Полный текст (613 стр.). Показаны 596–613 · переход к 601.
стр. 596
وحمله على بغلة وقاد بين يديه اخرى. وان الحسين هذا جرح وهو راكع في صلاة العصر وكان اذا صلّى يصفّ خلفه الحرس بالسيوف حتى يفرغ ويصلّون هم حينئذ
قال المسبّحيّ: وهو اوّل قاض فعل معه ذلك وكان الحاكم قد امر ان يضعّف للحسين ارزاق عمّه وصلاته وإقطاعاته وشرط عليه ان لا يتعرّض من اموال الرعيّة للدرهم فما فوقه وخلع عليه وقلّده سيفا وحمله على بغلة وفوّض اليه الحكم بجميع المملكة وكذلك الخطابة والإمامة بالمساجد الجامعة والنظر عليها وعلى غيرها من المساجد وولاّه مشارفة دار الضرب والدعوة وقراءة المجالس بالعصر وكتابتها وهو اوّل من اضيفت اليه الدعوة من قضاة العبيديّين
وكان الناس يظنّون انه لا يتولّى القضاء لضعف حاله وان الولاية انما هي لعبد العزيز بن محمد ابن عمّه لمّا كان ابوه قدّمه في الحكم في حياته وهذّبه ودرّبه
ثم رفع جماعة من الناس ان لهم ودائع مودوعة في الديوان الحكميّ فاحضر القاضي ابن عمّه عبد العزيز بن محمد بن النعمان وكاتب عمّه ابا طاهر بن السنديّ وسألهما عن ذلك فذكرا ان عمّه تصرّف في ذلك كله على سبيل القرض فانكر عليهما ذلك واشتدّ في المطالبة وولّى استرفاع حسابهم فهد بن ابراهيم النصرانيّ كاتب برجون وفتّش عليهم والزم عبد العزيز ببيع ما خلّفه ابوه فباع الموجود فتحصّل منه سبعة آلاف دينار وزيادة وحصّل الكاتب قدرها مرّتين فاستدعى القاضي وهو جالس بالقصر اصحاب الحقوق فوفّاهم حقوقهم وقرّر في زقاق القناديل موضعا للودائع الحكميّة واقام فيها خمسة من الشهود يضبطون ما يحضر ويصرف وهو اوّل من افرد للمودع الحكميّ مكانا معيّنا وكانت الاموال قبل ذلك تودع عند القضاة او أمنائهم. وباشر الحسين بصرامة ومهابة وهو اوّل من كتب في سجلّه «قاضي القضاة» وابوه اوّل من خوطب بها من قضاة مصر
وتقدّم اليه الحسن المغربيّ في خصومة فزلّ لسانه بشيء خاطب به القاضي فاغضبه فارسل الى والي الشرطة فضربه الف درّة وثمانمائة درّة بحضرة صاحب القاضي وطيف به فمات من يومه وأخرجت جنازته فحضرها اكثر اهل البلد وكرّموا قبره و [اكثروا] الدعاء له وعلى من ظلمه وندم القاضي على ما فعل وفاته الندم
стр. 597
فلمّا كان في رجب سنة ٩٣ اذن الحاكم لعبد العزيز بن محمد ان يسمع الدعوة والبينة مع استمرار الحسين على وظائفه فرتّب عبد العزيز له شهودا يحضرون مجلسه وشرط عليهم ان لا يحضروا مجلس ابن عمّه فبقي الناس في امر [مريج] فمن رفع قصّة الى الحسين رفع غريمه قصّة الى عبد العزيز واذا حضر عبد العزيز الى الجامع تخلو دار الحسين فكثر الكلام في ذلك والخوض فيه فكتب الحاكم بخطّه سجلاّ بانه لم يأذن لغير الحسين ان يشارك الحسين فيما فوّض اليه وامر بان يمنع من يسجّل على غيره في شيء من الاحكام (٤٠ ب) وان من دعا احدا من الخصوم وكان قد سبق الى الحسين ان لا يمكّن احدا منه وقرئ هذا السجلّ على الملإ وانشرح خاطر القاضي بذلك ولم يزل على جلالته حتى افرط في مجاوزة الحدّ في التعاظم والزم الشهود بحضور مجلسه في داره وبالجامع ومن غاب منهم لزمه جعل جيّد