← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 16–55 · переход к 21.

стр. 16

قال: ذكر المُزَنِيُّ أن الشافعي أخذ بيده فقال: أُحِبُّ من الإخوان كُلَّ مُوَاتِ … وكلَّ غَضِيضِ الطّرْفِ عن عَثَراتي يصاحبني في كلّ أمرٍ أحبُّه … ويحفظني حيًّا وبعد وفاتي فَمنْ لي بهذا ليت أَنِّي أصبْتُه … فقاسمته مالي مع الحسناتِ (١) وأخرج البيهقي عن المُزَنِيِّ أنه قال: قال لي الشافعي ﵁: «يا أبا إبراهيم: العلم جهل عند أهل الجهل، كما أن الجهل جهل عند أهل العلم»، قال المُزَنِيُّ: وأنشأ لنفسه: ومَنْزِلة الفقيه من السفيهِ … كمَنْزِلَة السفيه من الفقيهِ فهذا زاهد في قرب هذا … وهذا فيه أزهدُ منه فيهِ (٢) وهكذا بدأت رحلة المُزَنِيِّ مع الشافعي حتى صار فقيهًا راجح المعرفة، غوَّاصًا على المعاني الدقيقة، عارفًا باختلاف فقهاء الأمصار واتفاقهم، مناظِرًا مِحْجَاجًا متصرِّفًا بأصول الأدلة وقواعد الاستنباط، لكنَّ المُزَنِيَّ لم يقتصر على الشافعي وحده في التفقُّه، فللمُزَنِيِّ مشايخُ غير الشافعي ينتسبون إلى مدارس مختلِفة. فمن شيوخه في فقه أهل الكوفة: شيخ الحنفية أبو محمد علي بن معبد بن شدَّاد العبدي الرَّقِّيُّ (ت ٢١٨ هـ)، تفقَّه على محمد بن الحسن وروى عنه جامعه الكبير والصغير (٣)، وقد روى المُزَنِيُّ عنه في «المختصر» في موضعين (ف: ٣٤٩٦، و ٣٦٨٧). وأخرج الخطيب البغدادي عن المُزَنِيِّ قال: نا علي بن معبد، نا عبيدالله بن عمرو، قال: «كُنَّا عند الأعمش وهو يسأل _________ (١) انظر «المناقب» للبيهقي (٢/ ٧٩). (٢) انظر «المدخل» (٢/ ٧٨٧)، وأخرجه كذلك الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقِّه» (٢/ ١٤٩). (٣) انظر «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٦٣١).

стр. 17

أبا حنيفة عن مسائل ويجيبه أبو حنيفة، فيقول له الأعمش: من أين لك هذا؟ فيقول: أنت حدثتنا عن إبراهيم بكذا، وحدثتنا عن الشعبي بكذا، قال: فكان الأعمش عند ذلك يقول: يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة» (١). ويدل على مداوَمَة المُزَنِيِّ على النظر في فقه أبي حنيفة ما أخرجه الخليلي فقال: «سمعت عبدالله بن محمد الحافظ يقول: سمعت أحمد بن محمد الشُّرُوطِيّ يقول: قلت للطَّحَاوِيِّ: لِمَ خالفتَ خالك واخترتَ مذهب أبي حنيفة؟ قال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه» (٢). ومن شيوخ المُزَنِيِّ في فقه أهل المدينة: شيخ المالكية أصبغ بن الفرج (ت ٢٢٥ هـ)، وقد قال أبو بكر بن خُزَيْمَة: «سمعت يونس بن عبدالأعلى يقول: أنا ابن وهب، عن مالك: وسألت عن مَسِّ الذَّكَر فقال: أُحِبُّ الوضوء منه، قال: وسمعت يونُس أن أشهب بن عبدالعزيز أخبرهم عن مالك في رجل مَسَّ ذَكَرَه ثم صلَّى ولم يتوضأ وفات الوقت، قال: لا أرى عليه الإعادة، وسألت ابن عبدالحكم: من أعلم أصحابكم وأفقه أصحابكم؟ قال: نحن نقول: لم يكن منهم مثل أشهب بن عبدالعزيز، فسألت المُزَنِيَّ، فقال لي: عبدالرحمن بن القاسم أتبع الرجلين لصاحبه، وأشهب بن عبدالعزيز أفقه الرجلين، وابن وهب أعلم الثلاثة باختلاف المدنيِّين» (٣)، وهذا يدل على معرفة وافرة بفقه مالك ورجاله. _________ (١) انظر «الفقيه والمتفقِّه» (٢/ ١٦٣). (٢) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٣١). (٣) انظر هامش «المختصر» (الفقرة: ٤٤)، وأخرج القسمَ الأخير منه البَيهَقيُّ في «المناقب» (٢/ ٣٥٦).

стр. 18

ومن شيوخه في فقه الليث بن سعد: يحيى بن عبدالله بن بُكَيْر المَخْزُومِيّ (ت ٢٣١ هـ)، كان جار الليث بن سعد، وهو أثبت الناس فيه، وعنده عن الليث ما ليس عند أحد، وقد نَقَل عنه المُزَنِيُّ في «المختصر» (ف: ٣١٥٠) قول إبطال طلاق السكران ووافقه عليه مخالفًا للشافعي. ومن شيوخه في السُّنَّة: نُعَيْم بن حَمَّاد، أُخِذ في المحنة مع البُوَيْطِي فمات بالعسكر (سنة ٢٢٩ هـ).

стр. 19

الفصل الثالث في ذكر علومه ومعارفه المُزَنِيُّ كان أعلم أصحاب الشافعي بمذهبه، وقد نقل ابن السُّبْكِيِّ عن والده أنه قال: «لا يَعْرِف قدر الشخص في العلم إلا من ساواه في رُتْبَتِه وخالطه مع ذلك، وإنما يُعْرَف قدره بمقدار ما أوتيه هو»، قال ابن السُّبْكِيِّ: «وكان يقول لنا: لا أحد من الأصحاب يعرف قدر الشافعي كما يعرفه المُزَنِيُّ، وإنما يعرف المُزَنِيُّ من قدر الشافعي بمقدار قُوَى المُزَنِيِّ، والزائد عليها من قُوَى الشافعي لم يدركه المُزَنِيّ». ومِمَّا أسعَفَ المُزَنِيَّ في معرفته بالشافعي جمعُه إلى فقهه فقه كُلٍّ من أبي حنيفة ومالك والليث، ثم استقراؤه مؤلَّفات الشافعي وجمعُه بين مُتَّفِقِها ومختلِفها، بحيث يظهر مِنْ تَتَبُّع مختصَره أنه عَرَفَ كل مسألة من مسائل الشافعي وموقعها من كتبه، وعَرَفَ بعد ذلك اتفاق ما بينها والاختلاف، ومما يدل عليه أن المُزَنِيَّ من رُواة الجديد، لكنه جمع إليه القديم أيضًا، وذلك دليل على عنايته بكتب الشافعي القديمة مع الجديدة.

стр. 20

وكان له معرفة جيِّدة بعلم الحديث والأثر وإن لم يشتهر به ولم يقصد من أجله، وقد تكون رئاسته في الفقه وأصوله طغت على سائر جوانب المعرفة منه، ثم إنه لم يكن من الرحَّالين في الحديث ولا من المكثِرين من الشيوخ، وجُلُّ حديثه من طريق الشافعي، وهو قليل الرواية على ثقة فيه، قد وثَّقَه ابن يونس (١)، وكان أحمد بن صالح المصري (ت ٢٤٨ هـ) يبجِّله، وقد قال فيه: «لو أن رجلًا حَلَفَ أنَّه لم يرَ كالمُزَنِيِّ آخَرَ كان صادقًا»، فقال له أبو أفلح المصري: نكتب عنه؟ قال: «إن حدَّثَكم» مرَّتين (٢)، وقال ابن أبي حاتم: «صدوق» (٣). وأخرج ابن السُّبْكِيُّ بسنده من طريق أبي الفوارس أحمد بن محمد الصابوني قال: أخبرنا المُزَنِيُّ: أخبرنا الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن الوِصال، فقيل: إنك تُوَاصِل؟، فقال: «لستُ مثلكم، إني أُطْعَمُ وأُسْقَى»، قال ابن السُّبْكِيُّ: «وبهذا الإسناد: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تُفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له»، قال: «وبه: أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان، على السنة، على الناس، صاع من تمر، وصاع من شعير، على كل حُرٍّ وعبد، وذكر وأنثى، من المسلمين»، قال ابن السُّبْكِيِّ: «مُتَّفَق عليها، وهي من الأسانيد التي ينبغي أن تُسَمَّى عقد الجوهر ولا حرج» (٤). _________ (١) انظر «تاريخ مصر» (١/ ٤٤). (٢) أخرجه البَيْهَقِيُّ في «المناقب» (٢/ ٣٥٧). (٣) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٩٥). (٤) انظر «الطبقات» (٢/ ٩٥).

