Полный текст (1 788 стр.). Показаны 226–265 · переход к 231.
стр. 226
طريقة المُزَني في «المختصَر» إذا خرج على أصل الشافعي، والله أعلم.
وأما الترجيح بين القول المنصوص والمخرج .. فقال ابن الصلاح: «الظاهر أن الذي نصّ عليه منهما يقدم، كما يقدم ما رجّحه من القولين المنصوصين على الآخر؛ لأنه أقوى نسبة إليه منه، إلا إذا كان القول المخرج مخرجًا من نصّ آخر لتعذّر الفارق» (١)، وقال: «وإذا اختار أحدهم القول المخرج على القول المنصوص، أو اختار من القولين اللَّذَيْن رجح الشافعي أحدهما غير ما رجحه .. فهو من قبيل اختيار أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أدَّاه اجتهاده إليه» (٢).
وسأتكلم عن التخريج ووجوهه في باب خاص به.
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٧) ونحوه في «المجموع» للنووي (١/ ١١١).
(٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٩٠)، ونحوه في «المجموع» للنووي (١/ ١١٠).
стр. 227
باب التخريج واختلاف الوجهين
ونذكر فيه: تعريف التخريج ووجوهه، ونسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي أو إلى المذهب، ووجوه اختلاف الأصحاب في التخريج، وذكر اجتهادات الأصحاب المفردة.
تعريف التخريج ووجوهه
التخريج: استنباط حكم ما لا نصَّ للإمام فيه بإلحاقه بمنصوصه أو قواعده أو أصوله (١).
فتبيَّن أن التخريج باعتبار أصله ثلاثة أوجه جامعة تتفرَّع إلى خمس مراتب (٢):
الوجه الأول: التخريج على نصوص الإمام في المسائل المعيَّنة، وهو على مرتبين:
أولهما: أن يخرج من نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة إلى مثلها المساوية لها، من غير فرق ولا نصّ يعارضه، قال الشيخ تقي الدين السُّبْكي: «وهذا أقوى ما يكون من التخريج» (٣).
وثانيهما: أن يخرج من نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة وله في نظيرها نصّ يخالفه، فيكون ما نصَّ عليه قولًا منصوصًا، وما استخرجه قولًا مخرجًا، ويقول: «قولان بالنقل والتخريج»، وشرطه ألا يجد بين المسألتين فارقًا، ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له التخريج، ومن الأصحاب من
_________
(١) هذا التعريف استنبطته من كلام كل من ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤٢)، والنووي في مقدمة «المجموع» (١/ ١٠٧).
(٢) أخذت هذه التفريعات من كلام الشيخ تقي الدين السُّبْكي في «قضاء الأرب» (ص: ٤١٠ - ٤١٤).
(٣) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١١).
стр. 228
يتكلف فرقًا في جميع الأحوال، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة ثانية في التخريج» (١)، قلت: تكلمنا عليها في أواخر الباب الأول.
الوجه الثاني من وجوه التخريج: التخريج من قواعد الإمام الفقهية، بألا يكون للإمام نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة، ولكن تكون له قواعد مذهبية ونصوص مختلفة في مسائل يؤخذ منها قاعدة كلية تدل على حكم في مسألة لم يوجد فيها له نصّ، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة ثالثة، وقد تكون أقوى من الثانية إذا ظهر الفرق في الثانية ولم يظهر في هذه، وهو يزاحم الأولى، وقد يربو عليها؛ لأن الأولى من مسألة واحدة، وهذه من مسائل شتَّى، فقد يكون باجتماعها يقوى على ما يؤخذ من تلك الواحدة» (٢).
ومن أمثلة القواعد التي لها أثر بارز في الأبواب الفقهية: اليقين لا يزول إلا باليقين (ف: ٢٣٥٩، و ١٠٧٦)، الرخصة لا تكون لعاصٍ (ف: ٣٨٨)، التأقيت لا يدرك إلى بخبر (ف: ٣٠٣، و ٢٤٢٠)، كل من أفسد شيئًا ضمن قيمة ما أفسد خطأً أو عمدًا (ف: ٢٧٢٣)، وقاعدة تفريق الصفقة (ب ١٣٢)، وقاعدة عود الحنث (ف: ٢٧٦٩)، وهناك كتب مؤلفة في شرح القواعد الفقهية عند الشافعي يسهل مراجعتها.
الوجه الثالث: التخريج على قاعدة الإمام في أصول الفقه، إذا لم يجد المخرج شيئًا من نصوص الإمام وقواعده الفقهية، ثم هو باعتبار أصوله على مرتبتين:
أولهما: أن يجد دليلًا شرعيًّا جاريًا على أصل من أصول الشافعي الذي قرَّره في أصول الفقه نصًّا، فيخرج الفرع على أصل منصوص
_________
(١) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١١).
(٢) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢).
стр. 229
للإمام، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة رابعة» (١).
وثانيهما: أن يجد دليلًا شرعيًّا جاريًا على أصل من جنس ما يقول به الشافعي، وإن لم يكن له نصّ في ذلك الأصل، فيخرج الفرع على أصل مخرج من نصوص الشافعي في الفروع المختلفة، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة خامسة» (٢).
وإطلاق القول بالتخريج على أصول الشافعي بعيد عن حقيقة التخريج، لأن أغلب أصول الفقه قطعية وعامة بين المذاهب الفقهية لا خصوصية للشافعي بها، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن المقصود بأصول الشافعي بعض الجزئيات الأصولية التي تدخل تحت الكليات القطعية، وعلى سبيل المثال:
من الأصول القطعية في الأصول حجية العموم، وأن الخاص مقدم عليه في حال التعارض، ولكن اختلفوا في تقديم القياس على الخاص على العموم، والشافعي يرى تقديم العموم على القياس على الخاص، فهذا من أصوله (ف: ١٠٠٩).
ومن الأصول القطعية الاحتجاج بكل من المطلق والمقيَّد، وأن المقيَّد مقدَّم على المطلق في حال اتحاد الحكم والسبب، لكن اختلفوا في حال اختلاف السبب، وأصل الشافعي الحمل (ف: ٢٤٧١).
ومن الأصول القطعية قبول خبر الواحد الثقة، واختلفوا في قبول زيادته التي تفرَّد بها عمَّن شاركه في أصل الحديث، وذهب المُزَني إلى أن أصل الشافعي القبول (ف: ١٥٩).
_________
(١) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢).
(٢) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢).
стр. 230
هذه أمثلة الأصول التي تعتمد في التخريج كما ظهر لي، وهذه جملة وجوه التخريج، وقد جمعت أصولها في التعريف، وإذ فهمنا حقيقة التخريج ووجوهه فلا يخفى سعة أسباب اختلاف الأصحاب فيه، فما هي نسبة هذه التخريجات إلى الإمام الشافعي أو مذهبه؟ وما وجوه الاختلاف فيها؟ أقول:
نسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي
أمَّا نسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي .. فالمرجع فيه إلى النظر في قرب التخريج من نصّ الإمام وبعده، واصطلحوا في بيانه على التفريق بين قسمين منها:
القسم الأول: الأقوال المخرجة، وهي تخريجات الأصحاب على نصوص الإمام في المسائل الجزئية، فيخرجون في المسألة قولًا مخرجًا، أو قولين مخرجين، وقد يكون للإمام في المسألة قول منصوص فيخرجون له آخر مخرجًا، ولا يصح ما قد يُفهم من كلام ابن الصلاح من تخصيص مصطلح «القول المخرج» بصورة النقل والتخريج فقط (١)، فذكر القولين كلاهما مخرج منتشر في كتب الفقه لا مجال لإنكاره.
ثم في نسبة هذا إلى الإمام الخلاف السابق في مسألة النقل والتخريج، وقد بيَّنَّا أن الأصحَّ قول الشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي بعدم نسبته إلا مقيدًا، وقال الشيخ السُّبْكي: «لا ينبغي أن يقال: (قال الشافعي) إلا لما وجد منصوصًا له» (٢).
_________
(١) انظر كلام ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤٥) حيث شرط لإطلاق القول المخرج وجود نصّ بخلافه.
(٢) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).
стр. 231
القسم الثاني: الوجوه، وهي تخريجات الأصحاب على قواعد الإمام وأصوله (١)، فيقولون: «المسألة على وجهين»، أو: «ثلاثة أوجه» فصاعدًا، وهذه لا تنسب إلى الإمام الشافعي قولًا واحدًا (٢)، قال الشيخ السُّبْكي: «نعم إنه مقتضى قول الشافعي، أو من مذهبه، بمعنى أنه من قول أهل مذهبه، والمفتي يُفتي به إذا ترجَّح عنده؛ لأنه من قواعد الشافعي» (٣).
ومما يجب أن يتنبَّه له أن التمييز بين الأقوال المخرجة وأوجه الأصحاب ليس دقيقًا، والتمييز الذي ذكروه في رأيي تمييز جملي مجمل مرجعه إلى قرب ما بين القول المخرج والنص المخرج منه، وإلا فالكثير من تخريجات الأصحاب من نصوص الإمام الجزئية تُعتبر أوجهًا لهم، وقد قال الرافعي: «إذا لم يكن القولان منصوصين فكثيرًا ما يعبَّر عنهما بالوجهين» (٤)، وهذه ظاهرة منتشرة في كتب الفروع، وهو السبب في اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب قولين أو وجهين.
