أبدانِهما نجَّسَهُ وإن لم يَكُنْ فيهما (١) قَذَرٌ (٢)، واحْتَجَّ بأنَّ الخنزيرَ أسْوَأ حالًا مِنْ الكلبِ، فقاسَه عليه، وقاسَ ما سِوى ذلك مِنْ النجاساتِ على أمْرِ النبيِّ ﷺ أسماءَ بِنْتَ أبي بَكْرٍ في دَمِ الحيضة يُصِيبُ الثوْبَ أن تَحُتَّه، ثُمّ تَقْرُصَه بالماء وتُصَلِّيَ فيه، ولم يُوَقِّتْ في ذلك سبعًا (٣).
(٩٣) واحْتَجَّ في جوازِ الوضوءِ بفَضْلِ ما سِوى الكلبِ والخنزيرِ بحديثِ رسولِ الله ﷺ أنّه سُئِل: أنَتَوَضّأ بما أفْضَلَتِ الحُمُرُ؟ قال: «نعَم، وبما أفْضَلَت السباعُ كلُّها»، وبحديثِ أبي قتادةَ في الهرَّة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنّها ليستْ بنَجِسٍ»، وبقولِه ﵇: «إذا سَقَطَ الذُّبابُ في الطعام فامْقُلُوه» (٤)، فدَلَّ على أنَّه ليس في الأحياءِ نجاسةٌ إلا ما ذَكَرْتُ (٥) مِنْ الكلبِ والخنزيرِ.
(٩٤) قال: وغَمْسُ الذُّبابِ في الماءِ ليس بقَتْلِه، والذُّبابُ لا يُؤكَل، فإنْ ماتَ أو خُنْفُساء أو نحوُهما في إناءٍ نَجَّسَه.
стр. 409
وقال في مَوْضعٍ آخَرَ: «إنْ وَقَعَ في الماءِ الذي يَنْجُسُ منها، نَجَّسَه إذا كان مما له نَفْسٌ سائلةٌ»، قال المزني: هذا أشْبَهُ بقولِ العلماءِ، وقولُه معهم أوْلى به مِنْ انفرادِه عنهم (١).
(٩٥) قال الشافعي: وإنْ وَقَعَتْ فيه جرادَةٌ مَيِّتَةٌ أو حُوتٌ لم يُنَجِّسْه؛ لأنّهما مأكولان مَيِّتَيْن.
(٩٦) قال: ولُعابُ الدوابِّ وعَرَقُها قِياسًا على بَنِي آدمَ.
(٩٧) قال: وأيُّما إهابِ مَيْتَةٍ دُبِغَ بما تَدْبَغُ به العرَبُ أو نحوِه فقد طَهُرَ، وحَلّ بَيْعُه، وتُوُضِّئ فيه، إلا جِلْدَ كلبٍ أو خنزيرٍ؛ لأنَّهما نَجِسان حَيَّيْن.
(٩٨) قال: ولا يَطْهُرُ بالدِّباغِ عَظْمٌ ولا صُوفٌ ولا شَعْرٌ؛ لأنّه قَبْل الدِّباغِ وبعدَه سواءٌ.
стр. 410
(١٣)
باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس
(٩٩) قال الشافعي: أخبرنا الثِّقةُ، عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمد بن عبّاد بن جعفر، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ نَجَسًا»، أو قال: «خَبَثًا» (١).
(١٠٠) ورَوَى الشافعيُّ أنّ ابنَ جُرَيْجٍ روى عن النبي ﷺ بإسنادٍ لا يَحْضُر الشافعيَّ ذِكْرُه - أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ نَجَسًا»، وقال في الحديث: «بقِلالِ هَجَرٍ»، قال الشافعي: قال ابن جريج: «وقد رَأيْتُ قِلالَ هَجَرٍ، فالقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْن، أو قِرْبَتَيْن وشيئًا»، قال: فالاحْتياطُ أنْ تَكون القُلَّتان خَمْسَ قِرَبٍ، قال: وقِرَبُ الحجازِ كِبارٌ (٢).
(١٠١) واحْتَجَّ بأنّه قيل: يا رسول الله، إنّك تَتَوضّأ مِنْ بِئرِ بُضاعَةَ، وهي تُطْرَحُ فيها المحايِضُ، ولحومُ الكلابِ، وما يُنْجِي الناسُ؟ (٣)، فقال:
стр. 411
«الماءُ لا يُنَجِّسُه شيءٌ»، قال: ومعنى «لا يُنَجِّسُه شيءٌ»: إذا كان كثيرًا لم يُغَيِّرْه النَجَسُ، ورُوِيَ هذا عَنْ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خُلِقَ الماءُ طهورًا لا يُنَجِّسُه (١) إلا ما غَيَّرَ رِيحَه أو طَعْمَه».
(١٠٢) وقال فيما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّه نَزَحَ زَمْزَمَ مِنْ زِنْجِيٍّ مات فيها: إنّا لا نَعْرِفُه، وزَمْزَمُ عندنا. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنّه قال: «أربع لا يُجْنِبْنَ … » فذَكَرَ الماءَ منها (٢)، وهو لا يُخالِفُ النبيَّ ﷺ ، وقد يَكونُ الدَّمُ ظَهَرَ فيها فنَزَحَها - إنْ كان فَعَلَ -، أو تَنَظُّفًا (٣) لا واجبًا.
(١٠٣) قال: وإذا كان الماءُ خمْسَ قِرَبٍ كِبارٍ مِنْ قِرَبِ الحجازِ، فوَقَعَ فيه دَمٌ أو أيُّ نجاسةٍ كانت، فلم تُغَيِّرْ طَعْمَه ولا لَوْنَه ولا رِيحَه .. لم يَنْجُسْ، وهو بحاله طاهرٌ؛ لأنّ فيه خمْسَ قِرَبٍ (٤).
(١٠٤) قال: وهذا فَرْقُ ما بَيْن الكثيرِ (٥) لا يُنَجِّسُه إلا ما غَيَّرَه، وبَيْن القليلِ الذي يُنَجِّسُه ما لم يُغَيِّرْه.
(١٠٥) فإنْ وَقَعَتْ مَيْتَةٌ في بِئرٍ، فغَيَّرَتْ طَعْمَها أو لَوْنَها أو رِيحَها .. أُخْرِجَت الميتةُ، ونُزِحَت البِئرُ حتّى يَذْهَبَ تَغَيُّرُها، فتَطْهُرُ بذلك.
