Полный текст (1 788 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان، قال أبو سعيد: هذا آخر مسألة سألت المُزَنِي عنها، ومات بعد هذا بثلاثة أيام (١).
هذا وقد كان المُزَنِي يخرج هذا قولًا للشافعي ﵁، قال المُزَنِي: «إنَّ الشافعي قال في الذبيحة: ولا أكره الصلاة على رسول الله ﷺ ؛ لأنها إيمان بالله»، قال المُزَنِي: «ففي هذا دليل واضح أنه كان يقول: الإيمان قول وعمل، جعل الصلاة على رسول الله ﷺ من الإيمان» (٢)، وهذا النص مُهم من جهة أنه أصَّلَ للشافعية منهجًا لتخريج أقوال الإمام في العقائد لو أنهم عملوا به كما فعلوا في الفقه، اللهم إلا ما كان من البَيْهَقي حيث خرَّج الكثير من أقوال الشافعي العقدية من مسائله الفقهية.
وقوله في الرؤية، قال المُزَني: «قال ابن هَرِم: قال الشافعي: في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] دليل على أن أولياء الله يرونه يوم القيامة» (٣).
وقوله في عصمة الأنبياء، قال محمد بن إسحاق: سمعت المُزَنِي وذكر عنده حديث النبي ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، فقال المُزَني: «لم يَشُكَّ النبي ولا إبراهيم ﵉ في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكَّا أن يجيبهما إلى ما سألا» (٤).
_________
(١) أخرجه اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (رقم: ١٥٩٦)، وأخرجه البَيْهَقي مختصرًا في «المناقب» (٢/ ٣٥٣).
(٢) ذكره البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٣).
(٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٣).
(٤) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥).
стр. 37
الفصل الخامس في زهده وتحنُّثه
الزهد والتعبُّد لله تعالى نتيجة طبيعية للاعتقاد الصحيح حين يتجذَّر في قلب المؤمن، وزهد المُزَني وعبادته محل إجماع بين مترجميه، وهو الصفة اللازمة لجل من عُرِف بالفقه والعلم من السلف الماضين، فلقد أبى العلم في أيديهم أن يكون مَطِيَّة للدنيا الفانية، كما تأبَّت عليهم أنفسهم أن يُذِلُّوها على أبواب السلاطين ونوادي أصحاب الشهوات، وقد قال أبو سعيد بن السكري: «رأيت المُزَني، وما رأيت أَعْبَد لله منه، ولا أتقن للفقه منه» (١)، وقال الخليلي: «اتفقوا على أنه أزهد أهل العلم بمصر في زمانه وأحسنهم ديانة» (٢).
وقد كان من الزهد والورع على طريقة صعبة شديدة، فلم يتوضَّأ من حَباب ابن طولون ولم يشرب من كيزانه، قال: لأنه جعل فيه سرجين، والنار لا تطهر، وكان يشرب في الشتاء والصيف من كوزِ صُفْرٍ، قال يوسف
_________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥١).
(٢) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٢٩).
стр. 38
بن عبد الأحد القُمِّي: «وكان يجدِّد الوضوء فيخرج من الجامع ويذهب إلى النيل - ومن الجامع إلى النيل مسافة - فيجدِّد وضوءه ثم يرجع»، وفي كتاب الحَمْشَاذي: «قيل: إن المُزَني كان يصلِّي بمصر الصلوات جماعة، فربما يخرج للطهارة ويتباعد إلى النيل، فإذا رجع وجدهم قد فرغوا من الصلاة، فيعيد تلك الصلاة خمسًا وعشرين مرة» (١).
وقال يوسف بن عبدالأحد القُمِّيُّ: «صحبت المُزَني ليلة شاتية وبعينه رمد، فكان يجدِّد الوضوء ثم يدعو، ثم ينعس فيقوم ثانيًا فيجدِّد الوضوء، حتى فعل ذلك سبع عشرة مرة» (٢).
وكان بعيدًا عن موارد الفتنة، مجانبًا عن مصاحبة أهل السلطة، فلم يتولَّ في حياته قضاءً أو منصبًا، بل قال يوسف بن عبدالأحد القُمِّيُّ: «كان إذا استقبله ابن عبدالحكم ومعه جماعة من القضاة، والقلانس على رءوسهم .. يقف ثم يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، ثم يرفع رأسه ويقول: بلى ربنا نصبر، بلى ربنا نصبر» (٣).
وقد روى عنه ابن أخته أبو جعفر الطَّحَاوي قال: حدثنا المُزَني قال: أخبرني أبو بكر الحميدي، عن سفيان، عن خلف بن حوشب، قال: قال عيسى ابن مريم ﵇ للحواريِّين: «كما ترك الملوك الحكمة فاتركوهم والدنيا» (٤)، قلت: وكذلك فعل المُزَني.
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩) للبَيْهَقي، و «الطبقات» (٢/ ٩٤) للسُّبْكي.
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٩).
(٣) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩) للبَيْهَقي.
(٤) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥).
стр. 39
وروى الطحاوي أن المُزَني قال: أخبرني أبو بكر الحميدي عن سفيان قال: كان خَلَفٌ يقول: ينبغي للناس أن يتعلَّموا هذه الأبيات في الفتنة:
الحربُ أوَّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ … تسعى بزينتها لكلِّ جهولِ
حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضِرامُها … ولَّت عجوزًا غيرَ ذاتِ حليلِ
شَمْطَاءَ جَزَّتْ رأسَها وتنكَّرت … مكروهةً للشَّمِّ والتَّقْبِيلِ (١)
ومما يدل على معاناة المُزَنِي تربية نفسه، واجتهاده في مجاهدة شهواته .. اشتغاله بغسل الأموات، المذكِّر لهاذم اللذات، المنبِّه للاستعداد قبل الفوات، وهو الذي تولَّى غسل الإمام الشافعي، وقد روى ابن يونس عن إبراهيم بن محمد الضحَّاك أنه قال: سمعت المُزَني يقول: «عانيت غسل الموتى ليرقَّ قلبي، فصار ذلك لي عادة» (٢).
وفي قوله: «فصار ذلك لي عادة» إشارة إلى قاعدة جليلة في التربية، وهي قاعدة تحوُّل العبادة عادة، فيقلُّ تأثيرها على النفس، ويضمحلُّ استشعار القائم بها بالقُرْبى، وهذا وارد في الصلوات وأنواع القربات، بل في أجلِّها وهي الدعوات، ثم إن تنبُّه المُزَني إلى هذه القاعدة لدليلٌ على نفس رباني بين جنبيه، رحمة الله عليه.
وبالجملة قال عمرو بن عثمان المَكِّيُّ: «ما رأيت أحدًا من المتعبِّدين في كثرة مَنْ لقيت منهم أشدَّ اجتهادًا من المُزَني، ولا أَدْوَم على العبادة منه، وما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقًا على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس، وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي» (٣).
_________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
(٢) انظر «تاريخ مصر» (١/ ٤٥) لابن يونس.
(٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٠) و «المدخل» (١/ ٤٣) من طريق أبي عبدالرحمن السَّلَمي، وذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٤٩٤).
стр. 40
الفصل السادس في فروسيته
العلم والعقيدة مع سلامة الاعتقاد عن شوائب الكلام صفات لا تكاد تفارق أئمة العصر الأول على اختلاف المذاهب والمشارب، لكن ليس كذلك الفروسية، وكثير من الأئمة الكبار بل أكثرهم لا يعرفون بتخصصهم في عالم الفروسية، ولم يعرف بالفروسية من الأئمة الأربعة غير الشافعي، كان راميًا مجودًا لا يكاد يُخطئ، ورابَطَ في ثَغر الاسكندرية أيام مقامه في مصر، ومثل الشافعي في ذلك المُزَنِي، كان راميًا مجودًا، وذكر ابن يونس ملازمته للرباط (١)، وذكر البَيْهَقي عن المُزَني أنه قال: «كان الشافعي يسمِّيني القُطَامي الرامي، ووضع كتاب السَّبْق والرمي بسببي، وأملاه عليَّ» (٢)، وعن المُزَني أنه قال: «سألنا الشافعي ﵁ أن يصنِّف لنا كتاب السبق والرمي، فذكر لنا أن فيه مسائل صعابًا، ثم أملاه علينا، ولم يسبق إلى تصنيف هذا
_________
(١) انظر «تاريخ مصر» (١/ ٤٥) لابن يونس.
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ١٢٩).
стр. 41
الكتاب»، ذكره الرافعي (١)، وفي رواية البَيْهَقي قال المُزَني: «لا نعلم أحدًا سبقه إليه» (٢).