стр. 21

ومِمَّا عُرِفَ به المُزَنِيُّ حُسن البيان وبلاغة القول، وحقيقٌ به وقد صَحِبَ الشافعي على منزلته الرفيعة في البيان والعربية، وقد شرح في «المختصر» الكثير من مفردات اللغة، وذكر (ف: ١٧٠٩) وصية عمر بن الخطاب لعامله على الحمى هُنَيٍّ حيث قال: «يا هُنَيُّ، ضُمَّ جَناحَك للنَّاسِ، واتَّقِ دَعْوَةَ المظلومِ، فإنَّ دَعْوَةَ المظلومِ مُجابَةٌ، وأدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ، وإيَّايَ ونَعَمَ ابنِ عفَّانَ ونَعَمَ ابنِ عَوْفٍ، فإنَّهما إنْ تَهْلِكْ ماشِيَتُهما يَرْجِعَا إلى نَخْلٍ وزَرْعٍ، وإنَّ رَبَّ الغُنَيْمَةِ يَأتِينِي بعِيالِه فيَقُولُ: يا أميرَ المؤمنين يا أميرَ المؤمنين، أفَتارِكُهُم أنا لا أبا لَكَ؟ فالكَلَأُ أهْوَنُ عليَّ مِنْ الدينارِ والدراهمِ». ثم علق عليه المُزَنِيُّ بقوله: «هذا والله الكلامُ النَّقِيُّ، الذي مَنْ سَمِعَه يَظُنُّ أنّه يَقْدِرُ عليه، وإذا أرادَه أعْوَزَه». وهذا التعليق من المُزَنِيِّ يُشير إلى إحساسه اللُّغَوِيِّ والأدبي، فقد نَبَّه الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧٤ هـ) إلى كلمات صَدَرَتْ عن البُلَغَاء وصلت إلى حَدِّ الإعجاز في معانيها فلا يرام التزيُّد عليها. وكان مما قاله في ذلك: «إنك تجد فُصُولًا تعلم أَنْ لن يُسْتَطَاع في معانيها مثلُها»، قال: «فمِمَّا لا يَخْفَى أنه كذلك .. قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: (قيمة كلِّ امرئ ما يُحْسِنُه)، وقول الحسن رحمة الله عليه: (ما رأيت يقينًا لا شكَّ فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت)» (١). وما ذكرنا دليل على تفنُّنٍ واسعٍ في العلوم لأبي إبراهيم المُزَنِيِّ، وقد روي عنه أنه سمع الشافعي يقول: «من تعلَّم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نَبُلَ قدره، ومن كتب الحديث قَوِيَتْ حجته، ومن نظر في اللغة رَقَّ _________ (١) انظر «الرسالة الشافية» للجرجاني (الفقرة: ٢٩).

стр. 22

طبعه، ومن نظر في الحساب جَزُل رأيه، ومن لم يَصُنْ نفسه لم ينفعه علمه» (١). _________ (١) أخرجه البيهقي في «المناقب» (١/ ٢٨٢) والخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٥١).

стр. 23

الفصل الرابع في عقيدته ومحنته ذكرنا أن المُزَنِيَّ اشتغل في أول أمره بعلم الكلام، وأن الشافعي أوصاه بتركه والبُعد عنه، وقد تَبِعَ نصيحته ولَزِمَ السُّنَّة بفضله، ورُوِي عنه الكثير من الروايات المؤكِّدَةِ التزامَه بطريقة السَّلَفِ في الاعتقاد، لكنه لم يكن من الذين يتعرَّضون للمحنة وقد عاش أيامها، فكانت سلامته سببًا في تعرُّضه لبعض التُّهَم، وسنذكر قصة اتهامه بفساد الاعتقاد، ومن ثَم نبرِّئه بذكر ما صَحَّ عنه من الكلام في أبواب العقيدة. التهمة والمحنة: كان أول اتصال المُزَنِيِّ بشيخه الشافعي في مسألة من مسائل الكلام كما ذكرت، وكانت نصيحة الشافعي له البُعد عن الخوض فيها، وقد لَزِمَ المُزَنِيُّ هذا النهج طَوال حياته فما كان أقلَّ حديثه في العقائد، وكان يبتغي بذلك البِرَّ بنصيحة شيخه الشافعي ﵀ ومذهبه، قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِي: سمعت عبدالرحمن بن محمد بن حامدالسُّلَمِي: سمعت محمد بن عُقَيْل بن الأزهر يقول: جاء رجل إلى المُزَنِيِّ يسأله عن شيء من

стр. 24

الكلام، فقال: إنِّي أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، لقد سمعت الشافعي يقول: سُئِلَ مالك عن الكلام والتوحيد، فقال: مُحَال أن نظنَّ بالنبي ﷺ أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلِّمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي ﷺ : (أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، فما عصم به الدم والمال حقيقة التوحيد» (١). وأخرج البيهقي عن أحمد بن أصرم أنه قال: سمعت المُزَني يقول: «القرآن كلام الله، غير مخلوق، وما دِنْت بغير هذا قطُّ، ولكن الشافعي كان ينهانا عن الكلام» (٢). وقد عاش المُزَني أيام المحنة في أواخر خلافة المأمون وحتى نهايتها على يد المتوكِّل بن المعتصم، هذه المحنة التي هزَّت العالم الإسلامي قاطبة وقُبض فيها على جلة الأئمة، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل وأبو يعقوب البُوَيْطي، وكلاهما من تلاميذ الشافعي، فما كان من أبي إبراهيم إلا أنه حاول أن يبقى بمنأًى عن أن يَصْلَى بنارها، ومما يسَّر له ذلك بُعده عن المناصب وأهلها، وسكوته عن الحديث في العقائد والفرق، وما كل الناس بأحمد أو شبيهه، وقد قال المُزَني نفسه: «أحمد بن حنبل .. أبو بكر يوم الرِّدَّة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليّ يوم صِفِّين» (٣). إلا أن السلامة نادرة، والسّتر عزيز، والناس مولعون بالتنقيب عن العقائد والامتحان فيها، فما كان منهم إلا أن اتخذوا من سكوته تهمة، _________ (١) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٠/ ٢٦)، وذكره السيوطي في «الحاوي للفتاوي» (٢/ ١٥٥ ط دار الفكر) وصحح إسناده وقال: «وبه أجبت». (٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٥٣). (٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٧).

стр. 25

واستدلُّوا بسلامته في دولة المعتزلة على انحرافه، خصوصًا وقد أخذوا رفيقه البُوَيْطي موثقًا، وتصدَّر هو في مجلسه من بعده، فكثُر فيه القيل والقال، وعزوا له الانحراف في القرآن، فمن قائل بأنه من الواقفين في قضية القول بخلق القرآن، وآخرون عزوا له القول بالخلق. قال ابن عبدالبَرِّ ﵀: «كان من يُعاديه ويُنافسه من أهل مصر يرمونه بأنه كان يقول: القرآن مخلوق، فهجره قوم كثير من أهل مصر، حتى كان يجلس مع نحو عشرة من أصحابه إلى عمود في المسجد»، قال ابن عبدالبَرِّ: «وهذا لا يَصِحُّ عنه» (١). وعن أبي نُعَيْم قال: سمعتُ أبا القاسم الأَنْمَاطِيَّ يقول: «جالستُ المُزَني عشر سنين، فلما كان بأخرة اجتمعنا في جنازة بعض أصحابه، فقلت: إن الناس يتحدَّثون بمذهب المُزَني فينسبونه إلى أنه يتكلَّم في القرآن ويقول بالمخلوق، فلو سألناه؟ قال: فتقدَّمنا إليه فقلنا: يا أبا إبراهيم، إنما نسمع منك هذا العلم، ونحبُّ أن يُؤخَذ عنا ما نسمع منك، والناس يذكرون أنك سُئِلتَ عن القول بما يقول أهل الحديث في القرآن، ونحن نعلم أنك تقول بالسنة وعلى مذهب أهل الحديث، فلو أظهرت لنا ما تعتقده؟ فأجابنا فقال: أنا لم أعتقد قطُّ إلَّا أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولكني كرهت الخوض في هذا مخافة أن يكثر عليَّ، وأطالب بالنظر في هذا، وأشتغل عن الفقه، فلما كان من الغد بعث إليه رئيس من رؤساء الجهمية بمصر يقال له ابن الأصبغ رسولًا فقال: يا أبا إبراهيم، بعثني إليك فلان وهو يقول: لم تزل تُمْسِكُ عن الخوض في القرآن والكلام فيه، فما الذي بدا لك الآن؟ وقد بلغني أنك أجبت بكذا وكذا، فما حجتك فيما أجبت أن القرآن غير _________ (١) انظر «الانتقاء» (١٦٩) لابن عبد البَرِّ.

