← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1318–1357 · переход к 1323.

стр. 1318

(٢٦١) باب الكفارة بالطعام من كتابَيْ ظِهارٍ جديدٍ وقديمٍ (٢٥٠١) قال الشافعي فيمَن تظاهَرَ فلم يَجِدْ رَقَبَةً، ولم يَسْتَطِعْ حين يُرِيدُ الكفّارَةَ صَوْمَ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن بمَرَضٍ أو عِلَّةٍ ما كانَتْ: أجْزَأه أن يُطْعِمَ. (٢٥٠٢) ولا يُجْزِئه أقَلَّ مِنْ سِتِّين مِسْكِينًا، كُلُّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ طَعامِ بَلَدِه الذي يُقْتاتُ، حِنْطَةً، أو شَعِيرًا، أو أُرْزًا، أو سُلْتًا، أو تمْرًا، أو زَبِيبًا، أو أَقِطًا. (٢٥٠٣) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَهُم جُمْلَةً سِتِّينَ مُدًّا أو أكْثَرَ؛ لأنّ أخْذَهُم الطّعامَ يَخْتَلِفُ، فلا أدْرِي لعلَّ أحَدَهُم يأخُذُ أقَلَّ، وغَيْرَه أكْثَرَ، مع أنّ النبيَّ ﷺ إنّما بَيَّنَ مَكِيلَةَ طَعامٍ في كُلِّ ما أمَرَ به مِنْ كفّارَةٍ. (٢٥٠٤) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَهُم دَقِيقًا ولا سَوِيقًا ولا خُبْزًا، حتّى يُعْطِيَهُم حَبًّا. (٢٥٠٥) وسَواءٌ الصَّغِيرُ منهم والكَبِيرُ. (٢٥٠٦) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَه مَنْ تَلْزَمُه نَفَقَتُه، ولا عَبْدًا، ولا مُكاتَبًا، ولا أحَدًا على غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ. (٢٥٠٧) وقال في القديم: لو عَلِمَ بعد أنْ أعْطاه أنّه غَنِيٌّ أجْزَأه، ثُمّ رَجَعَ إلى أنّه لا يُجْزِئه. قال المزني: قلت أنا (١): وهذا أقْيَسُ؛ لأنّه أعْطَى مَنْ لم يَفْرِضْه اللهُ

стр. 1319

له، بل حَرَّمَه عليه، والخَطَأُ في الأمْوالِ عنده في حُكْمِ العَمْدِ، إلّا في المأثَمِ (١). (٢٥٠٨) قال الشافعي: ويُكَفِّرُ بالطّعامِ قَبْلَ المسِيسِ؛ لأنّها في مَعْنَى الكفّارَةِ قَبْلَها. (٢٥٠٩) ولو أعْطَى مِسْكِينًا مُدَّيْن: مُدًّا عن ظِهارٍ، ومُدًّا عن يَمِينٍ .. أجْزَأه؛ لأنّهما كفّارَتان مخْتَلِفَتَان. (٢٥١٠) ولا يَجُوزُ أن يُكَفِّرَ إلّا كفّارَةً كامِلَةً، مِنْ أيّ الكفَاراتِ كَفَّرَ. (٢٥١١) وكُلُّ الكفّاراتِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ، لا تَخْتَلِفُ، وفي فَرْضِ الله على رَسُولِه وفي سُنَّةِ نَبِيِّه ما يَدُلُّ على أنَّه بمُدِّه ﷺ ، وكيف يَكُونُ؟ بمُدِّ مَنْ لم يُولَدْ في عَهْدِه ﵇ أو مدٍّ أحْدِثَ من بعده؟! (٢٥١٢) وإنّما قُلْتُ: مُدًّا لكُلِّ مِسْكِينٍ؛ لحديثِ رَسولِ الله ﷺ في المكَفِّرِ في رمضانَ؛ فإنّه أتَى بعَرَقٍ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقال للمكَفِّر: «كَفِّرْ به»، وقد أعْلَمَه أنّ عليه إطْعامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فهذا مُدٌّ مُدٌّ، فكانَت الكفّارَةُ بالكفّارَةِ أشْبَهَ في القياسِ مِنْ أن نقِيسَها على فِدْيَةٍ في الحجِّ (٢)، وقال بعضُ الناس: المدُّ رِطْلانِ بالحَجّاجِيِّ، وقد احْتَجَجْنا فيه مع أنّ الآثارَ على ما قُلْنا وأمْرُ النّاسِ بدارِ الهجْرَةِ، وما يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يَكُونَ أعْلَمَ بهذا مِنْ أهْلِ المدينة. (٢٥١٣) وقالوا أيضًا: لو أعْطَى مِسْكِينًا واحِدًا طَعامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا في سِتِّينَ يَوْمًا أجْزَأه، قال الشافعي: لَئِنْ أجْزَأه في كُلِّ يَوْمٍ وهو واحِدٌ ليُجْزِئَنَّه في مَقامٍ واحدٍ، وقيلَ له: أرَأيْتَ لو قال قائلٌ: قال الله: ﴿وأشهدوا ذوي

стр. 1320

عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، ففي هذا شَرْطان: عَدَدٌ وشَهادةٌ، فأنا أجِيزُ الشهادَةَ دُونَ العَدَدِ، فإنْ شَهِدَ اليَوْمَ شاهِدٌ ثُمّ عادَ بشَهادَتِه فهي شَهادَتان، فإن قال: لا، حتّى يَكُونا شاهِدَيْن .. فكذلك: لا، حتّى يَكُونُوا سِتِّينَ مسْكينًا. (٢٥١٤) وقال أيضًا: لو أطْعَمَه أهْلَ الحَرْبِ لم يُجْزِئه، وإنْ أطْعَمَه أهْلَ الذِّمَّةِ أجْزَأه .. فإنْ أجْزَأ غَيْرَ المسْلِمِين، وقد أوْصَى اللهُ جل ذِكرُه بالأسِيرِ .. فلِمَ لا يُجْزِئ أسِيرُ المسْلِمِين الحرْبِيُّ والمسْتأمَنِين إلَيْهِم؟ (٢٥١٥) وقالوا: لو غَدّاهُم وعَشّاهُم - وإنْ تَفاوَتَ أكْلُهُم - فأشْبَعَهُم أجْزَأ، وإنْ أعْطاهُم قِيمَةَ الطّعامِ عَرْضًا أجْزَأه .. فإذا تَرَكَ ما نَصَّت السُّنَّةُ مِنْ المكِيلَةِ، فأطْعَمَ سِتِّين صَبِيًّا، أو رِجالًا مَرْضَى، أو مَنْ لا يُشْبِعُهُم إلّا أضْعافُ الكفّارَةِ، فما يَقُولُ إذا أعْطَى عَرْضًا مَكانَ المكِيلَةِ وكان مُوسِرًا يُعْتِقُ رَقَبَةً فتَصَدَّقَ بِقِيمَتِها؟ فإنْ أجازَ هذا .. فقَدْ أجازَ الإطْعامَ وهو قادِرٌ على الرَّقَبَةِ، وإنْ زَعَمَ أنّه لا يَجُوزُ إلّا رَقَبَةٌ .. فلم جَوَّزَ العَرْضَ؟ وإنّما السُّنَّةُ مَكِيلَةُ طَعامٍ مَعْرُوفَةٌ، وإنّه يَلْزَمُه في قِياسِ قَوْلِه هذا أن يُحِيلَ الصَّوْمَ وهو مُطِيقٌ له إلى الصَّدَقَةِ، والله أعلم.

стр. 1321

[٤٥] كتاب اللِّعان مختصر من الجامع من كتابَيْ لعانٍ جديدٍ وقديمٍ، وما دخل فيهما من الطلاق، ومن أحكام القرآن ومن اختلاف الحديث (١)

стр. 1322

(٢٥١٦) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم - إلى قوله: - والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [النور: ٦ - ٩] (١)، قال: فكان بَيِّنًا في كِتابِ اللهِ أنّه أخْرَجَ الزَّوْجَ مِنْ قَذْفِ المرأةِ بالْتِعانِه؛ كما أخْرَجَ قاذِفَ المحْصَنَةِ غَيْرَ الزَّوْجَةِ بأرْبَعَةِ شُهُودٍ ممّا قَذَفَها به، وفي ذلك دَلالَةٌ أنْ ليس على الزَّوْجِ أن يَلْتَعِنَ حتّى تَطْلُبَ المقْذُوفَةُ حَدَّها؛ كما ليس على قاذِفِ الأجْنَبِيَّةِ حَدٌّ حتّى تَطْلُبَ حَدَّها. (٢٥١٧) قال: ولمّا لم يَخُصَّ اللهُ جل ذِكرُه أحَدًا مِنْ الأزْواجِ دُونَ غَيْرِه، ولم يَدُلَّ على ذلك سُنَّةٌ ولا إجماعٌ .. كان على كُلِّ زَوْجٍ جاز طَلاقُه ولَزِمَه الفَرْضُ، وكذلك على كُلِّ زوجةٍ لَزِمَها الفَرْضُ، ولعانُهم كُلِّهِم سواءٌ، لا يَخْتَلِفُ القَوْلُ به والفُرْقَةُ ونَفْيُ الوَلَدِ، وتخْتَلِفُ الحدُودُ لمَن وَقَعَتْ له وعليه، وسواءٌ قال: «زَنَتْ»، أو: «رأيْتُها تَزْني»، أو: «يا زانية»؛ كما يَكونُ ذلك سواءً إذا قَذَفَ أجْنَبِيَّةً. (٢٥١٨) وقال في كتاب النكاح والطلاق «إملاء على مسائل مالك»: ولو جاءتْ بحَمْلٍ وزَوْجُها صَبِيٌّ دون العَشْرِ .. لم يَلْزَمْه؛ لأنّ العِلْمَ يُحِيطُ