_________
(١) انظر «العزيز» للرافعي (٢٠/ ٤٥٦).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٢٧٣).
стр. 42
الفصل السابع في مشيخته وتصدُّره
لم يزل المُزَنِي ملازمًا للشافعي منذ وروده مصر وحتى وفاته، ورُوِي عن المُزَنِي أنه قال: «دخلت على محمد بن إدريس الشافعي ﵁ عند وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبدالله؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، وللإخوان مفارقًا، وعلى الله وَارِدًا، وبكأس المنية شاربًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، فلا أدري نفسي إلى الجنة تصير فأهنِّيها، أو إلى النار فأعزِّيها، فقلت: يا أبا عبد الله، رحمك الله، عِظْنِي. فقال لي:
اتقِ الله، ومَثِّل الآخرة في قلبك، واجعل الموت نُصْبَ عَيْنَيْكَ، ولا تنسَ موقفك بين يدي الله ، وكن من الله تعالى عَلى وَجَلٍ، واجتنب محارمَه، وأدِّ فرائضه، وكن مع الحقِّ حيث كان، ولا تستصغرنَّ نعم الله عليك وإن قَلَّت، وقَابِلْها بالشكر، وليكن صمتك تفكُّرًا، وكلامك ذكرًا، ونظرك عبرة، اعفُ عمَّن ظلمك، وصِلْ من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، واصبر على النائبات، واستعذ بالله من النار بالتقوى.
стр. 43
فقلت: زِدْني رحمك الله يا أبا عبدالله، فقال:
ليكن الصِّدق لِسَانَك، والوفاء عِمادَك، والرحمة ثمرتك، والشكر طهارتك، والحق تجارتك، والتودُّد زينتك، والكتاب فطنتك، والطاعة معيشتك، والرضا أمانتك، والفهم بصيرتك، والرجاء اصطبارك، والخوف جِلْبَابك، والصدقة حِرْزك، والزكاة حصنك، والحياء أميرك، والحلم وزيرك، والتوكُّل درعك، وتكون الدنيا سجنك، والفقر ضَجِيعك، والحقُّ قائدك، والحجُّ والجهاد بغيتك، والقرآن محدِّثك، والله مؤنسك، فمن كانت هذه صفته كانت الجنة منزلته» (١).
ولقد كان الشافعي ﵀ رجل فراسة ينظر بنور الله، وقد تفرَّس في أصحابه ما هم صائرون إليه، قال الربيع: «دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبُوَيْطي والمُزَني ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم»، قال: «فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال، ثم التفت إلينا فقال: أمَّا أنت يا أبا يعقوب .. فتموت في حديدك، وأما أنت يا مُزَنِيُّ .. فستكون لك بمصر هَنَاتٌ وهَنَات، ولتدركنَّ زمانًا تكون أقيس أهل ذلك الزمان، وأما أنت يا محمد .. فسترجع إلى مذهب أبيك [يعني: مذهب مالك ﵀]، وأما أنت يا ربيع ..
_________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٢٩٤) عن محمد بن الحسين السُّلَمِي قال: أنبأنا أبو نصر: محمد بن محمد بن عيينة الشَّعْرَاني بمرو، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أوس، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن محمد الموصلي بِتِرْمِذ في الجامع، قال: حدثنا مكي بن هارون الزِّنْجَاني بِزِنْجَان، عن أبي عبد الله بن شاكر عن المُزَني به، وقد أخرج قبله أصل خبر دخوله على الشافعي عن محمد بن عبد الله بن محمد، قال: حدثني أحمد بن الحسين الصُّوفي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العطار بمصر، قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: «دخل المُزَنِي على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مُفارقًا، ولكأس المنيَّة شاربًا، وعلى الله واردًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا».
стр. 44
فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب، قم يا أبا يعقوب فتسلَّم الحلقة»، قال الربيع: «فكان كما قال» (١).
هكذا ورد في هذه الرواية أنه أوصى بحلقته إلى أبي يعقوب البُوَيْطي، وله قصة من صراع أصحابه عليها، فروى أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي جعفر السكري صديق الربيع عن الربيع قال: «لمَّا مرض الشافعي مرضه الذي تُوُفِّي فيه جاء محمد بن عبدالله بن عبدالحكم ينازع البُوَيْطي في مجلس الشافعي، فقال البُوَيْطي: أنا أحق بمجلسه منك، وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء الحميدي - وكان تلك الأيام بمصر - فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت، فقال له الحميدي: بل كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك، وغضب ابن عبد الحكم فترك مجلس الشافعي وتقدَّم مجلس الشافعي فجلس في الطاق الثالث، ترك طاقًا بين مجلس الشافعي وبين مجلسه، وجلس البُوَيْطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس. قال أبو بكر: وهو الطاق الذي كان الربيع يجلس فيه أيامنا، إلا أن الشافعي كان يجلس مستقبِل القبلة، وكان الربيع يجلس مستدبِر القبلة، لا يجلس في مجلس الشافعي ﵀» (٢).
فما زالت حلقة الشافعي مع البُوَيْطي حتى قامت محنة خلق القرآن، فسُعِيَ بالبُوَيْطي إلى السلطان، وقد أخرج الذهبي عن القاضي زكريا بن أحمد البَلْخِي: حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي، حدثنا الربيع بن
_________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ١٣٦).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٣٧).
стр. 45
سليمان، قال: «كان أبو بكر الأصم ممن سعى به - وما هو بابن كيسان الأصم - وكان أصحاب ابن أبي دؤاد وابن الشافعي ممن سعى به»، قال الربيع: «وكان المُزَني ممن سعى به وحرملة»، قال أبو جعفر الترمذي: «فحدثني الثقة عن البُوَيْطي أنه قال: برئ الناس من دمي إلا ثلاثة: حرملة والمُزَنِي وآخر» (١).
قال التاج السُّبْكي: «إن صحَّت هذه الحكاية فالذي عندنا في إبهام الثالث أنه راعى فيه حق والده رضوان الله عليه» (٢)، والحكاية وإن صحت لم تدل إلا على أن المُزَني اتهم بالسعاية على البُوَيْطي، ولئن كان قد فعلها فهي كَبْوَة نرجو من الله أن يغفرها له على ما قدَّم، وقد قال الذهبي عقيب إيراده له: «اسْتَفِقْ ويحك وسَلْ ربك العافية، فكلام الأقران بعضهم في بعض أمر عجيب، وقع فيه سادة، فرحم الله الجميع».
قال البَيْهَقي: «وحين وقع للبُوَيْطي ما وقع كان القائم بالتدريس والتفقيه على مذهب الشافعي ﵀: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني ﵀» (٣).
لكن اتهام المُزَنِي بالسعاية على البُوَيْطي، ثم سكوته في مسألة خلق القرآن كما أشرت إليه سابقًا، كان لهما الأثر السيِّئ في زيادة الشكوك حول المُزَني، فهجره كثير من الناس، حتى ذكر أنه ما كان يجلس إليه إلا عشرة، ولكنها كانت محنة ألقت عليه ضبابها ثم انقشعت ليعلو في السماء نجمه بما عرف الله منه من إخلاصه، ثم ما رأى الله منه من عدم مبالاته في سبيله لومَ اللُّوَّم، وعن الحسن بن أحمد بن عبدالواحد قال: «سمعت المزني
_________
(١) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٦٠).
(٢) انظر «الطبقات» له (٢/ ١٦٤).
(٣) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٤).
стр. 46
يقول وقال له رجل: يا أبا إبراهيم، إن فلانًا يبغضك، قال: ليس في قربه أُنْسٌ، ولا في بُعده وَحشة» (١).
وقال أبو عمر بن عبد البَرِّ: «حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، قال: نا أبو القاسم عبيدالله بن عمر بن أحمد الشافعي بالزهراء، قال: كان فيما حدثنا شيوخنا من أهل مصر بمصر رجل صالح يقولون إنه من الأبدال، فرأى في النوم رؤيا، فأصبح فوقف في جامع مصر وصاح: يا أهل مصر اجتمعوا إليَّ، فاجتمع إليه الناس فقالوا: ما نزل بك يا فلان، قال: أنتم على خطأ كلكم فاستغفروا الله وتوبوا إليه، قالوا: مم ذا؟ قال: نعم، رأيت فيما يرى النائم كأني في مسجدكم هذا، وكأن القناديل كلها قد أُطفئت إلا قنديلًا واحدًا عند بعض هذه الأعمدة التي كان يجلس إليها المُزَني صاحب الشافعي، تعالوا حتى أريكم إياه، فوقفهم على العمود الذي كان يجلس إليه المُزَني، فتوافى الناس إليه واستحبُّوه وعَظُمَت حلقته حتى أخذت أكثر الجامع، وزال ما في قلوب الناس من التهمة له» (٢).
