(٢٢) وليست الأذُنانِ مِنْ الوجهِ فيُغْسَلان (١)، ولا مِنْ الرَّأسِ فيُجْزِئ مَسْحُه عليهما، فهُما سُنَّةٌ على حِيالهما، واحْتَجَّ بأنَّه لَمّا لم يَكُنْ على ما فَوْقَ الأذُنَيْن مما يَلِيهما مِنْ الرأسِ، ولا على ما وراءهما مما يلي منابتَ شَعْر الرأسِ إليهما، ولا على ما يَلِيهما إلى العُنُق - مَسْحٌ، وهو إلى الرأسِ أقْرَبُ .. كانت الأذنان من الرأس أبعدَ.
قال المزني: قلت أنا (٢): لَوْ كانتا مِنْ الرأسِ أجزأ مَنْ حَجَّ حَلْقُهما مِنْ تقصيرِ الرأسِ، فصَحَّ أنهما سُنَّةٌ على حِيالهما.
стр. 374
(٢٣) قال الشافعي: والفَرْقُ بَيْن ما يُجْزِي مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الرأسِ، ولا يُجْزِي إلا مَسْحُ كُلِّ الوجهِ في التَّيَمُّم: أنّ مَسْحَ الوَجْهِ بَدَلٌ مِنْ الغسلِ؛ يَقُوم مَقامَه، ومَسْحُ بَعْضِ الرأسِ أصْلٌ، لا بَدَلٌ مِنْ غَيْرِه.
(٢٤) قال: وإن فرَّق وُضوءَه وغُسلَه .. أجزأه، واحْتَجَّ في ذلك بابنِ عمرَ (١).
(٢٥) قال: وإنْ بَدَأ بذِراعَيْه قَبْل وَجْهِه .. رَجَعَ إلى ذِراعَيْهِ فغَسَلَهما حتى يكونا بَعْد وَجْهِه، حتّى يَأتِيَ بالوضوءِ وَلَاءً كما ذَكَره اللهُ ﵎: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] (٢)، فإن صَلَّى بالوضوءِ على غيرِ وَلَاءٍ .. رَجَعَ فَبَنَى على الولاء مِنْ وُضوئِه، وأعاد الصلاةَ، واحْتَجَّ بقول الله جل ذكره: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال: فبدأ رسول الله ﷺ بالصّفا، وقال: «نَبْدأ بما بَدأ الله به».
(٢٦) قال: وإن قَدَّم يُسْرى على يُمْنى (٣) .. أجزأه.
(٢٧) ولا يَحْمِل المصحفَ ولا يَمَسُّه إلا طاهِرًا، ولا يُمْنَعُ مِنْ قِراءةِ القرآن إلا جُنُبٌ (٤).
стр. 375
(٢٨) قال أبو إبراهيم: إنْ قَدَّم الوضوءَ وأخَّرَ .. يُعِيدُ الوضوءَ والصلاةَ (١).
стр. 376
(٥)
باب الاستطابة (١)(٢٩) قال الشافعي: أخبرنا سفيانُ، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد (٢)، فإذا ذهب أحدكم للغائط .. فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنجِ بثلاثة أحجار»، ونَهَى عن الرّوْثِ والرِّمَّة (٣).
(٣٠) قال: وذلك في الصَّحارَى؛ لأن النبي ﷺ قد جلس على لَبِنَتَيْن مُسْتَقْبِلَ بيتِ المقدس، فدَلَّ أنّ البناءَ مُخالِفٌ للصّحارَى.
(٣١) قال: وإن جاء مِنْ الغائطِ، أو خَرَجَ مِنْ ذَكَرِه أو دُبُرِه شيءٌ (٤) ..
стр. 377
فليَسْتَنْجِ بالماءِ، أو يَسْتَطِبْ (١) بثلاثةِ أحجارٍ ليسَ فيها رَجِيعٌ ولا عَظْمٌ.
(٣٢) ولا يَمْسَحُ بحجَرٍ قد مَسَحَ به مَرَّةً (٢)، إلا أنْ يكونَ قد طَهُر بالماءِ.
(٣٣) والاستنجاءُ مِنْ البول كالاستنجاءِ مِنْ الخلاءِ.
(٣٤) ويَسْتَنْجِي بشمالِه.
(٣٥) وإن استطابَ بما يَقومُ مَقامَ الحجارةِ؛ مِنْ الخَزَفِ، والآجُرِّ، وقِطَع الخَشَبِ، وما أشبهه (٣)، فأنْقَى ما هنالك .. أجزأه، ما لم يَعْدُ المخْرَجَ، فإنْ عَدَا المخْرَجَ .. فلا يُجْزِئه فيه إلا الماءُ.
وقال في القديم: يَسْتَطِيبُ بالأحجارِ إذا لم يَنْتَشِرْ مِنْه إلا ما يَنْتَشِرُ مِنْ العامَّةِ في ذلك الموْضِع وحولَه (٤).
стр. 378
(٣٦) والفرقُ بَينَ أنْ يَسْتَطِيبَ بيمِينِه فيُجْزِئ، وبالعَظْمِ فلا يُجْزِئ: أنَّ اليمينَ أداةٌ، والنهيُ عنها أدَبٌ، والاستطابةُ طهارةٌ (١)، والعظمُ ليس بطاهرٍ (٢).
(٣٧) فإن مَسَحَ بثلاثة أحجارٍ فلم تُنْقِ .. أعادَ حتّى يَعْلَمَ أنّه لم يُبْقِ أثَرًا، إلا أثَرًا لاصِقًا لا يُخْرِجُه إلا الماءُ.
(٣٨) ولا بأسَ بالجلدِ المدبوغِ أن يُسْتَطَابَ به (٣).
стр. 379
(٣٩) وإن استطابَ بحجرٍ له ثلاثةُ أحْرُفٍ .. كان كثلاثةِ أحجارٍ إذا أنْقَى.
(٤٠) ولا يجزئ (١) أنْ يَسْتَطِيبَ بعَظْمٍ ولا نَجِسٍ.