стр. 26

مخلوق؟ فنظر إلينا فقال: ألم أقل لكم: إني كنت أمتنع من أجل أني أطالب بمثل هذا؟! قال أبو القاسم: فقلت أنا أتولَّى عنك جوابه، قال: شأنك، فمضيت إليه فقلت له: إن رسولك جاء إلى أبي إبراهيم بكذا وكذا، فجئت لأتولَّى عنه الجواب وأنا أحد من يحمل عنه العلم، فقال: ما حجتك؟ فقلت له: أقول: القرآن غير مخلوق، وأدلُّ عليه بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع أمته، ومن حجج العقول التي ركَّبها الله في عباده، قال: فأوردت عليه ذلك فبقى متحيِّرًا»، أخرجه البيهقي وقال: «فالمُزَني ﵀ كان رجلًا ورعًا وزاهدًا يتجنَّب السلاطين، فامتنع من الكلام مخافة أن يُبْتَلَى بالدخول عليهم، مع ما شاهد من محنة البُوَيْطي وأمثاله من أهل السنة في أيام المعتصم والواثق» (١). وأخرج اللالكائي عن إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسِيّ المصري أنه قال: «كنا عند نُعَيْم بن حمَّاد جلوسًا، فقال نُعَيْم للمُزَني: ما تقول في القرآن؟ فقال: أقول إنه كلام الله، فقال: غير مخلوق؟ فقال: غير مخلوق، قال: وتقول إن الله يرى يوم القيامة؟ فقال: نعم، قال: فلما افترق الناس قام إليه المُزَني فقال: يا أبا عبد الله، شهرتني على رءوس الناس، فقال: إن الناس قد أكثروا فيك فأردت أن أبرِّئك» (٢). وأخرج الذهبي عن أبي زرعة الرازي أنه قال: «بلغني عنه أنه تكلَّم في لفظي بالقرآن مخلوق، فلما خرج عبد الرحيم إليه أمرته أن يسأله عن ذلك، قال: فبكى وقال: معاذَ الله» (٣). _________ (١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٤٦٦). (٢) انظر «شرح اعتقاد أهل السنة» (رقم: ٨٩١). (٣) انظر «تذكرة الحفَّاظ» (٢/ ٧٤٣).

стр. 27

وقال أبو عَوَانة: «دخلت على أبي إبراهيم المُزَني في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: ما قولك في القرآن؟ فقال: كلام الله غير مخلوق، فقلت: هلَّا قلت قبل هذا، قال: لم يزل هذا قولي، وكرهت الكلام فيه؛ لأن الشافعي كان ينهى عن الكلام فيه» (١). وقال أبو زكريا يحيى بن زكريا بن حيويه: سمعت المُزَنِي يقول: «القرآن كلام الله غير مخلوق» (٢). فهذه الروايات الصحيحة كلها تدل على صحة اعتقاد المُزَنِي وبُعده عَمَّا رُمِيَ به من الخوض في القرآن، وتبيِّن كذلك الأسباب التي جعلته لا يتكلَّم في القرآن، وجملتها: اتقاء المحنة أن تقع عليه، ومن الهدي ألا يتمنى المرء لقاء العدو، فإذا لقيه صبر وثبت، ومنها كذلك: اتقاء الخوض في علم الكلام والجدل في مسائلها شغلًا بالفقه كما أوصاه الشافعي. شرح السنة للمُزَني: وهناك رسالة في شرح السنة والمعتقد تُنسَب إلى المُزَني، ولها عنه روايتان: أحدهما: رواية إسماعيل بن رجاء محدِّث عسقلان، قال: «أنبأنا أبو الحسين المَلْطِي وأبو أحمد محمد بن محمد القَيْسَرَاني، قالا: أنبأنا أحمد بن بكر اليازوري، قال: حدثني الحسن بن علي اليازوري الفقيه، حدثني علي بن عبد الله الحلواني، قال: كنت بأطربلس المغرب فذكرت وأصحاب لنا السنة، إلى أن ذكرنا أبا إبراهيم المُزَني ﵀، فقال بعض _________ (١) نقله الذهبي في «العلو للعلي الغفار» (ص ٢١٥ ر ٥٣٥) عن الحاكم. (٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٢).

стр. 28

أصحابنا: بلغني أنه كان يتكلم في القرآن ويقف، وذكر آخر أنه يقوله، إلى أن اجتمع معنا قوم آخرون فكتبنا إليه نستعلم منه، فكتب إلينا: عصمنا الله وإياكم بالتقوى … » إلخ. وهذه الرواية ذكر الذهبي أولها في كتاب «العلو» (ص: ١٨٥ ر ٤٩٥)، وهي التي وصلتنا في نسخة مكتبة شهيد علي باشا بتركيا من طريق أبي طاهر السلفي، ومن طريقه ذكره ابن القيم في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص: ٢٤٥)، وقال: «رسالته في السنة التي رواها أبو طاهر السِّلَفي عنه بإسناده، ونحن نسوقها بلفظها كلها: بسم الله الرحمن الرحيم … ». وثانيهما: رواية سعد بن علي الزِّنْجَاني، عن أبي محمد الجِلْياني، عن أبيه، عن أبي عبد الله الحسين بن علي الأهوازي، عن أبي القاسم سليمان بن أيوب الطبراني، عن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن معاذ بن كثير قال: «جالست علي بن عبدالله الحلواني بأطرابلس المغرب في مجلس مذاكرة، وكنا جماعة من أهل العلم بمذهب السنة، فجرى ذكر علماء بذلك، مثل مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، وداود الأصفهاني، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، والمُزَني، فعارض معارض في المُزَني رحمة الله عليه وقال: ليس من جملة العلماء، قلنا: فلِمَ ذلك؟ قال: لأني سمعته يتكلم في القدر، ويجادل بالقياس والنظر، فغمَّنا ذلك أن نسمعه عنه، وأحببنا أن نعلم حقيقة ذلك، فكتبنا إليه كتابًا نسأله أن يشرح لنا حقيقة اعتقاده في القدر، والإرجاء، والسنة، والبعث والنشور، والموازين، والصراط، ونظر الناس إلى وجه الرب تعالى يوم القيامة، وسألناه الجمع والاختصار في الجواب، فلما وصل إليه الكتاب ردَّ إلينا جوابه: بسم الله الرحمن الرحيم … ».

стр. 29

وهذه الرواية وردت في نسخة مكتبة حمَّاد بن محمد الأنصاري، وهي نسخة فيما يبدو أصابها الكثير من التحريف والزيادة والنقص، فلا ينبغي الأخذ بها إلا حيث وافقت الأولى أو فسَّرتها. وبالنظر في مقدمة الروايتين يُعلم أن تُهْمَة المُزَني في المعتقد قد جاوزت حدود مصر حتى بلغت طرابلس المغرب، كما جاوزت مسألة خلق القرآن حتى شملت مسائل الإيمان والقدر وجملة المعتقد، فكان ذلك سببًا في طلبهم إليه كتابة رسالة تبيِّن معتقده، لكن مرجع الروايتين إلى علي بن عبدالله الحَلَواني، وهو مجهول، كما أن حامل الرسالة إليه مبهم أيضًا، والحسن بن علي اليازوري الراوي عنه في الرواية الأولى مجهول، وأبو محمد الجلياني وأبوه وعبدالكريم بن عبدالرحمن بن معاذ بن كثير في إسناد الرواية الثانية مجاهيل، ومعلوم أن إسنادًا بهذا القدر لا ينبغي الاعتماد عليه، لكن إقرار أمثال سعد الزِّنْجَاني وأبي طاهر السلفي والذهبي وابن القيم يُضفي عليها صفة الشرعية مع يقيننا بأن مضمون المعتقد في الجملة هو عقيدة سلفنا الصالح، وهو عقيدة المُزَني منهم ما لم يثبت خلافه، ويؤيد بعضه ما ثبت عنه من المسائل بالأسانيد الصحيحة كما سيأتي إن شاء الله. وقد نشر هذه العقيدة جمال عزون جزاه الله خيرًا معتمدًا على النسختين مع ما أورده ابن القيِّم والذهبي في كتابيهما، إلا أن لي نظرًا في بعض اختياراته، فرأيت إيراد الكتاب على ما رأيت أنا، ومن أراد تفصيل فروق النسخ فعليه بالنسخة المطبوعة.