стр. 1323

أنّه لا يُولَدُ لمثْلِه، وإنْ كان ابْنَ عَشْرِ سِنينَ فأكْثَرَ، وكان يُمْكِنُ أن يُولَدَ له .. كان له حتّى يَبْلُغَ، فيَنْفِيَه بلِعانٍ، أو يَمُوتَ قبل البُلُوغِ، فيَكُونَ وَلَدَه. (٢٥١٩) ولو كان بالغًا مجْبُوبًا .. كان له، إلّا أن يَنْفِيَه بلِعانٍ؛ لأنّ العِلْمَ لا يُحِيطُ أنَّه لا يُحْمَلُ له. (٢٥٢٠) ولو قال: «قَذَفْتُكِ وعَقْلِي ذاهبٌ» .. فهو قاذِفٌ، إلّا أن يُعْلَمَ أنّ ذلك يُصِيبُه، فيُصَدَّقُ. (٢٥٢١) ويُلاعِنُ الأخْرَسُ إذا كان يَعْقِلُ الإشارَةَ، وقال بعض الناس: لا يُلاعِنُ، قال الشافعي (١): وإنْ طَلَّقَ أو باعَ بإيماءٍ أو بكِتابٍ يُفْهَمُ جازَ، وأَصْمَتَتْ أُمامَةُ بنتُ أبي العاص (٢)، فقيل لها: لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا؟ فأشارَتْ: أيْ نعم (٣)، فرُفِعَ ذلك، فرُئيَتْ أنّها وَصِيَّةٌ. (٢٥٢٢) ولو كانَتْ مَغْلُوبَةً على عَقْلِها فالْتَعَنَ .. وَقَعَت الفُرْقَةُ، ونُفِيَ الوَلَدُ إن انْتَفَى منه، ولا تُحَدُّ؛ لأنّها ليْسَتْ ممّن عليه الحُدُودُ، ولو طَلَبَه وَلِيُّها، أو كانَت امْرَأتُه أمَةً فطَلَبَه سَيِّدُها .. لم يَكُنْ لواحِدٍ منهما، فإن ماتَتْ قبل أن تَعْفُوَ عنه فطَلَبَه وَلِيُّها، كان عليه أن يَلْتَعِنَ أو يُحَدَّ للحُرَّةِ البالِغِ، ويُعَزَّرَ لغَيْرِها (٤).

стр. 1324

(٢٥٢٣) ولو الْتَعَنَ وأبَيْنَ اللِّعانَ .. فعلى الحُرَّةِ البالِغَةِ الحَدُّ، والممْلُوكَةِ نِصْفُ الحَدِّ ونَفْيُ نِصْفِ سَنَةٍ. (٢٥٢٤) ولا لِعانَ على الصَّبِيَّةِ؛ لأنّه لا حَدَّ عليها (١). (٢٥٢٥) ولا أُجْبِرُ الذِّمِّيَّةَ على اللِّعانِ، إلّا أن تَرْغَبَ في حُكْمِنا، فتَلْتَعِنُ، فإن لم تَفْعَلْ حَدَدْناها إنْ ثَبَتَتْ على الرِّضا بحُكْمِنا. قال المزني: قلت أنا (٢): أوْلى بقَوْلِه أن تُحَدَّ؛ لأنّها رَضِيَتْ ولَزِمَها حُكْمُنا (٣)، ولو كان الحكْمُ إذا ثَبَتَ عليها وأبَت الرِّضا به سَقَطَ عنها لم يَجُزْ عليها حُكْمٌ أبَدًا؛ لأنّها تَقْدِرُ إذا لَزِمَها بالحُكْمِ ما تَكْرَهُ أن لا تُقِيمَ على الرِّضا، ولو قَدَرَ اللَّذان حَكَمَ عليهما النبيُّ ﷺ بالرَّجْمِ مِنْ اليَهُودِ على أن لا يَرْجُمَهما بتَرْكِ الرِّضا لفَعَلا إن شاء الله، وقال في «الإملاء - في كتاب النكاح والطلاق - على مسائل مالك»: «إنْ أبَتْ أن تَلْتَعِنَ حَدَدْناها» (٤).

стр. 1325

(٢٥٢٦) قال الشافعي: ولو كانَت امْرَأتُه محْدُودَةً في زِنًا، فقَذَفَها بذلك الزِّنا أو بزِنًا كان في غَيْرِ مِلْكِه .. عُزِّرَ إن طَلَبَتْ ذلك، ولم يَلْتَعِنْ. (٢٥٢٧) قال: وإنْ أنكَرَ أن يَكُونَ قَذَفَها، فجاءتْ بشاهِدَيْن .. لاعَنَ، وليس جُحُودُه القَذْفَ إكْذابًا لنَفْسِه. (٢٥٢٨) ولو قَذَفَها وهو صَبيٌّ ثُمّ بَلَغَ (١) .. لم يَكُنْ عليه حَدٌّ ولا لِعانٌ. (٢٥٢٩) ولو قَذَفَها في عِدَّةٍ يَمْلِكُ فيها الرَّجْعَةَ .. فعليه اللِّعانُ. (٢٥٣٠) ولو بانَتْ فقَذَفَها بزِنًا نَسَبَه إلى أنّه كان وهي زَوْجُه .. حُدَّ، ولا لِعانَ، إلّا أن يَنْفِيَ به وَلَدًا أو حَمْلًا، فيَلْتَعِنُ، فإن قيل: فلِمَ لاعَنْتَ بينهما وهي بائنٌ إذا ظَهَرَ بها حَمْلٌ؟ .. قيل: كما ألحقْتُ الوَلَدَ لأنّها كانَتْ زَوْجَه، فكذلك لاعَنْتُ بَيْنَهُما بالوَلَدِ لأنّها كانَتْ زَوْجَه، ألا تَرَى إن وَلَدَتْ بعد بَيْنُونَتِهَا منه كهو وهي تحْتَه؟ وإذْ نَفَى رسولُ الله ﷺ الوَلَدَ وهي زَوْجَةٌ فأزالَ الفِراشَ، كان الوَلَدُ بعدما تَبِينُ أوْلى أن يُنْفَى، أو في مِثْلِ حالِه قَبْلَ تَبِينُ. (٢٥٣١) ولو قال: «أصابَكِ رَجُلٌ في دُبُرِكِ» .. حُدَّ أو لاعَنَ (٢).

стр. 1326

(٢٥٣٢) ولو قال لها: «يا زانيةُ ابنةَ الزانيةِ»، وأمُّها حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، فطَلَبَتْ حَدَّ أمِّها .. لم يَكُنْ ذلك لها، وحُدَّ لأمِّها إذا طَلَبَتْه أو وَكِيلُها، والْتَعَنَ لامْرأتِه، فإن لم يَفْعَلْ حُبِسَ حتّى يَبْرَأَ جِلْدُه، فإذا بَرَأ حُدَّ، إلّا أن يَلْتَعِنَ. (٢٥٣٣) ومتى أبَى اللِّعانَ فحَدَدْتُه إلّا سَوْطًا، ثُمّ قال: أنا ألْتَعِنُ .. قَبِلْتُ رُجُوعَه، ولا شَيْءَ له فيما مَضَى مِنْ الضَّرْبِ؛ كما يَقْذِفُ الأجْنَبِيَّةَ ويَقُولُ: لا آتي بالشُّهُودِ، فيُضْرَبُ بَعْضَ الحدِّ، ثُمّ يَقُولُ: أنا آتي بهم، فيَكُونُ ذلك له، وكذلك المرْأةُ إذا لم تَلْتَعِنْ فضُرِبَتْ بَعْضَ الحَدِّ، ثُمّ تَقُولُ: أنا ألْتَعِنُ .. قَبِلْتُ (١). (٢٥٣٤) وقال قائل: كيف لاعَنْتَ بَيْنَه وبَيْنَ مَنْكُوحَةٍ نِكاحًا فاسِدًا بوَلَدٍ واللهُ ﵎ يَقُولُ: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦]؟ فقلت له: قال رسولُ الله ﷺ : «الوَلَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحَجَرُ»، فلم يَخْتَلِف المسلمُون أنّه مالِكُ الإصابَةِ بالنِّكاحِ الصَّحيحِ أو مِلْكِ اليَمِينِ، قال: نعم، هذا الفِراشُ، قيل: والزِّنا لا يَلْحَقُ به نَسَبٌ، ولا يَكُونُ به مَهْرٌ (٢)، ولا يُدْرَأ فيه حَدٌّ؟ قال: نعم، قلت: فإذا حَدَثَتْ نازِلَةٌ لَيْسَتْ بالفِراشِ الصَّحِيحِ، ولا الزِّنا الصَّرِيحِ، وهو النِّكاحُ الفاسِدُ، ألَيْسَ سَبِيلُها أن نَقِيسَها بأقْرَبِ الأشْياءِ بها شَبَهًا؟ قال: نعم، قلت: فقد أشْبَهَ الوَلَدُ عن وَطْءٍ بشُبْهَةٍ الوَلَدَ عن نِكاحٍ صَحِيحٍ في إثْباتِ الوَلَدِ وإلْزامِ المهْرِ وإيجابِ العِدَّةِ، فكذلك يَشْتَبِهان في النَّفْيِ باللِّعانِ (٣).

стр. 1327

(٢٥٣٥) وقال بعض الناس: لا يُلاعِنُ إلّا حُرّانِ مُسْلِمانِ، ليْسَ واحِدٌ منهما مَحْدُودًا في قَذْفٍ، وتَرَكَ ظاهِرَ القرآنِ، واعْتَلَّ بأنّ اللِّعانَ شَهادَةٌ، وإنّما هي يَمِينٌ (١)، ولو كانَتْ شَهادَةً ما جاز أن يَشْهَدَ أحَدٌ لنَفْسِه، ولكانَت المرْأةُ على النِّصْفِ مِنْ شَهادَةِ الرَّجُلِ، ولا كان على شاهِدٍ يَمِينٌ، ولما جاز الْتِعانُ الفاسِقَيْن؛ لأنّ شَهادَتَهما لا تَجُوزُ، فإن قيل (٢): فقد يَتُوبانِ فيَجُوزانِ .. قيل: وكذلك العَبْدانِ الصّالِحان قد يُعْتَقان فيَجُوزان مَكانَهما، والفاسِقان لو تابا لم يُقْبَلا إلّا بعد طُولِ مُدَّةٍ يُخْتَبَران فيها، ولَزِمَهُم أن يُجِيزُوا لِعانَ الذِّمِّيَّيْن الحُرَّيْن؛ لأنّ شَهادَتَهما عندهم تَجُوزُ، ولَزِمَهُم أن لا يُجِيزُوا لِعانَ الأعْمَيَيْن البَخِيقَيْن (٣)؛ لأنّ شَهادَتَهما عندهم لا تَجُوزُ أبَدًا؛ كما لا تَجُوزُ شَهادَةُ المحْدُودَينِ.

