليه ثلاثُ كفّاراتٍ، فأعْتَقَ رَقَبَةً ليس له غَيْرُها، وصام شَهْرَيْن، ثُمّ مَرِضَ فأطْعَمَ سِتِّين مِسْكينًا، يَنْوِي بجَمِيعِ هذا كفّاراتِ الظِّهارِ، وإن لم يَنْوِ واحدةً بعَيْنِها .. أجْزَأه؛ لأنّ نِيَّتَه في كُلِّ كفّارَةٍ بأنّها لَزِمَتْه (٤).
стр. 1312
(٢٤٨٥) ولو وَجَبَتْ عليه كفّارةٌ، فشَكَّ أن تَكُونَ مِنْ ظِهارٍ أو قَتْلٍ أو نَذْرٍ قبل أن يُكَفِّرَ، فأعْتَقَ رَقَبَةً عن أيِّها كان .. أجْزَأه، ولو أعْتَقَها لا يَنْوِي واحدةً منها .. لم يُجْزِئه.
(٢٤٨٦) ولو ارْتَدَّ قَبْلَ أن يُكَفِّرَ، فأعْتَقَ عَبْدًا عن ظِهارِه، فإن رَجَعَ .. أجْزَأه؛ لأنّه في مَعْنَى دَيْنٍ أدّاه، أو قِصاصٍ أُخِذَ منه، أو عُقُوبَةٍ على بَدَنِه لمن وَجَبَتْ له، ولو صام في رِدَّتِه .. لم يُجْزِئه؛ لأنّ الصَّوْمَ عَمَلٌ على البَدَنِ، وعَمَلُ البَدَنِ لا يُجْزِئ إلّا ممّن يُكْتَبُ له.
стр. 1313
(٢٥٩)
باب ما يُجزِئ من العيوب في الرقاب الواجبة
من كتابَيْ ظِهارٍ جديدٍ وقديمٍ
(٢٤٨٧) قال الشافعي: لم أعْلَمْ أحَدًا ممّن مَضَى مِنْ أهْلِ العلمِ، ولا ذُكِرَ لي عنه، ولا بَقِيَ خالَفَ .. في أنّ مِنْ ذَواتِ النَّقْصِ مِنْ الرِّقابِ ما لا يُجْزِئ، ومنها ما يُجْزِئ، فدَلَّ ذلك على أنّ المرادَ بعِتْقِها: بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ، ولم أجِدْ في معاني ما ذَهَبُوا إليه إلّا ما أقُولُ والله أعْلمُ، وجِماعُه: أنّ الأغْلَبَ فيما يُتَّخَذُ له الرَّقِيقُ العَمَلُ، ولا يَكُونُ العَمَلُ تامًّا حتّى تكُونَ يَدَا الممْلُوكِ باطِشَتَيْن، ورِجْلاه ماشِيَتَيْن، وله بَصَرٌ وإن كان عَيْنًا واحدةً، ويَكُونَ يَعْقِلُ، وإن كان أبْكَمَ أو أصَمَّ يَعْقِلُ، أو أحْمَقَ، أو ضَعِيفَ البَطْشِ.
وقال في القديم: «إن الأخْرَسَ لا يُجْزِئ». قال المزني: أوْلى بقَوْلِه أن يُجْزِئ؛ لأنّ أصْلَه أنّ ما أضَرَّ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا لم يجْزِ، وما لم يَضُرَّ كذلك أجْزَأ (١).
(٢٤٨٨) قال الشافعي: والذي يُجَنُّ ويُفِيقُ يُجْزِئ، وإن كان مُطْبِقًا لم يُجْزِئ.
(٢٤٨٩) ويُجْزِئ المريضُ (٢)؛ لأنّه يُرْجَى، والصَّغِيرُ كذلك.
стр. 1314
(٢٦٠)
باب من له الكفارة بالصيام
من كتابين
(٢٤٩٠) قال الشافعي: مَنْ كان له مَسْكَنٌ وخادِمٌ لا يَمْلِكُ غَيْرَه، ولا ما يَشْتَرِي به ممْلُوكًا .. كان له أن يَصُومَ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْنِ.
(٢٤٩١) فإنْ أفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ أو غَيْرِه، أو صام يَوْمًا تَطَوُّعًا، أو مِنْ الأيّام التي نَهَى رسولُ الله ﷺ عن صِيامِها .. اسْتَأنَفَهما مُتَتابِعَيْنِ.
