Полный текст (1 788 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الربيع في إشارة واضحة إلى أنه هو المبهَم في كلام المُزَني، وهو في «الأم» (١/ ٨٩)، وقال الرافعي: «هذا القول يعرف بالجديد، ولم يسمعه المُزَني من الشافعي ﵁ فنقله عن بعض أصحابنا عنه، يقال: إنه أراد الربيع» (١).
ونقل كذلك عن البُوَيْطي دون إشارة إلى ذلك، قال المُزَني (ف: ١٤٣٤): «والذي يُشْبِهُ قولَ الشافعيِّ أنَّه لا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ في العَرْضِ»، ونصَّ الروياني على أن المُزَني نقله من «البُوَيْطي»، وهو عنده بنصِّه في مختصره (٢).
ونقل كذلك عن الحميدي قرين الشافعي وصاحبه مصرِّحًا به (ف: ٣٦٨٩).
بل إن أخت المُزَني كانت من تلامذة الشافعي، فنقل عنها دون تصريح باسمها، حيث ذكر عن الشافعي توقُّفه في صدقة الرّكاز ثم قال (ف: ٧٠٤): «إذا لم يَثْبُتْ له أصْلٌ فأوْلَى به أن يجْعَلَه فائدةً تُزَكَّى لحولِه»، قال المُزَني: «وقد أخبرني بذلك عنه مَنْ أثِقُ به، وهو القياسُ عندي، وبالله التوفيق»، قال الروياني: «وإنما لم يذكر اسم من أخبره به عنه؛ لأن امرأة أخبرته به عنه، وهي أخت المُزَني»، قال: «وأومئ إلى هذا في مختصَر البُوَيْطي» (٣).
و المرتبة الرابعة: ما أخذه عن الشافعي وجادة بالكتاب الخالي عن السماع، فيقول: «وقال فيما وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه: … » (٤)، فقد نقل عن بعض كتب للشافعي لا يعلم أنها سمعت عنه، ولا وجه لردِّ
_________
(١) انظر «العزيز» (٢/ ٣٤٥).
(٢) انظر «البحر» للروياني (٦/ ٥)، و «مختصر البويطي» (ص: ٦٩٢).
(٣) انظر «البحر» للروياني (٣/ ١٨٦).
(٤) انظر «المختصر» (الفقرات: ١٧٤٤، و ١٧٤٩، و ١٧٥٣، و ١٧٥٤، و ٣٥٠٦).
стр. 72
الكتاب إذا صحَّت نسبته إلى صاحبه، والمُزَني وسائر أصحاب الشافعي فيه سواء.
ومن الكتب التي لم يسمعها المُزَني ولا غيره على الشافعي: كتاب الوصايا (ك ٣٣)، قال المُزَني: «مما وضع بخطِّه لا أعلمه سمع منه»، وقال في آخره (ف: ١٨٧٨): «هذا آخِرُ ما وَصَفْتُ في هذا الكتابِ أنَّه وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُ أحَدًا سَمِعَه منه».
ومنها في كتاب اللقطة: باب التقاط المنبوذ ويوجد معه الشيء (ب ١٧١)، قال المُزَني: «مما وضع بخطِّه لا أعلمه سمع منه».
ومن أشهرها: كتاب إحياء الموات (ك ٢٩)، قال المُزَني: «من كتاب وضعه بخطه لا أعلمه سمع منه»، وبنحوه قال الربيع في «الأم» أيضًا، ولهذا غلط المُزَني في هذا الكتاب ما لم يغلط بمثله في غيره، قال إمام الحرمين: «قد كَثُرت غلطات المُزَني في هذا الكتاب وبلغت مبلغًا لا يَليق بمنصبه، ولا محمل لها عندي إلا شيء واحد، وهو أنه أحاط بفقه المسائل وأتى به على وجهه، وصادف في الكتاب ألفاظًا قليلةَ الجدوى في الفقه، فلعله انتسخها من نسخة فوقع فيها بعض الزلل، والخللُ يتطرَّق إلى اعتماد النسخ» (١)، قال: «وجاوزت غلطاتُه في الكتاب حدَّ العَثَرات، ولو قيست مواضع غلطه بمواقع إصابته لعادلتها إن لم تزد» (٢)، وقال: «وقد سئمنا تتبُّع كلامه» (٣).
وفي كلام إمام الحرمين بعض تحامُل على المُزَني، وقد انتقده في أمور ما كان أغناه عن نقده فيها، والخلل الذي أشار إليه لم يتطرَّق إلى
_________
(١) انظر «النهاية» (٨/ ٢٨٥).
(٢) انظر «النهاية» (٨/ ٣٠٤).
(٣) انظر «النهاية» (٨/ ٣١٩).
стр. 73
المُزَني من جهة غفلته كما قد يتوهَّم، وإنما بسبب تقيُّده بالنسخة مهما كان سقيمًا إذ لم يجد غيرها، ومما يؤيِّد ذلك أنه في بعض الأحيان يعتقد غلط الكاتب على الشافعي، ومع ذلك يثبت المنقول على ما هو عليه في النسخة ثم يعلِّق عليه بما يراه الصواب على معنى الشافعي، فيقول (ف: ٣١٠٩): «هذا سَقْطٌ من الكاتب عندي»، أو (ف: ٣٨٢٧): «ينبغي أن يكون هذا غَلَطًا من غير الشافعي»، وهذا الواجب فعله في مثل تلك الأحوال؛ لأن تخطئة النسخة أمر اجتهادي، قد يوافق عليه وقد يخالف فيه.
المادة الثانية في المختصر: ما وضعه المُزَني على مذهب الشافعي
فقد لا يوجد للشافعي كتاب في بعض الأبواب الفقهية، أو يوجد له كلام غير متكامل يحتاج إلى ملء فراغه، فيقول فيه المُزَني على قياس قول الشافعي وأصول مذهبه، وهذا القسم من مادة الكتاب على مرتبتين:
المرتبة الأولى: ما تحرَّاه المُزَني باجتهاده على نحو مذهب الشافعي، وهذه المسائل والأبواب تعرف في كتب المذهب بمسائل التحرِّي، فيقال: ذكره المُزَني في مسائل التحرِّي (١)، قال إمام الحرمين: «ومنصوصات المُزَني في مجال التحرِّي معدودةٌ من مَتْن المذهب، وهي عند المصنِّفين كنصوص الشافعي» (٢).
قلت: وقد يكون ذلك بابًا كاملًا يتحرَّاه المُزَني باجتهاده حيث لم يجد للشافعي فيه كلامًا يأثره، وقد يجد عنه بعض مسائل ويكمل الباب من اجتهاده وتحرِّيه.
_________
(١) انظر «نهاية المكلب» (٧/ ٤٠٩، و ٨/ ٢٨).
(٢) انظر «النهاية» (٦/ ٥١٩).
стр. 74
فمن الأول: كتاب الضمان (ك ١٨)، قال فيه: «تحرَّيت فيه مذهب الشافعي وقياس قوله»، وباب الشركة (ك ١٩)، قال فيه: «تحرَّيت فيها مذهب الشافعي».
ومن الثاني: كتاب الحوالة (ك ١٧)، قال فيه: «مما سمعت من الشافعي وما تحرَّيت من مذهبه فيها»، وقد أفرد فيه بابًا (ب ١٥٦) بدأه بقوله: «هذه مسائل تحرَّيت فيها معاني جوابات الشافعي في الحوالة»، وكتاب الوكالة (ك ٢٠)، قال فيه: «تحرَّيت فيها مذهب الشافعي مع ما وجدت له منها».
المرتبة الثانية: ما وضعه المُزَني على نحو مذهب الشافعي، كما فعل في «كتاب الفرائض» (ك ٣٢)، قال المُزَني: «مما سمعت من الشافعي ومن (الرسالة) ومما وضعته على نحو مذهبه، لأن مذهبه في الفرائض نحو قول زيد بن ثابت»، قال إمام الحرمين: «نظر الشافعي إلى مواقع الخلاف، ولم يجد مضطربًا في المعنى، فاختار أن يتبع زيد بن ثابت، وتردَّد قول الشافعي حيث تردَّدت الروايات عن زيد»، قال: «ولم يضع لأجل هذا كتابًا في الفرائض، لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد، وإنما نصَّ على مسائلَ متفرِّقة في الكتب، فجمعها المُزَني، وضمَّ إليها مذهب زيد في المسائل، ولم يقل: (تحرَّيْتُ فيها مذهب الشافعي) كقوله في أواخر الكتب التي مضت؛ فإن التحرِّي اجتهاد، ولا اجتهاد في النقل، وقد تحقَّق عنده اتباع الشافعي زيدًا، وتردَّد قول الشافعي حيث تردَّدت الروايات عن زيد» (١).