стр. 380
(٦)
باب الحدث (١)(٤١) قال الشافعي: والذي يوجبُ الوضوءَ: الغائطُ، والبولُ، والنومُ، مضطجعًا، وقائمًا، وراكعًا، وساجدًا، وزائِلًا عَنْ مُسْتوَى الجلوسِ، قليلًا كان النومُ أو كثيرًا (٢)، والغلبةُ على العقلِ بجُنونٍ أو مَرَضٍ، مُضْطَجِعًا كان أو غَيْرَ مُضْطَجِعٍ، والريحُ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ، ومُلامَسَةُ الرجلِ المرأةَ. و «المُلامَسَةُ»: أنْ يُفْضِيَ بشيءٍ مِنْه إلى جَسَدِها، أو تُفْضِيَ إليه، لا حائلَ بينهما، أو يُقَبِّلَها (٣)، ومَسُّ الفرجِ ببطنِ الكفِّ، مِنْ نفْسِه وغيرِه، مِنْ الصغيرِ
стр. 381
والكبيرِ، والحيِّ والميِّتِ، والذَّكَرِ والأنْثَى، وسواءٌ كان الفرجُ قُبُلًا أو دُبُرًا، ومَسُّ الحَلْقةِ نفْسِها مِنْ الدُّبُرِ، ولا وضوءَ على مَنْ مَسَّ ذلك مِنْ بَهِيمَةٍ؛ لأنّه لا حُرْمَةَ لها، ولا تَعَبُّدَ عليها، وكلُّ ما خَرَجَ مِنْ دُبُرٍ أو قُبُلٍ؛ مِنْ دُودٍ، أو دَمٍ، أو مَذْيٍ، أو وَدْيٍ، أو بَلَلٍ، أو غَيرِه .. فذلك كلُّه يُوجِبُ الوضوءَ كما وَصَفْتُ (١).
(٤٢) ولا استنجاءَ على مَنْ نام أو خَرَجَتْ مِنه ريحٌ.
(٤٣) قال: وأحِبُّ للنائم قاعدًا أن يَتوضّأ، ولا يَبِينُ لي أنْ أوجِبَهُ عليه؛ لما رَوَى أنَس بنُ مالكٍ أنّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ كانوا يَنْتَظِرُون العِشاءَ فيَنامونَ - أحسبه قال: قُعودًا -. وعن ابن عمر: كان يَنامُ قاعدًا ويُصَلّي ولا يَتَوَضّأ.
قال المزني: وقد (٢) قال الشافعي: «لو صِرْنا إلى النّظَر .. كانَ إذا غَلَبَ عليه النومُ تَوضّأ بأيِّ حالاتِه كانَ». قال المزني: قلت أنا (٣): ورُوِيَ
стр. 382
عَنْ صفوانَ بنِ عسّالٍ أنه قال: «كان النبيُّ ﷺ يأمُرُنا إذا كنا مسافرِين - أو: سَفْرًا - أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيامٍ وليالِيَهنَّ إلا مِنْ جَنابَةٍ، لكنْ مِنْ بَوْلٍ وغائطٍ ونومٍ».
قال المزني: فلما جَعَلَهُنّ النبيُّ ﷺ بأبي هو وأمي في مَعْنَى الحَدَثِ واحدًا .. استَوَى المحْدِثُ في جميعِهنَّ، مُضْطَجِعًا كان أو قاعدًا، ولو اخْتَلَفَ حَدَثُ النومِ لاخْتِلافِ حالِ النّائمِ .. لاختَلَفَ كذلك حَدَثُ الغائطِ والبولِ، ولأبانَه ﵇ كما أبان أنّ الأكلَ في الصّوْمِ عامِدًا مفطرٌ، أو ناسيًا غيرُ مفطر، ورُوِيَ عَنْ النبيِّ ﷺ أنه قال: «العينان وِكاءُ السَّهِ، فإذا نامت العينان اسْتُطْلِقَ الوِكاءُ» (١)، مع ما رُوِي عن عائشة: «مَنْ استَجْمَع نومًا تَوضّأ، مُضْطَجِعًا أو قاعِدًا»، وعَن أبي هريرة: «مَنْ اسْتَجْمَعَ نَوْمًا فعليه الوضوءُ»، وعن الحسن: «إذا نام قاعدًا أو قائمًا تَوضّأ».
قال المزني: فهذا اختلافٌ يوجِبُ النّظَرَ، وقد جَعَلَه الشافعيُّ في النّظَرِ في مَعْنَى مَنْ أُغْمِيَ عليه، كيف كان توضّأ، فكذلك النائمُ في معناه، كيف كان تَوضّأ (٢).
(٤٤) قال المزني: واحْتَجَّ في الملامسةِ بقول الله جل وعز: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣]، وبقول ابن عمر: «قُبْلَةُ الرجلِ امرأتَه، وجَسُّها
стр. 383
بيدِه مِنْ الملامَسَةِ»، وعن ابن مسعودٍ قريبٌ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ ابنِ عُمَرَ، واحْتَجَّ في مَسِّ الذَّكَرِ بحَدِيثِ بُسْرَةَ عن رسول الله ﷺ : «إذا مسَّ أحدُكم ذَكَرَه فليتوضّأ»، وقاسَ الدُّبُرَ بالفَرْجِ، مع ما رُوِيَ عن عائشةَ أنّها قالت: «إذا مست المرأة فرجها توضأت»، واحْتَجّ بأنّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ قُوِّمَ عليه»، فكانت الأمَةُ في مَعْنى العبدِ، فكذلك الدُّبُرُ في مَعْنَى الذّكَرِ (١).
(٤٥) قال الشافعي: وما كان مِنْ سِوَى ذلك، مِنْ قَيْءٍ، أو رُعافٍ، أو دمٍ خَرَج مِنْ غير مَخْرَجِ الحدَثِ .. فلا وضوءَ في ذلك؛ كما أنه لا وضوءَ في الجُشَاءِ المتغَيِّر، ولا البُصاقِ؛ لخروجهما مِنْ غير مخْرَجِ الحدَثِ، وعليه أنْ يَغْسِلَ فاهُ وما أصابَ القيءُ مِنْ جسدِه، واحْتَجَّ بأنّ ابنَ عمرَ عَصَر بَثْرَةً بوَجْهِه فخَرج منها دمٌ، فدَلَكه بين إصْبَعَيْه، ثم قام إلى الصلاةِ ولم يَغْسِلْ يدَه. وعن ابن عباس: «اغسل أثرَ المحاجِمِ عنك، وحَسْبُك»، وعن ابن المسيب: رَعَفَ فمسح أنفَه بصُوفَةٍ ثُمّ صلّى (٢)، وعن القاسم: «ليس على المحْتَجِم وضوءٌ».