стр. 30

قال أبو إبراهيم المُزَني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عصمَنا الله وإياكم بالتقوى ووفَّقَنا وإياكم لموافقة الهدى. أما بعد: فإنك -أصلحك الله- سألتَني أن أوضِّح لك من السنة أمرًا تُصَبِّر نفسك على التمسك به، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين، وقد شرحت لك منهاجًا موضَّحًا، لم آل نفسي وإياك فيه نصحًا، بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد. الحمد لله أحق ما بدئ، وأولى مَنْ شكر، وعليه أُثني، الواحد الصمد، الذي ليس له صاحبة ولا ولد، جَلَّ عن المثيل، فلا شبيه له ولا عديل، السميع البصير، العليم الخبير، المنيع الرفيع، عالٍ على عرشه، وهو دانٍ بعلمه مِنْ خلقه، أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر، لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا. خلق الخلق بمشيئته عن غير حاجة كانت به، وخلق الملائكة جميعًا لطاعته، وجَبَلهم على عبادته، فمنهم ملائكة بقدرته للعرش حاملون، وطائفة منهم حول عرشه يسبحون، وآخرون بحمده يقدِّسون، واصطفى منهم رسلًا إلى رسله، وبعض مدبِّرون لأمره. ثم خلق آدم بيده، وأسكنه جنته، وقبْل ذلك للأرض خلقه، ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم سلَّط عليه

стр. 31

عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله لها إلى الأرض سببًا، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلًا، ولا عنه لها مذهبًا. ثم خلق للجنة من ذريته أهلًا، فهم بأعمالها بمشيئته عاملون، وبقدَرِه وإرادته ينفذون، وخلق من ذريته للنار أهلًا، فخلق لهم أعينًا لا يبصرون بها، وآذانًا لا يسمعون بها، وقلوبًا لا يفقهون بها؛ فهم بذلك عن الهدى محجوبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدَره يعملون. والإيمان قول وعمل، وهما سِيَّان، ونظامان وقرينان، لا نفرِّق بينهما، لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان. والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون، وبصالح الأعمال هم متزايدون، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب معصية ولا عصيان، ولا نوجب لمحسنهم الجِنان بعد من أوجب له النبي ﵌، ولا نشهد على مسيئهم بالنار. والقرآن كلام الله ، ومِن لدنه، وليس بمخلوق فيبيد، وقدرة الله ونعته وصفاته كاملات، غير مخلوقات، دائمات، أزليات، وليست بمُحْدَثات فتبيد، ولا كان ربنا ناقصًا فيزيد، جلت صفاته عن شبه المخلوقين، وقصرت عنه فطن الواصفين، قريب بالإجابة عند السؤال، بعيد بالتعزُّز لا ينال، عالٍ على عرشه، بائن من خلقه، موجود، وليس بمعدوم ولا بمفقود. والخلق ميِّتون بآجالهم، عند نفاد أرزاقهم، وانقطاع آثارهم، ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون، وبعد البِلَى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، ولدى العرض عليه محاسبون، بحضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين، أحصاه الله ونَسُوه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة

стр. 32

لو كان غير الله الحاكم بين خلقه، فالله يلي الحكم بينهم بعدله بمقدار القائلة في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين، كما بدأه لهم من شقاوة وسعادة يومئذ يعودون، فريق في الجنة وفريق في السعير. وأهل الجنة يومئذ في الجنة يتنعمون، وبصنوف اللذات يتلذَّذون، وبأفضل الكرامة يحبرون، فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناضرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة، في نعيم دائم مقيم، و ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨]، ﴿أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار﴾ [الرعد: ٣٥]. وأهل الجَحْد عن ربهم يومئذ محجوبون، وفي النار يسجرون، ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾ [المائدة: ٨٠]، و ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ الآية [فاطر: ٣٦]، خلا من شاء الله من الموحِّدين إخراجَهم منها. والطاعة لأُولي الأمر فيما كان عند الله مرضيًّا، واجتناب ما كان مسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَوْرهم، والتوبة إلى الله كيما يعطف بهم على رعيتهم، والإمساك عن تكفير أهل القبلة، والبراءة منهم فيما أحدثوا، ما لم يبتدعوا ضلالًا، فمن ابتدع منهم ضلالًا كان على أهل القبلة خارجًا، ومن الدين مارقًا، ويتقرَّب إلى الله بالبراءة منه، ويهجر ويحتقر وتجتنب غدته، فهي أعدى من غدة الجرب. ويقال بفضل خليفة رسول الله ﵌ ثم عمر، فهما وزيرا رسول الله ﷺ وضجيعاه، ثم عثمان، ثم علي، ﵃ أجمعين، ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله ﷺ الجنة، ونخلص

стр. 33

لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجب لهم رسول الله ﷺ من التفضيل، ثم لسائر أصحابه من بعدهم ﵃ أجمعين، ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، فهم خيار أهل الأرض بعد نبيِّهم، ارتضاهم الله لنبيِّه، وخلقهم أنصارًا لدينه، فهم أئمة الدين، وأعلام المسلمين، ﵃ أجمعين. ولا نترك حضور الجمعة، وصلاتها مع بر هذه الأمة وفاجرها لازم، ما كان من البدعة بريا، والجهاد مع كل إمام عدل أو جائر والحج، وإقصار الصلاة في الأسفار، والاختيار فيه بين الصيام والإفطار. هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضى، وجانبوا التكلف فيما كفوا، فسددوا بعون الله ووفّقوا، لم يرغبوا عن الاتِّباع فيقصروا، ولم يجاوزوا فيعتدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوكّلون، وإليه في اتباع آثارهم راغبون. هذا «شرح السنة»، تحرَّيت كشفها وأوضحتها، فمن وفَّقه الله للقيام بما أبنته مع معونته له بالقيام على أداء فرائضه بالاحتياط في النجاسات، وإسباغ الطهارة على الطاعات، وأداء الصلوات على الاستطاعات، وإيتاء الزكاة على أهل الجِدَاتِ، والحج على أهل الجِدَة والاستطاعات، وصيام الشهر لأهل الصحَّات، وخمس صلوات سنَّها رسول الله ﷺ : صلاة الوتر في كل ليلة، وركعتا الفجر، وصلاة الفطر والنحر، وصلاة كسوف الشمس والقمر إذا نزل، وصلاة الاستسقاء متى وجب، واجتناب المحارم، والاحتراز من النميمة، والكذب، والغيبة، والبغي بغير الحق، وأن يقال

стр. 34

على الله ما لا يعلم، كل هذا كبائر محرمات، والتحرِّي في المكاسب والمطاعم والمحارم والمشارب والملابس، واجتناب الشهوات، فإنها داعية لركوب المحرمات، فمن رعى حول الحمى فإنه يوشك أن يُواقع الحمى. فمن يسَّر لهذا فإنه من الدين على هدى، ومن الرحمة على رجاء، ووفَّقنا الله وإياك إلى سبيله الأقوم بمنِّه الجزيل الأقدم وجلاله العليِّ الأكرم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى من قرأ علينا السلام، ولا ينال سلام الله الضالين، والحمد لله رب العالمين. مسائل عن المُزَني في المعتقد: قال عبدالله: وقد تتبَّعت ما أمكنني جمعه مما قرب تناوله من شوارد مسائل الاعتقاد التي تُروى عن المُزَني ما يدل على أن منهجه في الاعتقاد هو منهج أصحاب الحديث وسلف الأمة في الجملة، فمن ذلك: قوله في صفات الله تعالى، قال محمد بن إسماعيل الترمذي: «سمعت المُزَني يقول: لا يصح لأحد توحيد حتى يعلم أن الله على العرش بصفاته، قلت: مثل أي شيء؟ قال: سميع بصير عليم قدير» (١). وقوله في القدر، قال المُزَني: «سألت الشافعي عن قول النبي ﷺ : ستة لعنهم الله، فذكر منهم: المكذِّب بقدر الله، فقلت له: يا أبا عبد الله، مَنْ القدرية؟ فقال: هم الذين زعموا أنَّ الله لا يعلم المعاصي حتى تكون»، أخرجه البَيْهَقي وقال: «وقد سمعت كثيرًا من علماء المعتزلة زَعْم أن منهم من أنكر علمه بها كما أنكر خلقه لها، وقال لي في السِّرِّ: لا يستقيم هذا _________ (١) أخرجه الذهبي بسنده في «العلو للعلي الغفار» (ص ١٨٥ ر ٤٩٦)، وقال الألباني في مختصره (ص ٢٠١): «وفيه من لم أعرفه مثل عمرو بن تميم المكي».

