فوليها ازجور إلى شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين وليها خمسة أشهر ونصفا ثم خرج منها إلى الحاج لمستهل ذي القعدة سنة أربع وخمسين ومائتين
الدولة الطولونية
أحمد بن طولون
ثم وليها أحمد بن طولون من قبل المعتز على صلاتها دخلها يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين فأقر بولغيا على الشرط إلى اثنتي عشرة ليلة بقيت من شوال سنة أربع وخمسين ومائتين فصرفه وجعل مكانه بوزان التركي فاستخلف محمد بن إسبنديار فكان بوزان ربما صلى بالناس في المسجد الجامع ثم خرج بغا الأصغر (١) وهو أحمد [بن محمد] بن عبد الله بن طباطبا خرج فيما بين الإسكندرية وبرقة بموضع يقال له الكنائس ومعه ابن عم لجابر بن الوليد المدلجي وذلك في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين ومائتين وسار في جمع معه [٩٥ ب] الى الصعيد فلقيه بهم (٢) بن الحسين فحاربه فقتل بغا وأتى برأسه إلى الفسطاط يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقيت من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين
стр. 212
ثم صرف بوزان عن الشرط وولي مكانه موسى بن طونيق (١) يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين. وبويع المهتدي بن الواثق
وخرج ابن الصوفي العلوي بصعيد مصر وهو إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ﵇ كان خروجه في سنة ثلاث وخمسين ومائتين فدخل إسنا في ذي القعدة سنة خمس وخمسين ومائتين فنهبها وقتل أهلها فبعث اليه احمد بن طولون بابن (٢) ازذاد في جيش فواقعه بهو (٣) يوم الأربعاء لخمس خلون من ربيع الأول سنة ست وخمسين ومائتين فانهزم ابن ازذاد وجرح (٤) ثم ظفر به ابن الصوفي بعد قطع يديه ورجليه وصلبه فعقد أحمد بن طولون لبهم ابن الحسين على جيش وضم إليه ابن عجيف فخرجا إلى الصعيد يوم الخميس لتسع عشرة خلت من ربيع الاوّل سنة ستّ وخمسين فالتقوا بناحية إحميم يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر فانهزم ابن الصوفي ومضى منهزما وترك جميع ما كان معه وقتلت رجالته فبعث أحمد بن طولون إلى بهم بخلع وطوق من ذهب ومضى ابن الصوفي إلى الواح فأقام به بتنيس (٥) [٩٦] ثم خرج إلى الأشمونين في المحرم سنة تسع وخمسين
стр. 213
فبعث إليه بأبي مغيث في خمسمائة فوجد ابن الصوفي قد سار إلى أسوان لمحاربة أبي عبد الله العمري عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله (١) بن عمر بن الخطاب فالتقى هو والعمري فظفر به العمري وبجميع جيشه فقتل منهم مقتله عظيمة ورجع ابن الصوفي إلى أسوان فقطع لأهلها ثلاثمائة ألف نخلة وظهر فساده بها فبعث احمد ابن طولون بابن سيما مددا لبهم بن (٢) الحسين واضطرب أمر (٣) ابن الصوفي مع أصحابه فتركهم ومضى إلى عيذاب فركب البحر إلى مكة فأقام بها ثم بعث به منها بعد ذلك بحين إلى أحمد بن طولون فسجنه ثم أطلقه فخرج إلى المدينة فمات
وكان عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني واليا على فلسطين والأردن ثم تغلب على دمشق وامتنع من حمل المال إلى العراق فحمل ابن مدبر (٤) صاحب خراج مصر إلى العراق بسبع مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار فعارضها عيسى بن الشيخ فذهب بها وكتب إلى أحمد بن طولون بالخروج إليه وتسليم أعماله ففرض أحمد بن طولون فروضا واتخذ السودان فأكثر وأظهر أحمد الخروج إليه وذلك في صفر سنة ستّ وخمسين
стр. 214
ومائتين ثمّ رأى ان يكاتبه [٩٦ ب] قبل شخوصه إليه فكتب إليه مع قيس بن حفص كاتب بكار القاضي وأحمد بن يحيى السراج فرجعا بما لم يوافق أحمد بن طولون ثم خرج أحمد بن طولون يوم الخميس لست خلون من جمادى الآخرة سنة ست وخمسين واستخلف أخاه موسى بن طولون على مصر وصرفه عن الشرط فجعل موسى على شرطه محمد بن عيسى ورجع أحمد بن طولون من الطريق بكتاب ورد عليه من العراق فدخل الفسطاط لأيام خلت من شعبان فعاد موسى بن طولون إلى الشرط وبعث إلى عيسى بن الشيخ بماجور فحاربه فانهزم أصحاب عيسى وقتل ابنه بمصر وتسلم مأجور أعمال الشام
وتوفي المهتدي في شعبان سنة ست وخمسين ومائتين وبويع المعتمد ابن المتوكل فأقر أحمد بن طولون عليها وابتدأ أحمد بن طولون في بنيان الميدان في شعبان سنة ست وخمسين وأمر بحرث قبور اليهود والنصارى وبنى موضعهما
وقدم العباس وخمارويه (١) ابنا أحمد بن طولون بأخيه موسى إلى العراق وجعل مكان موسى على الشرط موسى ابن طونيق وذلك في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين ثم أمر أحمد برد أخيه موسى في رجب فرجع من الطريق فرده إلى الشرط ثم صرفه عن الشرط في شهر رمضان سنة سبع وخمسين وجعل مكانه طغلغ (٢) فاستخلف طخشي بن بلبرد (٣)
стр. 215
وورد كتاب [٩٧] يارجوخ إلى أحمد بن طولون بتسليم الأعمال الخارجة عن يده من أرض مصر فتسلم الإسكندرية من إسحاق بن دينار وخرج إليها يوم الإثنين لثمان خلون من شهر رمضان سنة سبع وخمسين واستخلف على الفسطاط طغلغ وجعل على الشرط طخشي بن بلبرد ثم قدم أحمد بن طولون من الإسكندرية يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شوال سنة سبع وقد سخط على أخيه (١) موسى بن طولون وأمر موسى بلباس البياض وخرج احمد ايضا الى سكندريّة خرجته الثانية يوم السبت لثمان بقين من شعبان سنة تسع وخمسين فاستخلف عليها ابنه العباس بن أحمد فصرف طخشي عن الشرط وجعل مكانه محمد بن هرثمة وقدم أحمد إلى الفسطاط يوم الخميس لثمان خلون من شوال سنة تسع وخمسين وأمر أحمد ببنيان المسجد على الجبل في صفر سنة تسع وخمسين وأمر أيضا ببنيان المارستان (٢) للمرضى فبني لهم في سنة تسع وخمسين. وقال محمد بن داود:
ألا أيها الأغفال إيها تأملوا … وهل يوقظ الأذهان غير التأمل
ألم تعلموا أن ابن طولون نقمة (٣) …
تسير من سفل إليكم ومن عل … ولولا جنايات الذنوب لما علت
عليكم يد العلج السّخيف المجهّل
стр. 216
يعالج مرضاكم ويرمي حريمكم … حبيش (١)
… القلب أدهم أعزل
[٩٧ ب] فيا ليت مارستانه نيط باسته … وما فيه من علج عتل مقلل
فكم ضجة للناس من خلف ستره … تضج إلى قلب عن الله مغفل
وورد كتاب المعتمد إلى أحمد بن طولون يستحثه في حمل الأموال فكتب إليه: لست أطيق ذلك والخراج بيد غيري. فأنفذ المعتمد نفيسا (٢) الخادم إلى أحمد بن طولون بتقليده الخراج بمصر وبولايته على الثغور الشامية فأقر أحمد بن طولون أبا أيوب أحمد بن محمد بن شجاع على الخراج خليفة له عليها. وضج أهل الثغور من ولاتهم فبعث أحمد بن طولون إلى أخيه موسى وهو مقيم بطرسوس (٣) بتقليدها فامتنع موسى من ولايتها وكتب أحمد إلى إبراهيم بن عبد الوهاب بولايتها فامتنع فعقد أحمد عليها لطخشي بن بلبرد فخرج إليها في جمادى الأولى سنة أربع وستين ومائتين وجعل مكانه على الشرط الحسن بن غالب الطرسوسي
وتقدم أبو أحمد الموفق إلى موسى بن بغا في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها مأجور التركي فكتب موسى بذلك الى
стр. 217
مأجور [وهو والي دمشق يومئذ فتوقف] (١) لعجزه عن مقاتلة (٢) أحمد بن طولون فخرج موسى بن بغا فنزل الرقة وبلغ ابن طولون أنه سائر إليه وأنه مجد في محاربته فعمل أحمد بن طولون في الحذر منه وابتدأ في بنيان حصن الجزيرة الذي بين الجسرين ورأى أن يجعلها معقلا لماله وحرمه [٩٨] وذلك في سنة ثلاث وستين
واجتهد أحمد بن طولون في بنيان المراكب الحربية وإطافتها بالجزيرة وأظهر الامتناع من موسى بن بغا بكل ما قدر عليه
وأقام موسى بن بغا بالرقة عشرة أشهر وأحمد في إحكام أموره فاضطرب أصحاب موسى عليه وضاق بهم منزلهم وطالبوا موسى بالمسير أو الرجوع إلى العراق فبينا هو في ذلك توفي موسى بن بغا في صفر سنة أربع وستين. قال محمد بن داود لأحمد بن طولون (٣):
لما ثوى ابن بغا بالرقتين ملا … ساقيه زرقا إلى الكعبين والعقب
بنى الجزيرة حصنا يستجن به … بالعسف والضرب والصناع في تعب
له مراكب فوق النيل راكدة … فما سوى القار للنّظّار والخشب
стр. 218
يرى عليها لباس الذل مذ بنيت … بالشط ممنوعة من عزة الطلب
فما بناها لغزو الروم محتسبا … لكن بناها غداة الروع للهرب
ثم توفي ماجور بدمشق واستخلف ابنه علي فحرك ذلك أحمد بن طولون على المسير فكتب إلى علي يخبره بأنه سائر إليه وأمره بإقامة الإنزال والميرة لعساكره فرد عليه علي بن ماجور أحسن جواب
ثم صرف أحمد الحسن بن غالب الطرسوسي عن شرطه يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب سنة أربع وستين وجعل مكانه إبراهيم بن بلبرد [٩٨ ب] أخا طخشي
وشكا أهل مصر إلى أحمد ضيق المسجد الجامع يوم الجمعة بجنده (١) وسودانه فأمر بابتناء المسجد الجامع بجبل يشكر (٢) ابتدأ في بنائه سنة أربع وقضى في ست وستين ومائتين
وخرج أحمد بن طولون في جيوشه لثمان [بقين] (٣) من شعبان سنة أربع وستين واستخلف ابنه العباس على مصر وضم [اليه] احمد ابن محمد الواسطي مدبرا ووزيرا فبلغ أحمد إلى الرملة فتلقاه محمد بن رافع خليفة ماجور عليها وأقام له الدعوة بها فأقره عليها [ومضى إلى دمشق فتلقاه علي بن ماجور وأقام له بها الدعوة (٤)] فأقام أحمد بها حتى
стр. 219
استوثق له أمرها ثم استخلف عليها أحمد بن دوغياش ومضى إلى حمص فلقيه عيسى الكرخي خليفة ماجور فسلمها إليه ثم بعث إلى سيما الطويل وهو بأنطاكية يأمره بالدعاء له فلم يجبه سيما إلى ذلك فسار إليه أحمد بن طولون في جيش عظيم وبلغ ذلك سيما فتحصن بأنطاكية وامتنع فحاصره أحمد ورمى حصنها بالمنجنيق وطال حصاره لها فاشتد ذلك على أهلها فبعثوا إلى أحمد بن طولون فخبروه بالموضع الذي يمكنه أن يدخل إليها منه فقصده وعاونه أهلها على سيما فدخلها أحمد في المحرم سنة خمس وستين ومائتين فقتل سيما واستباح أمواله ورجاله وورد كتاب أحمد إلى الفسطاط بفتح أنطاكية وقتل سيما في صفر سنة خمس وستين ومضى احمد [٩٩] ابن طولون إلى طرسوس بأصحابه فغلا السعر بها واضطرب أهلها ونابذوه فقاتلهم وتقدم أحمد إلى أصحابه أن ينهزموا عن أهل (١) طرسوس ليبلغ ذلك طاغية ملك الروم فيعلم أن جيوش ابن طولون لم تقم لأهل طرسوس فانهزموا منهم فخرج عنهم وولى عليهم طخشي بن بلبرد
وقد كان رأي أحمد بن طولون أن يقيم بالثغور حتى أتاه الخبر من مصر أن ابنه العباس قد خالف عليه فأزعجه ذلك وكان السبب في مخالفته لأبيه أنه استخص قوادا من قواده كانوا على خوف شديد من أحمد بن طولون كان منهم علي بن أعور وعبد الله بن طغيا وأحمد بن صالح الرشيدي وأحمد بن أسلم فحسنوا للعباس التغلب على مصر والقبض على احمد ابن محمد الواسطي وبلغ الواسطي ما عزموا عليه من ذلك فكتب الى
стр. 220
أحمد بن طولون يخبره بذلك وبلغ العباس ذلك فازداد وحشة من أبيه لما علم أنه اطلع على أمره*وكانت للعباس (١) أيضا طائفة تطيف به من أهل السعر (٢) كانوا خاصته منهم جعفر بن جدار وأبو معشر أحمد بن المؤمل ومحمد بن سهل المنتوف فشاورهم فيما عزم عليه فأشاروا عليه أن يفعل وخافوا من أحمد بن طولون فأشاروا على العباس أن يبعد عن أبيه ويخرج عن مصر فعمد العباس إلى أحمد بن محمد الواسطي فقيده ثم سار العباس في الطائفة [٩٩ ب] التي معه والواسطي معه كان خروجه إلى الجيزة يوم الأحد لثمان خلون من شعبان سنة خمس وستين ومائتين فعسكر بها واستخلف أخاه ربيعة بن أحمد على الفسطاط وأظهر العبّاس انه سائر الى سكندريّة لكتاب ورد عليه من أبيه يأمره بذلك فتوجه إلى الإسكندرية ثم سار إلى برقة
