ثم وليها عقبة بن عامر من قبل معاوية وجمع له صلاتها وخراجها فجعل على شرطته (١) وكان عقبة قارئا فقيها مفرضا شاعرا له الهجرة والصحبة والسابقة
حدثنا سعيد بن هاشم بن مرثد قال: حدثنا دحيم قال: أخبرنا الوليد بن مسلم قال: أخبرنا هشام بن الغاز عن يزيد بن يزيد بن جابر عن القاسم بن عبد الرحمن عن عقبة بن عامر وكان صاحب بغلة رسول الله ﷺ الشهباء التي يقودها في الأسفار وقال: قدت برسول الله ﷺ وهو على راحلته رتوة (٢) من الليل وأن رسول الله ﷺ قال: أنخ. فأنخت فنزل عن راحلته ثم قال: اركب يا عقبة. فقلت: سبحان الله أعلى مركبك يا رسول الله وعلى راحلتك [١٦]. فأمرني فقال: اركب. فقلت أيضا مثل ذلك ورددت ذلك مرارا حتى خفت أن أعصي رسول الله ﷺ فركبت راحلته ورحله ثم زجر الناقة فقامت ثم قادني رسول الله ﷺ
ثم وفد مسلمة بن مخلد الأنصاري على معاوية فولاه مصر وأمره أن يكتم ذلك على عقبة
فحدثني علي بن قديد عن عبيد الله بن سعيد عن أبيه قال: حدثني رشدين عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري أن معاوية بن أبي سفيان أمر مسلمة بن مخلد على مصر ونزع عقبة بن عامر وقال لمسلمة
стр. 37
لا تعلم بهذا أحدا وأرسل إلى عقبة فجعله على البحر وامره أن يسير إلى رودس فقدم مسلمة ولم يعلم بإمرته وخرج معه الى سكندريّة فلما توجه سائرا استوى مسلمة على سرير إمرته فبلغ ذلك عقبة فقال: أخلعانا وغربة
وكان صرف عقبة عنها لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين فكانت ولايته عليها سنتين وثلاثة أشهر
مسلمة بن مخلد بن صامت بن نيار (١) بن لوذان بن عبد ود بن
زبد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعده بن كعب بن الخزرج بن حارثة
ثم وليها مسلمة بن مخلد الأنصاري من قبل معاوية وجمع له الصلاة والخراج والمغرب فجعل على شرطته السائب بن هشام بن كنانة [١٦ ب] العامري إلى سنة تسع وأربعين ثم صرفه وجعل مكانه عابس بن سعيد المرادي ثم الغطيفي وانتصبت ولاؤه (٢) وغزواته في البر والبحر وفي إمرته نزلت الروم البرلس (٣) في سنة ثلاث وخمسين واستشهد يومئذ وردان مولى عمرو بن العاص وعائذ بن ثعلبة البلوي وأبو رقية عمرو بن قيس اللخمي في جمع من الناس كثير
وأمر مسلمة بالزيادة في المسجد الجامع فهدم ما كان عمرو بناه في سنة ثلاث وخمسين
وفيها أمر مسلمة بابتناء منار المساجد كلها ودفع ذلك عن خولان
стр. 38
وتجيب وأمر المؤذنين أن يكون أذانهم في الليل في وقت واحد فكان مؤذنو المسجد الجامع يؤذنون للفجر فإذا فرغوا من أذانهم أذن كل مؤذن في الفسطاط في وقت واحد فكان الأمر على ذلك إلى دخول المسودة
ثم صرف مسلمة عابس بن سعيد عن الشرط وولاه البحر فغزا أسطادنه (١) ورد السائب بن هشام على شرطه فكان على الشرط إلى سنة سبع وخمسين فعزل السائب ورد عابسا وخرج مسلمة إلى الإسكندرية سنة ستين واستخلف عابس بن سعيد على الفسطاط وتوفي معاوية في رجب سنة ستين واستخلف يزيد بن معاوية فأقر مسلمة بن مخلد على مصر صلاتها وخراجها ومسلمة يومئذ بالإسكندرية فكتب إلى عابس بأخذ البيعة ليزيد فبايعه الجند إلا عبد الله بن عمرو بن العاص فدعا عابس [١٧] بالنار ليحرق عليه فلما رأى ذلك عبد الله بن عمرو بايع ليزيد وقدم مسلمة من الإسكندرية فجمع لعابس مع الشرط القضاء وذلك في أول سنة إحدى وستين
حدّثنا عليّ بن سعيد قال: يا بن أبي عمر (٢) قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبرهيم بن ميسرة قال: سمعت مجاهدا يقول صليت خلف مسلمة بن مخلد فقرأ بسورة البقرة فما ترك ألفا ولا واوا
стр. 39
حدثني ابن قديد عن عبيد الله بن سعيد عن أبيه قال: حدثني ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد قال: كان مسلمة بن مخلد يصلي بنا فيقوم في الظهر فربما قرأ الرجل البقرة
وتوفي مسلمة بن مخلد وهو وال عليها لخمس بقين من رجب سنة اثنتين وستين (١) كانت ولايته عليها خمس عشرة سنة وأربعة أشهر واستخلف عابس بن سعيد عليها
سعيد بن يزيد بن علقمة بن يزيد بن عوف الأزدي ثم الفهري
من أهل فلسطين
ثم وليها سعيد بن يزيد الأزدي على صلاتها فقدمها لمستهل شهر رمضان سنة اثنتين وستين فأقر عابسا على الشرط
فحدثني ابن قديد عن عبيد الله بن سعيد بن عفير عن أبيه عن الليث قال: لما قدم سعيد بن يزيد واليا على جند مصر تلقاه عمرو بن قحزم (٢) الخولاني فقال: يغفر الله لأمير المؤمنين أما كان فينا مائة شاب كلهم مثلك يولي (٣) علينا أحدهم
ولم تزل أهل مصر على الشنآن له [١٧ ب] والإعراض عنه والتكبر عليه حتى توفي يزيد بن معاوية سنة أربع وستين ودعا ابن الزبير إلى نفسه فقامت الخوارج الذين بمصر في أمره وأظهروا دعوته وكانوا يحسبونه على
стр. 40
مذهبهم ووفدوا منهم وفدا إليه وسألوه أن يبعث إليهم بأمير يقومون معه ويؤازرونه فكان كريب بن أبرهة بن الصباح وغيره من أشراف أهل مصر يقولون: ماذا نرى من العجب أن هذه طائفة مكتتمة (١) تأمر فينا وتنهى ونحن لا نستطيع أن نرد أمرهم. ولحق بابن الزبير ناس من أهل مصر منهم أبو عبيدة وعياض ابنا عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري وأبو بكر بن القاسم بن قيس العذري وحيان بن الأعين الحضرمي وحجوة بن الاسود الصدفيّ وبعث ابن الزبير إليها بعبد الرحمن بن جحدم الفهريّ فقدمها في طائفة من الخوارج فوثبوا على سعيد بن يزيد فاعتزلهم فكانت ولاية سعيد عليها سنتين إلا شهرا
عبد الرحمن بن عتبة (٢) بن إياس بن الحارث بن عبد أسد بن
جحدم بن عمرو بن عائش بن ضرب (٣) بن الحارث
بن فهر
ثم وليها عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم من قبل عبد الله بن الزبير دخلها في شعبان سنة أربع وستين فأقر عابس بن سعيد على الشرط والقضاء وقدم ابن جحدم بجمع كثير من الخوارج الذين كانوا مع ابن الزبير بمكة من أهل مصر وغيرهم فيهم حوشب بن يزيد وأبو الورد حجر ابن عمرو وغيرهم [١٨] فأظهروا التحكيم ودعوا إليه فاستعظم الجند