وقال في كتاب القديم: «إنْ أفْطَرَ المريضُ بَنَى، واحْتَجَّ في القاتِلَةِ التي عليها صَوْمُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن إذا حاضَتْ أفْطَرَتْ، فإذا ذَهَبَ الحيْضُ عنها بَنَتْ، فكذلك المريضُ إذا ذَهَبَ المرضُ بَنَى». قال المزني: وسَمِعْتُه منذ دَهْرٍ يَقُولُ: إنْ أفْطَرَ بَنَى (١)، قال المزني: وإنّ هذا لشَبِيهٌ؛ لأنّ المرَضَ عُذْرٌ وضَرُورَةٌ، والحيضُ عُذْرٌ وضَرُورَةٌ مِنْ قِبَلِ الله، يُفْطِرُ بهما في شهر رمضانَ، وبالله التوفيق (٢).
(٢٤٩٢) قال الشافعي: وإذا صام بالأهِلَّةِ صام هِلالَيْن، وإن كان تِسْعَةً أو ثمانِيَةً وخمْسِين.
(٢٤٩٣) ولا يُجْزِئه حتّى يُقَدِّمَ نِيَّةَ الصَّوْمِ قبل الدُّخُولِ.
(٢٤٩٤) ولو نَوَى صَوْمَ يَوْمٍ، فأُغْمِيَ عليه فيه ثُمّ أفاقَ قَبْلَ اللَّيْلِ
стр. 1315
أو بَعْدَه، ولم يَطْعَمْ .. أجْزَأه إذا دَخَلَ فيه بَعْدَ الفَجْرِ وهو يَعْقِلُ، فإنْ أُغْمِيَ عليه قَبْلَ الفَجْرِ .. لم يُجْزِئه؛ لأنّه لم يَدْخُلْ في الصَّوْمِ وهو يَعْقِلُه.
قال المزني: كُلُّ مَنْ أصْبَحَ نائمًا في شَهْرِ رمضانَ صائِمٌ وإن لم يَعْقِلْه إذا تَقَدَّمَتْ نِيَّتُه (١).
(٢٤٩٥) قال الشافعي: ولو أغْمِيَ عليه فيه وفي يَوْمٍ بَعْدَه ولم يَطْعَم .. اسْتأنَفَ الصَّوْمَ؛ لأنّه في اليَوْمِ الذي أغْمِيَ عليه فيه كُلِّه غَيْرُ صائمٌ، ولا يُجْزِئه إلّا أن يَنْوِيَ كُلَّ يَوْمٍ على حِدَتِه قَبْلَ الفَجْرِ؛ لأنّ كُلَّ يَوْمٍ فيه غَيْرُ صاحِبِه.
(٢٤٩٦) ولو صام شَهْرَ رمضانَ في الشَّهْرَيْن، أعاد شَهْرَ رمضانَ واسْتَأنَفَ شَهْرَيْن (٢).
(٢٤٩٧) قال: وأقَلُّ ما يَلْزَمُ مَنْ قال: إنّ الجماعَ بَيْنَ ظَهْرَانَي الصَّوْمِ يُفْسِدُ الصَّوْمَ؛ لقَوْلِه: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣] .. أن يَزْعُمَ أنَّ الكفّارَةَ بالصَّوْمِ والعِتْقِ لا يُجْزِئان بعد أن يَتَماسَّا، قال: والذي صام شَهْرًا قَبْل التَّماسِّ وشَهْرًا بَعْدَه، أطاع اللهَ جل ذكره في شَهْرٍ وعَصاه بالجماعِ قَبْل شَهْرٍ يَصُومُه، وإنْ جامَعَ قَبْلَ الشَّهْرِ الآخِرِ منهما أوْلى أن يَجُوزَ مِنْ الذي عَصَى بالجماعِ قَبْلَ الشَّهْرَيْن مَعًا.
(٢٤٩٨) قال الشافعي: وإنّما حُكْمُه في الكفّاراتِ حين يُكَفِّرُ؛ كما حُكْمُه في الصَّلاةِ حين يُصَلِّي (٣).
стр. 1316
(٢٤٩٩) قال: ولو دَخَلَ في الصَّوْمِ ثُمّ أيْسَرَ .. كان له أن يَمْضِيَ على الصِّيامِ، والاخْتِيارُ له أن يَدَعَ الصَّوْمَ ويُعْتِقَ.