وقدم أحمد بن طولون من الشام إلى الفسطاط يوم الخميس لأربع خلون من شهر رمضان سنة خمس وستين فأنفذ أبا بكرة بكار بن قتيبة القاضي ومعمر بن محمد الجوهري والصابوني القاضي وزياد المعدني إلى العباس فكتب معهم اليه كتاب ألان له فيه جانبه ووعده ان لا يسوؤه ولا يأخذه بقبح عمله فصاروا (٣) إليه إلى برقة فانقاد العباس إلى الرجوع وهم بالشخوص معهم إلى أبيه ففزعت الطائفة التي حسنت له الخروج من أبيه أحمد وعلموا أنه موقع بهم فحرضوه على المقام فرجع إلى قولهم وانصرف
стр. 221
بكار بن قتيبة ومعمر بن محمد إلى أحمد بن طولون فدخلا الفسطاط أول ذي الحجة سنة خمس وستين وعزم العباس على المسير إلى إفريقية ورأى أنها أمنع له من برقة فكتب إلى إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب أن كتاب المعتمد ورد عليه بتقليده إفريقية ويأمره بالدعاء له بها ويخبره أنه سائر إليه ثم مضى العباس متوجها [١٠٠] إلى إفريقية في جمادى الأولى سنة ست وستين فنزل لبدة فخرج إليه عاملها وأهلها فتلقوه وأكرموه فأمر العباس بنهبها فنهبت وأهلها على غرة فقتلت رجالهم وفضحت نساؤهم وبلغ الخبر إلياس بن منصور (١) النفوسي وهو يومئذ رأس الإباضية وبعث إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بغلام له يقال له بلاغ إلى محمد بن قرهب (٢) عامله على أطرابلس في جمع كثير من أهل إفريقية فأطبق الجيشان على العباس فباشر العباس يومئذ الحرب بنفسه وحسن بلاؤه وأثر فيه. وقال العباس يومئذ: (٣)
لله دري*إذا أغدو (٤) … على فرسي
إلى الهياج ونار الحرب تستعر … إن كنت سائلة عني وعن خبري
فها أنا اللّيث والصّمصامة الذّكر
стр. 222
من آل طولون إن سألت عنه فما … فوقي لمفتخر بالجود مفتخر (١)
لو كنت شاهدة كري بلبدة (٢) … إذ
بالسيف أضرب والهامات تبتذر … إذا لعاينت مني ما تناذره (٣)
عني الأحاديث والأنباء والخبر
وقتل يومئذ صناديد عسكره ووجوه أصحابه وحماته ونهبت أمواله وسلاحه ورجع هاربا إلى برقة في ضر وإخلال
وعقد أحمد بن طولون لإبراهيم بن بلبرد على جيش وبعث به إلى برقة وذلك في شهر رمضان سنة سبع وستين وجعل مكانه على الشرط سريّ بن سهل فأقام [١٠٠ ب] إبراهيم فيما بين برقة والإسكندرية ثم أجمع أحمد بن طولون على النهوض بنفسه إلى برقة فاستعد لذلك وخرج في عسكر عظيم فزعموا أن عسكره ذلك كان مضموما على مائة ألف وخرج من الفسطاط يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ثمان وستين ومائتين فأقام بالإسكندرية وهرب احمد ابن محمد الواسطيّ من يدي العبّاس فأتى سكندريّة فلقي أحمد بن طولون بها وهو عازم على المسير إلى برقة فصغر أمر العباس عنده فعقد ابن طولون لطبار على بعض الجيش الذي كان معه فيهم أحمد بن وصيف وتيتك وسعد الأيسر ومضوا يريدون برقة فالتقى طبار مع اصحاب
стр. 223
العبّاس بموضع يقال له دياره (١) من أرض برقة يوم الإثنين لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة ثمان وستين ومائتين وانهزم أصحاب العباس وقتل منهم كثير وهرب العباس فاتبعوه فأدركوه يوم الأحد لأربع خلون من رجب سنة ثمان ورجع أحمد بن طولون إلى الفسطاط يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب سنة ثمان وستين وأتى بالأسرى فيهم جعفر بن جدار وأبو معشر ومحمد بن سهل المنتوف وعبد الله بن طغيا قد أعطوا أمانا فرأى بكار القاضي أن الأمان لهم وكان دخولهم يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال سنة ثمان وستين ثم أخرجوا يوم الأربعاء لمستهل ذي القعدة وقد بنيت لهم دكة عظيمة [١٠١] رفيعة السمك فأمر أحمد بن طولون بابن جدار فضرب ثلاثمائة سوط ثم تقدم إليه العباس فقطع يديه ورجليه وألقي في الدكة (٢)
ثم بعث أحمد بن طولون بلؤلؤ غلامه في جيش إلى الشام فكاتبه أبو أحمد الموفق وبعث إليه أبو أحمد فحمله في الماء من الرقة جمادى الأولى سنة تسع وستين فبلغ ذلك أحمد بن طولون فسارع إلى الخروج ورجا أن يلحق لؤلؤ واستخلف على مصر ابنه خمارويه بن أحمد
ثم خرج أحمد في صفر سنة تسع وستين وخرج معه بالعباس مقيدا فسار أحمد حتى نزل دمشق فكتب إلى خلف الفرغاني عامله على طرسوس كان طخشي قد استخلفه عليها عند وفاته فكتب اليه احمد يأمره
стр. 224
بالقبض على يازمان (١) الخادم وبحمله اليه فعلم اهل طرسوس بذلك واخذوا يازمان من يدي خلف واخرجوا خلفا من طرسوس وولوا عليهم يازمان فمضى أحمد بن طولون إلى دمشق يريد المسير لمحاربة أهل طرسوس فتلقاه كتاب المعتمد يعلمه أنه خارج إليه فتوقف أحمد بن طولون وخرج المعتمد من العراق كالمتصيّد ثم ركب الطريق إلى الرقة وبلغ أبا أحمد الموفق مسيره وهو إذ ذاك مواقف العلوي بالبصرة فكتب أبو أحمد إلى إسحاق بن كنداج (٢) الجزري والي صاعد بن مخلد يخبرهما أن المعتمد قد مضى إلى أحمد بن طولون وإن تم له هذا لم يبق من الموالي احد [١٠١ ب] ويأمر إسحاق أن يلحقه فيرده ووعده على رده أموالا وإقطاعات فلما سار المعتمد إلى الحديثة أتاه إسحاق بن كنداج بهدايا وألطاف واستأذنه في خطاب الذين ساروا معه وهم خطارمش وأحمد بن خاقان وتيتك (٣) وإبراهيم بن مدبر وأذن له في خطابهم فخلا بهم إسحاق فقيدهم ثم عاد إلى المعتمد فقال: إن الذي عزم عليه أمير المؤمنين هو الخطأ. وأخذه بان احذره (٤) إلى سر من رأى يوم الأحد لخمس خلون من شعبان سنة تسع وستين ووكل به إسحاق بن كنداج خمسمائة رجل فعقد أبو أحمد الموفق لإسحاق بن كنداج على مصر