_________
(١) انظر «نهاية المطلب» (٩/ ٩).
стр. 75
المادة الثالثة: اجتهاد المُزَني سواء كان على أصول الشافعي أو على غير أصوله
قد ذكرنا طرق التمييز بين ما هو على أصول الشافعي مما يُعَدُّ من المذهب الشافعي، وبين ما ليس على أصوله الذي يُعْتَبَر من مذهب المُزَني الخاص، فنكتفي هنا بالتنبيه على أنواع اجتهادات المُزَني في الكتاب وموارده.
ف النوع الأول منها: الاستدلال، فقد يَنقُل مسألة ودليلها من نصِّ الشافعي، ثم يبتغي تقرير المسألة بزيادة دليل آخر غير ما ذكره الشافعي إمَّا لكونه أوضح مما ذكره أو أقرب تناولًا، أو لزيادة التقرير، وقد يرى أن دليل الشافعي مدخول فيأتي بما يقوم مقامه.
النوع الثاني: التخريج، حيث يُورِد قولًا منصوصًا للشافعي، ثم يجد أن نصوصه في نظائر المسألة وقواعده تقتضي تخريج قول آخر مخالِف للمنصوص.
النوع الثالث: الترجيح، فقد تكون المسألة ذات قولين أو أكثر، أو قول منصوص ومخرَّج، فيُعْنَى المُزَني بترجيح بعض الأقوال على البعض الآخر بناءً على قواعد الإمام ومُقْتَضَى نصوصه في نظائر المسألة.
النوع الرابع: التعقُّب والاعتراض، ويكون ذلك على صور: منها - مخالفة الشافعي في ترجيحه حيث يصرِّح بالمختار عنده، ويصرِّح المُزَني باختيار غيره، ومنها - ترجيح القديم على الجديد، والمذهبُ الجديدُ، ومنها - اختيار قول له من استنباطه الخاص نظرًا لقوة دليله.
ولم أُعْنَ بإيراد أمثلة هذه الأنواع لكثرتها وقلة فائدة التطويل بذكرها، و «المختصَر» كله مثال على هذه الأنواع.
стр. 76
الفصل الثالث في ذكر مقاصد المُزَني من تأليف المختصَر
قال المُزَني (ف: ١): «اختصرتُ هذا من عِلْم الشافعي ومن معنى قوله، لأقَرِّبَه على مَنْ أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه»، فذكر مقصدين مترتِّبين أرادهما بالتأليف، وثالثًا نفى أن يكون أراده حتى لا يتوهَّم عليه:
المقصد الأول: تقريب علم الشافعي، ويمكن حصر مظاهر هذا التقريب في ثلاثة أمور:
أولها - جمع ما تفرَّق في كتب الشافعي، فإن الشافعي كتب في الفقه وأصوله، وفي الحديث واختلافه، واختلاف أئمة علماء الأمصار والردِّ عليهم، وفي جميع هذه الكتب ذكر مسائل الفقه وأبدى قوله ومذهبه، ولم يتسنَّ إلا للقليلين من الأصحاب الاطلاع على جُلِّ كتب الشافعي، ومن هؤلاء القليلين المُزَني ﵀، فجمع المُزَني ما تفرَّق في هذه الكتب، واختار من نصوص الشافعي فيها أحسنها بيانًا وتعبيرًا، ثم اختصرها اختصارًا مركزًا يبرز قيود المسألة وتفاصيل صوره، ثم رتَّب المسائل والأبواب ترتيبًا منهجيًّا
стр. 77
ارتآه، ولا يخفى ما كان لذلك من الأثر الكبير في الحفاظ على الفقه الشافعي وتقريبه إلى متلقِّيه.
وثانيها - الربط بين الأشباه والنظائر من مسائل الفقه في أبوابها، والمُزَني بهذا العمل أثبت أولًا أن الفقه صار له سجية، وأنه احتواه في ذهنه فبات الغالب على فكره واجتهاده، ثم أصل طريقة متبعة من بعده لنقل أقوال الشافعي وتخريجها من مسألة إلى أخرى، فهو الذي قعَّد قواعد هذا المسلك الذي سلكه من بعده الشافعية كلهم، ولا يكاد يعرف لغيره من أصحاب الشافعي شيء منه، اللهم إلا بعض فروع ومسائل.
وثالثها - استخراج الأصول والقواعد الفقهية التي بنى عليها الشافعي، فقد عُنِيَ المُزَني بالتعرف على أصول الشافعي التي هي أجلُّ مميِّزاته من خلال النظر في أسلوبه في الاستدلال، ومن قواعد الشافعي التي ذكرها في «المختصَر»: «اليقين لا يزول إلا باليقين»، و «الرُّخصة لا تكون لعاصٍ»، و «التأقيت لا يُدرَك إلا بخبر»، و «كل من أفسد شيئًا ضَمِنَ قيمة ما أفسد خطأً أو عمدًا»، وبَيَّضَ لتحرير قاعدة الشافعي في تفريق الصفقة لكنه لم يتمكَّن من ذلك في حياته (ب ١٣٢)، وعنه أنه قال: «قرأت كتاب الرسالة للشافعي خمسمائة مرة، ما من مرة منها إلا واستفدت منها فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى»، وقال: «أنا أنظر في كتاب الرسالة عن الشافعي منذ خمسين سنة، ما أعلم أنِّي نظرت فيه من مرة إلا وأنا أستفيد شيئًا لم أكن عرفته» (١)، وهذا دليل على عقلية متتبعة للأشباه والنظائر متعطِّشة للأصول والمناهج، وذلك دأب الفقيه.
_________
(١) أخرجهما البَيْهَقي في «المناقب» (١/ ٢٣٥).
стр. 78
ورابعها - الاحتواء لعلم الشافعي أصولًا وفروعًا، حيث جمع على اختصاره خلاصة كتب الشافعي وأماليه ودروسه، قال الروياني: «ولم يترك شيئًا من أصول مسائل الفقه وفروعها إلا وقد أتى عليه بحسن الاختصار والنظم، وربما يأتي في خطَّين أو ثلاثة ما أتى به الشافعي في أوراق»، ونقل عن الإمام القفال ﵀ أنه قال: «مَنْ ضبط هذا المختصر حَقَّ ضبطه وتدبره لم يشذَّ عليه شيء من أصول مذهب الشافعي في الفقه» (١)، وقال الشيخ أبو زيد ﵀: «من تأمَّل في المختصَر حَقَّ تأمله .. تطلع على جميع الفروع والأصول، فإنه ما من مسألة أوردها إلا ورمز هناك إلى شيء من أصول الشافعي رحمة الله عليه» (٢).
المقصد الثاني: التيسير على من أراد التفقُّه والتديُّن، وهذا الذي أشار إليه المُزَني بقوله: «لينظر فيه» يريد: ينظر في مختصَره، وفي العلم الذي فيه، وقوله: «لدينه» فلأن الفقه علم ديني، فالناظر فيه ناظر في دينه، وقوله: «ويحتاط لنفسه» أي: ليطلب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد في المذاهب وترك التقليد بطلب الدلالة، هكذا شرحه الماوردي في «الحاوي» (١/ ٣٣)، وفيه إشارة ظاهرة إلى أن المُزَني أراد لكتابه أن يكون كتاب دراسة وتعليم يتخرَّج عليه الفقهاء وأهل الدين، وقد ذكروا أنها «كانت البكر يكون في جهازها نسخة بمختصَر المُزَني» (٣)، وروي عن أبي عبدالله عن محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى (ت ٣١٨) من علماء خوارزم، أنه تكلَّم يومًا في مسألة مع
_________
(١) انظر «بحر المذهب» للروياني (١/ ٢٥).
(٢) ذكره عنه القاضي حسين في «التعليقة» (١/ ١١١)، ونقله النووي في «المجموع» (١/ ١٥٧) عن القاضي حسين عنه بلفظ: «من تتبَّع المختصر حقَّ تتبُّعه لا يخفى عليه شيء من مسائل الفقه، فإنه ما من مسألة من الأصول والفروع إلا وقد ذكرها تصريحًا أو إشارةً».