(١٠٦) قال: وإذا كان الماءُ أقَلَّ مِنْ خمْسِ قِرَبٍ، فخالَطَتْه نجاسةٌ ليْسَتْ بقائمةٍ .. نَجَّسَتْه، فإن صُبَّ عليه ماءٌ، أو صُبَّ على ماءٍ آخَرَ، حتّى
стр. 412
يكونَ الماءان معًا خمْسَ قِرَبٍ فصاعدًا (١) .. لم يُنَجِّسْ واحدٌ منهما صاحبَه، قال: فإن فُرِّقا بعد ذلك .. لم يَنْجُسا بعدما طَهُرا إلا بنجاسةٍ تَحْدُثُ فيهما.
(١٠٧) وإنْ وَقَعَ في الماءِ القليلِ ما لا يَخْتَلِطُ به، مثْلُ: العَنْبَر، أو العودِ، أو الدُّهنِ الطَّيِّبِ .. فلا بأسَ به؛ لأنّه ليس مَخُوضًا به (٢).
(١٠٨) وإذا كان معه في السّفَرِ إناءان، يَسْتَيْقِنُ أنّ أحدَهما قَدْ نَجَسَ، والآخَرُ لم يَنْجُسْ .. تأخَّى (٣)، وأراقَ النَّجِسَ على الأغْلبِ عنده، وتَوَضّأ بالطاهرِ؛ لأن الطهارةَ تَمَكَّن، والماءُ على أصلِه طاهرٌ (٤).
стр. 413
(١٤)
باب المسح على الخفين
(١٠٩) قال الشافعي: أخبرنا الثقفي (١)، عن المهاجر أبي مخلد، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ أرْخَصَ للمسافر ثلاثةَ أيامٍ ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلةً، إذا تَطَهَّر فلَبِس خفَّيْه أنْ يَمْسَح عليهما» (٢).
стр. 414
(١١٠) قال الشافعي: وإذا تَطَهَّر الرجلُ المقيمُ بغُسْلٍ أو وُضوءٍ، ثُمّ أدْخَل رِجْلَيه الخفَّيْن وهما طاهرتان، ثُمّ أحْدَث، فإنّه يَمْسَح عليهما مِنْ وَقْتِ ما أحْدَث يومًا وليلةً، وذلك إلى الوقتِ الذي أحْدَث فيه، وإنْ كان مُسافرًا مَسَحَ ثلاثةَ أيامٍ ولياليهن إلى الوقتِ الذي أحْدَث فيه، وإذا جاوز الوقتَ فقد انْقَطَع المسحُ، فإنْ تَوَضّأ ومَسَح وصلَّى بعد ذَهابِ وَقْتِ المَسْحِ أعاد غَسْلَ رِجْلَيْه والصلاةَ (١).
(١١١) ولو مَسَح في الحضرِ ثُمّ سافر .. أتَمَّ مَسْحَ مُقيمٍ (٢).
(١١٢) ولو مَسَح مسافرًا ثُمّ أقام .. مَسَحَ مَسْحَ مُقيمٍ (٣).
стр. 415
(١١٣) وإذا تَوَضَّأ فغَسَل إحْدَى رِجْلَيْه، ثم أدْخَلها الخفَّ، ثُمّ غَسَل الأخرَى، ثُمّ أدْخَلَها الخفَّ .. لم يُجْزِئه إذا أحْدَثَ أنْ يَمْسَح حتّى يَكونَ طاهرًا بكماله قبل لِباسِه أحَدَ خُفَّيْه، فإنْ نَزَع الخفَّ الأوَّلَ الملبوسَ قبل تَمامِ طُهْرِه ثُمَّ لَبِسَه، جاز له أنْ يَمْسَح؛ لأنّ لِباسَه مع الذي قَبْلَه بعد كمالِ الطهارةِ.
قال المزني: كيفما صَحَّ لُبْسُ خُفَّيْه على طُهْرٍ، جاز له المسْحُ عندي (١).
(١١٤) قال الشافعي: وإنْ تَخَرَّق مِنْ مُقَدَّمِ الخفِّ شَيْءٌ بانَ مِنه بَعْضُ الرِّجلِ وإن قَلَّ (٢) .. لم يُجْزِئه أنْ يَمْسَح على خُفٍّ غيرِ ساترٍ لجميعِ القدمِ، وإنْ كان خَرْقُه مِنْ (٣) فوق الكعبَيْن .. لم يَضُرَّه ذلك.
[وقال في القديم: «يَمْسَح وإنْ كان فيه فَتْقٌ، أو خَرَجَتْ مِنْ موضع القدم؛ كما يَمْسَح إذا خرج من الساق»، قال المزني: الذي قبل هذا أشْبَهُ بقوله؛ لأنّه لو جاز أن يَمْسَح إذا أدْخَل كلَّ قدمَيْه في بعض ساق الخف لجاز مَسْحُ ساقِ خُفٍّ لا قَدَمَ فيه أن يَمْسَح على الساق، وهذا خلافُ سُنَّة رسول الله ﷺ (٤).
стр. 416
(١١٥) ولا يَمْسَحُ على جَوْرَبَيْن إلا أن يكون الجوربان (١) مُجَلَّدَي القدَمَيْن إلى الكعبَيْن؛ حتّى يَقُوما مَقامَ الخفَّيْن.
(١١٦) وما لَبِسَ مِنْ خُفِّ خَشَبٍ أو ما قام مَقامَه .. أجْزَأه أن يَمْسَحَ عليه.
(١١٧) ولا يَمْسَحُ على جُرْمُوقَيْن.
وقال في القديم: «يَمْسَح عليهما»، قال المزني: قلت أنا (٢): ولا أعْلَمُ بين العلماءِ في ذلك خِلافًا، وقَوْلُه معهم أوْلى به مِنْ انفرادِه عنهم، وزَعَمَ أنّه إنَما أرِيدَ بالمسحِ على الخفَّيْن المِرْفَقُ، فكذلك الجُرْموقان مِرْفَقٌ (٣)، وهو بالخفِّ شَبِيهٌ (٤).
(١١٨) قال الشافعي: وإنْ نَزَعَ خُفَّيْه بعد مَسْحِهما غَسَلَ قَدَمَيْه.
