Полный текст (1 788 стр.). Показаны 261–300 · переход к 266.
стр. 261
أحد دون النبي ﷺ »، يقصد والله أعلم: لا حجة في قول أحد من الصحابة على أحد، إلا النبي ﷺ ، قوله حجة على الجميع.
ويؤيِّد هذا الذي قلتُه ما قال الشافعي (ف: ١١٠٦): «إذا باع الرجلُ شَيْئًا مِنْ الحيوان بالبراءة .. فالذي أذهب إليه قضاء عثمان بن عفان، أنه بريء من كل عيب لم يعلمه، ولا يَبْرَأ من عيبٍ عَلِمَه ولم يُسَمِّه له ويَقِفْه عليه، تَقْلِيدًا، وأنَّ الحيوان يفارق ما سواه؛ لأنه يَغْتَذِي بالصحة والسُّقْم، وتَحُول طَبائعه، وقلَّما يَبْرَأ من عَيْبٍ يَخْفَى أو يَظْهَر، وأنّ أصَحُّ في القِياسِ لولا ما وَصَفْنا مِنْ افْتِراقِ الحيوانِ وغيرِه أنْ لا يَبْرَأ مِنْ عُيُوبٍ لم يَرَها ولو سَمّاها لاخْتِلافِها، أو يَبْرَأ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، والأوَّل أصَحُّ».
فقول الشافعي: «تقليدًا» تعليل لذهابه إلى قضاء عثمان في هذه المسألة، وأشار في آخر كلامه إلى أن القياس لولا ما وصفناه - يعني: قضاءَ عثمانَ كما قال إمام الحرمين والروياني - أنه لا يبرأ عن العيب الذي لم يره المشتري، أو يبرأ عن الجميع، فترك القياس للأثر، وهذا المشهور عنه في القديم، ومذهبه في الجديد تقديم القياس على الأثر، وهذا النص من الجديد، فيشكل.
وأجاب الماوردي في «الحاوي» (٥/ ٢٧٣)، وتبعه الروياني في «البحر» (٤/ ٥٦١) بأن قول عثمان في هذا الموضع حجة على مذهب الشافعي في القديم والجديد وإن لم يجز التقليد عنده، قال الماوردي: «أمَّا على قوله في القديم .. فلأنه كان يرى قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يظهر خلافه حجة يقدم على القياس، لا سيما إذا كان إمامًا، وأمَّا على قوله في الجديد .. فلأنه يرى أن قياس التقريب إذا انضم إلى قول صحابي
стр. 262
كان أولى من قياس التحقيق، وقد انضمَّ إلى قضاء عثمان قياس تقريب، فصار حجة يقدم على قياس التحقيق، وهو ما ذكره الشافعي: في أن الحيوان يفارق ما سواه».
وقال شيخ الاسلام البلقيني في تعليقه على «المختصَر» (ف: ١١٠٦): «مذهب الإمام الشافعي ﵁ أن مذهب الصحابي حجة ما لم يعارضه النصّ، فقال في بعض المسائل: (قلته تقليدًا لعثمان)، وقال في بعض المسائل: (قلته تقليدًا لزيد) أي: في الفرائض، وأمَّا إذا عارضه النص .. فلا يكون حجة، مثاله: أبو هريرة ﵁ روى حديث الغسل من ولوغ الكلب سبعًا إحداهن بالتراب، وكان مذهبه غسله ثلاثًا، فقال الإمام الشافعي ﵁: (العبرة بما روى، لا بما رأى)، وقال أيضًا فيه: (كيف أترك الحديث وآخذ بقول من لو عاصرته لحجَجْته)، وقال ﵁ فيما إذا لم يكن في المسألة نص وإنما المستند فيها قول الصحابي أو فعله ما نصه: (ورَأْي الصحابة لنا خير من آرائنا لأنفسنا)».
يُشير البلقيني إلى أن المقصود بعدم الاحتجاج بقول الصحابي إنما هي أقواله التي خالف بها الثابت من النصوص الشرعية، لا عدم الاحتجاج به فيما لا يُعرف فيه نص يخالفه، ومما يُؤيِّد تحرير البلقيني قول الشافعي (ف: ٢١٣٨): «إذا اخْتَلَفَت الروايةُ عن رسولِ الله ﷺ نَظَرْتُ فيما فعل أصحابُه مِنْ بَعْدِه، فأخَذْتُ به، وتَرَكْتُ الذي يُخالفه» (١).
_________
(١) هذا النص في الأصل قاله الشافعي في مناظرته مع بعض خصومه، والكناية في «نظرت، أخذت» في النص للمخاطب، لكنه يدل على إقرار الشافعي به، فتصرفت فيه على مقتضى التقعيد.
стр. 263
فقه الأمصار:
وإذن فقد سقط الاحتجاج بمذاهب الصحابة في معارضة النصوص الشرعية، وسقط بالأولى تقليد ما بُنِي عليها من مدارس الأمصار، وهذا الذي عُرف في أوساط الأصوليين بـ «ترك خبر الآحاد لمخالفته القياس»، وليس هناك أحد من علماء الشريعة يرضى لنفسه ترك الخبر آحادًا أو غيره للقياس، كيف وقد ذكر الشافعي (ف: ٢١١٢) مناظرته محمد بن الحسن الشيباني في بعض ما خالف فيه أصحابه ثم رجوعه إلى نحو قول الشافعي، وذكر أنه قال: «ما ينبغي أن يدخل على حديث النبي ﷺ القياس»، قال المُزَني: «كان محمد بن الحسن من أنصف الناس في هذا الموضع»، ولك أن تسأل: إن أصحاب أبي حنيفة أشهر من يُنقل عنه القول بالقياس في خلاف خبر الواحد، فكيف صحَّ للشيباني وهو أصل مذهبهم أن يصرِّح بخلاف ما هم عليه؟ والجواب: أن تقديم القياس على الخبر ليس مذهب أحد من علماء الإسلام، وإنما مرجعه إلى تقديم ما كان عليه فقهاء البلد مما يقتضيه القياس على خبر الآحاد، كيف وعامة الخبر آحاد، ولازم مثل هذا القول تقديم القياس على الخبر جملة وتفصيلًا؟
ومما يجب التنبيه إليه في ذكر اتباع ما جرى عليه العمل من فقه الأمصار أن الشافعي لم ينكره جملة، وإنما أنكر تقليده فيما عارض النصَّ الثابت، وأمَّا ما لم يعارضه فلم ينكره الشافعي، بل إنه نفسه اعتمد على بعض فقه أصحابه من أهل الحجاز، فذكر في صدقات ذوي القربى أنه يُعْطَى الرجلُ سَهْمَيْن، والمرأةُ سهمًا، ولا يُفَضَّلُ أحَدٌ على أحَدٍ؛ لأنَّهم أعْطُوا باسمِ القرابةِ، قال (ص: ١٩٢١): «والدَّلالةُ على صِحَّةِ ما حَكَيْتُ مِنْ التَّسْوِيَةِ: أنَّ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِنْ علماءِ أصْحابِنا لم يَخْتَلِفُوا في ذلك، وأنَّ
стр. 264
باسمِ القرابةِ أعْطُوا، وأنَّ حديثَ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذِي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ»، وقال (ف: ١٩٤٦): «والذي أقولُ به وأحْفَظُ عمَّن أرْضَى ممَّن سمعتُ منه ألا يُؤَخَّرَ المالُ إذا اجْتَمَعَ، ولكن يُقْسَمُ»، وقال في مناظرة له مع محمد بن الحسن الشيباني (ف: ٢٨٣٣): «وأنْتَ تأخُذُ العِلْمَ مِنْ بُعْدٍ، ليس لك به مَعْرِفَةُ أصْحابِنا»، وقال الشافعي (ف: ٢٨٧٩) في مسألة القصاص في الجراحات التي أدت إلى الموت: «وقال بعضُ أصْحابِنا: إن لم يَمُتْ مِنْ عَدَدِ الضَّرْبِ قُتِلَ بالسَّيْفِ»، فتوهَّم المُزَني أن ذلك من الشافعي حكاية عن أصحابه لما يخالفهم فيه، فتعقب عليه إمام الحرمين في «النهاية» (١٦/ ١٨٢) فقال: «مذهب الشافعي أنه إذا فُعِلَ به مثل ما فَعَل بالضرب ولم يمت تحزّ رقبتُه، ولم يبقَ لمستحق القصاص بعد ما عاقب بالجهة التي جرت الجناية بها إلا القتلُ على أوحى الوجوه»، قال: «والشافعي قد يعني نفسه بقوله: (ذهب بعض أصحابنا) إشارة إلى مذهبٍ له».
موقع تقليد المذاهب الأربعة من إنكار الشافعي:
وأخيرًا لا شك أن القارئ الكريم تسائله نفسه عن موقع تقليده لبعض المذاهب الأربعة من التقليد المنهيِّ عنه عند الشافعي، والقول المختصَر فيه أن الموقف منه مثل الموقف من فقه الأمصار، يجوز تقليده إلا فيما عارضه النص الشرعي، والتقليد المعهود عند المتأخرين من أتباع المذاهب الأربعة أو الخمسة لا شك واقع في المحظور إذا كان على وجه التعصب ولَيِّ أعناق الأدلة على موافقة المذهب، لكن تفصيل القول فيه له موضع آخر، والله أعلم.
стр. 265
القاعدة الثانية: الأدلة وأصول الأحكام
فالمشهور المعروف عن الشافعي أن أصول الأحكام الشرعية عنده نص أو إجماع أو قياس عليهما (١)، وليس الغرض تفصيل القول ببيان مذهب الشافعي في كل ذلك، وإنما نذكر مقتطفات نصوصه في «المختصَر» مما له علاقة مباشرة بقاعدة الأدلة الشرعية.
فمنها: إلزامية النصوص الشرعية ولزوم قبولها، قال الشافعي (ف: ١٩٢٥): «مَذْهَب العلماء في القديم والحديث أنَّ الشيء إذا كان مَنْصُوصًا في كتاب الله جل ثناؤه بَيِّنًا على لسان رسول الله ﷺ أو فِعْلِه أنَّ عليهم قَبُولَه».
ومنها: حُجِّيَّة إقرار النبي ﷺ ، فذكر الشافعي (ف: ٣٨٦٩) حديث القائف من مدلج ثم قال: «لو لم يكن في القافة إلا هذا انْبَغَى أن يكون فيه دَلالة أنه عِلْمٌ، ولو لم يكن عِلْمًا لقال له: لا تقلْ هذا؛ لأنَّك إنْ أصَبْتَ في شَيْء لم آمَنْ عليك أن تُخْطِئَ في غَيْره، وفي خَطَئِكَ قَذْف مُحْصَنَة ونَفْي نَسَب، وما أقَرَّه إلا أنَّه رَضِيَه ورَآه عِلْمًا، ولا يُسَر إلا بالحقِّ ﷺ ».