стр. 35

المذهب إلا بأن ينكرهما جميعًا، إلا أن مشايخنا لا يبوحون بذلك»، قال البَيْهَقي: «ونعوذ بالله من مذهبٍ يُقيم صاحبه على مثل هذا القول» (١). وقوله في الإيمان، سأله أبو سعيد الفِرْيَابي في مرضه الذي تُوُفِّي فيه عن الإيمان وهو يومئذ ثقيل من المرض، يغمى عليه مرة، ويُفيق مرة، وقد كانوا صرخوا عليه تلك الليلة وظنوا أنه قد مات، قال أبو سعيد: «فقلت له: أنت إمامي بعد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، قولك في الإيمان؟ إن الناس قد اختلفوا فيه: فمنهم من زعم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومنهم من قال: قول وعمل يزيد، ومنهم من قال: قول والعمل شرائعه، فقال مجيبًا بسؤال ثقيل: من الذي يقول: قول وعمل؟ قلت: مالك، والليث بن سعد، وابن جريج، وذكرت له جماعة، فقال: لا يعجبني، أو لا أحبُّه أن يكفر أحد، إنما قال: سلني عن الاسم أو معنى الاسم، فتعجبت من سؤاله إياي مع ما هو فيه وهو يُغمى عليه فيما بين ذلك، ثم قال: من أخطأ في الاسم ليس كمن أخطأ في المعنى، الخطأ في المعنى أصعب، ثم قال: فما يقول هذا القائل فيمن جهل بعض الأعمال؟ هو مثل من جهل المعرفة؟ يريد التوحيد كله، ثم قال: هذا باب لم أُعمل فيه فكري، ولكن أنظر لك فيه، فلما قال لي ذلك أُغمي عليه، فقبَّلت جبينه، ولم يعلم بذلك وما شعر بي، وذلك أني قبَّلت في ذلك المجلس يده فمد يدي فقبَّلها، فلما كان بعد العصر من يومي ذلك رجعت إليه، فقال لي ابن أخيه عتيق: إنه سأل عنك وقال: قل له: الإيمان قول وعمل، فقعدت عنده حذاء وجهه، ففتح عينه ثقيلًا، فقال لي: الفِرْيَابي؟ قلت: نعم أكرمك الله، قال: لا خلاف بين الناس أن النبي ﷺ طاف بالبيت فقال: إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك»، وهذا _________ (١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٤).

стр. 36

دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان، قال أبو سعيد: هذا آخر مسألة سألت المُزَنِي عنها، ومات بعد هذا بثلاثة أيام (١). هذا وقد كان المُزَنِي يخرج هذا قولًا للشافعي ﵁، قال المُزَنِي: «إنَّ الشافعي قال في الذبيحة: ولا أكره الصلاة على رسول الله ﷺ ؛ لأنها إيمان بالله»، قال المُزَنِي: «ففي هذا دليل واضح أنه كان يقول: الإيمان قول وعمل، جعل الصلاة على رسول الله ﷺ من الإيمان» (٢)، وهذا النص مُهم من جهة أنه أصَّلَ للشافعية منهجًا لتخريج أقوال الإمام في العقائد لو أنهم عملوا به كما فعلوا في الفقه، اللهم إلا ما كان من البَيْهَقي حيث خرَّج الكثير من أقوال الشافعي العقدية من مسائله الفقهية. وقوله في الرؤية، قال المُزَني: «قال ابن هَرِم: قال الشافعي: في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] دليل على أن أولياء الله يرونه يوم القيامة» (٣). وقوله في عصمة الأنبياء، قال محمد بن إسحاق: سمعت المُزَنِي وذكر عنده حديث النبي ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، فقال المُزَني: «لم يَشُكَّ النبي ولا إبراهيم ﵉ في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكَّا أن يجيبهما إلى ما سألا» (٤). _________ (١) أخرجه اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (رقم: ١٥٩٦)، وأخرجه البَيْهَقي مختصرًا في «المناقب» (٢/ ٣٥٣). (٢) ذكره البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٣). (٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٣). (٤) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥).

стр. 37

الفصل الخامس في زهده وتحنُّثه الزهد والتعبُّد لله تعالى نتيجة طبيعية للاعتقاد الصحيح حين يتجذَّر في قلب المؤمن، وزهد المُزَني وعبادته محل إجماع بين مترجميه، وهو الصفة اللازمة لجل من عُرِف بالفقه والعلم من السلف الماضين، فلقد أبى العلم في أيديهم أن يكون مَطِيَّة للدنيا الفانية، كما تأبَّت عليهم أنفسهم أن يُذِلُّوها على أبواب السلاطين ونوادي أصحاب الشهوات، وقد قال أبو سعيد بن السكري: «رأيت المُزَني، وما رأيت أَعْبَد لله منه، ولا أتقن للفقه منه» (١)، وقال الخليلي: «اتفقوا على أنه أزهد أهل العلم بمصر في زمانه وأحسنهم ديانة» (٢). وقد كان من الزهد والورع على طريقة صعبة شديدة، فلم يتوضَّأ من حَباب ابن طولون ولم يشرب من كيزانه، قال: لأنه جعل فيه سرجين، والنار لا تطهر، وكان يشرب في الشتاء والصيف من كوزِ صُفْرٍ، قال يوسف _________ (١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥١). (٢) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٢٩).

стр. 38

بن عبد الأحد القُمِّي: «وكان يجدِّد الوضوء فيخرج من الجامع ويذهب إلى النيل - ومن الجامع إلى النيل مسافة - فيجدِّد وضوءه ثم يرجع»، وفي كتاب الحَمْشَاذي: «قيل: إن المُزَني كان يصلِّي بمصر الصلوات جماعة، فربما يخرج للطهارة ويتباعد إلى النيل، فإذا رجع وجدهم قد فرغوا من الصلاة، فيعيد تلك الصلاة خمسًا وعشرين مرة» (١). وقال يوسف بن عبدالأحد القُمِّيُّ: «صحبت المُزَني ليلة شاتية وبعينه رمد، فكان يجدِّد الوضوء ثم يدعو، ثم ينعس فيقوم ثانيًا فيجدِّد الوضوء، حتى فعل ذلك سبع عشرة مرة» (٢). وكان بعيدًا عن موارد الفتنة، مجانبًا عن مصاحبة أهل السلطة، فلم يتولَّ في حياته قضاءً أو منصبًا، بل قال يوسف بن عبدالأحد القُمِّيُّ: «كان إذا استقبله ابن عبدالحكم ومعه جماعة من القضاة، والقلانس على رءوسهم .. يقف ثم يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، ثم يرفع رأسه ويقول: بلى ربنا نصبر، بلى ربنا نصبر» (٣). وقد روى عنه ابن أخته أبو جعفر الطَّحَاوي قال: حدثنا المُزَني قال: أخبرني أبو بكر الحميدي، عن سفيان، عن خلف بن حوشب، قال: قال عيسى ابن مريم ﵇ للحواريِّين: «كما ترك الملوك الحكمة فاتركوهم والدنيا» (٤)، قلت: وكذلك فعل المُزَني. _________ (١) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩) للبَيْهَقي، و «الطبقات» (٢/ ٩٤) للسُّبْكي. (٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٩). (٣) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩) للبَيْهَقي. (٤) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥).

стр. 39

وروى الطحاوي أن المُزَني قال: أخبرني أبو بكر الحميدي عن سفيان قال: كان خَلَفٌ يقول: ينبغي للناس أن يتعلَّموا هذه الأبيات في الفتنة: الحربُ أوَّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ … تسعى بزينتها لكلِّ جهولِ حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضِرامُها … ولَّت عجوزًا غيرَ ذاتِ حليلِ شَمْطَاءَ جَزَّتْ رأسَها وتنكَّرت … مكروهةً للشَّمِّ والتَّقْبِيلِ (١) ومما يدل على معاناة المُزَنِي تربية نفسه، واجتهاده في مجاهدة شهواته .. اشتغاله بغسل الأموات، المذكِّر لهاذم اللذات، المنبِّه للاستعداد قبل الفوات، وهو الذي تولَّى غسل الإمام الشافعي، وقد روى ابن يونس عن إبراهيم بن محمد الضحَّاك أنه قال: سمعت المُزَني يقول: «عانيت غسل الموتى ليرقَّ قلبي، فصار ذلك لي عادة» (٢). وفي قوله: «فصار ذلك لي عادة» إشارة إلى قاعدة جليلة في التربية، وهي قاعدة تحوُّل العبادة عادة، فيقلُّ تأثيرها على النفس، ويضمحلُّ استشعار القائم بها بالقُرْبى، وهذا وارد في الصلوات وأنواع القربات، بل في أجلِّها وهي الدعوات، ثم إن تنبُّه المُزَني إلى هذه القاعدة لدليلٌ على نفس رباني بين جنبيه، رحمة الله عليه. وبالجملة قال عمرو بن عثمان المَكِّيُّ: «ما رأيت أحدًا من المتعبِّدين في كثرة مَنْ لقيت منهم أشدَّ اجتهادًا من المُزَني، ولا أَدْوَم على العبادة منه، وما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقًا على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس، وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي» (٣). _________ (١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦). (٢) انظر «تاريخ مصر» (١/ ٤٥) لابن يونس. (٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٠) و «المدخل» (١/ ٤٣) من طريق أبي عبدالرحمن السَّلَمي، وذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٤٩٤).