(٣) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٩٣).
стр. 79
سعيد بن أبي القاضي، فقال له: يا أبا عبدالله لم يأن لك بعدُ، قال: فدخلت المنزل فأقمت فيه ستة أشهر حتى استظهرت كتاب المُزَني ثم تكلَّمت، فقال لي سعيد: إيها الآن (١).
المقصد الثالث: التقليد، وقد صرح المُزَني أنه لم يُرده لذلك، فقد نقل عن الشافعي نهيه عن تقليده وتقليد غيره، فالمقلّدون ليسوا ضمن الفئات التي يقدم لهم كتابه، ومن أخذ كتاب المُزَني على طريق التقليد فقد أراده على غير ما أراد مؤلِّفه وإمامه، فالتقليد سوس العلم الذي ينخر في صرحه حتى يهدمه، وهو الذي يُبعد الأقرباء، ويقطع صلة أنساب العلماء، وبسببه يجهل ذوو الأحلام، ويأتي العقلاء بالسفاهات، ولذلك كان للشافعي تجاهه موقف أيَّما موقف، ومن قوله فيه: «وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم» (٢).
وقال المُزَني: «ويقال لمن حكم بالتقليد: هل لك فيما حكمتَ من حجة؟ فإن قال: نعم .. أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده، لا التقليد، وإن قال: بغير حجة .. قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرَّم الله كل ذلك فأبحته بغير حجة؟
فإن قال: أنا أعلم أنِّي قد أصبت وإن لم أعرف الحجة؛ لأن معلِّمي من كبار العلماء، ورأيته في العلم مقدمًا، فلم يقل ذلك إلا بحجة خفيت عني .. قيل: فتقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عن معلمك كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عنك؟
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٢٩).
(٢) انظر «الرسالة» للشافعي (فقرة: ١٣٦).
стр. 80
فإن قال: نعم .. ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي إلى العالم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن أبى ذلك .. نقض قوله وقيل له: وكيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علمًا، وهذا متناقض؟
فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك .. قيل: وكذلك من تعلَّم من معلمك، فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلِّد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علمه وعلم من فوقه إلى علمك.
فإنْ قادَ قَوْلَه .. جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك على الصحابي تقليد من دونه، وكذلك تقليد الأعلى الأدنى أبدًا في قياس قوله، مع ما يلزمه من تصويب من قلد غير معلمه في تخطئة معلمه، فيكون بذلك مخطئًا لمعلمه ولتقليده إياه». انتهى كلام المُزَني (١).
فإن قيل: كيف يصحُّ أن يقال بالنهي عن التقليد، وأن المُزَني لم يقصد المقلدين بما ألف من الكتاب، وأنتم الشافعية كلكم أو جلكم قلدتم الشافعي ﵀؟ فالجواب: أن هذا سؤال وجيه، والموقع فيه جهل التقليد المقصود بالنهي، فهو: «قبول قول الغير من غير حجة»، هكذا شرحه الماوردي والروياني والقاضي حسين (٢)، وقد وجدت تأييده في كلام الشافعي نفسه، حيث حكى في «الرسالة» (ص: ١٣٣ - ١٣٥) قول من قال:
_________
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٣٦ - ١٣٧).
(٢) انظر الحاوي (١/ ١٥)، و «البحر» (١/ ٢٩)، و «التعليقة» (١/ ١٢٤).
стр. 81
إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا، ثم قال: «ووجد قائل هذا القول مَنْ قَبِل ذلك منه تقليدًا له، وتركًا للمسألة عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه»، قال الشافعي: «والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب»، فقول الشافعي: «وتركًا للمسألة عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه»، تفسير وبيان لمراده بقوله: «تقليدًا له»، ومن هنا من سأل عن حجة القول قبل قبوله، أو عرف الأقوال وأدلتها ثم اختار من بينها ما رآه الأوفق للدليل .. ليس من التقليد المذموم في شيء، ويخرج من تحته فئتان من الناس (١):
أولاهما: أهل العلم المجتهدون، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهؤلاء المقصودون بقول المُزَني: «لينظر فيه لدينه»، ومعنى «النظر»: أن «يأخذ المسائل بالحجة، حتى لا تزلَّ قدمه عن ذلك، فإنه لو أخذ من غير الدليل فربما تزلُّ قدمه عن قريب».
وثانيتهما: أهل العلم المنتسبون إلى المذهب، الذين يعرفون القول ودليله فيأخذونه على بصيرة من أمرهم، وهؤلاء المقصودون بقول المُزَني: «ويحتاط لنفسه»، ومعنى الحيطة للنفس: «أنه يأخذ منه المذهب بالحجة والبيان والمعنى، دون الأخذ بالتقليد ومن غير الدليل، فإنه يوبق نفسه بالنار»، وقد صرَّح القاضي حسين بهذه المرتبة فقال: «نحن ما قلَّدناه، وإنما أخذنا ذلك بالدليل» (٢).
_________
(١) استنبطتهما من تأمل كلام المُزَني أولًا، ثم النظر في شرحه في «الحاوي» للماوردي (١/ ٣٣)، و «التعليقة» للقاضي حسين (١/ ١٢٥).
(٢) انظر «التعليقة» (١/ ١٢٤).
стр. 82
وهاتان المرتبتان لا يكاد يخرج منهما فقيه شافعي، اللهم إلا ما كان في العصور المتأخِّرة، وقد رُوِي عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ﵀ أنه ادَّعى الصفة الأولى لأئمة أصحابنا، «فحكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر أصحاب أبي حنيفة ﵏ أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدًا لهم، ثم قال: الصحيح الذي ذهب إليه المحقِّقون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي ﵀ لا على جهة التقليد له، ولكن لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والفتاوى أسدّ الطرق وأولاها، ولم يكن لهم بُدٌّ من الاجتهاد .. سلكوا طريقه في الاجتهاد، وطلبوا معرفة الأحكام بالطريق الذي طلبها الشافعي به»، قال ابن الصلاح: «وهذا الذي حكاه عن أصحابنا واقع على وَفْق ما رسمه لهم الشافعي ثم المُزَني في أول مختصره وفي غيره، وذكر الشيخ أبو علي السنجي شبيهًا فقال: اتَّبعنا قول الشافعي دون غيره من الأئمة؛ لأنَّا وجدنا قوله أحجَّ الأقوال وأعدلها، لا أنَّا قلَّدناه في قوله» (١)، قال ابن الصلاح: «دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقًا من كل وجه لا يستقيم، إلا أن يكون قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق وفازوا برتبة المجتهدين المستقلين، وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم أو أحوال أكثرهم» (٢).
ومما يجب التنبيه إليه والحذر من الوقوع فيه ترويج بعض ضعاف العقول لفكرة بدت في ظاهرها تواضعًا ومعرفة للنفس قدرها، وهي في الحقيقة ضعة وتخريب للعلم ومنهاجه، وهي فكرة أن كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق لا بد أن يظل مقلدًا من كل الوجوه، وهذه الفكرة هي التي
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٠).
(٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٠).
стр. 83
قام عليها سلطان الجهل ودولة التقليد الأعمى، وعلى أساسها ما زال أنصار الجهل يحاربون كل من تسوِّل له نفسه الاقتراب من باب الاجتهاد بتهمة البغي والخروج، وبفضلها صارت علوم التفسير والسنن لا تدرس إلا من أجل الإسناد وبركة الحلقات، فأعيذك أن تنخدع بهم أو تهاب جمعهم.
стр. 84
الفصل الرابع في ذكر قصة تأليف الكتاب
لقد اجتهد المُزَني وجهد في تأليفه للمختصَر غاية الجهد، فأفنى فيه ريعان عمره وحشاشته، قال البَيْهَقي: «قرأت في كتاب أبي منصور الحمشاذي ﵀: سمعت الإمام أبا الوليد يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت المُزَني يقول: كنت في تأليف هذا الكتاب عشرين سنة، وألَّفته ثلاث مرات، وغيَّرْتُه، وكنت كلما أردت تأليفه أصوم قبله ثلاثة أيام، وأصلِّي كذا كذا ركعة» (١).
وقال الروياني: «مكث في جمع هذا الكتاب نَيِّفًا وعشرين سنة، وما اعترض فيه باعتراض ولا اختار قولًا على غيره إلا بعد ما صلى ركعتين واستخار الله تعالى فيه» (٢).