وفي القديم وكتاب ابن أبي ليلى: «يَتَوَضّأ»، قال المزني: قلت أنا (٥):
стр. 417
الذي قَبْل هذا أوْلى؛ لأنّ غُسْلَ الأعضاءِ لا يَنْتَقِضُ في السُّنَّة إلا بالحدثِ، وإنّما انْتَقَضَ طُهْرُ القَدَمَيْن؛ لأنّ المسْحَ عليهما كان لعَدَمِ ظُهُورِهما؛ كمَسْحِ التّيَمُّمِ لعَدَمِ الماءِ، فلما كان وجودُ المعدومِ مِنْ الماءِ بَعْدَ المسحِ يُبْطِل المسْحَ ويُوجِبُ الغَسْلَ .. كان كذلك ظُهورُ القدمَيْن بَعْدَ المسحِ يُبْطِل المسْحَ ويوجِبُ الغَسْلَ، وسائرُ الأعضاءِ سِوَى القدمَيْن مَغْسُولَةٌ، فلا غُسْلَ عليها ثانِيَةً إلا بحَدَثٍ ثانٍ (١).
стр. 418
(١٥)
باب كيف المسح على الخفين
(١١٩) قال الشافعي: أخبرنا ابنُ أبي يحيى (١)، عن ثَوْرِ بن يزيدَ، عن رَجاءِ بنِ حَيْوَةَ، عن كاتبِ المغيرةِ، عن المغيرةِ بنِ شُعبةَ: «أنّ النبيّ ﷺ مَسَحَ أعلى الخفِّ وأسفلَه».
(١٢٠) واحتج بابن عمر أنّه كان يَمْسَحُ أعلى الخفِّ وأسفلَه.
(١٢١) قال الشافعي: وأحِبُّ أنْ يَغْمِسَ يدَيْه في الماءِ، ثُمّ يَضَعَ كفَّه اليُسْرَى تحْتَ عَقِبِ الخفِّ، وكفَّهُ اليُمْنَى على أطرافِ أصابِعِه، ثُمّ يُمِرَّ اليُمْنَى إلى ساقِه، واليُسْرَى إلى أطرافِ أصابِعِه.
(١٢٢) فإنْ (٢) مَسَحَ على باطنِ الخفِّ وتَرَكَ الظاهرَ .. أعاد، وإنْ مَسَح على الظاهرِ وترك الباطنِ (٣) .. أجزأه (٤).
стр. 419
(١٢٣) وكيفما أتَى بالمسْحِ على ظَهْرِ القَدَمِ بكلِّ اليدِ أو ببعْضِها أجزأه.
стр. 420
(١٦)
باب الغسل للجمعة والأعياد (١)(١٢٤) قال الشافعي: والاختيارُ في السُّنَّةِ لكلِّ مَنْ أرادَ صلاةَ الجمعةِ: الاغتسالُ لها؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ قال: «الغُسْلُ (٢) واجبٌ على كلِّ محْتَلِمٍ» (٣)، يُرِيدُ: وُجوبَ الاختيارِ؛ لأنَّه رُوِيَ أنّه قال ﵇: «مَنْ تَوَضّأ فَبِها ونِعْمَتْ (٤)، ومَن اغْتَسَل فالغُسْلُ أفضلُ» (٥)، وقال عمرُ لعثمانَ حين راح (٦): «والوضوءَ أيضًا! (٧)، وقد عَلِمْتَ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يأمر بالغُسل»، قال: ولَوْ عَلِما وُجوبَه لرَجَعَ عثمانُ، وما تَرَكَه عمرُ.
стр. 421
(١٢٥) قال: ويُجْزِئه غُسْلُه لها إذا كانَ بَعْدَ الفجرِ.
(١٢٦) قال: وإنْ كانَ جُنُبًا فاغْتَسَل لهما جميعًا .. أجزأه.
(١٢٧) قال: وأحِبُّ الغُسْلَ مِنْ غَسْلِ الميِّتِ.
(١٢٨) قال: وكذلك الغُسْلُ للأعيادِ سُنَّةُ اختيارٍ.
(١٢٩) فإنْ تَرَكَ الغُسْلَ للجمعةِ والعيدِ (١) .. أجزأتْه الصلاةُ.
(١٣٠) وإن نَوَى بالغُسْلِ الجمعةَ والعيدَ .. لم يُجْزِئه مِنْ الجنابَةِ حتّى يَنْوِيَ الجنابَةَ (٢).
(١٣١) قال الشافعي: وأوْلى الغُسْلِ أنْ يَجِبَ عندي بَعْد غُسْلِ الجنابةِ: الغُسْلُ مِنْ غَسْلِ الميِّتِ، والوُضوءُ مِنْ مَسِّه مُفْضِيًا إليه، ولو ثَبَتَ الحديثُ بذلك عن النبي ﷺ قُلْتُ به، ثُمَّ غُسْلُ الجمعةِ، ولا نُرَخِّصُ في تَرْكِه، ولا نُوجِبُه إيجابًا لا يُجْزِئ غيرُه.
قال المزني: قلت أنا (٣): إذا لم يَثْبُتْ فقَدْ ثَبَتَ تأكيدُ غُسْلِ الجمعةِ، فهو أوْلَى (٤)، وأجمعوا أنّ من مَسَّ خنزيرًا أو مَيْتَةً أنّه لا غُسْلَ عليه
стр. 422
ولا وُضوءَ إلا غَسْلُ ما أصابه، فكيف يَجِبُ ذلك عليه في أخيه المؤمن! (١).
стр. 423
(١٧)
باب حيض المرأة وطُهْرِها واستحاضتها (١)(١٣٢) قال الشافعي: قال الله : ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، قال الشافعي: مِنْ المحيضِ (٢)، ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قال الشافعي: تَطَهَّرْن بالماءِ.
(١٣٣) قال: وإذا اتَّصَل بالمرأةِ الدمُ نَظَرَتْ، فإنْ كانَ دَمُها ثَخينًا، مُحْتَدِمًا (٣)، يَضْرِبُ إلى السّوادِ، له رائحةٌ .. فتلك الحيْضَةُ نَفْسُها، فلْتَدَعِ الصلاةَ، فإذا ذَهَبَ ذلك الدمُ وجاءها الدمُ الأحمرُ الرقيقُ المشْرِقُ (٤) .. فهو عِرْقٌ، وليستْ بالحيْضَةِ، وهو الطُّهْرُ، وعليها أنْ تَغْتَسِل كما وصَفْتُ (٥) وتُصَلّيَ، ويأتِيها زوجُها، ولا يَجُوزُ لها أن تَسْتَظْهِرَ بثلاثةِ أيامٍ (٦)؛ لأنّ
стр. 424
رسولَ الله ﷺ قال: «فإذا ذَهَب قَدْرُها - يريد: الحيضة - فاغْسِلِي الدمَ عنك وصَلِّي»، ولا يقولُ لها النبيُّ ﷺ : «إذا ذَهَب قَدْرُها» إلا وهي به عارفةٌ.