ومنها: القول في خصائص الرسول ﷺ ، قال الشافعي (ف: ٧٨٣): «فَرَّق الله بين رسولِه وبين خلقِه في أمورٍ أباحها له حَظَرَها عليهم، وفي أمورٍ كَتَبَها عليه خَفَّفَها عنهم»، وقال (ف: ٢٠٠٤): «إنَّ الله ﵎ لِمَا خَصَّ به رسولَه ﷺ مِنْ وَحْيِه وأبانَ بَيْنَه وبَيْنَ خَلْقِه بما فَرَضَ عليهم مِنْ طاعتِه .. افْتَرَضَ عليه أشْياءَ خَفَّفَها عن خَلْقِه؛ ليَزِيدَه بها إن شاء الله قُرْبَةً إليه، وأباح له أشياءَ حَظَرَها على خَلْقِه؛ زِيادَتَه في كَرَامَتِه، وتَثْبِيتًا لفَضِيلتِه»، ثم ذكر بعض الأمثلة على ما خصَّه به.
_________
(١) انظر «المختصر» (ف: ١٩٥٧).
стр. 266
ومن نافلة القول أن دعوى الخصوصية ليست مطلَقة، وإنما السنة في عمومها للاتباع، والخاصُّ منها مبيَّن، قال الشافعي (ف: ٣٣٦١): «وما يُقْتَدَى إلا بما صَنَعَ النبيُّ ﷺ ، وما كان له خاصًّا فمُبَيَّنٌ في الكتابِ والسُّنَّة».
ومنها: منع رد السنن بدعوى مخالفة الراوي لها، فذكر الشافعي (ف: ٣٧٨٠) قول بعض الناس بردِّ حديث الشاهد مع اليمين بدعوى أن الزهري راويه أنكره، قال الشافعي: «وقد قضى بها حين وَلِيَ، أوَرَأيْتَ ما رَوَيْتَ مِنْ إنْكارِ عَليٍّ على مَعْقِلٍ حديثَ بَرْوَعَ أنَّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ لها المهْرَ والميراثَ ورَدِّهِ حَدِيثَه، ومع عَليٍّ زَيْدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عُمَرَ، فهل رَدَدْتَ شَيْئًا بالإنْكارِ، فكيف تَحْتَجُّ بإنْكارِ الزُّهْرِيِّ؟».
ومنها: التمييز بين السنن من نقل العامة والسنن من نقل الخاصة، وهذا الأصل أطال الشافعي النَّفَس فيه في كتاب «الرسالة» وغيره، ولم يذكرها صريحًا في «المختصَر»، إلا أنه لفت فيه لفتة جميلة تُضاف إلى كلامه في هذا التقسيم، حيث ذكر الشافعي في معرض رَدِّه على قول من منع الحبس والأوقاف تَوارُد الصحابة على العمل بها في الحجاز، قال الشافعي (ف: ١٧٢٩): «وإنَّ أكثرَ ما عندنا بالمدينة ومكَّةَ مِنْ الصدقاتِ لَعَلَى ما وَصَفْتُ، لم يَزَلْ مَنْ تَصَدَّقَ بها مِنْ المسلمين مِنْ السلفِ يَتَوَلَّوْنَها حتى ماتُوا، وإنَّ نَقْلَ الحديثِ فيها كالتَّكَلُّفِ»، يشير ﵀ إلى عدم تطلُّب نقل الآحاد في علم الكافة، وهذه لفتة تحتاج إلى دراسة موضوعية شاملة لفقه الشافعي، حيث إن لها دلالة على الاستدلال ببعض العمل الجاري في الحجاز موطن الرسول ﷺ ، كما اعتمد صيغة الأذان في مكة، ومُدَّ أهل الحجاز.
стр. 267
ومنها: قبول مراسيل سعيد بن المسيّب، قال الشافعي (ص: ١٠٤٣): «وإرْسالُ ابنِ المسيّب عندنا حَسَنٌ»، وهنا سؤالان:
السؤال الأول - ماذا يُراد بحسن مراسيل سعيد بن المسيّب؟ الذي يفهم من كلام المُزَني حمله إلى الاستئناس الذي هو دون الاحتجاج، ولذلك قال عقيب النصِّ المذكور: «إذا لم يَثْبُت الحديثُ عن رسول الله ﷺ .. فالقياسُ عندي … » إلخ، وهذا مذهب المحدِّثين الذي ينصره الشافعي في جملته، والنَّفْس إلى نسبة هذا إلى الشافعي أميل، لكن الذي عليه عامة أصحابه أنه أراد الاحتجاج، والله أعلم.
السؤال الثاني - هل ذِكْر ابن المسيّب باسمه تخصيص له بحسن مراسيله؟ نقل الحافظ البَيْهَقي عن أبي محمد الجُوَيْني أن الحكم خاص بمراسيل ابن المسيّب وحده، وأنه قال في مراسيل غيره: «إنها ترجيحات لا تقوم الحجة بها، سوى مرسل سعيد بن المسيب»، قال البَيْهَقي: «والشيخ - أدام الله عزَّه - تَبِع في إطلاق هذه اللفظة صاحب التلخيص، ولو نظر في رسالتي القديمة والجديدة للشافعي ﵀ وأبصر شرطه في قبول المراسيل، وتذكّر المسائل التي بناها على مراسيل غيره حين اقترن بها الشرط ولم يجد فيها ما هو أقوى منها - وهو أدام الله توفيقه أعلم بتلك المسائل مني - .. لقال بسوى مرسل سعيد بن المسيب ومن كان في مثل حاله من كبار التابعين؛ ليكون قوله موافقًا لجملة قول الشافعي في الرسالتين» (١).
قال عبدالله: اعتمد الشافعي على مراسيل الحسن البصري في موضعين من «المختصَر» (ف: ١٠٨٥ و ٢٠١٨)، وعلق عليهما إمام الحرمين
_________
(١) انظر «رسالة أبي بكر البَيْهَقي إلى أبي محمد الجُوَيْني» (ص: ٨٧).
стр. 268
فقال: «مراسيل الحسن مستحسَنة عند الشافعي» (١)، كأنه ﵀ رأى ذلك من الشافعي احتجاجًا بها، وليس ذلك بلازم؛ فإن المسألتين مما تواردت عليه الأدلة.
ومنها: معنى قول التابعي: «من السنة كذا»، قال الشافعي (ف: ٢٧٧٩): «والذي يُشْبِهُ قَوْلُ ابنِ المسيب: «سُنَّةٌ» أن تَكُون سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ »، قال عبدالله: هذا الذي عليه الأكثر من الشافعية، لكن الشافعي صرَّح برجوعه عنه في كتاب الردِّ على محمد بن الحسن وغيره (٢)، وقال الصيدلاني: «إن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع عنه؛ لأنهم يطلقونه ويريدون سنة البلد» (٣).
ومنها: قاعدة زيادة الثقة في الحديث، وهذا الأصل لم يصرِّح به الشافعي في شيء من كتبه على شهرته عنه، لكن المُزَني نصَّ عليه وجعله قياس قوله، قال المُزَني (ف: ١٥٩): «قياسُ قولِه أنَّ الزيادةَ أوْلَى به في الأخبارِ، كما أخَذَ في التشهُّدِ بالزيادَةِ، وفي دُخولِ النبي ﷺ البَيْتَ بزيادةِ أنَّه صلَّى فيه، وتَرَكَ مَنْ قال: (لم يَفْعَل)»، واستدلَّ على صحته في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٢٦) فقال: «من زاد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه معناه فهو مثْبِتٌ، ومَن لم يأتِ به فليس بحجة على مَنْ أتى به»، وقال: «من زاد معنى عن رسول الله صلى الله عليه كان شاهدً، ومن لم يُثْبِتْه لم يكن له في ذلك معنى».
_________
(١) انظر «النهاية» (٥/ ١٨٣، و ١٢/ ٤٨).
(٢) انظر «مجرد مقالات الشافعي في الأصول» لمشاري الشثري (ص: ٢٣٥).
(٣) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٢٢٩).
стр. 269
قال عبدالله: هكذا قال المُزَني واشتهر بعده في كتب الأصوليين، وفي نسبته إلى الشافعي نظر بَيِّن؛ ذلك لأنه اشترط في رواة الحديث الصحيح أن «يكون بريًّا من أن يحدِّث عن النبي ما يحدِّث الثقات خلافه عن النبي» (١)، وقد استنكر الحافظ على الأصوليين إطلاق القول بقبول زيادة الثقة فقال: «فيه نظر كثير [كذا]؛ لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتَّحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفَّاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشمل على زيادة تخالِف ما رووه إمَّا في المتن وإمَّا في الإسناد، فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويُعْتَنَى بمروياته كالزهري وأضرابه بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها ولَمَا تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة، وقد نصَّ الشافعي في «الأم» على نحو هذا فقال في زيادة مالك ومن تابعه في حديث: (فقد عتق منه ما عتق): إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه، وهم عدد، وهو منفرد)، فأشار إلى أن الزيادة متى تضمَّنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددًا أنها تكون مردودة» (٢).
ومنها: قاعدة الاستصحاب، قال الشافعي (ف: ٢٣٥٩): «لمَّا قال رسولُ الله ﷺ : (إنَّ الشيطانَ يأتِي أحدَكم فينفخ بين ألْيَتَيْه، فلا يَنْصَرِفْ حتى يسمع صَوْتًا أو يشَمَّ ريحًا) .. علِمْنا أنه لم يَزُلْ يقينُ طَهارة إلا بيقينِ
_________
(١) «الرسالة» (الفقرة: ١٠٠١).
(٢) انظر «النكت» (ص: ٤٩٦ ط ماهر الفحل)، والنص عن الشافعي في كتاب «اختلاف الحديث» (ص: ٣٠٥ ط رفعت فوزي).
стр. 270
حَدَثٍ، فكذلك مَنْ اسْتَيْقَنَ نكاحًا ثُمَّ شَكَّ في الطلاقِ لم يَزُلْ اليقينُ إلا بيقينٍ».
ويمكن أن يندرج تحت هذه القاعدة استصحاب حكم الإجماع الذي اعتمد عليه المُزَني في مسألة المطلقة يعيد طلاقها، قال المُزَني (ف: ٢٦٨٥): «تَبْنِي على عِدَّتها مِنْ أوَّل طلاقِها؛ لأنَّ تلك العِدَّة لم تَبْطُلْ حتى طَلَّقَ، فإنما زادها طلاقًا، وهي مُعْتَدَّة بإجماعٍ، فلا نُبْطِلُ ما أُجْمِعَ عليه مِنْ عِدَّةٍ قائمةٍ إلا بإجماعٍ مِثْلِه أو قياسٍ على نَظِيرِه».