стр. 41
ذلك وبايعه الناس على غل في قلوب ناس من شيعة بني أمية منهم كريب بن أبرهة الأصبحي ومقسم بن بجرة (١) التجيبي وزياد بن حناطة التجيبي وعابس بن سعيد وغيرهم ثمّ بويع مروان بن الحكم بالشأم في ذي القعدة سنة اربع وستّين وكانت شيعته من أهل مصر دعوه (٢) إليها وهم في العلانية مع ابن جحدم وسار مروان إلى مصر ومعه خالد بن يزيد بن معاوية وعمرو بن سعيد وعبد الرحمن بن الحكم وزفر بن الحارث وحسان بن بحدل (٣) ومالك بن هبيرة السكوني في أشراف كثير وبعث ابنه عبد العزيز في جيش إلى أيلة ورجا ان يدخل مصر من تلك الناحية وأجمع ابن جحدم على حربه (٤) ومعه فأشار عليه الجند بحفر خندق يخندق به على الفسطاط فأمر بحفره فحفر في شهر واحد
قال ابن أبي زمزمة الحشني:
وما الجد إلا مثل جد (٥) … ابن جحدم
وما العزم إلا عزمه يوم خندق … ثلاثون ألفا هم أثاروا ترابه
وخدوه في شهر حديث مصدّق
стр. 42
وهو الخندق الذي في مقبرة الفسطاط اليوم
وبعث ابن جحدم بمراكب في البحر ليخالف الى عيال اهل الشام عليها الاكدر بن حمام اللخمي وقطع بعثا في البر استعمل عليهم السائب ابن هشام بن كنانة العامري وبعث بجيش آخر عليهم زهير بن قيس البلوي إلى أيلة ليمنع عبد العزيز من المسير اليها [١٨ ب] فأما جيش السائب بن هشام فإن روح بن زنباع أخبر مروان أن السائب له ابن مسترضع بفلسطين فأخذه مروان فلما التقوا ابرز إليه الصبي فقال:
أتعرف هذا يا سائب. قال: هذا ابني. قال: نعم فو الله لئن لم ترجع عودك على بدئك لأرمينك برأسه. فرجع السائب بجيشه ذلك ولم يقاتل فسمي جيشه (١) جيش الكرارين وأما المراكب فنزل عليها عاصف فغرقها وغرق بعضها ونجا أميرها الاكدر وعاد إلى الفسطاط
وأما زهير بن قيس فلقي عبد العزيز بن مروان ببصاق وهي سطح عقبة أيلة فقاتله فانهزم زهير ومن معه قال زهير لعبد العزيز:
منعت بصاقا والبطاح فلم ترم … بطاحك لما [أن] (٢)
حميت ذماركا
قسرت (٣) … الألى ولّوا عن الأمر بعد ما
أرادوا عليه فاعلمن اقتسارك
وسار مروان حتى نزل عين شمس فخرج ابن جحدم في اهل
стр. 43
مصر فتحاربوا يوما أو يومين ثم رجعوا إلى خندقهم فصفوا عليه فكانت تلك الأيام تسمى أيام الخندق والتراويح لأن أهل مصر كانوا يقاتلون نوبا (١) يخرج هؤلاء ثم يرجعون ثم يخرج غيرهم واستحر (٢) القتل في المعافر فقتل جمع منهم وقتل كثير من أهل القبائل من أهل مصر وقتل من أهل الشام أيضا جمع كثير. قال عبد الرحمن بن الحكم:
ألا هل أتاها على نأيها … نباء التراويح والخندق
[١٩] بلغنا بفيلق يغشى الظراب … بعيد السمو لمن يرتقي
وجاشت لنا الأرض من نحوهم … بحيّي تجيب ومن غافق
وأحياء مذحج والأشعرين (٣) … وحمير كاللهب المحرق
وسدت معافر أفق البلاد … بمرعد جيش لها مبرق
ونادى الكفاة (٤) … ألا فابرزوا
فحتام حتى ولا نلتقي
فلو كنت رملة شاهدته … تمنيت أنك لم تخلقي
ثم إن كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد وزياد بن حناطة وعبد الرحمن بن موهب المعافري قاموا في الصلح بين أهل مصر وبين مروان على أن لا يكشف ابن جحدم على أمر جرى على يديه ويدفع إليه مالا (٥)
стр. 44
وكسوة (١) فأجاب مروان إلى ذلك وكتب لهم بيده كتابا يؤمنهم على جميع ما أحدثوه ودخلها مروان لغرة جمادى الأولى سنة خمس وستين فكانت مدة مقام ابن جحدم واليا عليها من يوم دخلها إلى دخول مروان تسعة أشهر ونزل مروان دار الفلفل التي في قبلة مسجد الجامع اليوم وقال:
إنه لا ينبغي لخليفة أن يكون ببلد ليس له فيها دار. فأمر بالدار البيضاء فبنيت له ووضع العطاء فبايعه الناس إلا نفر من المعافر قالوا: لا نخلع بيعة ابن الزبير
حدثني ابن قديد قال: حدثنا يحيى بن عثمان قال: حدثنا أبو صالح عن الليث بن سعد قال: قتل [١٩ ب] مروان ثمانين رجلا من المعافر دعاهم إلى أن يبايعوا فأبوا وقالوا: إنا قد بايعنا ابن الزبير طائعين فلم نكن لننكث بيعته فقدمهم رجلا رجلا فضرب أعناقهم وضرب عنق الأكدر بن حمام ابن عامر بن صعب وكان سيد لخم وشيخها وحضر فتح مصر هو وأبوه وكانا ممن سار إلى عثمان
فحدثني يحيى بن أبي معاوية التجيبي قال: حدثني خلف بن ربيعة الحضرمي قال: حدثني أبي ربيعة بن الوليد عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال: كنت واقفا بباب مروان حين أتي (٢) بالأكدر ليس معه أحد من قومه فأدخل على مروان فلم يكن شيء أسرع من قتله وتنادى (٣)
стр. 45
الجند قتل الأكدر فلم يبق أحد حتى لبس سلاحه فحضر باب مروان منهم زيادة على ثلاثين ألفا وخشي مروان وأغلق بابه ومضت طائفة منهم إلى كريب بن أبرهة فلقوه وقد توفيت امرأته بسيسة بنت حمزة بن يشرح ابن عبد كلال فهو مشغول بجنازتها فقالوا: يا با رشدين أيقتل الأكدر اركب معنا الى مروان قال: انتظروني حتى أغيب هذه الجنازة. فغيبها ثم أقبل معهم فدخل على مروان فقال: اليّ يا با رشدين فقال: بل إلي يا أمير المؤمنين فأتاه مروان فألقى عليه كريب رداءه وقال للجند: انصرفوا انا له جار. فو الله ما عطف أحد منهم وانصرفوا إلى منازلهم وكان قتل الأكدر للنصف من جمادى الآخرة سنة خمس وستين ويومئذ توفي عبد الله بن عمرو بن [٢٠] العاص فلم يستطع أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لتشغب الجند على مروان فدفن في داره. قال زياد بن قائد اللخمي:
كما لقيت لخم ما ساءها … بأكدر لا يبعدن أكدر
هو السيف أجرد من غمده … فلاقى المنايا وما يشعر
فلهفي عليك غداة الردى … وقد ضاق وردك والمصدر
وأنت الأسير بلا منعة … وما كان مثلك يستأسر (١)
وجعل مروان صلاة مصر وخراجها إلى ابنه عبد العزيز بن مروان فحدثني ابن قديد قال: حدثني عبيد الله بن سعيد بن عفير عن أبيه قال: أخبرني المغيرة بن الحسن بن راشد عن حرملة بن عمران التجيبيّ