قال المزني: قلت أنا (١): لو كان الصَّوْمُ فَرْضَه ما جاز اخْتِيارُ (٢) إبْطالِ الفَرْضِ، والرَّقَبَةُ فَرْضٌ إن وَجَدَها لا غَيْرُها؛ كما أنّ الوُضُوءَ بالماءِ فَرْضٌ إذا وَجَدَه لا غَيْرَه، ولا خِيارَ في ذلك بَيْنَ أمْرَيْن، فلا يَخْلُو الدّاخِلُ في الصَّوْمِ إذا وَجَدَ الرَّقَبَةَ مِنْ أن يَكُونَ مَعْناه المقَدَّمَ فلا فَرْضَ عليه إلّا الصَّوْمُ، فكيفَ يُجْزِئه العِتْقُ وهو غَيْرُ فَرْضِه؟ أو يَكُونَ صَوْمُه قد (٣) بَطَلَ لوُجُودِ الرَّقَبَةِ، فلا فَرْضَ عليه إلّا العِتْقُ، فكَيْفَ يُتِمُّ الصَّوْمَ فيُجْزِئه وهو غَيْرُ فَرْضِه؟ فلمّا لم يَخْتَلِفُوا أنّه إذا أعْتَقَ أدَّى فَرْضَه، ثَبَتَ أن لا فَرْضَ عليه غَيْرُه، وفي ذلك إبْطالُ صَوْمِه، كمُعْتَدَّةٍ بالشُّهُورِ، فإذا حَدَثَ الحيضُ بَطَلَت الشُّهُورُ وثَبَتَ حُكْمُ الحيْضِ عليها، ولمّا كان وُجُودُ الرَّقَبَةِ يُبْطِلُ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ كان وُجُودُها بعد الدُّخُولِ يُبْطِلُ ما بَقِيَ مِنْ الشَّهْرَيْن؛ كما كان وُجُودُ الحيْضِ بعد الدُّخُولِ في الشُّهُورِ يُبْطِلُ ما بَقِيَ مِنْ الشُّهُورِ، وفي ذلك دليلٌ أنّه إذا وَجَدَ الرَّقَبَةَ بعد الدُّخُولِ بَطَلَ ما بَقِيَ مِنْ الشَّهْرَيْن، وقد قال الشافعي بهذا المعنى، زَعَمَ في الأمَةِ تُعْتَقُ وقد دَخَلَتْ في العِدَّةِ أنّها لا تكُونُ في عِدَّتِها حُرَّةً، وتَعْتَدُّ عِدَّةَ أمَةٍ [ف: ٢٦٤٦]، وفي المسافِرِ يَدْخُلُ في الصَّلاةِ ثُمّ يُقِيمُ، لا يَكُونُ في بَعْضِ صَلاتِهِ مُقِيمًا ويَقْصُرَ، ثُمّ قال: «وهذا أشْبَهُ
стр. 1317
بالقياسِ» [ف: ٣٢٥]، قال المزني: قلت أنا (١): فهذا معنى ما قُلْتُ، وبالله التوفيق (٢).
(٢٥٠٠) قال الشافعي: ولو قال لعبده: «أنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ عن ظِهارٍ إنْ تَظَهَّرْتُه (٣)» .. كان حُرًّا السّاعَةَ، ولم يُجْزِئه إنْ تظاهَرَ؛ لأنّه لم يَكُنْ ظِهارٌ، ولم يَكُنْ سَبَبٌ منه.
стр. 1318
(٢٦١)
باب الكفارة بالطعام
من كتابَيْ ظِهارٍ جديدٍ وقديمٍ
(٢٥٠١) قال الشافعي فيمَن تظاهَرَ فلم يَجِدْ رَقَبَةً، ولم يَسْتَطِعْ حين يُرِيدُ الكفّارَةَ صَوْمَ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن بمَرَضٍ أو عِلَّةٍ ما كانَتْ: أجْزَأه أن يُطْعِمَ.
(٢٥٠٢) ولا يُجْزِئه أقَلَّ مِنْ سِتِّين مِسْكِينًا، كُلُّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ طَعامِ بَلَدِه الذي يُقْتاتُ، حِنْطَةً، أو شَعِيرًا، أو أُرْزًا، أو سُلْتًا، أو تمْرًا، أو زَبِيبًا، أو أَقِطًا.
