Полный текст (1 788 стр.). Показаны 51–90 · переход к 56.
стр. 51
العلم)، و (كتاب الوثائق)، و (كتاب العقارب)، و (كتاب نهاية الاختصار)» (١).
هذه الأقوال أصول ما ورد ذكره في ترجمة المُزَني من مصنَّفاته، وتحتاج إلى تحرير وبيان، فأقول:
صنَّف المُزَني في فقه الشافعي سلسلة كتب، من مطوَّل إلى مختصَر، وظاهر صنيع ابن السُّبْكي أنها أربعة كتب: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» و «المختصَر» و «نهاية الاختصار»، وظاهر صنيع أبي إسحاق الشِّيرازي أنها ثلاثة: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» و «مختصَر المختصَر»، ولم يذكر ابن عبدالبَرِّ منها إلا كتابين: «المختصَر الكبير» و «المختصَر الصغير»، وكذلك هو عند البَيْهَقي (٢)، ونصَّا على أن «المختصَر الصغير» هو كتابه المتداول بين الناس.
والذي أميل إليه هو مذهب الشِّيرازي، وذلك لتقدُّمه في معرفة كتب المُزَني، ولا يعارضه ما ذكره ابن عبدالبَرِّ والبَيْهَقي، وإنما أغفلا ذكر «مختصَر المختصَر»، ولم يكن همُّهما حصر مصنَّفاته، وقد قال القاضي الحسين: «المُزَني لمَّا رأى كثرة تفريعات الشافعي وكثرة كتبه استكثره، فاختصر منه كتابًا سمَّاه (جامع الكبير)، وكان كتابًا حسنًا بالغًا، ولم يوجد ذلك الكتاب في ديار خُراسان بالتمام، ثم استكثره فاختصر منه هذا المختصَر الذي تداوله الفقهاء، ثم استكثر هذا المختصَر فصنَّف كتابًا في جزئيات» (٣)، وهذا صريح فيما ذهبت إليه.
_________
(١) انظر «الطبقات» للسُّبْكي (٢/ ٩٤).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٤).
(٣) انظر «التعليقة» للقاضي (١/ ١١٠).
стр. 52
وأمَّا ما ذهب إليه ابن السُّبْكي فلا أراه إلا خطأً، ومَرَدُّه - والله أعلم - إلى أنه اطلع للمزني على كتاب «نهاية الاختصار» فزاده على ثبت الشِّيرازي، وحمل كتاب «مختصَر المختصَر» على «المختصر» المتداول، وقد ذكر الروياني: «أن المُزَني اختصر من علم الشافعي كتابًا سماه: (الجامع الكبير)، ثم اختصر منه (الجامع المختصر) الذي يتداوله أصحاب الشافعي ويتدارسونه» (١)، وهذا دليل على أن المختصَر المتداول إنما اختصر عن «الجامع الكبير» مباشرة، ليس بينهما واسطة.
وبناءً عليه فكتاب «الجامع الكبير» أصل كتبه الثلاثة، وهو عين كتاب «المختصَر الكبير» في نحو ألف ورقة عند ابن عبدالبَرِّ، وقد تداول أصحابنا الشافعية هذا الكتاب ونقلوا عنه الكثير في شروحهم على «المختصَر»، ويلاحظ على القاضي الحسين نَفْي وجوده في بلاد خُراسان، لكن حمزة بن يوسف السّهمي (ت ٤٢٧ هـ) قال: «سمعت أبا بكر بن عبدان [ت ٣٨٨ هـ] يقول: قدم علينا شيراز أبو الحسن علي بن الحسن الجرجاني وكان عنده (جامع الكبير) للمُزَني» (٢)، وذكر السُّبْكي أن الإمام الكبير أبا أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبدالله بن أبي القاضي (ت ٣٤٠ هـ) من تلامذة أبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي وطبقتهما .. صنَّف في الفروع «كتاب الحاوي»، قال السُّبْكي: «بناه على (الجامع الكبير) لأبي إبراهيم المُزَني»، قال: «ومنه أخذ الماوردي اسم كتابه» (٣)، قلت: وربما أخذ منه منهجه أيضًا، فالماوردي كثير الاستشهاد بالجامع الكبير للمُزَني، والله أعلم.
_________
(١) انظر «بحر المذهب» للروياني (١/ ٢٥).
(٢) انظر «تاريخ جرجان» للسَّهْمي (ص: ٣١٧).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٦٥).
стр. 53
وأمَّا «المختصَر» .. فهو كتابنا الذي نحن بصدد إخراجه والتعليق عليه، وهو بعينه «الجامع الصغير» عند الشِّيرازي، و «المختصَر الصغير» في نحو ثلاثمائة ورقة عند ابن عبدالبَرِّ، وسأتكلَّم عليه في المقدمة الثانية من الدراسة إن شاء الله.
وأما «مختصَر المختصَر» .. فهو و «نهاية الاختصار» واحد، قال ابن السُّبْكي: «وقد وقفت منها على أصل قديم كُتِبَ سنة ثمانين وأربعمائة»، قال: «وكثيرًا ما يذكر في هذا المختصر آراء نفسه، وهو مختصَر جدًّا، لعله نحو ربع التنبيه أو دونه» (١)، وذكر أنه في مختصره هذا يصرِّح بمخالفة الشافعي في مواضع ذكر بعضها (٢).
بقي شيء يعكِّر عليَّ صفو هذا الاستنتاج، وهو أن ابن الصلاح قال: «المُزَني ﵀ له (المختصَر الكبير)، وهو كالمتروك، و (المختصَر الصغير)، وهو هذا المختصَر المشهور المعروف بـ (مختصر المُزَني)، الذي أكثر تصانيف الأئمة شروح له، وله (الجامع الكبير) و (الجامع الصغير)، والله أعلم» (٣)، فجعل المختصَرين غير الجامعين، وهذا بعيد.
وأمَّا «المنثور» .. فقد ذكره كل من الشِّيرازي والسُّبْكي، قال النووي: «المنثور كتاب من كتب المُزَني التي نقلها عن الشافعي» (٤).
وأما «المسائل المعتبَرة» .. فذكره الشِّيرازي وابن السُّبكي، والظاهر أنه مقصود ابن عبدالبَرِّ بقوله في معرض عَدِّ مصنَّفاته: «ومنها: نحو من مائة
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٦).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٣).
(٣) انظر «شرح مشكل الوسيط» لابن الصلاح (٣/ ١٢٧).
(٤) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» (مادة: نثر).
стр. 54
جزء، مسائل منثورة في فنون من العلم وردّ على المخالفين له»، ونقل النووي رأيًا للمُزَني عن طريق صاحب «الشامل» قال: «ذكره المُزَني في مسائله المعتبَرة على الشافعي» (١)، فقد يُقال بأن اسمه الكامل: «المسائل المعتبَرة على الشافعي».
وأما «العقارب» .. فتفرَّد بذكره ابن السُّبْكي، ونقله عن أبي عاصم العبادي، وقال: «كتاب العقارب .. مختصَر فيه أربعون مسألة ولَّدها المُزَني، ورواها عنه الأنماطي، وأظن ابن الحداد نسج فروعه على منوالها» (٢)، وذكر بعض غرائبه.
وأما كتابا «الوثائق» و «الترغيب في العلم» .. فلم أجد نصًّا أتبيَّن به حقيقتهما، ولعل الأيام تكشف بعض خباياهما، والله ولي التوفيق.
_________
(١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ٥١٥).
(٢) انظر «الطبقات» للسُّبْكي (٢/ ١٠٥).
стр. 55
الفصل العاشر في ذكر مكانة المُزَني في الفقه الإسلامي والمذهب الشافعي
ذكرنا توسُّم الشافعي في المُزَني أنه ناصر مذهبه، وقال الروياني: «أحتسب المُزَني أفقه تلامذة الشافعي وأزهدهم وأحفظهم لكتبه وعلمه» (١)، وهذه هي الشروط الأولية لنصرة المذهب الذي تعلَّم على أساسه.
وقد اصطلح الفقهاء الشافعية على تقسيم مراتب المفتين المجتهدين إلى مستقلين، ومنتسِبين، ومقيّدين، وليس هذا موضع التمييز بين هذه المراتب وذكر خصائصها، وإنما أريد بهذا الفصل ذكر موقع المُزَني منها، فذكر ابن الصلاح اختلاف الأصحاب في أن المُزَني هل كان من المجتهدين المستقلين أو من المجتهدين المنتسِبين إلى المذهب (٢)، وذهب النووي إلى أنه من المنتسِبين إلى المذهب (٣)، وهذه - والله أعلم - أحكام جملية،
_________
(١) انظر «بحر المذهب» (١/ ٢٥).
(٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤١).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٥).
стр. 56
اعتبروا فيها حالة المُزَني في غالب اجتهاداته، وإلا فلا خلاف في أن المُزَني له من الاجتهادات ما خرَّجها على مذهب الشافعي، مثله في ذلك مثل أصحاب الوجوه، وله منها ما استند فيها على أدلة الأحكام ونصوص الشرع، مثله فيها مثل المجتهدين المنتسِبين أمثال ابن جرير وابن خزيمة، وله منها ما خالف فيها الشافعي بناءً على دليل خاص ظهر له، مما يمكن أن يسمَّى اجتهادًا جزئيًّا مستقلًّا، وهذا يدل على أن المُزَني اجتمعت فيه جميع مراتب المجتهدين، فينبغي تخصيص هذا الخلاف في بيان الصفة الغالبة عليه.
وحينئذٍ كان لا بد من الفرق بين ما هو من اجتهاده الخاص الذي لا يُنْسَب إلى المذهب، واجتهادِه المقيد الذي يُعَدُّ وجهًا ضمن وجوه الأصحاب، وقد اضطرب كلام الأصحاب في ضوابط ما يُعَدُّ من أقواله من المذهب وما لا يُعَدُّ، فحاول إمام الحرمين في مواضع من «النهاية» ضبط ذلك ووضع قواعد تمييزه، وأحاول هنا أن أجمع شتيت كلامه في ذلك وأرتِّبه إن شاء الله، وخلاصة ذلك النظر في أمور أربعة:
أولها - النظر في حقيقة الاجتهاد الذي بَنَى عليه قوله، فإن كان اعتمد في استنباطه على نصوص الإمام وقواعده على قاعدة التخريج فهو من الوجوه في المذهب، وهو أولى من غيره أن يُعَدَّ من المذهب، قال إمام الحرمين: «إذا تصرَّف المُزَني على قياسِ مذهب الشافعي مخرِّجًا .. كان تخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره» (١)، وقال: «وأنا أوثر أن ننظر في كل كلام له إلى ما أشرنا إليه، فإنْ تصرَّف على المذهب وأجرى قياسه .. فهو تخريج على مذهب الشافعي، وتخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره،
_________
(١) انظر «نهاية المطلب» (٧/ ٢١٤).
стр. 57
وإن لم يتصرف على قياس المذهب، واستحدث من تلقاء نفسه أصلًا .. فيعدُّ ذلك مذهبَه، ولا يلحق بمتن المذهب» (١).
وثانيها - النظر في صفة تعبيره عن اجتهاده، فإذا عبَّر عنه بما يدل على تخريجه على أصل الشافعي فهو من المذهب، وإذا عبَّر بما يدل على اختياره الخاصِّ فليس من المذهب، وقد نصَّ الشافعي في خُلع وكيل المرأة بأكثر مما سمَّت مع إضافته إليها أن البينونة حاصلة، ومذهب المُزَني أن الطلاق لا يقع، فقال إمام الحرمين: «لم أر أحدًا من الأصحاب يرى مذهبه قولًا مخرَّجًا في المذهب على اتجاهه»، قال: «وإنما لم يُلحق الأصحابُ مذهبَه في هذه المسألة بالمذهب؛ لأن من صيغة تخريجه أن يقول: (قياس مذهب الشافعي كذا وكذا)، وإذا انفرد بمذهبٍ استعمل لفظةً تُشعِر بانحيازه، وقد قال في هذه المسألة لمَّا حكى جواب الشافعي: (ليس هذا عندي بشيء)، واندفع في توجيه ما رآه» (٢)، وقال: «للمُزَني عبارات في اختياراته، تارةً يفرط ويسرف ويقول بعد النقل: (هذا ليس بشيء)، وما كان كذلك فهو من مفرداته، وكلامُه مشعِر بمجانبته مذهبَ الشافعي فيما نقله وأخْذِه في مأخذٍ آخر، فلا يُعَدُّ مذهبُه تخريجًا، وتارةً يقول: (قياس الشافعي خلافُ ما نقلته)، فإذا قال ذلك، فالأوجَه عدُّ ما يذكره قولًا مخرَّجًا للشافعي، وإذا لم يتصرَّف على قياسه وقال: (الأشبه عندي) كان لفظه متردِّدًا بين التصرُّف على قياس الشافعي مَصيرًا إلى أن المعنيَّ بقوله (هذا أشبهُ): هذا أشبهُ بمذهب الشافعي، ويجوز أن يُقال: (هذا أشبه) معناه:
_________
(١) انظر «نهاية المطلب» (١٤/ ٣٧).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١٣/ ٤٨٠).
стр. 58
أشبهُ بالحق ومسلك الظن، ولم أَرَ أحدًا من أصحابنا يَعُدُّ اختيار المُزَني في هذه المسألة قولًا معدودًا من المذهب مخرجًا» (١).
وثالثها - النظر في تفرُّده وموافقة أصحاب الوجوه له على قوله، فإذا وافقه بعضهم كان ذلك دليلًا على أنه من المذهب، وإن اتفقوا على خلافه دَلَّ ذلك على أنه من اجتهاده الخارج عن المذهب، قال إمام الحرمين: «إذا انفرد المُزَني برأي .. فهو صاحب مذهب، فإذا خرَّج للشافعي قولًا .. فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو يلتحق بالمذهب لا محالة» (٢)، وقال النووي: «هذا الذي قاله الإمام حَسَنٌ لا شك أنه متعيِّن» (٣).
قلت: ينبغي أن يقيَّد هذا بما إذا لم يصرّح المُزَني بتخريجه على قواعد الشافعي وأصوله، وإلا فهو معدود من المذهب لا محالة، وإنما ينظر إلى التفرُّد حيث لم يصرّح بعزوه إلى المذهب، قال الرافعي: «تفرُّدات المُزَني لا تُعَدُّ من المذهب إذا لم يخرِّجها على أصل الشافعي» (٤).
ورابعها - النظر في الكتاب الذي ذكر فيه اجتهاده، فإن كان من الكتب التي ألَّفها لبيان مذهبه وفتاواه مثل «المسائل المعتبرة» لم يعتدَّ بها من المذهب، وإن كان الكتاب لبيان مذهب الشافعي في الجملة كـ «المختصر» فهو من المذهب، قال ابن السُّبْكي: «ينبغي أن يكون الفيصل في المُزَني أن تخريجاته معدودة من المذهب؛ لأنها على قاعدة الإمام الأعظم، وأمَّا اختياراته الخارجة عن المذهب .. فلا وجه لعدِّها ألبتة، وأمَّا إذا أطلق ..
_________
(١) انظر «النهاية» (١٤/ ٣٧١).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١/ ١٢٢).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٥).
(٤) انظر «العزيز» (١/ ٢٣٧ و ١٤/ ٣١٢).
стр. 59
فذلك موضع النظر والاحتمال، وأرى أن ما كان من تلك المطلَقات في مختصَره تلتحق بالمذهب؛ لأنه على أصول المذهب بناه، وأشار إلى ذلك بقوله في خطبته: (هذا مختصَر اختصرته من علم الشافعي ومن معنى قوله)، وأمَّا ما ليس في (المختصَر)، بل هو في تصانيفه المستقلة .. فموضع التوقُّف» (١).
فهذه جملة ما ذكره الأئمة من الاعتبارات التي يرجع إليها في التمييز بين اجتهادات المُزَني الخاصة وتخريجاته على قاعدة المذهب، وبناءً عليها ينبغي النظر في واقع اجتهاداته واستخلاص أنواعه لنحكم من خلالها على شخصه إن كان مجتهدًا مقيدًا أو منتسبًا أو مستقلًّا، وفي بعض كلام إمام الحرمين ما قد يُفهَم منه أن المُزَني لا يخرج عن قاعدة المذهب مطلقًا، قال إمام الحرمين: «الذي أراه أن يُلحَق مذهبُه في جميع المسائل بالمذهب؛ فإنه ما انحاز عن الشافعي في أصلٍ يتعلق الكلام فيه بقاطعٍ، وإذا لم يفارق الشافعيَّ في أصوله فتخريجاته خارجةٌ على قاعدة إمامه، فإن كان لتخريج مخرِّج التحاقٌ بالمذهب فأولاها تخريج المُزَني؛ لعلوِّ منصبه في الفقه، وتَلَقِّيه أصول الشافعي من فَلْق فيه» (٢).