стр. 40

الفصل السادس في فروسيته العلم والعقيدة مع سلامة الاعتقاد عن شوائب الكلام صفات لا تكاد تفارق أئمة العصر الأول على اختلاف المذاهب والمشارب، لكن ليس كذلك الفروسية، وكثير من الأئمة الكبار بل أكثرهم لا يعرفون بتخصصهم في عالم الفروسية، ولم يعرف بالفروسية من الأئمة الأربعة غير الشافعي، كان راميًا مجودًا لا يكاد يُخطئ، ورابَطَ في ثَغر الاسكندرية أيام مقامه في مصر، ومثل الشافعي في ذلك المُزَنِي، كان راميًا مجودًا، وذكر ابن يونس ملازمته للرباط (١)، وذكر البَيْهَقي عن المُزَني أنه قال: «كان الشافعي يسمِّيني القُطَامي الرامي، ووضع كتاب السَّبْق والرمي بسببي، وأملاه عليَّ» (٢)، وعن المُزَني أنه قال: «سألنا الشافعي ﵁ أن يصنِّف لنا كتاب السبق والرمي، فذكر لنا أن فيه مسائل صعابًا، ثم أملاه علينا، ولم يسبق إلى تصنيف هذا _________ (١) انظر «تاريخ مصر» (١/ ٤٥) لابن يونس. (٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ١٢٩).

стр. 41

الكتاب»، ذكره الرافعي (١)، وفي رواية البَيْهَقي قال المُزَني: «لا نعلم أحدًا سبقه إليه» (٢). _________ (١) انظر «العزيز» للرافعي (٢٠/ ٤٥٦). (٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٢٧٣).

стр. 42

الفصل السابع في مشيخته وتصدُّره لم يزل المُزَنِي ملازمًا للشافعي منذ وروده مصر وحتى وفاته، ورُوِي عن المُزَنِي أنه قال: «دخلت على محمد بن إدريس الشافعي ﵁ عند وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبدالله؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، وللإخوان مفارقًا، وعلى الله وَارِدًا، وبكأس المنية شاربًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، فلا أدري نفسي إلى الجنة تصير فأهنِّيها، أو إلى النار فأعزِّيها، فقلت: يا أبا عبد الله، رحمك الله، عِظْنِي. فقال لي: اتقِ الله، ومَثِّل الآخرة في قلبك، واجعل الموت نُصْبَ عَيْنَيْكَ، ولا تنسَ موقفك بين يدي الله ، وكن من الله تعالى عَلى وَجَلٍ، واجتنب محارمَه، وأدِّ فرائضه، وكن مع الحقِّ حيث كان، ولا تستصغرنَّ نعم الله عليك وإن قَلَّت، وقَابِلْها بالشكر، وليكن صمتك تفكُّرًا، وكلامك ذكرًا، ونظرك عبرة، اعفُ عمَّن ظلمك، وصِلْ من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، واصبر على النائبات، واستعذ بالله من النار بالتقوى.

стр. 43

فقلت: زِدْني رحمك الله يا أبا عبدالله، فقال: ليكن الصِّدق لِسَانَك، والوفاء عِمادَك، والرحمة ثمرتك، والشكر طهارتك، والحق تجارتك، والتودُّد زينتك، والكتاب فطنتك، والطاعة معيشتك، والرضا أمانتك، والفهم بصيرتك، والرجاء اصطبارك، والخوف جِلْبَابك، والصدقة حِرْزك، والزكاة حصنك، والحياء أميرك، والحلم وزيرك، والتوكُّل درعك، وتكون الدنيا سجنك، والفقر ضَجِيعك، والحقُّ قائدك، والحجُّ والجهاد بغيتك، والقرآن محدِّثك، والله مؤنسك، فمن كانت هذه صفته كانت الجنة منزلته» (١). ولقد كان الشافعي ﵀ رجل فراسة ينظر بنور الله، وقد تفرَّس في أصحابه ما هم صائرون إليه، قال الربيع: «دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبُوَيْطي والمُزَني ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم»، قال: «فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال، ثم التفت إلينا فقال: أمَّا أنت يا أبا يعقوب .. فتموت في حديدك، وأما أنت يا مُزَنِيُّ .. فستكون لك بمصر هَنَاتٌ وهَنَات، ولتدركنَّ زمانًا تكون أقيس أهل ذلك الزمان، وأما أنت يا محمد .. فسترجع إلى مذهب أبيك [يعني: مذهب مالك ﵀]، وأما أنت يا ربيع .. _________ (١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٢٩٤) عن محمد بن الحسين السُّلَمِي قال: أنبأنا أبو نصر: محمد بن محمد بن عيينة الشَّعْرَاني بمرو، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أوس، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن محمد الموصلي بِتِرْمِذ في الجامع، قال: حدثنا مكي بن هارون الزِّنْجَاني بِزِنْجَان، عن أبي عبد الله بن شاكر عن المُزَني به، وقد أخرج قبله أصل خبر دخوله على الشافعي عن محمد بن عبد الله بن محمد، قال: حدثني أحمد بن الحسين الصُّوفي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العطار بمصر، قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: «دخل المُزَنِي على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مُفارقًا، ولكأس المنيَّة شاربًا، وعلى الله واردًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا».

стр. 44

فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب، قم يا أبا يعقوب فتسلَّم الحلقة»، قال الربيع: «فكان كما قال» (١). هكذا ورد في هذه الرواية أنه أوصى بحلقته إلى أبي يعقوب البُوَيْطي، وله قصة من صراع أصحابه عليها، فروى أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي جعفر السكري صديق الربيع عن الربيع قال: «لمَّا مرض الشافعي مرضه الذي تُوُفِّي فيه جاء محمد بن عبدالله بن عبدالحكم ينازع البُوَيْطي في مجلس الشافعي، فقال البُوَيْطي: أنا أحق بمجلسه منك، وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء الحميدي - وكان تلك الأيام بمصر - فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت، فقال له الحميدي: بل كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك، وغضب ابن عبد الحكم فترك مجلس الشافعي وتقدَّم مجلس الشافعي فجلس في الطاق الثالث، ترك طاقًا بين مجلس الشافعي وبين مجلسه، وجلس البُوَيْطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس. قال أبو بكر: وهو الطاق الذي كان الربيع يجلس فيه أيامنا، إلا أن الشافعي كان يجلس مستقبِل القبلة، وكان الربيع يجلس مستدبِر القبلة، لا يجلس في مجلس الشافعي ﵀» (٢). فما زالت حلقة الشافعي مع البُوَيْطي حتى قامت محنة خلق القرآن، فسُعِيَ بالبُوَيْطي إلى السلطان، وقد أخرج الذهبي عن القاضي زكريا بن أحمد البَلْخِي: حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي، حدثنا الربيع بن _________ (١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ١٣٦). (٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٣٧).