(١٣٤) قال: وإنْ لم يَنْفَصِلْ دَمُها بما وَصَفْتُ لك فتَعْرِفه وكانَ مُشْتَبِهًا .. نَظَرَتْ إلى ما كان عليه حَيْضَتُها فيما مَضَى مِنْ دَهْرِها، فتَرَكَت الصلاةَ للوقتِ الذي كانتْ تَحِيضُ فيه (١)؛ لقول النبي ﷺ : «لتَنْظُر عِدَّةَ الليالي والأيامِ التي كانتْ تَحِيضُهُنّ مِنْ الشهرِ قبل أن يُصِيبَها الذي أصابها، فلْتَدَع الصلاةَ، فإذا خَلَّفَتْ ذلك فلْتَغْتَسِلْ، ثُمّ لتَسْتَثْفِرْ بثَوْبٍ (٢)، ثُمّ تُصَلّي».
(١٣٥) قال: والصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ في أيامِ الحيْضِ حَيْضٌ، فإذا ذَهَبَ ذلك اغْتَسَلَتْ وصَلَّتْ.
(١٣٦) فإنْ كان الدمُ مُبْتَدِئًا لا مَعْرِفَةَ لها به .. أمْسَكَتْ عن الصلاةِ، فإذا جاوَزَتْ خمسةَ عشرَ يومًا .. اسْتَيْقَنَتْ أنّها مُسْتَحاضةٌ، وأشْكَلَ وقتُ الحيضِ عليها مِنْ الاستحاضةِ، فلا يَجُوز لها أنْ تَتْرُك الصلاةَ إلا لأقلِّ ما
стр. 425
تَحِيضُ له النساءُ، وذلك يومٌ وليلةٌ، فعليها أنْ تَغْتَسِلَ وتَقْضِيَ صلاةَ أربعةَ عشرَ يومًا (١).
(١٣٧) قال الشافعي: وأكثرُ الحيْضِ خمسةَ عشرَ يومًا، وأقَلُّه يومٌ وليلةٌ (٢).
(١٣٨) وأكثرُ النفاسِ ستون يومًا (٣).
(١٣٩) قال الشافعي: والذي يُبْتَلَى بالمذْيِ فلا يَنْقَطِعُ .. مِثْلُ المستحاضةِ، يَتَوَضّأ لكلِّ صلاةِ فريضةٍ بعد غَسْلِ فَرْجِه وتَعْصِيبِه.
(١٤٠) قال الشافعي: والوقْتُ للصلاة وقتان: وقْتُ مقامٍ ورفاهيةٍ (١)، ووقْتُ عُذْرٍ وضرورةٍ.
(١٤١) فإذا زالت الشمْسُ .. فهو أوّلُ وقتِ الظُّهْرِ والأذانِ، ثُمّ لا يَزال وقْتُ الظُّهْرِ قائمًا حتّى يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شَيْءٍ مثْلَه (٢).
(١٤٢) فإذا جاوز ذلك بأقلِّ زيادةٍ .. فقد دَخَلَ وقتُ العصْرِ والأذانِ، ثُمّ لا يَزال وقتُ العصر قائمًا حتّى يَصِيرَ ظلُّ كلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْه، فمتى (٣) جاوزه .. فقد فاتَه وقتُ الاختيارِ، ولا يَجُوزُ أنْ أقولَ فاتَتْه؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أدْرَك رَكْعَةً مِنْ العَصْرِ قبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدْرَكَ العصْرَ».
стр. 429
(١٤٣) فإذا غَرَبَتْ الشمسُ .. فهو وقتُ المغربِ والأذانِ، ولا وقتَ للمغربِ إلا وقتٌ واحدٌ (١).
(١٤٤) فإذا غاب الشَّفَقُ - وهو الحمرة (٢) - .. فهو أوَّلُ وقتِ العشاءِ الآخرةِ والأذانِ، ثُمّ لا يَزالُ وقتُ العشاءِ قائمًا حتّى يَذْهَبَ ثُلُثُ اللّيْل.
قال المزني: لمّا كان الفجرُ يُدْخَل فيه بطلوع البياضِ دون الحمْرَة .. فكذلك العشاءُ يَدْخُل وقتُها بغروب البياض لا الحمرة، فإذا طَلَع الفجرُ فقد دَخَل وقتُ الصُّبْحِ والأذان (٣).
(١٤٥) [قال الشافعي: (٤) ولا أذانَ إلا بعدَ دُخولِ وقتِ الصلاةِ خَلا الصبحَ؛ فإنّها يُؤذَّنُ لها (٥) بليلٍ، وليس ذلك بقياسٍ، ولكن اتَّبَعْنا فيه النبي ﷺ لقوله: «إن بلالًا يُؤذِّنُ (٦) بليلٍ، فكلوا واشربوا حتّى يُنادِيَ ابنُ أمِّ مَكتومٍ» (٧).
стр. 430
(١٤٦) ثُمّ لا يَزالُ وقتُ الصبحِ قائمًا بعد الفجرِ ما لم يُسْفِرْ، فإذا طَلَعَتْ الشمسُ قبْلَ أنْ يُصَلّيَ منها رَكْعَةً .. فقد خَرَجَ وقْتُها، واعتمد في ذلك على إمامةِ جِبْرِيلَ ﵇ بالنبي ﷺ ، ولما رُوِيَ عن رسول الله ﷺ في ذلك.
(١٤٧) قال: والوقتُ الآخَرُ هو وقتُ العذْرِ والضرورةِ، فإذا أُغْمِيَ على رَجُلٍ فأفاقَ، وطَهُرَت امرأةٌ مِنْ حيضٍ أو نِفاسٍ، وأسْلَم نصرانيٌّ، وبَلَغ صبيٌّ، قبْلَ مَغِيبِ الشمسِ برَكْعَةٍ .. أعادوا الظهْرَ والعصْرَ، وكذلك قبْلَ طُلوعِ الفجْرِ برَكْعَةٍ .. أعادوا المغربَ والعشاءَ، وكذلك قبْلَ طلوعِ الشمسِ برَكْعَةٍ .. أعادوا الصبحَ (١)، وذلك وقتُ إدراكِ الصلواتِ في العذرِ والضروراتِ، واحتج بأن النبي ﷺ قال: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ العصرِ قبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ .. فقد أدْرَكَ العصرَ، ومَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصبحِ قبْل أنْ تَطْلُعَ الشمسُ .. فقد أدْرَكَ الصبحَ»، وأنّه جَمَعَ بيْن الظهرِ والعصرِ في وقتِ الظهرِ بِعَرَفَةَ، وبيْن المغربِ والعشاءِ في وقتِ العشاءِ بمُزْدَلِفَةَ، فدَلَّ على أنّ وقْتَهما للضروراتِ واحدٌ.