نسبة تخريجات الأصحاب إلى المذهب
وأمَّا نسبة تخريجات الأصحاب إلى المذهب .. فينبغي التفريق بين العبارات الثلاثة: «قال الشافعي»، و «مذهب الشافعي»، و «مذهب الشافعية»، فلا ينبغي أن يقال: «قال الشافعي» إلا لما وجد منصوصًا له كما سبق.
وأما عبارة «مذهب الشافعي» .. فذكر الشيخ السُّبْكي أنه لا يقال ذلك
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٥)، ومقدمة «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧).
(٢) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).
(٣) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).
(٤) انظر «العزيز» للرافعي (١/ ٧٩٢).
стр. 232
إلا لما جمع أمرين: أحدهما - أن يكون منصوصًا له، والثاني - أن يكون قال به أصحابه أو أكثرهم (١).
ويرد عليه ثلاث صور:
الصورة الأولى: ما اتفقوا عليه ولم يعلم هو منصوص له أو لا، فقال الشيخ السُّبْكي: «يسوغ اتباعهم فيه، ويسهل نسبته إليه؛ لأن الظاهر من اتفاقهم أنه قال به» (٢).
قلت: والظاهر أن ذلك نظرًا لانتشار كتب الشافعي وعدم اجتماعها كلها عند أحد من الأصحاب، فيكون اتفاقهم على قول الشافعي في المسألة دليلًا على وجوده في منصوصاته وإن لم نطلع نحن عليه.
الصورة الثانية: ما كان منصوصًا للشافعي وقد خرج عنه الأصحاب، إمَّا بتأويل، وإمَّا بغيره، قال الشيخ السُّبْكي: «فلا ينبغي أن يقال: (إنه مذهب الشافعي)؛ لأن تجنيب الأصحاب له يدل على ريبة في نسبته إليه» (٣).
قلت: وقد يشكل في النظر الأول ردّ نصّ الإمام بناءً على تخريجات الأصحاب، لكن لا إشكال في ذلك بعد النظر والتأمل؛ ذلك أن الأصحاب اتخذوا التخريج وسيلة لنقد المرويِّ عن الإمام، وذلك لأن الإمام الشافعي بنى مذهبه على اطراد الأصول، فلا يحتمل فيه رد الأصول بناءً على نصٍّ في فرع يمكن تأويله، ولهذا قال إمام الحرمين: «صحة المذاهب وفسادها بالتفريعات» (٤)، وقال: «التفاريع محنة الأصول، بها يبين فسادُها
_________
(١) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).
(٢) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).
(٣) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).
(٤) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٦/ ٤٢٠).
стр. 233
وسدادُها» (١)، يقصد بـ «الأصول» هنا الأصول المخرجة من نصوص الشافعي، فإذا ثبت أصل للتخريج في جملة نصوصه، ثم خالفه نصّ تدل على أصل آخر للتخريج لا يطَّرد في التفريع، قيل بالأصل المطَّرد، وتؤول النص المخالف له، قال ابن سريج: «متى عرف من أصول الشافعي شيء وذكره فى كتبه .. عمل به، فمتى وجد فى كتبه غير ذلك .. يؤول، ولم ينزل على ظاهره؛ لئلا يُعد قولًا آخر له» (٢).
وقال إمام الحرمين: «ومما يجب أن يعتقده من ينتحل مذهب الإمام المطلبي أنه يبني فرعه على أصول الشريعة، وقد صحَّ في منصوصاته أنه قال: إذا بلغكم عني مذهب، وصحَّ عندكم خبر على مخالفته، فاعلموا أن مذهبي موجَبُ الخبر، والظن به أنه لو زلَّ قلم ناسخ عنه عن أصلِ أنَّ مذهبه موجَبُ الأصل، وما نُقل محمول على تحريف أو غفلة» (٣)، وقال: «واختصاص مذهب الشافعي بإمكان التفريع سببُه التزامه الجريانَ على الأصول، فإذا فرض حَيْدٌ اضطرب تفريع المذهب، ولم يحتمل مذهب الشافعي ما يحتمله غيره من المسالك المبنية على الميل عن الأصول» (٤).
الصورة الثالثة: ما اتفق عليه الأصحاب، وقالوا: «إنه ليس بمنصوص»، قال الشيخ السُّبْكي: «فيسوغ تقليدهم فيه، ولكن لا يطلق: (إنه مذهب الشافعي)، بل: (مذهب الشافعية)» (٥).
_________
(١) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٤/ ٣٤٠).
(٢) انظر ترجمة ابن سريج في «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي.
(٣) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٩/ ٣٨٩).
(٤) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (٧/ ٤٩٨).
(٥) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).
стр. 234
وجوه اختلاف الأصحاب في التخريج
وأمَّا وجوه اختلاف الأصحاب في مسائل التخريج .. فجملتها على قسمين رئيسين (١):
أحدهما: أن يتردَّد الفرع بين أصلين مفردين، فيخرجه بعض الأصحاب على أحد الأصلين، ويخرجه آخرون على الأصل الآخر، ولا يبنى على قولين منصوصين، ولا وجهين قديمين، قال الشيخ أبو محمد الجُوَيْني: «فهذا يكثر» (٢).
والقسم الثاني: أن تبنى المسائل بعضها على بعض؛ لاجتماعها في مأخذ واحد، ويكون المأخذ في الأصل أقوى منه في الفرع، فيكون ذلك سببًا للاختلاف في حكم الفرع، مع اتفاقهم في أصله، ثم هو على صور: فقد يكون الأصل مجزومًا بحكمه، ويختلفون في الفرع على وجهين فصاعدًا لضعف المأخذ فيه، وقد يكون للإمام في الأصل قولان منصوصان، فبني الفرع على القولين في الأصل، وقد يكون الأصل قاعدة مستنبطة من نصوص الإمام في المسائل الجزئية اختلف أوجه الأصحاب فيها، وينبني على خلافهم في القاعدة الخلاف في الفرع.
قال الزركشي: «وأحسن شيء فيه كتاب (السلسلة) للجُوَيْني، وقد اختصره الشيخ شمس الدين بن القماح»، قال: «وقد يقوى التسلسل في بناء الشيء على الشيء، ولهذا قال الرافعي: (وهذه سلسلة طولها الشيخ)» (٣).
_________
(١) استنبطتهما من مقدمة أبي محمد الجويني لكتاب «السلسلة» (١/ ١١١ - ١١٢)، ومن كلام الزركشي في كتاب «المنثور في القواعد» (١/ ٦٩ - ٧٠).
(٢) انظر «السلسلة» لأبي محمد الجُوَيْني (١/ ١١١).
(٣) انظر «المنثور في القواعد» للزركشي (١/ ٦٩).
стр. 235
ذكر اجتهادات الأصحاب المفردة
قال النووي وهو بصدد الحديث عن الأوجه لأصحاب الشافعي المنتسبين إلى مذهبه أنهم «يخرجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله» (١)، فاستشكل عليه ذكر اجتهادات الأصحاب خارج إطار التخريج على الأصول والقواعد ضمن الأوجه، وهو لا شكَّ مشكل.
فإن ظاهر قوله: «ويجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله» يوهم أنه يُعَدُّ من المذهب مطلقًا، قال التاج ابن السُّبْكي: «وليس كذلك، بل القول الفصل فيما اجتهدوا فيه ولم يأخذوه من أصله أنه لا يُعَدُّ، إلا إذا لم يُنافِ قواعد المذهب، فإن نافاها لم يُعَدّ، وإن ناسبها عُدَّ، وإن لم يكن فيه مناسبة ولا منافاة ففى إلحاقه بالمذهب تردُّد» (٢).
كذا قال، ومضمونه تقسيم اجتهادات الأصحاب إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: اجتهاداتهم المنافية لقاعدة المذهب، ولا تُعَدُّ من المذهب على قوله، لكن يرد عليه أن الاجتهادات لا خصوصية لها بذلك، بل إن تخريجات الأصحاب المنافية لقاعدة المذهب لا تُعَدُّ من المذهب، وهذا الربيع من جلة أصحاب الشافعي نقل عنه تخريج قول بوجوب كفارة اليمين عن نذر المعصية، فقال الماوردي: «هذا التخريج من الربيع، ليس بقول للشافعي، وإنما قاله تخريجًا عن نفسه؛ لأن غيره لم يحكه عنه، ولا وجد في شيء من كتبه، ولا تقتضيه أصول مذهبه، وكان الربيع إذا ألزم
_________
(١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٤).
стр. 236
شيئًا قال: (وفيه قول آخر)؛ لقصوره عن الانفصال عنه، وإنما يؤخذ بروايته دون تخريجه» (١)، ونقل عنه في مسألة «أنت طالق الشهر الماضي» أنه لا يقع الطلاق، فقال إمام الحرمين نقلًا عن الأئمة: «هذا من تصرُّف الربيع وتخريجه، وتصرُّفُه إذا لم يوافق قاعدة المذهب مردود، والمقبول منه منقولُه، لا مَقُوله» (٢).
القسم الثاني: اجتهاداتهم التي تناسب قواعد المذهب، فهذه تُعَدُّ من المذهب على قول ابن السُّبْكي، لكن يُرَدُّ عليه أن هذه من قبيل التخريج على قواعد الإمام، وقد ذكرناه في وجوه التخريج.