стр. 45

سليمان، قال: «كان أبو بكر الأصم ممن سعى به - وما هو بابن كيسان الأصم - وكان أصحاب ابن أبي دؤاد وابن الشافعي ممن سعى به»، قال الربيع: «وكان المُزَني ممن سعى به وحرملة»، قال أبو جعفر الترمذي: «فحدثني الثقة عن البُوَيْطي أنه قال: برئ الناس من دمي إلا ثلاثة: حرملة والمُزَنِي وآخر» (١). قال التاج السُّبْكي: «إن صحَّت هذه الحكاية فالذي عندنا في إبهام الثالث أنه راعى فيه حق والده رضوان الله عليه» (٢)، والحكاية وإن صحت لم تدل إلا على أن المُزَني اتهم بالسعاية على البُوَيْطي، ولئن كان قد فعلها فهي كَبْوَة نرجو من الله أن يغفرها له على ما قدَّم، وقد قال الذهبي عقيب إيراده له: «اسْتَفِقْ ويحك وسَلْ ربك العافية، فكلام الأقران بعضهم في بعض أمر عجيب، وقع فيه سادة، فرحم الله الجميع». قال البَيْهَقي: «وحين وقع للبُوَيْطي ما وقع كان القائم بالتدريس والتفقيه على مذهب الشافعي ﵀: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني ﵀» (٣). لكن اتهام المُزَنِي بالسعاية على البُوَيْطي، ثم سكوته في مسألة خلق القرآن كما أشرت إليه سابقًا، كان لهما الأثر السيِّئ في زيادة الشكوك حول المُزَني، فهجره كثير من الناس، حتى ذكر أنه ما كان يجلس إليه إلا عشرة، ولكنها كانت محنة ألقت عليه ضبابها ثم انقشعت ليعلو في السماء نجمه بما عرف الله منه من إخلاصه، ثم ما رأى الله منه من عدم مبالاته في سبيله لومَ اللُّوَّم، وعن الحسن بن أحمد بن عبدالواحد قال: «سمعت المزني _________ (١) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٦٠). (٢) انظر «الطبقات» له (٢/ ١٦٤). (٣) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٤).

стр. 46

يقول وقال له رجل: يا أبا إبراهيم، إن فلانًا يبغضك، قال: ليس في قربه أُنْسٌ، ولا في بُعده وَحشة» (١). وقال أبو عمر بن عبد البَرِّ: «حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، قال: نا أبو القاسم عبيدالله بن عمر بن أحمد الشافعي بالزهراء، قال: كان فيما حدثنا شيوخنا من أهل مصر بمصر رجل صالح يقولون إنه من الأبدال، فرأى في النوم رؤيا، فأصبح فوقف في جامع مصر وصاح: يا أهل مصر اجتمعوا إليَّ، فاجتمع إليه الناس فقالوا: ما نزل بك يا فلان، قال: أنتم على خطأ كلكم فاستغفروا الله وتوبوا إليه، قالوا: مم ذا؟ قال: نعم، رأيت فيما يرى النائم كأني في مسجدكم هذا، وكأن القناديل كلها قد أُطفئت إلا قنديلًا واحدًا عند بعض هذه الأعمدة التي كان يجلس إليها المُزَني صاحب الشافعي، تعالوا حتى أريكم إياه، فوقفهم على العمود الذي كان يجلس إليه المُزَني، فتوافى الناس إليه واستحبُّوه وعَظُمَت حلقته حتى أخذت أكثر الجامع، وزال ما في قلوب الناس من التهمة له» (٢). وكثر إقبال الناس على المُزَني وأخذهم عنه بعد ذلك، حتى إن كثرة تلاميذه شغله عن بعض أعماله التي كان يقوم بها، فنذر نفسه لهم وجعل نشر العلم عبادته وطريقه إلى الله تعالى، قال يوسف بن عبدالأحد القُمِّي: «إن أبا إبراهيم المُزَني عَبَدَ الله كذا وكذا سنة عبادة منتظر، وكان يُصلِّي بحضرة أصحابه وهم يتناظرون، فإذا أشكل عليهم مسألة انتظروا سلامه، فإذا سلَّم سألوه، فقالوا: يا أبا إبراهيم، إن اشتغالك بتعليمنا أفضل لك من _________ (١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥). (٢) انظر «الانتقاء» (١٧٠).

стр. 47

الصلاة، يعنون النافلة، قال: وكيف؟ قالوا: لأنَّ تعليمك العلم يَعدُوك، وصلاتك لا تعدوك، فترك الصلاة وأقبل على تعليمهم» (١). وقال الخليلي: «ونجب أصحابه، وكان الدرس له في أيامه بمصر دون غيره، والنجباء من أصحابه في كل ناحية، فببغداد: عبدالله بن محمد بن زياد النيسابوري، وأحمد بن عبدالله بن سيف السجستاني، وفي الجبل: أبو عبدالله أحمد بن محمد بن ساكن الزِّنْجاني، وموسى بن عبدالحميد بن عصام بهمذان، وإبراهيم بن محمد بن عبيد الشهرزوري بحلوان، وسمع منه أبو الحسن العطَّار القزويني كتاب المزني، وأبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري بطبرستان، ومحمد بن هارون الروياني، وآخر من روى عنه بالرَّيِّ: ابن أبي حاتم، وبنيسابور: محمد بن إسحاق بن خزيمة، وبمرو: أحمد بن محمد المروزي، وبأذربيجان: أبو عمرو سعيد بن عمرو البردعي الحافظ» (٢). وفي أصحاب المُزَني غير من ذكرهم الخليلي كثرة، وهم في الواقع لا شك أكثر ممن ذكر في كتب التراجم، ولا أرى كبير عائدة تُرتَجى من سرد أسمائهم، ويكفيه أن طريقه هو الذي اتصل إلى الآباد في الفقه الشافعي، وأن كتابه هو الذي منه استقى جمهورهم. _________ (١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠). (٢) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٢٩).

стр. 48

الفصل الثامن في ذكر قوة حجة المُزَني وسرعة بديهته في المناظرة قال ابن عبد البَرِّ: «كان أعلم أصحاب الشافعي بالنظر، دقيق الفهم والفطنة» (١)، والظاهر أنه تميَّز بهذه الموهبة في حياة الشافعي نفسه، حتى إن الشافعي قال فيه: «هذا لو ناظر الشيطان لقطعه» (٢)، قال النووي: «وهذا قاله الشافعي والمُزَني في سِنِّ الحداثة، ثم عاش بعد موت الشافعي ستين سنة يُقصَد من الآفاق وتُشَدُّ إليه الرحال» (٣). وكأن المُزَني اكتسب هذه القوة من درسه لمذاهب علماء الأمصار ومناهجهم في الاستدلال، ثم ما عُرف به من اشتغاله بعلم الكلام أوائل الطلب، ولا يُجْهَل ما للشافعي من المنزلة الرفيعة في تأصيل علم الأصول، فأخذه المُزَني منه وتفقَّه فيه. _________ (١) انظر «الانتقاء» (١٦٩). (٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٦). (٣) انظر «المجموع» (١/ ١٥٧ - ١٥٨).

стр. 49

وكان في جدله لا يأخذه في الحق لومة لائم، وقد حكى ابن خَلِّكان والذهبي من مناظراته قال: «لَمَّا وَلِيَ القاضي بكار بن قتيبة القضاء بمصر وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقَّع الاجتماع بالمُزَني مدة، فلم يتفق له، فاجتمعا يومًا في صلاة جنازة، فقال القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المُزَني شيئًا حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضًا، فلم قدَّمتم التحريم على التحليل؟ فقال المُزَني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حرامًا في الجاهلية ثم حلل، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالًا، فهذا يعضِّد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن بكار ذلك منه»، قال الذهبي: «وأيضًا فأحاديث التحريم كثيرة صحاح، وليس كذلك أحاديث الإباحة» (١). _________ (١) انظر «وَفَيَات الأعيان» لابن خَلِّكان (١/ ٢١٨)، و «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٩٤).

стр. 50

الفصل التاسع في ذكر مؤلفات المُزَني قال ابن عبدالبَرِّ: «وله على مذهب الشافعي كتب كثيرة لم يلحقه أحد فيها، ولقد أتعب الناس بعده، منها: (المختصر الكبير) نحو ألف ورقة، ومنها: (المختصر الصغير) الذي عليه العمل نحو من ثلاثمائة ورقة، شرحه قوم كثير، منهم أبو إسحاق المروزي، وأبو العباس بن سريج، ومنها: نحو من مائة جزء مسائل منثورة في فنون من العلم وردّ على المخالفين له»، وقال: «انتشرت كتبه ومختصراته إلى أقطار الأرض شرقًا وغربًا» (١). وقال أبو إسحاق الشِّيرازي: «صنَّف كتبًا كثيرة: (الجامع الكبير)، و (الجامع الصغير)، و (مختصر المختصر)، و (المنثور)، و (المسائل المعتبَرة)، و (الترغيب في العلم)، و (كتاب الوثائق)» (٢). وقال التاج السُّبْكي: «صنَّف كتبًا كثيرة: (الجامع الكبير)، و (الجامع الصغير)، و (المختصَر)، و (المنثور)، و (المسائل المعتبَرة)، و (الترغيب في _________ (١) انظر «الانتقاء» (ص: ١٦٩). (٢) انظر «طبقات الفقهاء» للشِّيرازي (ص: ٩٧).