стр. 46
قال: أقام مروان بمصر شهرين ثم جعل ولاية مصر إلى ابنه عبد العزيز جعل إليه صلاتها وخراجها فقال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين كيف المقام ببلد ليس به أحد من بني أبي. فقال له مروان: يا بني عمهم بإحسانك يكونوا كلهم بني أبيك واجعل وجهك طلقا تصف (١) لك مودتهم وأوقع إلى كل رئيس منهم أنه خاصتك دون غيره يكن (٢) عينا لك على غيره وينقاد قومه إليك وقد جعلت معك أخاك بشرا مؤنسا وجعلت لك موسى بن نصير وزيرا ومشيرا وما عليك يا بني (٣) أن تكون اميرا بأقصى الارض أليس [٢٠ ب] ذلك أحسن من إغلاق بابك وخمولك في منزلك
وقال أيمن بن خريم (٤) بن فاتك الأسدي
إذا ما استبدلوا أرضا بأرض … لذي (٥) العقب التداول والطواء
فبالأرض (٦) … التي نزلوا مناهم
وبالأرض التي تركوا اللقاء
حدثنا موسى بن حسن بن موسى قال: أخبرنا حرملة بن عمران أن عبد العزيز بن مروان قال: أوصاني مروان حين ودعته [عند] مخرجه من مصر إلى الشام فقال: أوصيك بتقوى الله في سرّ امرك وعلانيتك فإنّ الله
стр. 47
مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأوصيك أن لا تجعل لداعي الله عليك سبيلا فإن المؤذنين (١) يدعون إلى فريضة افترضها الله عليك إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (٢) وأوصيك أن لا تعد الناس موعدا إلا أنفذته وإن حملت على الأسنة وأوصيك أن لا تعجل في شيء من الحكم حتى تستشير فإن الله لو أغنى أحدا عن ذلك لأغنى نبيّه محمد ﷺ عن ذلك بالوحي الذي يأتيه: قال الله : وشاورهم في الأمر (٣)
وخرج مروان من مصر لهلال رجب سنة خمس وستين فكان مقامه بمصر من يوم دخلها إلى خروجه عنها شهرين وكان على شرطه في مقامه بها عمرو بن سعيد بن العاص
عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
بن [٢١] عبد شمس بن عبد مناف يكنى أبا الأصبغ (٤)
ثم وليها عبد العزيز بن مروان لهلال رجب سنة خمس وستين على صلاتها وخراجها فجعل على شرطته عابس بن سعيد المرادي وتوفي مروان لهلال رمضان سنة خمس وستين وبويع عبد الملك بن
стр. 48
مروان فأقر أخاه عبد العزيز عليها فأمر عبد العزيز ببنيان الدار المذهبة في سنة سبع وستين وهي التي تدعى المدينة بسوق الحمّام و [هي] غربي المسجد الجامع. ووفد عبد العزيز على أخيه عبد الملك في سنة سبع وستين وحضر مقتل عمرو بن سعيد ففرض عابس فروضا وزاد في أعطيات الناس من الجند فلقي عبد العزيز بعد قدومه فقال له: ما حملك على ذلك. قال: أردت أن أثبت وطأتك ووطأة أخيك فإن أردت أن تنقضه فانقضه. فقال عبد العزيز: ما كنا لنرد عليك شيئا فعلته. ثم توفي عابس بن سعيد في سنة ثمان وسبعين فجعل مكانه على الشرطة زياد بن حناطة بن سيف بن حلاوة التجيبي وجعل على الحرس والأعوان والخيل جناب بن مرثد بن هانئ الرعيني
فحدثني ابن قديد عن عبيد الله (١) عن أبيه قال: ولم يشرك بينهما عبد العزيز حتى ولي جناب بن مرثد بن زيد بن هانئ الرعينيّ [٢١ ب] حرسه وضم إليه ثلاثمائة من الأمداد فكان الرجل إذا أغلظ لعبد العزيز وخرج تناوله جناب (٢) ومن معه فضربوه وحبسوه
ووقع الطاعون بمصر في سنة سبعين فخرج عبد العزيز منها إلى الشرقية متبديا فنزل حلوان فأعجبته فاتخذها وسكنها وجعل بها الحرس والأعوان والشرط فكان عليهم جناب بن مرثد بحلوان. وبنى عبد العزيز بحلوان الدور والمساجد وغيرها أحسن عمارة وأحكمها وغرس كرمها ونخلها
стр. 49
قال ابن قيس الرقيات:
سقيا (١) … لحلوان ذي الكروم وما
صنف من تينه (٢) ومن عنبه
… نخل مواقير بالقناء من البر نيّ (٣) يهتز ثم في سربه
… أسود سكانه الحمام فما ينفك غربانه (٤) على رطبه
حدثني ابن قديد قال: حدثني علي بن عمرو بن خالد قال: حدثني أسد بن ربيعة عن أبيه أن عبد العزيز لما غرس نخل حلوان وأطعم دخله والجند معه فجعل يطوف فيه ووقف على غروسه ومساقيه فقال له يزيد ابن عروة الحملي (٥): ألا قلت أيها الأمير كما قال العبد الصالح: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. قال: ذكرتني شكرا: يا غلام قل لأشناس (٦) يزبد في عطائه عشرة دنانير
وعرف (٧) عبد العزيز بن مروان بمصر وهو أول من عرف بها في سنة إحدى [٢٢] وسبعين
حدثنا حسن المديني قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال:
حدثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن أول من أحدث القعود يوم عرفة في المسجد بعد العصر عبد العزيز بن مروان
стр. 50
وفي سنة اثنتين وسبعين صرف بعث البحر إلى مكة لقتال ابن الزبير وجعل عليهم مالك بن شراحيل الخولاني (١) وهم ثلاثة آلاف رجل فيهم عبد الرحمن بن بحنس (٢) مولى بني اندى (٣) بن عدي من تجيب فهو الذي قتل ابن الزبير ففرض له في الشرف وعرف على موالي تجيب وكان قتل ابن الزبير في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين
وخرج عبد العزيز إلى الإسكندرية واستخلف عليها ابنه الأصبغ ابن عبد العزيز وذلك في سنة أربع وسبعين ونقل منها واستخلف عليها جناب بن مرثد ولم يعزله عن الحرس والأعوان لكنه استخلف عليها وخرج عبد العزيز إلى الشام وافدا على عبد الملك في سنة خمس وسبعين واستخلف على مصر زياد بن حناطة ابن سيف (٤) التجيبي فتوفي زياد بن حناطة في شوال سنة خمس وسبعين فاستخلف على مصر الأصبغ ابنه ثم قدم عبد العزيز إلى الفسطاط أول سنة ست وسبعين فجعل على الشرط عبد الرحمن بن حسان بن عتاهية بن حزن التجيبي أحد بني سعد
وأمر عبد العزيز بالزيادة في المسجد الجامع بمصر فهدم كلّه [٢٢ ب] وزاد فيه من جوانبه كلها وذلك في سنة سبع وسبعين
قال ابن عفير: كان لعبد العزيز ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره وكانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل تحمل على العجل إلى قبائل مصر
стр. 51
قال الشاعر:
كل يوم كأنه يوم أضحى … عند عبد العزيز أو يوم فطر
وله ألف جفنة مترعات … كل يوم تمدها ألف قدر
وقال عبيد الله بن قيس الرقيات:
أعني ابن ليلى عبد العزيز ببا … ب اليون تغدو جفانه رذما (١)
وقال أيمن بن خريم بن فاتك:
لا يرهب الناس أن يعدلوا … بعبد العزيز بن ليلى أميرا
ترى قدره معلنا بالفناء (٢) …
يلقم بعد الجزور الحزورا
وقال ابن قيس:
تكون جفانه رذما … فمصبوح ومغتبق
إذا ما أزحفت رفق … جنت من دونهم رفق (٣)
وقدم حسان بن النعمان الغساني من الشام إلى مصر يعهد إلى المغرب في سنة ثمان وسبعين فسأله عبد العزيز أن لا يعرض لأطرابلس فأبى حسان ذلك فعزله عبد العزيز وولى موسى بن نصير مولى لخم [٢٣] أمر المغرب
стр. 52
كله فسار موسى ففتح الله عليه الفتوح بها وخرج عبد العزيز إلى الإسكندرية خرجته الثالثة سنة إحدى وثمانين وخرج معه إليها وجوه الناس من الأشراف والشعراء. فقال ابن قيس الرقيّات:
غدوا من دورج (١) … الكريو
ن حيث سفينهم حزق
فلمّا أن علون النّي … ل (٢) والرايات تختفق
رأيت الجوهر الحكمي (٣) … والديباج يأتلق
سفائن غير مقرفة … إلى حلوان تستبق
محل من (٤) … يحل به
لذيذ عيشه غدق
يحل به ابن ليلى والنّد … ى والحلم والصدق
وخرج عبد العزيز إلى الإسكندرية أيضا خرجته الرابعة سنة ثلاث وثمانين وفيها توفي جناب بن مرثد فجعل مكانه على الحرس والأعوان والخيل عمرو بن كريب بن صالح بن ثمامة (٥) الرعيني فتوفي عمرو بعد أربعين ليلة فجعل مكانه سعيد بن يعقوب المعافري ثم الشعباني وتوفي عبد الرحمن بن حسان بن عتاهية التجيبي في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين فجعل عن الشرط يونس بن عطية بن أوس بن أوفح بن
الحضرميّ من الاشبا (٦) ثمّ صرف [٢٣ ب] يونس لمستهل سنة ست وثمانين فجعل على الشرط عبد الرحمن بن معاوية بن حديج التجيبيّ
стр. 53
وكتب عبد الملك الى اخيه عبد العزيز يسأله أن يرفع (١) له عن ولاية العهد ليعهد إلى الوليد وسليمان فأبى عبد العزيز ذلك
فحدثني ابن قديد عن عبيد الله بن سعيد بن عفير عن أبيه عن القاسم بن الحسن بن راشد قال: فكتب إليه عبد العزيز: إن يكن لك ولد فلنا أولاد ويقضي الله بما يشاء. فغضب عبد الملك فبعث إليه عبد العزيز بعلي بن رباح اللخمي يترضاه (٢) فلما قدم على عبد الملك استعطفه على أخيه فشكاه عبد الملك وقال: فرق الله بيني وبينه. فلم يزل به حتى رضي فقدم على عبد العزيز فجعل يخبره عن عبد الملك وحاله ثمّ أخبره بدعوة عبد الملك فقال: أفعل أنا والله مفارقه والله ما دعا دعوة قط إلا أجيبت. قال سعيد: وكان في كتاب عبد العزيز إلى عبد الملك:
إنك لو رأيت الأصبغ لسرك ولم تقدم عليه أحدا
وقال عبد العزيز بن مروان: قدمت مصر في إمرة مسلمة بن مخلد فتمنيت بها أماني فأدركتها تمنيت ولاية مصر وأن أجمع بين امرأتي مسلمة ويحجبني قيس بن كليب حاجبه. فتوفي مسلمة فقدم مصر فوليها فحجبه قيس وتزوج امرأتي مسلمة وهما أم كلثوم الساعدية وأروى بنت راشد الخولاني
وتوفي الأصبغ بن عبد العزيز يوم الخميس لتسع بقين من [٢٤] شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين مرض عبد العزيز بعد وفاة الأصبغ ثمّ توفّي
стр. 54
ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين فحمل في الليل من حلوان إلى الفسطاط فدفن بها
حدثنا علي بن سعيد قال: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا ابن حديج عن ابن أبي مليكة قال: رأيت عبد العزيز بن مروان حين حضره الموت يقول: ألا ليتني لم أك شيئا مذكورا ألا ليتني كناسة (١) من الأرض أو كراعي إبله (٢) في طرف الحجاز من بني نصر بن معاوية أو بني سعد بن بكر
فاستخلف عبد العزيز على مصر أخاه محمد بن مروان على الجند وجعل مالك بن شراحيل الخولاني يصلي بالناس قال ابن عفير: ولي عبد العزيز مصر فكان خراجها وجبايتها إليه فلم يوجد له مال نض إلا سبعة آلاف دينار
وحدثنا أسامة قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثني الليث أن عبد العزيز مات حين مات وإنما ترك حلوان والقيسارية وثياب كان بعضها مرقوعا وخيلا ورقيقا وكانت ولاية عبد العزيز عليها عشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما ولم يلها منذ الإسلام إلى يومنا هذا أطول ولاية منه
وقال ذو الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط يرثي عبد العزيز وابنه الأصبغ:
стр. 55
[٢٤ ب]
نقول غداة قطعنا الجفا … ر والعين بالدّمع مغرورقه
مقال امرئ كاره للفرا … ق تاع البلاد وباع الرقه
وفارق إخوانه كارها … وأهل الصفاء وأهل الثقه
أبعد الخليفة عبد العزيز … وبعد الأمير كذا وابقه (١)
فما مصر لي بعد عبد العزي … ز والأصبغ الخير بالمونقه
إمامي هدى وهديي (٢) … تقى
وأهل الوفاء وأهل الثقه
سقى الله قبريهما والصدى … وما جاورا ديمة مغدقه
فإن تك مصرا أشارت بها … إلى الشر يوما يد موبقه
فقدما تقر بمصر العيو … ن في لذة العيش محدودقه (٣)
وقال سليمان بن أبان بن أبي حدير الأنصاري يرثي عبد العزيز والأصبغ:
أبعدك يا عبد العزيز لحادث … وبعد أبي زبان ينشعب الدهر (٤)
ولا زال مجراه من الأرض يابسا … يموت به العصفور وانجدب (٥)
القطر
стр. 56
فمن ذا الذي يبني المكارم والعلى … ومن ذا الذي يهدي له بعدك السفر
فكنت حليف العرف والخير والندى … فمتن جميعا حين غيبك القبر
فبعدك لا يرجى وليد لنفعة … وبعدك لا يرجى عوان ولا بكر
وقال نصيب يرثي عبد العزيز والأصبغ ابنه:
[٢٥] بكيت ابن ليلى وابنه ورأيتني … أحق (١)
الألى أمسوا نعى (٢) ببكاهما
هما أخواي (٣) … الصالحان تواليا
بحمد فهدّا للفراق إخاهما … فإن نزعا (٤)
مصرا فبالجد فارقا
أحل وخلا فسطها وقراهما (٥) …
بحسن الثنا والحمد في الناس فارقا … ألا بأبي حقا وأمي ثناهما
فما طائعا إن فارقا العيش فارقا … نصيبا ولا والله ما إن قلاهما
стр. 57