وقال الشهرستاني لمَّا ذكر الشافعية من مذاهب المسلمين في الفروع أورد المُزَني وسائر تلاميذ الشافعي وقال بأنهم: «لا يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، بل يتصرَّفون فيما نقل عنه توجيهًا واستنباطًا، ويصدرون عن رأيه جملة، فلا يخالفونه ألبتة» (٣).
_________
(١) انظر «الطبقات» (٢/ ١٠٣).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١٣/ ٤٨٠).
(٣) انظر «الملل والنحل» (٢/ ١١).
стр. 60
قال التاج السُّبْكي: «لعل الشهرستاني تلقَّى هذا الكلام من الإمام»، قال: «لكن في كلام الإمام ما يقتضي أن المُزَني ربما اختار لنفسه وانحاز عن المذهب»، قال: «وهذا هو الظاهر» (١).
قلت: القول بنفي اجتهاد المُزَني خارج حدود المذهب يخالف صريح كلام إمام الحرمين كما سبق عنه، ويخالف كذلك واقع كتاب المُزَني، لكن قد تُفْهَم هذه النصوص على أنه قليل نسبيًّا، وهو كذلك إذا استقرأنا اجتهاداته في كتاب «المختصر»، لكن الحكم عليه من خلال كلامه في «المختصر» ليس سديدًا، فإن له من الكتب الكثير، وهو في غير «المختصر» أكثر تحررًا من قيود المذهب منه فيه.
ومن أبرز صور اجتهادات المُزَني الحرة عن قيود المذهب في كتاب «المختصر» مخالفاته الصريحة للشافعي، حيث يحكم على قوله بالغلط، وقد ذكر بعض مناظرات الشافعي مع محمد بن الحسن ثم قطعه وقال (ف: ٢٠٧٦): «تركت ذلك لكثرته، وأنه ليس بشيء عندي»، وفي مناظرة أخرى خالف المُزَني كُلًّا من الشافعي والشيباني وحلف بالله لقد غلط الشافعي ومحمد بن الحسن فيها (ف: ٣٨٧١)، وهذا ونحوه من اعتراضاته الكثيرة على الشافعي دليل على شخصية فقهية مستقلة، حتى إن كثرة اعتراضاته على الشافعي أثار أصحابه عليه فتعقَّبوه في اختياراته وردوا عليه كلامه، وخصوصًا ما كان منها من جهة وهمه على الشافعي، ووصفه إمام الحرمين في بعض المواطن بأنه «يبادر إلى الاعتراض، والأولى به ألا يستفتحه إذا وجد للكلام محملًا» (٢)، واهتمَّ الماوردي في «الحاوي» بتتبُّع
_________
(١) انظر «الطبقات» (٢/ ١٠٣).
(٢) انظر «النهاية» (١٢/ ٤٩٥)، وانظر «المختصَر» (ف: ٢١٦٣).
стр. 61
كلامه بالنقد وإيراد ردود الأصحاب الشافعية عليه، بل إن الردَّ على المُزَني صار دأب الأصحاب معه في عامة اختياراته وترجيحاته وتعليله وتوجيهه كما قال الرافعي (١).
_________
(١) انظر «العزيز» للرافعي (٢٢/ ٣٢٩).
стр. 62
المقدمة الثانية في
الكلام على الكتاب
стр. 63
قال المُزَني في أول مختصَره (ف: ١): «اختصرتُ هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه، وبالله التوفيق».
فأشار بقوله: «اختصرتُ هذا» إلى منهج تأليفه للكتاب، وأشار بقوله: «من علم الشافعي ومن معنى قوله» إلى مادته التي بناه عليها، وأشار بقوله: «لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه» إلى غرضه من التأليف، فهذه ثلاثة فصول.
وأزيد عليها ذكر قصة المزنيالمُزَني في تأليف هذا الكتاب، وبيان بعض اصطلاحاته فيه، وتحقيق عنوان الكتاب، وطرفًا من بيان عظم قدره عند أهل العلم، وذكر رواته وجهود العلماء حوله، وحصر وجوه النقد الموجَّه له، لينتظم سلك هذا القسم في فصول عشرة:
الفصل الأول في ذكر منهج تأليف الكتاب
الفصل الثاني في ذكر مادة الكتاب
الفصل الثالث في ذكر مقاصد المُزَني من تأليف المختصَر
الفصل الرابع في ذكر قصة تأليف الكتاب
الفصل الخامس في ذكر بعض اصطلاحات المُزَني في الكتاب
الفصل السادس في ذكر عنوان الكتاب
الفصل السابع في ذكر عظم قدر الكتاب عند أهل العلم
الفصل الثامن في ذكر رواة المختصَر
الفصل التاسع في ذكر جهود العلماء حول الكتاب
الفصل العاشر في ذكر وجوه النقد الموجَّه للكتاب
стр. 64
الفصل الأول في ذكر منهج تأليف الكتاب
ذكرت تصريح المُزَني أنه بَنَى كتابه على الاختصار، واشتقاق «الاختصار» من «الخصر»، وهو خلاصة الشيء، واختلفت عبارات أصحابنا في بيان معناه، ومرجعها إلى أصول أربعة:
الأصل الأول - الجمع، ومن هذا سمّي العصا الذي يتوكأ عليها بجميع بدنه: «مخصرة»، وسمّي «الخاصرة»؛ لأنها مجمع البدن من الأعلى ومن الأسفل، فالشافعي له الكثير من الكتب والأمالي، والكثرة والانتشار عائق كبير لمن ابتغى الاستفادة، ذلك أنه ليس كل أحد يتمكَّن من الجمع بين جميع مؤلَّفات الإمام، ثم إذا جمع قد لا يُسعفه الهمة في استقرائها والربط بين شتيت مسائلها، فيأخذ المسألة أخذًا قريبًا دون نظر في قيوده التي ذكرها الشافعي في مختلف مواردها، ويكون ذلك سببًا في نسبة الخطأ والوهم على الشافعي، ولا يتخطَّى هذه العقبات إلا أصحاب الرحلة والهمم العوالي من أفذاذ الأئمة وما أقلهم، فكأن المُزَني رأى أن علم شيخه في طريقه إلى الضياع إن لم يقم بترتيبه في كتاب واحد جامع، وبهذه النظرة
стр. 65
ألَّف كتابه: الجامع أو المختصَر الكبير، ثم اختصره بعدُ في هذا الكتاب الذي هو الجامع أو المختصَر الصغير، جمع فيه علم الشافعي في عامة كتبه الجديدة والقديمة.
وثانيها - الترتيب، فجمع متفرِّق كلام الشافعي في المسائل يلزمه ترتيب المادة المجموعة، ومن أصول ترتيب المُزَني في «المختصَر»: جمع المسائل في بابها الذي هو مظنَّتها، وهي عند الشافعي في مظانِّها وغير مظانِّها، ومنها الربط بين مختلف كلام الشافعي حول المسألة في كتبه في موضع واحد، فيذكر المسألة المعنيَّة ثم يقول: «وقال في موضع آخر: … »، «وقال في كتاب كذا: … »، ثم يبيِّن الراجح من قوليه أو أقواله، ومنها ترتيب أصول المسائل وفروعها التي بُنيت على تلك الأصول، فيقدم الأصل ويبني عليه الفرع، وقد يكون الأصل مختلفًا فيه فيستدلّ بالفرع على المختار الراجح عنده من قوليه في الأصل، ومنها الربط بين الكتاب والكتاب الذي يليه، وقد قال الروياني: «كثيرًا ما يختم المُزَني بمسألة من الكتاب الذي يليه» (١)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما يدل على أن المُزَني نسج على منوال محمد بن الحسن في بعض الترتيب والتبويب (٢)، وذلك ممكن مع العلم بعناية المُزَني الفائقة بكتب الشّيباني وفقهه.
وثالثها - إقلال اللفظ مع توفير المعنى، وقد يقال: الإقلال من غير إخلال، ونحوه: قبض البسيط من الكلام وردّه إلى وجيزه، أو: ردّ الكثير إلى القليل مع المحافظة على معنى الكثير، فليس من الاختصار في شيء الإقلال من الألفاظ بما يؤدي إلى الإلغاز واختلال البيان، وإنما الاختصار
_________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١٠).
(٢) انظر «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥٠).
стр. 66
قلة العبارة مع البيان، والذي جعل أسلافنا ينتهجون هذا النوع من الاختصار تيسير نقل الكتاب واستنساخه ودراسته على المتعلمين، حيث إن النسخ اليدوي مع قلة أدواته كان سببًا في عدم الاهتمام بالمطوّلات في كثير من الأحيان، فكان الاختصار هدفًا من أهداف التأليف، كما أنه كان وسيلة من وسائل حفظ الكتاب من الضياع.