(٤٦) قال: وليس في قَهْقَهَة المصلي، ولا فيما مَسَّت النارُ وضوءٌ؛ لما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه أكل كَتِفَ شاةٍ، ثُمّ صلى ولم يَتَوضّأْ (٣).
стр. 384
(٤٧) قال: وكلُّ ما أوْجَبَ الوضوءَ فهو بالعمد والسهو سواءٌ.
стр. 385
(٤٨) قال: ومن اسْتَيْقَن الطُّهْرَ ثُمّ شَكّ في الحدثِ، أو اسْتَيْقَن الحدثَ ثُمّ شَكّ في الطُّهْرِ .. فلا يَزُولُ اليقينُ بالشكِّ.
стр. 386
(٧)
باب ما يوجب الغسل
(٤٩) قال الشافعي: أخبرنا الثِّقَة (١)، عن الأوْزاعِيّ، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة، أنها قالت: «إذا التَقَى الختانان وَجَبَ الغُسْلُ، فَعَلْتُه أنا ورسولُ الله ﷺ فاغتَسَلْنا». ورواه من جهةٍ أخرى عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا التَقَى الختانان وَجَبَ الغُسْلُ» (٢).
(٥٠) قال الشافعي: وإذا التَقَى الختانان - والتقاؤُهُما: أن تَغِيبَ الحشَفَةُ في الفَرْجِ، فيكونَ خِتانُه حِذاءَ خِتانِها، فذلك التقاؤهُما؛ كما يُقالُ: (التَقَى الفارسان): إذا تحاذَيا وإن لم يَتَضَامَّا - .. فقد وجب الغُسْلُ عليهما.
قال المزني: التقاءُ الختانَيْن: أن يُحاذِيَ خِتانُ الرجلِ خِتانَ المرأةِ، لا أن يُصِيبَ خِتانُه خِتانَها، وذلك أنّ خِتانَ المرأةِ مُسْتَعْلٍ، ومَدْخَلَ ذَكَرِ الرّجُلِ أسْفَلُ مِنْ خِتانِ المرأةِ، قال: وسمعت الشافعي يقول: «تقولُ العربُ إذا حاذَى الفارسُ الفارسَ: التَقَى الفارسان» (٣).
стр. 387
(٥١) قال الشافعي: وإن أنْزَلَ الماءَ الدّافِقَ مُتَعَمِّدًا، أو نائمًا، أو كان ذلك مِنْ المرأة .. فقد وَجَب الغُسْلُ عليهما، وماءُ الرجلِ الذي يُوجِبُ الغُسْلَ هو المنِيُّ الأبْيَضُ الثخينُ الذي يُشْبِهُ رائحةَ الطَّلْعِ، فمتى خَرَجَ المنِيُّ مِنْ ذَكَرِ الرجلِ، أو رأت المرأةُ الماءَ الدافقَ .. فقد وَجَبَ الغُسْلُ، وقَبْلَ البولِ وبعدَه سواءٌ.
(٥٢) وتَغْتَسِلُ الحائضُ إذا طَهُرَتْ، والنُّفَساءُ إذا ارْتَفَعَ دَمُها.
стр. 388
(٨)
باب غُسْلِ الجَنابةِ (١)(٥٣) قال الشافعي: يَبْدَأ الجنبُ فيَغْسِلُ يدَيْه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناءَ، ثُمّ يَغْسِلُ ما به مِنْ الأذى، ثم يَتَوضّأ وُضوءَه للصلاةِ (٢)، ثُمّ يُدْخِلُ أصابِعَه العَشْرَ في الإناءِ، ثُمّ (٣) يُخَلِّلُ بها أصولَ شَعْرِه، ثُمّ يَحْثِي على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ، ثُمّ يُفِيضُ الماءَ على جَسَدِه حَتّى يَعُمَّ جميعَ جَسَدِه وشَعْرِه، ويُمِرُّ يدَيْه على ما قَدَر عليه مِنْ جَسَدِه (٤)، ورُوِيَ نحْوُ هذا عن رسول الله ﷺ .
стр. 389
(٥٤) قال: فإن تَرَك إمْرارَ يدَيْه على جَسَدِه لم يَضُرَّه، وفي إفاضةِ النبيِّ ﷺ الماءَ على جَسَدِه، دليلٌ على أنَّه إنْ لم يَدْلُكْه أجزأه (١)، ولقولِه: «إذا وَجَدْتَ الماءَ فأمْسِسْه جِلْدَك».
(٥٥) وفي أمْرِه الجنبَ المتَيَمِّمَ إذا وَجَدَ الماءَ: «اغْتَسِل»، ولم يأمُرْه بالوضوءِ .. دليلٌ على أنَّ الوضوءَ ليس بفَرْضٍ.
(٥٦) قال الشافعي: وإنْ تَرَك الوضوءَ للجنابةِ، والمضمضةَ والاسْتِنْشاقَ .. فقد أساء، ويُجْزِئُه، ويَسْتأنِفُ المضمضةَ والاسْتِنْشاقَ، وقد فَرَض اللهُ جلَّ ذِكرُه غَسْلَ الوجهِ مِنْ الحدَثِ؛ كما فَرَض غَسْلَه مع سائرِ البدنِ مِنْ الجَنابةِ، فكيف يُجْزِئُه تَرْكُ المضمضةِ والاسْتِنْشاقِ مِنْ أحدِهما، ولا يُجْزِئه مِنْ الآخر؟!