وقد قال الشافعيُّ: «إنْ أدْرَكَ الإحرامَ في وقتِ الآخرةِ صلّاهما جميعًا» (٢)، قال المزني: هذا عندي ليس بشيءٍ، وقد زَعَم الشافعيُّ أنّ مَنْ
стр. 431
أدْرَكَ مِنْ الجمعة رَكْعَةً بسجدتَيْن أتمّها جمعةً، وإن بَقِيَت منها سجدةٌ (١) أتمّها ظهرًا؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ أدْرَك مِنْ الصلاةِ رَكْعَةً .. فقد أدْرَكَ الصلاةَ» (٢)، ومعنى قوله عندي (٣): إنْ لم تَفُتْه، وإذا لم تَفُتْه صلّاها جمعةً، والرَّكْعَةُ عند الشافعيِّ بسَجْدَتَيْن.
قال المزني: قلت أنا (٤): فكذلك قوله ﵇: «مَنْ أدْرَكَ مِنْ الصلاةِ رَكْعَةً قبْل أنْ تَغْرُبَ الشمسُ .. فقد أدْرَكَ العصْرَ» لا يَكونُ مُدْرِكًا لها إلا بكَمالِ سَجْدَتَيْن، فكيْفَ يكون مُدْرِكًا لها وللظهر معها (٥) بإحرامٍ قبل المغِيبِ؟! فأحَدُ قَوْلَيْه يَقْضِي على الآخَرِ!
стр. 432
(١٩)
باب صفة الأذان وما يُقام له مِنْ الصلاة ولا يُؤذَّن (١)(١٤٨) قال الشافعي: ولا أحِبُّ للرَّجُلِ (٢) أنْ يَكُونَ في أذانِه وإقامتِه إلا مُسْتَقْبِلَ القبلةِ، لا تَزُولُ قَدَماه ولا وَجْهُه عنها.
(١٤٩) ويَقولُ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشْهدُ أنّ محمّدًا رسولُ اللهِ، أشْهدُ أنَّ محمّدًا رسولُ اللهِ، ثُمّ يَرْجِعُ فيَمُدُّ صوتَه فيقولُ: أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشْهدُ أنّ محمّدًا رسولُ اللهِ، أشْهدُ أنَّ محمّدًا رسولُ اللهِ، حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاحِ، حيَّ على الفلاحِ (٣)، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، واحْتَجَّ بأنّ النبيَّ ﷺ عَلَّمَ أبا مَحْذُورَةَ بمثلِ (٤) هذا الأذان.
(١٥٠) قال: ويَلْتَوِي في «حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاحِ» يَمِينًا وشمالًا؛ ليُسْمِعَ النَّواحيَ.
стр. 433
(١٥١) وحَسُنَ أنْ يَضَعَ إصْبَعَيْه في أذنَيْه، ويكونَ على طُهْرٍ، فإنْ أذَّنَ جُنُبًا كَرِهْتُه وأجْزَأه.
(١٥٢) وأحِبُّ رَفْعَ الصوتِ؛ لأمْرِ رسولِ الله ﷺ به، وأنْ لا يَتَكَلَّمَ في أذانِه، فإنْ تَكَلَّم لم يُعِدْ.
(١٥٣) وما فاتَ وقْتُه أقام ولم يُؤَذِّنْ، واحْتَجَّ بأنّ النبي ﷺ حُبِسَ يومَ الخندقِ حتّى (١) بَعْدَ المغربِ بِهُوِيٍّ مِنْ الليلِ، فأمَرَ بلالًا فأقامَ لكلِّ صلاةٍ ولم يُؤَذِّنْ، وجَمَعَ بعَرَفَةَ بأذانٍ وإقامتَيْن، وبمُزْدَلِفَةَ بإقامتين ولم يُؤَذِّن (٢)، فدَلَّ (٣) أنَّ مَنْ جَمَعَ في وَقْتِ الأولَى مِنهما فبأذانٍ، وفي الآخِرَةِ فبإقامةٍ وغيرِ أذانٍ (٤).
(١٥٤) قال: ولا أحِبُّ لأحَدٍ أنْ يُصَلّيَ في جماعةٍ ولا وَحْدَه إلا بأذانٍ وإقامةٍ (٥)، فإنْ لم يَفْعَلْ أجزأه.
(١٥٥) قال: وأحِبُّ للمرأةِ أن تُقِيمَ، فإن لم تَفْعَلْ أجزأها (٦).
стр. 434
(١٥٦) ومَن سَمِعَ المُؤَذِّنَ أحْبَبْتُ أنْ يَقولَ مِثْلَ ما يَقُولُ، إلا أنْ يَكونَ في صلاةٍ، فإذا فَرَغَ قاله.
(١٥٧) وتَرْكُ الأذانِ في السفَرِ أخَفُّ مِنه في الحضَرِ.
(١٥٨) والإقامةُ فُرادَى، إلا أنّه يقولُ: «قدْ قامت الصلاةُ» مرَّتَيْن، وكذلك كان يَفْعَلُ أبو مَحْذُورَةَ مُؤَذِّنُ النبيِّ ﷺ ، فإنْ قال قائلٌ: قد أُمِرَ بلالٌ أن يُوتِر الإقامةَ (١)؟ .. قيل له: فأنت تُثَنِّي «اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ» فتَجْعَلُها مرَّتَيْن (٢).
(١٥٩) قال المزني: وقال في القديم: ويَزِيدُ في أذانِ الصبحِ التَّثْوِيبَ، وهو: «الصلاةُ خَيْرٌ مِنْ النومِ» مرَّتَيْن (٣)، ورَوَاه عَنْ بلالٍ مُؤَذِّنِ رسولِ اللهِ ﷺ وعن عليٍّ (٤)، وكَرِهَه في الجديدِ؛ لأنّ أبا مَحْذُورَةَ لم يَحْكِه عن النبي ﷺ (٥).