وكثر إقبال الناس على المُزَني وأخذهم عنه بعد ذلك، حتى إن كثرة تلاميذه شغله عن بعض أعماله التي كان يقوم بها، فنذر نفسه لهم وجعل نشر العلم عبادته وطريقه إلى الله تعالى، قال يوسف بن عبدالأحد القُمِّي: «إن أبا إبراهيم المُزَني عَبَدَ الله كذا وكذا سنة عبادة منتظر، وكان يُصلِّي بحضرة أصحابه وهم يتناظرون، فإذا أشكل عليهم مسألة انتظروا سلامه، فإذا سلَّم سألوه، فقالوا: يا أبا إبراهيم، إن اشتغالك بتعليمنا أفضل لك من
_________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥).
(٢) انظر «الانتقاء» (١٧٠).
стр. 47
الصلاة، يعنون النافلة، قال: وكيف؟ قالوا: لأنَّ تعليمك العلم يَعدُوك، وصلاتك لا تعدوك، فترك الصلاة وأقبل على تعليمهم» (١).
وقال الخليلي: «ونجب أصحابه، وكان الدرس له في أيامه بمصر دون غيره، والنجباء من أصحابه في كل ناحية، فببغداد: عبدالله بن محمد بن زياد النيسابوري، وأحمد بن عبدالله بن سيف السجستاني، وفي الجبل: أبو عبدالله أحمد بن محمد بن ساكن الزِّنْجاني، وموسى بن عبدالحميد بن عصام بهمذان، وإبراهيم بن محمد بن عبيد الشهرزوري بحلوان، وسمع منه أبو الحسن العطَّار القزويني كتاب المزني، وأبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري بطبرستان، ومحمد بن هارون الروياني، وآخر من روى عنه بالرَّيِّ: ابن أبي حاتم، وبنيسابور: محمد بن إسحاق بن خزيمة، وبمرو: أحمد بن محمد المروزي، وبأذربيجان: أبو عمرو سعيد بن عمرو البردعي الحافظ» (٢).
وفي أصحاب المُزَني غير من ذكرهم الخليلي كثرة، وهم في الواقع لا شك أكثر ممن ذكر في كتب التراجم، ولا أرى كبير عائدة تُرتَجى من سرد أسمائهم، ويكفيه أن طريقه هو الذي اتصل إلى الآباد في الفقه الشافعي، وأن كتابه هو الذي منه استقى جمهورهم.
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٢) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٢٩).
стр. 48
الفصل الثامن في ذكر قوة حجة المُزَني وسرعة بديهته في المناظرة
قال ابن عبد البَرِّ: «كان أعلم أصحاب الشافعي بالنظر، دقيق الفهم والفطنة» (١)، والظاهر أنه تميَّز بهذه الموهبة في حياة الشافعي نفسه، حتى إن الشافعي قال فيه: «هذا لو ناظر الشيطان لقطعه» (٢)، قال النووي: «وهذا قاله الشافعي والمُزَني في سِنِّ الحداثة، ثم عاش بعد موت الشافعي ستين سنة يُقصَد من الآفاق وتُشَدُّ إليه الرحال» (٣).
وكأن المُزَني اكتسب هذه القوة من درسه لمذاهب علماء الأمصار ومناهجهم في الاستدلال، ثم ما عُرف به من اشتغاله بعلم الكلام أوائل الطلب، ولا يُجْهَل ما للشافعي من المنزلة الرفيعة في تأصيل علم الأصول، فأخذه المُزَني منه وتفقَّه فيه.
_________
(١) انظر «الانتقاء» (١٦٩).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٦).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١٥٧ - ١٥٨).
стр. 49
وكان في جدله لا يأخذه في الحق لومة لائم، وقد حكى ابن خَلِّكان والذهبي من مناظراته قال: «لَمَّا وَلِيَ القاضي بكار بن قتيبة القضاء بمصر وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقَّع الاجتماع بالمُزَني مدة، فلم يتفق له، فاجتمعا يومًا في صلاة جنازة، فقال القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المُزَني شيئًا حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضًا، فلم قدَّمتم التحريم على التحليل؟ فقال المُزَني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حرامًا في الجاهلية ثم حلل، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالًا، فهذا يعضِّد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن بكار ذلك منه»، قال الذهبي: «وأيضًا فأحاديث التحريم كثيرة صحاح، وليس كذلك أحاديث الإباحة» (١).
_________
(١) انظر «وَفَيَات الأعيان» لابن خَلِّكان (١/ ٢١٨)، و «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٩٤).
стр. 50
الفصل التاسع في ذكر مؤلفات المُزَني
قال ابن عبدالبَرِّ: «وله على مذهب الشافعي كتب كثيرة لم يلحقه أحد فيها، ولقد أتعب الناس بعده، منها: (المختصر الكبير) نحو ألف ورقة، ومنها: (المختصر الصغير) الذي عليه العمل نحو من ثلاثمائة ورقة، شرحه قوم كثير، منهم أبو إسحاق المروزي، وأبو العباس بن سريج، ومنها: نحو من مائة جزء مسائل منثورة في فنون من العلم وردّ على المخالفين له»، وقال: «انتشرت كتبه ومختصراته إلى أقطار الأرض شرقًا وغربًا» (١).
وقال أبو إسحاق الشِّيرازي: «صنَّف كتبًا كثيرة: (الجامع الكبير)، و (الجامع الصغير)، و (مختصر المختصر)، و (المنثور)، و (المسائل المعتبَرة)، و (الترغيب في العلم)، و (كتاب الوثائق)» (٢).
وقال التاج السُّبْكي: «صنَّف كتبًا كثيرة: (الجامع الكبير)، و (الجامع الصغير)، و (المختصَر)، و (المنثور)، و (المسائل المعتبَرة)، و (الترغيب في
_________
(١) انظر «الانتقاء» (ص: ١٦٩).
(٢) انظر «طبقات الفقهاء» للشِّيرازي (ص: ٩٧).
стр. 51
العلم)، و (كتاب الوثائق)، و (كتاب العقارب)، و (كتاب نهاية الاختصار)» (١).
هذه الأقوال أصول ما ورد ذكره في ترجمة المُزَني من مصنَّفاته، وتحتاج إلى تحرير وبيان، فأقول:
صنَّف المُزَني في فقه الشافعي سلسلة كتب، من مطوَّل إلى مختصَر، وظاهر صنيع ابن السُّبْكي أنها أربعة كتب: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» و «المختصَر» و «نهاية الاختصار»، وظاهر صنيع أبي إسحاق الشِّيرازي أنها ثلاثة: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» و «مختصَر المختصَر»، ولم يذكر ابن عبدالبَرِّ منها إلا كتابين: «المختصَر الكبير» و «المختصَر الصغير»، وكذلك هو عند البَيْهَقي (٢)، ونصَّا على أن «المختصَر الصغير» هو كتابه المتداول بين الناس.
والذي أميل إليه هو مذهب الشِّيرازي، وذلك لتقدُّمه في معرفة كتب المُزَني، ولا يعارضه ما ذكره ابن عبدالبَرِّ والبَيْهَقي، وإنما أغفلا ذكر «مختصَر المختصَر»، ولم يكن همُّهما حصر مصنَّفاته، وقد قال القاضي الحسين: «المُزَني لمَّا رأى كثرة تفريعات الشافعي وكثرة كتبه استكثره، فاختصر منه كتابًا سمَّاه (جامع الكبير)، وكان كتابًا حسنًا بالغًا، ولم يوجد ذلك الكتاب في ديار خُراسان بالتمام، ثم استكثره فاختصر منه هذا المختصَر الذي تداوله الفقهاء، ثم استكثر هذا المختصَر فصنَّف كتابًا في جزئيات» (٣)، وهذا صريح فيما ذهبت إليه.
_________
(١) انظر «الطبقات» للسُّبْكي (٢/ ٩٤).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٤).
(٣) انظر «التعليقة» للقاضي (١/ ١١٠).