القسم الثالث: اجتهاداتهم التي لا تناسب قواعد المذهب ولا تنافيها، ففي هذه الاجتهادات تردد على حسب ابن السُّبْكي، قال: «وقد لا يكون لذلك وجود؛ لإحاطة المذهب بالحوادث كلها» (٣)، قلت: قد تبيَّن أن هذا القسم هو محلُّ البحث والنظر، فإذا كان موضع تردد عند ابن السُّبْكي بقي الإشكال في كلام النووي على ما كان عليه.
وقد سئل عن هذه العبارة السُّبْكي الأب الشيخ تقي الدين، فقسم الاجتهاد إلى مراتب ثلاث (٤):
أدناها: رجل قد تكيَّف بمذهب الشافعي وبتصرفاته الفقهية والأصولية حتى صارت له مزاجًا، ثم يجد مع ذلك دليلًا شرعيًّا، فيقول به فيما لم يجد فيه نصًّا للشافعي، قال الشيخ السُّبْكي: «ومن يكون كذلك تجده يدرك
_________
(١) انظر «الحاوي» للماوردي (١٥/ ٥٠١).
(٢) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٤/ ١١٦).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٤).
(٤) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ١١٢).
стр. 237
مراد الشخص فيما لم يصرح به»، وجعله رتبة سادسة إلى مراتب التخريج السابقة، قال: «وفي جميعها تقيُّد بالمذهب» (١).
فتعبيره هذا إشارة منه إلى أن هذا النوع من ضمن الاجتهاد المقيَّد بالمذهب الذي ذكره ابن الصلاح (٢).
والمرتبة الثانية: ألا يكون الشخص مقلدًا لإمامه في المذهب ولا في الدليل، وإنما ينسب إليه لكونه سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلى سبيله، فيقول قولًا، قال الشيخ السُّبْكي: «فهو فيه كالمجتهد المطلق، ولكن لانتسابه إلى الشافعي وقدوته بقوله يعد قوله وجهًا».
فهذا عنده رتبة سابعة للتخريج تُضاف إلى المراتب السابقة، وهو مرتبة المجتهد المنتسِب عند ابن الصلاح (٣).
والمرتبة الثالثة: الاجتهاد المطلق الذي لا يسلك فيه طريقة غيره ولا ينتسب إليه، قال الشيخ السُّبْكي: «وهي التي اختلف في إثباتها للمُزَني، حتى إن تفرد لا تُعَدُّ من المذهب» (٤)، قلت: هذا مرتبة المجتهد المستقل عند ابن الصلاح (٥).
والخلاصة أن المرتبة الأولى والثانية عند السُّبْكي من التخريج المنسوب إلى مذهب الشافعية، بخلاف المرتبة الثالثة فهي خارجة عن المذهب، وعليه ينبغي أن يُزاد في تعريف التخريج عبارة: «أو اجتهادًا على طريقته».
_________
(١) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ١١٢).
(٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٢).
(٣) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٠).
(٤) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ١١٢).
(٥) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٣٥).
стр. 238
قلت: أنا متردِّد في هذه النسبة، ولا أراه يصحّ، ويرد عليه إشكالية الفرق بين ما يُعزَى للمذهب من تخريجات الأصحاب وما لا يُعزَى، وما ذكره الشيخ أمور كلها نفسية لا يمكن أن تكون ميزانًا للتمييز، والموجود في كلام إمام الحرمين في «النهاية» النظر إلى عبارة المُزَني، فما قال فيه بأنه قياس قول الشافعي ومعناه أو أصله جعله من قبيل التخريج، وما صرّح فيه برأيه الخاص واختياره جعله من مذهبه الخاص، ويبقى ما أطلقه ولم يصرّح فيه بشيء إلى أيِّ القسمين يُنسَب؟ قال التاج السُّبْكي: «وكل تخريج أطلقه المخرج إطلاقًا، فيظهر أن ذلك المخرج إن كان ممن يغلب عليه التمذهب والتقيُّد كالشيخ أبي حامد والقفال عُدَّ من المذهب، وإن كان ممن كثر خروجه كالمحمدين الأربعة فلا يُعَدُّ، وأمَّا المُزَني وبعده ابن سريج .. فبين الدرجتين، لم يخرجوا خروج المحمدين، ولم يتقيَّدوا تقيُّد العراقيين والخراسانيين» (١).
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٤).
стр. 239
باب حكاية المذهب واختلاف الطريقين
والحديث هنا في تعريف الطرق، وقصة تشكل الطريقين العراقي والخرساني، والطرق داخل طريقي العراقيين والخراسانيين، والجمع بين الطريقتين العراقية والخراسانية، ووجوه اختلاف الطرق في حكاية المذهب، والموازنة بين طريقتي العراقيين والخراسانيين والترجيح.
تعريف الطرق
«المذهب نقل» كما قال إمام الحرمين (١)، نقل لأقوال الإمام ونصوصه، ونقل لتخريجات الأصحاب عليها واختلافهم فيها، والذي يعبر عنها اصطلاحًا بـ «الوجوه»، فهو نقل أقوال الإمام ووجوه أصحابه، وقال إمام الحرمين: «من أعظم الدواهي ما وقع من الخلل في نقل النقلة» (٢)، والخلل في النقل قد يكون خطأً جليًّا، أو أمرًا اجتهاديًّا مختلفًا فيه، وعلى كلا الحالين اختلاف أئمة المذهب وأعلامه في صفة حكاية الأقوال والوجوه هو المصطلح على تسميته بـ «اختلاف الطرق»، فالطرق: «اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم مثلًا: (في المسألة قولان، أو وجهان)، ويقول الآخر: (لا يجوز قولًا واحدًا، أو وجهًا واحدًا)، أو يقول أحدهما: (في المسألة تفصيل)، ويقول الآخر: (فيها خلاف
_________
(١) انظر «النهاية» (١/ ٢٧٩، و ٢/ ٣١٥، و ٥/ ٢٩٢، و ٦/ ٤٠٩).
(٢) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٦/ ٥٧٩).
стр. 240
مطلق)» (١)، قال النووي: «وقد يستعملون الوجهين في موضع الطريقين وعكسه» (٢).
قصة تشكُّل الطرق والطريقين العراقي والخراساني
وذلك أن المتفقِّه الذي ابتعد بثقافته الفقهية عن مصادرها الأولى يجد أن كلمة «الطرق» جمع، وأقله ثلاثة، والمشهور عنده أنهما طريقتان: عراقية وخراسانية، فكيف الجمع؟ أو ما هي قصة الطرق والطريقين؟ فأقول:
حين نقول إن الطرق هو الاختلاف في حكاية المذهب لزمنا الإقرار بوجود الطرق مع وجود المذهب، ومن ثم بقائها ما بقي المذهب أيضًا، فالمُزَني وهو يحكي المذهب لا شك أن له طريقة في الحكاية يتبعها، وكل إمام علم نقل المذهب له طريقة، فكيف ظهرت الطرق وكيف تشكَّلت عراقية وخراسانية؟
للإجابة على هذا السؤال يجب أن نقدم صورة موجزة لما كان عليه الحال قبل ظهور مصطلحي العراقيين والخراسانيين، فأقول:
من المعلوم أن الشافعي ﵀ تُوُفِّي في مصر وخلَّف من بعده تلاميذ جلة تعاقبوا على حلقته، ومن أجلهم وأفقههم وأكثرهم أثرًا في مذهبه: المُزَني بمختصَره، وهو الذي عليه مدار الطرق كلها وإليه مرجع أسانيد الفقه الشافعي.
_________
(١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧)، وانظر «تحفة المحتاج» للهيتمي مع حواشيه (١/ ٤٨).
(٢) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧).
стр. 241
وتفقَّه بالمُزَني الكثيرون من حملة المذهب الشافعي إلى الآفاق، ومنهم: محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١ هـ) ناشر المذهب في نيسابور وبلاد خراسان، وأبو القاسم عثمان بن بشار الأنماطي (ت ٢٨٨ هـ) ناشر المذهب في بغداد والعراق، قال أبو عاصم: «الأنماطي لأهل بغداد كأبي بكر ابن إسحاق لأهل نيسابور، فإنه أول من حمل إليها علم المُزَني» (١).
وهكذا بدأت قصة الأصحاب الشافعية العراقيين والخراسانيين.
بداية الطريقة العراقية:
فأمَّا المدرسة العراقية .. فمدارها على الأنماطي، وتفقَّه به في بغداد أصحاب أجلاء، اشتهر منهم ثلاثة: أبو سعيد الإصطخري (ت ٣٢٨ هـ)، وأبو علي ابن خيران (ت ٣٢٠ هـ)، وأجلُّهم: أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج (ت ٣٠٦ هـ)، الباز الأشهب، والشافعي الصغير، وعليه مدار الشافعية من بعده أصولًا وفروعًا، وله في كل ذلك التعاليق الكثيرة.
وبرز في الطبقة التالية أئمة أجلاء كُثُر، من أجلِّهم: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي (ت ٣٤٠ هـ)، أخذ الفقه أولًا عن عبدان المروزي، ثم سافر إلى العراق وتفقَّه على ابن سريج والإصطخري، وانتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، ومنهم: القاضي أبو علي بن أبي هريرة (ت ٣٤٥ هـ)، تفقَّه على ابن سريج وأبي إسحاق المروزي.