وقد ذكرنا أن المُزَني اختصر كتب الشافعي المتفرِّقة في كتاب «الجامع الكبير» في نحو ألف ورقة، ثم استكثر هذا المختصَر الكبير فاختصره في نحو ثلاثمائة ورقة، قريبًا من ثلث حجم «الجامع»، فاهتم الناس بالمختصَر الصغير وتركوا أصله الكبير على اختصاره، حتى قال القاضي الحسين أنه غير موجود في ديار خراسان بالتمام (١)، وقال ابن الصلاح أنه كالمتروك (٢)، كما أن الكثير من مؤلفات الشافعي أيضًا ضاعت، وبَقِيَ هذا المختصَر وانتشر وتداوَله الأئمة العلماء بالرواية والشرح والنقد، وقد حَكَى الماوردي أن أصحاب الشافعي «اقتصروا على مختصَر أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني ﵀؛ لانتشار الكتب المبسوطة عن فهم المتعلِّم، واستطالة مراجعتها على العالم، فجعلوا المختصَر أصلًا يمكنهم تقريبه على المبتدئ، واستيفاؤه للمنتهي» (٣).
ورابعها - إلقاء المباني وإبقاء المعاني، فقد يأتي الشافعي بالمسألة الفقهية مفصلًا في كلام طويل فيضطر المُزَني إلى التصرف في عبارته مع الإبقاء على الغرض المقصود له، وينبغي أن يلاحظ هنا أنه ليس من غرض
_________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١٠).
(٢) انظر «شرح مشكل الوسيط» (٣/ ١٢٧)، وقد تقدَّم نقل كلامه.
(٣) انظر «الحاوي» (١/ ٧).
стр. 67
المُزَني حذف مباني الشافعي، بل إنه حاول أن يراعيها قدر الإمكان، وأسلوبه في الاختصار اختيار أقرب مباني الشافعي إلى المعنى الذي أراد، ومن أدلة ذلك التطابُق الكبير بين نصوص «المختصَر» و «الأم»، ولا يمكن أن يكون ذلك لولا قصده الحفاظ على نصوص الشافعي كما هي، ومن هنا يمكن القول بأن مراد المُزَني بالاختصار هو جمع نصوص الشافعي المبدَّدة في المسألة الفقهية في بابه واختيار أقربها إلى البيان مع قلة العبارة، فإذا لم يُسعفه ذلك تصرَّف في عبارته بما يقتضيه الضرورة ولا يُحيل المعنى، والله أعلم.
стр. 68
الفصل الثاني في ذكر مادة الكتاب
قال المُزَني (ف: ١): «اختصرتُ هذا من عِلْم الشافعي ومن معنى قوله»، فأشار إلى مادتين يتكوَّن منهما كتابه، هما: علم الشافعي ومعنى قوله، ولا يخفى أن قامة علمية مثل شخصية المُزَني لا يمكن لها أن تختفي في تأليفه، فلا بد من زيادة مادة ثالثة هي اجتهاد المُزَني، وسنتكلَّم على كل واحدة منها بالتفصيل على حدة.
المادة الأولى: نصوص الشافعي
وهي المقصودة بقوله: «علم الشافعي»، فقد اختلف أصحابنا في المراد به (١)، فقال أبو إسحاق المروزي ﵀: «أراد: من كتب الشافعي، فعبَّر بالعلم عن الكتب؛ لأنه قد يوصل بها إلى العلم، كما قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ٤٨] أي: من كتاب»، وقال أبو علي بن أبي هريرة: «أراد: من معلوم الشافعي، فعبَّر عنه بالعلم لأنه حادث على العلم، كما قيل في تأويل قوله : ﴿ولا يحيطون
_________
(١) انظر «الحاوي» للماوردي (١/ ١٢)، و «البحر» للروياني (١/ ٢٨).
стр. 69
بشيء من علمه﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: من معلومه، ومعلوم الشافعي ما أُخِذ عنه قولًا ورسمًا»، وإلى هذا الثاني مال القاضي الحسين وقال: «ذلك أن المُزَني سمع منه المسائل ولم ينسخ ذلك، ثم صنّف من ذلك العلم الذي سمع منه» (١).
وهذا الذي قاله القاضي من أن المُزَني لم ينسخ ما سمع بعيد إن أراد الإطلاق، وظاهره أن نصوص الشافعي الواردة في «المختصَر» لا تعدو الرواية بالمعنى، وهذا يكذِّبه الواقع، فيجب تأويله على إرادة بعض مسائل «المختصَر»، ويبقى القسم الأكبر منه لا شك مبنيًّا على نصوص الشافعي في كتبه.
وقد تتبَّعت خلال عملي على الكتاب الأصول التي اعتمدها المُزَني لنصوص الشافعي في مختصَره فوجدتها على مراتب:
المرتبة الأولى: كتب الشافعي التي أخذها المُزَني عن الشافعي سماعًا، وهذا القسم هو الغالب على نُقُوله عن الشافعي، وقد عُنِيَ عناية فائقة ببيان أسماء كتب الشافعي التي نقل عنها في مختلف أبواب الكتاب، فيقول: «كتاب أو باب كذا من كتب كذا وكذا»، وهذه البيانات هي أوثق ثبت يستنبط منها أسماء كتب الشافعي، وسأتكلَّم عنها في المقدمة الثالثة من هذه الدراسات.
و المرتبة الثانية: سماعات المُزَني عن الشافعي في الدرس وتعليقاته عنه، فمن الكتب: كتاب المساقاة (ك ٢٦)، وكتاب المزارعة (ك ٢٨)، وكتاب النذور والأيمان (ك ٦٢)، وكتاب الشهادات (ك ٦٤)، وكتاب الدعوى
_________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١٩).
стр. 70
والبينات (ك ٦٦)، فذكر مجموعة مصادره في هذه الكتب ثم قال: «ومسائل شتى سمعتها لفظًا»، ومن الأبواب: باب التقاط المنبوذ ويوجد معه الشيء (ب ١٧١)، وباب الطلاق قبل النكاح (ب ٢٣٨)، ذكر مصدره فيهما ثم قال: «ومن مسائل شتى سمعتها لفظًا»، وقال في بعض المسائل (ف: ٢٤٩١): «وسَمِعْتُه منذ دَهْرٍ يَقُولُ: … »، وقال (ف: ٣٨٥٠): «وسَمِعْتُه يَقُولُ في مثل هذا: … »، وجائز أن يكون ذلك مما علقه المُزَني عن الشافعي في دروسه، وقد يكون حفظه عنه دون تعليق، وأيًّا كان فالمُزَني ثقة صحيح السماع في الجملة، ثم إن ما نُقِل بهذه الصفة قليل بالمقارنة مع القسم الأول.
و المرتبة الثالثة: ما فاته سماعه بنفسه عن الشافعي فأخذه بواسطة بعض أصحابه، وهم أصحاب الشافعي الثقات صحيحو السماع عنه، والمُزَني لا يصرِّح بأسمائهم، وإنما يقول: «أصحابنا» (ف: ٢٦٩) و «في رواية بعضهم» (ف: ٢٩١) وما أشبه ذلك، ولكن الشُّرَّاح تتبَّعوه وعيَّنوا ما أمكنهم من أسماء أصحاب الشافعي الذين نقل عنهم.
وأكثر من نقل عنه منهم: قرينه الربيع المرادي، وقد صرَّح في موضع من مختصَره بالنقل عن «كتاب الأم» (ف: ٢١٧٨)، وقال الخليلي: «والمُزَني مع جلالته استعان فيما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع» (١)، ومن أمثلته نقله عنه: قال المُزَني في الإمامة سماعه عن الشافعي (ف: ١٩١): «ويَفْعَلون مِثْلَ فِعْلِه، إلا أنَّه إذا أسَرَّ قَرَأ مَنْ خَلْفَه، وإذا جَهَرَ .. لم يَقْرَأ مَنْ خلْفه»، ثم قال: «قد رَوَى أصْحَابُنا عن الشافعيِّ أنَّه قال: يَقْرَأ مَنْ خَلْفَه وإن جَهَرَ بأمِّ القرآنِ»، فذكر راويا «المختصَر» عنه محمد بن عاصم وإبراهيم ذلك عن
_________
(١) انظر «الإرشاد» للخليلي (١/ ٤٢٩).
стр. 71
الربيع في إشارة واضحة إلى أنه هو المبهَم في كلام المُزَني، وهو في «الأم» (١/ ٨٩)، وقال الرافعي: «هذا القول يعرف بالجديد، ولم يسمعه المُزَني من الشافعي ﵁ فنقله عن بعض أصحابنا عنه، يقال: إنه أراد الربيع» (١).