стр. 435
قال المزني: وقياسُ قولِه أنَّ الزيادةَ أوْلَى به في الأخبارِ؛ كما أخَذَ في التشهُّدِ بالزيادَةِ، وفي دُخولِ النبي ﷺ البَيْتَ بزيادةِ أنَّه صلّى فيه، وتَرَكَ (١) مَنْ قال: (لم يَفْعَل).
(١٦٠) قال الشافعي: وأحِبُّ أنْ لا يَجْعَلَ مُوَذِّنَ الجماعةِ (٢) إلا عَدْلًا ثِقَةً؛ لإشْرافِه على الناس، وأحِبُّ أنْ يَكونَ صَيِّتًا (٣)، وأنْ يَكونَ حَسَنَ الصوتِ أرَقَّ (٤) لسامعِه، وأحِبُّ أنْ يُؤَذِّنَ مُتَرَسِّلًا بغيرِ تمْطِيطٍ ولا بَغْيٍ فيه (٥)، وأحِبُّ الإقامَةَ إدْراجًا مُبِينًا (٦)، وكيفما جاء بهما أجزأه.
стр. 436
(١٦١) قال: وأحِبُّ أنْ يَكونَ المصلِّى بهم فاضِلًا عالمًا قارئًا، وأيُّ الناسِ أذَّن وصلّى أجزأ.
(١٦٢) قال: وأحِبُّ أنْ يَكونَ المُوَذِّنون اثنَيْن؛ لأنّ الذي حَفِظْنا لرسولِ الله ﷺ بلالٌ وابنُ أمِّ مكتومٍ، فإنْ كان المُوَذِّنون أكثرَ .. أذَّنوا واحدًا بعد واحدٍ.
(١٦٣) ولا يَرْزُقُهم الإمامُ وهو يَجِدُ مُتطَوِّعًا، فإنْ لم يَجِدْ مُتَطَوِّعًا فلا بأسَ أنْ يَرْزُقَ مُؤَذِّنًا، [ولا يَرْزُقُه إلا مِنْ خُمُسِ الخمُسِ - سَهْمِ النبي ﷺ (١)، ولا يَجوزُ أنْ يَرْزُقَه مِنْ الفيْء ولا مِنْ الصدقاتِ؛ لأنّ لكلِّ مالٍ (٢) مالكًا مَوصوفًا.
(١٦٤) قال: وأحِبُّ الأذانَ؛ لما جاء فيه، قال رسول الله ﷺ (٣): «الأئِمَّةُ ضُمَناءُ، والمُؤَذِّنون أمَناءُ، فأرْشَدَ اللهُ الأئِمَّةَ، وغَفَرَ للمُؤَذِّنِين» (٤).
(١٦٥) قال: ويُسْتَحَبُّ للإمامِ تعجيلُ الصلاةِ لأوّلِ وَقْتِها، إلا أنْ يَشْتَدَّ الحرُّ فيُبْرِدُ بها في مساجد الجماعاتِ؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا اشْتَدَّ الحرُّ فأبْرِدُوا بالصلاةِ»، وقد قال النبيُّ ﷺ : «أوّلُ الوقتِ رضوانُ اللهِ، وآخِرُه عَفْوُ اللهِ»، وأقَلُّ ما للمصلِّي في أوَّلِ وقْتِها أنْ يَكونَ عليها محافِظًا،
(٢٠)
باب استقبالِ القِبلةِ وأنْ لا فرضَ إلا الخَمْسُ (١)(١٦٦) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ لأحَدٍ صلاةُ فريضةٍ ولا نافلةٍ، ولا سجودُ قرآنٍ، ولا جنازةٌ، إلا مُتَوَجِّهًا إلى البَيْتِ الحرامِ - ما كان يَقْدِرُ على رُؤيَتِه - إلا في حالتَيْن:
(١٦٧) إحداهما: النافلةُ في السفَرِ راكِبًا، وطويلُ السّفَرِ وقَصِيرُه سواءٌ، ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّي على راحِلَتِه في السّفَرِ أينَ (٢) تَوَجَّهَتْ به، وأنّه ﵇ كان يُوتِرُ على البعيرِ، وأنّ عليًّا كان يُوتِرُ على الراحلةِ.
(١٦٨) قال الشافعي: وفي ذلك (٣) دلالَةٌ على أنّ الوِتْرَ ليس بفَرْضٍ، ولا فَرْضَ إلا الخَمْسُ؛ لقول النبي ﷺ للأعرابيِّ حين قال: هَلْ عليَّ غيرُها؟ فقال: «لا إلا أن تَطَّوَّعَ».
(١٦٩) والحالة الثانية: شِدَّةُ الخَوْفِ؛ لقولِ الله ﵎: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، قال ابنُ عمرَ: «مُسْتَقْبِلِي القبلةِ وغيرَ مُسْتَقْبِلِيها»، قال: ولا يُصَلَّى في غَيرِ هاتَيْن الحالتَيْن إلا إلى البَيْتِ، إنْ كان مُعايَنًا فبالصوابِ، وإنْ كان مُغَيَّبًا فبالاجتهادِ بالدلائلِ على صوابِ جهةِ القبلةِ.
стр. 439
(١٧٠) فإنِ اخْتَلَفَ اجتهادُ رَجُلَيْن .. لم يَسَعْ أحدَهما اتباعُ صاحبِه.
(١٧١) فإنْ كان الغَيْمُ وخَفِيَت الدلائلُ على رَجُلٍ .. فهو كالأعْمَى.
قال المزني: وقال في موضع آخر: «ومَن دَلَّه مِنْ المسلمين وكان أعْمَى .. وَسِعَه اتِّباعُه، ولا يَسَعُ بَصِيرًا خَفِيَتْ عليه الدلائلُ اتِّباعُه»، قال المزني: لا فَرْقَ بيْن مَنْ جَهِلَ القبلةَ لعَدَمِ العِلْمِ، وبَيْنَ مَنْ جَهِلَها لعَدَمِ البَصَرِ، وقد جَعَلَ الشافعيُّ مَنْ خَفِيَتْ عليه الدلائلُ كالأعْمَى، فهُما سواءٌ (١).
(١٧٢) قال الشافعي: ولا تَسَعُ دلالةُ مُشْرِكٍ بحالٍ.