стр. 52
وأمَّا ما ذهب إليه ابن السُّبْكي فلا أراه إلا خطأً، ومَرَدُّه - والله أعلم - إلى أنه اطلع للمزني على كتاب «نهاية الاختصار» فزاده على ثبت الشِّيرازي، وحمل كتاب «مختصَر المختصَر» على «المختصر» المتداول، وقد ذكر الروياني: «أن المُزَني اختصر من علم الشافعي كتابًا سماه: (الجامع الكبير)، ثم اختصر منه (الجامع المختصر) الذي يتداوله أصحاب الشافعي ويتدارسونه» (١)، وهذا دليل على أن المختصَر المتداول إنما اختصر عن «الجامع الكبير» مباشرة، ليس بينهما واسطة.
وبناءً عليه فكتاب «الجامع الكبير» أصل كتبه الثلاثة، وهو عين كتاب «المختصَر الكبير» في نحو ألف ورقة عند ابن عبدالبَرِّ، وقد تداول أصحابنا الشافعية هذا الكتاب ونقلوا عنه الكثير في شروحهم على «المختصَر»، ويلاحظ على القاضي الحسين نَفْي وجوده في بلاد خُراسان، لكن حمزة بن يوسف السّهمي (ت ٤٢٧ هـ) قال: «سمعت أبا بكر بن عبدان [ت ٣٨٨ هـ] يقول: قدم علينا شيراز أبو الحسن علي بن الحسن الجرجاني وكان عنده (جامع الكبير) للمُزَني» (٢)، وذكر السُّبْكي أن الإمام الكبير أبا أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبدالله بن أبي القاضي (ت ٣٤٠ هـ) من تلامذة أبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي وطبقتهما .. صنَّف في الفروع «كتاب الحاوي»، قال السُّبْكي: «بناه على (الجامع الكبير) لأبي إبراهيم المُزَني»، قال: «ومنه أخذ الماوردي اسم كتابه» (٣)، قلت: وربما أخذ منه منهجه أيضًا، فالماوردي كثير الاستشهاد بالجامع الكبير للمُزَني، والله أعلم.
_________
(١) انظر «بحر المذهب» للروياني (١/ ٢٥).
(٢) انظر «تاريخ جرجان» للسَّهْمي (ص: ٣١٧).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٦٥).
стр. 53
وأمَّا «المختصَر» .. فهو كتابنا الذي نحن بصدد إخراجه والتعليق عليه، وهو بعينه «الجامع الصغير» عند الشِّيرازي، و «المختصَر الصغير» في نحو ثلاثمائة ورقة عند ابن عبدالبَرِّ، وسأتكلَّم عليه في المقدمة الثانية من الدراسة إن شاء الله.
وأما «مختصَر المختصَر» .. فهو و «نهاية الاختصار» واحد، قال ابن السُّبْكي: «وقد وقفت منها على أصل قديم كُتِبَ سنة ثمانين وأربعمائة»، قال: «وكثيرًا ما يذكر في هذا المختصر آراء نفسه، وهو مختصَر جدًّا، لعله نحو ربع التنبيه أو دونه» (١)، وذكر أنه في مختصره هذا يصرِّح بمخالفة الشافعي في مواضع ذكر بعضها (٢).
بقي شيء يعكِّر عليَّ صفو هذا الاستنتاج، وهو أن ابن الصلاح قال: «المُزَني ﵀ له (المختصَر الكبير)، وهو كالمتروك، و (المختصَر الصغير)، وهو هذا المختصَر المشهور المعروف بـ (مختصر المُزَني)، الذي أكثر تصانيف الأئمة شروح له، وله (الجامع الكبير) و (الجامع الصغير)، والله أعلم» (٣)، فجعل المختصَرين غير الجامعين، وهذا بعيد.
وأمَّا «المنثور» .. فقد ذكره كل من الشِّيرازي والسُّبْكي، قال النووي: «المنثور كتاب من كتب المُزَني التي نقلها عن الشافعي» (٤).
وأما «المسائل المعتبَرة» .. فذكره الشِّيرازي وابن السُّبكي، والظاهر أنه مقصود ابن عبدالبَرِّ بقوله في معرض عَدِّ مصنَّفاته: «ومنها: نحو من مائة
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٦).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٣).
(٣) انظر «شرح مشكل الوسيط» لابن الصلاح (٣/ ١٢٧).
(٤) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» (مادة: نثر).
стр. 54
جزء، مسائل منثورة في فنون من العلم وردّ على المخالفين له»، ونقل النووي رأيًا للمُزَني عن طريق صاحب «الشامل» قال: «ذكره المُزَني في مسائله المعتبَرة على الشافعي» (١)، فقد يُقال بأن اسمه الكامل: «المسائل المعتبَرة على الشافعي».
وأما «العقارب» .. فتفرَّد بذكره ابن السُّبْكي، ونقله عن أبي عاصم العبادي، وقال: «كتاب العقارب .. مختصَر فيه أربعون مسألة ولَّدها المُزَني، ورواها عنه الأنماطي، وأظن ابن الحداد نسج فروعه على منوالها» (٢)، وذكر بعض غرائبه.
وأما كتابا «الوثائق» و «الترغيب في العلم» .. فلم أجد نصًّا أتبيَّن به حقيقتهما، ولعل الأيام تكشف بعض خباياهما، والله ولي التوفيق.
_________
(١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ٥١٥).
(٢) انظر «الطبقات» للسُّبْكي (٢/ ١٠٥).
стр. 55
الفصل العاشر في ذكر مكانة المُزَني في الفقه الإسلامي والمذهب الشافعي
ذكرنا توسُّم الشافعي في المُزَني أنه ناصر مذهبه، وقال الروياني: «أحتسب المُزَني أفقه تلامذة الشافعي وأزهدهم وأحفظهم لكتبه وعلمه» (١)، وهذه هي الشروط الأولية لنصرة المذهب الذي تعلَّم على أساسه.
وقد اصطلح الفقهاء الشافعية على تقسيم مراتب المفتين المجتهدين إلى مستقلين، ومنتسِبين، ومقيّدين، وليس هذا موضع التمييز بين هذه المراتب وذكر خصائصها، وإنما أريد بهذا الفصل ذكر موقع المُزَني منها، فذكر ابن الصلاح اختلاف الأصحاب في أن المُزَني هل كان من المجتهدين المستقلين أو من المجتهدين المنتسِبين إلى المذهب (٢)، وذهب النووي إلى أنه من المنتسِبين إلى المذهب (٣)، وهذه - والله أعلم - أحكام جملية،
_________
(١) انظر «بحر المذهب» (١/ ٢٥).
(٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤١).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٥).
стр. 56
اعتبروا فيها حالة المُزَني في غالب اجتهاداته، وإلا فلا خلاف في أن المُزَني له من الاجتهادات ما خرَّجها على مذهب الشافعي، مثله في ذلك مثل أصحاب الوجوه، وله منها ما استند فيها على أدلة الأحكام ونصوص الشرع، مثله فيها مثل المجتهدين المنتسِبين أمثال ابن جرير وابن خزيمة، وله منها ما خالف فيها الشافعي بناءً على دليل خاص ظهر له، مما يمكن أن يسمَّى اجتهادًا جزئيًّا مستقلًّا، وهذا يدل على أن المُزَني اجتمعت فيه جميع مراتب المجتهدين، فينبغي تخصيص هذا الخلاف في بيان الصفة الغالبة عليه.
وحينئذٍ كان لا بد من الفرق بين ما هو من اجتهاده الخاص الذي لا يُنْسَب إلى المذهب، واجتهادِه المقيد الذي يُعَدُّ وجهًا ضمن وجوه الأصحاب، وقد اضطرب كلام الأصحاب في ضوابط ما يُعَدُّ من أقواله من المذهب وما لا يُعَدُّ، فحاول إمام الحرمين في مواضع من «النهاية» ضبط ذلك ووضع قواعد تمييزه، وأحاول هنا أن أجمع شتيت كلامه في ذلك وأرتِّبه إن شاء الله، وخلاصة ذلك النظر في أمور أربعة:
أولها - النظر في حقيقة الاجتهاد الذي بَنَى عليه قوله، فإن كان اعتمد في استنباطه على نصوص الإمام وقواعده على قاعدة التخريج فهو من الوجوه في المذهب، وهو أولى من غيره أن يُعَدَّ من المذهب، قال إمام الحرمين: «إذا تصرَّف المُزَني على قياسِ مذهب الشافعي مخرِّجًا .. كان تخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره» (١)، وقال: «وأنا أوثر أن ننظر في كل كلام له إلى ما أشرنا إليه، فإنْ تصرَّف على المذهب وأجرى قياسه .. فهو تخريج على مذهب الشافعي، وتخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره،
_________
(١) انظر «نهاية المطلب» (٧/ ٢١٤).