ونقل كذلك عن البُوَيْطي دون إشارة إلى ذلك، قال المُزَني (ف: ١٤٣٤): «والذي يُشْبِهُ قولَ الشافعيِّ أنَّه لا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ في العَرْضِ»، ونصَّ الروياني على أن المُزَني نقله من «البُوَيْطي»، وهو عنده بنصِّه في مختصره (٢).
ونقل كذلك عن الحميدي قرين الشافعي وصاحبه مصرِّحًا به (ف: ٣٦٨٩).
بل إن أخت المُزَني كانت من تلامذة الشافعي، فنقل عنها دون تصريح باسمها، حيث ذكر عن الشافعي توقُّفه في صدقة الرّكاز ثم قال (ف: ٧٠٤): «إذا لم يَثْبُتْ له أصْلٌ فأوْلَى به أن يجْعَلَه فائدةً تُزَكَّى لحولِه»، قال المُزَني: «وقد أخبرني بذلك عنه مَنْ أثِقُ به، وهو القياسُ عندي، وبالله التوفيق»، قال الروياني: «وإنما لم يذكر اسم من أخبره به عنه؛ لأن امرأة أخبرته به عنه، وهي أخت المُزَني»، قال: «وأومئ إلى هذا في مختصَر البُوَيْطي» (٣).
و المرتبة الرابعة: ما أخذه عن الشافعي وجادة بالكتاب الخالي عن السماع، فيقول: «وقال فيما وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه: … » (٤)، فقد نقل عن بعض كتب للشافعي لا يعلم أنها سمعت عنه، ولا وجه لردِّ
_________
(١) انظر «العزيز» (٢/ ٣٤٥).
(٢) انظر «البحر» للروياني (٦/ ٥)، و «مختصر البويطي» (ص: ٦٩٢).
(٣) انظر «البحر» للروياني (٣/ ١٨٦).
(٤) انظر «المختصر» (الفقرات: ١٧٤٤، و ١٧٤٩، و ١٧٥٣، و ١٧٥٤، و ٣٥٠٦).
стр. 72
الكتاب إذا صحَّت نسبته إلى صاحبه، والمُزَني وسائر أصحاب الشافعي فيه سواء.
ومن الكتب التي لم يسمعها المُزَني ولا غيره على الشافعي: كتاب الوصايا (ك ٣٣)، قال المُزَني: «مما وضع بخطِّه لا أعلمه سمع منه»، وقال في آخره (ف: ١٨٧٨): «هذا آخِرُ ما وَصَفْتُ في هذا الكتابِ أنَّه وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُ أحَدًا سَمِعَه منه».
ومنها في كتاب اللقطة: باب التقاط المنبوذ ويوجد معه الشيء (ب ١٧١)، قال المُزَني: «مما وضع بخطِّه لا أعلمه سمع منه».
ومن أشهرها: كتاب إحياء الموات (ك ٢٩)، قال المُزَني: «من كتاب وضعه بخطه لا أعلمه سمع منه»، وبنحوه قال الربيع في «الأم» أيضًا، ولهذا غلط المُزَني في هذا الكتاب ما لم يغلط بمثله في غيره، قال إمام الحرمين: «قد كَثُرت غلطات المُزَني في هذا الكتاب وبلغت مبلغًا لا يَليق بمنصبه، ولا محمل لها عندي إلا شيء واحد، وهو أنه أحاط بفقه المسائل وأتى به على وجهه، وصادف في الكتاب ألفاظًا قليلةَ الجدوى في الفقه، فلعله انتسخها من نسخة فوقع فيها بعض الزلل، والخللُ يتطرَّق إلى اعتماد النسخ» (١)، قال: «وجاوزت غلطاتُه في الكتاب حدَّ العَثَرات، ولو قيست مواضع غلطه بمواقع إصابته لعادلتها إن لم تزد» (٢)، وقال: «وقد سئمنا تتبُّع كلامه» (٣).
وفي كلام إمام الحرمين بعض تحامُل على المُزَني، وقد انتقده في أمور ما كان أغناه عن نقده فيها، والخلل الذي أشار إليه لم يتطرَّق إلى
_________
(١) انظر «النهاية» (٨/ ٢٨٥).
(٢) انظر «النهاية» (٨/ ٣٠٤).
(٣) انظر «النهاية» (٨/ ٣١٩).
стр. 73
المُزَني من جهة غفلته كما قد يتوهَّم، وإنما بسبب تقيُّده بالنسخة مهما كان سقيمًا إذ لم يجد غيرها، ومما يؤيِّد ذلك أنه في بعض الأحيان يعتقد غلط الكاتب على الشافعي، ومع ذلك يثبت المنقول على ما هو عليه في النسخة ثم يعلِّق عليه بما يراه الصواب على معنى الشافعي، فيقول (ف: ٣١٠٩): «هذا سَقْطٌ من الكاتب عندي»، أو (ف: ٣٨٢٧): «ينبغي أن يكون هذا غَلَطًا من غير الشافعي»، وهذا الواجب فعله في مثل تلك الأحوال؛ لأن تخطئة النسخة أمر اجتهادي، قد يوافق عليه وقد يخالف فيه.
المادة الثانية في المختصر: ما وضعه المُزَني على مذهب الشافعي
فقد لا يوجد للشافعي كتاب في بعض الأبواب الفقهية، أو يوجد له كلام غير متكامل يحتاج إلى ملء فراغه، فيقول فيه المُزَني على قياس قول الشافعي وأصول مذهبه، وهذا القسم من مادة الكتاب على مرتبتين:
المرتبة الأولى: ما تحرَّاه المُزَني باجتهاده على نحو مذهب الشافعي، وهذه المسائل والأبواب تعرف في كتب المذهب بمسائل التحرِّي، فيقال: ذكره المُزَني في مسائل التحرِّي (١)، قال إمام الحرمين: «ومنصوصات المُزَني في مجال التحرِّي معدودةٌ من مَتْن المذهب، وهي عند المصنِّفين كنصوص الشافعي» (٢).
قلت: وقد يكون ذلك بابًا كاملًا يتحرَّاه المُزَني باجتهاده حيث لم يجد للشافعي فيه كلامًا يأثره، وقد يجد عنه بعض مسائل ويكمل الباب من اجتهاده وتحرِّيه.
_________
(١) انظر «نهاية المكلب» (٧/ ٤٠٩، و ٨/ ٢٨).
(٢) انظر «النهاية» (٦/ ٥١٩).
стр. 74
فمن الأول: كتاب الضمان (ك ١٨)، قال فيه: «تحرَّيت فيه مذهب الشافعي وقياس قوله»، وباب الشركة (ك ١٩)، قال فيه: «تحرَّيت فيها مذهب الشافعي».
ومن الثاني: كتاب الحوالة (ك ١٧)، قال فيه: «مما سمعت من الشافعي وما تحرَّيت من مذهبه فيها»، وقد أفرد فيه بابًا (ب ١٥٦) بدأه بقوله: «هذه مسائل تحرَّيت فيها معاني جوابات الشافعي في الحوالة»، وكتاب الوكالة (ك ٢٠)، قال فيه: «تحرَّيت فيها مذهب الشافعي مع ما وجدت له منها».
المرتبة الثانية: ما وضعه المُزَني على نحو مذهب الشافعي، كما فعل في «كتاب الفرائض» (ك ٣٢)، قال المُزَني: «مما سمعت من الشافعي ومن (الرسالة) ومما وضعته على نحو مذهبه، لأن مذهبه في الفرائض نحو قول زيد بن ثابت»، قال إمام الحرمين: «نظر الشافعي إلى مواقع الخلاف، ولم يجد مضطربًا في المعنى، فاختار أن يتبع زيد بن ثابت، وتردَّد قول الشافعي حيث تردَّدت الروايات عن زيد»، قال: «ولم يضع لأجل هذا كتابًا في الفرائض، لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد، وإنما نصَّ على مسائلَ متفرِّقة في الكتب، فجمعها المُزَني، وضمَّ إليها مذهب زيد في المسائل، ولم يقل: (تحرَّيْتُ فيها مذهب الشافعي) كقوله في أواخر الكتب التي مضت؛ فإن التحرِّي اجتهاد، ولا اجتهاد في النقل، وقد تحقَّق عنده اتباع الشافعي زيدًا، وتردَّد قول الشافعي حيث تردَّدت الروايات عن زيد» (١).
_________
(١) انظر «نهاية المطلب» (٩/ ٩).