ومنها: رد الاستحسان بلا دليل من نص أو قياس عليه، قال الشافعي (ف: ٣٧٠٠): «ولا يَجُوزُ أن يَسْتَحْسِنَ بغَيْرِ قِياسٍ، ولو جازَ ذلك لجازَ أن يَشْرَعَ في الدِّينِ»، أي: يَسُنَّ فيه ما لم ينزله الله ، وهذا النص هو الأقرب إلى ما نَقَل الثقات عن الشافعي من قوله: «من استحسن فقد شرع»، والظاهر أنهم اختصروه من هذا النص، وقد أشار إلى ذلك إمام الحرمين فقال: «صرَّح الشافعي بما يتضمَّن إبطالَ الحكم المستند إلى الاستحسان، والقولُ فيه: إن أصحاب الاستحسان ربما يُسندون ما يَرَوْنه إلى خبر، كمصيرهم إلى أن الناسي لا يُفطر بالأكل؛ لخبر أبي هريرةَ فيه، وكلُّ مذهبٍ مستندٍ إلى خبر فهو متلقًّى بالقبول، وعبارة صاحب المقالة عن هذا بالاستحسان على نهاية السخافة والغثاثة؛ فإن قبول الخبر لا مَحيد عنه، والاستحسانُ يُشعر بتردُّد وميلٍ خفيٍّ إلى جانب، ومعظمُ قواعد الاستحسان استصلاح جليّ أو خفيّ لا أصل له في الشريعة، ومعنى قول صاحب المقالة (الاستحسان مقدم على القياس): أن القياس الجاري على وَفْق قواعد الشريعة مؤخَّر عن استصلاحٍ لا أصل له في الشريعة، وقد عبَّر الشافعي عن
стр. 271
غور هذا الفصل بكلمات وجيزة إذ قال: (من استحسن فقد شرع)» (١).
القاعدة الثالثة: الدلالات
وقاعدتها عنده: عربية القرآن والسنة، وقد ذكرنا قوله: «القرآن عربي»، ومن هنا تتوارد عليه أساليب العرب في الكلام، وجماع ما ذكر من القيم المتعلقة بالدلالات أربعة:
القيمة الأولى: أخذ النص الشرعي بسياقه.
قال الشافعي (ف: ٢٣١٨): «يُبِين آخِر الكلام عن أوَّلِه»، وبنى الشافعي على هذه القيمة اعتبار كل ما ورد على النص من المخصَّصات المتصلة.
فمنها: الاستثناء، قال الشافعي (ف: ٢٣١٨): «قد يَقُول: (لا إلهَ إلَّا اللهُ)، فيَكُونُ مؤمنًا، يُبِين آخِر الكلام عن أوَّله، ولو أفْرَدَ (لا إلهَ) كان كافرًا»، وقال (ف: ٢٣٥٣): «إنَّما يَجُوز الاستثناء إذا بَقَّى شيئًا، فإذا لم يبقِّ شيئًا فمُحالٌ».
ومنها: الغاية، قال الشافعي (ف: ٢٧١٣): «وما جُعِل له غايةٌ فالحكمُ بعد مُضِيِّ الغاية خِلافُ الحكْمِ قبل الغايةِ».
ومنها: الصفة، وقد ذكر الشافعي حل أكل الميتة للمضطر، فإذا زال الاضطرار عاد الحرمة، قال الشافعي (ف: ٣٥٠٥): «إذا حرَّم اللهُ شيئًا فهو مُحَرَّمٌ إلَّا ما أباحَ منه بصِفَةٍ، فإذا زالَت الصِّفَةُ زالَت الإباحَةُ»، وقال المُزَني: «إذا ارْتَفَعَت العِلَّةُ ارْتَفَعَ حُكْمُها».
_________
(١) انظر «النهاية» (١٨/ ٤٧٣).
стр. 272
القيمة الثانية: حمل مجمل النصوص على موافقة مُفَصَّلها.
وبنى الشافعي على هذه القيمة أن بعض النصوص مبيِّنة ومفسِّرة للنصوص الأخرى، وليست متعارِضة، كما قال في كلامه على حديث: «إنما الربا في النسيئة» مع حديث ربا الفضل (ف: ١٠١١).
فلا تعارُض بين القرآن والسنة، وقد حكى الشافعي (ف: ٣٧٨٢) قول من قال: «إذا نصب اللهُ حُكْمًا في كتابه فلا يَجُوز أن يَكُونَ سَكَتَ عنه وقد بَقِيَ منه شيءٌ، فلا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يُحْدِثَ فيه ما ليْسَ في القرآنِ»، ثم رَدَّ عليه فقال: «قد نَصَبَ اللهُ الوُضُوءَ في كتابه فأحْدَثْتَ فيه المسْحَ على الخفَّيْن، ونَصَبَ ما حُرِّمَ مِنْ النِّساءِ وأحَلَّ ما وَراءَهُنَّ فقُلْتَ: لا تُنْكَحُ المرْأةُ على عَمَّتِها ولا على خالَتِها، ونَصَبَ الموارِيثَ فقُلْتَ: لا يَرِثُ قاتِلٌ ولا مملُوكٌ ولا كافِرٌ وإن كانُوا وَلَدًا أو والِدًا، ونَصَبَ حَجْبَ الأمِّ بالإخْوَةِ وحَجَبْتَها بأخَوَيْن، ونَصَبَ للمُطَلَّقَةِ قبل أن تُمَسَّ نِصْفَ المهْرِ ورَفَعَ العِدَّةَ فقُلْتَ: إنْ خَلا بها ولم يَمَسَّ فلها المهْرُ وعليها العِدَّةُ، فهذه أحْكامٌ مَنْصُوصَةٌ في القُرآنِ، وهذا عِنْدك خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ»، قال الشافعي: «والقُرآنُ عَرَبِيٌّ، فيكُونُ عامَّ الظَّاهِرِ يُرادُ به الخاصُّ، وكُلُّ كَلامٍ احْتَمَلَ في القُرآنِ مَعانِيَ فسُنَّةُ رسولِ الله ﷺ تَدُلُّ على أحَدِ مَعانِيه مُوافِقَةٌ له، لا مُخالِفَةٌ للقُرآنِ».
ولا ينسخ القرآن بالسنة ولا السنة بالقرآن، هكذا اشتهر النقل عن الشافعي، لكنه قال في عقد الصلح (ف: ٣٤١١): «وإنْ صالَحَهُم الإمامُ على ما لا يَجُوزُ .. فالطَّاعَةُ نَقْضُه، كما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ في النِّساءِ، وقد أعْطَى المشْرِكِين ما أعْطاهُم في الرِّجالِ ولم يَسْتَثْنِ، فجاءتْه أمُّ كُلْثُومٍ بنتُ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ مُسْلِمَةً مُهاجِرَةً، فجاء أخَواها يَطْلُبانها، فمَنَعَهما منها،
стр. 273
وأخْبَرَ أنَّ اللهَ مَنَعَ الصُّلْحَ في النِّساءِ»، قال المُزَني: «هذا خِلافُ قَوْلِه في (الرسالة): (لا يُنْسَخُ قُرآنٌ إلَّا بالقُرآنِ، ولا سُنَّةٌ إلَّا بالسُّنَّةِ)».
قال عبدالله: يرد على المُزَني مؤاخذتان: أولاهما - أن الشافعي لم ينكر في الرسالة مطلق نسخ السنة بالقرآن، وإنما قال: «لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة»، هذا نصه في «الرسالة» (ص: ١١٠)، وبمثله نقل عنه ابن السُّبْكي في «جمع الجوامع» (١)، ولا شك أن المثال الذي استخرج منه المُزَني لا يرد على نصِّه، ولو فرضنا إطلاق قول الشافعي بمنع النسخ فقد يقال بأن هذا ليس من قبيل النسخ، وإنما هو من باب التخصيص، والنسخ إبطال على مذهب الشافعي، وهذه المؤاخذة الثانية.
وكما أنه لا تعارض بين القرآن والسنة كذلك لا ترد بعض السنن بدعوى مخالفتها للبعض الآخر، قال الشافعي (ف: ١٦٢٥): «إذا سَاقَى على النَّخْلِ أو العِنَبِ بجُزْءٍ مَعْلومٍ .. فهي المساقاةُ التي سَاقَى عليها رسولُ الله، وإذا دَفَعَ إليه أرْضًا بيضاءَ على أن يَزْرَعَها المدْفُوعَةُ إليه فما أخْرَجَ الله ﵎ منها مِنْ شيءٍ فله جُزْءٌ مَعْلُومٌ .. فهذه المُخابَرَةُ التي نَهَى عنها رسولُ الله ﷺ ، ولم نَرُدَّ إحْدَى سُنَّتَيْه بالأخْرَى».
قال إمام الحرمين: «أشار إلى أن القياسَ التسويةُ بين المساقاة والمزارعة في الجواز والمنع، ولكن السنة فرَّقت بينهما ووردت بتجويز المساقاة وبالمنع من المخابرة» (٢).
_________
(١) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٢/ ٧٣٩).
(٢) انظر «النهاية» (٨/ ٦).
стр. 274
وإذا لم يوجد وجه للجمع فسنَّته الأخيرة ناسخة لسنَّته الأولى، قال الشافعي (ف: ٢٨٥): «وفِعْلُ رسولِ الله ﷺ الآخِرُ ناسِخٌ لفِعْلِه الأوَّلِ».
القيمة الثالثة: الأخذ بالظاهر.
فـ «أصله الظاهر» كما قال المُزَني (ف: ٣٢٠٢)، وقال في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٢٢): «ولو جاز ألا أفارق لفظ الحديث بلا دلالة من حديث غيره ولا إجماع ولا ما نقلته خاصة العلماء، فالقبول ألزم من طرح الاستدلال»، ويبني الشافعي على هذه القيمة حمل الدلالات المحتملة على أقرب معانيها للظاهر.
فمنها: حمل الطلب على الحتم، ما لم يقم دليل على الاختيار والإرشاد، وكلام الشافعي صريح في حمل النهي على التحريم، لكن كلامه في جهة الأمر محتمل كما صرَّح الأصحاب، لكن الشافعي ذكر في «المختصَر» (ف: ١٣) قوله ﷺ : «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» مستدلًّا به على استحباب السواك، قال الشافعي: «ولو كان واجبًا لأمرهم به، شقَّ أو لم يَشُقَّ»، وهذا الاستدلال المعروف عند الأصوليين بعد الشافعي على أن الأمر للوجوب، ويدل على استحسانهم له وسَبْق الشافعي به.