(٢٥٠٣) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَهُم جُمْلَةً سِتِّينَ مُدًّا أو أكْثَرَ؛ لأنّ أخْذَهُم الطّعامَ يَخْتَلِفُ، فلا أدْرِي لعلَّ أحَدَهُم يأخُذُ أقَلَّ، وغَيْرَه أكْثَرَ، مع أنّ النبيَّ ﷺ إنّما بَيَّنَ مَكِيلَةَ طَعامٍ في كُلِّ ما أمَرَ به مِنْ كفّارَةٍ.
(٢٥٠٤) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَهُم دَقِيقًا ولا سَوِيقًا ولا خُبْزًا، حتّى يُعْطِيَهُم حَبًّا.
(٢٥٠٥) وسَواءٌ الصَّغِيرُ منهم والكَبِيرُ.
(٢٥٠٦) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَه مَنْ تَلْزَمُه نَفَقَتُه، ولا عَبْدًا، ولا مُكاتَبًا، ولا أحَدًا على غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ.
(٢٥٠٧) وقال في القديم: لو عَلِمَ بعد أنْ أعْطاه أنّه غَنِيٌّ أجْزَأه، ثُمّ رَجَعَ إلى أنّه لا يُجْزِئه.
قال المزني: قلت أنا (١): وهذا أقْيَسُ؛ لأنّه أعْطَى مَنْ لم يَفْرِضْه اللهُ
стр. 1319
له، بل حَرَّمَه عليه، والخَطَأُ في الأمْوالِ عنده في حُكْمِ العَمْدِ، إلّا في المأثَمِ (١).
(٢٥٠٨) قال الشافعي: ويُكَفِّرُ بالطّعامِ قَبْلَ المسِيسِ؛ لأنّها في مَعْنَى الكفّارَةِ قَبْلَها.
(٢٥٠٩) ولو أعْطَى مِسْكِينًا مُدَّيْن: مُدًّا عن ظِهارٍ، ومُدًّا عن يَمِينٍ .. أجْزَأه؛ لأنّهما كفّارَتان مخْتَلِفَتَان.
(٢٥١٠) ولا يَجُوزُ أن يُكَفِّرَ إلّا كفّارَةً كامِلَةً، مِنْ أيّ الكفَاراتِ كَفَّرَ.
(٢٥١١) وكُلُّ الكفّاراتِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ، لا تَخْتَلِفُ، وفي فَرْضِ الله على رَسُولِه وفي سُنَّةِ نَبِيِّه ما يَدُلُّ على أنَّه بمُدِّه ﷺ ، وكيف يَكُونُ؟ بمُدِّ مَنْ لم يُولَدْ في عَهْدِه ﵇ أو مدٍّ أحْدِثَ من بعده؟!
(٢٥١٢) وإنّما قُلْتُ: مُدًّا لكُلِّ مِسْكِينٍ؛ لحديثِ رَسولِ الله ﷺ في المكَفِّرِ في رمضانَ؛ فإنّه أتَى بعَرَقٍ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقال للمكَفِّر: «كَفِّرْ به»، وقد أعْلَمَه أنّ عليه إطْعامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فهذا مُدٌّ مُدٌّ، فكانَت الكفّارَةُ بالكفّارَةِ أشْبَهَ في القياسِ مِنْ أن نقِيسَها على فِدْيَةٍ في الحجِّ (٢)، وقال بعضُ الناس: المدُّ رِطْلانِ بالحَجّاجِيِّ، وقد احْتَجَجْنا فيه مع أنّ الآثارَ على ما قُلْنا وأمْرُ النّاسِ بدارِ الهجْرَةِ، وما يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يَكُونَ أعْلَمَ بهذا مِنْ أهْلِ المدينة.
(٢٥١٣) وقالوا أيضًا: لو أعْطَى مِسْكِينًا واحِدًا طَعامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا في سِتِّينَ يَوْمًا أجْزَأه، قال الشافعي: لَئِنْ أجْزَأه في كُلِّ يَوْمٍ وهو واحِدٌ ليُجْزِئَنَّه في مَقامٍ واحدٍ، وقيلَ له: أرَأيْتَ لو قال قائلٌ: قال الله: ﴿وأشهدوا ذوي
стр. 1320
عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، ففي هذا شَرْطان: عَدَدٌ وشَهادةٌ، فأنا أجِيزُ الشهادَةَ دُونَ العَدَدِ، فإنْ شَهِدَ اليَوْمَ شاهِدٌ ثُمّ عادَ بشَهادَتِه فهي شَهادَتان، فإن قال: لا، حتّى يَكُونا شاهِدَيْن .. فكذلك: لا، حتّى يَكُونُوا سِتِّينَ مسْكينًا.