وتفقَّه على أبي إسحاق المروزي: القاضي أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر المروروذي (ت ٣٦٢ هـ)، وأبو زيد محمد بن أحمد بن عبدالله
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ٣٠١).
стр. 242
المروزي (ت ٣٧١ هـ)، وعبدالعزيز بن عبدالله بن محمد الداركي (ت ٣٧٥ هـ)، وعلى الداركي تفقَّه الشيخ أبو حامد الإسفراييني (ت ٤٠٦ هـ) المعروف بشيخ طريقة العراقيين.
وهنا يرد علينا السؤال الطبيعي: أين كانت طريقة العراقيين قبل الشيخ أبي حامد؟ الذي أراه أن الشيخ أبا حامد ليس الذي أسَّس طريقة العراقيين، بل طريقة العراقيين عريقة في القدم قدم المذهب الشافعي نفسه، وقد توارد عليها من الأعلام أمثال ابن سريج وابن خيران وأبي إسحاق، ومن الأدلة على ذلك أمور:
أولها: أن وجود المذهب يستلزم وجود طريقة حكايته، فلا يمكن أن يتأخَّر وجود الطريقة العراقية إلى أواخر القرن الرابع الهجري.
وثانيها: أن ابن السُّبْكي قال: «وقد صار معتمد المذهب على طريقة العراق وحامل لوائها أبي حامد الإسفراييني»، وهذه العبارة تحمل أكثر من دلالة، منها: أن الشيخ أبا حامد شيخ طريقة العراقيين، ومنها كذلك: أن طريقة العراقيين وُجِدت قبل الشيخ أبي حامد، لكنه صار أخيرًا معتمدها وحامل لوائها.
ويؤيِّد ذلك ويدل عليه الأمر الثالث، وهو أن إسناد النووي في الطريقة العراقية ليس فيها الشيخ أبو حامد، وإنما أخذها عن طريق الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، عن القاضي أبي الطيب الطبري، عن أبي الحسن الماسرجسي، عن أبي إسحاق المروزي، ذكر ذلك النووي في أوائل كتابه «تهذيب الأسماء واللغات»، فهذه طريقة عراقية لا صلة لها بالشيخ أبي حامد.
стр. 243
قد تقول: فلماذا نُسبت الطريقة إلى الشيخ أبي حامد؟ فأقول: هذا سؤال وجيه، خاصة مع وجود أمثال ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، والذي يظهر لي في بيان سببه عدة أمور:
أولها: عدم استقرار طريقة الخراسانيين وانتشار ذكره قبل عصر الشيخ أبي حامد كما سيأتي، فحيث لا يوجد إلا طريقة واحدة هي العراقية لا داعي لتمييزه باسم يخصُّه.
ثانيها: خصوصية الشيخ أبي حامد بطريقته في التخريج عمَّن سبقه من العراقيين، قال النووي: «أرسل أبو حامد إلى مصر فاشترى أمالي الشافعي بمائة دينار، حتى كان يُخَرِّج منها» (١).
ثالثها: عظم أثر الشيخ أبي حامد فيمن أتى بعده من الأصحاب، قال النووي: «واعلم أن مدار كُتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعات من الخراسانيين على تعليق الشيخ أبي حامد، وهو في نحو خمسين مجلدًا، جمع فيه من النفائس ما لم يشارك في مجموعه، من كثرة المسائل والفروع، وذكر مذاهب العلماء، وبسط أدلتها، والجواب عنها» (٢).
قلت: ممن كتب عن الشيخ أبي حامد تعليقته القاضي أبو علي الحسن بن عبيدالله البندنيجي (ت ٤٢٥ هـ)، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد ابن المحاملي (ت ٤١٥ هـ)، وأبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي (ت ٤٤٧ هـ)، وأبو نصر أحمد بن عبدالله بن أحمد بن ثابت البخاري (ت ٤٤٧ هـ)، والقاضي أبو علي محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمرو الطوسي (ت ٤٥٩ هـ)، فكثرة من علق عن الشيخ
_________
(١) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي في ترجمة الشيخ أبي حامد.
(٢) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي في ترجمة الشيخ أبي حامد.
стр. 244
أبي حامد مع اختلاف طبقاتهم دليل على عظم قدره وانتشار ذكره وإتقان طريقته وتهذيبه.
الطريقة الخراسانية:
كان أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه (ت ٢٣٨ هـ) إمام أهل خراسان، وقد استنسخ كتب الشافعي واستفاد منها، لكنه لم يكن راوية لها ولا ناشرًا لعلم الشافعي، فابن راهويه إمام مجتهد مثله مثل الشافعي.
وأول مَنْ حمل إلى خراسان مذهب الشافعي ونشر ذكره: أبو الحسن أحمد بن سيار بن أيوب المروزي (ت ٢٨٦ هـ)، من تلاميذ أصحاب الشافعي، وأتى بعده أبو محمد عبدان بن محمد بن عيسى المروزي الجُنُوجِرْدي (ت ٢٩٣ هـ)، قال أبو سعد بن السمعاني: «وعبدان هو الذي أظهر مذهب الشافعي بمرو بعد أحمد بن سيار، فإن أحمد بن سيار حمل كتب الشافعي إلى مرو وأعجب بها الناس، فنظر في بعضها عبدان وأراد أن ينسخها، فمنعها أحمد بن سيار عنه، فباع ضيعة له بجُنُوجِرْد، وخرج إلى مصر، وأدرك الربيع وغيره من أصحاب الشافعي ونسخ كتبه، وأدرك من المشايخ والفقهاء ما لم يدرك غيره وحمل عنهم، ورحل إلى الشام والعراق، وكتب عن أهل مصر، ورجع إلى مرو، وكان أحمد بن سيار في الأحياء، فدخل عليه مسلِّمًا ومهنِّئًا بالقدوم، فاعتذر أحمد بن سيار من منع الكتب عنه، فقال عبدان: لا تعتذر؛ فإن لك مِنَّة عليَّ في ذلك؛ وذلك أنك لو دفعت إليَّ الكتب كنت اقتصرت على ذلك، وما كنت أخرج إلى مصر، ولا كنت أدرك أصحاب الشافعي، ففرح بذلك أحمد بن سيار»، وقال أبو بكر بن السمعاني والد أبي سعد: «وهو أول من حمل مختصَر المُزَني إلى مرو».
стр. 245
وتخرَّج على عبدان في الفقه من المراوزة: أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، أمَّا أبو إسحاق .. فقد ذكرنا أنه سافر إلى العراق وتخرَّج على ابن سريج وابن خيران، فصار بذلك من أئمة العراقيين، وأمَّا الحافظ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١ هـ) .. فهو من أقران عبدان باعتبار الأخذ عن تلاميذ الشافعي وتلميذه من جهة أخرى، وكان يجلُّه جدًّا، ومن إجلاله أنه لمَّا خرج عبدان إلى الحج وبلغ في طريقه نيسابور أخذ محمد بن إسحاق ينفذ إليه برقاع الفتاوى ويقول: «أنا لا أُفتي ببلدةٍ أستاذي فيها»، وابن خزيمة آخر من روى عن المُزَني مختصَره بنيسابور على ما ذكره الخليلي (١)، وعن أبي أحمد محمد بن علي الزُّراري قال: «حضرت مجلس الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبو النضر يقرأ عليه كتاب «المختصَر» للمُزَني، فقال: (وتوضأ عمر من ماء في حِرِ نصرانية … )، فضحك الناس، فقال أبو بكر: لا تخجل يا بُنَيَّ، فإني سمعت المُزَني يقول: سمعت الشافعي يقول: ما ضحك من خطأ رجل إلا ثبت صوابه في قلبه» (٢).
ومن أئمة الخراسانيين بعد ابن خزيمة: أبو بكر أحمد بن الحسين بن سهل الفارسي، تفقَّه على ابن سريج، ومات في حدود سنة خمسين وثلاثمائة، وله كتاب الانتقاد على المُزَني، وكتاب الخلاف معه (٣).
ويلاحَظ على سير هذا التفقُّه عدم الانتظام وعدم الاستقرار، فكل حلقة فيه منفصلة عن الأخرى قائمة بنفسها، ومما يؤكِّد هذا المعنى عدم
_________
(١) انظر «الإرشاد» للخليلي (١/ ٤٣٠).
(٢) أخرجه الحاكم في كتاب «معرفة علوم الحديث» (٤٣٦، رقم: ٣٨٠).
(٣) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٨٤) وابن قاضي شهبة، و «المهمات» (١/ ٢٨١).
стр. 246
اتصال أسانيد الشافعيين عن طريق هؤلاء الأئمة من الخراسانيين، ولعل سبب ذلك سلطان فقه ابن راهويه على أهل خراسان، فهو الإمام الفرد الذي افتخر به قطر الخراسانيين على غرار الإمام أحمد في العراق، والشافعي في مصر، يضاف إليه ما كان عليه ابن راهويه وغيره من تلاميذ أصحاب الشافعي الخراسانيين من الاجتهاد المطلق، فلم يعنوا بتحرير المذهب عنايتهم باستنباط الأحكام الشرعية على حسب ما بلغه علمهم وروايتهم.