وأريد هنا التنبيه إلى كلام للباحث الفاضل مشاري الشثري - حفظه الله - حيث قال: «المعلوم من قول الشافعي فيما يتعلق بالأمر والنهي أنه يرى جزمًا أن النهي يقتضي التحريم، وأما الأمرُ فردَّدَ الشافعيُّ القولَ فيه، ولم يجزم بحمله على معنًى يجعله هو الأصلَ، بل ذَكر عدة احتمالات في دلالته، ثم قال: (وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة طلب الدلائل ليفرِّقوا بين الحتم والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في
стр. 275
الأمر والنهي معًا)» (١)، قال: «وهذا هو ما ذكره بعض حُذَّاق أصحابه، كأبي حامد الإسفراييني، وذلك بقوله: (قطع الشافعي قوله إن النهي يقتضي التحريم، بخلاف الأمر، فإنه في بعض المواضع ليَّن القول فيه)، قال الزركشي بعد نقله كلام أبي حامد: (وهذا الذي قاله الشيخ أبو حامد هو الذي دلَّ عليه كلام الشافعي)» (٢).
ولي على هذا الكلام عدة ملاحظات:
أولها - أن التفريق بين دلالتي الأمر والنهي لا يتَّفق مع منهج الشافعي بتأصيل الأصول على قاعدة عربية النصوص، ولا شك أن دلالة الأمر والنهي في أصل اللغة واحدة.
وثانيها - أن الأصحاب متفقون على أن كلام الشافعي في الأمر بعضه يدل على الوجوب وبعضه يردِّد، بل إن القول بدلالة الأمر على الندب نقله الشافعي عن بعض أهل العلم والقول بدلالته على الوجوب أورده احتمالًا له، وبناءً عليه أثبت الزركشي القولين عن الشافعي؛ لأن عادة الشافعي ردُّ ما لا يقبله من الآراء التي ينقلها عن العلماء (٣)، والذي ذهب إليه الباحث إطلاق القول بالترديد.
ثالثها - أن ما ذهب إليه ينقضه واقع عمل الشافعي؛ لأن مقتضاه عدم جواز الاستدلال بالأمر على الوجوب إلا بدليل من خارج، واستدلالات الشافعي بمطلق الأمر على الوجوب كثيرة.
_________
(١) قال مشاري: وقد استوفيتُ نصوص الشافعي في الأمر والنهي في «مجرد مقالات الشافعي في الأصول» فانظرها في: (ص: ٢٨٧ - ٢٩٧).
(٢) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٢/ ٤٢٧).
(٣) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٢/ ٣٦٥، و ٤٢٧)، وانظر «مجرد مقالات الشافعي في الأصول» للباحث مشاري الشثري (ص: ٢٩٣ - ٢٩٥).
стр. 276
ورابعها - أن المُزَني صرَّح بنسبة القول بحمل الأمر على الوجوب إلى الشافعي كما سيأتي نص كلامه، وهو أعرف الأصحاب بنصوص الشافعي وأفقههم لها، وحكايته عنه نقل يجب قبوله، لا كما فعل الباحث حيث انتقده اعتمادًا على ما بلغه من نصوص الشافعي، وهذه قضية منهجية عند الباحث طالما ناقشته فيها، وهي صغيرة بجنب ما أحسن في جمع «مجرد مقالات الشافعي في الأصول».
ومنها: حمل العموم على عمومه، ما لم يَقُم دليل على الخصوص، ومن أمثلته قول الله : ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة﴾ [المائدة: ٩٦]، قال الشافعي (ف: ٣٤٥٨): «هذا عُمُومٌ، فمَن خَصَّ منه شَيْئًا فالمخْصُوصُ لا يَجُوزُ عند أهْلِ العِلْمِ إلَّا بسُنَّةٍ أو إجْماعِ الذين لا يَجْهَلُون ما أراد اللهُ ﵎».
ومنها: حمل المطلق على إطلاقه، ما لم يقم دليل على التقييد، ومن أمثلته قول الله تعالى في التظاهر: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المجادلة: ٣]، قال الشافعي (ف: ٢٤٧١): «وشَرَطَ الله ﵎ في رَقَبَةِ القَتْلِ مُؤمِنَةً، كما شَرَطَ العَدْلَ في الشَّهادَةِ وأطْلَقَ الشُّهُودَ في مواضِعَ، فاسْتَدْلَلْنا على أنَّ ما أطْلَقَ على مَعْنَى ما شَرَطَ، وإنَّما رَدَّ الله أمْوالَ المسْلِمِين على المسْلِمِين، لا على المشْرِكِين».
وقد سُئل المُزَني ﵀ عن مخرج جملة الأمر والنهي على مذهب الشافعي فقال في أول «كتاب الأمر والنهي» (ف: ١): «مذهب الشافعي عندي وبالله التوفيق: أن الأمرَ والنهيَ من الله ومن رسوله صلى الله عليه على العمومِ والظاهرِ والحتمِ، إلا أن يأتي في سياق الخبر أو في غيره ما يدل على أنه أريد به الخصوصُ أو باطنٌ أو إرشادٌ أو إباحةٌ أو دلالةٌ، فيَلزَم قبولُ
стр. 277
الدليل، فإذا أمر الله أو رسوله صلى الله عليه بأمر وسمَّاه .. فما لزمه اسمُه لزمه حكمُه على العمومِ والحتْمِ؛ لأن الله ﵎ أو رسوله صلى الله عليه لو لم يُرِد العمومَ وأراد غيرَه لأبانه، فلما لم يُبِنْه علِمْنا أنه لم يُرِد ما لم يُبَيِّن، كما لم يَأمُر إلا بما بَيَّن؛ لأنه لا يُكَلِّف عِلمَ الغيوب، قال الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فمَن ادَّعَى فيما أطلَقه القرآنُ أو السنةُ بَيِّنٌ معناه في اللغةِ أنَّه أرِيد معنًى دون معنًى .. قيل له: قولك «إنه أريد به» غيْبٌ، والغيبُ لا يوصَل إليه إلَّا بخبرٍ، والمدعي لذلك بغير حق منفرد، ولا يُقبَل مِنْ مدعٍ إلا ببينة، ولا تُزال حجة بغير حجة».
القيمة الرابعة: تعليل النصوص والقياس عليها.
فـ «القياس عنده حق» كما قال المُزَني (ف: ٩٨٣)، وقد ذكر من مراتب القياس القياس الذي لا يُعذر أحد عنده بالغفلة عنه (ف: ٣٨٦٩)، وذلك دليل على عظيم منزلة القياس عند الشافعي، وقد بيّن في «المختصَر» بعض أنواعه وضوابطه.
فأمَّا أنواع القياس فقال الشافعي (ف: ٣٧٠١): «القِياسُ قياسان: أحَدُهما - أن يَكُونَ في مَعْنَى الأصْلِ، فَذَلِكَ الَّذِي لا يَحِلُّ لأحَدٍ خِلافُه، والآخَرُ - أن يُشْبِهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ مِنْ أصْلٍ، ويُشْبِهَ الشَّيْءَ مِنْ أصْلٍ غَيْرِه، فيُشَبِّهُه هذا بهذا الأصْلِ، ويُشَبِّهُه الآخَرُ بأصْلٍ غَيْرِه، ومَوْضِعُ الصَّوابِ في
стр. 278
ذلك عندنا أن يُنْظَرَ: فإنْ أشْبَهَ أحَدَهما في خَصْلَتَيْن والآخَرَ في خَصْلَةٍ ألْحَقَه بالذي أشْبَهَه في خَصْلَتَيْن».
وأمَّا ضوابط الاعتماد على القياس ..
فلا قياس إلا حيث لا نصّ ولا إجماع، قال الشافعي (ف: ١١١١): إذا اخْتَلَف [الصحابة] فمَذْهَبُنا القياسُ»، وقال حاكيًا عن محمد بن الحسن الشيباني ومقرًّا له (ف: ٢١١٢): «ما يَنْبَغِي أن يَدْخُلَ على حديثِ النبيِّ ﷺ القِياسُ»، ولمَّا استدل الشافعي على حرمة بيع اللحم بالحيوان بمرسل سعيد بن المسيّب وما عضَّده من قول أبي بكر الصديق تعقَّبه المُزَني فقال (ف: ١٠٤٣): «إذا لم يَثْبُت الحديثُ عن رسول الله ﷺ .. فالقياسُ عندي أنَّه إذا كان فصيلٌ بجَزُورٍ قائمَيْنِ جائزًا، ولا يَجُوزان مَذْبُوحَيْن - لأنَّهما طعامان - إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فهذا لحمٌ وهذا حيوانٌ، وهما مختلفان، فلا بأسَ به في القياسِ إن كان فيه قولٌ مُتَقَدِّمٌ ممَّن يَكُونُ بقولِه اخْتِلافٌ، إلَّا أن يَكُون الحديثُ عن رسول الله ﷺ ثابتًا، فنأخذُ به، ونَدَعُ القياسَ»، قال عبدالله: لئن تعقَّبه المُزَني في حكمه ففيه إشارة إلى تقرير أصله بالقياس حيث لا نصّ ولا إجماع.
ولا قياس على المخصوص، قال المُزَني في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٣٠): «ولا قياس على مخصوص»، وكلام الشافعي صريح واضح في ذلك، وقد اعتمد عليه في «المختصَر» (ف: ١٠٠٩)، وأيَّده شيخ الإسلام البلقيني في تعليقاته على «المختصَر» فقال (ف: ١٠٩٢): «إذا خولف القياس في أصل الحكم لأجل النصِّ يطَّرد ذلك ويتبع في جميع موارده، مثاله: اختلاف الأصحاب في ردِّ المصراة بصاع من تمر هل يكون على الفور أو يمتد إلى ثلاثة أيام؟ والأصحُّ: أنه يكون على الفور؛ طردًا لقياس خيار
стр. 279
الردِّ بالعيب، فإنه إنما يكون على الفور، فإذا تراخى امتنع، ويتأوّل حديث الصحيحين في ذلك، وهو قوله ﷺ : «ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر»، وفي لفظ: «فهو بالخيار ثلاثًا» الحديث، ففي المذهب: يمتنع الردّ بالتراخي، ويُجاب عن الحديث بأنه مؤوَّل، ويعمل بالقياس في الردِّ بالعيب، وفي وجه: يمتد الخيار لقوله: «ثلاثًا»، قال الإمام ابن دَقِيق العِيد: (والصواب اتباع النصِّ لوجهين: أحدهما: تقديم النصِّ على القياس، والثاني: أنه خُولِف القياس في أصل الحكم لأجل النصِّ، فليطَّرد ذلك ويتبع في جميع موارده)، قال عبدالله: هذا الأصل ينبغي تحريره جيدًا؛ ذلك أن الأصحاب اتفقوا في تقرير هذا الأصل عن الشافعي في المخصوص من العام، ثم اختلفوا في جواز القياس على الرخص، ولا شك أن الرخص مخصوصة من العام.
ولا قياس فيما لا يُدرك معناه، ومنه التأقيت، قال المُزَني (ف: ٣٠٣): «إنَّ التأقيتَ لا يُدْرَك إلا بِخَبَرٍ»، وقال (ف: ٢٤٢٠): «التأقِيتُ لا يَجِبُ إلَّا بخَبَرٍ لازِمٍ».