стр. 1328

(٢٦٢) باب أين يكون اللعان؟ من كتابي اللعان (٢٥٣٦) قال الشافعي: ورُوِي عن رسول الله ﷺ أنّه لاعَنَ بَيْن الزَّوْجَيْن على المنْبَرِ. (٢٥٣٧) قال: فإذا لاعَنَ الحاكِمُ بينهما بمَكَّةَ .. فبَيْن المقام والبَيْتِ، أو بالمدينة .. فعلى المنْبَرِ، أو بيت المقْدِسْ .. ففي مَسْجِدِها، وكَذا كُلُّ بَلَدٍ، قال: ويَبْدَأ فيُقِيمُ الرَّجُلَ قائِمًا والمرْأةُ جالِسَةٌ فيَلْتَعِنُ، ثُمّ يُقِيمُ المرْأةَ قائمَةً فتَلْتَعِنُ، إلّا أنْ تَكُونَ حائضًا فعَلى باب المسْجِدِ. (٢٥٣٨) وإنْ كانَتْ مُشْرِكَةً الْتَعَنَتْ في الكَنِيسَةِ وحَيْثُ تُعَظِّمُ. (٢٥٣٩) وإنْ شاءَت المشْرِكَةُ أنْ تَحْضُرَه في المساجِدِ كُلِّها حَضَرَتْه، إلّا أنّها لا تَدْخُلُ المسْجِدَ الحرام؛ لقول الله : ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. قال المزني: قلت أنا (١): إذا جَعَلَ للمُشْرِكَةِ أنْ تَحْضُرَه في المسْجِدِ وعَسَى بها مع شِرْكِها أنْ تكُونَ حائضًا .. كانَت المسْلِمَةُ بذلك أوْلَى (٢).

стр. 1329

(٢٥٤٠) قال الشافعي: وإنْ كانا مُشْرِكَيْنِ لا دِينَ لهما تَحاكَما إلَيْنَا .. لاعَنَ بَيْنَهما في مَجْلِسِ الحُكْمِ.

стр. 1330

(٢٦٣) باب سنة اللعان ونفي الولد وإلحاقه بالأم وغير ذلك من كتابَيْ لعانٍ قديمٍ وجديدٍ، ومن اختلاف الحديث (٢٥٤١) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأتَه في زَمَنِ النَّبيّ ﷺ وانْتَفَى مِنْ وَلَدِها، ففَرَّقَ رسولُ الله ﷺ بينهما، وألحَقَ الوَلَدَ بالمرْأةِ. (٢٥٤٢) وقال سَهْلٌ وابنُ شِهابٍ: «فكانَتْ سُنَّةَ المتَلاعِنَيْن»، قال الشافعي: ومَعْنَى قَوْلِهما: فُرْقَةٌ لا بطَلاقِ الزَّوْجِ، قال: وتَفْرِيقُ النبيّ ﷺ غَيْرُ فُرْقَةِ الزَّوْجِ، إنّما هو تَفْرِيقُ حُكْمٍ. (٢٥٤٣) قال: وإذْ قال رسولُ الله ﷺ : «اللهُ يَعْلَمُ أنّ أحَدَكُما كاذِبٌ فهَلْ مِنْكُما تائبٌ؟»، فحَكَمَ على الصّادِقِ والكَاذِبِ حُكْمًا واحِدًا، وأخْرَجَهُما مِنْ الحدِّ. (٢٥٤٤) وقال ﷺ : «إنْ جاءَتْ به أُدَيْعِجَ فلا أُراهُ إلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها (١)»، فجاءَتْ به على النَّعْتِ المكْرُوهِ، فقال النبيُّ ﷺ : «إنّ أمْرَهَا (٢) بَيِّنٌ لَوْلا ما حَكَمَ اللهُ»، فأخْبَرَ أنّه لم يَسْتَعْمِلْ دَلالَةَ صِدْقِه عليها، وحَكَمَ بالظّاهِرِ بَيْنَه وبَيْنَها، فمَن بَعْدَه مِنْ الوُلاةِ أوْلَى أن لا يَسْتَعْمِلَ دَلالَةً في مِثْلِ هذا المعْنَى ولا يَقْضِيَ إلّا بالظّاهِرِ أبَدًا.

стр. 1331

(٢٥٤٥) قال الشافعي في حَدِيثٍ ذَكَرَه: إنّه لمّا نَزَلَتْ آيَةُ الملاعَنَةِ قال رسولُ الله ﷺ : «أيُّما امْرَأةٍ أدْخَلَتْ على قَوْمٍ مَنْ ليس مِنْهُم، فلَيْسَتْ مِنْ اللهِ في شَيْءٍ، ولَنْ يُدْخِلَها الله جَنَّتَه، وأيُّما رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَه وهو يَنْظُرُ إلَيْه، احْتَجَبَ اللهُ مِنْه وفَضَحَه على رُؤوسِ الأوَّلِين والآخِرِين».

стр. 1332

(٢٦٤) باب كيف اللعان؟ من كتابي اللعان، ومن الطلاق، ومن أحكام القرآن (١) (٢٥٤٦) قال الشافعي: ولمّا حَكَى سَهْلُ بنُ سعدٍ شُهُودَ المتَلاعِنَيْن مع حَدَاثَتِه، وحَكاهُ ابْنُ عُمَرَ .. اسْتَدْلَلْنا على أنّ اللِّعانَ لا يَكُونُ إلّا بمَحْضَرٍ مِنْ طائفةٍ مِنْ المؤمِنِين؛ لأنّه لا يَحْضُرُ أمْرًا يُرِيدُ رسولُ الله ﷺ سَتْرَه، ولا يَحْضُرُه إلّا وغَيْرُه حاضِرٌ له، وكذلك جميعُ حُدُودِ الزِّنا يَشْهَدُها طائفةٌ مِنْ المؤمنين، أقَلُّهُم أرْبَعَةٌ؛ لأنّه لا يَجُوزُ في شَهادَةِ الزِّنا أقَلُّ منهم، وهذا يُشْبِه قَوْلَ اللهِ جل ذكره في الزّانِيَيْنِ: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢]. (٢٥٤٧) وفي حِكايَةِ مَنْ حَكَى اللِّعانَ عن رسولِ الله ﷺ جُمْلَةً (٢) بلا تَفْسِيرٍ، دَلالَةٌ على أنّ اللهَ جل ثناؤه لمّا نَصَبَ اللِّعانَ حِكايَةً في كِتابِه، فإنّما لاعَنَ رسولُ الله ﷺ بَيْنَ المتَلاعِنَيْن بما حَكَى اللهُ في القُرآنِ. (٢٥٤٨) و «اللِّعانُ»: أن يَقُولَ الإمامُ للزَّوْجِ: «قل: أشْهَدُ بالله إنّي لَمِنَ الصّادِقِين فيما رَمَيْتُ به زَوْجَتِي فُلانةَ بِنْتَ فُلانٍ مِنْ الزِّنا»، ويُشِيرُ إلَيْها إن كانَتْ حاضِرَةً، ثُمّ يَعُودُ فيَقُولها حتّى يُكْمِلَ ذلك أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمّ يَقِفُه الإمامُ ويُذَكِّرُه اللهَ، ويَقُولُ: «إنّي أخافُ إن لم تَكُنْ صَدَقْتَ أن تَبُوء بلَعْنَةِ

стр. 1333

اللهِ»، فإن رآه يُرِيدُ أن يَمْضِيَ أمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَه على فِيه ويَقُول: «إنّ قَوْلَكَ: (وعَليَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين) مُوجِبَةٌ إنْ كُنْتَ كاذِبًا»، فإنْ أبَى تَرَكَه وقال: «قُلْ: وعَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين فيما رَمَيْتُ به فُلانَةَ مِنْ الزِّنا». (٢٥٤٩) فإن قَذَفَها بأحَدٍ يُسَمِّيه بعَيْنِه واحِدٍ أو اثْنَيْن أو أكْثَرَ .. قال مع كُلِّ شَهادَةٍ: «إنّي لمن الصادِقِين فيما رَمَيْتُها به مِنْ الزِّنا بفُلانٍ أو بفُلانٍ وفُلانٍ»، وقال عند الالْتِعان: «عَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الكاذِبِين فيما رَمَيْتُها به مِنْ الزِّنا بفُلانٍ أو بفُلانٍ وفُلانٍ». (٢٥٥٠) قال: فإنْ كان معها وَلَدٌ فنَفاه، أو بها حَمْلٌ فانْتَفَى منه .. قال (١): «وإنّ هذا الوَلَدَ لوَلَدُ زِنا، ما هو مِنِّي»، وإنْ كان حَمْلًا قال: «وإنّ هذا الحمْلَ إنْ كان بها حَمْلٌ (٢) لحمْلٌ مِنْ زِنا، ما هو مِنِّي». (٢٥٥١) قال: فإذا قال هذا فقد فَرَغَ مِنْ الالْتِعان، فإنْ أخْطأ الإمامُ فلم يَذْكُر نَفْيَ الوَلَدِ أو الحمْلِ في اللِّعانِ قال للزَّوْجِ: إنْ أرَدْتَ نَفْيَه أعَدْتَ اللِّعانَ، ولا تُعِيدُ المرْأةُ بعد إعادَةِ الزَّوْجِ اللِّعانَ إنْ كانَتْ فَرَغَتْ منه بعد لِعانِ الزَّوْجِ الذي أغْفَلَ الإمامُ فيه نَفْيَ الوَلَدِ أو الحمْلِ. (٢٥٥٢) ولو قَذَفَها برَجُلٍ فلم يَلْتَعِنْ لِقَذْفِه، فأراد الرَّجُلُ حَدَّه .. أعاد عليه اللِّعانَ، وإلّا حُدَّ له إن لم يَلْتَعِنْ.