стр. 75
المادة الثالثة: اجتهاد المُزَني سواء كان على أصول الشافعي أو على غير أصوله
قد ذكرنا طرق التمييز بين ما هو على أصول الشافعي مما يُعَدُّ من المذهب الشافعي، وبين ما ليس على أصوله الذي يُعْتَبَر من مذهب المُزَني الخاص، فنكتفي هنا بالتنبيه على أنواع اجتهادات المُزَني في الكتاب وموارده.
ف النوع الأول منها: الاستدلال، فقد يَنقُل مسألة ودليلها من نصِّ الشافعي، ثم يبتغي تقرير المسألة بزيادة دليل آخر غير ما ذكره الشافعي إمَّا لكونه أوضح مما ذكره أو أقرب تناولًا، أو لزيادة التقرير، وقد يرى أن دليل الشافعي مدخول فيأتي بما يقوم مقامه.
النوع الثاني: التخريج، حيث يُورِد قولًا منصوصًا للشافعي، ثم يجد أن نصوصه في نظائر المسألة وقواعده تقتضي تخريج قول آخر مخالِف للمنصوص.
النوع الثالث: الترجيح، فقد تكون المسألة ذات قولين أو أكثر، أو قول منصوص ومخرَّج، فيُعْنَى المُزَني بترجيح بعض الأقوال على البعض الآخر بناءً على قواعد الإمام ومُقْتَضَى نصوصه في نظائر المسألة.
النوع الرابع: التعقُّب والاعتراض، ويكون ذلك على صور: منها - مخالفة الشافعي في ترجيحه حيث يصرِّح بالمختار عنده، ويصرِّح المُزَني باختيار غيره، ومنها - ترجيح القديم على الجديد، والمذهبُ الجديدُ، ومنها - اختيار قول له من استنباطه الخاص نظرًا لقوة دليله.
ولم أُعْنَ بإيراد أمثلة هذه الأنواع لكثرتها وقلة فائدة التطويل بذكرها، و «المختصَر» كله مثال على هذه الأنواع.
стр. 76
الفصل الثالث في ذكر مقاصد المُزَني من تأليف المختصَر
قال المُزَني (ف: ١): «اختصرتُ هذا من عِلْم الشافعي ومن معنى قوله، لأقَرِّبَه على مَنْ أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه»، فذكر مقصدين مترتِّبين أرادهما بالتأليف، وثالثًا نفى أن يكون أراده حتى لا يتوهَّم عليه:
المقصد الأول: تقريب علم الشافعي، ويمكن حصر مظاهر هذا التقريب في ثلاثة أمور:
أولها - جمع ما تفرَّق في كتب الشافعي، فإن الشافعي كتب في الفقه وأصوله، وفي الحديث واختلافه، واختلاف أئمة علماء الأمصار والردِّ عليهم، وفي جميع هذه الكتب ذكر مسائل الفقه وأبدى قوله ومذهبه، ولم يتسنَّ إلا للقليلين من الأصحاب الاطلاع على جُلِّ كتب الشافعي، ومن هؤلاء القليلين المُزَني ﵀، فجمع المُزَني ما تفرَّق في هذه الكتب، واختار من نصوص الشافعي فيها أحسنها بيانًا وتعبيرًا، ثم اختصرها اختصارًا مركزًا يبرز قيود المسألة وتفاصيل صوره، ثم رتَّب المسائل والأبواب ترتيبًا منهجيًّا
стр. 77
ارتآه، ولا يخفى ما كان لذلك من الأثر الكبير في الحفاظ على الفقه الشافعي وتقريبه إلى متلقِّيه.
وثانيها - الربط بين الأشباه والنظائر من مسائل الفقه في أبوابها، والمُزَني بهذا العمل أثبت أولًا أن الفقه صار له سجية، وأنه احتواه في ذهنه فبات الغالب على فكره واجتهاده، ثم أصل طريقة متبعة من بعده لنقل أقوال الشافعي وتخريجها من مسألة إلى أخرى، فهو الذي قعَّد قواعد هذا المسلك الذي سلكه من بعده الشافعية كلهم، ولا يكاد يعرف لغيره من أصحاب الشافعي شيء منه، اللهم إلا بعض فروع ومسائل.
وثالثها - استخراج الأصول والقواعد الفقهية التي بنى عليها الشافعي، فقد عُنِيَ المُزَني بالتعرف على أصول الشافعي التي هي أجلُّ مميِّزاته من خلال النظر في أسلوبه في الاستدلال، ومن قواعد الشافعي التي ذكرها في «المختصَر»: «اليقين لا يزول إلا باليقين»، و «الرُّخصة لا تكون لعاصٍ»، و «التأقيت لا يُدرَك إلا بخبر»، و «كل من أفسد شيئًا ضَمِنَ قيمة ما أفسد خطأً أو عمدًا»، وبَيَّضَ لتحرير قاعدة الشافعي في تفريق الصفقة لكنه لم يتمكَّن من ذلك في حياته (ب ١٣٢)، وعنه أنه قال: «قرأت كتاب الرسالة للشافعي خمسمائة مرة، ما من مرة منها إلا واستفدت منها فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى»، وقال: «أنا أنظر في كتاب الرسالة عن الشافعي منذ خمسين سنة، ما أعلم أنِّي نظرت فيه من مرة إلا وأنا أستفيد شيئًا لم أكن عرفته» (١)، وهذا دليل على عقلية متتبعة للأشباه والنظائر متعطِّشة للأصول والمناهج، وذلك دأب الفقيه.
_________
(١) أخرجهما البَيْهَقي في «المناقب» (١/ ٢٣٥).
стр. 78
ورابعها - الاحتواء لعلم الشافعي أصولًا وفروعًا، حيث جمع على اختصاره خلاصة كتب الشافعي وأماليه ودروسه، قال الروياني: «ولم يترك شيئًا من أصول مسائل الفقه وفروعها إلا وقد أتى عليه بحسن الاختصار والنظم، وربما يأتي في خطَّين أو ثلاثة ما أتى به الشافعي في أوراق»، ونقل عن الإمام القفال ﵀ أنه قال: «مَنْ ضبط هذا المختصر حَقَّ ضبطه وتدبره لم يشذَّ عليه شيء من أصول مذهب الشافعي في الفقه» (١)، وقال الشيخ أبو زيد ﵀: «من تأمَّل في المختصَر حَقَّ تأمله .. تطلع على جميع الفروع والأصول، فإنه ما من مسألة أوردها إلا ورمز هناك إلى شيء من أصول الشافعي رحمة الله عليه» (٢).
المقصد الثاني: التيسير على من أراد التفقُّه والتديُّن، وهذا الذي أشار إليه المُزَني بقوله: «لينظر فيه» يريد: ينظر في مختصَره، وفي العلم الذي فيه، وقوله: «لدينه» فلأن الفقه علم ديني، فالناظر فيه ناظر في دينه، وقوله: «ويحتاط لنفسه» أي: ليطلب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد في المذاهب وترك التقليد بطلب الدلالة، هكذا شرحه الماوردي في «الحاوي» (١/ ٣٣)، وفيه إشارة ظاهرة إلى أن المُزَني أراد لكتابه أن يكون كتاب دراسة وتعليم يتخرَّج عليه الفقهاء وأهل الدين، وقد ذكروا أنها «كانت البكر يكون في جهازها نسخة بمختصَر المُزَني» (٣)، وروي عن أبي عبدالله عن محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى (ت ٣١٨) من علماء خوارزم، أنه تكلَّم يومًا في مسألة مع
_________
(١) انظر «بحر المذهب» للروياني (١/ ٢٥).
(٢) ذكره عنه القاضي حسين في «التعليقة» (١/ ١١١)، ونقله النووي في «المجموع» (١/ ١٥٧) عن القاضي حسين عنه بلفظ: «من تتبَّع المختصر حقَّ تتبُّعه لا يخفى عليه شيء من مسائل الفقه، فإنه ما من مسألة من الأصول والفروع إلا وقد ذكرها تصريحًا أو إشارةً».
(٣) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٩٣).
стр. 79
سعيد بن أبي القاضي، فقال له: يا أبا عبدالله لم يأن لك بعدُ، قال: فدخلت المنزل فأقمت فيه ستة أشهر حتى استظهرت كتاب المُزَني ثم تكلَّمت، فقال لي سعيد: إيها الآن (١).