ولا يُقاس الحلال بالحرام، قال الشافعي (ف: ٢٠٧٦): «إنَّ الحرامَ ضِدُّ الحلالِ، فلا يُقاسُ شيءٌ على ضِدِّه».
القاعدة الرابعة: الأحكام
وهي ثمرة عملية الاجتهاد على وَفْق الأصول المقرَّرة، وقدْ قرَّر الشافعي قيمًا مهمة تتعلَّق بها.
فمنها: تقرير أن حكم الله هو الخير كله، قال الشافعي (ف: ٣٧٤٧): «كُلُّ أمْرٍ نَدَبَ اللهُ إليه فهو الخَيْرُ الذي لا يَعْتاضُ مِنه مَنْ تَرَكَه».
стр. 280
ومنها: تقرير قُبح تعطيل حكم الله، قال الشافعي (ف: ٢٥٨٣): «ولو قال لها: «يا زانية»، فقالَتْ: «بل أنْتَ زانٍ» .. لاعَنَها، وحُدَّتْ له، وقال بعض الناس: لا حَدَّ ولا لِعانَ، فأبْطَلَ الحُكْمَيْن جميعًا، وكانَتْ حُجَّتُه أن قال: أسْتَقْبِحُ أن ألاعِنَ بَيْنَهما ثُمَّ أحُدَّها، وما قَبَّح منه فأقْبَحُ منه تَعْطِيلُ حُكْمِ الله عليهما».
ومنها: عدم القول في الأحكام بالظنون، قال الشافعي (ف: ٣٨٧٤): «ولا يَجُوزُ الحكْمُ بالظُّنُونِ»، وقد يشكل على بعضهم هذا بناءً على السائر بين الناس من أن الفقه أغلبه ظنون، لكن الشافعي إنما استنكر القول بالظن المجرَّد، وقال بالظنِّ المقرون إلى علم، قال الشافعي (ف: ٣٣٧١): «لا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا بظنٍّ مقرون إلى عِلْم»، قال عبدالله: ومن هنا يمكن أن يقال بأن الشافعي أول من قرَّر قطعية أصول الفقه، لا إمام الحرمين كما هو المشهور بين الناس، ويزيد على ذلك أن عبارة الشافعي أدقُّ من عبارة إمام الحرمين، ولذلك اعترض عليه غير واحد.
ومنها: عموم أحكام الله على العباد، الرجال والنساء، الأحرار والعبيد، المؤمنين والكفار، قال الشافعي (ف: ٢٤٣٥): «وحُكْمُ الله على العِبادِ واحِدٌ».
ومنها: اعتبار الأحكام بفاعِلِيها، قال الشافعي (ف: ٢٦٤٧): «إنَّ الأحْكامَ بفاعِلِيها، ألا تَرَى أنَّ الحُرَّ المُحْصَنَ يَزْنِي بالأمَةِ فيُرْجَمُ وتُجْلَدُ الأمَةُ خمسين، والزِّنا مَعْنًى واحدٌ، فاخْتَلَفَ حُكْمُه لاخْتِلافِ حالِ فاعِلِيه»، ويمكن أن يُقال إن الشافعي على هذه القيمة بنى منع الرخص عن العصاة، قال الشافعي (ف: ٣٨٨): «الرخصة لا تكون لعاصٍ».
стр. 281
الباب الثاني: شوارد الفوائد
الشافعي يذكر نسب نفسه:
فمنها: المشهور في كتب مناقب الشافعي ذكر نسبه من إملاء الربيع أول كتاب «الرسالة»، وقد وجدت الشافعي نصَّ بنفسه على نسبه، قال ﵀ في مسألة ما لو قال: «ثُلُثِي لقَرابَتِي» (ف: ١٨٥٤): «فإنْ كان من قبيلةٍ مِنْ قُرَيْشٍ .. أُعْطِيَ بقَرابتِه المعروفةِ عند العامَّةِ، فيُنْظَرُ إلى القبيلةِ التي يُنْسَبُ إليها فيُقالُ: مِنْ بَني عبدِ منافٍ، ثُمَّ يُقالُ: وقد تَفْتَرِقُ بنو عبدِ منافٍ، فمِن أيِّهم؟ .. قيل: مِنْ بني عبدِ يزيدَ بنِ هاشم بن المطلب، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هم قبائلُ، فإن قيل: فمِن أيِّهم؟ .. قيل: مِنْ بني عُبَيْد بن عبد يزيد، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هُمْ بنو السائب بن عُبَيْد بن عبد يزيد، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هم بنو شافعٍ، وبنو عليٍّ، وبنو عباسٍ أو: عيَّاشٍ - شَكَّ المُزَني - وكلُّ هؤلاء بنو السائب، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، كلُّ بطنٍ مِنْ هؤلاء يَتَمَيَّزُ عن صاحبِه، فإذا كان مِنْ آلِ شافعٍ قيل لقرابتِه: هم آلُ شافعٍ، دون آلِ عليٍّ والعباسِ؛ لأنَّ كلَّ هؤلاء مُتَمَيِّزٌ ظاهرٌ».
стр. 282
شرف القرب من رسول الله ﷺ :
ومنها: قال الشافعي (ف: ١٩٥١): «الناسُ عِبادُ الله، فأوْلاهُم أن يكون مُقَدَّمًا أقْرَبُهم بخِيرَةِ اللهِ لرِسالَتِه، ومُسْتَوْدَعِ أمانَتِه، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وخَيْرِ خلقِ رَبِّ العالمين، محمدٍ ﷺ »، قال المُزَني: «هذا والله هو الكلامُ الصحيحُ».
الحسب والنسب الشريف دون عصبية:
ومنها: لا يخفى على أحد مدى اهتمام العربيِّ بنَسَبه وحَسَبه، حتى غلا بعضهم في العصور الأولى فكان ذلك سببًا في ظهور الشعوبية المضادَّة، والشافعي ﵀ لا شكَّ معتزٌّ بنَسَبه الشريف وحَسَبه الرفيع، وقد اعتبر النسب من الوجوه المعتَبَرة في الكفاءة بين الزوجين، ولكن ذلك لم يكن أبدًا عصبية للعربية والأنساب، وإنما كان دينًا واتباعًا لِمَا ظهر له من الدليل، وقد بيَّن الحدود الفارقة بين الاعتزاز المباح بالأحساب والعصبيةِ الممقوتة، قال الشافعي (ف: ٣٨٠٧): «وليْسَ مِنْ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَه، والعَصَبِيَّةُ المحْضُ أن يُبْغِضَ الرَّجُلَ لأنَّه مِنْ بني فلانٍ، فإذا أظْهَرَها ودَعا إليها وتآلَفَ بها فمَرْدُودٌ، وقد جَمَعَ اللهُ - جَلَّ ذكره - المسْلِمِين بالإسْلامِ، وهو أشْرَفُ أنْسابِهِم فقال : ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال رسولُ الله ﷺ : «وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا»، فمَن خالَفَ أمْرَ اللهِ وأمْرَ رَسُولِه رُدَّتْ شَهادَتُه».
ومما يدلُّ على المعنى التي ذكرته أن الشافعي ذكر مذهب أبي يوسف القاضي وأهل العراق القائلين بعدم عقد الذمة مع العرب وعدم أخذ الجزية منهم ثم قال ﵀ (ف: ٣٣٨٠): «نَحْنُ كُنَّا على هذا أحْرَصَ، ولولا أن نَأثَمَ
стр. 283
بتَمَنِّي باطِلٍ وَدِدْناه كما قال، وألا يَجْرِيَ على عَرَبِيٍّ صَغارٌ، ولكنَّ اللهَ - تبارك اسمه - أجَلُّ في أعْيُنِنا مِنْ أن نُحِبَّ غَيْرَ ما حَكَمَ به».
تعظيم قدر الرسول ﷺ في كتب الشافعي:
ومنها: تعظيم قدر الرسول ﷺ في كلام الشافعي وكتبه، وهذه في الأصل سمة يشترك فيها عامة المؤمنين، لكن الشافعي تميَّز بإبراز المكانة الخاصة للرسول ﷺ ، وكثيرًا ما نجد الشافعي يدعو فيقول: «بأبي هو وأمي»، وقال المُزَني (ف: ١٧١١): «ما رَأيْتُ مِنْ العلماءِ مَنْ يُوجِبُ للنبيِّ ﷺ في كُتُبِه ما يُوجِبُه الشافعيُّ لحُسْنِ ذِكْرِه رسولَ الله ﷺ ، فرَحْمَةُ الله عليه ورضوانُه».
عَيْش الكفاف في حياة الرسول ﷺ -:
ومنها: قال الشافعي (ف: ١٧١١): «إنَّه ﷺ لم يَمْلِكْ مالًا إلَّا ما لا غِنَى به وبعِيالِه عنه ومَصْلَحَتِهم، حتَّى صَيَّرَ ما مَلَّكَه اللهُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ ومالَه إذا حَبَسَ قُوتَ سَنَتِه مَرْدُودًا في مَصْلَحَتِهم في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ اللهِ، وإنَّ نَفْسَه ومالَه كان مُفَرَّغًا لطاعةِ الله ﵎ فصَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وجَزاه خَيْرَ ما جَزَى نَبِيًّا عن أمَّتِه».
حمى العرب في الجاهلية:
ومنها: قال الشافعي (ف: ١٧١١): «كان الرجلُ العزيزُ مِنْ العربِ إذا انْتَجَعَ بَلَدًا مُخْصِبًا أوْفَى بكَلْبٍ على جَبَلٍ إنْ كان به أو نَشْزٍ إن لم يَكُنْ، ثُمَّ اسْتَعْوَى كَلْبًا ووَقَفَ له مَنْ يَسْمَعُ مُنْتَهَى صَوْتِه بالعُواءِ، فحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُه حَماهُ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ لنَفْسِه، ويَرْعَى مع العامَّةِ فيما سِواه، ويَمْنَعُ هذا مِنْ غَيْرِه لضَعَفَى سائمَتِه وما أراد معها، فنَرَى أنَّ قَوْلَ رسولِ الله ﷺ : «لا حِمَى إلَّا لله ورسولِه»: لا حِمَى على هذا المعنى الخاصِّ».
стр. 284
حبس العرب في الجاهلية:
ومنها: ذكر الشافعي مذهب القائلين بعدم مشروعية الأوقاف والحبس، وذكر احتجاجهم بحديثِ شُرَيْحٍ أنَّ محَمَّدًا جاء بإطلاقِ الحُبُسِ، فردَّ عليهم وقال (ف: ١٧٣٠) «الحُبُسُ الذي جاء بإطْلاقِه - لو كان حديثُك ثابتًا - كان على ما كانت العربُ تَحْبِسُ مِنْ البَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ؛ لأنَّها كانت أحْباسَهُم، لا نَعْلَمُ جاهِلِيًّا حَبَّسَ دارًا على وَلَدٍ ولا في سبيلِ الله ولا على مساكينَ».