стр. 1334

(٢٥٥٣) وقال في كتاب الطلاق من «أحكام القرآن»، وفي «الإملاء على مسائل مالك»: ولمّا حَكَم اللهُ على الزَّوْجِ يَرْمِي المرْأةَ بالقَذْفِ، ولم يَسْتَثْنِ أن يُسَمِّيَ مَنْ يَرْمِيهَا به أو لم يُسَمِّه، ورَمَى العَجْلانيُّ امْرأتَه بابْنِ عَمِّه أو ابْنِ عَمِّها شَرِيكِ ابن السَّحْماء، وذَكَرَ للنبيِّ ﷺ أنّه رآه عليها، وقال في الطلاق من «أحكام القرآن»: فالْتَعَنَ ولم يُحْضِرْ رسولُ الله ﷺ المرْمِيَّ بالمرأةِ .. اسْتَدْلَلْنا (١) على أنّ الزَّوْجَ إذا الْتَعَنَ لم يَكُنْ على الزَّوْجِ للذِي قَفَاه بامْرَأتِه حَدٌّ (٢)، ولو كان له لأخَذَه له رسولُ الله ﷺ ، ولبَعَثَ إلى المرْمِيِّ فسَألَه، فإنْ أقَرَّ حُدَّ، وإنْ أنكَرَ حُدَّ له الزَّوْجُ، وقال في «الإملاء على مسائل مالك»: فسَألَ النبيُّ ﷺ شَرِيكًا فأنْكَرَ، فلم يُحَلِّفْه ولم يَحُدَّه بالْتِعانِ غَيْرِه، ولم يَحُدَّ العَجْلانيَّ القاذِفَ له باسْمِه (٣).

стр. 1335

(٢٥٥٤) وقال في «اللعان»: وليس للإمامِ (١) إذا رُمِيَ رَجُلٌ بزنًا أن يَبْعَثَ إليه فيَسْألَه عن ذلك؛ لأنّ الله يَقُولُ: ﴿ولا تجسسوا﴾ [الحجرات: ١٢]، فإنْ شُبِّهَ على أحَدٍ بأنّ النبيَّ ﷺ بعث أُنَيْسًا إلى امْرَأةِ رَجُلٍ، فقال: «إن اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» .. فتلك امْرَأةٌ ذَكَرَ أبو الزّاني بها أنّها زَنَتْ، فكان يَلْزَمُه أن يَسْألَ، فإنْ أقَرَّتْ حُدَّتْ، وسَقَطَ الحدُّ عمَّن قَذَفَها، وإنْ أنْكَرَتْ حُدَّ قاذِفُها، وكذلك لو كان قاذِفُها زَوْجَها، قال: ولمّا كان القاذِفُ لامْرَأتِه إذا الْتَعَنَ لو جاء المقذوفُ يَطْلُبُ حَدَّه لم يَكُنْ وَجْهٌ مِنْ الحَدِّ في القَذْفِ الذي يَطْلُبُه المقذوفُ بعَيْنِه، لم يَكُنْ لمسْألَةِ المقذوفِ مَعْنًى إلّا أن يُسْألَ ليُحَدَّ، ولم يَسْألْه رسولُ الله ﷺ ، وإنّما سَألَ المقْذُوفَةَ - والله أعلم - للحَدِّ الذي وَقَعَ لها إن لم تُقِرَّ بالزِّنا ولم يَلْتَعِن الزَّوْجُ (٢). (٢٥٥٥) وأيُّ الزَّوْجَيْن كان أعْجَمِيًّا الْتَعَنَ بلِسانِه، بشَهادَةِ عَدْلَيْن

стр. 1336

يَعْرِفانِ لِسانَه، وأحَبُّ إليَّ لو كانوا أرْبَعَةً، وإنْ كان أخْرَسَ يَفْهَمُ الإشارَةَ الْتَعَنَ بالإشارَةِ، فإن انْطَلَقَ لِسانُه بعد الخَرَسِ لم يُعِدْ. (٢٥٥٦) ثُمّ تُقامُ المرْأةُ فتَقُولُ: «أشْهَدُ بالله أنّ زَوْجِي فُلانًا - وتُشِيرُ إليه إنْ كان حاضِرًا - لَمِن الكاذِبِين فيما رَمَانِي به مِنْ الزِّنا»، ثُمّ تَعُودُ حتّى تَقُولَ ذلك أرْبَعَ مرّاتٍ، فإذا فَرَغَتْ وَقَفَها الإمامُ وذَكَّرَها اللهَ ﵎، وقال: «احْذَرِي أن تَبُوئِي بغَضَبِ اللهِ إن لم تكُونِي صادقةً في أيْمانِكِ (١)»، فإن رآها تَمْضِي وحَضَرَتْها امْرَأةٌ أمَرَها أن تَضَعَ يَدَها على فِيها، وإن لم تَحْضُرْها فرآها تَمْضِي قال لها (٢): «قولي: وعَليَّ غَضَبُ الله إنْ كان مِنْ الصّادِقِين فيما رَمانِي به من الزِّنا»، فإذا قالَتْ ذلك فقَدْ فَرَغَتْ. (٢٥٥٧) قال: وإنّما أمَرْتُ بوَقْفِهِما وتَذْكِيرِهما اللهَ جل ثناؤه؛ لأنّ ابْنَ عبّاسٍ حَكَى أنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ رَجُلًا حين لاعَنَ بين المتَلاعِنَيْن أن يَضَعَ يَدَه على فِيه عند الخامِسَةِ، وقال: «إنّها مُوجِبَةٌ»، ولمّا ذَكَرَ اللهُ جل ذِكرُه الشّهاداتِ أرْبَعًا، ثُمّ فَصَلَ بَيْنَهُنّ باللَّعْنَةِ في الرّجُلِ، والغَضَبِ في المرْأةِ، دَلَّ على حالِ افْتِراقِ اللِّعانِ والشّهاداتِ، وأنّ اللَّعْنَةَ والغَضَبَ بعد الشّهادَةِ مُوجِبانِ على مَنْ أوجِبا عليه بأن يَجْتَرِئ على القَوْلِ والفِعْلِ، ثُمّ على الشّهادَةِ بالله باطِلًا، ثُمّ يَزِيدُ فيَجْتَرِئ على أن يَلْتَعِنَ وعلى أن يَدْعُوَ بلَعْنَةِ الله، فيَنْبَغِي للإمامِ إذا عَرَفَ مِنْ ذلِكَ ما جَهِلا أن يَقِفَهُما نَظَرًا لهما بدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

стр. 1337

(٢٦٥) باب ما يكون بعد التعان الزوج من الفرقة، ونفي الولد، وحد المرأة من كتابين جديد وقديم (١) (٢٥٥٨) قال الشافعي: وإذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشّهادَةَ والالْتِعانَ .. فقد زال فِراشُ امْرأتِه، ولا تَحِلُّ له أبَدًا بحَالٍ، وإنْ أكْذَبَ نَفْسَه، الْتَعَنَتْ أو لم تَلْتَعِنْ، وإنّما قُلْتُ هذا؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا سَبيلَ لك عليها»، ولم يَقُلْ: «حتّى تُكَذِّبَ نَفْسَك»، وقال الله ﵎ في المطلقة ثلاثًا: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولمّا قال النبي ﷺ : «الوَلَدُ للفِراشِ»، وكانَتْ فِراشًا .. لم يَجُزْ أن يَنْفِيَ الوَلَدَ عن الفِراشِ إلّا بأن يَزُولَ الفِراشُ، وكان مَعْقُولًا في حُكْمِ رسولِ الله ﷺ إذْ ألْحَقَ الوَلَدَ بأمِّه أنّه نَفاه عن أبِيه، وأنّ نَفْيَه عنه بيَمِينِه والْتِعانِه، لا بيَمِينِ المرْأةِ على تَكْذِيبِه بنَفْيِه، ومَعْقُولٌ في إجْماعِ المسْلِمِين أنّ الزَّوْجَ إذا أكْذَبَ نَفْسَه لَحِقَ به الوَلَدُ وجُلِدَ الحَدَّ .. أن لا مَعْنَى للْمَرْأة في نَفْيِه، وأنّ المعْنَى للزَّوْجِ بما وَصَفْتُ مِنْ نَفْيِه، وكيف يَكُونُ لها مَعْنًى في يَمِينِ الزَّوْجِ ونَفْيِ الوَلَدِ وإلْحاقِه، والوَلَدُ بكُلِّ حالٍ وَلَدُها، لا يُنْفَى عنها، إنّما عنه يُنْفَى وإليه يُنْسَبُ، والدَّلِيلُ على ذلك ما لم يَخْتَلِفْ فيه أهْلُ العِلْمِ (٢) مِنْ أنّ الأمَّ لو قالَتْ: «لَيْسَ هو مِنك، إنّما اسْتَعَرْتُه» .. لم يَكُنْ قَوْلُها شَيئًا إذا عُرِفَ أنّها وَلَدَتْه على فِراشِه إلّا بلِعانٍ؛

стр. 1338

لأنّ ذلك حَقٌّ للوَلَدِ دُون الأمِّ، وكذلك لو قال: «هو ابْنِي»، وقالَتْ: «بل زَنَيْتُ، فهو مِنْ زِنًا» .. كان ابْنَه، أفلا تَرَى أنّ حُكْمَ الزَّوْجِ في النَّفْيِ والإثْباتِ إليه دُون أمِّه، فكذلك نَفْيُه بالْتِعانِه إليه دُون أمِّه (١). (٢٥٥٩) وقال بعض الناس: إذا الْتَعَنَ ثُمّ قالَتْ: «صَدَقَ؛ إنّي زَنَيْتُ» .. فالوَلَدُ لاحِقٌ، ولا حَدَّ عَلَيْها ولا لِعانَ، وكذلِكَ إنْ كانَتْ مَحْدُودَةً، فدَخَلَ عليه أن لو كان فاسِقًا قَذَفَ عَفِيفَةً مُسْلِمَةً والْتَعَنا نُفِيَ الوَلَدُ، وهي عند المسْلِمِين أصْدَقُ منه، وإنْ كانَتْ فاسِقَةً فصَدَّقَتْه لم يُنْفَ الوَلَدُ، فجَعَلَ وَلَدَ العَفِيفَةِ لا أبَ له، وألْزَمَها عارَهُ، ووَلَدَ الفاسِقَةِ له أبٌ لا يُنْفَى عنه. (٢٥٦٠) قال: وأيُّهما مات قبل أن يُكَمِّلَ الزَّوْجُ اللِّعانَ وَرِثَ صاحِبَه، والوَلَدُ غَيْرُ مَنْفِيٍّ حتّى يُكَمِّلَ ذلك كُلَّه، فإن امْتَنَع أن يُكَمِّلَ اللِّعانَ حُدَّ لها، فإن طَلَبَتِ الحَدَّ الذي قَذَفَها به لم يُحَدَّ؛ لأنّه قَذْفٌ واحدٌ حُدَّ فيه مَرَّةً، والوَلَدُ للفِراشِ، فلا يُنْفَى إلّا على ما نَفَى به رسولُ الله ﷺ ، وذلك أنّ العَجْلانيَّ قَذَفَ امْرَأتَه ونَفَى حَمْلَها لمّا اسْتَبانَه، فنَفاهُ عنه باللِّعانِ. (٢٥٦١) قال: ولو أكْمَلَ اللِّعانَ، وامْتَنَعَتْ مِنْ اللِّعانِ، وهي مَرِيضَةٌ أو في بَرْدٍ أو حَرٍّ، فكانَتْ ثَيِّبًا .. رُجِمَتْ، وإنْ كانَتْ بِكْرًا .. لم تُحَدَّ حتّى تَصِحَّ ويَنْقَضِيَ الحَرُّ أو البَرْدُ، ثُمّ تُحَدُّ؛ لقول الله ﵎: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ الآية [النور: ٨]، و «العذابُ»: الحدُّ، فلا يُدْرَأ عنها إلّا باللِّعانِ (٢).