جزى خير [مولى] موليي ولا جزى … من الناس خيرا من أحب رداهما (١)
عبد الله بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن
أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يكنى أبا عمر
ثم وليها عبد الله بن عبد الملك من قبل أبيه على صلاتها وخراجها فدخلها يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ست وثمانين وهو يومئذ ابن سبع وعشرين سنة وقد تقدم إليه أبوه أن يعفي آثار عمه عبد العزيز لمكانه من ولاية العهد واستبدل بالعمال عمالا وبالأصحاب أصحابا وأراد عبد الله بن عبد الملك عزل عبد الرحمن بن معاوية بن حديج عن الشرط فلم يجد عليه مقالا ولا متعلقا فولاه مرابطة الإسكندرية وجعل على الشرط عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة حليف بني زهرة وجمع له القضاء والشرط وتوفّي امير المؤمنين [٢٥ ب] عبد الملك بن مروان يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شوال سنة ست وثمانين
وبويع الوليد بن عبد الملك فخرج عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وأخذ له بيعة (٢) أهل مصر فأقر الوليد أخاه عبد الله على صلاة مصر وخراجها وأمر عبد الله بن عبد الملك بالدواوين فنسخت بالعربيّة وكانت
стр. 58
قبل ذلك تكتب بالقبطية وصرف عبد الله أشناس عن الديوان وجعل عليه ابن يربوع (١) الفزاري من أهل حمص ومنع عبد الله من لباس البرانس وذلك في سنة سبع وثمانين وابتنى عبد الله المسجد المعروف اليوم بمسجد عبد الله
وفي ولايته غلت الأسعار بمصر وترعت (٢) فتشاءم به المصريون وهي أول شدة رأوها وزعموا أنه ارتشى وكثروا عليه وسموه مكيسا (٣) ثم قدم عبد الله إلى أخيه الوليد في صفر سنة ثمان وثمانين واستخلف عليها عبد الرحمن بن عمرو بن قحزم الخولاني وأهل مصر إذ ذاك في شدة عظيمة فقال زرعة بن سعد الله بن أبي زمزمة الحشني:
إذا سار عبد الله من مصر خارجا … فلا رجعت تلك البغال الخوارج
أتى مصر والمكيال واف مغربل … فما سار حتى سار والمد فالج
فأهدر عبد الله بن عبد الملك دمه فهرب إلى المغرب وكتب [٢٦] إلى الوليد بن عبد الملك
ألا لا تنه عبد الله عني … كما قد قال يجعلني نكالا
ولم أشتم لعبد الله عرضا … ولم آكل لعبد الله مالا
стр. 59
وسخط عبد الله بن عبد الملك على عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ابن حسنة فصرفه عن الشرط والقضاء وسجنه وذلك في صفر سنة تسع وثمانين وجعل مكانه على الشرط عبد الأعلى بن خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي (١) وعلى القضاء عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وأمر عبد الله بسقف المسجد الجامع ان يرفع سمكه وكان سقفه مطأطئا وذلك في سنة تسع وثمانين
حدثنا عاصم بن رازح بن رجب الخولاني قال: حدّثنا محمد بن حميد ابن هشام الرعيني قال: حدثني أبي قال: حدثني الحسن بن معاوية النصيري (٢) قال: حدثني ابن أبي ليلى التجيبي عن عبد الحميد بن حميد الكاتب مولى خزاعة عن أبيه قال: كان موسى بن نصير يكاتب عبد العزيز ابن مروان فلما هلك عبد العزيز ولى عبد الملك عبد الله بن عبد الملك فلم يكاتبه موسى وكاتب عبد الملك فكتب إليه عبد الله بن عبد الملك: أما بعد فإنك كنت من عبد العزيز وبشر بين مهادين تعلو عن الحضيض مهودهما ويدفئك دثارهما حتى عفا مخبرك وسمت بك نفسك فلا تحسبني كمن كنت تخلبه وأعداء بيته (٣) وتقول اكفياني (٤) [٢٦ ب] أكفكما (٥) ولا كأضبع كنت تمينه بكهانتك وأيم الله لأضعن منك ما رفعا ولأقلن منك
стр. 60
ما كثرا فضح رويدا فكأن قد أصبحت سادما تعض أناملك نادما والسلام
فكتب إليه موسى بن نصير: أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما وصفت فيه من إركاني إلى أبويك وعمك ولعمري إن كنت لذلك أهلا ولو خبرت مني ما خبرا لما صغرت مني ما عظما ولا جهلت من أمرنا ما علما فكيف أتاه الله لك فأما انتقاصك لهما فهما لك وأنت منهما ولهما منك ناصر لو قال وجد عليك مقالا وكفاك جزاء العاق فأما ما نلت من عرضي فذلك موهوب لحق أمير المؤمنين لا لك وأما تهددك إياي بأنك واضع مني ما رفعا فليس ذلك بيدك ولا اليك فأرعد وأبرق لغيري وأما ما ذكرت مما كنت آتي به عمك عبد العزيز فلعمري إني مما نسبتني إليه من الكهانة لبعيد وإني من غيرها من العلم لقريب فعلى رسلك فكأنك قد أظلك البدر الطالع والسيف القاطع والشهاب الساطع فقد تم لها (١) وتمت له ثم بعث إليك الأعرابي الحلف الجافي فلم تشعر به حتى يحل بعقوتك فيسلبك سلطانك فلا يعود إليك ولا تعود إليه فيومئذ تعلم أكاهن أم عالم وتوقن أينا النادم السادم والسلام
فلما قرأ عبد الله الكتاب كتب إلى عبد الملك كتابا وأدرج كتاب موسى فيه فلم يصل الكتاب إلى عبد الملك حتى قبض ووقع الكتاب في يد الوليد بعد [٢٧] أن عزل عبد الله عن مصر وولّى
стр. 61
قرة بن شريك فلما قرأه الوليد استضحك ثم قال: لله دره إن كان عنده لآثره من علم ولقد كان عبد الله غنيا أن يتعرضه
فحدثني علي بن قديد قال: حدثني عبيد الله بن سعيد بن عفير قال حدثني أبي قال: حدثني القاسم بن الحسن بن راشد أنّ يحيى ابن حنظلة مولى بني سهم نزه (١) عبد الله بن عبد الملك إلى منية (٢) له بالجيزة فما رأى طعاما كان أكثر من طعامه إن الرجل من الجند ليأخذ الخروف ما ينازعه أحد فلما متع النهار أقبل قرة بن شريك على أربعة من دواب البريد احداهنّ عليها الفرانق (٣) فنزل بباب المسجد ونزل صاحباه فدخل فصلى عند القبلة وتحول فجلس صاحباه عن يمينه ويساره فأتاهم حرس المسجد وكان له شرط يذبون عنه فقالوا: إن هذا مجلس الوالي ولكم في المسجد سعة. قال: وأين الوالي. قالوا (٤): في منتزه. قال:
فادع خليفته. فانطلق شرطي منهم إلى عبد الاعلى فأعلمه فقال اصحابه:
أرسل اليه يأتك (٥) صاغرا. قال: ما بعث إلي إلا وله عليّ سلطان اسرجوا.