(٥٧) وكذلك غُسْلُ المرأةِ، إلا أنّها تَحْتاجُ مِنْ غَمْرِ ضَفائرِها (٢) حَتّى يَبْلُغَ الماءُ أصولَ الشّعْرِ إلى أكْثَرَ مما يَحْتاجُ إليه الرجلُ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلمَةَ سألت النبيَّ ﷺ فقالت: إنّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رأسي، أفأنْقُضُه للغُسْلِ مِنْ الجنابَةِ؟ فقال: «لا، إنما يَكفِيكِ أنْ تَحْثِي عليه ثلاثَ حَثَياتٍ مِنْ ماءٍ، ثُمّ تُفِيضِي عليكِ الماءَ». قال: وأحِبُّ أن يُغَلْغَلَ الماءُ في أصولِ الشّعْرِ (٣)،
стр. 390
وكيفما وَصَلَ الماءُ إلى شَعْرِها وبَشَرِها أجزأها، وكذلك غُسْلُها مِنْ الحيضِ والنِّفاسِ، ولَمّا أمرها رسولُ الله ﷺ بالغُسْلِ مِنْ الحيضِ، قال: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطَهَّري بها» (١)، فقالت عائشةُ: «تَتَبَّعِي بها أثَرَ الدَّمِ»، قال الشافعي: فإنْ لم تَجِدْ .. فطِيبًا، فإنْ لم تَفْعَلْ .. فالماءُ كافٍ.
(٥٨) وما بَدَأ به الرجلُ والمرأةُ في الغُسْلِ .. أجزأهما.
(٥٩) قال: وإن أدْخَلَ الجُنُبُ والحائضُ أيْدِيَهُما في الإناءِ ولا نجاسةَ فيها .. لم يَضُرَّه.
стр. 391
(٩)
باب فَضلِ الجُنُبِ وغيرِه
(٦٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن إسحاقَ بنِ عبداللهِ بنِ أبي طلحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: «رأيت رسول الله ﷺ أتِيَ بوَضُوءٍ، فوضَعَ يدَهُ في ذلك الإناءِ، وأمر الناسَ أن يَتَوَضَّئُوا مِنه، فرأيتُ الماءَ يَنْبُع مِنْ تَحْتِ أصابِعِه، حَتّى تَوَضّأ الناسُ مِنْ عِنْدِ آخِرِهم» (١).
(٦١) وعن ابن عمرَ أنّه قال: «كانَ الرجالُ والنساءُ يَتَوَضَّئون في زمانِ رسول الله ﷺ في إناءٍ واحدٍ جميعًا»، ويُرْوَى عن عائشةَ أنّها قالت: «كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ مِنْ إناءٍ واحدٍ مِنْ الجنابةِ»، وأنّها كانت تَغْسِلُ رأسَ رسول الله ﷺ وهي حائضٌ.
(٦٢) قال الشافعي: ولا بأسَ أنْ يَتَوَضّأ ويَغْتَسِلَ بفَضْلِ الجنبِ والحائضِ؛ لأنّ النبي ﷺ إذا اغْتَسَل وعائشةَ مِنْ إناءٍ واحدٍ، فقد اغْتَسَلَ كلُّ واحدٍ منهما بفَضْلِ صاحبِه، وليست الحيضةُ في اليَدِ، ولا المؤمنُ بنَجِسٍ، إنما تُعُبِّدَ أن يُمَاسَّ الماءَ في بَعْضِ حالاتِه، وكذلك ما رَوَى ابنُ عمرَ أنّ كلَّ واحدٍ منهما تَوَضَّأ بفَضْلِ صاحبِه.
(٦٣) وفي كلِّ (٢) ذلك دلالةٌ: أنَّه لا وَقْتَ فيما يَطْهُرُ به المغْتَسِلُ
стр. 392
والمتَوَضِّئُ إلا الإتيانُ بالماء على ما أمَر اللهُ به (١)، وقد يَخْرَقُ بالكثيرِ فلا يَكْفِي، ويَرْفُقُ بالقليلِ فيَكْفِي، وأحَبُّ إليَّ أنْ لا يَنْقُصَ مما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه تَوَضّأ بالمُدِّ، واغتَسَلَ بالصاعِ (٢).
стр. 393
(١٠)
باب التيمم (١)(٦٤) قال الشافعي: قال الله : ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر … فلم تجدوا ماء﴾ الآيةَ [النساء: ٤٣]، ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه تَيَمَّم فمَسَح وجهَه وذراعَيْه.
(٦٥) قال: ومعقولٌ إذا (٢) كان بَدَلًا مِنْ الوضوءِ على الوجه واليدين أنْ يُؤتَى بالتَّيَمُّم على ما يُؤتَى بالوضوءِ عليه، وعن ابنِ عمرَ أنّه قال: «ضَرْبَةٌ للوجْهِ، وضَرْبَةٌ لليدَيْن إلى المرفقين» (٣).
(٦٦) قال الشافعي: والتيمُّمُ أنْ يَضْرِبَ بيديه على الصعيدِ - وهو: التراب مِنْ كلِّ أرضٍ؛ سَبَخِها ومَدَرِها وبَطْحَائِها وغيرِه مما يَعْلَقُ باليد منه غُبارٌ (٤) - ما لم تَخْلَطْه نجاسةٌ، ويَنْوِي بالتيمم الفريضةَ، فيَضْرِب على التراب
стр. 394
ضَرْبةً ويُفَرِّقُ بَيْن (١) أصابِعِه حتى يُثِيرَ الترابَ، ثُمّ يَمْسَحُ بيديه وجْهَه كما وَصَفْتُ في الوضوءِ، ثُمَّ يَضْرِبُ ضَرْبَةً أخرى كذلك، ثُمّ يَمْسَحُ ذراعَه اليمنى، فيَضَعُ كفَّه اليسرى على ظَهْرِ كفِّه اليمنى وأصابعِها، ثُمّ يُمِرُّها على ظَهْرِ الذراع إلى مِرْفَقِه، ثم يُدِير كفَّه (٢) إلى بَطْنِ الذِّراع، ثُمّ يُقْبِل بها إلى كُوعِه (٣)، ثُمّ يُمِرُّها على ظَهْر إبهامه، ويكونُ باطن كفِّه اليمنى لم يَمَسَّها بشيءٍ (٤) مِنْ يدِه، فيَمْسَح بها اليسرى كما وَصَفْتُ في اليمنى، ويَمْسَحُ إحدى الراحتين بالأخرى، ويُخَلِّلُ بَيْن أصابعهما.
(٦٧) فإنْ أبْقَى شيئًا مما كان يُمِرُّ عليه الوضوءَ حَتَّى صَلّى .. أعاد ما بَقِيَ عليه مِنْ التَّيمُّم، ثم يُصَلِّي، وإنْ بَدَأ بيدَيْه قَبْلَ وجْهِه .. كانَ عليه أنْ يَعُودَ لمَسْحِ يدَيْه حَتّى يكونا بعد وجْهِه، مثلَ الوضوءِ سواءً، وإن قَدَّم يُسْرَى يدَيْه على اليمنى .. أجزأه.