المقصد الثالث: التقليد، وقد صرح المُزَني أنه لم يُرده لذلك، فقد نقل عن الشافعي نهيه عن تقليده وتقليد غيره، فالمقلّدون ليسوا ضمن الفئات التي يقدم لهم كتابه، ومن أخذ كتاب المُزَني على طريق التقليد فقد أراده على غير ما أراد مؤلِّفه وإمامه، فالتقليد سوس العلم الذي ينخر في صرحه حتى يهدمه، وهو الذي يُبعد الأقرباء، ويقطع صلة أنساب العلماء، وبسببه يجهل ذوو الأحلام، ويأتي العقلاء بالسفاهات، ولذلك كان للشافعي تجاهه موقف أيَّما موقف، ومن قوله فيه: «وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم» (٢).
وقال المُزَني: «ويقال لمن حكم بالتقليد: هل لك فيما حكمتَ من حجة؟ فإن قال: نعم .. أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده، لا التقليد، وإن قال: بغير حجة .. قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرَّم الله كل ذلك فأبحته بغير حجة؟
فإن قال: أنا أعلم أنِّي قد أصبت وإن لم أعرف الحجة؛ لأن معلِّمي من كبار العلماء، ورأيته في العلم مقدمًا، فلم يقل ذلك إلا بحجة خفيت عني .. قيل: فتقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عن معلمك كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عنك؟
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٢٩).
(٢) انظر «الرسالة» للشافعي (فقرة: ١٣٦).
стр. 80
فإن قال: نعم .. ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي إلى العالم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن أبى ذلك .. نقض قوله وقيل له: وكيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علمًا، وهذا متناقض؟
فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك .. قيل: وكذلك من تعلَّم من معلمك، فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلِّد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علمه وعلم من فوقه إلى علمك.
فإنْ قادَ قَوْلَه .. جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك على الصحابي تقليد من دونه، وكذلك تقليد الأعلى الأدنى أبدًا في قياس قوله، مع ما يلزمه من تصويب من قلد غير معلمه في تخطئة معلمه، فيكون بذلك مخطئًا لمعلمه ولتقليده إياه». انتهى كلام المُزَني (١).
فإن قيل: كيف يصحُّ أن يقال بالنهي عن التقليد، وأن المُزَني لم يقصد المقلدين بما ألف من الكتاب، وأنتم الشافعية كلكم أو جلكم قلدتم الشافعي ﵀؟ فالجواب: أن هذا سؤال وجيه، والموقع فيه جهل التقليد المقصود بالنهي، فهو: «قبول قول الغير من غير حجة»، هكذا شرحه الماوردي والروياني والقاضي حسين (٢)، وقد وجدت تأييده في كلام الشافعي نفسه، حيث حكى في «الرسالة» (ص: ١٣٣ - ١٣٥) قول من قال:
_________
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٣٦ - ١٣٧).
(٢) انظر الحاوي (١/ ١٥)، و «البحر» (١/ ٢٩)، و «التعليقة» (١/ ١٢٤).
стр. 81
إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا، ثم قال: «ووجد قائل هذا القول مَنْ قَبِل ذلك منه تقليدًا له، وتركًا للمسألة عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه»، قال الشافعي: «والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب»، فقول الشافعي: «وتركًا للمسألة عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه»، تفسير وبيان لمراده بقوله: «تقليدًا له»، ومن هنا من سأل عن حجة القول قبل قبوله، أو عرف الأقوال وأدلتها ثم اختار من بينها ما رآه الأوفق للدليل .. ليس من التقليد المذموم في شيء، ويخرج من تحته فئتان من الناس (١):
أولاهما: أهل العلم المجتهدون، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهؤلاء المقصودون بقول المُزَني: «لينظر فيه لدينه»، ومعنى «النظر»: أن «يأخذ المسائل بالحجة، حتى لا تزلَّ قدمه عن ذلك، فإنه لو أخذ من غير الدليل فربما تزلُّ قدمه عن قريب».
وثانيتهما: أهل العلم المنتسبون إلى المذهب، الذين يعرفون القول ودليله فيأخذونه على بصيرة من أمرهم، وهؤلاء المقصودون بقول المُزَني: «ويحتاط لنفسه»، ومعنى الحيطة للنفس: «أنه يأخذ منه المذهب بالحجة والبيان والمعنى، دون الأخذ بالتقليد ومن غير الدليل، فإنه يوبق نفسه بالنار»، وقد صرَّح القاضي حسين بهذه المرتبة فقال: «نحن ما قلَّدناه، وإنما أخذنا ذلك بالدليل» (٢).
_________
(١) استنبطتهما من تأمل كلام المُزَني أولًا، ثم النظر في شرحه في «الحاوي» للماوردي (١/ ٣٣)، و «التعليقة» للقاضي حسين (١/ ١٢٥).
(٢) انظر «التعليقة» (١/ ١٢٤).
стр. 82
وهاتان المرتبتان لا يكاد يخرج منهما فقيه شافعي، اللهم إلا ما كان في العصور المتأخِّرة، وقد رُوِي عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ﵀ أنه ادَّعى الصفة الأولى لأئمة أصحابنا، «فحكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر أصحاب أبي حنيفة ﵏ أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدًا لهم، ثم قال: الصحيح الذي ذهب إليه المحقِّقون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي ﵀ لا على جهة التقليد له، ولكن لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والفتاوى أسدّ الطرق وأولاها، ولم يكن لهم بُدٌّ من الاجتهاد .. سلكوا طريقه في الاجتهاد، وطلبوا معرفة الأحكام بالطريق الذي طلبها الشافعي به»، قال ابن الصلاح: «وهذا الذي حكاه عن أصحابنا واقع على وَفْق ما رسمه لهم الشافعي ثم المُزَني في أول مختصره وفي غيره، وذكر الشيخ أبو علي السنجي شبيهًا فقال: اتَّبعنا قول الشافعي دون غيره من الأئمة؛ لأنَّا وجدنا قوله أحجَّ الأقوال وأعدلها، لا أنَّا قلَّدناه في قوله» (١)، قال ابن الصلاح: «دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقًا من كل وجه لا يستقيم، إلا أن يكون قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق وفازوا برتبة المجتهدين المستقلين، وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم أو أحوال أكثرهم» (٢).
ومما يجب التنبيه إليه والحذر من الوقوع فيه ترويج بعض ضعاف العقول لفكرة بدت في ظاهرها تواضعًا ومعرفة للنفس قدرها، وهي في الحقيقة ضعة وتخريب للعلم ومنهاجه، وهي فكرة أن كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق لا بد أن يظل مقلدًا من كل الوجوه، وهذه الفكرة هي التي
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٠).
(٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٠).
стр. 83
قام عليها سلطان الجهل ودولة التقليد الأعمى، وعلى أساسها ما زال أنصار الجهل يحاربون كل من تسوِّل له نفسه الاقتراب من باب الاجتهاد بتهمة البغي والخروج، وبفضلها صارت علوم التفسير والسنن لا تدرس إلا من أجل الإسناد وبركة الحلقات، فأعيذك أن تنخدع بهم أو تهاب جمعهم.
стр. 84
الفصل الرابع في ذكر قصة تأليف الكتاب
لقد اجتهد المُزَني وجهد في تأليفه للمختصَر غاية الجهد، فأفنى فيه ريعان عمره وحشاشته، قال البَيْهَقي: «قرأت في كتاب أبي منصور الحمشاذي ﵀: سمعت الإمام أبا الوليد يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت المُزَني يقول: كنت في تأليف هذا الكتاب عشرين سنة، وألَّفته ثلاث مرات، وغيَّرْتُه، وكنت كلما أردت تأليفه أصوم قبله ثلاثة أيام، وأصلِّي كذا كذا ركعة» (١).
وقال الروياني: «مكث في جمع هذا الكتاب نَيِّفًا وعشرين سنة، وما اعترض فيه باعتراض ولا اختار قولًا على غيره إلا بعد ما صلى ركعتين واستخار الله تعالى فيه» (٢).
وقد يستغرب من لا خبرة له بكلام الشافعي ويستبعد هذه المدة المديدة، ولا غرابة، فإن الاختصار الذي قام به المُزَني ﵀ لم يكن ليتمَّ إلا
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩).
(٢) انظر «بحر المذهب» (١/ ٢٥)، وانظر «التعليقة» للقاضي الحسين (١/ ١١٠).
стр. 85
بعد جمع استقرائي لكتب الشافعي الكثيرة، ثم تفهم للمجموع وتفسير له، ثم تطلع إلى الأصول التي بنى عليها الشافعي، ومن ثم التعبير عن فقهه بأقرب لفظ وأدقِّ عبارة، «وفي نظم كلام الشافعي تعقيد لا يطَّلع عليه إلا من جمع إلى فهمه أوفر حظّ من اللغة» كما قال إمام الحرمين (١)، فلم يكن بُدٌّ من التهذيب والتدقيق على مدار السِّنِي العشرين، بل مع كل رجوع للكتاب ومع كل درس وتسميع له.