فركب حتى أتاه فسلم قال: أنت خليفة الوالي. قال: نعم. قال: انطلق فاطبع الدواوين وبيت المال. قال: إن كنت والي خراج فلسنا أصحابك.
قال: ممن أنت. قال: من فهم. فقال قرة: لن تجد الفهمي إلا محافظا على الخلق الاعلى وبالحقّ عالما:
стр. 62
سأثني على فهم ثناء يسرها … أوافي به أهل القرى والمواسما
[٢٧ ب] فقال: السلام عليك أيها الأمير. وكتب إلى عبد الله بن عبد الملك يعلمه فأتاه الخبر وقد أهديت له جارية فبكى ولبس خفه قبل سراويله دهشا قال: وكتب رجل من قريش إلى الوليد:
عجبا ما عجبت حين أتانا … أن قد أمرت قرة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنا … ثم فيلت (١) فيه رأي أبيك
يعني بالمبارك هاهنا الميشوم
وقال عبد الله بن الحجّاج الثعليّ:
فإنّ بمصر عبد الله يا شؤ … م عبد كل ذي عظم هشم (٢)
فكانت ولاية عبد الله عليها عشرة أشهر
قرة بن شريك بن مرثد [بن] الحارث بن حبش (٣) بن سفيان
ابن عبد الله بن ناشب بن هدم (٤) بن عوذ بن غالب بن
قطيعة (٥) بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان
ابن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر
ثم وليها قرة بن شريك العبسي للوليد على صلاتها وخراجها فقدمها
стр. 63
يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة (١) تسعين فأقر عبد الأعلى بن خالد على الشرط وأخذ عبد الله بن عبد الملك بالخروج عن مصر فخرج عبد الله بكل ما يملك فلما بلغ الأردن تلقاه رسل الوليد فأخذوا كل ما كان معه ثم خرج قرة إلى رشيد وأستخلف [٢٨] عبد الأعلى بن خالد على الفسطاط وتوفي عبد الأعلى بن خالد بالفرما وهو سائر إلى الوليد في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين فجعل على الشرط عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهميّ (٢) ابن أخي عبد الأعلى
وخرج قرة إلى الإسكندرية واستخلف على الشرط عبد الرحمن ابن معاوية بن حديج في سنة إحدى وتسعين فتعاقدت الشراة بإسكندرية على الفتك بقرة وكان رئيسهم المهاجر بن أبي المثنّى التجيبيّ أحد بني فهم بن اذاه بن عديّ بن تجيب وفيهم ابن ابي أرطاة التجيبي وكانت عدتهم نحو من مائة فعقدوا لابن أبي المثنى عليهم عند منارة الإسكندرية وبالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان فبلغ قرة ما عزموا عليه فأتى بهم قبل أن يتفرقوا فأمر بحبسهم في أصل منارة سكندريّة واحضر قرة وجوه الجند واحضرهم فسألهم فأقروا فقتلهم قرة ومضى رجل ممن يرى رأي الخوارج إلى أبي سليمان فقتله فكان يزيد بن ابي حبيب اذا اراد ان
стр. 64
يتكلم [بشيء] فيه تقية من السلطان تلفت وقال: أحذروا أبا سليمان. ثم قال يوما من ذاك: الناس كلهم أبو سليمان (١)
وورد كتاب الوليد بالزيادة في المسجد الجامع فأبتدأ في هدم ما كان عبد العزيز بناه لمستهل سنة اثنتين وتسعين ووفد قرة إلى أمير المؤمنين الوليد بوفد أهل مصر وأستخلف عليها عبد الملك بن رفاعة الفهمي وابتدأ في بنيان المسجد [٢٨ ب] في شعبان سنة اثنتين وتسعين وجعل على بنائه يحيى بن حنظلة من بني عامر بن لؤي وكانوا يجمعون الجمعة في قيسارية العسل حتى فرغ من بنيانه (٢) وقدم قرة من وفادته في سنة ثلاث وتسعين فاستنبط الإصطبل لنفسه من الموات وأحياه وغرسه قصبا فكان يسمى إصطبل قرة ويسمى أيضا إصطبل القاس (٣) يعنون القصب كما يقولون قاس مروان ونصب المنبر الجديد في الجامع في سنة اربع وتسعين فيقال أنه لا يعلم اليوم في جند من الأجناد أقدم منه بعد منبر رسول الله ﷺ
ودون قرة الديوان في سنة خمس وتسعين وهو المدون الثالث ثم توفي قرة بن شريك بها وهو وال عليها ليلة الخميس لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ودفن في مقبرتها واستخلف على
стр. 65
الجند والخراج عبد الملك بن رفاعة بن خالد الفهمي فكانت ولاية قرة عليها ست سنين إلا أياما
عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت بن ظاعن بن العجلان
ابن عبد الله بن صبح بن والبة بن نصر بن صعصعة بن
ثعلبة (١) بن كنانة بن عمرو بن القين بن فهم بن عمرو بن سعيد
ابن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان
ثم ولي عبد الملك بن رفاعة على شرطه (٢) ثم توفي أمير المؤمنين الوليد يوم السبت لأربع عشر ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين واستخلف [٢٩] سليمان بن عبد الملك فأقر عبد الملك بن رفاعة على صلاتها وخرج ببيعة أهل مصر إلى سليمان بن عبد الملك عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني وتوفي عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان بمصر وأبو بكر بن عبد العزيز بن مروان بسكر من الشرقية. قال كثير:
أصبت (٣) … يوم الصعيد من سكر
مصيبة ليس لي بها قبل (٤)
ثم (٥) توفيا سنة ست وتسعين ونزع الوليد بن رفاعة عن الشرط في سنة سبع وتسعين وجعل مكانه الشيخ بن جرو الحضرميّ
стр. 66
وتوفي أمير المؤمنين سليمان في صفر سنة تسع وتسعين وبويع عمر ابن عبد العزيز بن مروان فعزل عبد الملك بن رفاعة عنها
حدثنا عاصم بن رازح بن رجب قال: حدثنا أبو قرة محمد بن حميد الرعيني قال: حدثني أبي قال: حدثني الحسن بن معاوية النصيري قال:
حدثني ضمام أن عمر بن عبد العزيز قال: دلوني على رجل من أهل مصر له شرف وصلاح أوليه صلاتها. فقيل له: بها رجلان معاوية بن عبد الرحمن ابن معاوية بن حديج وأيوب بن شرحبيل. قال: أي الرجلين أقصد قالوا: أيوب. قال: فهذا أريد. فكتب إلى أيوب بن شرحبيل بولايته وأمر البريد [أن] يكتم ذلك وأن تكون موافاته يوم جمعة فلما قدم الرسول ودفع إليه الكتاب راح كما كان يروح فركع قريبا من المنبر وابن رفاعة [٢٩ ب] يومئذ أمير الجند فلما أذن المؤذن صعد أيوب المنبر فخطب الناس وصلى بهم الجمعة وانصرفوا وأقبل ابن رفاعة رائحا وكان يروح ماشيا وأخوه بين يديه على شرطه فلقي أخوه أوائل المنصرفين فقال: مه.