(٦٨) ولو نَسِيَ الجنابةَ، فتَيَمَّم للحدث .. أجزأه؛ لأنَّه لو ذَكَرَ الجنابَةَ لم يَكُنْ عليه أكثرُ مِنْ التيمم.
стр. 395
قال المزني: ليس على المحدِث عندي مَعْرِفةُ أيّ الأحداثِ كان منه، وإنما عليه أنْ يَتَطَهَّرَ للحدثِ، ولو كان عليه معرفةُ أيّ الأحداثِ كان منه كما عليه معرفة أيّ الصلوات عليه .. لوجب أنْ لو تَوَضّأ مِنْ ريحٍ ثُمّ عَلِم أنّ حَدَثَه بَوْلٌ، أو اغْتَسَلَت امرأةٌ تَنْوِي مِنْ الحيضِ وإنّما كانت جنبًا، أو مِنْ حيضٍ وإنّما كانت نُفَساءَ .. لم يُجْزِئْ أحدًا منهم حتَّى يَعْلَمَ الحدثَ (١) الذي تَطَهَّر منه، ولا يقولُ بهذا أحدٌ نَعْلَمُه.
قال المزني: ولو كان الوضوءُ يَحتاجُ إلى النية لِما يُتَوَضّأ له .. لَما جاز لمن تَوَضّأ لقراءة مصحفٍ، أو لصلاةٍ على جنازةٍ، أو لتَطَوُّعٍ .. أن يُصَلّيَ به الفرضَ، فلما صلى به الفرضَ ولم يَتَوَضّأ للفرضِ .. أجزأه أن لا يَنْوِي لأيّ الفرضِ ولا لأيّ الأحداثِ [تَوَضّأ، ولا لأيّ الأحداثِ (٢) اغْتَسَل (٣).
(٦٩) قال الشافعي: وإذا وَجَدَ الجنبُ الماءَ بعد التَّيَمُّمِ .. اغْتَسَلَ، وإذا وَجَدَ الذي ليس بِجُنُبٍ .. تَوَضّأ.
стр. 396
(٧٠) قال: وإذا تَيَمَّمَ فَفَرَغَ مِنْ تَيَمُّمِه بَعْدَ طَلَبِ الماءِ، ثُمّ رَأى الماءَ .. فعليه أنْ يَعُودَ إلى الماءِ، فإن دَخَل في الصلاةِ ثُمَّ رأى الماءَ بَعْدَ دُخُولِه .. بَنَى على صَلاتِه، وأجزأَتْه الصلاةُ.
قال المزني: وجودُ الماءِ عندي (١) يَنْقُضُ طُهْرَ التيمُّمِ في الصلاة وغيرِها سواءً؛ كما أن ما نَقَضَ الطُّهْرَ في الصلاةِ وغيرِها سواءٌ، ولو كان الذي مَنَعَ نَقْضَ طُهْرِه الصلاةُ لَمَا ضَرَّهُ الحدثُ في الصلاةِ، وقد أجمعوا - والشافعيُّ مَعَهُم - أنَّ رجلين لو تَوَضّأ أحدُهما وتَيَمَّم الآخرُ في سَفَرٍ لعَدَمِ الماءِ .. أنّهما طاهران، وأنّهما قد أدَّيا فَرْضَ الطُّهْرِ، فإنْ أحْدَثَ المتوضئُ ووَجَدَ المتيمِّمُ الماءَ .. أنّهما في نَقْضِ الطُّهْرِ قبل الصلاة سواءٌ، فلِمَ لا كانا في نَقْضِ الطُّهْرِ بعد الدخولِ فيها سواءً؟ وما الفَرْقُ؟ [وقد قالَ في جماعةِ العلماءِ (٢): إنَّ عِدَّةَ مَنْ لم تَحِض الشُّهورُ، فإن اعْتَدَّتْ بها إلا يومًا ثُمّ حاضَتْ .. أنّ الشهورَ تَنْتَقِضُ، لوجودِ الحيْضِ (٣)، فكذلك التيمُّمُ يَنْتَقِضُ وإنْ كان في الصلاةِ لوجودِ الماءِ؛ كما يَنْتَقِضُ طُهْرُ المتوضِّئ وإنْ كان في الصلاةِ إذا كان الحدثُ، وهذا بقولِه أولى عندي (٤).
стр. 397
(٧١) قال الشافعي: ولا يَجْمَعُ بالتيمُّمِ صلاتَيْ فَرْضٍ، ويُحْدِثُ (١) لكلِّ فريضةٍ طلبًا للماءِ وتَيَمُّمًا بعد الطلبِ الأوَّلِ؛ لقولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦]، وقولِ ابنِ عباسٍ: «لا تُصَلَّى مكتوبةٌ إلا بِتَيَمُّمٍ».
(٧٢) قال: ويُصَلِّي بعد الفريضةِ النوافلَ (٢)، وعلى الجنائز، ويَقْرَأ في المصحفِ، ويَسْجُد سجودَ القرآن.
стр. 398
(٧٣) وإن تَيَمَّمَ بزِرْنيخ، أو نُورَة، أو ذَرِيرة (١)، ونحوه .. لم يُجْزِئه (٢).
стр. 399
(١١)
باب جامع التيمم والعذر فيه وغيره (١)(٧٤) قال الشافعي: وليس للمسافِرِ أنْ يتَيَمَّمَ إلا بعد دُخولِ وَقْتِ الصلاة، وإعوازِ الماءِ بَعد طَلَبِه (٢).
(٧٥) والسّفَرُ: أقلُّ ما يَقَعُ عليه اسْمُ سَفَرٍ طال أو قَصُرَ، واحتج في ذلك بظاهرِ القرآنِ، وبابنِ عمرَ.
(٧٦) قال: ولا يَتَيَمَّمُ مريضٌ في شتاءٍ ولا صَيْفٍ، إلا مَنْ به قَرْحٌ له غَوْرٌ (٣)، أو به ضَنًى مِنْ مَرَضٍ يُخافُ إنْ مَسَّه الماءُ أنْ يَكونَ منه التّلَفُ، أو يَكونَ منه المرضُ المَخُوفُ، لا لشَيْنٍ، ولا لإبْطاءِ بُرْءٍ.