стр. 225
وبلغ أحمد بن طولون ما فعله أبو أحمد وإسحاق بن كنداج فرجع إلى دمشق وكتب إلى عامله يأمره بإحضار القضاة والفقهاء والأشراف وكتب بخبر المعتمد وما فعل به وورد كتابه إلى مصر فقرئ على أهلها بأن أبا أحمد نكث بيعة المعتمد وأسره وحرّش عليه في دار احمد بن الخصيب وأن المعتمد قد صار من ذلك إلى ما لا يجوز ذكره وأن المعتمد يبكي بكاء شديدا ثم خطب الخاطب بمصر يوم الجمعة فذكر ما نيل من المعتمد وزاد في خطبته: اللهم*فاكفه من حصره ومن ظلمه. (١) وخرج من مصر بكار بن قتيبة ومنهال بن حبيب وإسحاق بن محمد بن معمر وقيس بن حفص وعبد الله بن بشير وحوثرة بن عبد الرحمن وسعيد بن سعدون [١٠٢] وفهد (٢) بن موسى وعلي بن محمد بن عبد الحكم وغيرهم إلى دمشق وحضر هناك أهل الشامات والثغور فلما اجتمعوا أمر أحمد بن طولون بكتاب خلع فيه أبا أحمد الموفق من ولاية العهد لمخالفته المعتمد وحصره إياه وكتب فيه: أن أبا أحمد خلع الطاعة وبرئ من الذمّة فوجب جهاده على الأمة. وشهد على ذلك جميع من حضر إلا بكار بن قتيبة ومحمد بن إبراهيم الإسكندراني وفهد بن موسى وقال بكار:
لم يصح عندي ما فعله أبو أحمد ولم أعلمه. وامتنع من الشهادة والخلع وكان ذلك يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وستّين ومائتين. قال قعدان بن عمرو:
стр. 226
طال الهدى بابن طولون الأمير كما … يزهو به الدين عن دين وإسلام
قاد الجيوش من الفسطاط يقدمها … منه على الهول ماض [غير] (١)
محجام
في جحفل للمنايا (٢) … في مقانبه
مكامن بين رايات وأعلام … يسمو به من بني سام غطارفة
بيض وسود أسود من بني حام … لو أن روح بني كنداج معلقة
بالمشتري لم يفته أو ببهرام … حاط الخلافة والدنيا خليفتنا
بصارم من سيوف الله صمصام … يا أيها الناس هبوا ناصرين له
مع الأمير بدهم الخيل في اللاّم … [١٠٢ ب] ليست صلاة مصليكم بجائزة
ولا الصيام بمقبول لصيام … حتى يرى السيد الميمون ذبكم
عن الإسلام (٣) … بأطراف القنا الدّام
стр. 227
وقال منصف بن خليفة الهذلي: (١)
يا غرة الدنيا الذي أفعاله … غرر بها كل (٢) الورى تتعلق
أنت الأمير على الشآم وثغرها … والرقتين وما حواه المشرق
وإليك مصر وبرقة وحجازها … كل إليك فؤاده متشوق
هتك الخلافة صاعد وخليله … إسحاق لعبا والحسود الأخرق
أسيافنا بيض المنون فليتها … بنجيع من خذل الإمام تخلق
تمسي وتصبح ضاربا من دونه … بمهند منه الحتوف تفرق
يتلوك سعد والمقدم تيتك … واللاذقي وذو الحفيظة يلحق
وقال قعدان بن عمرو أيضا:
من مبلغ مضر الشآم وما حوت … مصر ومن هو متهم أو منجد
ما بالكم هضتم جناح سنانكم … بتواكل من فعلكم لا يحمد
أنى وكيف يطيب .... لكم … خفض المعيشة والإمام مقيد
حزان أفرد من بنيه وأهله … بأبي وأمي المستضام المفرد
وبلغ أبا أحمد ما فعله أحمد بن طولون فكتب إلى أعماله يأمرهم
стр. 228
بلعنه على المنابر فلعن عليها وكان مما يلعن به: اللهم العنه [١٠٣] لعنا يفل حده ويتعس جده وأجعله مثلا للغابرين إنك لا تصلح عمل المفسدين
ثم مضى أحمد بن طولون إلى طرسوس من دمشق فلما صار بالمصيصة (١) بعث بوجوه من معه إلى يازمان الخادم يدعوه إلى طاعته والدعاء له ويعطيه أمانا على ما أسلفه فلم يجبه يازمان إلى شيء مما سأل فزحف أحمد بن طولون إلى أذنة ثم إلى طرسوس فوجد يازمان قد تحصن بها ونصب المجانيق على سورها فنزل أحمد بن طولون بجيوشه عليها في شدّة من البرد وكثرة من الأمطار والثلوج فأرسل يازمان الماء على عسكر أحمد بن طولون من نهر البردان فغرق عسكره ولم يكن لابن طولون مقام فرحل عنها ليلا ورجع إلى أذنة فأقام بها (٢). وقال محمد بن داود لأحمد:
بغى على الثغر وأزرى به … بغي أبي القصد نفاج
وسار كي يجتث آثارهم … من سفل الناس بأفواج
واستنصر القوم على بغيه … بكل صافي القلب ضجاج
وكل ماضي الحد ذي رونق … ومحكم التثقيف بعاج
فاستعمل الملعون أدراجه … منهزما أخبث إدراج
فكيف قاتلت أسود الشرى … أولي الزّماجير بإنهاج
стр. 229
[١٠٣ ب]
تلقى بني الحرب ليوث الوغى … وكل دخال وخراج
قوم إذا استصرخهم صارخ … لبوا بإلجام وإسراج
تلقاهم للخير جهلا بهم … بكل طبال وصناج
وقد أتى إسحاق من هاهنا … ومن هناك ابن أبي الساج
فثم تعدو القهقرى ناكصا … وتمحق الليل بإدلاج
وقال الوليد بن عبيد البحتري:
وعند أبي العباس لو كان دانيا … يرجّى الفناء السهل والكنف الرحب
سيوف لها في كل دار عدى ردى … وخيل لها في كل دار عدى نهب
علت فوق بغراس فضاقت بما جنت … صدور رجال حين ضاق بها الدرب
ولو حضرته أنثياه استقلتا … إلى كليتيه (١)
حين أزعجه الرعب
وما شك قوم أوقدوا نار فتنة … وساءت (٢)
إليهم أن نارهم تخبو
كأن لم يروا سيما الطويل وجمعه … وما فعلت فيه وفي جمعه الحرب
стр. 230
ولو لم يحاجز لؤلؤ بفراره … لكان لصدر الرمح في لؤلؤ ثقب
وارتحل أحمد بن طولون من أذنة إلى المصيصة فأقام بها ايّاما وعرضت له علّته التي كان منها حتفه فاغذ السير إلى مصر والعلة تزيد عليه حتى بلغ الفرما فركب في الليل إلى الفسطاط فدخلها يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة سبعين ومائتين فامر [١٠٤] احمد ابن طولون بكشف بكار بن قتيبة ووقفه للناس وأمر بسجنه في جمادى الآخرة سنة سبعين وسجن كاتبه قيس بن حفص وأصحابه وأمرهم برفع حساب ما جرى على أيديهم ثم أطلق بكارا في شعبان سنة سبعين وجعل النظر في الأحباس إلى سري بن سهل صاحب الشرط