فهم النصوص الشرعية مقرونة بالواقع الذي عُنِي بها:
ومنها: منهج تفهُّم النصوص الشرعية بِناءً على الواقع الذي عُنِي بها، ومن أمثلة ذلك الفائدتان قبل هذه، وقال الشافعي (ف: ٢٥١١): «وكُلُّ الكفَّاراتِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ، لا تَخْتَلِفُ، وفي فَرْضِ الله على رَسُولِه وفي سُنَّةِ نَبِيِّه ما يَدُلُّ على أنَّه بمُدِّه ﷺ ، وكيف يَكُونُ بمُدِّ مَنْ لم يُولَدْ في عَهْدِه ﵇، أو مدٍّ أُحْدِثَ من بعده؟!».
قانون العلم الصحيح:
ومنها: الإشارة إلى قانون دقيق يميِّز به بين العلم الصحيح وشبهة الدليل الزائف، فأخرج الشافعي حديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ أعرِف السرور في وجهه، فقال: «ألم تَرَيْ أن مجززًا المدلجيّ نظر إلى أسامة وزيد عليهما قطيفة، قد غطَّيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض»، فقال الشافعي (ف: ٣٨٦٩): «فلو لم يَكُنْ في القافَةِ إلَّا هذا انْبَغَى أن يَكُونَ فيه دَلالَةٌ أنَّه عِلْمٌ، ولو لم يَكُنْ عِلْمًا لقالَ له: لا تَقُلْ هذا؛ لأنَّك إنْ أصَبْتَ في شَيْءٍ لم آمَنْ عليك أن تُخْطِئَ في غَيْرِه، وفي خَطَئِكَ قَذْفُ مُحْصَنَةٍ ونَفْيُ نَسَبٍ، وما
стр. 285
أقَرَّه إلَّا أنَّه رَضِيَه ورَآه عِلْمًا، ولا يُسَرُّ إلّا بالحقِّ ﷺ »، قال عبدالله: يشير إلى أن العلم الصحيح هو الذي يخضع لقوانين ثابتة يأمن الملتزم بها الوقوع في الخطأ، ولا يمكن الباري وكل عباده في تعرُّف الحق إلى طريق يمكن أن يؤدِّي بهم إلى باطل إذا رُوعيت حُرمته.
أصناف المرتدين في العصر الأول:
ومنها: قال الشافعي (ف: ٣١٧١): «وأهْلُ الرِّدَّةِ بعد رسولِ الله ﷺ ضَرْبان: فمنهم قَوْمٌ كَفَرُوا بعد إسْلامِهِم، مِثْلُ طُلَيْحَةَ ومُسَيْلِمَةَ والعَنْسِيِّ وأصْحابِهم، ومنهم قَوْمٌ تَمَسَّكُوا بالإسْلامِ ومَنَعُوا الصَّدَقاتِ، وهو لِسانٌ عَرَبِيٌّ، والرِّدَّةُ ارْتِدادٌ عمَّا كانُوا عليه بالكُفْرِ، وارْتِدادٌ بمَنْعِ حَقٍّ كانُوا عليه»، قال: «وذلك بَيِّنٌ في مُخاطَبَتِهم جُيُوشَ أبي بَكْرٍ، وأشْعارِ مَنْ قال الشِّعْرَ منهم، قال شاعِرُهم:
أَلَا أَصْبِحِينَا قَبْلَ نَائِرَةِ الفَجْرِ … لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي
أَطَعْنا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ بَيْنَنا … فَيَا عَجَبًا مَا بالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ
فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمُ فمَنَعْتُمُ … لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى إِلَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ
سَنَمْنَعُهُم مَا كَانَ فِينَا بَقِيَّةٌ … كِرَامٌ عَلَى العَزَّاءِ فِي سَاعَةِ العُسْرِ
وقالُوا لأبي بَكْرٍ بعد الإِسارِ: ما كَفَرْنا بعد إيمانِنا، ولكِنَّا شَحَحْنا على أمْوالِنا».
قال عبدالله: وفي هذا إشارة إلى اعتماد الشعر في استنباط التاريخ، وهذا معنًى غفل عنه كثير من المعاصرين من الذين ينتهجون منهج تمحيص التاريخ الإسلامي.
стр. 286
مساحة ما بلغه الدعوة في عصر الشافعي:
ومنها: قال الشافعي (ف: ٣٣٥٦): «ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ المشْرِكِين لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ اليَوْمَ، إلَّا أن يَكُونَ خَلْفَ الذين يُقاتِلُوننا أُمَّةٌ مِنْ المشْرِكِين خَلْفَ الخَزَرِ والتُّرْكِ لم تَبْلُغْهُم الدَّعْوَةُ، فلا يُقاتَلُون حتى يُدْعَوْا إلى الإيمانِ، فإنْ قُتِلَ منهم أحَدٌ قبل ذلك فعلى مَنْ قَتَلَه الدِّيَةُ».
الموقف من أهل البدع والخوارج:
ومنها: قال الشافعي (ف: ٣٨٠٠): «لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنْ سَلَفِ هذه الأمَّةِ يُقْتَدَى به ولا مِنْ التَّابِعِين بَعْدَهم رَدَّ شَهادَةَ أحَدٍ بتَأوِيلٍ، وإنْ خَطَّأه وضَلَّلَه»، وقال (ف: ٣١٧٤): «ولو أنَّ قَوْمًا أظْهَرُوا رَأيَ الخوارِجِ، وتَجَنَّبُوا الجماعاتِ وأكْفَرُوهُم .. لم يَحِلَّ بذلك قِتالُهم، بَلَغَنا أنَّ عَلِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: (لا حُكْمَ إلَّا لله) في ناحِيَةِ المسْجِدِ، فقال عليٌّ: (كَلِمَةُ حَقٍّ أرِيدَ بها باطِلٌ، لكُمْ عَلَيْنا ثلاثٌ: لا نَمْنَعُكُمْ مَساجِدَ الله أنْ تَذْكُرُوا فيها اسْمَ الله، ولا نَمْنَعُكُم الفَيْءَ ما دامَتْ أيْدِيكُم مع أيْدِينَا، ولا نَبْدَؤُكُمْ بقِتالٍ)».
إيواء الأنصار أهل المدينة المهاجرين إليهم بعد عصر النبوة:
ومنها: قال الشافعي (ف: ٢٦٧٠): «ولا نَعْلَمْ أحَدًا بالمدينةِ فيما مَضَى اكْتَرَى مَنْزِلًا، إنَّما كانُوا يَتَطَوَّعُون بإنْزالِ مَنازِلِهِمْ وبأمْوالِهِم مع مَنازِلِهم».
السِّهام العربية والفارسية:
ومنها: معلوم معرفة الشافعي بالرمي ومعرفة المُزَني به، وقد قال المُزَني إن الشافعي من أجله أملى كتاب السَّبْق والرمي»، وقد ظهر خلال الكتاب معرفته باصطلاحات الرماة، وذكر صفات الرمي وأنواع القِسِيِّ والسهام، وذكر الخلافات الدقيقة التي تقع بين الرماة والحكم فيها، وقال
стр. 287
فيه: «وقد رأيت من الرماة من يقول» ثم خالفه في قوله وأبدى رأيه، وقال الشافعي (ف: ٣٥٤٢): «إن مَعْرُوفًا أنَّ الصَّوابَ عن الفارِسِيَّةِ أكْثَرُ مِنْ العَرَبِيَّةِ».
ابن المسيّب يلعب بالشطرنج استدبارًا:
ومنها: قال المُزَني (ف: ٣٨٠١): «سَمِعْتُ الشَّافعيَّ يَقُولُ: كان سَعِيدُ بنُ جُبَيْر يَلْعَبُ بالشِّطْرَنْجِ اسْتِدْبارًا، فقلتُ له: كيف يَلْعَبُ بها اسْتِدْبارًا؟ قال: يُولِيها ظَهْرَه ثُمَّ يَقُولُ: بأيِّ شَيْءٍ دَفَعَ؟ فيُقالُ: بكذا، فيَقُولُ: فادْفَعْ عليه بكذا».
معرفة الشعر:
ومنها: قال الشافعي (ف: ٣٨٠٨): «والشِّعْرُ كَلامٌ، فحَسَنُه كحَسَنِه، وقَبِيحُه كقَبِيحِه، وفَضْلُه على الكَلامِ أنَّه سائرٌ، فإذا كان الشَّاعِرُ لا يُعْرَفُ بشَتْمِ المسْلِمِين وأذاهُم، ولا يَمْدَحُ فيُكْثِرُ الكَذِبَ المحْضَ، ولا يُشَبِّبُ بامْرَأةٍ بعَيْنِها، ولا يَبْتَهِرُها بما يَشِينُها .. فجائزُ الشَّهادَةِ، وإن كان على خِلافِ ذلك لم تَجُزْ شَهادَتُه».
стр. 288
المقدمة السادسة في
بيان عَمَلي في الكتاب
стр. 289
جماع عملي على كتاب المُزَني بعد الدراسات التي قدمت له بها أمور ثلاثة: المقابلة وتصحيح النصِّ والضبط، والتعليق بما يخدم غرض الكتاب، والفهارس التي تقرب فوائد الكتاب، وأختم الحديث بالكلام على تخريج أحاديث الكتاب وآثارها.
أمَّا المقابلة وذكر النسخ المعتمدة ..
فأقول: أهمُّ عمل في إخراج كتب السلف - لا شكَّ - تصحيحها لتكون أقرب شيء إلى ما أراده مؤلِّفوها، ولا يَخْفَى أن مادة «المختصَر» بيننا وبينه ما يزيد على اثني عشر قرنًا من الزمان، ثم إنه عُصارة مؤلفه الذي كان يرجع إليه طوال حياته بالتصحيح والتهذيب، وخلال ذلك تواردت عليه الروايات المختلفة عن تلاميذه الكثيرين، لكن هذه الروايات في أغلبها ليست إلا معلومات تاريخية بسبب فقدان نسخ معتمدة تخصُّها، ولا يمكنني أن أعمل إلا بِناءً على ما أمكنني الاطلاع عليه من المخطوطات، وقد اجتمع لديَّ خمس مخطوطات اعتمدت في التصحيح على أربع منها، واستأنست في بعض المواضع المشكلة بالخامسة.
المخطوطة الأولى: نسخة الظاهرية (رقم: ٢٣٣٥) المرموز لها بحرف الظاء (ظ)، برواية أبي الحسن أحمد بن عمر بن جَوْصا.
وهي نسخة كاملة للكتاب ومقابلة ومصحَّحة، وفي صفحة العنوان منها: «مختصَر المُزَني في الفقه»، وفي هوامشها بعض الإلحاقات والتصحيحات، وشيء من الشروح، وتكاد تكون سليمة من الأخطاء، إلا أن فيه بعض السقط القليل، وقد أشرت إلى مواضعه من الكتاب.