(٢٥١٤) وقال أيضًا: لو أطْعَمَه أهْلَ الحَرْبِ لم يُجْزِئه، وإنْ أطْعَمَه أهْلَ الذِّمَّةِ أجْزَأه .. فإنْ أجْزَأ غَيْرَ المسْلِمِين، وقد أوْصَى اللهُ جل ذِكرُه بالأسِيرِ .. فلِمَ لا يُجْزِئ أسِيرُ المسْلِمِين الحرْبِيُّ والمسْتأمَنِين إلَيْهِم؟
(٢٥١٥) وقالوا: لو غَدّاهُم وعَشّاهُم - وإنْ تَفاوَتَ أكْلُهُم - فأشْبَعَهُم أجْزَأ، وإنْ أعْطاهُم قِيمَةَ الطّعامِ عَرْضًا أجْزَأه .. فإذا تَرَكَ ما نَصَّت السُّنَّةُ مِنْ المكِيلَةِ، فأطْعَمَ سِتِّين صَبِيًّا، أو رِجالًا مَرْضَى، أو مَنْ لا يُشْبِعُهُم إلّا أضْعافُ الكفّارَةِ، فما يَقُولُ إذا أعْطَى عَرْضًا مَكانَ المكِيلَةِ وكان مُوسِرًا يُعْتِقُ رَقَبَةً فتَصَدَّقَ بِقِيمَتِها؟ فإنْ أجازَ هذا .. فقَدْ أجازَ الإطْعامَ وهو قادِرٌ على الرَّقَبَةِ، وإنْ زَعَمَ أنّه لا يَجُوزُ إلّا رَقَبَةٌ .. فلم جَوَّزَ العَرْضَ؟ وإنّما السُّنَّةُ مَكِيلَةُ طَعامٍ مَعْرُوفَةٌ، وإنّه يَلْزَمُه في قِياسِ قَوْلِه هذا أن يُحِيلَ الصَّوْمَ وهو مُطِيقٌ له إلى الصَّدَقَةِ، والله أعلم.
стр. 1321
[٤٥]
كتاب اللِّعان
مختصر من الجامع من كتابَيْ لعانٍ جديدٍ وقديمٍ، وما دخل فيهما من الطلاق، ومن أحكام القرآن ومن اختلاف الحديث (١)
стр. 1322
(٢٥١٦) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم - إلى قوله: - والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [النور: ٦ - ٩] (١)، قال: فكان بَيِّنًا في كِتابِ اللهِ أنّه أخْرَجَ الزَّوْجَ مِنْ قَذْفِ المرأةِ بالْتِعانِه؛ كما أخْرَجَ قاذِفَ المحْصَنَةِ غَيْرَ الزَّوْجَةِ بأرْبَعَةِ شُهُودٍ ممّا قَذَفَها به، وفي ذلك دَلالَةٌ أنْ ليس على الزَّوْجِ أن يَلْتَعِنَ حتّى تَطْلُبَ المقْذُوفَةُ حَدَّها؛ كما ليس على قاذِفِ الأجْنَبِيَّةِ حَدٌّ حتّى تَطْلُبَ حَدَّها.
(٢٥١٧) قال: ولمّا لم يَخُصَّ اللهُ جل ذِكرُه أحَدًا مِنْ الأزْواجِ دُونَ غَيْرِه، ولم يَدُلَّ على ذلك سُنَّةٌ ولا إجماعٌ .. كان على كُلِّ زَوْجٍ جاز طَلاقُه ولَزِمَه الفَرْضُ، وكذلك على كُلِّ زوجةٍ لَزِمَها الفَرْضُ، ولعانُهم كُلِّهِم سواءٌ، لا يَخْتَلِفُ القَوْلُ به والفُرْقَةُ ونَفْيُ الوَلَدِ، وتخْتَلِفُ الحدُودُ لمَن وَقَعَتْ له وعليه، وسواءٌ قال: «زَنَتْ»، أو: «رأيْتُها تَزْني»، أو: «يا زانية»؛ كما يَكونُ ذلك سواءً إذا قَذَفَ أجْنَبِيَّةً.
(٢٥١٨) وقال في كتاب النكاح والطلاق «إملاء على مسائل مالك»: ولو جاءتْ بحَمْلٍ وزَوْجُها صَبِيٌّ دون العَشْرِ .. لم يَلْزَمْه؛ لأنّ العِلْمَ يُحِيطُ