وقد يستغرب من لا خبرة له بكلام الشافعي ويستبعد هذه المدة المديدة، ولا غرابة، فإن الاختصار الذي قام به المُزَني ﵀ لم يكن ليتمَّ إلا
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩).
(٢) انظر «بحر المذهب» (١/ ٢٥)، وانظر «التعليقة» للقاضي الحسين (١/ ١١٠).
стр. 85
بعد جمع استقرائي لكتب الشافعي الكثيرة، ثم تفهم للمجموع وتفسير له، ثم تطلع إلى الأصول التي بنى عليها الشافعي، ومن ثم التعبير عن فقهه بأقرب لفظ وأدقِّ عبارة، «وفي نظم كلام الشافعي تعقيد لا يطَّلع عليه إلا من جمع إلى فهمه أوفر حظّ من اللغة» كما قال إمام الحرمين (١)، فلم يكن بُدٌّ من التهذيب والتدقيق على مدار السِّنِي العشرين، بل مع كل رجوع للكتاب ومع كل درس وتسميع له.
ولمَّا تمَّ له ما أراد من تأليفه على أحسن نظم ثم من تهذيبه وتدقيقه كان هو أول المعجبين بترصيفه، فقال يوسف بن عبدالأحد القُمِّي: سمعت المُزَني يقول: «لو أدركني الشافعي لسمع مني هذا المختصَر» (٢).
وقد يقال بأن المُزَني يغبط البُوَيْطي على أنه أسمع الشافعي مختصَره في حياته كما يُرْوَى عنه، لكني لا أجد ما يكفي لتصحيح تلك الرواية عنه، وكل ما في الأمر أن الربيع روى «مختصَر البُوَيْطي» عن الشافعي مباشرة، دون ذكر للبُوَيْطي في سنده، فقال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: «وأظن هذا أو نحوه هو الذي أوقع الحاكم أبا عبدالله الحافظ في أن قال: والذي أراه الحق ما رأيته عن علي بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي مطر القاضي الإسكندري قال: صنَّف أبو يعقوب البُوَيْطي هذا الكتاب وقرأه على الشافعي بحضرة الربيع بن سليمان، فحصل سماعًا للربيع وأخبرنا به عن الشافعي ﵁» (٣).
_________
(١) انظر «النهاية» (١٣/ ٦٥).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٤٥).
(٣) انظر «طبقات الفقهاء الشافعية» لابن الصلاح (٢/ ٦٨٤).
стр. 86
قلت: علي بن عبدالله بن أبي مطر الإسكندراني (ت ٣٣٩) من فقهاء المالكية، وكان شيخه في الفقه ابن المواز، وعاش مائة سنة، وضعفه الدارقُطني في «غرائب مالك» وَأورَدَ له خبرًا باطلًا، وقال الذهبي: «صدوق مشهور، قد ذكره النباتي أبو العباس في تذييله لكونه ذكر في سند ضعيف، وهذا لا يضرُّه» (١).
وهذا ضعف محتمَل في مثل هذه الروايات، لكن يبقى اتصال السند بينه وبين الحاكم أبي عبدالله، فإن عبارته تدل على الوجادة والانقطاع، وكلاهما كفيل بضعف الخبر، ويزداد ضعفًا من جهة المعنى أن التفسير الذي تضمَّنته لا ينطبق على زيادات البُوَيْطي على الشافعي، فهذه لا شك ليست من الشافعي، وحقّ الربيع أن يرويها عن البُوَيْطي، هذا إذا أقررنا له أن من حقِّه أن يروي أصل «المختصَر» عن الشافعي اعتمادًا على هذه الرواية، والذي أميل إليه: أن الربيع لم يأخذ الكتاب عن الشافعي، وإنما أخذه عن مؤلِّفه البُوَيْطي، لكنه استجاز لنفسه حذف اسمه باعتبار سماعه أصله عن الشافعي، وهذا وإن لم يستجزه المحدِّثون على طرقهم فقد يتوسَّع بمثله الفقهاء الذين لا يُعنَون بالأسانيد عناية المحدِّثين، والله أعلم بحقيقة الحال.
_________
(١) انظر ترجمته في «لسان الميزان».
стр. 87
الفصل الخامس في ذكر بعض اصطلاحات المُزَني في الكتاب
اصطلح المُزَني على التمييز بين كلامه وكلام الشافعي بالعبارات: «قال الشافعي» «قال المُزَني» «قلت أنا».
واصطلح كذلك في مجال الاجتهاد والتخريج ألا ينسب المعنى المستخرج إلى الشافعي صراحة، وإنما يقول في مثله: «عنده» «أصله» «قياس قوله» «معنى قوله»، ويُستفاد من هذا أن ما صدَّره بقوله: «قال الشافعي» نصُّ كلامه، لا معناه فقط كما قد يتوهَّم.
وقد يكون المعنى الذي ينسبه المُزَني إلى الشافعي على قياسه محلَّ أَخْذٍ ورَدٍّ، فيعزو تخريجه إلى نفسه بقوله: «وهذا عندي أولى به»، أو ما أشبه ذلك.
وقد يختم المُزَني تعقيباته على نصوص الشافعي بقوله: «فافهم» أو «فتَفَهَّم» دلالة على دقة النظر فيها، وقال الماوردي: «قول المُزَني: (فتفهم) يريد به الشافعي، قال أصحابنا: كل موضع يقول فيه المُزَني:
стр. 88
(تفهم) يريد به الشافعي، وكل موضع يقول فيه: (فافهم) يريد به أصحاب الشافعي» (١).
قلت: الظاهر أنه يريد بالكلمتين أصحاب الشافعي من تلاميذه، ويدل عليه قوله في بعض المواضع (ف: ٢٢٦٩): «فتَفَهَّم يرْحَمُك اللهُ»، ونحوه (ف: ٣٩٩٢): «فتَفَهَّمْ رحمك الله»، فظاهر هذا خطاب لشخص أمامه حال الدرس، ويقطع الشك باليقين قوله في موضع آخر (ف: ١١٣٦): «فتفهم ولا تغلط عليه»، فلا شك أنه أراد: لا تغلط على الشافعي، ولهذا لا أرى للكلمتين دلالة إلا على دقة المادة المطروحة، وشيء آخر، أن المُزَني لا يريد من السامع أن يأخذ كلامه واجتهاده تلقِّيًا مجردًا وتسليمًا له، فيحثه على النظر فيه والاجتهاد مثلما اجتهد هو، ويدل عليه قوله (ف: ١٨٤٦): «فتَفَهَّمْه كذلك تَجِدْه إن شاء الله»، وقوله (ف: ٢٧٧٨): «فتَفَهَّمُوه كذلك تَجِدُوه إن شاء الله»، وقال في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٢١): «فتفهمه ولا تقلِّد مَنْ وضعَه».
وبما أن المُزَني يأتي بنصوص الشافعي في كتبه ففيه بعض اصطلاحات الشافعي نفسه أيضا، ومنها اصطلاحه في النقل المبهم لآراء الفقهاء، فيقول: «قال بعض أصحابنا» أو: «قال بعض الناس»، أخرج أبو محمد عبدالرحمن بن حاتم في «آداب الشافعي» (ص: ١٥٥) عن أبيه عن الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: «إذا قلت: (قال بعض أصحابنا) فهم أهل المدينة، وإذا قلت: (قال بعض الناس) فهم أهل العراق»، وقال الماوردي:
_________
(١) انظر «الحاوي» (٢/ ٨٣)، وقد وقع في مطبوعته خطأ صحَّحته بمراجعة مخطوطته في المكتبة الظاهرية الجزء الثاني (ص: ٦٠).
стр. 89
«كل موضع يقول فيه الشافعي: (قال بعض الناس) يريد به أبا حنيفة، وكل موضع قال فيه: (قال بعض أصحابنا) يريد به مالكًا، وإذا أراد غيرهما ذكره باسمه» (١).
_________
(١) انظر «الحاوي» (٢/ ٨٣).
стр. 90
الفصل السادس في ذكر عنوان الكتاب
لم أجد نصًّا صريحًا عن المُزَني يتضمَّن التنويه باسم الكتاب، وهذه عادة السلف من الأئمة العناية بالمضامين مع الانصراف عن المظاهر، على خلاف ما عليه المتأخِّرون من تخيُّر الأسماء الفخمة وإن كانت على حساب المضامين التافهة، لكن ما ذكرنا من قول المُزَني: «لو أدركني الشافعي لسمع مني هذا المختصَر» يمكن أن يُستأنَس به لاعتماد اسم «المختصَر» عنوانًا للكتاب.