وتزايدت علة أحمد بن طولون فأمر الناس بالدعاء له فغدا الناس بالدعاء له إلى مسجد محمود بسفح المقطم يوم الإثنين لست خلون من شوال سنة سبعين وحضر معهم القصاص فدعوا له ثم غدوا ايضا بالدعاء له وحضرت اليهود والنصارى معتزلين عن المسلمين وحضروا أيضا اليوم الثالث مع النساء والصبيان وأقاموا على ذلك أياما ثم توفي أحمد بن طولون ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين فبلغت وفاته المعتمد واشتد وجده عليه وجزعه. وقال المعتمد يرثيه:
إلى الله أشكو أسى … عراني كوقع الأسل (١)
стр. 231
على رجل أروع … يرى فيه فضل الوجل (١)
شهاب خبا (٢) … وقده
وعارض غيث أفل
شكت دولتي فقده … وقد كان زين الدّول
[١٠٤ ب] وقال أيضا ابن داود:
يا راكبا تخدي به حرّة … تجوبه عنها النجب الخدنا (٣)
عرّج على اليحموم (٤) … فانزل به
فاسلح على قبر ابن طولونا
وقل له يا شر (٥) … مستودع
أخفى (٦) لدمع القلب ملعونا
يا حفرة النار التي أضرمت … وظل فيها الرجس مدفونا
لا تجعلي لبسة (٧) … جثمانه
إلا الأفاعي والثعابينا
فعز إبليس بها أولا … وعز من بعد (٨) الشياطينا
وقل لهم قد كان يكفيكم … ويهتك المعروف والدينا
ثم مضى غير فقيد ولا … كان حميدا عمره فينا
وقال أيضا:
مضى غير مفقود وما كان عمره … سوى نقمة للخلق شنعاء صيلم
стр. 232
لقد زيد في اليحموم بالرجس لعنة … ولم يسق بالمرجوس ترب المقطم
ولم تبكه الأرضون لكن تبسمت … سرورا ولولا موته لم تبسم
يبشره إبليس عند قدومه … عليه بأحمى بقعة في جهنّم
لقد طهرت الأرض من سوء فعله … ومن وجهه ذاك الكريه المورم
فلا سقيت أجداثه صوب مزنة … وأنى وفيها شر أولاد آدم
خمارويه بن أحمد
ثم وليها أبو الجيش حمارويه بن أحمد على صلاتها وخراجها [١٠٥] بايعه الجند يوم الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين فاقرّ السريّ ابن سهل على الشرط (١) وأحضر أخاه العباس لمبايعته فامتنع فأدخل منزلا من الميدان وكان آخر العهد به
وعقد خمارويه لأبي عبد الله أحمد بن محمد الواسطي على جيش إلى الشام فخرج من الفسطاط يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة سنة سبعين ثم عقد لسعد الأيسر على جيش آخر في سلخ ذي الحجّة
стр. 233
وبعث بمراكب كثيرة في البحر فكانت مقيمة بسواحل الشأم ونزل احمد ابن محمد الواسطي فلسطين وهو خائف جزع من خمارويه أن يوقع به لأنه كان أشار عليه بقتل العباس فكتب الواسطي إلى أبي العباس أحمد المعتضد بن أبي أحمد الموفق بكتاب يصغّر فيه أمر خمارويه ويحضه (١) على المسير إليه وضمنه أبياتا من شعر:
يا أيها الملك المرهوب جانبه … شمر ذيول السرى فالأمر قد قربا
كم ذا القعود ولم يقعد عدوكم … عن القتال لقد أصبحتم عجبا
ليس المريد لما أصبحت تطلبه … إلا المشمر عن ساق وإن لعبا
على ..... الفريط معتكفا … واجدد فقال قوم إنه ذهبا (٢)
فأنت ذو غفلة يقظان ذو سنة … وطالب الوتر ذو جد إذا غضبا
أجد مروان في بيت أصاب به … عين الصواب فما أخطا وما كذبا
[١٠٥ ب] إذ قال لما رأى الدنيا تميد بهم … بعد الهدوّ وعاد الحبل مضطربا
стр. 234
[إني] أرى فتنا تغلي (١) … مراجلها
والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وأقبل أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق من بغداد وانضم إليه إسحاق بن كنداج ومحمد بن ديوداد أبي الساج حتى أتوا الرقة فسلم (٢) أهل قنسرين والعواصم ودعوا له وسار إلى شيزر فلقيه بها أصحاب دادويه فقاتلوه قتالا شديدا فهزمهم أبو العباس ثم أتى حتى دخل دمشق فأقام بها أياما وبلغ الخبر خمارويه فخرج إلى الشام في جيش عظيم كان خروجه يوم الخميس لعشر خلون من صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين فالتقيا هو وأبو العباس بن أبي أحمد الموفق بنهر أبي فطرس من أرض فلسطين يقال له اليوم الطواحين فاقتتلوا فانهزم أصحاب خمارويه وكان (٣) في سبعين ألفا وكان أبو العباس في نحو من أربعة آلاف واحتوى أبو العباس على عسكر خمارويه بما فيه ومضى خمارويه على وجهه إلى الفسطاط لا بلوي على شيء وأقبل كمين خمارويه عليهم سعد الأيسر وفيهم أحمد بن إسماعيل العجمي وتشركين وحوطامش ولم يعلموا بهزيمة خمارويه حتى أشرفوا على العسكر فأقبلوا إلى أبي العباس فحاربوه حتى أزالوه عن العسكر وهزموه اثني عشر ميلا وذلك في صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين ورجع [١٠٦] أبو العباس إلى دمشق فلم تفتح له وقدم خمارويه إلى الفسطاط يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الأول سنة إحدى وسبعين ومضى سعد
стр. 235
الأيسر مع الواسطيّ فدخلا دمشق [و] ملكاها ودعوا فيها لخمارويه ثم خرج خمارويه من الفسطاط لسبع بقين من شهر رمضان من سنة إحدى وسبعين حتى أتى فلسطين ثم عاد الى الفسطاط فدخلها لاثنتي عشرة بقين من شوال سنة إحدى وسبعين فصرف السري بن سهل عن الشرط يوم الإثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وجعل مكانه موسى بن طونيق وخرج خمارويه إلى الشام في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين ومائتين فقتل سعد الأيسر في شيء ظهر منه من خلاف ومضى خمارويه فدخل دمشق يوم الثلاثاء سابع المحرم سنة ثلاث وسبعين ومضى من دمشق فلقي إسحاق بن كنداج بموضع يقال له باجروان ودائمان (١) من أرض الرافقة فكانت على خمارويه وأصحابه فانهزم أصحابه وثبت هو في طائفة من حماته فهزموا إسحاق بن كنداج فمضى إسحاق منهزما واتبعه خمارويه حتى بلغ أوائل أصحابه إلى سر من رأى.