(١٧٣) قال: ومَن اجْتَهَدَ فصَلَّى إلى الشَّرْقِ، ثُمّ رَأى القبلةَ إلى الغَرْبِ اسْتَأنَفَ؛ لأنّ عليه أنْ يَرْجِعَ مِنْ خَطأِ جِهَتِها إلى يَقِينِ صوابِ جِهَتِها، ويُعِيدُ الأعْمَى ما صَلَّى معه متى أعْلمَه، وإنْ كانَتْ شرقًا، ثُمّ رَأى أنّه مُتَحَرِّفٌ (٢)، وتلك جِهَةٌ واحدةٌ .. كان عليه أنْ يَنْحَرِفَ، ويُعْتَدُّ بما مَضَى، وإنْ كان معه أعْمَى انْحَرَفَ (٣) بانْحِرافِه، وإذا اجْتَهَدَ به رَجلٌ، ثُمّ قالَ له آخَرُ: قد أخْطَأ بك فلانٌ (٤)، فصَدَّقَه .. تَحَرَّفَ حيثُ قال له، وما مَضَى مُجْزئ عنه؛ لأنّه اجْتَهَد به مَنْ له قَبولُ اجْتِهادِه.
стр. 440
قال المزني: قد احْتَجَّ الشافعيُّ في «كتاب الصيام» [ف: ٧٧٣] فيمَن اجْتَهَد ثُمّ عَلِمَ أنّه أخْطَأ، أنّ ذلك يُجْزِئه، بأنْ قال: وذلك أنّه لو تَأخَّى القبلةَ (١)، ثُمّ عَلِمَ بعد كمالِ الصلاةِ أنّه أخْطَأ، أجْزَأت (٢) عنه كما يُجْزِئ ذلك في خَطَأِ عَرَفَةَ، واحْتَجَّ (٣) أيْضًا في «كتاب الطهارة» بهذا المعنى فقال: إذا تَأخَّى في أحَدِ الإناءين أنَّه طاهِرٌ والآخَرِ نَجِسٌ فصَلَّى، ثُمَّ أراد أنْ يتَوَضَّأَ ثانيةً، فكان الأغْلَبُ عِنْده (٤) أنَّ الذي تَرَكَ هو الطاهرُ .. لم يتَوَضّأ بواحدٍ منهما، ويتَيَمَّمُ، ويُعِيدُ كلَّ صلاةٍ صلَّاها بتيَمُّمٍ؛ لأنّ معه ماءً يَسْتَيْقِنُ (٥)، وليس كالقِبْلَةِ يتَأخّاها في مَوْضِعٍ ثُمّ يُراها في غَيْرِه؛ لأنّه ليس مِنْ ناحيةٍ إلّا وهي قبلةٌ لقومٍ.
قال المزني: فقد (٦) أجاز صلاتَه وإنْ أخْطَأ القبلةَ في هذَيْن الموضِعَيْن؛ لأنّه أدَّى ما كُلِّفَ، ولم يُجْعَلْ عليه إصابةُ العَيْنِ؛ للعَجْزِ عنها في حال الصلاة.
قال المزني: وهذا القياسُ على ما عَجَزَ عنه في الصلاةِ، مِنْ قِيامٍ، وقُعودٍ، ورُكوعٍ، وسُجودٍ، وسَتْرٍ، أنّ فرضَ الله كلَّه ساقطٌ عنه، دونَ ما قَدَرَ عليه مِنْ الإيماءِ عريانًا، فإذا قَدَرَ مِنْ بعدُ لم يُعِدْ، فكذلك إذا عَجَزَ عن التَّوجُّهِ إلى عَيْنِ القبلةِ كان عنه أسْقَطَ، وقد حُوِّلَت القبلةُ، ثُمّ صلّى أهلُ قُباءَ
стр. 441
رَكْعَةً إلى غَيرِ القبلةِ، ثُمّ أتاهم آتٍ فأخْبَرَهم أنّ القبلةَ قد حُوِّلَت، فاسْتَدارُوا وبَنَوْا، بعد يَقِينِهم أنّهم صَلَّوْا إلى غير قبلةٍ، ولو كان صوابُ عَيْنِ القبلةِ المحوَّلِ إليها فَرْضًا ما أجزأهم خلافُ الفرضِ لجهْلِهِم به؛ كما لا يُجْزِئ مَنْ تَوَضّأ بغير ماءٍ طاهرٍ بجَهْلِه (١) ثُمّ اسْتَيْقَنَ أنّه غيرُ طاهرٍ، فتَفَهَّمْ.
قال المزني: ودَخَلَ في قياسِ هذا البابِ، أنّ مَنْ عَجَزَ عمّا عليه مِنْ نَفْسِ الصلاةِ، أو ما أمِرَ به [فيها أوْ لَها (٢) .. أنّ ذلك ساقطٌ عنه، لا يُعِيدُ إذا قَدَرَ، وهو أوْلَى بأحد قوليه مِنْ قولِه فيمن صلّى في ظلمةٍ، أو خَفِيَتْ عليه الدلائلُ، أو به دمٌ لا يَجِدُ ما يَغْسِلُه، أو كان محبوسًا في نَجِسٍ: أنه يُصَلِّي كيف أمْكَنَه، ويُعِيدُ إذا قَدَرَ (٣).
(١٧٤) قال الشافعي: ولو دَخَلَ غُلامٌ في صلاةٍ فلم يُكْمِلْها، أو صَوْمِ يومٍ فلم يُكْمِلْه حتَّى اسْتَكْمَل خَمْسَ عشْرةَ سنَةً .. أحْبَبْتُ أن يُتِمَّ ويُعِيدَ، ولا يَبِينُ أنَّ عليه إعادةً.
قال المزني: لا يُمْكِنُه صومُ يَوْمٍ هو في آخِرِه غيرُ صائمٍ، ويُمْكِنُه صلاةٌ هو في آخرِ وقتِها غيرُ مُصَلٍّ، ألا تَرَى أنَّ مَنْ أدْرَك رَكْعَةً مِنْ العصرِ قَبْلَ الغُروبِ أنَّه يَبْتَدِئ العصرَ مِنْ أوَّلها، ولا يُمْكِنُه في آخرِ يومٍ أنْ يَبْتَدِئَ صومَه مِنْ أوَّلِه، فيُعِيدُ الصّلاةَ لإمكانِ القُدْرَة، ولا يُعِيدُ الصّومَ لارْتِفاعِ إمكانِ القدرةِ، ولا تكليفَ مع العَجْزِ؟
стр. 442
(٢١)
باب صفة الصلاة وما يُجْزِئ منها وما يُفْسِدُها
وعدد سجود القرآن وغير ذلك (١)(١٧٥) قال الشافعي: إذا أحْرَمَ إمامًا أو وَحْدَه نَوَى صَلاتَه في حالِ التكبيرِ، لا قَبْلَه ولا بَعْدَه.