يؤخذ منه وكان يتتبّع قراءة ما يسجّل عليه عنده قبل ان يشهد به على نفسه. وكان مع ذلك كثير الإفضال على اهل العلم والادب والثبوت ولهم عليه جرايات من القمح والشعير مشاهرة وغيرها ويصلهم بالملابس وغير ذلك. [واستمرّ] الى ان خرج امر الحاكم بصرفه عن الحكم في شهر رمضان سنة ٩٤ فلم يشعر وهو بداره حتى دخل عليه من اعلمه بان ابن عمّه عبد العزيز ولي القضاء فانكر ذلك الى ان تحقّق فاغلق بابه ولزم بيته واشتدّ خوفه الى ان كان في السادس من المحرّم فامر الحاكم فأحضر على حمار نهارا وامر بحبسه الى اوّل سنة ٩٥ فضربت عنقه هو وابو الطاهر المغازليّ ومؤذّن القصر وأحرقت جثث الثلاثة عند باب الفتوح. وكان ممّا انكره الحاكم قصّة الرجل الذي ضربه والي الشرطة فمات كما تقدّم
وقد ذكر ابراهيم بن الرقيق في تاريخ إفريقيّة قصّة الحسين هذا مع الحاكم فقال ما نصّه: وقتل الحاكم قاضيه حسين بن عليّ بن النعمان فاحرقه بالنار قالوا: وكان من اسباب قتله ان الحاكم كان قد ملأ عينه ويده وشرط عليه العفّة عن اموال الناس فرفع الى الحاكم شخص متظلّم رقعته يذكر فيها ان اباه مات وترك له عشرين الف دينار وانها كانت في ديوان القاضي حسين وكان ينفق عليه منها مدّة معلومة فحضر يطلب من ماله شيئا فاعلمه القاضي ان الذي له نفد فاستدعى الحاكم بالقاضي فدفع
стр. 598
اليه الرقعة فاجابه بما قال للرجل وان الذي خلّفه ابوه استوفاه في نفقته فامر الحاكم باحضار ديوان القاضي في الحال فأحضر ففتّش فيه عن مال الرجل فظهر انه انّما وصل الى القليل منه ووجد اكثره باق فعدّ على القاضي ما رتّبه واجراه عليه واكرامه ايّاه وما شرط عليه من عدم التعرّض لاموال الرعيّة فجزع وهاله وقال: العفو وأتوب.
وانصرف بالرجل فدفع اليه ماله واشهد عليه. فحقد الحاكم عليه ذلك فامر به فحبس ثم أخرج بعد ذلك على حمار نهارا والناس ينظرون الى ان ساروا به الى المنظرة فضربت عنقه وأحرقت جثّته. وكانت مدّة ولايته القضاء خمس سنين وسبعة اشهر واحد عشر يوما
قال المسبّحيّ: لاعن بين رجل سكريّ وامرأته في الجامع العتيق ولم يسبق لذلك. يعني في دولة العبيديّين
قال: واقطع الحاكم القاضي المذكور دارا بالقرب من الخليج الحاكميّ فكان في ايّام النيل يركب [في عشاريّ] الى هذه الدار ويسايره الشهود على دوابّهم في البرّ ثم يركب منها الى القصر ثم يعود اليها ثم يرجع الى سكنه بالدار الحمراء
عبد العزيز بن محمد بن النعمان بن حيّون
عن رفع الاصر ص ٧٣ والتلخيص ص ٥٥
عبد العزيز بن محمد بن النعمان بن محمد بن المنصور بن احمد بن حيّون المغربيّ القيروانيّ الإسماعيليّ من المائة الرابعة ولد في اوّل ربيع الاوّل سنة ٣٥٥ وكانت ولايته القضاء في يوم الخميس السادس عشر من رمضان سنة ٣٩٤ وأضيف اليه النظر في المظالم وخلعت عليه الخلع على العادة وحمل على بغلة وقيدت بين يديه ثنتان وحمل بين يديه سفط ثياب ودخل الى الجامع فحضر في موكب [حافل] وقرئ تقليده على المنبر. وكان اوّل احكامه انه اوقف جميع الشهود الذين قبلهم ابن عمّه الحسين ما عدا شرف بن محمد بن المقري فانه استكتبه في التوقيع والقصص.