قال القاسم بن يحيى المريمي؟؟؟: (٢)
أتانا أبو الجيش الأمير بيمنه … فشرد عنا الجور وافتقر العسر
فإن يك أرض الرقتين به اكتست … ضياء وإشراقا لقد أظلمت مصر
[١٠٦ ب] فسائل به إسحاق إذ سار نحوه … بجيش كعرض النّيل يقدمه النّصر
стр. 236
تباعدت الأقطار منه كثافة (١) …
ففي مشرق قطر وفي مشرق قطر … فأبلس إذ قيل الأمير ببالس (٢)
وأضحى ضعيف العقد إذ عقد الجسر … ولما رأى الجيش ابن كنداج مقبلا
أرته المنايا الحمر أعلامه الحمر … فولى شديدا ذا ارتياع كأنه
بكل بلاد طائر ما له وكر … لئن سر إسحاق النجاة بنفسه
لقد ساءه في جمعه القتل والأسر … فلا يغبطن (٣)
بالعيش من بعد هذه
فقد كسرته كسرة ما لها جبر
ثم سفر قوم من وجوه الجند بين إسحاق وبين خمارويه فاصطلحا وتصاهرا وأتى إسحاق إلى خمارويه فأقام في عسكره ودعا له في أعماله التي بيده
وكاتب خمارويه أبا أحمد الموفق فسأله الصلح على مال يبذله له عن ما في يده فأجابه أبو أحمد إلى ذلك وكتب له بذلك كتابا فقدم به فائق الخادم إلى الفسطاط في رجب سنة ثلاث وسبعين يذكر فيه ان المعتمد
стр. 237
وأبا أحمد وأبا العباس كتبوه بأيديهم بولاية خمارويه وولده ثلاثين سنة على مصر والشامات ثم قدم خمارويه إلى الفسطاط سلخ رجب سنة ثلاث وسبعين ومائتين فأمر بالدعاء لأبي أحمد الموفق وترك الدعاء عليه
وجعل خمارويه على المظالم بمصر محمد بن عبدة بن حرب في شعبان سنة [١٠٧] ثلاث وسبعين ثم صرف موسى بن طونيق عن الشرط لمستهل المحرم سنة أربع وسبعين وجعل مكانه أحمد بن محمد بن الحكم العجيفي
وبلغ خمارويه مشير محمد بن ديوداد (١) المعروف بابن أبي الساج فخرج إليه خمارويه من مصر في ذي القعدة سنة أربع وسبعين فلقيه بثنية العقاب من أرض دمشق فانهزم أصحاب خمارويه وثبت خمارويه فحاربهم فكشفهم وانهزموا عنه أقبح هزيمة. قال القاسم بن يحيى المريمي؟؟؟:
فتوح الأمير نجوم تلوح … فليست تقاس إليها فتوح
تسير لها في جميع البلاد … ركائب تغدو بها وتروح (٢)
إذا حاد عن أمره حائد (٣) … أتاح له الحتف منه متيح
نصحنا لشرّ بني ديودد (٤) … بتحذيره لو أطيع النصيح
ولم يكن الغدر مستقبحا … وفي الغدر شين وعار قبيح
تعاطى نطاح كباش الحروب … فغودر وهو صريع بطيح
لئن كان ولى سليما صحيحا … فما القلب منه سليم صحيح
стр. 238
أباح حماه فتى لم يزل … يحوط حمى وحمى يستبيح
إذا هو لم يسترح من عدو … فليس إلى لذة يستريح
وإن هم بالسير لم يثنه … سنيح يعن له أو بريح (١)
[١٠٧ ب] وقال الوليد بن عبيد البحتري:
وقد رأيت جيوش النصر منزلة … على جيوش أبي الجيش بن طولونا
يوم الثنية إذ ثنى بكرته … في النقع خمسين ألفا أو يزيدونا
مظفر لم يزل يلقى بطلعته … كواكب السعد والطير الميامينا
يمشي قريبا من الأعداء لو وقفوا … بالصين من بعدها ما استبعد الصينا (٢)
وعاد خمارويه إلى الفسطاط فدخلها يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ثم خرج إلى الإسكندرية يوم الجمعة لأربع خلون من شوال سنة ست وسبعين
وأتى الخبر إلى الفسطاط بأن يازمان الخادم دعا لخمارويه بطرسوس والثغور في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين
وخرج خمارويه إلى الشام يوم الثلاثاء لسبع عشرة من ذي القعدة
стр. 239
سنة سبع وسبعين ومات أبو أحمد الموفق سنة ثمان وسبعين وعقد العهد لابنه ابي العباس ثم توفي المعتمد لعشر بقين من رجب سنة تسع وسبعين
وبويع المعتضد بن أبي أحمد الموفق فبعث إليه خمارويه بالهدايا مع الحسين بن عبد الله بن منصور الجوهري وصرف أحمد بن محمد العجيفي عن الشرط وجعل مكانه الحسين بن وصيف يوم الأحد لتسع خلون من شوال سنة سبع وسبعين (١) وقدم خمارويه من الشام فدخل الفسطاط يوم السبت لست خلون من ربيع الأول سنة [١٠٨] ثمان ومائتين
وورد كتاب المعتضد على خمارويه لخمس بقين من ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين بولايته هو وولده ثلاثين سنة من الفرات إلى برقة وجعل إليه الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال على أن يحمل في كل عام من المال مائتي ألف دينار عن ما مضى وثلاثمائة ألف عن كل عام للمستقبل
ثم قدم رسول المعتضد في شهر رمضان سنة ثمانين بالخلع وهي اثنتا عشرة خلعة وسيف وتاج ووشاح مع خادم يدعى سنيف وعقد المعتضد على قطر الندى بنت خمارويه سنة إحدى وثمانين
وفيها خرج خمارويه إلى نزهة (٢) بمريوط خرج من الفسطاط لأربع بقين من شعبان سنة إحدى وثمانين ثم مضى إلى الصعيد حتى بلغ سيوط ثم رجع من الشرقية (٣) إلى الفسطاط مستهلّ ذي القعدة سنة احدى وثمانين
стр. 240
وصرف الحسين بن وصيف عن الشرط يوم الثلاثاء لست خلون من شعبان سنة اثنتين وثمانين ورد موسى بن طونيق مكانه وخرج خمارويه إلى الشام يوم الخميس لثمان خلون من شعبان سنة اثنتين وثمانين فأقام بمنية الأصبغ ومنية مطر ثم رحل يوم الثلاثاء لعشر بقين من شعبان سنة اثنتين حتى أتى دمشق فكان بها مقتله ليلة الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين يقال أن خدمه قتلوه وهم (١) طاهر ولؤلؤ وناشي وسابور ومماقط [١٠٨ ب] ونظيف فقتلوا جميعا وحملت رءوسهم إلى الفسطاط فجعلت على الجسر وحمل خمارويه إلى الفسطاط فدفن بها فكانت ولايته عليها اثنتي عشرة سنة وثمانية عشر يوما