وقال في القديم: يتَيَمَّمُ إذا خاف إن مَسَّه الماءُ شِدَّةَ الضّنَى (٤).
стр. 400
(٧٧) قال: وإن كان في بعضِ جسَدِه دون بعضٍ .. غَسَلَ ما لا ضَرَرَ عليه، وتَيَمَّمَ، لا يُجْزِئه أحدُهما دون الآخر، وإنْ كان على قَرْحِه (١) دَمٌ يَخافُ إنْ غَسَلَه .. تَيَمَّم، وأعاد إذا قَدَر على غَسْل الدّمِ.
(٧٨) قال: وإذا كان في المِصْرِ، في حُشٍّ (٢)، أو موضعٍ نَجِسٍ، أو مَرْبوطًا على خَشَبَةٍ .. صلَّى يُومِئ، ويُعِيدُ إذا قَدَر.
(٧٩) قال: ولو ألْصَق على موضعِ التيمُّمِ لَصُوقًا .. نَزَع اللَّصُوقَ، وأعاد (٣).
(٨٠) ولا يَعْدُو بالجبائرِ (٤) مَوْضِعَ الكَسْرِ (٥)، ولا يَضَعُها إلا على وُضوءٍ كالخُفَّيْن.
(٨١) فإنْ خاف الكَسِيرُ غَيْرُ المتَوَضِّئ (٦) التَّلَفَ إذا أُلْقِيَت الجبائرُ .. ففيها قولان: أحدهما: يَمْسَحُ عليها، ويُعِيدُ ما صلَّى إذا قَدَرَ على الوضوءِ،
стр. 401
والقول الآخر: لا يُعيد، وإن صَحَّ حديثُ عليٍّ أنه انكسَر إحدى زَنْدَيْه (١)، فأمَرَه النبيُّ ﷺ أن يَمْسَحَ على الجبائر .. قُلتُ به (٢)، وهذا مما أسْتَخِيرُ اللهَ فيه.
قال المزني: أوْلى قَوْلَيْه بالحق عندي أن يُجْزِئَه (٣)، ولا يُعيدُ، وكذلك كلُّ ما عَجَز عنه المصلِّي وفيما رُخِّصَ له في تَرْكِه مِنْ طُهْرٍ وغيرِه، وقد أَجمَعَت العلماءُ - والشافعيُّ معهم - أنْ لا تُعيدَ المستحاضَةُ، والحدَثُ في صَلاتِها دائمٌ، والنّجَسُ قائمٌ، ولا المريضُ الواجِدُ للماءِ ولا الذي معه الماءُ يَخافُ العَطَشَ إذا صلَّيَا بالتيمُّمِ، ولا العُرْيانُ، ولا المسايِفُ يُصلِّي إلى غيرِ القِبْلةِ يُومِئ إيماءً، فقَضى ذلك مِنْ إجماعِهم على طَرْحِ ما عَجَزَ عنه المصلِّي ورفعِ الإعادَةِ، وقد قال: «مَنْ كان معه ماءٌ يُوَضِّئُه في سَفَرِه وخاف (٤) العَطَشَ .. كمن لم يَجِد» (٥).
قال المزني: وكذلك (٦) مَنْ على قُرُوحِه دمٌ يَخافُ إنْ غَسَلها كمن ليس به نَجَسُ (٧).
стр. 402
(٨٢) وقال الشافعي: ولا يَتيمَّمُ صحيحٌ في مِصرٍ لمكتوبةٍ ولا لجنازةٍ، ولو جاز ما قال غيري: يَتيمَّمُ للجنازةِ لخوفِ الفَوْتِ .. لَزِمَه ذلك لفَوْتِ الجُمعَة والمكتوبةِ، فإذا لم يَجُزْ عنده لفَوْتِ الأوْكَدِ كان مِنْ أنْ يُجْزِئَ فيما دونه أبْعَدَ، ورُوِي عن ابنِ عمرَ أنّه كان لا يُصلِّي على جنازةٍ إلا مُتوضِّئًا.
(٨٣) قال: وإنْ كان معه في السفرِ مِنْ الماءِ ما لا يُغَسِّلُه للجنابةِ ..
стр. 403
غَسَل أيَّ بَدَنِه شاء، ثُمّ تيمَّمَ وصَلَّى (١).
وقال في موضعٍ آخرَ: يَتيمَّمُ ولا يَغْسِلُ مِنْ أعضائه شيئًا، وقال في القديم: لأنّ الماءَ لا يُطَهِّرُ بَدنَه بغَسْلِ البعضِ، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أشبهُ بالحقِّ عندي؛ لأن كلَّ بَدَلٍ يُعْدَمُ فحكمُ ما وُجِدَ مِنْ بَعْضِ المعدومِ حكمُ العَدَمِ، كالقاتلِ خطأً يَجِدُ بَعْضَ رقبةٍ، فحكمُ البعضِ حكمُ العدَمِ، وليس عليه إلا البدلُ، ولو لَزِمَه غَسْلُ بعضٍ لوجود بعضِ الماءِ وكمالُ البدلِ، لَزِمَه عِتْقُ بعضِ الرقبَةِ لوجود البعضِ (٣) وكمالُ البدلِ، ولا يقولُ بهذا أحدٌ نَعْلَمُه، وفي ذلك دليلٌ، وبالله التوفيق (٤).
(٨٤) قال الشافعي: وأحِبُّ تَعْجيلَ التّيمُّمِ؛ لاستحبابي تَعْجيلَ الصلاةِ.
وفي «الإملاء»: «لو أخَّرَه إلى آخر الوقْتِ رجاءَ أنْ يَجِد الماءَ كان أحَبَّ إليَّ»، قال المزني: قلت أنا (٥): التعجيلُ عندي (٦) بقولِه أوْلى؛ لأنّ السُّنَّةَ أنْ يُصلِّيَ ما بَيْن أوَّل الوقتِ وآخرِه، فما كان أعظمَ لأجرِه في أداءِ الصلاةِ بالوضوءِ فالتيمُّمُ مثلُه، وبالله التوفيقُ (٧).
стр. 404
(٨٥) قال الشافعي: فإنْ لم يَجِد الماءَ، ثُمَّ عَلِم أنَّه كان في رَحْلِه .. أعاد.