وكتب في الإسجال عليه «قاضي القضاة عبد العزيز قاضي عبد الله ووليّه منصور ابي عليّ الإمام الحاكم امير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين على القاهرة
стр. 599
المعزّية ومصر والاسكندريّة والحرمين واجناد الشأم والرحبة والرقّة والمغرب واعمالها وما فتحه الله وما [يصير] فتحه لامير المؤمنين [من بلدان المشرق والمغرب]» واستخلف عبد العزيز في الحكم مالك بن سعيد الفارقيّ وابن ابي العوّام في الفرض. ولازم الشهود الذين لم يقبلهم بابه فارسل اليهم انه: قد كثر تطارحكم عليّ واشتهاؤكم في قبول الشهادة فيلزم كل واحد منكم شغله فمن احتجت الى شهادته منكم انفذت اليه. فانصرفوا عنه فلمّا كان في التاسع عشرين ذي القعدة طلبهم واستحلفهم انهم ما كانوا يسعون في طلب الشهادة عند ابن عمّه ولا رشوه ولا غدوا له فحلفوا على ذلك فقبلهم. واصعد الحاكم عبد العزيز معه على المنبر في الجمع والاعياد على عادة من تقدّمه وامتدّت يده في الاحكام وعلت منزلته وجلس في الجامع وابتدأ في كتاب جدّه اختلاف اصول المذاهب. وفي ولايته فوّض الحاكم اليه النظر على دار العلم التي أنشأها وكان الحاكم بناها و [اتقنها] وجعل فيها من كتب العلوم شيئا كثيرا واباحها للفقهاء وان يجلسوا فيها بحسب اختلاف اغراضهم بين نسخ ومطالعة وقراءة بعد ان فرشت وعلّقت الستور على ابوابها
وتخصّص عبد العزيز هذا بمجالسة الحاكم ومسايرته فاحتاج القاضي [ان يأذن] لولده القاسم الاكبر في الحكم بالجامع فكان يجلس فيه لسماع الاحكام والفصل بين [(تلخيص ٥٥ ب) الخصوم وصار الناس يتردّدون في امورهم منه الى ابيه ومن ابيه اليه وامر ولده الاصغر ان يستكتب الناس ويفصل بينهم في مجلس حكمه بمنزله وفوّض اليه الحاكم ايضا النظر في تركة ابن عمّه حسين بن عليّ بن النعمان بعد قتله فتسلّم جميع ما وجد له وكذا فعل في تركة ابي منصور الحردي (؟) وهو من كبار دولته وقدّمه في الصلاة على جماعة من اوليائهم جرى العادة بانه لا يصلّي عليهم الاّ الخليفة وامره في يوم عاشوراء ان يمنع النساء والناس من المرور في الشوارع وكانت سنّتهم انهم في يوم عاشوراء يخرجون النساء وغيرهنّ للنوح والبكاء على الحسين وينشدون المراثي في الشوارح وتمدّ العامّة ايديهم الى امتعة الباعة فرفعوا ذلك الى الحاكم فامر القاضي بمنعهم من المرور في الشوارع وان يختصّ النوح والنشيد بالصحراء. واتّفق ان بعض الكتاميّين كان عنده [خزّ (؟)] فامتنع من ادائه وكان
стр. 600
عنده شدّة بأس وعجرفة فرفع امره الى القاضي فانفذ اليه رسولا فاهانه فرفع الامر للحاكم فامر باحضار الكتاميّ مسحوبا الى القاضي [ب] مصر ثم أحضر الى القاهرة ماشيا وألزم بالخروج ممّا عليه