أبو العساكر جيش بن خمارويه
ثم وليها أبو العساكر جيش بن خمارويه بويع يوم الأحد لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين بدمشق واليه (٢) صلاتها وخراجها فسار إلى مصر فدخلها وجعل على شرطه موسى بن طونيق واشتملت عليه طائفة من الجند وحملوه على أمور كرهها عظيم الجند فتنكروا له وتنكر لهم وخافوا على أنفسهم فدنوا من الفساد (٣) عليه فخرج متنزها إلى منية الأصبغ فهرب من عسكره محمد بن إسحاق بن كنداج وخاقان
стр. 241
البلخيّ (١) ومحمد بن كمشجور بندقة (٢) وويلان (٣) ومحمد بن قراطغان في ثلاثمائة رجل من وجوه قواده فلحقوا بالمعتضد وكان أحمد بن طغان على الثغر فخلع جيشا وخلعه طغج (٤) بن جف بدمشق ثم وثب جيش على عمه نصر بن أحمد بن طولون فقتله فوثب به يرمش (٥) وصافي وفائق في أكثر الجيش والموالي فخلعوه وبايعوا أخاه هارون بن خمارويه وجمع له القضاة والفقهاء والقراء فتبرأ إليهم من بيعته وحللهم منها وأشهدهم على نفسه بذلك وكان خلعه يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين فكانت [١٠٩] ولايته تسعة أشهر واثني عشر يوما ثم سجن فمات بعد أيام
هارون بن خمارويه
ثم وليها هارون بن خمارويه يوم خلع جيش فجعل على شرطه موسى بن طونيق وقامت الطائفة من الجند ممن كره ولاية هارون بن خمارويه [وكاتبوا ربيعة بن احمد بن طولون (٦)] وكان بالإسكندريّة
стр. 242
ودعوه إلى الولاية ووعدوه القيام معه فجمع ربيعة جمعا كثيرا من أهل البحيرة من البربر وغيرهم وأقبل فيهم حتى نزل منبوبة (١) من كورة وسيم ثم عدى النيل فنزل باب المدينة فخرج إليه نفر من القواد فسألوه ما الذي حمله على المسير فأخبرهم أن ناسا من القواد بايعوه فناوشوه الحرب وقتلت بينهم قتلى ثم طعن فرس ربيعة فسقط فأسروه أسره شفيع البعاموري (٢) فأتى به إلى محمد بن أبا (٣) فحبسه ثم أخرج يوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من شعبان سنة أربع وثمانين إلى دار الإمارة القديمة بالعسكر فضرب ألف ومائتي سوط ومات
ثم كانت فتنة ابن قريش وذلك إنه أنكر أن يكون أحد خيرا من أهل رسول الله ﷺ فوثب به الرعية فضرب بالسياط يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين فمات بعد يومين
وتوفي أمير المؤمنين المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وبويع أبو محمد ابنه ولقب المكتفي بالله وخرج القرمطي بالشام في سنة تسعين ومائتين فبعث اليه هارون بالقوّاد فحاربوه [١٠٩ ب] فهزمهم وبلغ كل مبلغ فبعث إليه الجيوش من العراق فحاربوه
وقتل ابو علاثة محمد بن أحمد بن عياض بن أبي طيبة الجفي وكان رجلا ذا لسان وعارضة فكان ممقوتا عند كثير من الناس فزلت به القدم فتشاهد عليه أقوام من سفل الناس واوضاعهم و [بلغ] السلطان ذلك منهم
стр. 243
فقبل شهاداتهم فضرب مرارا وأرادوا بذلك أن يذلوه من ضربهم إياه وانكشف للناس ظلمهم له وما قصد به فيه وكان اشد الناس عليه عامة اهل المسجد كان قتله لست بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين
سمعت ابن قديد يقول أقبح ما أتى أهل هذا المسجد شهادتهم على [ابن] القطاس حتى باعوه وعلى أبي علاثة حتى قتلوه. وقال إسماعيل ابن [ابي] هاشم:
فيا با علاثة لهفى عليك … للهف صب كئيب وجل
فلا نام ظلمك بل لا هدا … وحاشى لظلمك أن يضمحل
ويا أهل مسجدنا ما لكم (١) … توانيتم عنه حتى قتل
هوى بابن حرملة ما هوى … وحسب ابن حرملة ما عمل
وويل لبعروط ويل له … فما زال بعروط حتى وحل
فلا واخذ الله سلطاننا … وإن كان سلطاننا قد عجل
[١١٠] وبعث المكتفي بالله محمد بن سليمان الكاتب فوردت أخباره إلى مصر بنزوله حمص وكان بدر الحمامي واليا على الشام من قبل هارون فكتب بدر إلى محمد بن سليمان بالسمع والطاعة ثم تلقاه هو والحسين بن أحمد الماذرائي (٢) فكانا معه في عسكره وكتب محمد
стр. 244
ابن سليمان إلى دميانة وهو بالثغر يأمره بالمسير في مراكبه إلى سواحل مصر وفلسطين وضم إليه رشيق الوردامي المعروف بغلام زرافة فسار مع دميانة واقبل محمد بن سليمان إلى فلسطين وعليها وصيف بن صوارتكين عاملا لهارون فكتب وصيف إلى محمد بن سليمان بالسمع والطاعة ولحق صافي مولى خمارويه محمد بن سليمان
وأتت الأخبار إلى مصر تتبع بعضها بعض بمسير محمد بن سليمان فأخرج هارون مضاربه يوم الإثنين مستهل ذي الحجة سنة إحدى وتسعين ومائتين
وخرج إليها هارون فنزلها يوم التروية وبعث هارون بوصيف القطرميز (١) في المراكب الحربيّة ومعه خصيب البربريّ (٢) وحمار بن مايخشي (٣) فساروا في النيل حتى أتوا تنيس ليمنعوا دميانة فلقيهم دميانة ليلة النحر فحاربهم فانكشفوا عنه واستأمن إليه كثير منهم وهرب وصيف القطرميز ودخل دميانة تنيس فآمن أهلها وسكنهم ومضى حماد بن ما يخشي إلى قرى أسفل الأرض ففرض فروضا وأقبل بهم ومضى دميانة إلى دمياط فكتب إلى اصحاب [١١٠ ب] هارون كتابا يدعوهم إلى طاعة المكتفي أبوها فسار إليهم في خليج دمياط فالتقوا غداة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة إحدى وتسعين فقتل كثير من أصحاب القطرميز
стр. 245