وهي في الأصل من أوقاف المدرسة العمرية، وفي صفحة العنوان منها: «وقف هذا المجلد وسبله السيد تاج الدين عبد الوهاب الحسيني
стр. 290
الشافعي بآله إلى مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، ومن شرطه ألا يخرج منها، لا برهن ولا بوكيل، ومن خالف فالله حسيبه».
وكتبت كما ورد في خاتمتها: «على يد أحوج خلق الله إلى عفوه محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الطفوفي، ونجز في يوم الجمعة، مستهل شهر رجب الفرد، سنة أربع وتسعين وسبعمائة، أحسن الله تعالى نقصها في خير، عفا عمَّن كتبه ونظر فيه ودعا لكاتبه بالرحمة والرضوان وللمسلمين أجمعين».
وهذه النسخة هي عمدتي الأولى في التصحيح، وكثيرًا ما أثبت الوجه الذي فيها على خلاف سائر النسخ كلها؛ وذلك نظرًا لدقة هذه النسخة وقلة أخطائها.
المخطوطة الثانية: نسخة المكتبة السليمانية (١٥٤، تصنيف: ٢٩٧. ٥) المرموز لها بحرف السين (س).
وهي نسخة كاملة، كتبها ناسخها لنفسه، وعُنِي بتصحيحها ومقابلتها على نسخ أخرى، وكتب في صفحة العنوان منها: «كتاب المختصَر، تصنيف الإمام، ناصر المذهب، أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المُزَني، من علم الإمام الشافعي المطلبي ومعنى قوله - رضي الله تعالى عنه وعن أصحابه - كتبه لنفسه: إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الحلبي، وقابله أربع مرات، فالله تعالى أن يُديم النفع به، آمين»، هكذا ذكر نسب المُزَني، ولعل كلمة: «أسأل» سقطت من الدعاء آخره أيضًا.
وكتب في آخر النسخة: «تَمَّ كتاب المختصَر بعون الله يوم الخميس قبل الظهر ثالث عشرين جمادى الآخرة سنة خمسين وثمانمائة، على يد
стр. 291
مالكه وكاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الدومياطي [كذا] الحلبي الشافعي، عفى الله عنه وعن والديه ولمن نظر في هذا الكتاب ودعا له ما أفقره ولجميع المسلمين، والحمد لله وحده، وصلى الله على أفضل الخلق سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليمًا كثيرًا».
وأشار إلى تاريخ المقابلة الثانية فكتب: «انتهيت من المقابلة الثانية يوم السبت تاسع عشرين ذي القعدة سنة اثنين وخمسين وثمانمائة».
وأشار في أثناء النسخة (صورة: ٢٠) إلى أن النسخة قوبلت على نسخة شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني في بعض مقابلاتها الأربع، وأظن أن هذه المقابلة هي أصل تلك التعليقات الكثيرة للبلقيني على الكتاب، فالظاهر أن أغلبها من تعليقاته على هامش نسخته، وبعضها منقول من كتابه «ترتيب الأم»، وقد نقلتها في مواضعها من الكتاب.
ومن مزايا هذه النسخة ما ورد في هوامشها من استدراكات كلٍّ من ابن خزيمة والهروي على المُزَني، وقد تكون بعض مقابلاتها كانت على نسخ روايتهما عن المُزَني، ولم أتمكَّن من معرفة المقصود بالهروي، اللهم إلا أنه من تلاميذ المُزَني وأحد رواته، وأما ابن خزيمة فأشهر من نارٍ على عَلَمٍ، وله على المُزَني تعقُّبات واستدراكات كثيرة، وقد ذكرتُ استدراكاته واستدراكات الهروي في مواضعها من الكتاب اعتمادًا على هذه النسخة.
وفي هوامش هذه النسخة كذلك تعليقات أخرى كثيرة وفوائد علمية لم أُعْنَ بإيرادها؛ لأنها لا خصوصية لها بكتاب المُزَني من أيِّ جهة، فهي فوائد علمية نقلها الناسخ عن جمهرة من أهل العلم والفضل، منهم: الشافعي في «الأم» و «البُوَيْطي» و «عيون المسائل»، أو أصحاب التعاليق
стр. 292
والشروح على الكتاب، مثل للشيخ أبي حامد في «التعليقة»، والبندنيجي، والشيخ أبي إسحاق الإسفراييني في «التعليقة»، والماوردي في «الحاوي»، وابن الصباغ في «الشامل»، والقاضي الحسين في «التعليقة»، وإمام الحرمين في «النهاية»، وقد ينقل عن بعض كتب التفسير: الواحدي والبيضاوي وأبي القاسم هبة الله المفسِّر، وفخر الدين الرازي، وعن كتب الحديث وشروحه: مسلم، والترمذي، وابن ماجه، والخطَّابي، وابن المنذر، وابن حزم، والبَيْهَقي، وابن عبدالبرِّ، والمازري، والقاضي عياض، وابن العربي صاحب «القبس»، والحافظ في «فتح الباري»، وجمال الدين العيني، ونقل عن: أبي عبيد، والأزهري، وابن قتيبة في «المسائل»، والجاحظ في «الحيوان»، وإبراهيم الحربي، والمعافى بن عمران، والجوهري في «الصحاح»، والفيروزآبادي في «القاموس»، والصلاح الصفدي، وعن كتب الفقه: ابن القاص في «التلخيص»، والغزالي، وأبي حاتم القزويني، وصاحب «التتمة»، والرافعي، والنووي، والإسنوي، و «الذخائر»، ومجلي القاضي، والجيلي في «الإعجاز»، وأفضل الله الخونجي، والتقي والتاج السُّبْكيان، والقرافي المالكي، وابن تيمية الحنبلي، رحمة الله على الجميع.
وهذا في الجملة دليل على عناية صاحب النسخة بالعلم والمعرفة، بل على سعة اطلاعه وعُلُوِّ كعبه، لكنه أساء في حال المقابلة بعدم تمييزه بين النسخ التي قابل عليها الكتاب أولًا، ثم عدم تحديده للروايات ثانيًا، ثم بشطبه على السواد وتغييره في أصل الكتاب ثالثًا، ورابعًا بمحاولته إضافة كل زيادة إلى الكتاب، وقلما تجد اختلافًا بين النسخ غير مسجل على
стр. 293
هوامش هذه النسخة، وليته اكتفى بالمقابلة على نسخة البلقيني، حتى نكون على ثقة بأن تصحيحاته معتمدة على أصله.
ولهذه الأسباب كان عمدتي في هذه النسخة ما أثبته في أصل النسخة أولًا، ثم أستأنس بتصحيحاته المبنية على مقابلاته للترجيح بين النسخ التي عندي.
المخطوطة الثالثة: نسخة المكتبة الأزهرية (رقم: ٤٢٣٦١) المرموز لها بحرف الزاي (ز) برواية ابن خزيمة.
هذه النسخة جميلة الخط، ونسبتها إلى ابن خزيمة لا تعدو ذكر الإسناد المجرَّد، فليست فيها استدراكاته الكثيرة التي وردت في هامش نسخة (س)، كما أنها ليست دقيقة من جهة الضبط، وفيها السَّقْط والتحريف أيضًا.
وطرتها: «هذا مختصَر المُزَني ﵀ في فقه الشافعي ﵀، آمين، عدة كراريسه: أحد وثلاثون كراسًا»، وفي آخره: «تمَّ جميع المختصَر بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه أحمد بن عثمان بن علي بن محمد بن مجاهد الأنصاري».
ليس فيه ذكر لتاريخ نسخ ولا أصل مقابلة، والنسخة في الجملة أحسن حالًا من نسخة (ب) الآتية.
المخطوطة الرابعة: نسخة المكتبة الأزهرية (رقم: ٥٧٠٤) المرموز لها بحرف الباء (ب) برواية الحسن بن محمد بن يزيد عن شيخيه ابن عاصم وإبراهيم بن محمد.
وهذه النسخة سيئة الخط كثيرة السقط والخطأ، ومتأخِّرة النسخ، لكنها احتفظت باستدراكات راويَيْه إبراهيم بن محمد وابن عاصم على المُزَني، وفيها كذلك بعض زيادات غير مسنَدة عن كتاب «الأم» للشافعي، وفي أولها: «هذا مختصَر الإمام أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن
стр. 294
عمرو بن إسحاق المُزَني صاحب الإمام الشافعي ﵄، المتوفَّى بمصر لِسِتٍّ بَقِين من رمضان سنة ٢٦٤ عن تسع وثمانين سنة، ودُفِن بالقرب من تُربة الإمام الشافعي، نبَّه عليه كاتبه أحمد بن عمر .... الأزهري، ١٠ صفر ١٢٢٣».
المخطوطة الخامسة: نسخة دار الكتب المصرية (رقم: ١٩٦٩) المرموز لها بحرف الباء مع الرقم (ب ٢) برواية الحسن بن محمد بن يزيد عن شيخيه ابن عاصم وإبراهيم بن محمد.
وهي نسخة متأخِّرة، كتب ناسخها في آخرها: «كان الفراغ من نسخ هذا الكتاب في عصر يوم الجمعة المبارك الموافق ثمانية عشر يومًا خلت من شهر جمادى الأولى من شهور عام سنة ألف وثلاثمائة وعشرين من هجرة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، بقلم الفقير إلى الله تعالى الكريم محمد بن أحمد بن مصطفى الشهير بالحكيم، غفر الله له ولوالديه ومن نسخ على ذمته ولجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين، آمين».
ويظهر أن هذه النسخة نُسِخت من نسخة (ب) ثم قوبلت على نسخة (س) وذكرت فروقها في هامشه، فلم تقدِّم كبير قيمة في تصحيح النص، اللهم إلا مواطن يسيرة استعنت بها في قراءة نسخة (ب)، وأظن أن هذه النسخة هي أصل نسخة «المختصَر» المطبوعة في هامش «الأم»، حيث إنها طُبِعت في عام (١٣٢١ هـ)، بعد عام واحد من نسخ هذه، والتوافق بينهما كبير، ومن أهمها ما فعلوا في قول «المختصَر» (ف: ١٤): «ولا تُجزئ طهارةٌ مِنْ غُسلٍ، ولا وضوءٍ، ولا تيممٍ، إلا بنيةٍ، واحتَجَّ على مَنْ أجاز الوضوءَ بغيْرِ نِيَّةٍ بقولِه: لا يجوز التيمُّم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟!»، فألحق بهامش نسخة (ب ٢) حديث النية، وزِيد في أصله الواو قبل قوله: «لا يجوز» ليصير النصُّ: «بقوله ﷺ : إنما الأعمال
стр. 295
بالنيات، ولا يجوز التيمم … »، ولا وجود لهذا في أي واحد من النسخ إلا النسخة المشار إليها، ثم مطبوعة بولاق بهامش «الأم»، وهو مع تقارب تاريخ النسخ والطبع دليل قاطع على أن مطبوعة بولاق اعتمدت هذه النسخة (ب ٢).