وامره الحاكم بالنظر في المساجد وتفقّد اوقافها وجمع الريع وصرفه في وجوهه ففعل ذلك وبالغ فيه وافرد لذلك شاهدين يضبطانه
وزوّج القاضي ولديه بابنتي لقائد فضل بن صالح وكان الإملاك بالقصر على صداق اربعة آلاف دينار انعم الحاكم بها من بيت المال فخلع عليهما ثوبان مثقلان وستّة عشر قطعة من الثياب الملفوفة وحملا على بغلتين مسروجتين وقيد بين يديهما مثل ذلك
وتصلّب القاضي في احكامه وارتفعت كلمته وتقرّر في جميع اهل الدولة وتقدّم الى جميع الشهود ان من يتخلّف عن البكور الى حضور المجلس كل اثنين وخميس ألزم بغرم ثقيل. وسأله خليفته في الحكم مالك بن سعيد ان يستخلف الخليل بن الحسن بن الخليل عنه اذا طرقه امر فمنعه من الركوب او التوجّه الى مجلس الحكم فاذن له ولم يعهد ذلك لغيره ان النائب يستنيب عنه في المدينة]
(٧٣ ب) وذكر المسبّحيّ في تاريخه في حوادث سنة ٣٩٧ ما حاصله: ان عليّ ابن سليمان المنجّم وكان من خواصّ قائد القوّاد الحسين بن جوهر اخبره ان القاضي زار الحسين بن جوهر القائد في داره يوم احد من صيام النصارى وكان عنده ابو الحسن الرسّي (٧٤) والمنجّم ومن يخدمهم فدخل الغلام وقال: ابو يعقوب بن نسطاس الطبيب بالباب. فاذن له فدخل وهم على المائدة فاظهروا السرور به فاحضر له عدّة الوان ثم رفعت المائدة وقدّم الشراب وما يلائمه من الفاكهة والمشروب فاقبلوا على عملهم الى ان سكروا فامّا القاضي فانصرف ونام القائد والرسّيّ واستمرّ ابو يعقوب الطبيب بالطارمة التي كان بناها في ذلك المكان وهي تطلّ على نهر كبير يشرب ويطرب الى ان غلب عليه السكر فخرج وطلب بغلته فقدّم له بغلة الرسّيّ فامتنع من ركوبها فسأله الخدم ان يعود الى مكانه الى ان تحضر بغلته فرجع الى المكان الذي فيه الرسّيّ فناء الى جانبه فقام احد الفرّاشين فرفع الستارة فتفقّدهما فرأى
стр. 601
الرّسيّ ولم ير ابا يعقوب فدخل وتطلّبه فلمح طرف ثوبه في الماء فاستدعى فرّاشا يعرف السباحة فنزل الى النهر فوجده قد التفّت ثيابه على وجهه فغطس في اناء فاعلم الخدم القائد فاستدعى القاضي وانتبه الرسيّ وشقّ عليهم ذلك لعلمهم بمنزلته من الحاكم فسألوني ان أعلم الحاكم بذلك فدخلت اليه فذكرت له ان ابا يعقوب قام في الليل وهو دهش فسقط في النهر فالى ان يصل اليه الفرّاش وجده قد التفّ في ثيابه فغطس فشقّ عليه واظهر الأسف وبحث عن الامر فعرّفوه بصورة الحال وهزّ رأسه ونكس فاذا بالقائد والقاضي والرسّيّ قد وصلوا الى القصر مشاة بعمائم لطاف فاستدعاهم فحلفوا واكّدوا له الأيمان ان كان لهم في شأنه شيء واستشهد القائد والقاضي بالرّسيّ فشهد لهما بالبراءة من ذلك فامر بتكفينه ودفنه وكان ذلك في اواخر سنة ٩٧ فلمّا كان في يوم الخميس النصف من شهر رجب سنة ٩٨ شاع بين الناس ان عبد العزيز القاضي عزل وقرّر خليفته