(٨٦) وإن وَجَدَه بثَمَنٍ في مَوْضِعِه، وهو واجدٌ الثَّمَنَ، غيرَ خائفٍ إن اشْتَراه الجوعَ في سَفَرِه .. فليس له التيمُّم، وإن أُعْطِيَه بأكثرَ مِنْ الثَّمَنِ (١) .. لم يَكُنْ عليه أنْ يَشْتَرِيَه، ويَتيمَّم.
(٨٧) ولَوْ كانَ مع رجلٍ ماءٌ، فأَجْنبَ رجلٌ (٢)، وطَهُرَت امرأةٌ مِنْ الحيْضِ، ومات رجلٌ، ولم يَسَعْهُم الماءُ .. كان (٣) الميِّتُ أحبَّهم إليَّ أنْ يَجُودَ بالماءِ عليه، ويَتيمَّمُ الحيّانِ؛ لأنَّهما قد يَقْدِران على الماءِ، والميِّتُ إذا دُفِنَ لم يُقْدَرْ على غَسْلِه، فإنْ كان مع الميِّتِ ماءٌ فهو أحقُّهم به (٤)، فإنْ خافوا العَطَشَ .. شَرِبُوه، ويَمَّمُوه، وأدَّوْا ثَمَنَه في مِيراثِه.
стр. 405
(١٢)
باب ما يُفسِدُ الماءَ
(٨٨) قال الشافعي: وإذا وَقَع في الإناءِ نُقْطَةُ خمرٍ، أو بولٍ، أو دمٍ، أو أيِّ نجاسةٍ كانت مما يُدْرِكُها الطَّرْفُ .. فقد فَسَد الماءُ، ولا تُجْزِئ به الطهارةُ (١).
(٨٩) قال: وإنْ تَوَضّأ رجلٌ، ثُمّ جَمَع وَضوءَه في إناءٍ نَظيفٍ، ثُمّ تَوضَّأ به أو غيرُه .. لم يُجْزِه؛ لأنَّه أدَّى به الفَرْضَ مرةً، وليس بنَجِسٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ تَوضَّأ، ولا يُشَكُّ أنَّ مِنْ بَلَلِ الوضوءِ ما يُصِيبُ ثيابَه، ولا نَعْلَمُه
стр. 406
غَسَلَه، ولا أحدٌ مِنْ المسلمين فَعَلَه، ولا يُتَوَضَّأ به؛ لأنَّ على الناسِ تَعَبُّدًا في أنفُسِهم بالطهارةِ مِنْ غيرِ نجاسةٍ، وليس على ثَوْبٍ ولا أرضٍ تَعَبُّدٌ، ولا أنْ يُماسَّه ماءٌ مِنْ غيرِ نجاسةٍ (١).
(٩٠) قال: وإذا وَلَغَ الكلبُ في الإناءِ .. فقد نَجَسَ الماءُ، وعليه أنْ يُهَرِيقَه ويَغْسِلَ منه الإناءَ سبعَ مرّاتٍ، أولاهن بالتُّرابِ؛ كما قال رسول الله ﷺ .
(٩١) قال: فإن كان في بحرٍ لا (٢) يَجِدُ فيه تُرابًا، فغَسَلَه بما يَقومُ مَقامَ التُّرابِ في التنظيفِ، مِنْ أُشْنانٍ، أو نُخالةٍ، أو ما أشبهه .. ففيه قولان: أحدهما - لا يَطْهُر إلا بأن يُماسَّه الترابُ، والآخر - يَطْهُر بما يكون خَلَفًا من ترابٍ وأنْظَفَ منه مما وَصَفْتُ؛ كما نَقولُ في الاستنجاء.
стр. 407
قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبهُ بقولِه؛ لأنَّه جَعَلَ الخَزَفَ في الاستنجاء كالحجارةِ؛ لأنَّه (٢) يُنْقِي إنقاءَها، فكذلك يَلْزَمُه أنْ يَجْعَل الأُشْنانَ كالترابِ؛ لأنَّه يُنْقِي إنقاءَه أو أكثرَ، وكما جَعَلَ ما عَمِلَ عَمَلَ القَرَظِ والشَّبِّ في الإهابِ في معنى القَرَظِ والشَّبِّ، فكذلك الأُشْنانُ في تطهيرِ الإناءِ في معنى الترابِ (٣).
(٩٢) قال الشافعي: ويَغْسِلُ الإناءَ مِنْ النجاسَةِ سِوى ذلك ثلاثًا أحَبُّ إليَّ، فإنْ غَسَلَه واحدةً تأتي عليه طَهُر (٤)، وما مسَّ الكلبُ والخنزيرُ به الماءَ من (٥)
стр. 408
أبدانِهما نجَّسَهُ وإن لم يَكُنْ فيهما (١) قَذَرٌ (٢)، واحْتَجَّ بأنَّ الخنزيرَ أسْوَأ حالًا مِنْ الكلبِ، فقاسَه عليه، وقاسَ ما سِوى ذلك مِنْ النجاساتِ على أمْرِ النبيِّ ﷺ أسماءَ بِنْتَ أبي بَكْرٍ في دَمِ الحيضة يُصِيبُ الثوْبَ أن تَحُتَّه، ثُمّ تَقْرُصَه بالماء وتُصَلِّيَ فيه، ولم يُوَقِّتْ في ذلك سبعًا (٣).
(٩٣) واحْتَجَّ في جوازِ الوضوءِ بفَضْلِ ما سِوى الكلبِ والخنزيرِ بحديثِ رسولِ الله ﷺ أنّه سُئِل: أنَتَوَضّأ بما أفْضَلَتِ الحُمُرُ؟ قال: «نعَم، وبما أفْضَلَت السباعُ كلُّها»، وبحديثِ أبي قتادةَ في الهرَّة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنّها ليستْ بنَجِسٍ»، وبقولِه ﵇: «إذا سَقَطَ الذُّبابُ في الطعام فامْقُلُوه» (٤)، فدَلَّ على أنَّه ليس في الأحياءِ نجاسةٌ إلا ما ذَكَرْتُ (٥) مِنْ الكلبِ والخنزيرِ.
(٩٤) قال: وغَمْسُ الذُّبابِ في الماءِ ليس بقَتْلِه، والذُّبابُ لا يُؤكَل، فإنْ ماتَ أو خُنْفُساء أو نحوُهما في إناءٍ نَجَّسَه.