فقيل له: صلى بالناس أيوب بن شرحبيل. فوقف حتى أدركه أخوه فأعلمه فقال: إنهن (١) فيه امض كما أنت. فدخل المسجد فصلى ثم مال إلى مجلس قيس فلما صلى العصر دخل إلى أيوب فهنأه ثم انصرف وكانت ولاية عبد الملك عليها ثلاث سنين
أيوب بن شرحبيل بن أكسوم (٢) بن أبرهة بن الصباح بن
لهيعة (٣) بن شرحبيل بن مرثد بن الصبّاح بن معدي كرب
стр. 67
ابن يعفر بن ينوف بن شراحيل بن أبي شمر (١) بن شرحبيل
ابن ياشر (٢) بن أشعر (٣) بن ملكيكرب بن شراحيل بن بعفر
ابن عمي (٤) بن أبي كرب بن يعفر بن اسعد بن ملكيكرب
ابن سمر (٥) بن أشعر بن ينوف بن أصبح وأمه بنت مالك بن
نويرة بن الصباح
ثم وليها أيوب بن شرحبيل من قبل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على صلاتها في ربيع الأول سنة تسع وتسعين فجعل على شرطه الحسن بن يزيد الرعيني ثم أحد عجلان بن سريح (٦) وورد كتاب أمير المؤمنين بالزيادة في أعطيات الناس عامة وحرمت الخمر وكسرت وعطلت [٣٠] حاناتها (٧) وصرف الحسن بن يزيد عن الشرط في رجب سنة تسع وتسعين وجعل مكانه الحارث بن داخر بن بهسم الأصبحي أحد السحول (٨) وألحق لأهل مصر خمسة آلاف في سنة مائة
حدثني ابن قديد عن عبيد الله بن سعيد عن أبيه عن ابن لهيعة قال:
كتب عمر بن عبد العزيز إلى أيوب بن شرحبيل بفريضة للجند فقال:
стр. 68
ألصق ذلك بأهل البيوتات الصالحة فإنما الناس معادن وأقسم للغارمين بخمسة وعشرين ألف دينار. وقفل أهل القسطنطينية وكان على أهل مصر أبو عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري ونزعت مواريث القبط عن الكور واستعمل المسلمون عليهم ومنع النساء الحمامات
وحدثني ابن قديد عن عبيد الله بن سعيد عن أبيه عن الميسريّ يعني عبد العزيز بن أبي ميسرة قال: شكي ضعف أيوب إلى عمر بن عبد العزيز فقال: إن أيوب زجرت به أعراف صالحة فلان لين الأشراف وقصد قصد السيادة
وتوفي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة واستخلف يزيد بن عبد الملك فأقر أيوب بن شرحبيل على صلاتها قال عبد العزيز بن أبي ميسرة: إلى أن توفي لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة إحدى ومائة. وقال الليث بن سعد وأحمد بن يحيى بن وزير: نزع أيوب بن شرحبيل لسبع عشرة من شهر رمضان سنة [٣٠ ب] إحدى ومائة فكانت ولاية أيوب عليها سنتين ونصفا
بشر بن صفوان بن تويل (١) بن بشر بن حنظلة بن علقمة
ابن شرحبيل بن عدس (٢) بن أبي جابر بن زهير بن جنّاب (٣) بن
стр. 69
عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات
ابن رفيدة بن ثور بن كلب
ثم وليها بشر بن صفوان الكلبي من قبل يزيد بن عبد الملك قدمها لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة إحدى ومائة فجعل على شرطه شعيب بن حميد ابن أبي الربذاء (١) البلوي من الموالي وكانت لجده أبي الربذاء صحبة ثم نزع شعيب بعد أيام وولاه التابوت وجعل بشر أخاه حنظلة بن صفوان على شرطه
وفي إمرته نزلت الروم تنّيس عليهم ررين (٢) فقتل ابن أحمر بن مسلمة المرادي (٣) أميرها في جمع من الموالي ولهم يقول الشاعر
ألم تربع فتخبرك الرجال … بما لاقى بتنيس الموالي
وكتب يزيد بن عبد الملك بمنع الزيادة التي كان عمر بن عبد العزيز أمر لأهل الديوان بها فمنعوها
ولما رأى بشر بن صفوان افتراق قضاعة في القبائل كتب إلى يزيد بن عبد الملك يسأله الإذن له في استخراج من كان في القبائل منهم فيجعلهم دعوة منفردة فأذن له يزيد بن عبد الملك في ذلك فأخرج مهرة من [٣١] كندة وأخرج تنوخا من الأزد واخرج آل كعب بن عديّ
стр. 70
التنوخي من قريش وأخرج جهينة من أهل الراية واخرج خسينا (١) من لخم فجعلهم مع سائر قضاعة دعوة مفردة [و] تدوين بشر بن صفوان هذا هو التدوين الرابع لأن الأول تدوين عمرو بن العاص والثاني تدوين عمر بن عبد العزيز بن مروان والثالث تدوين قرة بن شريك والرابع هو هذا ولم يكن بعد هذا في الديوان شيء له ذكر إلا ما كان من إلحاق قيس فيه زمن هشام وأشياء أحدثها المسودة من أرباعهم التي أحدثوها منه
ثم ورد كتاب يزيد بن عبد الملك على بشر بن صفوان بتأميره على إفريقية فخرج إليها في شوال سنة اثنتين ومائة واستخلف أخاه حنظلة بن صفوان على مصر
حنظلة بن صفوان بن تويل بن بشر الكلبي
ثم وليها حنظلة بن صفوان باستخلاف أخيه بشر له عليها فأقرّه يزيد ابن عبد الملك فجعل على شرطه محمد بن مطير البلوي ثم عزله في سنة ثلاث ومائة وجعل على شرطه القاسم بن أبي القاسم بن زر السبائي مولى لهم وخرج حنظلة إلى الإسكندرية في سنة ثلاث ومائة واستخلف على الفسطاط عقبة بن مسلم التجيبي حليف بني ايدعان (٢) بن سعد بن تجيب وكتب يزيد بن عبد الملك في سنة [٣١ ب] أربع ومائة يأمر بكسر الأصنام فكسرت كلها ومحيت التماثيل وكسر فيها صنم حمام زبان
стр. 71
ابن عبد العزيز الذي يقال له حمام أبي مرة وله بقول كريب بن مخلد (١) الجيشاني:
من كان في نفسه للبيض منزلة … فليأت أبيض في حمام زبان
عبل لطيف هضيم الكشح معتدل … على ترائبه في الصدر ثديان
وقد بشر بن صفوان من إفريقية وافدا إلى أمير المؤمنين يزيد في سنة خمس ومائة فلما صار في أرض مصر بلغه أن يزيد قد توفي فرجع إلى إفريقية
وكانت وفاة يزيد بن عبد الملك في شعبان سنة خمس ومائة
وبويع هشام بن عبد الملك فاستقبل بخلافته شهر رمضان ثم صرف حنظلة بن صفوان عنها في شوال سنة خمس ومائة فكانت ولايته ثلاث سنين
محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن
أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
ثم وليها محمد بن عبد الملك من قبل أخيه هشام على صلاتها دخلها يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس ومائة فجعل على شرطه حفص بن الوليد بن يوسف الحضرمي ووقع بمصر وباء شديد فترفع محمد بن عبد الملك إلى الصعيد هاربا من الوباء [٣٢] أياما ثم قدم من الصعيد وخرج عن مصر لم يلها إلا نحوا من شهر
стр. 72
حدثنا أبو بشر الدولابي قال: حدثني معاوية بن صالح الأشعري قال: أخبرني منصور بن أبي مزاحم قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: ولي هشام أخاه محمدا مصر فقال له: أنا أليها على أنك إن أمرتني بخلاف الحق تركتها. فقال: ذلك لك. فوليها شهرا فأتاه كتاب لم يعجبه فرفض العمل وانصرف إلى الأردن وكان منزله بها في قرية يقال لها ريسون فكتب:
أتترك مصر لريسون حسرة ستعلم يوما أي بيعتك أربح قد أدرك هشام مثل هذا. فأجابه محمد: إني لست أشك في أن أربح البيعتين ما صنعت
الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
ابن عبد شمس بن عبد مناف
ثم وليها الحر بن يوسف من قبل هشام على صلاتها دخلها لثلاث خلون من ذي الحجة سنة خمس ومائة فأقر حفص بن الوليد على شرطه وفي إمرة الحر كتب عبيد الله بن الحبحاب صاحب خراجها إلى هشام بأن أرض مصر تحتمل الزيادة فزاد على كل دينار قيراطا فانتقضت كورة تنو (١) وتمي (٢) وقربيط (٣) وطرابية (٤) وعامّة الحوف الشرقيّ فبعث
стр. 73
إليهم الحر بأهل الديوان فحاربوهم فقتل منهم بشر [٣٢ ب] كثير وذلك أول انتقاض القبط (١) بمصر كان انتقاضهم في سنة سبع ومائة ورابط الحر بن يوسف بدمياط ثلاثة أشهر من سنة سبع ومائة واستخلف عليها حفص بن الوليد ثم وفد الحر إلى هشام في شوال سنة سبع ومائة واستخلف على الفسطاط حفص بن الوليد وقدم في ذي القعدة وكتب الحر إلى هشام يعلمه أن النيل قد انكشف عن أرض ليست لمسلم ولا لمعاهد فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن بالبناء فيها فإن الناس مضطرون إليها. فأذن له في بنائها قيسارية فابتدأ في بنائها في رجب سنة سبع ومائة وفرغ منها في سنة ثمان ومائة وهي قيسارية هشام التي عند الجسر. وفي سنة ثمان ومائة تباعد ما بين الحر بن يوسف وعبيد الله بن الحبحاب صاحب الخراج وكتب عبيد الله إلى هشام يشتكي الحر وكتب يستعفي من ولايتها فصرفه هشام في ذي القعدة سنة ثمان ومائة فكانت ولاية الحر عليها ثلاث سنين سواء
حفص بن الوليد بن يوسف بن عبد الله بن الحارث بن جبل
ابن كليب بن عوف بن معاهر (٢) بن عمرو بن زيد بن مالك
ابن زيد بن الحارث بن عمرو بن حجر بن قيس بن كعب بن
سهل بن زيد بن حضرموت
[٣٣] ثم وليها حفص بن الوليد من قبل هشام على صلاتها فجعل
стр. 74
على شرطه … (١)
حدثني ابن قديد عن عبيد الله بن سعيد بن عفير عن أبيه قال:
كان حفص بن الوليد على شرط الحر بن يوسف فشكاه عبيد الله بن الحبحاب إلى هشام فعزل الحر وولاه حفص بن الوليد فكتب عبيد الله إلى هشام: إنك لم تعزل الحر إذ وليت حفصا. فجعل الاختيار إلى عبيد الله فاختار عبد الملك بن رفاعة. قال عبد العزيز بن أبي ميسرة: فصرف حفص يوم الأضحى لم يمكث إلا جمعتين
قال الليث وأبو ربيعة العامري وابن وزير (٢) إن حفصا صرف سلخ ذي الحجة سنة ثمان ومائة
عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت بن ظاعن الثانية
ثم وليها عبد الملك بن رفاعة من قبل هشام على صلاتها وعبيد الله يومئذ بالشام ثم قدم وهو عليل (٣) ليلة الجمعة لثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة تسع ومائة [ومات] (٤) وكان أخوه الوليد يخلفه عليها من أول المحرم. هذا قول ابن أبي ميسرة
الوليد بن رفاعة بن خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي
ثمّ وليها الوليد بن رفاعة من قبل أمير المؤمنين هشام على صلاتها
стр. 75
فاستقبل الوليد بولايته سنة تسع وجعل على شرطه عبد الله [٣٣ ب] ابن أبي سمير الفهمي ثم عزله وولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر بن خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي
وفي ولاية الوليد نقلت قيس إلى مصر في سنة تسع ومائة ولم يكن لها منهم أحد قبل ذلك إلا من كان من فهم وعدوان فوفد ابن الحبحاب على هشام فسأله أن ينقل إليها منهم أبياتا فأذن له هشام في إلحاق ثلاثة آلاف منهم وتحويل ديوانهم إلى مصر على أن لا ينزلهم الفسطاط ففرض (١) لهم ابن الحبحاب وقدم بهم فأنزلهم الحوف الشرقي وفرقهم فيه
فحدثني يحيى عن ابن الوزير عن أبي زيد عن الهيثم بن عدي قال:
حدثني غير واحد أنّ عبيد الله بن الحبحاب لما ولاه هشام مصر قال: ما أرى لقيس فيها حظا إلا لناس من جديلة (٢) وهم فهم وعدوان فكتب إلى هشام: إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قد شرف هذا الحي من قيس ونعشهم ورفع من ذكرهم وإني قدمت مصر فلم أر لهم فيها حظا إلا أبياتا من فهم وفيها كور ليس فيها أحد وليس يضر بأهلها نزولهم معهم ولا يكسر ذلك خراجا وهي بلبيس فإن رأى أمير المؤمنين أن ينزلها هذا الحي من قيس فليفعل. فكتب إليه هشام: أنت وذلك. فبعث إلى البادية فقدم عليه مائة أهل بيت من بني مضر (٣) ومائة اهل بيت من بني