ولمَّا تمَّ له ما أراد من تأليفه على أحسن نظم ثم من تهذيبه وتدقيقه كان هو أول المعجبين بترصيفه، فقال يوسف بن عبدالأحد القُمِّي: سمعت المُزَني يقول: «لو أدركني الشافعي لسمع مني هذا المختصَر» (٢).
وقد يقال بأن المُزَني يغبط البُوَيْطي على أنه أسمع الشافعي مختصَره في حياته كما يُرْوَى عنه، لكني لا أجد ما يكفي لتصحيح تلك الرواية عنه، وكل ما في الأمر أن الربيع روى «مختصَر البُوَيْطي» عن الشافعي مباشرة، دون ذكر للبُوَيْطي في سنده، فقال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: «وأظن هذا أو نحوه هو الذي أوقع الحاكم أبا عبدالله الحافظ في أن قال: والذي أراه الحق ما رأيته عن علي بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي مطر القاضي الإسكندري قال: صنَّف أبو يعقوب البُوَيْطي هذا الكتاب وقرأه على الشافعي بحضرة الربيع بن سليمان، فحصل سماعًا للربيع وأخبرنا به عن الشافعي ﵁» (٣).
_________
(١) انظر «النهاية» (١٣/ ٦٥).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٤٥).
(٣) انظر «طبقات الفقهاء الشافعية» لابن الصلاح (٢/ ٦٨٤).
стр. 86
قلت: علي بن عبدالله بن أبي مطر الإسكندراني (ت ٣٣٩) من فقهاء المالكية، وكان شيخه في الفقه ابن المواز، وعاش مائة سنة، وضعفه الدارقُطني في «غرائب مالك» وَأورَدَ له خبرًا باطلًا، وقال الذهبي: «صدوق مشهور، قد ذكره النباتي أبو العباس في تذييله لكونه ذكر في سند ضعيف، وهذا لا يضرُّه» (١).
وهذا ضعف محتمَل في مثل هذه الروايات، لكن يبقى اتصال السند بينه وبين الحاكم أبي عبدالله، فإن عبارته تدل على الوجادة والانقطاع، وكلاهما كفيل بضعف الخبر، ويزداد ضعفًا من جهة المعنى أن التفسير الذي تضمَّنته لا ينطبق على زيادات البُوَيْطي على الشافعي، فهذه لا شك ليست من الشافعي، وحقّ الربيع أن يرويها عن البُوَيْطي، هذا إذا أقررنا له أن من حقِّه أن يروي أصل «المختصَر» عن الشافعي اعتمادًا على هذه الرواية، والذي أميل إليه: أن الربيع لم يأخذ الكتاب عن الشافعي، وإنما أخذه عن مؤلِّفه البُوَيْطي، لكنه استجاز لنفسه حذف اسمه باعتبار سماعه أصله عن الشافعي، وهذا وإن لم يستجزه المحدِّثون على طرقهم فقد يتوسَّع بمثله الفقهاء الذين لا يُعنَون بالأسانيد عناية المحدِّثين، والله أعلم بحقيقة الحال.
_________
(١) انظر ترجمته في «لسان الميزان».
стр. 87
الفصل الخامس في ذكر بعض اصطلاحات المُزَني في الكتاب
اصطلح المُزَني على التمييز بين كلامه وكلام الشافعي بالعبارات: «قال الشافعي» «قال المُزَني» «قلت أنا».
واصطلح كذلك في مجال الاجتهاد والتخريج ألا ينسب المعنى المستخرج إلى الشافعي صراحة، وإنما يقول في مثله: «عنده» «أصله» «قياس قوله» «معنى قوله»، ويُستفاد من هذا أن ما صدَّره بقوله: «قال الشافعي» نصُّ كلامه، لا معناه فقط كما قد يتوهَّم.
وقد يكون المعنى الذي ينسبه المُزَني إلى الشافعي على قياسه محلَّ أَخْذٍ ورَدٍّ، فيعزو تخريجه إلى نفسه بقوله: «وهذا عندي أولى به»، أو ما أشبه ذلك.
وقد يختم المُزَني تعقيباته على نصوص الشافعي بقوله: «فافهم» أو «فتَفَهَّم» دلالة على دقة النظر فيها، وقال الماوردي: «قول المُزَني: (فتفهم) يريد به الشافعي، قال أصحابنا: كل موضع يقول فيه المُزَني:
стр. 88
(تفهم) يريد به الشافعي، وكل موضع يقول فيه: (فافهم) يريد به أصحاب الشافعي» (١).
قلت: الظاهر أنه يريد بالكلمتين أصحاب الشافعي من تلاميذه، ويدل عليه قوله في بعض المواضع (ف: ٢٢٦٩): «فتَفَهَّم يرْحَمُك اللهُ»، ونحوه (ف: ٣٩٩٢): «فتَفَهَّمْ رحمك الله»، فظاهر هذا خطاب لشخص أمامه حال الدرس، ويقطع الشك باليقين قوله في موضع آخر (ف: ١١٣٦): «فتفهم ولا تغلط عليه»، فلا شك أنه أراد: لا تغلط على الشافعي، ولهذا لا أرى للكلمتين دلالة إلا على دقة المادة المطروحة، وشيء آخر، أن المُزَني لا يريد من السامع أن يأخذ كلامه واجتهاده تلقِّيًا مجردًا وتسليمًا له، فيحثه على النظر فيه والاجتهاد مثلما اجتهد هو، ويدل عليه قوله (ف: ١٨٤٦): «فتَفَهَّمْه كذلك تَجِدْه إن شاء الله»، وقوله (ف: ٢٧٧٨): «فتَفَهَّمُوه كذلك تَجِدُوه إن شاء الله»، وقال في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٢١): «فتفهمه ولا تقلِّد مَنْ وضعَه».
وبما أن المُزَني يأتي بنصوص الشافعي في كتبه ففيه بعض اصطلاحات الشافعي نفسه أيضا، ومنها اصطلاحه في النقل المبهم لآراء الفقهاء، فيقول: «قال بعض أصحابنا» أو: «قال بعض الناس»، أخرج أبو محمد عبدالرحمن بن حاتم في «آداب الشافعي» (ص: ١٥٥) عن أبيه عن الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: «إذا قلت: (قال بعض أصحابنا) فهم أهل المدينة، وإذا قلت: (قال بعض الناس) فهم أهل العراق»، وقال الماوردي:
_________
(١) انظر «الحاوي» (٢/ ٨٣)، وقد وقع في مطبوعته خطأ صحَّحته بمراجعة مخطوطته في المكتبة الظاهرية الجزء الثاني (ص: ٦٠).
стр. 89
«كل موضع يقول فيه الشافعي: (قال بعض الناس) يريد به أبا حنيفة، وكل موضع قال فيه: (قال بعض أصحابنا) يريد به مالكًا، وإذا أراد غيرهما ذكره باسمه» (١).
_________
(١) انظر «الحاوي» (٢/ ٨٣).
стр. 90
الفصل السادس في ذكر عنوان الكتاب
لم أجد نصًّا صريحًا عن المُزَني يتضمَّن التنويه باسم الكتاب، وهذه عادة السلف من الأئمة العناية بالمضامين مع الانصراف عن المظاهر، على خلاف ما عليه المتأخِّرون من تخيُّر الأسماء الفخمة وإن كانت على حساب المضامين التافهة، لكن ما ذكرنا من قول المُزَني: «لو أدركني الشافعي لسمع مني هذا المختصَر» يمكن أن يُستأنَس به لاعتماد اسم «المختصَر» عنوانًا للكتاب.
ويؤيِّد ذلك أنه «المختصَر» باعتبار الحقيقة والمضمون كما قال المُزَني (ف: ١): «اختصرت هذا»، وهو «المختصَر» بالغلبة، فلا يشتبه بالمختصَر الكبير أو الصغير الذي انصرف الناس عنهما فلم يعتنوا بهما حتى صارتا كالمتروكين أو المعدومين، ولا يشتبه بـ «مختصَري البُوَيْطي» الذي لا يكاد يذكر إلا مقيَّدًا معزوًّا إليه، فلا ضرورة لكتابنا إلى زيادات وملحقات به تميِّزه عن غيره، فهو بانتشار ذكره وعناية الفقهاء به واجتماعهم عليه أشهر من نار على علم، فهو مرادهم حين يقولون: «وفي المختصَر»، وهو كذلك مرادهم
следующие страницы →