وانهزم الباقون وأسر خصيب البربري ووصيف القطرميز وحمار بن ما يخشي واحتوى دميانة على مراكبهم بما فيها وسار هارون بن خمارويه فنزل العباسة واستخلف على الفسطاط حسن بن السير وأخرج هارون معه بجميع أهله وأعمامه خوفا من قيامهم بعده بالفسطاط فكانوا معه في ضر وجهد ثم نزل دميانة دميرة فلقيه بها محمد بن أبا ونجيح (١) فاقتتلوا قتالا شديدا فظفر بهم دميانة وبعث علي بن فلفل في عدة مراكب فكانوا في النيل بإزاء دميانة ليمنعوه من المسير وتفرق كثير من اصحاب هارون عنه في البر والبحر وبقي في نفر يسير وتشاغل باللهو والطرب فأجمع عماه شيبان وعدي ابنا أحمد بن طولون على قتله فدخلا عليه وهو ثمل في شرابه فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسنة يومئذ ثمانية وعشرون سنة كانت ولايته عليها ثمان سنين وثمانية أشهر
شيبان بن أحمد
ثم وليها شيبان بن أحمد بن طولون أبو المقانب بويع لعشر بقين [١١١] من صفر سنة اثنتين وتسعين فأقر موسى بن طونيق على الشرط وقدم شيبان الفسطاط يوم الثلاثاء لسبع بقين من صفر فسلم إليه أمرها كله وبلغ طغج بن جف وفائق مولى خمارويه وغيرهما من وجوه الجند والقواد قتل هارون فأنكروه وخالفوا شيبانا فكاتبوا الحسين بن حمدان
стр. 246
ابن حمدون وهو إذ ذاك من وجوه أصحاب محمد بن سليمان فأخبروه بمقتل هارون وسألوه أخذ الأمان لهم وحرّ كوه على المسير إلى الفسطاط وأقبل محمد بن سليمان حتى نزل جرجير فوافاه بها كتاب طغج بن جف بالسمع والطاعة ونزل محمد بن سليمان العبّاسة فلقيه بها طغج في ناس من القواد كثير فساروا لسيره إلى الفسطاط وأقبل دميانة بمراكبه إلى ساحل الفسطاط فنزل به سلخ صفر سنة اثنتين وتسعين وعسكر شيبان (١) يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول بعين شمس فأتاهم محمد بن سليمان فمضى إليه عامة أصحاب شيبان يسألونه أمانهم فلما رأى شيبان ذلك أرسل إلى محمد بن سليمان في أمانه وأمان إخوته وأهله فآمنهم
وخرج شيبان ليلة الخميس لليلة خلت من ربيع الأول سنة اثنتين إلى محمد بن سليمان وانصرف عسكره كله ثم دخل محمد بن سليمان الفسطاط وكانت ولايته عليها اثني عشر يوما
[١١١ ب] ثم دخل محمد بن سليمان الكاتب يوم الخميس لمستهل ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائتين فأمر بإحراق القطائع فأحرقت ونهب أصحابه الفسطاط يومئذ فركب محمد بن سليمان فطافها وأطلق من في السجون وسكن الناس ودعا من الغد على المنبر لأمير المؤمنين المكتفي بالله وحده وصرف موسى بن طونيق عن الفسطاط يوم الجمعة لليلتين خلتا من ربيع الأول وجعل محمد بن سليمان مكانه رجلا من
стр. 247
أصحابه يقال له البكتمري (١) وصرف أبا زرعة محمد بن عثمان القاضي عن قضائه ورد محمد بن عبدة بن حرب على القضاء وبعث محمد بن سليمان بطغج بن جف واليا إلى قنسرين وضم إليه جمعا من جند بني طولون ثم أمر بإخراج الأعراب الذين قدموا معه ثم اخرج ولد احمد ابن طولون وهم عشرون إنسانا وأخرج بدر الحمامي واليا على دمشق وأخرج منها قواد بني طولون ومواليهم وقتا بعد وقت فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر فخلت منهم الديار وعفت منهم الآثار وتعطلت منهم المنازل وحل بهم الذلّ بعد العز والتطريد والتشريد بعد اجتماع الشمل ونضرة الملك ومساعدة الأيام. قال أحمد بن محمد الحبيشيّ: (٢)
الحمد لله إقرارا بما وهبا … قد لم بالأمن شعب الحق فانشعبا
الله أصدق هذا الفتح لا كذب … فسوء عاقبة المثوى لمن كذبا (٣)
[١١٢] فتح به فتح الدنيا محمدها … وفتح (٤)
الظلم والإظلام والكربا
لا ريب رب هياج يقتضي دعة … وفي القصاص حياة تذهب الريبا
стр. 248
رمى الإمام به عذراء غادره (١) …
فافتض عذرتها بالسيف واقتضبا … محمد بن سليمان أعزهم
نفسا وأكرمهم في الذاهبين أبا … سرى بأسد الشرى (٢)
لو لم يروا بشرا
أضحى عرينهم [الخطي] (٣) … لا القضبا
حم القضاء على اليحموم (٤) … حين أتوا
مثل الدبى يمتحون الدبة الدأبا (٥) …
إيها علوت على الأيام مرتبة … أبا علي ترى من دونها الرتبا (٦)
هارت بهارون (٧) … من ذكراك بقعته
وشيب الرعب شيبانا وقد رغبا (٨) …
فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم … كأنها من زمان غابر ذهبا
стр. 249
وكم ترى تركوا من جنة أنف … ومن نعيم جنى من غدرهم غضبا (١)
وقال أحمد بن أبي يعقوب: (٢)
إن كنت تسأل عن جلالة ملكهم … فارتع وعج بمراتع (٣)
الميدان
وانظر إلى تلك القصور وما حوت … واسرح بزهرة ذلك البستان
وإن اعتبرت ففيه أيضا عبرة … تنبيك كيف تصرف العصران
يا قتل (٤) … هارون اجتثثت أصولهم
وأشبت رأس أميرهم شيبان … لم يغن عنهم بأس قيس إذ غدا
في جحفل لجب ولا غسان … وعدية البطل الكمي وخزرج
لم ينصرا بأخيهما عدنان … [١١٢ ب] ذفت (٥)
إلى آل النبوة والهدى
وتمزقت عن شيعة الشّيطان
стр. 250
وقال أيضا:
نقمة أرسلت من الشرق تهوي … فأناخت على بني طولونا
كيف يرجى صلاح هذي البرايا … وابن أبا يسوس دنيا ودينا
بأبي خبة ورأي غريب … كان يمضي شرايع الحكم فينا
ما رأينا من آل طولون إلاّ … ساءه في بطالة مرهونا
وقال الحبيشيّ لأبي علي الحسين بن أحمد الماذرائي:
هنيئا لمصر قد فتحت رتاجها … وقلدت ما قلدته بتحكم
وما الفتح إلا فتح رأيك لا الذي … تجمع يوم الجمع من كل معلم
وكنت وشيبان غداة لقيته … كموسى وفرعون غداة المعظم
كفيت الإمام المكتفي ما ينوبه … ولم يك يرجوه بكلّ (١)
مرجّم