مالك بن سعيد فارتفع النهار ولم ينزل الى مجلس الحكم الى قريب الظهر ثم نزل وحكم وصلّى بالناس الظهر الى ان انصرف بمفرده من غير حاجب ولا حتى دخل داره فلمّا كان آخر النهار طاف جماعة على جميع اولياء الدولة بان يجتمعوا بالقصر بكرة فحضروا فحضر مالك بن سعيد فقلّد جميع ما كان بيد عبد العزيز وكانت مدّة ولاية عبد العزيز ثلاث سنين وتسعة اشهر وثمانية وعشرين يوما
قال المسبّحيّ: عزل عبد العزيز في ايّام نظره في المظالم ثلاثة عشر نفسا وفي ايّام قضائه نفسين واستمرّ عبد العزيز بعد عزله يتردّد الى القصر خائفا يترقّب القتل الى ان كان الحادي عشر من جمادى الآخرة سنة ٩٩ ركب القائد حسين بن جوهر والقاضي على عادتهما فسلّما وانصرفا فأرسل اليهما فحضر عبد العزيز اوّلا فاعتقل ورجع خادمه ببغلته واختفى القائد وولده فكسر بابه وحرّض الحاكم على تحصيله فتعذّر عليه فامر باطلاق عبد العزيز فرجع الى منزله وقد اقاموا عليه العزاء فسكّنهم وكان (٧٤ ب) الباعة قد اغلقوا حوانيتهم فامرهم بفتحها ثم بعد ثلاثة ايّام حضر القائد بالأمان فخلع عليه وعلى عبد العزيز خلعا سنيّة وحملت قدّامهم ثياب كثيرة وحملا على فرسين وقيدت بين يديهما خيول واعاد الحاكم النظر في المظالم الى القاضي
стр. 602
عبد العزيز وقرئ سجلّه وخلع عليه خلعا مقطوعة وطيلسانا وحمل على بغلة وبين يديه اخرى وحمل بين يديه سفط ثياب. فاستمرّ الى تاسع عشر صفر سنة ٤٠٠ ثم قبض على إقطاعه وضرب على باب داره لوح باسم الديوان
وفي اواخر رمضان اعرس ولدا القاضي بابنتي القائد الذي تقدّم عقدهما عليه
فلمّا كان آخر المحرّم سنة ٤٠١ استشعر القاضي والقائد من الحاكم الغدر بهما فلما كان في التاسع من صفر هرب القاضي وقائد القوّاد حسين بن جوهر واتباعهما وصحبتهما جماعة ومعهما من الاموال شيء كثير وتوجّهوا على طريق دجوة [دجوى؟] فلمّا بلغ الحاكم ذلك ختم على دورهما وامر مالك بن سعيد الفارقيّ بالركوب الى دار القاضي وحسين وضبط ما فيهما وحمله فلم يزل القاضي والقائد مستترين الى السادس من المحرّم سنة ٤٠١ فظهرا فكتب لهما الأمان من الحاكم وخلع عليهما فلا زالا [في] الخدمة الى ان كان يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة منها حضرا للخدمة وانصرفا فارسل اليهما في الحال فرجعا فقتل كلاّ منهما جماعة من الاتراك في الدهليز وختم في الحال على دورهما وذهب دمهما هدرا. واحيط على دورهما في الوقت وقبض على كثير من اتباعهما وصودروا
وكان عبد العزيز عالما بالفقه على مذهب الإماميّة كآل بيته ولا سيّما جدّه وقد نسب اليه الشيخ عماد الدين بن كثير الكتاب المسمّى البلاغ الاكبر والناموس الاعظم في اصول الدين ووهم في ذلك وانما هو تصنيف [عمّه] عليّ ووالده النعمان.