(١٧٦) ولا يُجْزِئه إلا قولُه: «اللهُ أكبرُ» أو «اللهُ الأكبرُ» (٢).
(١٧٧) فإن لم يُحْسِن بالعربية كَبَّر بلسانِه، وكذلك الذِّكْرُ، وعليه أن يَتَعَلَّم.
(١٧٨) ولا يُكَبِّر إن كان إمامًا حتّى تَسْتَوِيَ الصفوفُ خَلْفَه، ويَرْفَعُ يدَيْه إذا كَبَّر حَذْوَ مَنكِبَيْه (٣)، ويأخُذُ كُوعَه الأيْسَرَ بكفِّه اليُمْنَى، ويجْعَلُهما
стр. 443
تحت صَدْرِه (١).
(١٧٩) ثُمّ يقولُ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للذي فَطَرَ السمواتِ والأرضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما أنا مِنْ المشركِين، إنّ صلاتي ونُسُكي ومَحْيايَ ومَماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أمِرْتُ وأنا مِنْ المسلمين» (٢).
стр. 444
(١٨٠) ثم يتعوَّذُ فيَقُول: «أعوذ بالله مِنْ الشيطان الرجيم (١)».
(١٨١) ثم يَقْرأ تَرَتُّلًا (٢) بأمّ القرآنِ، ويَبْتَدِئها بـ «بسم الله الرحمن
стр. 445
الرحيم»؛ لأنّ النبي ﷺ قرأ أمَّ القرآنِ وعَدَّها آية (١).
(١٨٢) قال الشافعي: فإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: «آمِين» (٢)، يَرْفَعُ (٣) بها صَوْتَه؛ ليَقْتَدِيَ به مَنْ خَلْفَه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنُوا»، وبالدّلالة عن رسول الله ﷺ أنّه جَهَر بها وأمَر (٤) الإمامَ بالجهْرِ بها، قال الشافعي: ويُسْمِعُ مَنْ خلفه أنفُسَهم (٥).
стр. 446
(١٨٣) ثُمّ يَقْرأ بَعْد أمّ القرآنِ بسورةٍ (١).
(١٨٤) فإذا فَرَغ منها وأراد أنْ يَرْكَع ابْتَدَأ التكبيرَ قائمًا (٢)، فكان فيه وهو يَهْوِي راكِعًا، ويَرْفَعُ يدَيْه حَذْوَ مَنكِبَيْه حين (٣) يَبْتَدِئ التكبيرَ، ويَضَعُ راحَتَيْه على رُكْبَتَيْه، ويُفَرِّقُ بين أصابعِه، ويَمُدّ ظهْرَه وعُنُقَه، ولا يَخْفِضُ عنُقَه عن ظَهْرِه ولا يَرْفَعُه، ويكونُ مُسْتَوِيًا، ويُجافي مِرْفقَيْه [عن جَنْبَيْه (٤)، ويَقولُ إذا رَكَعَ: «سبحان ربي العظيم» ثلاثًا (٥)، وذلك أدْنَى الكمالِ.
(١٨٥) وإذا أراد أنْ يَرْفَعَ ابْتَدَأ قوْلَه مع الرفعِ: «سَمِع اللهُ لمن حَمِدَه»، ويَرْفَعُ يدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه، فإذا اسْتَوَى قائمًا قال أيضًا: «ربَّنا لك الحمدُ (٦) مِلْءَ السمواتِ، ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شِئتَ مِنْ شَيْء بَعْدُ»، ويَقولُها مَنْ خَلْفَه، ورُوِيَ هذا القولُ عن رسول الله ﷺ .
(١٨٦) فإذا هَوَى ليَسْجُدَ ابْتَدَأ التكبيرَ قائمًا (٧)، ثُمّ هَوَى مع ابْتِدَائِه
стр. 447
حتّى يكونَ انْقِضاءُ تكبِيرِه مع سُجودِه، فأوّل ما يَقَعُ منه على الأرضِ رُكْبَتاهُ، ثُمّ يَداهُ، ثُمّ جَبْهَتُه وأنْفُه (١)، ويَكونُ على أصابِعِ رِجْلَيْه، ويَقولُ في سُجودِه: «سبحان ربي الأعلى» ثلاثًا، وذلك أدْنى الكمالِ، ويُجافِي مرفقَيْه عن جَنْبَيْه حتّى إن لم يَكُنْ عليه ما يَسْتُرُه رُئِيَت عُفْرَةُ إبْطَيْه (٢)، ويُفَرِّجُ بيْنَ رِجْلَيْه، ويُقِلُّ بطْنَه عن فَخِذَيْه، ويُوَجِّهُ أصابِعَه نحْوَ القبلةِ.
(١٨٧) ثُمّ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا كذلك حتّى يَعْتَدِلَ جالسًا على رِجْلِه اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَسْجُدُ سَجْدَةً أخْرَى كذلك، فإذا اسْتَوَى قاعدًا نَهَضَ معْتَمِدًا على الأرضِ بيَدَيْه حتّى يَعْتَدِلَ قائمًا، ولا يَرْفَعُ يدَيْه في السجودِ ولا في القيامِ مِنْ السجودِ.
(١٨٨) ثُمّ يَفْعَل في الركْعَةِ الثانيةِ مِثْلَ ذلك، ويَجْلِسُ في الثانية على رِجْلِه اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَبْسُط يَدَه اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسْرَى، ويَقْبِضُ أصابِعَ يَدِه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، إلا المسَبِّحَة، يُشِيرُ بها مُتَشَهِّدًا.
قال المزني: ينوي بالمسبحة الإخلاص لله بالتوحيد.
(١٨٩) قال الشافعي: فإذا فَرَغَ مِنْ التّشَهُّدِ قام مُكَبِّرًا مُعْتَمِدًا على الأرضِ بيدَيْه حتّى يَعْتَدِلَ قائمًا، ثُمّ يُصَلِّي الركعتين الأخْرَيَيْن مِثْلَ ذلك (٣)، يَقْرَأ فيهما بأمِّ القرآنِ سِرًّا.