стр. 51

العلم)، و (كتاب الوثائق)، و (كتاب العقارب)، و (كتاب نهاية الاختصار)» (١). هذه الأقوال أصول ما ورد ذكره في ترجمة المُزَني من مصنَّفاته، وتحتاج إلى تحرير وبيان، فأقول: صنَّف المُزَني في فقه الشافعي سلسلة كتب، من مطوَّل إلى مختصَر، وظاهر صنيع ابن السُّبْكي أنها أربعة كتب: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» و «المختصَر» و «نهاية الاختصار»، وظاهر صنيع أبي إسحاق الشِّيرازي أنها ثلاثة: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» و «مختصَر المختصَر»، ولم يذكر ابن عبدالبَرِّ منها إلا كتابين: «المختصَر الكبير» و «المختصَر الصغير»، وكذلك هو عند البَيْهَقي (٢)، ونصَّا على أن «المختصَر الصغير» هو كتابه المتداول بين الناس. والذي أميل إليه هو مذهب الشِّيرازي، وذلك لتقدُّمه في معرفة كتب المُزَني، ولا يعارضه ما ذكره ابن عبدالبَرِّ والبَيْهَقي، وإنما أغفلا ذكر «مختصَر المختصَر»، ولم يكن همُّهما حصر مصنَّفاته، وقد قال القاضي الحسين: «المُزَني لمَّا رأى كثرة تفريعات الشافعي وكثرة كتبه استكثره، فاختصر منه كتابًا سمَّاه (جامع الكبير)، وكان كتابًا حسنًا بالغًا، ولم يوجد ذلك الكتاب في ديار خُراسان بالتمام، ثم استكثره فاختصر منه هذا المختصَر الذي تداوله الفقهاء، ثم استكثر هذا المختصَر فصنَّف كتابًا في جزئيات» (٣)، وهذا صريح فيما ذهبت إليه. _________ (١) انظر «الطبقات» للسُّبْكي (٢/ ٩٤). (٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٤). (٣) انظر «التعليقة» للقاضي (١/ ١١٠).

стр. 52

وأمَّا ما ذهب إليه ابن السُّبْكي فلا أراه إلا خطأً، ومَرَدُّه - والله أعلم - إلى أنه اطلع للمزني على كتاب «نهاية الاختصار» فزاده على ثبت الشِّيرازي، وحمل كتاب «مختصَر المختصَر» على «المختصر» المتداول، وقد ذكر الروياني: «أن المُزَني اختصر من علم الشافعي كتابًا سماه: (الجامع الكبير)، ثم اختصر منه (الجامع المختصر) الذي يتداوله أصحاب الشافعي ويتدارسونه» (١)، وهذا دليل على أن المختصَر المتداول إنما اختصر عن «الجامع الكبير» مباشرة، ليس بينهما واسطة. وبناءً عليه فكتاب «الجامع الكبير» أصل كتبه الثلاثة، وهو عين كتاب «المختصَر الكبير» في نحو ألف ورقة عند ابن عبدالبَرِّ، وقد تداول أصحابنا الشافعية هذا الكتاب ونقلوا عنه الكثير في شروحهم على «المختصَر»، ويلاحظ على القاضي الحسين نَفْي وجوده في بلاد خُراسان، لكن حمزة بن يوسف السّهمي (ت ٤٢٧ هـ) قال: «سمعت أبا بكر بن عبدان [ت ٣٨٨ هـ] يقول: قدم علينا شيراز أبو الحسن علي بن الحسن الجرجاني وكان عنده (جامع الكبير) للمُزَني» (٢)، وذكر السُّبْكي أن الإمام الكبير أبا أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبدالله بن أبي القاضي (ت ٣٤٠ هـ) من تلامذة أبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي وطبقتهما .. صنَّف في الفروع «كتاب الحاوي»، قال السُّبْكي: «بناه على (الجامع الكبير) لأبي إبراهيم المُزَني»، قال: «ومنه أخذ الماوردي اسم كتابه» (٣)، قلت: وربما أخذ منه منهجه أيضًا، فالماوردي كثير الاستشهاد بالجامع الكبير للمُزَني، والله أعلم. _________ (١) انظر «بحر المذهب» للروياني (١/ ٢٥). (٢) انظر «تاريخ جرجان» للسَّهْمي (ص: ٣١٧). (٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٦٥).

стр. 53

وأمَّا «المختصَر» .. فهو كتابنا الذي نحن بصدد إخراجه والتعليق عليه، وهو بعينه «الجامع الصغير» عند الشِّيرازي، و «المختصَر الصغير» في نحو ثلاثمائة ورقة عند ابن عبدالبَرِّ، وسأتكلَّم عليه في المقدمة الثانية من الدراسة إن شاء الله. وأما «مختصَر المختصَر» .. فهو و «نهاية الاختصار» واحد، قال ابن السُّبْكي: «وقد وقفت منها على أصل قديم كُتِبَ سنة ثمانين وأربعمائة»، قال: «وكثيرًا ما يذكر في هذا المختصر آراء نفسه، وهو مختصَر جدًّا، لعله نحو ربع التنبيه أو دونه» (١)، وذكر أنه في مختصره هذا يصرِّح بمخالفة الشافعي في مواضع ذكر بعضها (٢). بقي شيء يعكِّر عليَّ صفو هذا الاستنتاج، وهو أن ابن الصلاح قال: «المُزَني ﵀ له (المختصَر الكبير)، وهو كالمتروك، و (المختصَر الصغير)، وهو هذا المختصَر المشهور المعروف بـ (مختصر المُزَني)، الذي أكثر تصانيف الأئمة شروح له، وله (الجامع الكبير) و (الجامع الصغير)، والله أعلم» (٣)، فجعل المختصَرين غير الجامعين، وهذا بعيد. وأمَّا «المنثور» .. فقد ذكره كل من الشِّيرازي والسُّبْكي، قال النووي: «المنثور كتاب من كتب المُزَني التي نقلها عن الشافعي» (٤). وأما «المسائل المعتبَرة» .. فذكره الشِّيرازي وابن السُّبكي، والظاهر أنه مقصود ابن عبدالبَرِّ بقوله في معرض عَدِّ مصنَّفاته: «ومنها: نحو من مائة _________ (١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٦). (٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٣). (٣) انظر «شرح مشكل الوسيط» لابن الصلاح (٣/ ١٢٧). (٤) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» (مادة: نثر).

стр. 54

جزء، مسائل منثورة في فنون من العلم وردّ على المخالفين له»، ونقل النووي رأيًا للمُزَني عن طريق صاحب «الشامل» قال: «ذكره المُزَني في مسائله المعتبَرة على الشافعي» (١)، فقد يُقال بأن اسمه الكامل: «المسائل المعتبَرة على الشافعي». وأما «العقارب» .. فتفرَّد بذكره ابن السُّبْكي، ونقله عن أبي عاصم العبادي، وقال: «كتاب العقارب .. مختصَر فيه أربعون مسألة ولَّدها المُزَني، ورواها عنه الأنماطي، وأظن ابن الحداد نسج فروعه على منوالها» (٢)، وذكر بعض غرائبه. وأما كتابا «الوثائق» و «الترغيب في العلم» .. فلم أجد نصًّا أتبيَّن به حقيقتهما، ولعل الأيام تكشف بعض خباياهما، والله ولي التوفيق. _________ (١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ٥١٥). (٢) انظر «الطبقات» للسُّبْكي (٢/ ١٠٥).

стр. 55

الفصل العاشر في ذكر مكانة المُزَني في الفقه الإسلامي والمذهب الشافعي ذكرنا توسُّم الشافعي في المُزَني أنه ناصر مذهبه، وقال الروياني: «أحتسب المُزَني أفقه تلامذة الشافعي وأزهدهم وأحفظهم لكتبه وعلمه» (١)، وهذه هي الشروط الأولية لنصرة المذهب الذي تعلَّم على أساسه. وقد اصطلح الفقهاء الشافعية على تقسيم مراتب المفتين المجتهدين إلى مستقلين، ومنتسِبين، ومقيّدين، وليس هذا موضع التمييز بين هذه المراتب وذكر خصائصها، وإنما أريد بهذا الفصل ذكر موقع المُزَني منها، فذكر ابن الصلاح اختلاف الأصحاب في أن المُزَني هل كان من المجتهدين المستقلين أو من المجتهدين المنتسِبين إلى المذهب (٢)، وذهب النووي إلى أنه من المنتسِبين إلى المذهب (٣)، وهذه - والله أعلم - أحكام جملية، _________ (١) انظر «بحر المذهب» (١/ ٢٥). (٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤١). (٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٥).
следующие страницы →