قال ابن كثير: وقد ردّ على هذا الكتاب القاضي ابو بكر بن الباقلانيّ
قال ابن كثير: وفيه من الكفر ما يضلّ ابليس الى مثله كذا قال
مالك بن سعيد الفارقيّ
عن رفع الاصر ٩٥ والتلخيص ص ٧٥
مالك بن سعيد بن مالك الفارقيّ يكنى ابا الحسن ولد سنة [بياض بالاصل] واستقرّ في القضاء من قبل الحاكم العبيديّ بعد عزل عبد العزيز بن محمد بن النعمان في يوم الجمعة سادس عشر شهر رجب سنة ٣٩٨ وقرئ سجلّه بالقصر وهو قائم
стр. 603
على رجليه وقد ساقه المسبّحيّ بطوله قال: وكان القاضي كلّما مرّ ذكر الحاكم في السجلّ قبّل الارض فلمّا فرغ خلع عليه قميص مصمت وغلالة مذهّب وعمامة مذهّب وطيلسان مذهّب وقلّد بسيف [وأخرج] بين يديه تحفة ثياب وقدّمت له بغلة مسرّجة وسيقت بين يديه بغلتان كذلك فتوجّه ومعه الناس الى المسجد الجامع بمصر ولم يتأخّر عنه احد من وجوه البلد وقرئ سجلّه بالجامع أيضا وهو قائم وكلّما مرّ ذكر الحاكم قبّل الارض واستخلف عنه حينئذ في الحكم بالقاهرة ابا القاسم حمزة بن عليّ بن يعقوب الغلبونيّ وخلع عليه وهو اوّل من فعل ذلك من القضاة لان الخلع لم تكن الاّ من قبل الخليفة او الامير. ثم لم يكتب الغلبونيّ المذكور الاّ يسيرا حتى وشوا به الى مالك فابعده [فخرج] و [استتر] الى ان ظفر به فقتل كما تقدّم في ترجمته واقام بعده الحسين ابن اغلب الفقيه وكان يفصل المحاكمات في دار مالك ويتكلّم فيما يتعلّق بالشهود.
وكان مالك هذا ينظر في الحكم عوضا عن عبد العزيز بن عليّ بن النّعمان كما تقدّم في ترجمته لاشتغال عبد العزيز بخدمة الحاكم وملازمته حتى انه استأذن الحاكم ان يستخلف بابنه مالك نائبا عنه اذا اشتغل عن الركوب الى مجلس الحكم فأذن فاستناب ابا الحسن الخليل بن الحسن بن الخليل فاذن له ان يحكم عنه ولم يعهد قبله الى نائب النائب يحكم مع وجود مستنيبه وامّا مع غيبته فوقع كثيرا. وسئل ان يولّي ابا العبّاس بن ابي العوّام فامتنع ورجع الى داره وازدحم الناس على بابه. ومنع اصحاب الشرطة من التكلّم في الاحكام الشرعيّة. ثم اضاف اليه الحاكم النظر في المظالم في رجب سنة ٤٠١ وخلع عليه نظير خلعة القضاء وقرئ سجلّه في القصر بحضرة الأمراء وغيرهم وتوجّه الى الجامع العتيق ومعه الشهود وقرئ سجلّه بذلك فجلس للحكم ونظر في القصص وصلّى الظهر والعصر. وعيّن ثلاثة من الشهود لمجلسه وقال: الشهود عندي على ثلاثة اقسام فرقة اعرفهم فلا اسأل عنهم وفرقة لا يستحقّون ذلك فلا كلام فيهم وفرقة لا اعرفهم فقد وكّلت امرهم اليك. قالوا:
وكان في نفس الثلاثة من جماعة الشهود إحن فتكلموا فيهم (٩٥ ب) فوقف شهادتهم فتضرّروا من ذلك فقبل شهادة بعضهم من قبل نفسه ثم بحث عن امر الباقين الى ان تحقّق انهم [ما] وقفوا بالغرض الفاسد فقبلهم. وشكى اليه القاضي قبله
стр. 604
فاحضره الى داره فادّعي عليه والتمس يمينه وتسامع الناس بذلك فحضر جمع كثير ممّن في قلبه غيظ على القاضي المعزول فادّعوا عليه بدعاوي كثيرة انكرها كلها فاستحلفوه فحلّفه مالك بن سعيد ولم يغلظ عليه الأيمان الاّ انه قال له: قل: والله الذي لا اله الاّ هو اني بريء من دعواهم براءة صحيحة. فحلف وانصرف. ثم طلبه بعض الخصوم فارسل اليه مالك بن سعيد ليحضر فامتنع فالحّ عليه ثم تشفّع عنده ابو العبّاس بن ابي العوّام الى ان استحلفه بعد تمنع كثير على الفروض كعادته
وعلت منزلة القاضي عند الحاكم حتى صار يحضر مائدته ويأكل معه واجلسه فوق القاضي المعزول واصعده المنبر معه في الاعياد على عادة من تقدّمه. واقطع الحاكم مالك بن سعيد دارا عظيمة بجميع ما فيها مخلّفة عن مفلح اللحيانيّ فوجد فيها شيئا كثيرا من الامتعة وغيرها
وكان لمالك مكارم فيقال ان شيخا قصده فذكر انه ولد له مولود وانه قصير اليد عن قوت يومه فامره بالجلوس حتى [تفضّض] المجلس فقال له: ما سمعت ولدك.