стр. 57
وإن لم يتصرف على قياس المذهب، واستحدث من تلقاء نفسه أصلًا .. فيعدُّ ذلك مذهبَه، ولا يلحق بمتن المذهب» (١).
وثانيها - النظر في صفة تعبيره عن اجتهاده، فإذا عبَّر عنه بما يدل على تخريجه على أصل الشافعي فهو من المذهب، وإذا عبَّر بما يدل على اختياره الخاصِّ فليس من المذهب، وقد نصَّ الشافعي في خُلع وكيل المرأة بأكثر مما سمَّت مع إضافته إليها أن البينونة حاصلة، ومذهب المُزَني أن الطلاق لا يقع، فقال إمام الحرمين: «لم أر أحدًا من الأصحاب يرى مذهبه قولًا مخرَّجًا في المذهب على اتجاهه»، قال: «وإنما لم يُلحق الأصحابُ مذهبَه في هذه المسألة بالمذهب؛ لأن من صيغة تخريجه أن يقول: (قياس مذهب الشافعي كذا وكذا)، وإذا انفرد بمذهبٍ استعمل لفظةً تُشعِر بانحيازه، وقد قال في هذه المسألة لمَّا حكى جواب الشافعي: (ليس هذا عندي بشيء)، واندفع في توجيه ما رآه» (٢)، وقال: «للمُزَني عبارات في اختياراته، تارةً يفرط ويسرف ويقول بعد النقل: (هذا ليس بشيء)، وما كان كذلك فهو من مفرداته، وكلامُه مشعِر بمجانبته مذهبَ الشافعي فيما نقله وأخْذِه في مأخذٍ آخر، فلا يُعَدُّ مذهبُه تخريجًا، وتارةً يقول: (قياس الشافعي خلافُ ما نقلته)، فإذا قال ذلك، فالأوجَه عدُّ ما يذكره قولًا مخرَّجًا للشافعي، وإذا لم يتصرَّف على قياسه وقال: (الأشبه عندي) كان لفظه متردِّدًا بين التصرُّف على قياس الشافعي مَصيرًا إلى أن المعنيَّ بقوله (هذا أشبهُ): هذا أشبهُ بمذهب الشافعي، ويجوز أن يُقال: (هذا أشبه) معناه:
_________
(١) انظر «نهاية المطلب» (١٤/ ٣٧).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١٣/ ٤٨٠).
стр. 58
أشبهُ بالحق ومسلك الظن، ولم أَرَ أحدًا من أصحابنا يَعُدُّ اختيار المُزَني في هذه المسألة قولًا معدودًا من المذهب مخرجًا» (١).
وثالثها - النظر في تفرُّده وموافقة أصحاب الوجوه له على قوله، فإذا وافقه بعضهم كان ذلك دليلًا على أنه من المذهب، وإن اتفقوا على خلافه دَلَّ ذلك على أنه من اجتهاده الخارج عن المذهب، قال إمام الحرمين: «إذا انفرد المُزَني برأي .. فهو صاحب مذهب، فإذا خرَّج للشافعي قولًا .. فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو يلتحق بالمذهب لا محالة» (٢)، وقال النووي: «هذا الذي قاله الإمام حَسَنٌ لا شك أنه متعيِّن» (٣).
قلت: ينبغي أن يقيَّد هذا بما إذا لم يصرّح المُزَني بتخريجه على قواعد الشافعي وأصوله، وإلا فهو معدود من المذهب لا محالة، وإنما ينظر إلى التفرُّد حيث لم يصرّح بعزوه إلى المذهب، قال الرافعي: «تفرُّدات المُزَني لا تُعَدُّ من المذهب إذا لم يخرِّجها على أصل الشافعي» (٤).
ورابعها - النظر في الكتاب الذي ذكر فيه اجتهاده، فإن كان من الكتب التي ألَّفها لبيان مذهبه وفتاواه مثل «المسائل المعتبرة» لم يعتدَّ بها من المذهب، وإن كان الكتاب لبيان مذهب الشافعي في الجملة كـ «المختصر» فهو من المذهب، قال ابن السُّبْكي: «ينبغي أن يكون الفيصل في المُزَني أن تخريجاته معدودة من المذهب؛ لأنها على قاعدة الإمام الأعظم، وأمَّا اختياراته الخارجة عن المذهب .. فلا وجه لعدِّها ألبتة، وأمَّا إذا أطلق ..
_________
(١) انظر «النهاية» (١٤/ ٣٧١).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١/ ١٢٢).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٥).
(٤) انظر «العزيز» (١/ ٢٣٧ و ١٤/ ٣١٢).
стр. 59
فذلك موضع النظر والاحتمال، وأرى أن ما كان من تلك المطلَقات في مختصَره تلتحق بالمذهب؛ لأنه على أصول المذهب بناه، وأشار إلى ذلك بقوله في خطبته: (هذا مختصَر اختصرته من علم الشافعي ومن معنى قوله)، وأمَّا ما ليس في (المختصَر)، بل هو في تصانيفه المستقلة .. فموضع التوقُّف» (١).
فهذه جملة ما ذكره الأئمة من الاعتبارات التي يرجع إليها في التمييز بين اجتهادات المُزَني الخاصة وتخريجاته على قاعدة المذهب، وبناءً عليها ينبغي النظر في واقع اجتهاداته واستخلاص أنواعه لنحكم من خلالها على شخصه إن كان مجتهدًا مقيدًا أو منتسبًا أو مستقلًّا، وفي بعض كلام إمام الحرمين ما قد يُفهَم منه أن المُزَني لا يخرج عن قاعدة المذهب مطلقًا، قال إمام الحرمين: «الذي أراه أن يُلحَق مذهبُه في جميع المسائل بالمذهب؛ فإنه ما انحاز عن الشافعي في أصلٍ يتعلق الكلام فيه بقاطعٍ، وإذا لم يفارق الشافعيَّ في أصوله فتخريجاته خارجةٌ على قاعدة إمامه، فإن كان لتخريج مخرِّج التحاقٌ بالمذهب فأولاها تخريج المُزَني؛ لعلوِّ منصبه في الفقه، وتَلَقِّيه أصول الشافعي من فَلْق فيه» (٢).
وقال الشهرستاني لمَّا ذكر الشافعية من مذاهب المسلمين في الفروع أورد المُزَني وسائر تلاميذ الشافعي وقال بأنهم: «لا يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، بل يتصرَّفون فيما نقل عنه توجيهًا واستنباطًا، ويصدرون عن رأيه جملة، فلا يخالفونه ألبتة» (٣).
_________
(١) انظر «الطبقات» (٢/ ١٠٣).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١٣/ ٤٨٠).
(٣) انظر «الملل والنحل» (٢/ ١١).
стр. 60
قال التاج السُّبْكي: «لعل الشهرستاني تلقَّى هذا الكلام من الإمام»، قال: «لكن في كلام الإمام ما يقتضي أن المُزَني ربما اختار لنفسه وانحاز عن المذهب»، قال: «وهذا هو الظاهر» (١).
قلت: القول بنفي اجتهاد المُزَني خارج حدود المذهب يخالف صريح كلام إمام الحرمين كما سبق عنه، ويخالف كذلك واقع كتاب المُزَني، لكن قد تُفْهَم هذه النصوص على أنه قليل نسبيًّا، وهو كذلك إذا استقرأنا اجتهاداته في كتاب «المختصر»، لكن الحكم عليه من خلال كلامه في «المختصر» ليس سديدًا، فإن له من الكتب الكثير، وهو في غير «المختصر» أكثر تحررًا من قيود المذهب منه فيه.
ومن أبرز صور اجتهادات المُزَني الحرة عن قيود المذهب في كتاب «المختصر» مخالفاته الصريحة للشافعي، حيث يحكم على قوله بالغلط، وقد ذكر بعض مناظرات الشافعي مع محمد بن الحسن ثم قطعه وقال (ف: ٢٠٧٦): «تركت ذلك لكثرته، وأنه ليس بشيء عندي»، وفي مناظرة أخرى خالف المُزَني كُلًّا من الشافعي والشيباني وحلف بالله لقد غلط الشافعي ومحمد بن الحسن فيها (ف: ٣٨٧١)، وهذا ونحوه من اعتراضاته الكثيرة على الشافعي دليل على شخصية فقهية مستقلة، حتى إن كثرة اعتراضاته على الشافعي أثار أصحابه عليه فتعقَّبوه في اختياراته وردوا عليه كلامه، وخصوصًا ما كان منها من جهة وهمه على الشافعي، ووصفه إمام الحرمين في بعض المواطن بأنه «يبادر إلى الاعتراض، والأولى به ألا يستفتحه إذا وجد للكلام محملًا» (٢)، واهتمَّ الماوردي في «الحاوي» بتتبُّع
_________
(١) انظر «الطبقات» (٢/ ١٠٣).