ولهذا لمَّا سطع نجم الإمام الزاهد عبدالله بن أحمد بن عبدالله القفال الصغير المروزي (ت ٤١٧ هـ) توجَّه إلى العراق وتخرَّج على أبي زيد المروزي تلميذ أبي إسحاق، ثم عاد إلى خراسان، وعلى يده ظهرت الطريقة الخراسانية.
قال أبو المظفَّر السمعاني في «أماليه»: «طريقته المهدية في مذهب الشافعي التي حملها عنه فقهاء أصحابه من أهل البلاد أمتن طريقة، وأوضحها تهذيبًا، وأكثرها تحقيقًا، رحل إليه من البلاد للتفقُّه عليه، فظهرت بركته على مختلفيه، حتى تخرَّج به جماعة كثيرة صاروا أئمة في البلاد، نشروا علمه، ودرسوا قوله» (١).
ومن عجائب توفيق الله للقفال أنه ابتدأ التعلُّم وهو ابن ثلاثين سنة، وعنه أنه قال: «ابتدأت التعلم وأنا لا أفرِّق بين (اخْتَصَرْتُ) و (اخْتَصَرْتَ)»، قال ابن الصلاح: «أظن أنه أراد بهذا الكلمة الأولى من (مختصَر المُزَني)، وهو قوله: (اختصرت هذا من علم الشافعي)، وأراد أنه لم يكن يدري من اللسان العربي ما يفرِّق به بين ضَمِّ تاء الضمير وفتحها» (٢).
_________
(١) نقله عنه ابن السُّبْكي في «الطبقات» (٥/ ٥٣).
(٢) نقله عنه ابن السُّبْكي في «الطبقات» (٥/ ٥٤).
стр. 247
فلم يزل الجدُّ والإخلاص يعلوان بالقفال حتى صار مهوى أفئدة المتعلمين ومعول «طريقة الخراسانيين»، وقد يسمى بـ «طريقة المراوزة» نظرًا لكثرة المراوزة فيهم (١)، فكان من أصحابه: أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن مسعود بن أحمد بن محمد بن مسعود المسعودي المروزي، تُوفِّي سنة نَيِّف وعشرين وأربعمائة بمرو، وشرح مختصَر المُزَني، ومنهم: أبو محمد الجُوَيْني والد إمام الحرمين (ت ٤٣٨ هـ)، ومنهم: القاضي الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المروزي (ت ٤٦٢ هـ)، ومنهم: الفوراني أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن فوران (ت ٤٦١ هـ)، ومنهم: أبو بكر محمد بن داود بن محمد المروزي، المعروف بالصيدلاني نسبة إلى بيع العطر، وبالداودي أيضًا نسبة إلى أبيه داود، ولا يعرف تاريخ وفاته.
الطرق داخل طريقي العراقيين والخراسانيين
قد يتوهَّم المتفقِّه من كثرة ترداد الطريقين العراقية والخراسانية على الأسماع أنهما طريقان لا ثالث لهما، وهذا غير وارد، فالطرق لا محالة أكثر من اثنتين، وإنما حصرت في العراقية والخراسانية باعتبار المدرسة والسند الفقهي، وإلا فإن جميع أصحاب الوجوه مجتهدون، وكلهم قد يتميَّزون في حكاية المذهب بتحريرات من كَدِّ أذهانهم، وأذكر هنا مثالين:
_________
(١) هكذا قال ابن الملقن في «العقد المذهب» (ص: ٢١٦)، وتوهَّم الأستاذ عبدالعظيم الديب في مقدمة تحقيق «النهاية» (ص: ١٣٤) أن ذلك راجع إلى كبر مدينة مرو ذاتها، ثم انتقد كلام ابن الملقن بإيراد أمثلة مدن خراسانية أكبر من مرو، لكن كثرة المراوزة في الخراسانيين أمر ثابت بغضِّ النظر عن كبر المدينة، بل إن المراوزة كثيرون حتى في العراقيين من أصحابنا، فلا مجال لانتقاد الأستاذ، وإنما نبهت إليه لعظم قدره، ثم لانتشار بحوثه دون نقد بين الناشئة، وقد أتى في بحثه عن الطريقين بمغالطات كثيرة سأنبِّه إلى بعضها.
стр. 248
المثال الأول: القاسم بن القفال الكبير الشاشي صاحب «التقريب» في شرح المختصَر، اعتنى فيه بالأحاديث ونصوص الشافعي وحكاية ألفاظه، وهو من أجلِّ كتب الأصحاب، وبه ازدادت طريقة أهل العراق حسنًا كما قال ابن السُّبْكي (١)، وله طريقة في حكاية المذهب تميَّز بها عن كافة العراقيين، وعُنِي بها إمام الحرمين في «النهاية».
المثال الثاني: الصيدلاني من الخراسانيين، شرح المختصَر في جزأين ضخمين يُسَمَّى عند الخراسانيين بـ «طريقة الصيدلاني»، فهي طريقة خاصة بالصيدلاني داخل إطار أصحابه الخراسانيين، وقد عُنِي بها إمام الحرمين أيَّما عناية، ومن كلامه في كتابه وقد تعقَّب بعض أوهامه: «مجموع الصيدلاني في المذهب معتمد، فما يندر فيه من زلل يوشك أن يعتمد، فأبلغنا في التنبيه لذلك» (٢).
الجمع بين الطريقتين العراقية والخراسانية
وعلى عكس تعدد الطرق في إطار الطريقين تظهر قضية الجمع بين الطريقين المشهورة، فوجب التنويه به وبيان حقيقته، فأقول:
أول من عُرف عنه الجمع بين طريقتي العراقيين والخراسانيين: الحسين بن شعيب بن محمد السِّنْجِي (ت ٤٣٠ هـ)، من قرية سِنْج بكسر السين المهملة بعدها نون ساكنة ثم جيم، وهي من أكبر قرى مرو، جمع في شرحه على مختصَر المُزَني بين الطريقتين.
والمراد بالجمع بين الطريقين هو ذكر طريقتي العراقيين والخراسانيين مع بيان الاتفاق والاختلاف، ولا يراد بالجمع أبدًا اتحاد الطريقين كما
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٤٧٢).
(٢) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٨/ ٣٧٥).
стр. 249
يُوهمه كلام الأستاذ عبدالعظيم الديب، حيث اتخذ من النظر في تقارب تاريخ نشوء الطريقتين والجمع بينهما دليلًا على عدم أهميتهما الكبير في الفقه الشافعي، وهذا كلام خاطئ جدًّا، فالطريقان وإن اجتمعا من جهة الكتابة والتأليف يستحيل الجمع بينهما من حيث الاجتهاد والتخريج، والقول بأن الجمع بينهما يُنهي قضيتهما أشبه شيء بالقول بأن التأليف في فقه المذاهب الأربعة كفيل بالتوحيد بينها، ومن هنا يجب التنبيه إلى أمرين حاضرين في كتب الجمع بين الطريقتين:
أولهما وأهمُّهما: أن الطريقين بل الطرق على اختلافها المنهجي مهما جمع بينهما في كتب المتقدمين أو المتأخِّرين، والقول باتحادها دليل على عدم فهم المقصود بها.
وثانيهما: أن الجمع بين الطريقين في كتب المتقدمين من أصحابنا لم تفقد صاحبه خصوصية الطريقة التي ينتمي إليها، فهو يبني كتابه على طريقته، ويشفعها بطريقة المخالفين.
ومن أمثلة ذلك السِّنْجِيُّ السابق الذكر أول من جمع بين الطريقتين؛ تفقه على شيخ العراقيين الشيخ أبي حامد ببغداد، وعلى شيخ الخراسانيين أبي بكر القفال بمرو، وهو أخصُّ به، فكتابه على الطريقة الخراسانية مشفوع بالعراقية.
وكذلك إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجُوَيْني (ت ٤٧٨ هـ)، وصاحباه: أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥) وإلكيا الهراسي (ت ٥٠٤)، كلهم على طريقة الخراسانيين، ويشفعونها ببيان طريقة العراقيين.
وعلى عكس هؤلاء: القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري (ت ٤٥٠ هـ)، وصاحباه الشيخان: أبو إسحاق الشِّيرازي
стр. 250
(ت ٤٧٦ هـ) وأبو نصر بن الصباغ (ت ٤٧٧ هـ)، وأبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت ٤٥٠ هـ)، وأبو المحاسن عبد الواحد بن أحمد بن عمر بن الوليد الروياني (ت ٥٠٢ هـ)، كلهم على طريقة العراقيين، ويشفعونها ببيان طريقة الخراسانيين.
بل إن آثار الطريقتين لم تَزَلْ سارية في كتب المذهب حتى بعد هذه الطرق، ولم تخف إلا في كتب المتأخرين الذين ينتمون إلى ما يُسَمَّى بالتحقيق الأخير للمذهب، ومشكلة هذه المرحلة هي غياب تصوير حركة الاجتهاد المذهبي، وهو السبب في نشوء جيل من المتفقِّهين يكررون على طول الكتاب الفقهي عبارات: (القولين، الوجهين، الطريقين، التخريج، النص)، ودون أن يفهموا حقيقتها ولا قصتها، بل ولم يسعفهم لكشف الغطاء بعض الكتابات المقتضَبة التي تفتقر إلى استقراء كتب الأولين التي هي أساس المذهب وبنيانه، بل وسقفه وذروة سنامه أيضًا.