стр. 1339

(٢٥٦٢) وزعم بعض الناس (١): لا يُلاعِنُ بحَمْلٍ، لَعَلَّه رِيحٌ، فقيل له: أرَأيْتَ لو أحاطَ العِلْمُ بأن ليس حَمْلٌ أما يُلاعِنُ بالقَذْفِ؟ قال: بلى، قيل: فلِمَ لا يُلاعِنُ مَكانَه؟ (٢٥٦٣) وزعم لو جامَعَها وهو يَعْلَمُ بحَمْلِها، فلمّا وَضَعَتْ تَرَكَها تِسْعًا وثلاثين لَيْلَةً وهي في الدَّمِ معه في مَنْزِلِه، ثُمّ نَفَى الوَلَدَ، أنّ ذلك له، فيَتْرُكُ ما حَكَمَ به رسولُ الله ﷺ بين العَجْلانيِّ وامْرَأتِه وهي حامِلٌ مِنْ اللِّعانِ ونَفْيِ الوَلَدِ عنه كما قُلْنا، ولو لم يَكُنْ ما قُلْنا سُنَّةً كان قد يَجْعَلُ السُّكاتَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ في مَعْنَى الإقْرارِ، فزَعَمَ في الشُّفْعَةِ إذا عَلِمَ فسَكَتَ فهو إقْرارٌ بالتَّسْلِيمِ، وفي العَبْدِ يَشْتَرِيه إذا اسْتَخْدَمَه رِضًا بالعَيْبِ ولم يَتَكَلَّم (٢)، فحَيْثُ شاء جَعَلَه رِضًا، ثُمّ جاء إلى أشْبَهَ بالرِّضا والإقْرارِ فلم يَجْعَلْه رِضًا، وجَعَلَ صَمْتَه عن إنْكارِه أرْبَعِين لَيْلَةً كالإقرارِ، وأباه في تِسْعٍ وثَلاثِينَ، فما الفَرْقُ بين الصَّمْتَيْنِ؟ (٢٥٦٤) وزَعَمَ أنّه اسْتَدَلَّ بأنّ اللهَ جل ذكره لمّا أوْجَبَ على الزَّوْجِ الشَّهادَةَ فيَخْرُجَ بها مِنْ الحَدِّ، فإذا لم يَخْرُجْ مِنْ مَعْنَى القاذِفِ لَزِمَه الحَدُّ، قيل له: وكذلك كُلُّ مَنْ أحْلَفْتَه ليَخْرُجَ مِنْ شَيْءٍ، وكذلك قُلْتَ: إن نكَلَ عن مالٍ أو غَصْبٍ أو جُرْحِ عَمْدٍ حَكَمْتَ عليه بذلك كُلِّه؟ قال: نعم، قلت: فلِمَ

стр. 1340

لم تَقُلْ في المرْأةِ: إنّك تُحَلِّفُها لتَخْرُجَ مِنْ الحدِّ، وقد ذَكَرَ الله ﵎ أنّها تَدْرَأ بذلك عن نَفْسِها العَذابَ، فإذا لم تَخْرُجْ مِنْ ذلك فلِمَ لا تُوجِبُ عليها الحدَّ كما قُلْتَ في الزَّوْجِ وفيمَن نَكَلَ عن اليَمِينِ؟ وليس في التنزيلِ أنّ الزَّوْجَ يَدْرَأ بالشّهادَةِ حَدًّا، وفي التنزيلِ أنّ المرأةَ تَدْرَأ بالشّهادَةِ العَذابَ، وهو الحدُّ عِنْدَنا وعِنْدَك، وهو المعْقُولُ والقِياسُ؟ وقلت له: لو قالَتْ لك: لِمَ حَبَسْتَنِي وأنْتَ لا تَحْبِسُ إلّا بحَقٍّ؟ قال: أقول: حَبَسْتُكِ لتَحْلِفِي فتَخْرُجِي به مِنْ الحدِّ، قالت: فإذا لم أفْعَلْ فأقِم عليَّ الحدَّ؟ قال: لا، قالت: فالحبْسُ حَدٌّ؟ قال: لا، قالت: فالحبْسُ ظُلْمٌ، لا أنْتَ أقَمْتَ عليَّ الحدَّ (١)، ولا مَنَعْتَ عنّي حَبْسًا، ولن تَجِدَ حَبْسِي في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ على أحَدِها، فإن قلت: العَذابُ الحبْسُ .. فهذا خَطَأٌ، فكَمْ ذلك؟ يومٌ أم حتّى تَمُوتَ؟ وقد قال الله ﵎: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢]، أفَتَراه عَنَى الحدَّ أم الحبْسَ؟ قال: بل الحدَّ، وما السِّجْنُ بحَدٍّ، والعذابُ في الزنا: الحدُودُ، ولكنّ السِّجْنَ قد يَلْزَمُه اسْمُ عَذابٍ، قلت: والسَّفَرُ والدَّهْقُ والتَّعْلِيقُ كُلُّ ذلك يَلْزَمُه اسمُ عَذابٍ (٢). (٢٥٦٥) قال الشافعي: والذين يُخالفُونا في أن لا يَجْتَمِعان أبَدًا، رَوَوْا فيه عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابنِ مَسْعُودٍ: «لا (٣) يَجْتَمِعُ المتلاعنان أبَدًا»، فرَجَعَ بَعْضُهم إلى ما قُلْنا، وأبَى بَعْضُهم.

стр. 1341

(٢٦٦) باب ما يكون قَذْفًا، وما لا يكون قَذْفًا ونفي الولد بلا قذف، وقذف ابن الملاعنة، وغير ذلك (٢٥٦٦) قال الشافعي: ولو وَلَدَتِ امْرَأتُه وَلَدًا، فقال: «ليْسَ بابْنِي» .. فلا حَدَّ ولا لِعانَ حتّى يَقِفَه، فإن قال: لم أقْذِفْها ولم تَلِدْه، أو: وَلَدَتْه مِنْ زَوْجٍ قَبْلي، وقد عُرِفَ نِكاحُها قَبْلَه .. فلا يَلْحَقُه إلّا بأرْبَعِ نِسْوَةٍ يَشْهَدْن أنّها وَلَدَتْه وهي زَوْجَةٌ له لوَقْتٍ يُمْكِنُ أنْ تَلِدَ منه فيه لأقَلِّ الحمْلِ (١)، وإن سَألَتْ يَمِينَه أحْلَفْناه وبَرِئَ، وإن نَكَلَ أحْلَفْناها ولَحِقَه، وإن لم تَحْلِفْ لم يَلْحَقْه. (٢٥٦٧) وقال في كتاب الطلاق من «أحكام القرآن»: ولو قال لها: «ما هذا الحمْلُ مِنِّي، ولَيْسَتْ بزانيةٍ، ولم أصِبْها» .. قيل: قد تُخْطِئُ فلا يَكُونُ حمْلًا، فتَكُونُ صادِقًا، وهي غَيْرُ زانيةٍ، فلا حَدَّ ولا لِعانَ، فمَتى اسْتَيْقَنّا أنّه حَمْلٌ .. قُلْنا: قد يَحْتَمِلُ أن تَأخُذَ نُطْفَتَك فتَسْتَدْخِلَها فتَحْمِلَ مِنْك فتَكُونَ صادِقًا بأنَّك لم تُصِبْها، وهي صادِقَةٌ أنّه وَلَدُك، وإن قَذَفْتَ لاعَنْتَ، ولو نَفَى وَلَدَها وقال: «لا ألاعِنُها ولا أقْذِفُها (٢)» .. لم يُلاعِنْها ولَزِمَه الوَلَدُ، وإن قَذَفَها لاعَنَها؛ لأنّه إذا لاعَنَها بغَيْرِ قَذْفٍ فإنّما يَدَّعِي أنّها لم تَلِدْه، وقد حَكَتْ أنّها وَلَدَتْه (٣)، وإنّما أوْجَبَ اللهُ اللِّعانَ بالقَذْفِ، فلا يَجِبُ بغَيْرِه.

стр. 1342

قال المزني: قد أثْبَتَ الحمْلَ ههنا، ولم يُثْبِتْه في المطلَّقةِ (١). (٢٥٦٨) ولو قال: «لم تَزْنِ به، ولكنّها غُصِبَتْ» .. لم يُنْفَ عنه إلّا بلِعانٍ، فإذا الْتَعَنَ وَقَعَت الفُرْقَةُ. (٢٥٦٩) ولو قال لابْنِ مُلاعَنَةٍ: «لسْتَ بابْنِ فُلانٍ» .. أُحْلِفَ ما أراد قَذْفَ أمِّه، ولا حَدَّ، وإنْ أراد قَذْفَ أمِّه حَدَدْناه، ولو قال ذلك بعد أن يُقِرَّ به الّذِي نَفَاهُ .. حُدَّ إن كانَتْ أمُّه حُرَّةً إن طَلَبَت الحَدَّ، والتَّعْزيرُ إن كانَتْ نَصْرانِيَّةً أو أمَةً. قال المزني: قلت أنا (٢): قد قال في الرّجُلِ يَقُولُ لابْنِه: «لَسْتَ بابْنِي»: إنّه لَيْسَ بقاذِفٍ لأمِّه حتّى يُسْألَ (٣)؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يَعْزِيَه إلى حَلالٍ (٤)، وهذا بقَوْلِه أشْبَهُ (٥). (٢٥٧٠) قال الشافعي: وإذا نَفَيْنا عنه وَلَدَه باللِّعانِ، ثُمّ جاءَتْ بَعْدَه بوَلَدٍ لأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ أو أكْثَرَ ما يَلْزَمُه به نَسَبُ وَلَدِ المبْتُوتَةِ .. فهو وَلَدُه، إلّا أن يَنْفِيَه بلِعانٍ.