(٢) انظر «النهاية» (١٢/ ٤٩٥)، وانظر «المختصَر» (ف: ٢١٦٣).
стр. 61
كلامه بالنقد وإيراد ردود الأصحاب الشافعية عليه، بل إن الردَّ على المُزَني صار دأب الأصحاب معه في عامة اختياراته وترجيحاته وتعليله وتوجيهه كما قال الرافعي (١).
_________
(١) انظر «العزيز» للرافعي (٢٢/ ٣٢٩).
стр. 62
المقدمة الثانية في
الكلام على الكتاب
стр. 63
قال المُزَني في أول مختصَره (ف: ١): «اختصرتُ هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه، وبالله التوفيق».
فأشار بقوله: «اختصرتُ هذا» إلى منهج تأليفه للكتاب، وأشار بقوله: «من علم الشافعي ومن معنى قوله» إلى مادته التي بناه عليها، وأشار بقوله: «لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه» إلى غرضه من التأليف، فهذه ثلاثة فصول.
وأزيد عليها ذكر قصة المزنيالمُزَني في تأليف هذا الكتاب، وبيان بعض اصطلاحاته فيه، وتحقيق عنوان الكتاب، وطرفًا من بيان عظم قدره عند أهل العلم، وذكر رواته وجهود العلماء حوله، وحصر وجوه النقد الموجَّه له، لينتظم سلك هذا القسم في فصول عشرة:
الفصل الأول في ذكر منهج تأليف الكتاب
الفصل الثاني في ذكر مادة الكتاب
الفصل الثالث في ذكر مقاصد المُزَني من تأليف المختصَر
الفصل الرابع في ذكر قصة تأليف الكتاب
الفصل الخامس في ذكر بعض اصطلاحات المُزَني في الكتاب
الفصل السادس في ذكر عنوان الكتاب
الفصل السابع في ذكر عظم قدر الكتاب عند أهل العلم
الفصل الثامن في ذكر رواة المختصَر
الفصل التاسع في ذكر جهود العلماء حول الكتاب
الفصل العاشر في ذكر وجوه النقد الموجَّه للكتاب
стр. 64
الفصل الأول في ذكر منهج تأليف الكتاب
ذكرت تصريح المُزَني أنه بَنَى كتابه على الاختصار، واشتقاق «الاختصار» من «الخصر»، وهو خلاصة الشيء، واختلفت عبارات أصحابنا في بيان معناه، ومرجعها إلى أصول أربعة:
الأصل الأول - الجمع، ومن هذا سمّي العصا الذي يتوكأ عليها بجميع بدنه: «مخصرة»، وسمّي «الخاصرة»؛ لأنها مجمع البدن من الأعلى ومن الأسفل، فالشافعي له الكثير من الكتب والأمالي، والكثرة والانتشار عائق كبير لمن ابتغى الاستفادة، ذلك أنه ليس كل أحد يتمكَّن من الجمع بين جميع مؤلَّفات الإمام، ثم إذا جمع قد لا يُسعفه الهمة في استقرائها والربط بين شتيت مسائلها، فيأخذ المسألة أخذًا قريبًا دون نظر في قيوده التي ذكرها الشافعي في مختلف مواردها، ويكون ذلك سببًا في نسبة الخطأ والوهم على الشافعي، ولا يتخطَّى هذه العقبات إلا أصحاب الرحلة والهمم العوالي من أفذاذ الأئمة وما أقلهم، فكأن المُزَني رأى أن علم شيخه في طريقه إلى الضياع إن لم يقم بترتيبه في كتاب واحد جامع، وبهذه النظرة
стр. 65
ألَّف كتابه: الجامع أو المختصَر الكبير، ثم اختصره بعدُ في هذا الكتاب الذي هو الجامع أو المختصَر الصغير، جمع فيه علم الشافعي في عامة كتبه الجديدة والقديمة.
وثانيها - الترتيب، فجمع متفرِّق كلام الشافعي في المسائل يلزمه ترتيب المادة المجموعة، ومن أصول ترتيب المُزَني في «المختصَر»: جمع المسائل في بابها الذي هو مظنَّتها، وهي عند الشافعي في مظانِّها وغير مظانِّها، ومنها الربط بين مختلف كلام الشافعي حول المسألة في كتبه في موضع واحد، فيذكر المسألة المعنيَّة ثم يقول: «وقال في موضع آخر: … »، «وقال في كتاب كذا: … »، ثم يبيِّن الراجح من قوليه أو أقواله، ومنها ترتيب أصول المسائل وفروعها التي بُنيت على تلك الأصول، فيقدم الأصل ويبني عليه الفرع، وقد يكون الأصل مختلفًا فيه فيستدلّ بالفرع على المختار الراجح عنده من قوليه في الأصل، ومنها الربط بين الكتاب والكتاب الذي يليه، وقد قال الروياني: «كثيرًا ما يختم المُزَني بمسألة من الكتاب الذي يليه» (١)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما يدل على أن المُزَني نسج على منوال محمد بن الحسن في بعض الترتيب والتبويب (٢)، وذلك ممكن مع العلم بعناية المُزَني الفائقة بكتب الشّيباني وفقهه.
وثالثها - إقلال اللفظ مع توفير المعنى، وقد يقال: الإقلال من غير إخلال، ونحوه: قبض البسيط من الكلام وردّه إلى وجيزه، أو: ردّ الكثير إلى القليل مع المحافظة على معنى الكثير، فليس من الاختصار في شيء الإقلال من الألفاظ بما يؤدي إلى الإلغاز واختلال البيان، وإنما الاختصار
_________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١٠).
(٢) انظر «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥٠).
стр. 66
قلة العبارة مع البيان، والذي جعل أسلافنا ينتهجون هذا النوع من الاختصار تيسير نقل الكتاب واستنساخه ودراسته على المتعلمين، حيث إن النسخ اليدوي مع قلة أدواته كان سببًا في عدم الاهتمام بالمطوّلات في كثير من الأحيان، فكان الاختصار هدفًا من أهداف التأليف، كما أنه كان وسيلة من وسائل حفظ الكتاب من الضياع.
وقد ذكرنا أن المُزَني اختصر كتب الشافعي المتفرِّقة في كتاب «الجامع الكبير» في نحو ألف ورقة، ثم استكثر هذا المختصَر الكبير فاختصره في نحو ثلاثمائة ورقة، قريبًا من ثلث حجم «الجامع»، فاهتم الناس بالمختصَر الصغير وتركوا أصله الكبير على اختصاره، حتى قال القاضي الحسين أنه غير موجود في ديار خراسان بالتمام (١)، وقال ابن الصلاح أنه كالمتروك (٢)، كما أن الكثير من مؤلفات الشافعي أيضًا ضاعت، وبَقِيَ هذا المختصَر وانتشر وتداوَله الأئمة العلماء بالرواية والشرح والنقد، وقد حَكَى الماوردي أن أصحاب الشافعي «اقتصروا على مختصَر أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني ﵀؛ لانتشار الكتب المبسوطة عن فهم المتعلِّم، واستطالة مراجعتها على العالم، فجعلوا المختصَر أصلًا يمكنهم تقريبه على المبتدئ، واستيفاؤه للمنتهي» (٣).
ورابعها - إلقاء المباني وإبقاء المعاني، فقد يأتي الشافعي بالمسألة الفقهية مفصلًا في كلام طويل فيضطر المُزَني إلى التصرف في عبارته مع الإبقاء على الغرض المقصود له، وينبغي أن يلاحظ هنا أنه ليس من غرض
_________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١٠).
(٢) انظر «شرح مشكل الوسيط» (٣/ ١٢٧)، وقد تقدَّم نقل كلامه.
(٣) انظر «الحاوي» (١/ ٧).
стр. 67
المُزَني حذف مباني الشافعي، بل إنه حاول أن يراعيها قدر الإمكان، وأسلوبه في الاختصار اختيار أقرب مباني الشافعي إلى المعنى الذي أراد، ومن أدلة ذلك التطابُق الكبير بين نصوص «المختصَر» و «الأم»، ولا يمكن أن يكون ذلك لولا قصده الحفاظ على نصوص الشافعي كما هي، ومن هنا يمكن القول بأن مراد المُزَني بالاختصار هو جمع نصوص الشافعي المبدَّدة في المسألة الفقهية في بابه واختيار أقربها إلى البيان مع قلة العبارة، فإذا لم يُسعفه ذلك تصرَّف في عبارته بما يقتضيه الضرورة ولا يُحيل المعنى، والله أعلم.