الحديث عن فروق النسخ والضبط:
وأخيرًا اتبعت في تصحيح النص طريقة النص المختار؛ ذلك أن أيًّا من النسخ المشار إليها لا يمكن أن تمثل الأصل المعتمد بالكلية، ولم تسلم أي واحدة منها عن السقط والتحريف، ولو جاز الاعتماد على نسخة واحدة منفردة لجاز على نسخة الظاهرية، فهي الأدقُّ كما قلت، ثم لم أثبت في هوامش الكتاب إلا المهم من فروق النسخ، وهي فروق كثيرة مسجَّلة عندي على نسختي الورقية للكتاب، وليس لها كبير أثر على معنى النصِّ وفقهه.
وسلكت طريقة مطَّردة عندي فيما يتعلق بالنصوص الزيادات في النسخ، فأثبت في أصل الكتاب جميع الزيادات الواردة في النسخ إذا كانت عن المُزَني، وأثبتها في الهامش إذا كانت من قبيل زيادات الرواة والنساخ على المُزَني، لم أخالف هذه القاعدة في أي موضع إن شاء الله.
وحاولت كذلك أن أضبط كامل الكتاب ضبطًا إعرابيًّا؛ ذلك لأن المتفقِّهين بسبب من قلة عنايتهم باللغة يجري على ألسنتهم الكثير من اللحن والتحريف، والنص المقصود بالتحقيق لا شك فوق أنه نصٌّ فقهي فهو كذلك نصٌّ أدبي باعتبار جلالة الشافعي في علم اللغة، فأردت أن يكون الكتاب بالصورة التي أخرجها إن شاء الله مثقفًا للمتفقه على النطق الصحيح، وأسأل الله السداد.
стр. 296
وجعلت نص الكتاب على فقرات مرقَّمة، اعتمدت فيها على شراح الكتاب ووجوه الأصحاب في فهمه وكذلك روابط النص، ولا يخفى أن تفقير النص أمر اجتهادي لا مناصَ فيه من الخطأ، وأرجو مع ذلك أن أكون وُفِّقت في ذلك إلى درجة كبيرة.
وأمَّا التعليق على النص ..
فقد عنيت فيه بأمور:
أولها - فوائد النسخ التي صححت الكتاب عليها، وهي زيادات الرواة على المُزَني، ابن جوصا وابن خزيمة والهروي وإبراهيم بن محمد وابن عاصم، والزيادات الواردة في نسخة (ب) عن كتاب «الأم»، وتعليقات البلقيني على نسخته.
وثانيها - التعليق على مسائل الوهم والإشكال التي أُخِذت على المُزَني في اختصاره، فأعلق عليها بخلاصة كلام من غلطوه أو أوَّلوا كلامه على موافقة الصحيح في المذهب، وآتي بما يَحُل التعقيد والإشكال، وأذكر المهم من اختلاف الأصحاب فيه، وأبين الأصح من مذاهبهم والصحيح، كل ذلك بأخصر ما يسعفني البيان من العبارة.
وثالثها - التعليق على مسائل القولين والنقل والتخريج، ببيان وجههما والمعتمد منهما، وضمنت هذه التعليقات إفادات مهمة وإشارات إلى دقائق الاجتهاد المذهبي تساعد القارئ لدرك حركة التخريج الفقهي وتصرف الأصحاب في فهم كلام الإمام.
ورابعها - الربط بين الأشباه والنظائر بالإشارة إلى أرقامها في مواردها من الكتاب، فحيث يذكرها المُزَني في الأصل أشرت إلى الرقم بجوار نصه (ف: … )، وإن لم يورد النص وأشار إليه علقت عليه في الهامش وذكرت
стр. 297
رقمه، بما يمكن القارئ الكريم من جمع أطراف المسائل والنظر فيها نظرًا كليًّا إذا نشط له.
وخامسها - شرح غريب الكتاب، ولا يخفى أن منشأ مفهوم غريب اللغة هو بُعد الشقة بين المتكلم والكاتب وبين القارئ والسامع، سواء كانت الشقة طول الزمن أو اختلاف الرتب، وكتاب المختصَر كما نبهت إليه سابقًا بيننا وبينه مدة اثني عشر قرنًا من الزمان، ثم إنه كلام الشافعي، ولا يَخْفَى سعة قاموس اللغة عنده، ثم إن مفردات اللغة قد تتطوَّر معانيها فيكون ذلك سببًا في اللبس، وفي الكتب الفقهية يكون ذلك سببًا للخطأ في أحكام الله، ومن هنا كانت الحاجة لشرح غريب الكتب الفقهية عامة، وغريب المختصَر خاصة، والذي يهم من ذلك بالدرجة الأولى والمقصودة عندي بالقصد الأول أنواع من المفردات:
أهمها: التأكيد على لغة الشافعي والدفاع عنه في الكلمات التي نسب فيها إلى اللحن أو العامية، فقد استهدفه أبو بكر بن داود بن علي الظاهري في لغته ونسبه إلى صنوف من اللحن، أثار بذلك على نفسه حمية الشافعية فصار غرضًا لهم في كافة كتبهم اللغوية والفقهية، وأفردها بالبحث والتأليف الإمام البَيْهَقي في كتابه «الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة».
ومما عُنيت به في مفردات اللغة عند الشافعي توجيه ما بين اختلاف النسخ، سواء كان ذلك بقصد الترجيح بينها أو الجمع.
وقد أجد الشافعي أو المُزَني شَرَحَا شيئًا من الغريب، فأؤكد شرحهما بما أورده من أهل اللغة وإن كانا رحمهما الله في مقدمتهم.
وعُنيت كذلك باختصار كتابي الأزهري وابن فارس بما يغني المعتني بالكتاب عن اصطحاب كتابيهما وتتبع المفردات فيهما، حيث أعلق
стр. 298
بخلاصة كلامهما في مورد الكلمة من الكتاب، ثم إذا تكرَّر ذلك في سائر موارده يستطيع القارئ أن يراجعها من خلال المعجم الخاص في قسم الفهارس.
وقد ينتقد بعضهم عملي هذا ويراه من إدخال كتاب في كتاب، فأقول له: هو رأي ارتأيته بعد طول مزاولة وتردُّد، راعيت فيه قضية إمكان الاستغناء بنسختي من المختصَر عن المعاجم وكتب شرح الغريب، ثم إن الناس يختلفون في مداركهم وحاجاتهم، وهم في أيامنا منصرفون كلية عن قراءة المعاجم، فلا عليهم أن يقرأوا ما أثبته في هوامش الكتاب على نسقه حتى يكون قد أنجز جزءًا لا بأس به من مادة اللغة مع مادته الفقهية، والله أعلم.
الكلام على تخريج أحاديث «المختصَر»:
وأخيرًا لا يفوتني التعليق على قضية الأحاديث والآثار في مختصَر المُزَني، فهي على أنواع ثلاثة:
النوع الأول: أحاديث وآثار يخرجها المُزَني عن طريق الشافعي مسندة، وأغلب ما يكون ذلك في أوائل الأبواب الفقهية، وهي أحاديث تمثِّل أصل الباب وعمدته، فهذه الأحاديث في الحقيقة مخرجة بأسانيدها، والواجب تجاهها هو بيان حكمها صحةً وضعفًا بالطرق المعروفة لدراسة الأسانيد، أمَّا تخريجها عن كتب السنن فليس في رأيي منهجًا صحيحًا مقبولًا، اللهم إلا لنكتة إسنادية أو ضرورة للحكم على الحديث، وإلا فالشافعي بإسناده أعلى إسنادًا من غالب أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد.
стр. 299
النوع الثاني: أحاديث وآثار معروفة عن الشافعي وذكرها المُزَني محذوفة الأسانيد للاختصار، وهذه يجب التعرُّف على أسانيدها وتخريجها عن طريق المُزَني عن الشافعي بإسناده المعروف إن أمكن، وإن تعذَّر ذلك فتخرج عن الشافعي بواسطة سائر أصحابه من أقران المُزَني، ثم يعنى ببيان حكمها صحةً وضعفًا.
النوع الثالث: أحاديث وآثار زادها المُزَني على الشافعي ويرويها بإسناده عن بعض شيوخه، وغالبها في الكتاب مسندة.
وأنا لم أُعْنَ بتخريج أيِّ نوع من هذه الأحاديث على خلاف المعتاد عند المعتنين بإخراج الكتب؛ ذلك لأن كتاب «معرفة السنن والآثار» للبَيْهَقي يشبه أن يكون تخريجًا للكتاب، بل هو تخريج له، فمن السهل للمعتني بأحكام الأحاديث والآثار مراجعته، وليس التخريج بالأمر الهيِّن كما قد يتوهَّمه المتوسِّعون فيه، فإمَّا أن يعطى حقه كما يجب، أو يترك لأهله القائمين به حق القيام، بَيْدَ أني لم أغفل التنبيه إلى بعض الفوائد المتعلقة بالأحاديث حين أجد التنبيه مهمًّا ولازمًا لتصحيح النص.
وأمَّا الفهارس ومفاتيح الفوائد ..
فصنعت منها: فهرس الآيات، وفهرس المسائل والاستدراكات، وهي: مسائل الإجماع التي ذكرها الشافعي، ومسائل الإجماع التي ذكرها المُزَني، ومسائل الجمع والفرق، ومسائل علق الشافعي القول فيها على صحة الخبر أو ضعفه، ومسائل يستخير الله الشافعي فيها، مسائل تكلم الناس على نقل المُزَني فيها، واستدراك ابن جوصا راوي نسخة (ظ)، واستدراكات إبراهيم بن محمد الراوي الأول لنسخة (ب)، واستدراكات أبي عبدالله محمد بن عاصم الراوي الثاني لنسخة (ب)، واستدراكات من
стр. 300
«الأم» في نسخة (ب)، واستدراكات ابن خزيمة من هامش نسخة (س)، واستدراكات الهروي من هامش نسخة (س)، وتعليقات البلقيني من هامش نسخة (س)، وفهرس حروف اللغة على أسلوب الشافعي، وصنعت كذلك معجمًا لمفردات اللغة المشروحة، وفهرسًا للشعر الوارد في أصل الكتاب على قلته، وفهرسًا للكتب والأبواب.
رجاء واعتذار
وأخيرًا لا أقول بأني وفيت الكتاب حقَّه كما يجب، لكني أرجو أن أكون سدَّدت وقاربت، ورحم الله امرءًا نظر بعين العذر وأصلح العيب ونصح للكتاب والكاتب، وأسأل الله رب العرش العظيم أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه، وينفعني به والمعتنين بعلوم الدين، ولا حرمني الله - جل وعزَّ - صالح دعوات الكرام.
следующие страницы →