стр. 1343

(٢٥٧١) قال: وإذا وَلَدَتْ وَلَدَيْن في بَطْنٍ، فأقَرَّ بأحَدِهِما، ونَفَى الآخَرَ .. فهما ابْناهُ، لا (١) يَكُونُ حَمْلٌ واحِدٌ بوَلَدَيْن إلّا مِنْ واحِدٍ، وإنْ كان نَفْيُه بقَذْفٍ لأمِّه فعليه لها الحدُّ، ولو مات أحَدُهما ثُمّ الْتَعَنَ، نُفِي عنه الحيُّ والميِّتُ. (٢٥٧٢) ولو نَفَى وَلَدَها باللِّعانِ، ثُمّ وَلَدَتْ آخَرَ بَعْدَه بيَوْمٍ فأقَرَّ به .. لَزِماه جميعًا؛ لأنّه حمْلٌ واحدٌ، وحُدَّ لها إنْ كان قَذَفَها، ولو لم يَنْفِه وُقِفَ، فإن نَفاهُ وقال: الْتِعاني الأوَّلُ يَكْفِيني؛ لأنّه حمْلٌ واحدٌ، لم يَكُنْ ذلك له حتّى يَلْتَعِنَ مِنْ الآخَرِ. (٢٥٧٣) وقال بعض الناس: لو مات أحَدُهما قبل اللِّعانِ لاعَنَ ولَزِمَه الولدان، وهما عندنا وعنده حمْلٌ واحدٌ، فكَيْفَ يُلاعِنُ ويَلْزَمُه الوَلَدَان (٢)؟ قال: مِنْ قِبَلِ أنّه وَرِثَ الميِّتَ، قلت له: ومَن زَعَمَ أنّه يَرِثُه؟ (٢٥٧٤) وقال أيضًا: لو نَفاه باللِّعانِ وماتَ الوَلَدُ فادَّعاه الأبُ .. ضُرِبَ الحدَّ، ولم يَثْبُت النَّسَبُ، ولم يَرِثْه الأبُ، فإنْ كان الميِّتُ المنْفِيُّ تَرَكَ وَلَدًا .. حُدَّ أبُوه، وثَبَتَ نَسَبُه منه، ووَرِثَه، قال الشافعي: ولا فَرْقَ بَيْنَه، تَرَكَ وَلَدًا أو لم يَتْرُكْ؛ لأنّ هذا الوَلَدَ المنْفِيَّ إذا مات مَنْفِيَّ النَّسَبِ ثُمّ أقَرَّ به لم يَعُدْ إلى النَّسَبِ؛ لأنّه فارَقَ الحياةَ بحالٍ، فلا يَنْتَقِلُ عنها، فكذلك ابْنُ المنْفِيِّ (٣) في مَعْنَى المنْفِيِّ، وهو لا يَكُونُ ابْنًا بنَفْسِه، فكيف يَكُونُ ابْنَه بالوَلَدِ المنْفِيِّ الذي قد انْقَطَعَ نَسَبُ الحيِّ منه، والذي يَنْقَطِعُ به نَسَبُ الحيِّ يَنْقَطِعُ به نَسَبُ الميِّتِ (٤)؛ لأنَّ حُكْمَهُما واحدٌ، ولو قُتِلَ واقْتُسِمَتْ دِيَتُه ثُمّ

стр. 1344

أقَرَّ به لَحِقَه وأخَذَ حِصَّتَه مِنْ دِيَتِه ومالِه؛ لأنّ أصْلَ أمْرِه أنّ نَسَبَه ثابِتٌ، وإنّما هو مَنْفِيٌّ ما كان أبُوه مُلاعِنًا مُقِيمًا على نَفْيِه. قال المزني: ومِثْلُ قولِ الشّافِعِيِّ أنّ الوَلَدَ مَنْفِيٌّ ما دام [الوَالِدُ] مُقِيمًا على نَفْيِه: حَديثُ ماعِزِ بنِ مالكٍ أنّه أقَرَّ بالزِّنا، فأمَرَ النبيُّ ﷺ برَجْمِه، فأُخْبِرَ النبيُّ ﷺ أنّه هَرَبَ، فقال النبيُّ ﷺ : «هلا تَرَكْتُمُوه؟»، أي: لَعَلَّه كان يَرْجِعُ فيَزُولَ عنه الرَّجْمُ؛ لأنّ الحدَّ عليه ما دام مُقِيمًا على ذلك، ومِثْلُه المرْتَدُّ حَرامُ الدَّمِ قَبْل ارْتِدادِه، فحَلَّ دَمُه ما دام مُقِيمًا على ارْتِدادِه، فإذا رَجَعَ إلى الإسلامِ زال عنه حُكْمُ القَتْلِ ورَجَعَ إلى تحريمِ الدَّمِ، كذلك الوَلَدُ ثابِتُ النَّسَبِ، يُنْفَى عنه باللِّعانِ، فيَكُونُ مَنْفِيًّا ما دام الرَّجُلُ مُقِيمًا على نَفْيِه، فإذا رَجَعَ فعليه الحدُّ، والنَّسَبُ راجِعٌ إلى الثُّبُوتِ كما كان ثابِتًا قَبْلَ النَّفْيِ واللِّعانِ، قال المزني: هذان الحديثانِ سُنَّتانِ على قَوْلِ الشافعيِّ (١). (٢٥٧٥) قال [الشافعي (٢): ولو قال لامْرأتِه: «يا زانيةُ»، فقالَتْ: «زَنَيْتُ بكَ»، وطَلَبا جميعًا ما لهما .. سألْناها، فإن قالَتْ: عَنَيْتُ أنّه أصابَنِي وهو زَوْجِي .. حَلَفَتْ ولا شَيْءَ عليها، ويَلْتَعِنُ أو يُحَدُّ، وإن قالَتْ: زَنَيْتُ به قبل يَنْكِحُنِي .. فهي قاذِفَةٌ له، وعليها الحَدُّ، ولا شَيْءَ عليه؛ لأنّها مُقِرَّةٌ له بالزِّنا، ولو كانَتْ قالَتْ له: «بل أنْتَ أزْنَى مِنِّي» .. فلا شَيْءَ عليها؛ لأنّه ليس بقَذْفٍ إذا لم تُرِدْ به قَذْفًا، وعليه الحدُّ أو اللِّعانُ. (٢٥٧٦) ولو قال لها: «أنْتِ أزْنَى مِنْ فلانَةَ»، أو: «أزْنَى النّاسِ» .. لم يَكُنْ هذا قَذْفًا إلّا أن يُرِيدَ به قَذْفًا.

стр. 1345

(٢٥٧٧) ولو قال لها: «يا زانِ (١)» .. كان قَذْفًا، وهذا تَرْخِيمٌ؛ كما يُقالُ لمالِكٍ: «يا مالِ»، ولحارِثٍ: «يا حارِ»، ولو قالَتْ: «يا زانية» .. أكْمَلَت القَذْفَ وزادَتْه حَرْفًا أو اثْنَيْن. (٢٥٧٨) وقال بعض الناس: إذا قال لها: «يا زانِ» .. لاعَنَ أو حُدَّ؛ لأن الله جلَّ ذِكرُه يقولُ: ﴿قال نسوة في المدينة﴾ [يوسف: ٣٠]، قال: ولو قالت له: «يا زانية» .. لم تُحَدَّ، قال الشافعي: وهذا جَهْلٌ بلِسانِ العَرَبِ، إذا تَقَدَّمَ فِعْلُ الجماعَةِ مِنْ النِّساءِ كان الفِعْلُ مُذَكَّرًا، مِثْلُ: «قال نِسْوَةٌ» و «خَرَجَ نِسْوَةٌ»، وإذا كانَتْ واحدةً فالفعلُ مُؤنَّثٌ، مثل: «قالَتْ» و «خرجَتْ» و «جلسَتْ». (٢٥٧٩) وقائل هذا القول يقول: لو قال لرجل: «زَنَأْتَ في الجبَلِ» .. حُدَّ له، وإنْ كان مَعْرُوفًا عند العَرَبِ أنّه: صَعِدْتُ في الجبلِ (٢)، قال الشافعي: يَحْلِفُ ما أراد إلّا التَّرَقِّيَ في الجبَلِ ولا حَدَّ، فإن لم يَحْلِفْ حُدَّ إذا حَلَفَ المقْذُوفُ: لقد أراد القَذْفَ.

стр. 1346

(٢٥٨٠) ولو قال لامْرأتِه: «زَنَيْتِ وأنْتِ صغيرةٌ»، أو قال: «وأنْتِ نَصْرانِيَّةٌ أو أمَةٌ»، وقد كانَتْ نَصْرانِيَّةً أو أمَةً، أو قال: «مُسْتكْرَهَة»، أو قال: «زَنَى بكِ صَبِيٌّ» لا يُجامِعُ مِثْلُه .. لم يَكُنْ عليه حَدٌّ، ويُعَزَّرُ للأذَى، إلّا أن يَلْتَعِنَ (١). (٢٥٨١) ولو قال: «زَنَيْتِ قبل أن أتَزَوَّجَكِ» .. حُدَّ ولا لِعانَ؛ لأنّي أنْظُرُ إلى يَوْمَ تَكَلَّم به ويَوْمَ يُوقِعُه. (٢٥٨٢) ولو قَذَفَها، ثُمّ تَزَوَّجَها، ثُمّ قَذَفَها، فلاعَنَها، وطَلَبَتْه بحَدِّ القَذْفِ قبل النِّكاحِ .. حُدَّ لها، ولو لم يَلْتَعِنْ حتّى حَدَّه الإمامُ بالقَذْفِ الأوَّلِ، ثُمّ طَلَبَتْه بالقَذْفِ بعد النكاحِ .. لاعَنَ أو حُدَّ، ولو كانَتْ طَلَبَتْه بهما مَعًا، حُدَّ بالأوَّلِ، وعُرِضَ عليه اللِّعانُ بالآخِرِ، فإنْ أبَى حُدَّ أيضًا؛ لأنّ حُكْمَه قاذِفًا غَيْرَ زَوْجِه الحَدُّ، وحُكْمَه قاذِفًا زَوْجَه الحدُّ أو اللِّعانُ. (٢٥٨٣) ولو قال لها: «يا زانية»، فقالَتْ: «بل أنْتَ زانٍ» .. لاعَنَها، وحُدَّتْ له، وقال بعض الناس: لا حَدَّ ولا لِعانَ، فأبْطَلَ الحُكْمَيْن جميعًا، وكانَتْ حُجَّتُه أن قال: أسْتَقْبِحُ أن ألاعِنَ بَيْنَهما ثُمّ أحُدَّها، وما قَبَّح منه فأقْبَحُ منه تَعْطِيلُ حُكْمِ الله عليهما. (٢٥٨٤) قال الشافعي: ولو قَذَفَها وأجْنَبِيَّةً بكَلِمَةٍ واحدةٍ .. لاعَنَ، وحُدَّ للأجْنَبِيَّةِ. (٢٥٨٥) ولو قَذَفَ أرْبَعَ نِسْوَةٍ له بكَلِمَةٍ واحدَةٍ .. لاعَنَ كُلَّ واحدةٍ، وإنْ تَشاحَحْنَ أيَّتُهُنّ تَبْدَأ .. أقْرِعَ بَيْنَهُنّ، وأيَّتُهُنّ بَدَأ الإمامُ بها رَجَوْتُ أن لا يَأثَمَ؛ لأنّه لا يُمْكِنُه إلّا واحِدًا واحِدًا.