وجوه اختلاف الطرق في حكاية المذهب
وبعد فهم اختلاف القولين والوجهين لا يصعب كثيرًا إدراك أسباب اختلاف طرق الأصحاب في حكاية المذهب، فلا نعني ببيانها مفصلًا بما سيكون إعادة ما سبق تفصيله، ولكننا نحاول أن نلخص وجوه اختلاف الطرق في حكاية المذهب بغض النظر عن العراقيين والخراسانيين، وهي في الجملة أربعة أوجه:
أولها وأكثرها شيوعًا: اختلاف الطرق في نصوص النظائر بتقرير النصين أو النقل والتخريج أو الاستشهاد بأحدهما على الآخر، فهذا الوجه هو الذي نصَّ عليه التاج السُّبْكي في «جمع الجوامع»، وقال بأن من
стр. 251
اختلاف نصوص الإمام في النظائر تنشأ الطرق (١)، وظاهره حصر اختلاف الطرق في هذا الوجه، وهو غير صحيح وغير مراد أيضًا، وإنما خصه التاج السُّبْكي بالذكر باعتبار اطراد اختلاف الطرق في هذا الوجه، والله أعلم.
ثانيها: اختلاف الطرق من جهة الجزم بقول أو وجه والتخريج على قولين أو وجهين فأكثر، ومصدر هذا الاختلاف اعتبار بعض الأقوال والأوجه وإلغاؤها، ولها تجليات كثيرة جدًّا.
كأن يكون الوجه خارجًا من قاعدة المذهب، فيغفل البعض ذكره باعتباره خروجًا عن المذهب، ويذكره آخرون باعتبار صاحبه وتحرِّيه مذهب الشافعي وأصوله.
وفي الأقوال يعتدُّ بعضهم القديم الذي لم يصرح بالرجوع عنه قولًا له ساريًا وإن رجح عليه الجديد، بينما يرى آخرون ذلك من المرجوع عنه.
واختلفوا في صورة ما إذا ردَّد الإمام القول ثم صرح بمذهبه المختار، فيُلغي بعضهم ذكر غير المختار باعتبار تصريح الإمام بالترجيح، فكأنه لم يذكر غيره، والجمهور يرددون تبعًا للإمام.
وفي صورة القول والقول المعلق على صحة الخبر قد يثبت الخبر، فيختلفون في إثبات القول المخالف له وإلغائه.
وفي صورة القول وإتباعه بذكر احتمال أو رواية قول عن بعضهم يختلف الأصحاب، فيخرج بعضهم الاحتمال والرواية قولًا ثانيًا، ويجزم آخرون.
_________
(١) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٧٢).
стр. 252
ويختلفون في صورة اختلاف الرواة، فيخرجه بعضهم على اختلاف الأقوال، ويجزم آخرون بالراجح من الروايتين، إمَّا بتأويل الرواية المرجوحة، أو حمل الروايتين على اختلاف الأحوال، أو رمي أحد الراويين بالخطأ على الإمام.
الوجه الثالث لاختلاف الطرق: اختلافهم في عَدِّ الخلاف من قبيل اختلاف القولين أو الوجهين، ويحصل ذلك إمَّا لاختلاف مراتبهم في الاطلاع على نصوص الشافعي، فيخرج بعضهم على أصول الشافعي وهو مسطَّر في نصوصه، وقد يحصل ذلك بسبب بُعد التخريج وقُربه فيختلفون في جعله من مسائل القولين أو الوجهين، وقد قال الرافعي: «إذا لم يكن القولان منصوصين فكثيرًا ما يُعبَّر عنهما بالوجهين» (١).
الوجه الرابع: اختلافهم في تحرير مَحَلِّ الخلاف بين القولين أو الوجهين هل هما من باب الأولوية والاحتياط أو الوجوب واللزوم، واختلافهم في تصوير المسألة الذي هو أساس القولين أو الوجهين.
الموازنة بين طريقتي العراقيين والخراسانيين والترجيح
قال النووي: «اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفًا وبحثًا وتفريعًا وترتيبًا غالبًا» (٢)، وقال إمام الحرمين: «العراقيون أثبت النقلة نقلًا وأصحهم حكاية» (٣).
_________
(١) انظر «العزيز» (١/ ٧٩٢).
(٢) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١١٢).
(٣) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٥/ ٢٩٣).
стр. 253
وهذا كلام جملي، ولا يُبنى عليه ترجيح لأحد الطريقين على الآخر كما قد يُتوهَّم، وإنما يتحرى في الترجيح النظر إلى حقيقة حال نصوص الإمام ونقل جمهور الأصحاب؛ وذلك لأن نقل المذهب من باب الرواية، فيرجح فيه بالكثرة، كما يدل عليه ملاحظة ترجيحات الرافعي في «العزيز».
стр. 254
خاتمة في مصطلحات المعتمَد من القولين والوجهين والطرق
ذكرنا أوجه الخلاف في دائرة المذهب الشافعي، ولا يجوز للمنتسِب إلى المذهب أن يعمل أو يُفتي بواحد من القولين أو الوجهين إلا إذا ترجَّح عنده بأحد الوسائل المذكورة إن كان من أهل الترجيح، قال النووي: «أما إذا وجد من ليس أهلًا للترجيح خلافًا بين الأصحاب في الراجح من قولين أو وجهين فليعتمد ما صحَّحه الأكثر والأعلم والأورع» (١).
وقد تكفَّل النووي بوضع مصطلحات استحسنت منه واتبعه الناس فيها، وتوضِّح مراتب الخلاف على المعتمد عند الأكثرين من الأصحاب، قال النووي: «فحيث أقول: (في الأظهر) أو (المشهور) .. فمن القولين أو الأقوال، فإن قَوِيَ الخلاف قلت: (الأظهر)، وإلا فـ (المشهور)، وحيث أقول: (الأصح) أو (الصحيح) .. فمن الوجهين أو الأوجه، فإن قَوِيَ الخلاف قلت: (الأصح)، وإلا فـ (الصحيح)، وحيث أقول: (المذهب) .. فمن الطريقين أو الطرق، وحيث أقول: (النص) .. فهو نصّ الشافعي ﵀، ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرج، وحيث أقول: (الجديد) .. فالقديم خلافه، أو (القديم) أو (في قول قديم) .. فالجديد خلافه» (٢).
_________
(١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١١١).
(٢) انظر مقدمة كل من «المنهاج» (ص: ٦٥)، و «الروضة» (١/ ٦) للنووي، وانظر شرح هذه الجملة في «تحفة المحتاج» للهَيْتَمي وحواشيه (١/ ٤٩ - ٥٤)، وما ذكرناه في البحث سابقًا يشرح هذه الفقرة إن شاء الله تعالى.
стр. 255
المقدمة الخامسة في
بصائر الأصول وشوارد الفوائد
стр. 256
هذا القسم خصَّصته لذكر المسائل الأصولية التي أشار إليها الشافعي في «المختصَر» إشارة قريبة، فأذكر نصَّه ولو بشيء من التصرف اليسير الذي يقتضيه الصياغة واقتضاب النص الأصولي من سياقه الفقهي في الكتاب، ثم أعلق عليه بما يكشف بعض غوره، فهذا الباب الأول.
وأذكر في الباب الثاني فوائد مستحسَنة من كلام الشافعي تتعلَّق بجوانب مختلفة من العلم ذكرها أثناء الحِجَاج الفقهي أو الاستدلال؛ وذلك نظرًا إلى اهتمامي الخاص مما استحسنته، والناس مختلفون في الأذواق، وأرجو أن أكون وُفِّقْت لاختيار الأحسن الذي تُعْقَد عليه الخناصر.
стр. 257
الباب الأول: بصائر الأصول
شرح أصول الشافعي مع ترتيب مادته ترتيبًا تأليفيًّا مقصد نبيل وصعيب، لكن ذلك ليس غرضي من هذا الباب، وإنما أذكر قواعد كلية مما لاحظته من نصوصه في «المختصَر» وأعلق عليها تعليقًا يسيرًا لا يخرج بالقارئ عن الغرض المقصود، فأقول:
القاعدة الأولى: حظر التقليد
اشتهر الشافعي بالنهي عن التقليد وحظره، وجعله القاعدة التي بَنَى عليها أصوله جملة وتفصيلًا، حتى إن المُزَني في أول كتابه قال (ف: ١) «أعلم نهيه عن تقليده وتقليد غيره»، ولمَّا وضع كتابه الآخر في «الأمر والنهي على معنى الشافعي» قال المُزَني في آخره (ف: ٢١): «هذا نحوُ مذهب الشافعي، فتفهَّمْه ولا تقلِّد مَنْ وضعَه»، وقال الشافعي (ف: ٣٦٩٧): «لم يجعل الله - تبارك اسمه - لأحد أن يُقَلِّد [أحدًا] بعد رسوله ﷺ ، وإن كان أعْلَمَ منه، حتى يعلم كعِلْمِه أنَّ ذلك لازم له، مِنْ حيث لم تختلف الرِّواية فيه أو بدَلالة عليه، وأنَّه لا يحتمل وَجْهًا أظْهَرَ منه».