стр. 68
الفصل الثاني في ذكر مادة الكتاب
قال المُزَني (ف: ١): «اختصرتُ هذا من عِلْم الشافعي ومن معنى قوله»، فأشار إلى مادتين يتكوَّن منهما كتابه، هما: علم الشافعي ومعنى قوله، ولا يخفى أن قامة علمية مثل شخصية المُزَني لا يمكن لها أن تختفي في تأليفه، فلا بد من زيادة مادة ثالثة هي اجتهاد المُزَني، وسنتكلَّم على كل واحدة منها بالتفصيل على حدة.
المادة الأولى: نصوص الشافعي
وهي المقصودة بقوله: «علم الشافعي»، فقد اختلف أصحابنا في المراد به (١)، فقال أبو إسحاق المروزي ﵀: «أراد: من كتب الشافعي، فعبَّر بالعلم عن الكتب؛ لأنه قد يوصل بها إلى العلم، كما قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ٤٨] أي: من كتاب»، وقال أبو علي بن أبي هريرة: «أراد: من معلوم الشافعي، فعبَّر عنه بالعلم لأنه حادث على العلم، كما قيل في تأويل قوله : ﴿ولا يحيطون
_________
(١) انظر «الحاوي» للماوردي (١/ ١٢)، و «البحر» للروياني (١/ ٢٨).
стр. 69
بشيء من علمه﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: من معلومه، ومعلوم الشافعي ما أُخِذ عنه قولًا ورسمًا»، وإلى هذا الثاني مال القاضي الحسين وقال: «ذلك أن المُزَني سمع منه المسائل ولم ينسخ ذلك، ثم صنّف من ذلك العلم الذي سمع منه» (١).
وهذا الذي قاله القاضي من أن المُزَني لم ينسخ ما سمع بعيد إن أراد الإطلاق، وظاهره أن نصوص الشافعي الواردة في «المختصَر» لا تعدو الرواية بالمعنى، وهذا يكذِّبه الواقع، فيجب تأويله على إرادة بعض مسائل «المختصَر»، ويبقى القسم الأكبر منه لا شك مبنيًّا على نصوص الشافعي في كتبه.
وقد تتبَّعت خلال عملي على الكتاب الأصول التي اعتمدها المُزَني لنصوص الشافعي في مختصَره فوجدتها على مراتب:
المرتبة الأولى: كتب الشافعي التي أخذها المُزَني عن الشافعي سماعًا، وهذا القسم هو الغالب على نُقُوله عن الشافعي، وقد عُنِيَ عناية فائقة ببيان أسماء كتب الشافعي التي نقل عنها في مختلف أبواب الكتاب، فيقول: «كتاب أو باب كذا من كتب كذا وكذا»، وهذه البيانات هي أوثق ثبت يستنبط منها أسماء كتب الشافعي، وسأتكلَّم عنها في المقدمة الثالثة من هذه الدراسات.
و المرتبة الثانية: سماعات المُزَني عن الشافعي في الدرس وتعليقاته عنه، فمن الكتب: كتاب المساقاة (ك ٢٦)، وكتاب المزارعة (ك ٢٨)، وكتاب النذور والأيمان (ك ٦٢)، وكتاب الشهادات (ك ٦٤)، وكتاب الدعوى
_________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١٩).
стр. 70
والبينات (ك ٦٦)، فذكر مجموعة مصادره في هذه الكتب ثم قال: «ومسائل شتى سمعتها لفظًا»، ومن الأبواب: باب التقاط المنبوذ ويوجد معه الشيء (ب ١٧١)، وباب الطلاق قبل النكاح (ب ٢٣٨)، ذكر مصدره فيهما ثم قال: «ومن مسائل شتى سمعتها لفظًا»، وقال في بعض المسائل (ف: ٢٤٩١): «وسَمِعْتُه منذ دَهْرٍ يَقُولُ: … »، وقال (ف: ٣٨٥٠): «وسَمِعْتُه يَقُولُ في مثل هذا: … »، وجائز أن يكون ذلك مما علقه المُزَني عن الشافعي في دروسه، وقد يكون حفظه عنه دون تعليق، وأيًّا كان فالمُزَني ثقة صحيح السماع في الجملة، ثم إن ما نُقِل بهذه الصفة قليل بالمقارنة مع القسم الأول.
و المرتبة الثالثة: ما فاته سماعه بنفسه عن الشافعي فأخذه بواسطة بعض أصحابه، وهم أصحاب الشافعي الثقات صحيحو السماع عنه، والمُزَني لا يصرِّح بأسمائهم، وإنما يقول: «أصحابنا» (ف: ٢٦٩) و «في رواية بعضهم» (ف: ٢٩١) وما أشبه ذلك، ولكن الشُّرَّاح تتبَّعوه وعيَّنوا ما أمكنهم من أسماء أصحاب الشافعي الذين نقل عنهم.
وأكثر من نقل عنه منهم: قرينه الربيع المرادي، وقد صرَّح في موضع من مختصَره بالنقل عن «كتاب الأم» (ف: ٢١٧٨)، وقال الخليلي: «والمُزَني مع جلالته استعان فيما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع» (١)، ومن أمثلته نقله عنه: قال المُزَني في الإمامة سماعه عن الشافعي (ف: ١٩١): «ويَفْعَلون مِثْلَ فِعْلِه، إلا أنَّه إذا أسَرَّ قَرَأ مَنْ خَلْفَه، وإذا جَهَرَ .. لم يَقْرَأ مَنْ خلْفه»، ثم قال: «قد رَوَى أصْحَابُنا عن الشافعيِّ أنَّه قال: يَقْرَأ مَنْ خَلْفَه وإن جَهَرَ بأمِّ القرآنِ»، فذكر راويا «المختصَر» عنه محمد بن عاصم وإبراهيم ذلك عن
_________
(١) انظر «الإرشاد» للخليلي (١/ ٤٢٩).
стр. 71
الربيع في إشارة واضحة إلى أنه هو المبهَم في كلام المُزَني، وهو في «الأم» (١/ ٨٩)، وقال الرافعي: «هذا القول يعرف بالجديد، ولم يسمعه المُزَني من الشافعي ﵁ فنقله عن بعض أصحابنا عنه، يقال: إنه أراد الربيع» (١).
ونقل كذلك عن البُوَيْطي دون إشارة إلى ذلك، قال المُزَني (ف: ١٤٣٤): «والذي يُشْبِهُ قولَ الشافعيِّ أنَّه لا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ في العَرْضِ»، ونصَّ الروياني على أن المُزَني نقله من «البُوَيْطي»، وهو عنده بنصِّه في مختصره (٢).
ونقل كذلك عن الحميدي قرين الشافعي وصاحبه مصرِّحًا به (ف: ٣٦٨٩).
بل إن أخت المُزَني كانت من تلامذة الشافعي، فنقل عنها دون تصريح باسمها، حيث ذكر عن الشافعي توقُّفه في صدقة الرّكاز ثم قال (ف: ٧٠٤): «إذا لم يَثْبُتْ له أصْلٌ فأوْلَى به أن يجْعَلَه فائدةً تُزَكَّى لحولِه»، قال المُزَني: «وقد أخبرني بذلك عنه مَنْ أثِقُ به، وهو القياسُ عندي، وبالله التوفيق»، قال الروياني: «وإنما لم يذكر اسم من أخبره به عنه؛ لأن امرأة أخبرته به عنه، وهي أخت المُزَني»، قال: «وأومئ إلى هذا في مختصَر البُوَيْطي» (٣).
و المرتبة الرابعة: ما أخذه عن الشافعي وجادة بالكتاب الخالي عن السماع، فيقول: «وقال فيما وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه: … » (٤)، فقد نقل عن بعض كتب للشافعي لا يعلم أنها سمعت عنه، ولا وجه لردِّ
_________
(١) انظر «العزيز» (٢/ ٣٤٥).
(٢) انظر «البحر» للروياني (٦/ ٥)، و «مختصر البويطي» (ص: ٦٩٢).
(٣) انظر «البحر» للروياني (٣/ ١٨٦).
(٤) انظر «المختصر» (الفقرات: ١٧٤٤، و ١٧٤٩، و ١٧٥٣، و ١٧٥٤، و ٣٥٠٦).