стр. 1347

قال المزني: قد قال في «الحدود» [ف: ٣٢٣١]: «ولو قَذَفَ جماعةً كان لكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ»، فكذلك لو لم يَلْتَعِنْ كان لكُلِّ امْرأةٍ حَدٌّ في قِياسِ قَوْلِه (١). (٢٥٨٦) قال الشافعي: ولو أقَرَّ أنَّه أصابَها في الطُّهْرِ الذي رَماها فيه .. فله أن يُلاعِنَ، والوَلَدُ لها، وذَكَرَ أنّه قَوْلُ عطاءٍ، قال: وذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلى العلم أنّه إنّما يُنْفَى الوَلَدُ إذا قال: اسْتَبْرأها (٢)، كأنّه ذَهَبَ إلى أنّ نَفْيَ وَلَدِ العَجْلانيِّ إذْ قال: «لم أقْرَبْها منذ كذا وكذا»، قيل: فالعَجْلانيُّ سَمَّى الذي رَأى بعَيْنِه يَزْنِي، وذَكَرَ أنّه لم يُصِبْها مُنْذُ أشْهُرٍ، ورَأى النبيُّ ﷺ عَلامَةً تُثْبِتُ (٣) صِدْقَ الزَّوْجِ في الوَلَدِ، فلا يُلاعِنُ يَنْفي (٤) عنه الوَلَدَ إذًا إلّا باجْتِماعِ هذه الوُجُوه. (٢٥٨٧) فإن قيل: فما حُجَّتُكَ في أنّه يُلاعِنُ ويَنْفِي الوَلَدَ وإن لم يَدَّعِ الاسْتِبْراءَ؟ .. قلت: قال الله : ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية [النور: ٤]، فكانَت الآيَةُ على كُلِّ رامٍ لمحْصَنَةٍ، قال الرّامِي لها: «رأيْتُها تَزْنِي» أو لم يَقُلْ: «رَأيْتُها تَزْنِي»، فإنّه يَلْزَمُه اسْمُ الرَّمْيِ، وقال: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦]، فكَانَ الزَّوْجُ رامِيًا، قال: «رأيْتُ» أو: «عَلِمْتُ» بغَيْرِ رُؤيَةٍ، وقد يَكُونُ الاسْتِبْراءُ وتَلِدُ منه، فلا مَعْنَى له ما كان الفِراشُ قائِمًا. (٢٥٨٨) قال: ولو زَنَتْ بعد القَذْفِ، أو (٥) وُطِئَتْ وَطْئًا حرامًا .. فلا حَدَّ عليه ولا لِعانَ إلّا أن يَنْفِيَ وَلَدًا فيَلْتَعِنَ؛ لأنّ زِناها دَليلٌ على صِدْقِه.

стр. 1348

قال المزني: كيف يَكُونُ دَليلًا على صِدْقِه والوَقْتُ الذي رَماها فيه كانَتْ في الحكْمِ غَيْرَ زانيةٍ؟ وأصْلُ قَوْلِه أنّه إنّما يُنْظَرُ إلى حال مَنْ تكَلَّم بالرَّمْيِ، وهي في ذلك في حُكْمِ مَنْ لم تَزْنِ قَطُّ (١). (٢٥٨٩) قال الشافعي: ولو لاعَنَها ثُمّ قَذَفَها .. فلا حَدَّ لها؛ كما لو حُدَّ لها ثُمّ قَذَفَها لم يُحَدَّ ثانيةً، ويُنْهَى، فإنْ عاد عُزِّرَ. (٢٥٩٠) ولو قَذَفَها برَجُلٍ بعَيْنِه، وطَلَبا الحَدَّ (٢) .. فإن الْتَعَنَ فلا حَدَّ له، إذا بَطَلَ الحَدُّ لها بَطَلَ الحَدُّ له (٣)، وإن لم يَلْتَعِنْ حُدَّ لهما أو لأيِّهما طَلَبَ؛ لأنّه قَذْفٌ واحدٌ، فحُكْمُه حُكْمُ الحَدِّ الواحدِ إذا كان لِعانٌ أو حَدٌّ واحدٌ، رَمَى العَجْلانيُّ امْرَأتَه برَجُلٍ سَمّاه، وهو ابنُ السَّحْماء رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فلاعَنَ بينهما ولم يَحُدَّ له، ولو قَذَفَها غيرُ الزَّوْجِ حُدَّ؛ لأنّها لو كانَتْ حين لَزِمَها الحكْمُ بالفُرْقَةِ ونَفْيِ الوَلَدِ زانيةً حُدَّتْ ولَزِمَها اسْمُ الزِّنا، ولكنَّ حُكْمَ الله ثُمّ حُكْمَ رَسُولِه فيهما هكذا. (٢٥٩١) ولو شَهِدَ عليه أنّه قَذَفَها .. حُبِسَ حتّى يُعَدَّلُوا (٤). (٢٥٩٢) ولا يُكْفَلُ رَجُلٌ في حَدٍّ ولا لِعانٍ، ولا يُحْبَسُ بواحدٍ. قال المزني: هذا دليلٌ على إثْباتِ كَفالةِ الوَجْهِ في غَيْرِ الحدِّ (٥).

стр. 1349

(٢٥٩٣) قال الشافعي: ولو قال: «زَنَى فَرْجُكِ»، أو: «يَدُكِ»، أو: «رِجْلُكِ» .. فهو قَذْفٌ، وكُلُّ ما قالَه فكان يُشْبِهُ القَذْفَ إذا احْتَمَل غَيْرَه لم يَكُنْ قَذْفًا، أتَى رَجُلٌ مِنْ فَزارَةَ النبيَّ ﷺ فقال: «إنّ امْرَأتِي وَلَدَتْ غُلامًا أسْودَ»، فلم يَجْعَلْه النبي ﷺ قَذْفًا، قال الله: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فكان خلافًا للتَّصْرِيحِ (١). (٢٥٩٤) ولا يَكُونُ اللِّعانُ إلّا عند سُلطانٍ، أو عُدُولٍ يَبْعَثُهم السلطانُ.

стр. 1350

(٢٦٧) باب الشهادة في اللعان (٢٥٩٥) قال الشافعي: إذا جاء زَوْجٌ وثلاثةٌ يَشْهَدُون على امْرأتِه معًا بالزِّنا .. لاعَنَ الزَّوْجُ، فإن لم يَلْتَعِنْ حُدَّ؛ لأنّ حُكْمَ الزَّوْجِ غيرُ حُكْمِ الشُّهودِ؛ لأنّ الشُّهودَ لا يُلاعِنُون، ويَكُونُون عند أكْثَرِ العُلَماءِ قَذَفَةً يُحَدُّون إذا لم يُتِمُّوا أرْبَعَةً، وإذا زَعَمَ الزَّوْجُ أنّه رآها تَزْنِي فبَيِّنٌ أنّها قد وَتَرَتْه في نَفْسِه (١) بأعْظَمَ مِنْ أن تَأخُذَ كَثِيرَ مالِه أو تَشْتُمَ عِرْضَه أو تَنالَه بشَدِيدٍ مِنْ الضَّرْبِ بما يَبْقَى عليه مِنْ العارِ في نَفْسِه بزِناها تَحْتَه وعلى وَلَدِه، فلا عَداوَةَ تَصِيرُ إليها فيما بينها وبينه تكادُ تَبْلُغُ هذا، ونحنُ لا نُجِيزُ شَهادَةَ عَدُوٍّ على عَدُوِّه. (٢٥٩٦) ولو قَذَفَها وانْتَفَى مِنْ حَمْلِها، فجاء بأرْبَعَةٍ فشَهِدُوا أنّها زَنَتْ .. لم يُلاعِنْ حتّى تَلِدَ، فيَلْتَعِنُ إنْ أراد نَفْيَ الوَلَدِ، فإن لم يَلْتَعِنْ لَحِقَه الوَلَدُ، ولم تُحَدَّ حتّى تَضَعَ، ثُمّ تُحَدُّ. (٢٥٩٧) ولو جاء بشاهِدَيْن على إقْرارِها بالزِّنا .. لم يُلاعِنْ ولم يُحَدَّ، ولا حَدَّ عليها. (٢٥٩٨) ولو قَذَفَها وقال: أنْتِ أمَةٌ أو مُشْرِكَةٌ .. فعليها البَيِّنَةُ أنّها يَوْمَ قَذَفَها حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ؛ لأنّها مُدَّعِيَةٌ الحدَّ، وعليه اليَمِينُ، ويُعَزَّرُ إن لم يَلْتَعِنْ، ولو كانَتْ مُسْلِمَةً حُرَّةً فادَّعَى أنّها مُرْتَدَّةٌ .. فعليه البَيِّنَةُ (٢).