ويؤيِّد ذلك أنه «المختصَر» باعتبار الحقيقة والمضمون كما قال المُزَني (ف: ١): «اختصرت هذا»، وهو «المختصَر» بالغلبة، فلا يشتبه بالمختصَر الكبير أو الصغير الذي انصرف الناس عنهما فلم يعتنوا بهما حتى صارتا كالمتروكين أو المعدومين، ولا يشتبه بـ «مختصَري البُوَيْطي» الذي لا يكاد يذكر إلا مقيَّدًا معزوًّا إليه، فلا ضرورة لكتابنا إلى زيادات وملحقات به تميِّزه عن غيره، فهو بانتشار ذكره وعناية الفقهاء به واجتماعهم عليه أشهر من نار على علم، فهو مرادهم حين يقولون: «وفي المختصَر»، وهو كذلك مرادهم
стр. 91
حين يقولون: «قال المُزَني» أو: «وفي المُزَني»، وقد يقيِّدونه أحيانًا فيقولون: «مختصَر المُزَني»، وكل ذلك واسع لا حرج فيه.
وورد في أول جزء ابن الأكفاني في رواة «المختصَر» عن المُزَني ما يمكن أن يستنبط منه تسمية هذا الكتاب بـ «المختصَر الصغير من علم الإمام المطلبي» (١)، فقيّد الكتاب بـ «الصغير» للتمييز بينه وبين الكبير، ولا حاجة اليوم إلى هذا القيد، بل إن الإتيان به قد يكون سببًا في توهُّم غير المراد، وأما قوله: «من علم الإمام المطلبي» .. فأخذه من خطبة المُزَني، ويمكن أن يجعل بمثابة العنوان التوضيحي، إلا أنه اقتصر فيه على علم الإمام ولم يذكر معنى قوله، ولو أنه تقيَّد بلفظ المُزَني: «من عِلْم الشافعي ومن معنى قوله» لكان أحسن، ولذلك اخترت أن يكون عنوان الكتاب في نسختي:
«المختصَر مِنْ عِلْم الشافعي ومِن معنى قولِه»
«المختصَر» هو العنوان المقصود بالتسمية، أضيف إليه: «مِنْ عِلْم الشافعي ومِن معنى قولِه» لغرض التوضيح، وذلك تفاديًا لوهم انتشر بين الناس بفعل بعض النشرات التجارية للكتاب، حيث جعلوا العنوان: «مختصَر كتاب الأم»، فجعلوا كتاب المُزَني مختصرًا لما جمع في «الأم» من رواية الربيع عن الشافعي، وهذا جهل من صاحبه لا يحتاج إلى رَدٍّ، وما كنت معرِّجًا على سفاهة كهذه لولا أنها تروج على بعض طلبة العلم نظرًا لقلة عنايتهم بهذا الكتاب العظيم.
_________
(١) سيأتي إيراد النص الكامل لهذا الجزء في فصل رواة «المختصر» إن شاء الله.
стр. 92
الفصل السابع في ذكر عظم قدر الكتاب عند أهل العلم
لقد كتب الله لكتاب المُزَني من القبول ما لم يكتب مثله ولا قريبًا منه لأقرانه من سائر تلاميذ الشافعي، فسار ذكره في البلاد، وعمَّ نفعه العباد، قال البَيْهَقي: «سار في بلاد المسلمين وانتفعوا به» (١).
وكان عمدة الشافعية في التفقُّه والتدريس أكثر من قرنين من الزمان، وقد ذكروا عن أبي زرعة محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة (ت ٣٠٢ هـ) - قاضي دمشق - أنه كان رجلًا رئيسًا، وأنه الذي أدخل مذهب الشافعي إلى دمشق، وأنه كان يهب لمن يحفظ «مختصر المُزَني» مائة دينار (٢)، قال الغزالي: «وما أجدر مختصَر المُزَني بأن يُعتَنَى بحفظه، فإنه مسائله غُرَر كلام الشافعي ﵁» (٣)، وقال الروياني: «أحتسب المُزَني أفقه تلامذة الشافعي وأزهدهم وأحفظهم لكتبه وعلمه، بأن اختصر من علمه كتابًا سمَّاه: (الجامع الكبير)، ثم اختصر منه (الجامع
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٤).
(٢) انظر «الطبقات» (٣/ ١٩٧).
(٣) انظر مقدمة كتاب «الخلاصة» للغزالي (ص: ٥٥).
стр. 93
المختصر) الذي يتداوله أصحاب الشافعي ويتدارسونه» (١).
قال البَيْهَقي: «أخبرنا محمد بن عبدالله، قال: سمعت أبا سهل محمد بن سليمان - إمام الشافعيين في عصره بلا مدافعة من موافِق ومخالِف منصِف - يقول: قال لي أبو إسحاق المروزي في شيء جرى بيني وبينه: لِمَ لا تنظر في (المختصَر)؟ فقلت: ما جئتك من خراسان حتى فرغت من نظري في (المختصَر)، فقال: انظروا، يقول مثل هذا وأبو العباس بن سريج يقول: ما نظرت فيه من مرة إلا واستفدت فائدة جديدة» (٢).
وقد ذكروا عن أبي العباس ابن سريج شعرًا (٣):
حليف فؤادي مذ ثلاثون حِجَّةً … وصَيْقَل ذهني والمفرِّج عن همِّي
جَمُوعٌ لأنواع العلوم بأَسْرِها … بمختصَر ليسَت تفارقه كمِّي
عزيزٌ على مثلي إضاعة علمه … لما فيه من نسجٍ بديعٍ ومن نظمِ
بل إن العناية بكتاب المُزَني تعدَّى المذهب الشافعي، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في سياق حديثه عن قتال البغاة: «إن الخرقي نسج على منوال المُزَني، والمُزَني نسج على منوال محمد بن الحسن، وإن كان ذلك في بعض الترتيب والتبويب» (٤)، وذكر الصيمري في «أخبار أبي حنيفة»
_________
(١) انظر «بحر المذهب» (١/ ٢٥).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٤٥).
(٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٤٥)، وقد أورده التاج السُّبْكي في «الطبقات» (٣/ ٣١) بنحوه مع اختلاف يسير، وفيه:
لصيق فؤادي منذ عشرين حجة … وصيقل ذهني والمفرِّج عن همِّي
عزيز على مثلي إعارة مثله … لما فيه من علم لطيف ومن نظمِ
جَموع لأصناف العلوم بأسرها … فأخلق به ألا يفارقه كُمِّي
(٤) انظر «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥٠).
стр. 94
(ص: ١٦٨) أن أبا جعفر الطحاوي صنف مختصره في الفقه الحنفي على ترتيب كتاب المزني، وهذا يدل على عموم نفع الكتاب لأهل المذاهب قاطبة، وقد قال البَيْهَقي: «لا أعلم كتابًا صُنِّف في الإسلام أعظم نفعًا وأعمّ بركة وأكثر ثمرة من كتابه» (١).
ولمنصور بن إسماعيل الفقيه (ت ٣٠٦ هـ) فيه (٢):
لم تر عيناي وتسمع أذني … أحسن نظمًا من كتاب المُزَني
وأنشد فيه الأستاذ الإمام أبو عبدالرحمن محمد بن عبد العزيز بن عبدالله السلمي (٣):
إنَّ كتاب المُزَني … لَسَلْوَتِي مِنْ حَزَني
وعُدَّتي إن أحدٌ … من العِدا بارزني
وحلَّتي إنْ فَاخِرٌ … مِنْ كسوتي أَعْوَزَني
وناصري إن جَدِلٌ … بحجَّةٍ أَعْجَزَني
آليتُ لا يعدله … مُلْكُ الفتى ذِي يَزَنِ
ولا العراقين ولا الشـ … ـام وملك اليمنِ
يا قرَّة العين ويا … زينة كل الزِّيَنِ
ويا ملاذي إن دَهَتـ … ـني فتنةٌ في الفِتنِ
أنت ضجيعي ليلتي … وفي نهاري سكَني
وفي مسيري صاحبي … وفي ضريحي كفَني
وقال القاضي حسين: «والربيع بن سليمان المرادي صنَّف كتبًا كثيرة،
_________
(١) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٨).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٤٤).
(٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٤٦).