стр. 72
الكتاب إذا صحَّت نسبته إلى صاحبه، والمُزَني وسائر أصحاب الشافعي فيه سواء.
ومن الكتب التي لم يسمعها المُزَني ولا غيره على الشافعي: كتاب الوصايا (ك ٣٣)، قال المُزَني: «مما وضع بخطِّه لا أعلمه سمع منه»، وقال في آخره (ف: ١٨٧٨): «هذا آخِرُ ما وَصَفْتُ في هذا الكتابِ أنَّه وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُ أحَدًا سَمِعَه منه».
ومنها في كتاب اللقطة: باب التقاط المنبوذ ويوجد معه الشيء (ب ١٧١)، قال المُزَني: «مما وضع بخطِّه لا أعلمه سمع منه».
ومن أشهرها: كتاب إحياء الموات (ك ٢٩)، قال المُزَني: «من كتاب وضعه بخطه لا أعلمه سمع منه»، وبنحوه قال الربيع في «الأم» أيضًا، ولهذا غلط المُزَني في هذا الكتاب ما لم يغلط بمثله في غيره، قال إمام الحرمين: «قد كَثُرت غلطات المُزَني في هذا الكتاب وبلغت مبلغًا لا يَليق بمنصبه، ولا محمل لها عندي إلا شيء واحد، وهو أنه أحاط بفقه المسائل وأتى به على وجهه، وصادف في الكتاب ألفاظًا قليلةَ الجدوى في الفقه، فلعله انتسخها من نسخة فوقع فيها بعض الزلل، والخللُ يتطرَّق إلى اعتماد النسخ» (١)، قال: «وجاوزت غلطاتُه في الكتاب حدَّ العَثَرات، ولو قيست مواضع غلطه بمواقع إصابته لعادلتها إن لم تزد» (٢)، وقال: «وقد سئمنا تتبُّع كلامه» (٣).
وفي كلام إمام الحرمين بعض تحامُل على المُزَني، وقد انتقده في أمور ما كان أغناه عن نقده فيها، والخلل الذي أشار إليه لم يتطرَّق إلى
_________
(١) انظر «النهاية» (٨/ ٢٨٥).
(٢) انظر «النهاية» (٨/ ٣٠٤).
(٣) انظر «النهاية» (٨/ ٣١٩).
стр. 73
المُزَني من جهة غفلته كما قد يتوهَّم، وإنما بسبب تقيُّده بالنسخة مهما كان سقيمًا إذ لم يجد غيرها، ومما يؤيِّد ذلك أنه في بعض الأحيان يعتقد غلط الكاتب على الشافعي، ومع ذلك يثبت المنقول على ما هو عليه في النسخة ثم يعلِّق عليه بما يراه الصواب على معنى الشافعي، فيقول (ف: ٣١٠٩): «هذا سَقْطٌ من الكاتب عندي»، أو (ف: ٣٨٢٧): «ينبغي أن يكون هذا غَلَطًا من غير الشافعي»، وهذا الواجب فعله في مثل تلك الأحوال؛ لأن تخطئة النسخة أمر اجتهادي، قد يوافق عليه وقد يخالف فيه.
المادة الثانية في المختصر: ما وضعه المُزَني على مذهب الشافعي
فقد لا يوجد للشافعي كتاب في بعض الأبواب الفقهية، أو يوجد له كلام غير متكامل يحتاج إلى ملء فراغه، فيقول فيه المُزَني على قياس قول الشافعي وأصول مذهبه، وهذا القسم من مادة الكتاب على مرتبتين:
المرتبة الأولى: ما تحرَّاه المُزَني باجتهاده على نحو مذهب الشافعي، وهذه المسائل والأبواب تعرف في كتب المذهب بمسائل التحرِّي، فيقال: ذكره المُزَني في مسائل التحرِّي (١)، قال إمام الحرمين: «ومنصوصات المُزَني في مجال التحرِّي معدودةٌ من مَتْن المذهب، وهي عند المصنِّفين كنصوص الشافعي» (٢).
قلت: وقد يكون ذلك بابًا كاملًا يتحرَّاه المُزَني باجتهاده حيث لم يجد للشافعي فيه كلامًا يأثره، وقد يجد عنه بعض مسائل ويكمل الباب من اجتهاده وتحرِّيه.
_________
(١) انظر «نهاية المكلب» (٧/ ٤٠٩، و ٨/ ٢٨).
(٢) انظر «النهاية» (٦/ ٥١٩).
стр. 74
فمن الأول: كتاب الضمان (ك ١٨)، قال فيه: «تحرَّيت فيه مذهب الشافعي وقياس قوله»، وباب الشركة (ك ١٩)، قال فيه: «تحرَّيت فيها مذهب الشافعي».
ومن الثاني: كتاب الحوالة (ك ١٧)، قال فيه: «مما سمعت من الشافعي وما تحرَّيت من مذهبه فيها»، وقد أفرد فيه بابًا (ب ١٥٦) بدأه بقوله: «هذه مسائل تحرَّيت فيها معاني جوابات الشافعي في الحوالة»، وكتاب الوكالة (ك ٢٠)، قال فيه: «تحرَّيت فيها مذهب الشافعي مع ما وجدت له منها».
المرتبة الثانية: ما وضعه المُزَني على نحو مذهب الشافعي، كما فعل في «كتاب الفرائض» (ك ٣٢)، قال المُزَني: «مما سمعت من الشافعي ومن (الرسالة) ومما وضعته على نحو مذهبه، لأن مذهبه في الفرائض نحو قول زيد بن ثابت»، قال إمام الحرمين: «نظر الشافعي إلى مواقع الخلاف، ولم يجد مضطربًا في المعنى، فاختار أن يتبع زيد بن ثابت، وتردَّد قول الشافعي حيث تردَّدت الروايات عن زيد»، قال: «ولم يضع لأجل هذا كتابًا في الفرائض، لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد، وإنما نصَّ على مسائلَ متفرِّقة في الكتب، فجمعها المُزَني، وضمَّ إليها مذهب زيد في المسائل، ولم يقل: (تحرَّيْتُ فيها مذهب الشافعي) كقوله في أواخر الكتب التي مضت؛ فإن التحرِّي اجتهاد، ولا اجتهاد في النقل، وقد تحقَّق عنده اتباع الشافعي زيدًا، وتردَّد قول الشافعي حيث تردَّدت الروايات عن زيد» (١).
_________
(١) انظر «نهاية المطلب» (٩/ ٩).
стр. 75
المادة الثالثة: اجتهاد المُزَني سواء كان على أصول الشافعي أو على غير أصوله
قد ذكرنا طرق التمييز بين ما هو على أصول الشافعي مما يُعَدُّ من المذهب الشافعي، وبين ما ليس على أصوله الذي يُعْتَبَر من مذهب المُزَني الخاص، فنكتفي هنا بالتنبيه على أنواع اجتهادات المُزَني في الكتاب وموارده.
ف النوع الأول منها: الاستدلال، فقد يَنقُل مسألة ودليلها من نصِّ الشافعي، ثم يبتغي تقرير المسألة بزيادة دليل آخر غير ما ذكره الشافعي إمَّا لكونه أوضح مما ذكره أو أقرب تناولًا، أو لزيادة التقرير، وقد يرى أن دليل الشافعي مدخول فيأتي بما يقوم مقامه.
النوع الثاني: التخريج، حيث يُورِد قولًا منصوصًا للشافعي، ثم يجد أن نصوصه في نظائر المسألة وقواعده تقتضي تخريج قول آخر مخالِف للمنصوص.
النوع الثالث: الترجيح، فقد تكون المسألة ذات قولين أو أكثر، أو قول منصوص ومخرَّج، فيُعْنَى المُزَني بترجيح بعض الأقوال على البعض الآخر بناءً على قواعد الإمام ومُقْتَضَى نصوصه في نظائر المسألة.
النوع الرابع: التعقُّب والاعتراض، ويكون ذلك على صور: منها - مخالفة الشافعي في ترجيحه حيث يصرِّح بالمختار عنده، ويصرِّح المُزَني باختيار غيره، ومنها - ترجيح القديم على الجديد، والمذهبُ الجديدُ، ومنها - اختيار قول له من استنباطه الخاص نظرًا لقوة دليله.
ولم أُعْنَ بإيراد أمثلة هذه الأنواع لكثرتها وقلة فائدة التطويل بذكرها، و «المختصَر» كله مثال على هذه الأنواع.
следующие страницы →