стр. 258
وينبغي تحرير صورة التقليد التي أرادها الشافعي ﵀ بنهيه بالقصد الأول، ولا شكَّ أن السبيل إلى معرفتها هو النظر في نوع التقليد الذي عُرِف في عصر الشافعي، فأقول:
إن عمر بن الخطاب ﵁ فرَّق علماء الصحابة على حواضر الإسلام يفقِّهون الأمم على ما كان عندهم من الأثر والرأي، وعلى فقه هؤلاء الصحابة نشأت المدارس الفقهية في العراق والشام ومصر، إلى جانب المدرسة الأصل في الحجاز، وكان العصر عصر بداية تكوُّن العلوم الإسلامية، حيث اللغة وعلومها لم يَنتشر تدوينها، ولا الحديث جُمع وقَرُبت من متناول الفقيه أصول تمحيصه، فكان كل جيل من الأئمة العلماء يتكئ على جهود مَنْ سبقهم من الفتاوى والأقضية، ثم يبني عليها في مستجدات عصره، وقد يصله الحديث من رواية الآحاد فيحاول الاجتهاد في تعرُّف صحيحه من ضعيفه بناءً على نقد المتن من جهة موافقة ما عرفه من أحكام الشريعة على وَفْق المدرسة التي ينتمي إليها، فظهر رَدُّ الحديث بدعوى مخالفة القرآن، أو رَدّ الصحيح الثابت بالضعيف الموافق لمذهب فقهاء البلد، أو ردّه بدعوى مخالفة القياس والعرف المتبع عند القضاة، وما شابه ذلك من الأمور التي حَمَلت الشافعي على إنكار تقليد آراء الرجال في مخالفة الثابت عند المحدّثين من أحاديث الرسول ﷺ ، فالتقليد الذي يقصده الشافعي - والله أعلم - الاحتجاج بأقوال الصحابة على خلاف الثابت من السنن، ثم الاحتجاج بما بُنِيَ على أقوال الصحابة من فقه الأمصار.
أقوال الصحابة عند الشافعي:
والمشهور في مذهب الشافعي الجديد عدم الاحتجاج بقول الصحابي، لكن تَرِدُ عليه مسائل من الجديد صرَّح فيها بالاحتجاج، منها أن الشافعي لم
стр. 259
يؤلِّف كتاب الفرائض، وإنما ذكر مسائل مبدَّدة منها، ولمَّا ذكر الشافعي بعض أحكام الجدِّ مع الإخوة قال (ف: ١٨٢١): «وهذا قولُ زيد بن ثابت، وعنه قَبِلْنا أكْثَرَ الفرائضِ»، قال: «وقد رُوِيَ هذا القولُ عن عمر وعثمان وعليٍّ وابن مسعود أنهم قالوا فيه مثل قول زيد، وهذا قول الأكثر من فُقهاء البلدان».
قال إمام الحرمين: «نظر الشافعي إلى مواقع الخلاف في الفرائض ولم يجد مضطربًا في المعنى، فاختار أن يتبع زيد بن ثابت، وتردَّد قول الشافعي حيث تردَّدت الروايات عن زيد»، قال: «ولم يضع لأجل هذا كتابًا في الفرائض، لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد، وإنما نصَّ على مسائل متفرقة في الكتب، فجمعها المُزَني، وضمَّ إليها مذهب زيد في المسائل، ولم يقل: (تحرَّيْتُ فيها مذهب الشافعي) كقوله في أواخر الكتب التي مضت (١)؛ فإن التحرِّيَ اجتهاد، ولا اجتهاد في النقل، وقد تحقَّق عنده اتباع الشافعي زيدًا» (٢).
قال الأصحاب: ولم يقلد زيدًا، وإنما ترجَّح مذهبه عنده من وجهين: أحدهما - ما رواه الأثبات عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفرضكم زيد»، والثاني - قال القفَّال: ما تكلم أحد من الصحابة ﵃ في الفرائض إلا وقد وُجِد له قول في بعض المسائل هجره الناس بالاتفاق، إلا زيد، فإنه لم يقل بقول مهجور بالاتفاق، وذلك يقتضي الترجيح كالعمومين إذا ورد وقد خصَّ أحدهما بالاتفاق دون الثاني كان الثاني أولى.
_________
(١) يقصد ما سبق كتاب الفرائد من أبواب التَّحَرِّي.
(٢) انظر «النهاية» (٩/ ٩)، وعبارة المُزَني في أول كتاب الفرائض من «المختصَر» (ك ٣٢): «مما سمعت من الشافعي، ومن «الرسالة»، ومما وضعته على نحو مذهبه؛ لأن مذهبه في الفرائض نحو قول زيد بن ثابت».
стр. 260
قال الرافعي: «وقد يعترض فيقال: للكلام مجال في أن الوجهين هل يوجبان الرجحان، ولكن بتقدير التسليم فالأخذ بما رجح عنده إن لم يكن بناءً على الدليل في كل مسألة لم يخرج عن كونه تقليدًا، كالمقلد يأخذ بقول من رجح عنده من المجتهدين، وإن كان بناءً على الدليل فهو اجتهاد وافق اجتهادًا، فلا معنى للقول بأنه اختار مذهب زيد ﵁»، قال: «ويُجاب عنه بأن الشافعي ﵁ لم يخل مسألة عن احتجاج واستشهاد، لكنه استأنس بما رجح عنده من مذهب زيد، وربما ترك به القياس الجليّ وعضَّد الخفيّ، كقول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يُعرف له مخالف، فباعتبار الاستئناس قيل: إنه أخذ بمذهب زيد، وباعتبار الاحتجاج قيل: إنه لم يقلد، والله أعلم» (١).
قال عبدالله: هذه من الرافعي محاولة للإجابة عن موقف الشافعي من مذهب زيد مع المعروف عنه في الجديد من عدم الاحتجاج بقول الصحابي، والرأي أن كلامه ليس بدقيق، ذلك أننا أمام أمرين:
أحدهما - الاحتجاج بمذهب زيد في الجملة، وهذا لا مفرَّ من الإقرار به، وقد صرَّح به الشافعي كما سبق، وفهمه عنه المُزَني وهو أعلم أصحابه به وبمذهبه.
والأمر الثاني - الاحتجاج بمذهب زيد على مَنْ خالفه من الصحابة، وهذا موضع الترجيح الذي يقع عليه كلام إمام الحرمين والرافعي، والشافعي في مذهبيه القديم والجديد لا يحتجُّ ببعض الصحابة على بعض، ولا ينكر الترجيح بين مذاهبهم بالمرجحات التي أشار إليها الرافعي، وقد ذكر اختلاف الصحابة في مسألة المفوضة وقال (ف: ٢١٩٦): «لا حجة في قول
_________
(١) انظر «العزيز» (١١/ ١٥).
стр. 261
أحد دون النبي ﷺ »، يقصد والله أعلم: لا حجة في قول أحد من الصحابة على أحد، إلا النبي ﷺ ، قوله حجة على الجميع.
ويؤيِّد هذا الذي قلتُه ما قال الشافعي (ف: ١١٠٦): «إذا باع الرجلُ شَيْئًا مِنْ الحيوان بالبراءة .. فالذي أذهب إليه قضاء عثمان بن عفان، أنه بريء من كل عيب لم يعلمه، ولا يَبْرَأ من عيبٍ عَلِمَه ولم يُسَمِّه له ويَقِفْه عليه، تَقْلِيدًا، وأنَّ الحيوان يفارق ما سواه؛ لأنه يَغْتَذِي بالصحة والسُّقْم، وتَحُول طَبائعه، وقلَّما يَبْرَأ من عَيْبٍ يَخْفَى أو يَظْهَر، وأنّ أصَحُّ في القِياسِ لولا ما وَصَفْنا مِنْ افْتِراقِ الحيوانِ وغيرِه أنْ لا يَبْرَأ مِنْ عُيُوبٍ لم يَرَها ولو سَمّاها لاخْتِلافِها، أو يَبْرَأ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، والأوَّل أصَحُّ».
فقول الشافعي: «تقليدًا» تعليل لذهابه إلى قضاء عثمان في هذه المسألة، وأشار في آخر كلامه إلى أن القياس لولا ما وصفناه - يعني: قضاءَ عثمانَ كما قال إمام الحرمين والروياني - أنه لا يبرأ عن العيب الذي لم يره المشتري، أو يبرأ عن الجميع، فترك القياس للأثر، وهذا المشهور عنه في القديم، ومذهبه في الجديد تقديم القياس على الأثر، وهذا النص من الجديد، فيشكل.
وأجاب الماوردي في «الحاوي» (٥/ ٢٧٣)، وتبعه الروياني في «البحر» (٤/ ٥٦١) بأن قول عثمان في هذا الموضع حجة على مذهب الشافعي في القديم والجديد وإن لم يجز التقليد عنده، قال الماوردي: «أمَّا على قوله في القديم .. فلأنه كان يرى قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يظهر خلافه حجة يقدم على القياس، لا سيما إذا كان إمامًا، وأمَّا على قوله في الجديد .. فلأنه يرى أن قياس التقريب إذا انضم إلى قول صحابي
стр. 262
كان أولى من قياس التحقيق، وقد انضمَّ إلى قضاء عثمان قياس تقريب، فصار حجة يقدم على قياس التحقيق، وهو ما ذكره الشافعي: في أن الحيوان يفارق ما سواه».