стр. 409
وقال في مَوْضعٍ آخَرَ: «إنْ وَقَعَ في الماءِ الذي يَنْجُسُ منها، نَجَّسَه إذا كان مما له نَفْسٌ سائلةٌ»، قال المزني: هذا أشْبَهُ بقولِ العلماءِ، وقولُه معهم أوْلى به مِنْ انفرادِه عنهم (١).
(٩٥) قال الشافعي: وإنْ وَقَعَتْ فيه جرادَةٌ مَيِّتَةٌ أو حُوتٌ لم يُنَجِّسْه؛ لأنّهما مأكولان مَيِّتَيْن.
(٩٦) قال: ولُعابُ الدوابِّ وعَرَقُها قِياسًا على بَنِي آدمَ.
(٩٧) قال: وأيُّما إهابِ مَيْتَةٍ دُبِغَ بما تَدْبَغُ به العرَبُ أو نحوِه فقد طَهُرَ، وحَلّ بَيْعُه، وتُوُضِّئ فيه، إلا جِلْدَ كلبٍ أو خنزيرٍ؛ لأنَّهما نَجِسان حَيَّيْن.
(٩٨) قال: ولا يَطْهُرُ بالدِّباغِ عَظْمٌ ولا صُوفٌ ولا شَعْرٌ؛ لأنّه قَبْل الدِّباغِ وبعدَه سواءٌ.
стр. 410
(١٣)
باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس
(٩٩) قال الشافعي: أخبرنا الثِّقةُ، عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمد بن عبّاد بن جعفر، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ نَجَسًا»، أو قال: «خَبَثًا» (١).
(١٠٠) ورَوَى الشافعيُّ أنّ ابنَ جُرَيْجٍ روى عن النبي ﷺ بإسنادٍ لا يَحْضُر الشافعيَّ ذِكْرُه - أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ نَجَسًا»، وقال في الحديث: «بقِلالِ هَجَرٍ»، قال الشافعي: قال ابن جريج: «وقد رَأيْتُ قِلالَ هَجَرٍ، فالقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْن، أو قِرْبَتَيْن وشيئًا»، قال: فالاحْتياطُ أنْ تَكون القُلَّتان خَمْسَ قِرَبٍ، قال: وقِرَبُ الحجازِ كِبارٌ (٢).
(١٠١) واحْتَجَّ بأنّه قيل: يا رسول الله، إنّك تَتَوضّأ مِنْ بِئرِ بُضاعَةَ، وهي تُطْرَحُ فيها المحايِضُ، ولحومُ الكلابِ، وما يُنْجِي الناسُ؟ (٣)، فقال:
стр. 411
«الماءُ لا يُنَجِّسُه شيءٌ»، قال: ومعنى «لا يُنَجِّسُه شيءٌ»: إذا كان كثيرًا لم يُغَيِّرْه النَجَسُ، ورُوِيَ هذا عَنْ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خُلِقَ الماءُ طهورًا لا يُنَجِّسُه (١) إلا ما غَيَّرَ رِيحَه أو طَعْمَه».
(١٠٢) وقال فيما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّه نَزَحَ زَمْزَمَ مِنْ زِنْجِيٍّ مات فيها: إنّا لا نَعْرِفُه، وزَمْزَمُ عندنا. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنّه قال: «أربع لا يُجْنِبْنَ … » فذَكَرَ الماءَ منها (٢)، وهو لا يُخالِفُ النبيَّ ﷺ ، وقد يَكونُ الدَّمُ ظَهَرَ فيها فنَزَحَها - إنْ كان فَعَلَ -، أو تَنَظُّفًا (٣) لا واجبًا.
(١٠٣) قال: وإذا كان الماءُ خمْسَ قِرَبٍ كِبارٍ مِنْ قِرَبِ الحجازِ، فوَقَعَ فيه دَمٌ أو أيُّ نجاسةٍ كانت، فلم تُغَيِّرْ طَعْمَه ولا لَوْنَه ولا رِيحَه .. لم يَنْجُسْ، وهو بحاله طاهرٌ؛ لأنّ فيه خمْسَ قِرَبٍ (٤).
(١٠٤) قال: وهذا فَرْقُ ما بَيْن الكثيرِ (٥) لا يُنَجِّسُه إلا ما غَيَّرَه، وبَيْن القليلِ الذي يُنَجِّسُه ما لم يُغَيِّرْه.
(١٠٥) فإنْ وَقَعَتْ مَيْتَةٌ في بِئرٍ، فغَيَّرَتْ طَعْمَها أو لَوْنَها أو رِيحَها .. أُخْرِجَت الميتةُ، ونُزِحَت البِئرُ حتّى يَذْهَبَ تَغَيُّرُها، فتَطْهُرُ بذلك.
(١٠٦) قال: وإذا كان الماءُ أقَلَّ مِنْ خمْسِ قِرَبٍ، فخالَطَتْه نجاسةٌ ليْسَتْ بقائمةٍ .. نَجَّسَتْه، فإن صُبَّ عليه ماءٌ، أو صُبَّ على ماءٍ آخَرَ، حتّى
стр. 412
يكونَ الماءان معًا خمْسَ قِرَبٍ فصاعدًا (١) .. لم يُنَجِّسْ واحدٌ منهما صاحبَه، قال: فإن فُرِّقا بعد ذلك .. لم يَنْجُسا بعدما طَهُرا إلا بنجاسةٍ تَحْدُثُ فيهما.
(١٠٧) وإنْ وَقَعَ في الماءِ القليلِ ما لا يَخْتَلِطُ به، مثْلُ: العَنْبَر، أو العودِ، أو الدُّهنِ الطَّيِّبِ .. فلا بأسَ به؛ لأنّه ليس مَخُوضًا به (٢).
(١٠٨) وإذا كان معه في السّفَرِ إناءان، يَسْتَيْقِنُ أنّ أحدَهما قَدْ نَجَسَ، والآخَرُ لم يَنْجُسْ .. تأخَّى (٣)، وأراقَ النَّجِسَ على الأغْلبِ عنده، وتَوَضّأ بالطاهرِ؛ لأن الطهارةَ تَمَكَّن، والماءُ على أصلِه طاهرٌ (٤).