стр. 95
ولكن لكثرة ورع المُزَني وفقره بارك الله تعالى في كتابه، وكان يدرس هذا المختصَر، وكان الفقهاء يتداولونه إلى قيام الساعة» (١).
وعجبي من القاضي الحسين كيف حكم بـ «كان» على عمل الفقهاء فيما سيكون إلى قيام الساعة، وكأنه نظر إلى المستقبل بعين القياس على الحاضر فما استساغ أن كتابًا متداولًا بقدر كتاب المُزَني يطويه النسيان والهجر في دولة التقليد البغيض، لكن الحقيقة أن القيامة لم تقم ولكن المختصر قد هُجِر وجُفِي، والله المستعان على صروف الدهر وتقلُّب الأيام.
ومما يدلُّ على عظم قدر الكتاب كثرة عناية العلماء به، سواء كان ذلك رواية له ونقلًا، أو شرحًا له وتأليفًا حوله، أو نقدًا له وتعقبًا، وسنذكر نماذج من تلك الجهود في الفصول التالية.
_________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١١).
стр. 96
الفصل الثامن في ذكر رواة المختصَر
كثرة الصادرين يدلُّ على كثرة الواردين، وأعداد الرواة تدل على أضعافها من مجالس الإقراء، فما كان راوي الكتاب إلا وقد سمعه في بعض مجالسه المعقودة، ثم رواه في مثلها، وقد يكون في مجالس مرارًا وتكرارًا، فلا يخفى على اللبيب ما لذلك من الدلالات الواضحة على همة الأئمة واهتمامهم بكتاب المُزَني.
ولقد كتب هبة الله بن أحمد الأكفاني (ت ٥٢٤ هـ) ورقة في سرد أسماء رواة المختصَر، ومنها نسخة مصوَّرة في المكتبة الظاهرية (٢٥ مجموع ٩٤)، وفي آخرها: «نقلت هذ الجزء نحو هو، فحملته، وهو هذه الصفحة من خطّ الشيخ الفقيه الإمام الحافظ السِّلفي، وكتب يوسف بن ياسين، في يوم الجمعة، الحادي عشر من شهر المحرم، من سنة إحدى وسبعين و [ستمائة]، والحمد لله وحده، وسلام على عباده الذين اصطفى».
ورأيت أن أورد في هذا الفصل هذه الصحيفة بالتمام والكمال، ثم أشفعها بذكر ما بلغه علمي من رواة المختصَر وشيء من تراجمهم، مميزًا
стр. 97
زياداتي على صحيفة ابن الأكفاني بحرف الزاي أول الترجمة.
وهذا صورة ما ورد في النسخة:
стр. 98
تسمية من روى عن المُزَني المختصَر الصغير من علم الشافعي
تخريج الشيخ الأمين
أبي محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني المعدَّل الدمشقي حرسه الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ، شيخ الاسلام، أوحد الأنام، فخر الأئمة (١)، مفتي الأئمة، أبي [كذا] طاهر، أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني ﵁، قال: أخبرنا الشيخ الأمير، أبو محمد، هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني بدمشق من أصل كتابه، قال:
تسمية من روى عن الإمام أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني ﵀ مختصَره الصغير من علم الإمام المطلبي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه:
أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا، الدمشقي، الحافظ، أبو الحسن.
أحمد بن عبد الله بن سيف بن سعيد القاضي السجستاني، أبو بكر.
أحمد بن إبراهيم، ابن أخي طخشي، أبو الطيب.
أحمد بن مطير.
_________
(١) كذا في النسخة، والجادة: «فخر الأمة».
стр. 99
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن السندي الصابوني، أبو الفوارس، تُوُفِّي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
أحمد بن محمد بن سلامة، الطحاوي، أبو جعفر.
الحسين بن إسماعيل النقار.
الحسين بن محمد بن غريث، أبو علي، رواه عنه: عبد الوهاب بن الحسن الكلابي.
الحسين بن محمد بن داود، مأمون المصري.
عبد الله بن محمد بن زياد، النيسابوري، أبو بكر.
عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله، الأكفاني، أبو القاسم، رواه عنه: أبو العباس بن القاص.
عبد الله بن أبي سفيان، الموصلي، أبو محمد.
عبد الله بن محمد بن جعفر، القزويني، أبو القاسم.
عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، أبو محمد.
عبد الرحمن بن سانجور، أبو محمد.
عبد الرحمن بن محمد بن الجارود، الرقي.
عبد العزيز بن أبي رجاء الزيات، أبو عمر.
علي بن سليمان بن أبي الربيع، مع محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي، يعرف بمكحول، رواه عنه عبد الوهاب الكلابي.
محمد بن سفيان بن سعيد بن عثمان، المؤذن أبو بكر بمصر.
محمد بن أحمد بن راشد، الأصبهاني، أبو بكر.
محمد بن عبد الله بن دليل، الإسكندراني.
стр. 100
محمد بن محمد، الباغندي.
هزوذ بن عقيل بن عمير.
أبو العباس، البلدي.
أبو يحيى الهمداني، روى عنه: ابن القاص أبو العباس.
حدثنا عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكَتَّاني لفظًا، ثنا مكي بن محمد بن الضّمْر التميمي، ثنا أبو سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن زيد، قال: قال أبو جعفر الطحاوي: «وفي سنة أربع وستين ومائتين تُوفِّي أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني، في ربيع الأول، وصلَّى عليه الربيع بن سليمان المرادي، رحمهما الله».
آخره والحمد لله حقَّ حمده، والصلاة على المصطفى محمد وآله أجمعين
стр. 101
رواة المختصَر ومختصَر تراجمهم
(ز) إبراهيم بن محمد بن الحسن بن متويه، الحافظ أبو إسحاق الأصبهاني، كان من العُبَّاد الفضلاء، مات في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاث مائة، وقد نيَّف على الثمانين، قال الخليلي: إن أبا الحسن العطار القزويني سمع منه المختصَر (١)، ورواه عنه كذلك الحسن بن محمد بن يزيد، وفي روايته عنه زيادات على المُزَني، بعضها أقوال للشافعي يرويها عن الربيع بن سليمان، وسائرها أحاديث يرويها بأسانيده، وشيوخه فيها: موسى بن عامر الدمشقي راوية الوليد بن مسلم، ومحمد بن عمرو الغزِّي، وعبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي الكوفي.
أحمد بن عمير بن يوسف بن جَوْصَا - بالجيم -، الحافظ أبو الحسن الكلابي الدمشقي، مولى بني هاشم، شيخ الشام في وقته، رحل وصنَّف وذاكر، ولد في حدود الثلاثين ومائتين، وتوفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وقد أكثر في الرواية حتى أغرب، فكان ذلك سبب القدح فيه، قال الذهبي: «ابن جَوْصَا إمام حافظ، له غلط كغيره في الإسناد، لا في المتن، وما يضعفه بمثل ذلك إلا متعنِّت».
أحمد بن عبدالله بن سيف بن سعيد، القاضي أبو بكر الفارض السجستاني، خليفة أبي عمر القاضي، وثقه الخطيب، مات في جمادى الأولى سنة ست عشرة وثلاثمائة.
أحمد بن إبراهيم، ابن أخي طخشي، أبو الطيب بن بِيلَبُرْد - بكسر الباء المنقوطة بواحدة وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفتح اللام وضم
_________
(١) انظر «الإرشاد» للخليلي (١/ ٤٣٠).
стр. 102
الباء المنقوطة بواحدة وسكون الرَّاء وفي آخرها الدال المهملة -، المصري، تُوُفِّي في رجب سنة تسع وتسعين ومائتين، قال ابن السمعاني في «الأنساب» (٢/ ٤٠٧): «عداده في موالي بني هاشم، كان يكتب الحديث ويحفظ».
أحمد بن مطير.
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن السندي، أبو الفوارس الصابوني، تُوفِّي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وُلِد في المحرم سنة خمس وأربعين ومائتين، وأول ما سمعت الحديث ولي عشر سنين، وكان عالي الإسناد وصاحب غرائب ومن المعمِّرين، وقد نقل الحافظ في «اللسان» (١/ ٦٥٢) عن ابن المنذر تكذيبه، واختلف قول الذهبي في شأنه، فقال في «الميزان» (١/ ١٥٢): «صدوق إن شاء الله، إلا أني رأيته قد تفرَّد بحديث باطل عن محمد بن حمَّاد الطهراني، كأنه أدخل عليه»، وقال في «التاريخ»: «لا يحتجُّ به»، قال الحافظ في «اللسان»: «وله رواية عَنْ أبي إبراهيم المُزَني، وهو آخر من حدَّث عنه»، كذا أطلق الحافظ، وقيَّده الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤٣٠) بآخر من روى عنه بمرو.