وقال شيخ الاسلام البلقيني في تعليقه على «المختصَر» (ف: ١١٠٦): «مذهب الإمام الشافعي ﵁ أن مذهب الصحابي حجة ما لم يعارضه النصّ، فقال في بعض المسائل: (قلته تقليدًا لعثمان)، وقال في بعض المسائل: (قلته تقليدًا لزيد) أي: في الفرائض، وأمَّا إذا عارضه النص .. فلا يكون حجة، مثاله: أبو هريرة ﵁ روى حديث الغسل من ولوغ الكلب سبعًا إحداهن بالتراب، وكان مذهبه غسله ثلاثًا، فقال الإمام الشافعي ﵁: (العبرة بما روى، لا بما رأى)، وقال أيضًا فيه: (كيف أترك الحديث وآخذ بقول من لو عاصرته لحجَجْته)، وقال ﵁ فيما إذا لم يكن في المسألة نص وإنما المستند فيها قول الصحابي أو فعله ما نصه: (ورَأْي الصحابة لنا خير من آرائنا لأنفسنا)».
يُشير البلقيني إلى أن المقصود بعدم الاحتجاج بقول الصحابي إنما هي أقواله التي خالف بها الثابت من النصوص الشرعية، لا عدم الاحتجاج به فيما لا يُعرف فيه نص يخالفه، ومما يُؤيِّد تحرير البلقيني قول الشافعي (ف: ٢١٣٨): «إذا اخْتَلَفَت الروايةُ عن رسولِ الله ﷺ نَظَرْتُ فيما فعل أصحابُه مِنْ بَعْدِه، فأخَذْتُ به، وتَرَكْتُ الذي يُخالفه» (١).
_________
(١) هذا النص في الأصل قاله الشافعي في مناظرته مع بعض خصومه، والكناية في «نظرت، أخذت» في النص للمخاطب، لكنه يدل على إقرار الشافعي به، فتصرفت فيه على مقتضى التقعيد.
стр. 263
فقه الأمصار:
وإذن فقد سقط الاحتجاج بمذاهب الصحابة في معارضة النصوص الشرعية، وسقط بالأولى تقليد ما بُنِي عليها من مدارس الأمصار، وهذا الذي عُرف في أوساط الأصوليين بـ «ترك خبر الآحاد لمخالفته القياس»، وليس هناك أحد من علماء الشريعة يرضى لنفسه ترك الخبر آحادًا أو غيره للقياس، كيف وقد ذكر الشافعي (ف: ٢١١٢) مناظرته محمد بن الحسن الشيباني في بعض ما خالف فيه أصحابه ثم رجوعه إلى نحو قول الشافعي، وذكر أنه قال: «ما ينبغي أن يدخل على حديث النبي ﷺ القياس»، قال المُزَني: «كان محمد بن الحسن من أنصف الناس في هذا الموضع»، ولك أن تسأل: إن أصحاب أبي حنيفة أشهر من يُنقل عنه القول بالقياس في خلاف خبر الواحد، فكيف صحَّ للشيباني وهو أصل مذهبهم أن يصرِّح بخلاف ما هم عليه؟ والجواب: أن تقديم القياس على الخبر ليس مذهب أحد من علماء الإسلام، وإنما مرجعه إلى تقديم ما كان عليه فقهاء البلد مما يقتضيه القياس على خبر الآحاد، كيف وعامة الخبر آحاد، ولازم مثل هذا القول تقديم القياس على الخبر جملة وتفصيلًا؟
ومما يجب التنبيه إليه في ذكر اتباع ما جرى عليه العمل من فقه الأمصار أن الشافعي لم ينكره جملة، وإنما أنكر تقليده فيما عارض النصَّ الثابت، وأمَّا ما لم يعارضه فلم ينكره الشافعي، بل إنه نفسه اعتمد على بعض فقه أصحابه من أهل الحجاز، فذكر في صدقات ذوي القربى أنه يُعْطَى الرجلُ سَهْمَيْن، والمرأةُ سهمًا، ولا يُفَضَّلُ أحَدٌ على أحَدٍ؛ لأنَّهم أعْطُوا باسمِ القرابةِ، قال (ص: ١٩٢١): «والدَّلالةُ على صِحَّةِ ما حَكَيْتُ مِنْ التَّسْوِيَةِ: أنَّ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِنْ علماءِ أصْحابِنا لم يَخْتَلِفُوا في ذلك، وأنَّ
стр. 264
باسمِ القرابةِ أعْطُوا، وأنَّ حديثَ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذِي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ»، وقال (ف: ١٩٤٦): «والذي أقولُ به وأحْفَظُ عمَّن أرْضَى ممَّن سمعتُ منه ألا يُؤَخَّرَ المالُ إذا اجْتَمَعَ، ولكن يُقْسَمُ»، وقال في مناظرة له مع محمد بن الحسن الشيباني (ف: ٢٨٣٣): «وأنْتَ تأخُذُ العِلْمَ مِنْ بُعْدٍ، ليس لك به مَعْرِفَةُ أصْحابِنا»، وقال الشافعي (ف: ٢٨٧٩) في مسألة القصاص في الجراحات التي أدت إلى الموت: «وقال بعضُ أصْحابِنا: إن لم يَمُتْ مِنْ عَدَدِ الضَّرْبِ قُتِلَ بالسَّيْفِ»، فتوهَّم المُزَني أن ذلك من الشافعي حكاية عن أصحابه لما يخالفهم فيه، فتعقب عليه إمام الحرمين في «النهاية» (١٦/ ١٨٢) فقال: «مذهب الشافعي أنه إذا فُعِلَ به مثل ما فَعَل بالضرب ولم يمت تحزّ رقبتُه، ولم يبقَ لمستحق القصاص بعد ما عاقب بالجهة التي جرت الجناية بها إلا القتلُ على أوحى الوجوه»، قال: «والشافعي قد يعني نفسه بقوله: (ذهب بعض أصحابنا) إشارة إلى مذهبٍ له».
موقع تقليد المذاهب الأربعة من إنكار الشافعي:
وأخيرًا لا شك أن القارئ الكريم تسائله نفسه عن موقع تقليده لبعض المذاهب الأربعة من التقليد المنهيِّ عنه عند الشافعي، والقول المختصَر فيه أن الموقف منه مثل الموقف من فقه الأمصار، يجوز تقليده إلا فيما عارضه النص الشرعي، والتقليد المعهود عند المتأخرين من أتباع المذاهب الأربعة أو الخمسة لا شك واقع في المحظور إذا كان على وجه التعصب ولَيِّ أعناق الأدلة على موافقة المذهب، لكن تفصيل القول فيه له موضع آخر، والله أعلم.
стр. 265
القاعدة الثانية: الأدلة وأصول الأحكام
فالمشهور المعروف عن الشافعي أن أصول الأحكام الشرعية عنده نص أو إجماع أو قياس عليهما (١)، وليس الغرض تفصيل القول ببيان مذهب الشافعي في كل ذلك، وإنما نذكر مقتطفات نصوصه في «المختصَر» مما له علاقة مباشرة بقاعدة الأدلة الشرعية.
فمنها: إلزامية النصوص الشرعية ولزوم قبولها، قال الشافعي (ف: ١٩٢٥): «مَذْهَب العلماء في القديم والحديث أنَّ الشيء إذا كان مَنْصُوصًا في كتاب الله جل ثناؤه بَيِّنًا على لسان رسول الله ﷺ أو فِعْلِه أنَّ عليهم قَبُولَه».
ومنها: حُجِّيَّة إقرار النبي ﷺ ، فذكر الشافعي (ف: ٣٨٦٩) حديث القائف من مدلج ثم قال: «لو لم يكن في القافة إلا هذا انْبَغَى أن يكون فيه دَلالة أنه عِلْمٌ، ولو لم يكن عِلْمًا لقال له: لا تقلْ هذا؛ لأنَّك إنْ أصَبْتَ في شَيْء لم آمَنْ عليك أن تُخْطِئَ في غَيْره، وفي خَطَئِكَ قَذْف مُحْصَنَة ونَفْي نَسَب، وما أقَرَّه إلا أنَّه رَضِيَه ورَآه عِلْمًا، ولا يُسَر إلا بالحقِّ ﷺ ».
ومنها: القول في خصائص الرسول ﷺ ، قال الشافعي (ف: ٧٨٣): «فَرَّق الله بين رسولِه وبين خلقِه في أمورٍ أباحها له حَظَرَها عليهم، وفي أمورٍ كَتَبَها عليه خَفَّفَها عنهم»، وقال (ف: ٢٠٠٤): «إنَّ الله ﵎ لِمَا خَصَّ به رسولَه ﷺ مِنْ وَحْيِه وأبانَ بَيْنَه وبَيْنَ خَلْقِه بما فَرَضَ عليهم مِنْ طاعتِه .. افْتَرَضَ عليه أشْياءَ خَفَّفَها عن خَلْقِه؛ ليَزِيدَه بها إن شاء الله قُرْبَةً إليه، وأباح له أشياءَ حَظَرَها على خَلْقِه؛ زِيادَتَه في كَرَامَتِه، وتَثْبِيتًا لفَضِيلتِه»، ثم ذكر بعض الأمثلة على ما خصَّه به.
_________
(١) انظر «المختصر» (ف: ١٩٥٧).
следующие страницы →