стр. 1351

(٢٥٩٩) ولو ادَّعَى أنّ له البَيِّنَةَ على إقْرارِها بالزِّنا، وسَأل الأجَلَ .. لم أؤجِّلْه إلّا يَوْمًا أو يَوْمَيْن، فإنْ جاء بها، وإلّا حُدَّ أو لاعَنَ. (٢٦٠٠) ولو أقامَت البَيِّنَةَ أنّه قَذَفَها كَبِيرَةً، وأقام البَيِّنَةَ أنّه قَذَفَها صَغِيرَةً .. فهذان قَذْفانِ مُفْتَرِقانِ، ولو اجْتَمَعَ شُهُودُهما على وَقْتٍ واحدٍ .. فهي مُتَضادَّةٌ، ولا حَدَّ ولا لِعانَ. (٢٦٠١) ولو شَهِدَ عليه شاهدان أنّه قَذَفَهما وقَذَفَ امْرَأتَه .. لم تَجُزْ شهادتُهما، إلّا أن يَعْفُوَا (١) قَبْلَ أن يَشْهَدَا ويُرَى ما بينهما وبينه حَسَنًا فيَجُوزَا. (٢٦٠٢) ولو شَهِدَ أحدُهما أنّه قَذَفَها بالعَرَبِيَّةِ، والآخَرُ أنّه قَذَفَها بالفارِسِيَّةِ .. لم يَجُوزَا؛ لأنّ كُلَّ واحِدٍ مِنْ الكلامَيْنِ غيرُ الآخَرِ. (٢٦٠٣) ويُقْبَلُ كِتابُ القاضِي بقَذْفِها. (٢٦٠٤) وتُقْبَلُ الوَكالَةُ في تَثْبِيتِ البَيِّنَةِ على الحدُودِ، فإذا أراد أن يُقِيمَ الحدَّ أو يَأخُذَ اللِّعانَ أحْضِرَ المأخُوذُ له (٢) الحدُّ أو اللِّعانُ، وأمّا حُدُودُ الله فتُدْرَأ بالشُّبُهات.

стр. 1352

(٢٦٨) باب الوقت في نفي الولد، ومن ليس له أن يَنفيَه، ونفي ولد الأمة من كتابَيْ لعانٍ جديدٍ وقديمٍ (٢٦٠٥) قال الشافعي: وإذا عَلِمَ الزَّوْجُ بالوَلَدِ، فأمْكَنَه الحاكِمُ أو مَنْ يَلْقاه له إمْكانًا بَيِّنًا، فتَرَكَ اللِّعانَ .. لم يَكُنْ له أن يَنْفِيَه؛ كما يَكُونُ بَيْعُ الشِّقْصِ فيه الشُّفْعَةُ، فإن تَرَكَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ في تلك المدَّةِ لم تكُن له الشُّفْعَة (١)، ولو جاز أن يَعْلَمَ بالوَلَدِ فيَكُونَ له نَفْيُه حتّى يُقِرَّ به جاز بعد أن يَكُونَ الوَلَدُ شَيْخًا وهو يَخْتَلِفُ معه اخْتِلافَ وَلَدِه، ولو قال قائل: يَكُونُ له نَفْيُه ثَلاثًا إنْ كان حاضِرًا كان مَذْهَبًا، وقد مَنَعَ اللهُ مَنْ قَضَى بعَذابِه ثلاثًا، وأنّ رسول الله ﷺ أذِنَ للمهاجِرِين بعد قَضاءِ نُسُكِه في مُقامِ ثلاثٍ بمَكَّة، وقال في القديم: إن لم يَشْهَدْ حَضْرَة ذلك في يَوْمٍ أو يَوْمَيْن لم يَكُنْ له نَفْيُه. قال المزني: لو جاز في يَوْمَيْن جاز في ثلاثةٍ، وأربعةٌ في معنى ثلاثةٍ، وقد قال لمن جَعَلَ له نَفْيَه في تِسْعٍ وثلاثِين وأباه في الأربعين: ما الفَرْقُ بين الصَّمْتَيْن؟ فقَوْلُه في أوَّل البابِ (٢) أشْبَه بمَعْناه عِندي، وبالله التوفيق (٣).

стр. 1353

(٢٦٠٦) قال الشافعي: وأيُّ مُدَّةٍ قُلْتُ له نَفْيُه فيها، فأشْهَدَ على نَفْيِه وهو مَشْغُولٌ بما يَخافُ فَوْتَه أو بمَرَضٍ لم يَقْطَع نَفْيَه. (٢٦٠٧) وإنْ كان غائبًا فبَلَغَه فأقام والمسيرُ يُمْكِنُه لم يَكُنْ له نَفْيُه، إلّا أن يُشْهِدَ أنّه على نَفْيِه ثُمّ يَقْدَمُ. (٢٦٠٨) وإن قال: لم أصَدِّقْ فالقَوْلُ قَوْلُه، وإنْ كان حاضِرًا فقال: لم أعْلَمْ فالقَوْلُ قَوْلُه. (٢٦٠٩) وإن رَآها حُبْلَى فلمّا وَلَدَتْ نَفاه .. فإن قال: لم أدْرِ لَعَلَّه ليس بحَمْلٍ .. لاعَنَ، وإن قال: قُلْتُ لَعَلَّه يَمُوتُ فأسْتُرَ عليها وعليَّ .. لَزِمَه، ولم يَكُنْ له نَفْيُه. (٢٦١٠) ولو هُنِّئَ به، فَرَدَّ خَيْرًا ولم يُقِرَّ به .. لم يَكُنْ هذا إقرارًا؛ لأنّه يُكافِئ الدعاءَ بالدعاءِ. (٢٦١١) وأمّا وَلَدُ الأمَةِ .. فإنّ سَعْدًا قال: يا رسولَ الله، ابْنُ أخِي عُتْبَةَ، قد كان عَهِدَ إليّ فيه، وقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه، فقال رسولُ الله ﷺ : «هو لك يا عبدُ بنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للفِراشِ،

стр. 1354

وللعاهِرِ الحَجَرُ»، فأعْلَمَ أنّ الأمَةَ تكُونُ فِراشًا، مع الأثَرِ عن عُمَرَ (١) أنّه قال: «لا تأتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُها أن قد ألَمَّ بها إلّا ألْحَقْتُ به وَلَدَها، فأرْسِلُوهُنّ بعدُ أو أمْسِكُوهُنّ»، وإنّما أنْكَرَ عُمَرُ حمْلَ جارِيَةٍ له، فسَألَها، فأخْبَرَتْه أنّه مِنْ غَيْرِه، وأنْكَرَ زَيْدٌ حَمْلَ جاريةٍ له، وهذا إنْ حَمَلَتْ فكانَ على إحاطةٍ مِنْ أنّها لم تَحْمِلْ منه فواسِعٌ فيما بَيْنَه وبين اللهِ في امْرَأتِه الحُرَّةِ أو الأمَةِ أن يَنْفِيَ وَلَدَها (٢). (٢٦١٢) ولو قال: كُنْتُ أعْزِلُ عنها .. ألْحَقْتُ الوَلَدَ به، إلّا أن يَدَّعِيَ الاستبراءَ بعد الوَطْءِ، فيَكُونَ ذلك له، وقال بعض الناس: لو وَلَدَتْ جاريةٌ يَطَؤُها فلَيْسُوا وَلَدَه إلّا أن يُقِرَّ، وإنْ أقَرَّ بواحِدٍ ثُمّ جاءَتْ بعده بآخَرَ فله نَفْيُه؛ لأنّ إقْرارَه بالأوَّلِ لَيْسَ بإقرارٍ بالثاني، وله عنده أن يُقِرَّ بواحدٍ ويَنْفِيَ ثانيًا، وبثالثٍ ويَنْفِيَ رابعًا، ثُمّ قالوا: لو أقَرَّ بواحِدٍ ثُمّ جاءتْ بعده بوَلَدٍ فلم يَنْفِه حتّى ماتَ فهو ابْنُه، ولم يَدَّعِه قَطُّ، ثم قالوا: لو أنّ قاضِيًا زَوَّجَ امْرأةً رجلًا في مَجْلِسِ القضاءِ، ففارَقَهَا ساعَةَ مَلَكَ عُقْدَةَ نِكاحِها

стр. 1355

ثلاثًا، ثُمّ جاءَتْ بوَلَدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ، لَزِمَ الزَّوْجَ، قالوا (١): هذا فِراشٌ، قيل: وهل كان فِراشًا قَطُّ يُمْكِنُ فيه جماعٌ، قال الشافعي: إذا أحاط العلمُ أنّ الوَلَدَ ليس مِنْ الزَّوْجِ .. فالوَلَدُ مَنْفِيٌّ عنه بلا لِعانٍ.

стр. 1356

[٤٦] كتاب العِدَد

стр. 1357

(٢٦٩) باب عِدّة المدخول بها (١) من الجامع من كتاب العِدَد، ومن كتاب الرَّجْعة، ومن كتاب الرسالة (٢) (٢٦١٣) قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال الشافعي: فالأقْراءُ عِنْدنا: الأطْهارُ - والله أعلم - بدَلالَتَيْن: أولاهما - الكتابُ الذي دَلَّتْ عليه السُّنَّةُ، والأخرى - اللِّسانُ، قال الله ﵎: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وقال النبيُّ ﷺ في غَيْرِ حديثِ مالِكٍ لَمّا طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأتَه وهي حائضٌ: «ليَرْتَجِعْها، فإذا طَهُرَتْ فليُطَلِّقْ أو ليُمْسِكْ»، وتلا رسولُ الله ﷺ : (إذا طَلَّقْتُم النساءَ فطَلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)، أو: (في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)، الشافعيُّ شَكَّ، فأخْبَرَ رسولُ الله ﷺ عن الله أنَّ العِدَّةَ الأطْهارُ دُون الحِيَضِ، وقَرَأ: (فطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)، وهو أن يُطَلِّقَها طاهِرًا؛ لأنّها حينئذٍ تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَها، ولو طُلِّقَتْ حائضًا لم تكُنْ مُسْتَقْبِلَةً عِدَّتَها إلّا بعد الحيْضِ، و «القُرْء»: اسْمٌ وُضِعَ لمعْنًى، فلمّا كان الحيْضُ دَمًا يُرْخِيه الرَّحِمُ فيَخْرُجُ، والطُّهْرُ دَمًا يُحْتَبَسُ فلا يَخْرُجُ .. كان مَعْرُوفًا مِنْ لِسانِ العَرَبِ أنّ القُرْءَ الحبْسُ، تَقُولُ العَرَبُ: «هو يَقْرِي الماءَ في حَوْضِه وفي سِقائِه»، وتَقُولُ: «يَقْرِي الطَّعامَ في شِدْقِه»، وقالَتْ عائشةُ: «هل تَدْرُون ما الأقْراءُ؟
следующие страницы →