أحمد بن محمد بن سلامة، الطحاوي، أبو جعفر، وهو ابن أخت المُزَني، تُوفِّي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، قال الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤٣١): «لم يرو مسند الشافعي عن المُزَني إلا ابن أخته الطحاوي الحنفي»، وأورد عنه الذهبي في «السير» (١٥/ ٢٩) أنه قال: «أول من كتبت عنه الحديث المُزَني، وأخذت بقول الشافعي، فلما كان بعد سنين قدم أحمد بن أبي عمران قاضيًا على مصر، فصحبته وأخذت بقوله»، يريد مذهب الحنفية، وذكر الصيمري في «أخبار أبي حنيفة» (ص: ١٦٨) أن أبا إبراهيم المزني قال لابن أخته أبي جعفر الطحاوي يوما: والله لا جاء منك شيء،
стр. 103
فغضب أبو جعفر من ذلك وأنف لنفسه وانتقل إلى أبي جعفر بن أبي عمران، فأول ما صنف من كتبه مختصره الذي هو على ترتيب كتاب المزني، فلما فرغ منه قال: «رحم الله أبا إبراهيم، لو كان حيا لكفر عن يمينه».
الحسين بن إسماعيل النقار.
الحسين بن محمد بن غريث، أبو علي، ورواه عنه: المحدِّث الصادق، أبو الحسين عبدالوهاب بن الحسن بن الوليد بن موسى، الكلابي، الدمشقي، من المعمِّرين، مولده في ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة، ومات في ربيع الأول سنة ست وتسعين وثلاثمائة، وله تسعون سنة.
الحسين بن محمد بن داود، الحافظ مأمون المصري أبو القاسم القيسي، تُوفِّي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
(ز) سعيد بن عمرو، الحافظ أبو عمرو البردعي، وهو آخر من روى عن المُزَني بأذربيجان، ذكره الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤٣٠) وقال: «سمعت عبدالله بن محمد الحافظ يقول: سمعت أحمد بن طاهر بن النجم الميانجي الحافظ يقول: سمعت سعيد بن عمرو البردعي الحافظ يقول: لمَّا رجعت إلى مصر وأردت الخروج إلى خراسان أقمت ثانيًا عند أبي زرعة الحافظ، فعرضت عليه كتاب المُزَني، فكلما قرأت عليه مما خالف الشافعي جعل أبو زرعة يبتسم ويقول: لم يعمل صاحبك شيئًا في اختياره لنفسه، لا يمكنه الانفصال فيما ادَّعى، قلت: هل سمعت منه شيئًا؟ قال: لا، وما جالسته إلا يومين، وبلغني عنه أنه تكلَّم في لفظي بالقرآن مخلوق؟ فلما خرج عبد الرحمن إليه، أمرته أن يسأله عن ذلك، فبكى وقال: معاذ الله».
стр. 104
عبدالله بن محمد بن زياد، أبو بكر، النيسابوري، الحافظ، صاحب كتاب «الزيادات على كتاب المُزَني»، تُوفِّي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وقد روى «المختصَر» عنه: الحسين بن أحمد ابن خالويه، الهمذاني أبو عبدالله (ت ٣٧٠ هـ) إمام اللغة والعربية وغيرهما من العلوم الأدبية، قال ابن الصلاح في «الطبقات» (١/ ٤٥٥): «شاهدت بخطِّه على ظهر نسخة: قرأ عليَّ أول هذا الكتاب فلان وأجزت له باقيه أن يرويه عني هو ومن أحب عن النيسابوري عن المُزَني عن الشافعي»، وانظر «الطبقات» للسبكي (٣/ ٢٧٠)، ورواه عنه كذلك: الحسين بن هارون البراشي البردعي، وعنه الحسين بن جعفر المراغي الجندي (ت ٣٢٤ هـ)، وانظر «طبقات فقهاء اليمن» للجعدي (ص: ٨٣).
عبدالله بن إبراهيم بن عبدالله، أبو القاسم الأكفاني، مات سنة سبع وثلاثمائة لتسع بقين من المحرم، ورواه عنه: أبو العباس بن القاص (ت ٣٣٥ هـ).
عبدالله بن أبي سفيان، الموصلي، أبو محمد.
عبدالله بن محمد بن جعفر، القزويني، أبو القاسم، قال ابن يونس في «تاريخه» (٢/ ١١٤): «كان فقيهًا على مذهب الشافعي، وكانت له حلقة للإشغال بمصر وللرواية، وكان قبل قدومه إلى مصر ينوب في الحكم بدمشق، ثم تولَّى قضاء الرملة، فكان محمودًا فيما يتولَّى، وكان يظهر عبادة وورعًا، وكان قد ثقل سمعه شديدًا، وكان يفهم الحديث ويحفظ، وكان له مجلس إملاء في داره، وكان يجتمع إليه حفَّاظ الحديث وذوو الأسنان منهم، وكان مجلسه وقورًا ويجتمع فيه جمع كبير، خلط في آخر عمره، ووضع أحاديث على متون محفوظة معروفة، وزاد في نسخ معروفة مشهورة،
стр. 105
فافتضح، وحُرِّقت الكتب في وجهه، وسقط عند الناس، وترك مجلسه، فلم يكن يجيء إليه كبير أحد، وتُوُفِّي بعد ذلك بيسير، تُوفِّي سنة خمس عشرة وثلاثمائة»، وذكر الذهبي في «الميزان» (٢/ ٤٩٥) عن الحاكم عن الدارقُطني أنه قال فيه: «كذَّاب، ألف كتاب (سنن الشافعي) وفيها نحو مائتي حديث لم يحدِّث بها الشافعي».
عبدالرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس، الرازي، أبو محمد، أحد الأئمة الأعلام في الحديث والتفسير والعبادة والزهادة والصلاح والديانة، حافظ ابن حافظ، استوعى علم أبيه وأبي زرعة الرازي، وكتب في «آداب الشافعي ومناقبه»، وتُوفِّي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وهو آخر من روى عنه بالرَّيِّ على ما ذكر الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤٣٠).
عبدالرحمن بن سانجور، أبو محمد.
عبدالرحمن بن محمد بن الجارود، الحافظ أبو بكر الرقِّي، تُوفِّي سنة ست وخمسين وثلاثمائة، قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٨/ ٩٥): «كذَّابٌ، زعم أنه سمع هشام بن عمار، ويونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب، والحسن بن عرفة، وعيسى بن أحمد البَلْخي، وأبا إبراهيم المُزَني، ومحمد بن عوف الحمصي، والحسن بن محمد الزَّعفراني، وحدَّث عنهم».
عبدالعزيز بن أبي رجاء الزيات، أبو عمر.
(ز) عبدان بن محمد بن عيسى، أبو محمد، المروزي، الجُنُوجِرْدي - بضمِّ الجيم والنون ثم واو ساكنة ثم جيم مكسورة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة: قرية من قرى مرو -، قال الحاكم: سمعت أبا نعيم عبد الرحمن بن محمد الغفاري بمرو يقول: سمعت عبدان بن محمد الحافظ يقول: «ولدت سنة عشرين ومائتين، ليلة عرفة، في ذي الحجة»، قال أبو نعيم: «وتُوفِّي
стр. 106
عبدان ليلة عرفة أيضًا في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومائتين»، وقال أبو سعد بن السمعاني: «اسم عبدان: عبيدالله، وإن عبدان لقب»، قال: «وعبدان هو الذي أظهر مذهب الشافعي بمرو بعد أحمد بن سيار، فإن أحمد بن سيار حمل كتب الشافعي إلى مرو وأعجب بها الناس، فنظر في بعضها عبدان وأراد أن ينسخها، فمنعها أحمد بن سيار عنه، فباع ضيعة له بجُنُوجِرْد، وخرج إلى مصر، وأدرك الربيع وغيره من أصحاب الشافعي ونسخ كتبه، وأدرك من المشايخ والفقهاء ما لم يدرك غيره وحمل عنهم، ورحل إلى الشام والعراق، وكتب عن أهل مصر، ورجع إلى مرو، وكان أحمد بن سيار في الأحياء، فدخل عليه مسلِّما ومهنِّئًا بالقدوم، فاعتذر أحمد بن سيار من منع الكتب عنه، فقال عبدان: لا تعتذر؛ فإن لك مِنَّة عليَّ في ذلك، وذلك أنك لو دفعت إليَّ الكتب كنت اقتصرت على ذلك، وما كنت أخرج إلى مصر، ولا كنت أدرك أصحاب الشافعي، ففرح بذلك أحمد بن سيار»، قال أبو بكر بن السمعاني والد أبي سعد: «وهو أول من حمل مختصر المُزَني إلى مرو، وقرأ علم الشافعي على المُزَني والربيع، وكان فقيهًا حافظًا للحديث»، وممن تخرَّج على عبدان في الفقه من المراوزة: أبو إسحاق المروزي صاحب الشرح، وكان من عظيم قدره أنه لمَّا خرج إلى الحج وبلغ نيسابور أخذ محمد بن إسحاق بن خزيمة ينفذ إليه برقاع الفتاوى ويقول: «أنا لا أُفتي ببلدة أستاذي فيها»، قال عبدالله: الظاهر أن نسخة عبدان من «المختصر» هي النسخة المعتمدة في «البحر» للروياني، وله فيها زيادة انفرد بها عن سائر الروايات، وهي ترجمة: «باب عدد سجود القرآن وسجدة الشكر» في «كتاب الصلاة»، وانظر «البحر» (٢/ ١٣٤)، كما أن الروياني انتقد روايته في موضع آخر من «البحر» (٣/ ٤٩ - ٥٠) ورجح عليه رواية ابن خزيمة، إلا أن اسمه تحرَّف في مطبوعة
стр. 107
«البحر» إلى «ابن عيدان»، وما هو به، وكم لهذه الطبعة من هَنَات لا تدع مجالًا للشك أن "محقِّقه" لم يقرأ الكتاب أصلًا، بله يحققه.
علي بن سليمان بن أبي الربيع، مع محمد بن عبدالله بن عبد السلام البيروتي، يُعرف بمكحول، وكان من الثقات العالمين بالحديث، مات في أول جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (١)، ورواه عنه: عبد الوهاب الكلابي.
محمد بن سفيان بن سعيد بن عثمان، أبو بكر، المؤذن بمصر، روى عن الربيع والمُزَني والبُوَيْطي، مات سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، قال مسلمة بن قاسم: «سمعت أهل الحديث يقولون: هو ضعيف، وذهبوا إلى أنه كان يكذب، فتركته» (٢).
محمد بن أحمد بن راشد، أبو بكر، الأصبهاني، الحافظ، المصنف، من موالي ثقيف، تُوفِّي بكرمان سنة تسع وثلاثمائة (٣).
(ز) محمد بن إسحاق بن خزيمة، السلمي، أبو بكر الحافظ (ت ٣١١ هـ)، وهو آخر من روى عن المُزَني بنيسابور على ما ذكره الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤٣٠)، وقد أخرج الحاكم أبو عبدالله في «معرفة علوم الحديث» (ص: ٤٣٦، ر ٣٨٠) عن أبي أحمد محمد بن علي الزُّراري يقول: «حضرت مجلس الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبو النضر يقرأ عليه كتاب «المختصَر» للمُزَني، فقال: (وتوضَّأ عمر من ماء في حِرِ نصرانية … )، فضحك الناس، فقال أبو بكر: لا تخجل يا بنيَّ،
_________
(١) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٥/ ٣٣).
(٢) انظر «لسان الميزان» للحافظ (٧/ ١٦٢).
(٣) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
стр. 108
فإني سمعت المُزَني يقول: سمعت الشافعي يقول: ما ضحك من خطأ رجل إلا ثبت صوابه في قلبه»، وقال الحاكم: «سمعت محمد بن إسماعيل البكري يقول: سمعت ابن خزيمة يقول: حضرت مجلس المُزَني يومًا، وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد، فقال السائل: إن الله وصف القتل في كتابه صنفين؛ عمدًا وخطأً، فلمَ قلتم إنه على ثلاثة أصناف وزدتم شبه العمد؟ فذكر الحديث، فقال له: أتحتجُّ بعلي بن زيد بن جدعان، فسكت المُزَني، فقلت لمناظره: قد روى هذا الخبر غير علي بن زيد، فقال: ومن رواه غير علي؟ قلت: أيوب السختياني، وخالد الحذاء، قال لي: فمن عقبة بن أوس، قلت: عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة، قد رواه عنه أيضًا محمد بن سيرين مع جلالته، فقال للمُزَني: أنت تناظر أو هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر؛ لأنه أعلم بالحديث مني، ثم أتكلم أنا» (١).
(ز) محمد بن عاصم، أبو عبدالله الأصبهاني، كاتب القاضي، أخذ عن أصحاب الشافعي، وتُوفِّي سنة تسع وتسعين ومائتين، ورواه عنه الحسن بن محمد بن يزيد بن يحيى، وله في روايته زيادات أقوال للشافعي يرويها عن الربيع بن سليمان.
محمد بن عبدالله بن دليل، الإسكندراني.
محمد بن محمد، أبو بكر، الأزدي، الواسطي، الباغندي، كان كثير الحديث رحل فيه إلى الأمصار البعيدة، وعُنِي به العناية العظيمة، وأخذ عن الحفَّاظ والأئمة، مات في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة لأيام بَقِين من السنة (٢).
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١١٢).
(٢) انظر «تاريخ بغداد» للخطيب (٤/ ٣٤٣).
стр. 109
هزوذ بن عقيل بن عمير.
(ز) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، أبو عوانة الإسفراييني (ت ٣١٦ هـ)، صاحب «المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم»، أخذ من أصحاب الشافعي المُزَني والربيع ويونس بن عبدالحكم، ويقال: إنه أول من أدخل مذهب الشافعي إلى إسفرايين، ورواه عنه ابن أخته: أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني (ت ٤٠٠ هـ)، وعنه إجازة البَيْهَقي (١).
أبو العباس البلدي، ولعله إبراهيم بن محمد البلدي، نقل الغزالي في «الوسيط» أنه روى عن المُزَني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي، قال ابن السُّبْكي في «الطبقات» (٢/ ٢٥٥): «وقد سبق الغزالي إلى هذا النقل أبو عاصم العبادي والقاضي الماوردي وجماعات، والرجل معروف الاسم بين المتقدِّمين، لا ينبغي إنكاره، غير أن ترجمته عزيزة، لم أجدها إلى الآن كما في النفس».
أبو يحيى الهمداني، روى عنه: ابن القاص أبو العباس.
قال عبدالله: لا شكَّ أن رواة «المختصَر» عن المُزَني أكثر ممن ذكرت أو ذكرهم ابن الأكفاني، وإنما الغرض من هذا الفصل إظهار جانب من عناية أهل العلم بالكتاب، وفيما أوردت دليل على ذلك إن شاء الله، فنأتي إلى ذكر جهود العلماء حول الكتاب.
_________
(١) انظر إسناد البَيْهَقي في أول كتابه «الردُّ على الانتقاد على الشافعي في اللغة» (ص: ٣١).
стр. 110
الفصل التاسع في ذكر جهود العلماء حول الكتاب
جُلُّ ما كتب الشافعية من الكتب الفقهية إنما كتبوها بناءً على هذا «المختصَر»، إمَّا بصفة مباشرة أو غير مباشرة، قال ابن خلّكان: «وهو أصل الكتب المصنَّفة في مذهب الشافعي ﵁، وعلى مثاله رتَّبوا، ولكلامه فسَّروا وشرحوا» (١).
وليس من غرضي هنا ذكر ما كتب على أساسه واستفاد منه، فذلك بحر لا ساحل له ومقصد واسع لا ينضبط، وإنما أذكر ما كتب على الكتاب بصفة مباشرة، مما هو وثيق الصلة بالكتاب.
وقد وجدت هذه الكتابات على سبعة أصناف:
الصنف الأول والأهم: الشروح والتعاليق
وهي على ثلاثة أقسام: شروح أُلِّفت على طريقة أصحابنا العراقيين، وأخرى على طريقة الخراسانيين، وشروح متأخِّرة ليست العمدة في الباب،
_________
(١) انظر «وفيات الأعيان» لابن خَلِّكان (١/ ٢١٧).
следующие страницы →