قال: والله ما رأيته الى الآن. فدفع له عشرين دينارا وقال: هي له في كل سنة فتعال في مثل هذا الشهر فاقبضها. وكان متصدّق بالرباعيّات من الذهب وكان اذا حضر مجلسا احتفّ به الفقراء والمحتاجون فلا ينصرف عنه احد الاّ وهو راض. ولمّا كثر إفضاله واشتهر برّه قصده اصحاب الاخبار من جهة الحاكم فكان يحسن لهم اذا انتصحوا له حتى ان بعضهم كان يواطئ بعض الناس على ان مهما حصل له من القاضي شاطره فيه ثم يتحيّل حتى يحصل له من القاضي ما يملأ يده فواطأ رجلا يوما له هيئة فامره ان يقعد في دار القاضي مقابله ولا يغضّ طرفه عنه لحظة ثم كتب ورقة ودسّها الى ان وصلت للقاضي فاذا فيها: ان بمجلسك رجلا من ذوي البيوت [اقعده] الزمان ولا يحسن السؤال وصفته كذا. فنظر القاضي فرأى الرجل وهيئته فاستدعاه وامر له بمال جزيل فخرج به فشاطره بالذي عمله فيه
ولمّا وفد الاشراف من مكّة والمدينة الى الحاكم كان المخاطب لهم والمتولّي لامورهم والسفير لهم عند الحاكم القاضي الى ان اطلق لهم الجوائز والصلات على يديه.
ثم علا قدر مالك بن سعيد عند الحاكم وعظم شأنه حتى صار اليه امر الصلات
стр. 605
والاقطاعات والسجلاّت في جميع البلد يخرج كل ذلك على يديه ونظر ايضا في المكاتبات الواردة من العمّال بالنواحي وفي مراسلات الدعاة وهو الذي يطالع الحاكم بجميع ذلك ويتلقّى أجرتهم
ومن احكامه ان امرأة تظلّمت اليه من رجل شريف زعمت انه تزوّجها ثم طلّقها فاحضره الى مجلسه فانكر ذلك فدفع له ثلاثين دينارا وقال: خالعها بها (٩٦) فخالعها بعشرين واخذ لنفسه عشرة بإذن القاضي
وتظلّمت امرأة الى الحاكم يقال لها الزرقاء بسبب ظلامة في دار زعمت انها ملكها وزعم من يخاصمها انها حبس وكثر تردادها للقاضي ولم يقض لها بشيء فاصلح بينهما وبذل من ماله عشرين دينارا
قال المسبّحيّ: وفي شعبان سنة ٣٩٨ اقطع الحاكم مالك بن سعيد برنشت والمحرّقة وغيرهما
ورفع [متظلّم] اليه على قائد القوّاد حسين بن جوهر فراسله في ذلك فحضر في محفة لمرض كان به فادّعى عليه انه يستحقّ عليه خاتما كان العزيز وهبه له بانه اغتصبه منه فبذل القاضي له عوضا عن الخاتم ثلاثمائة دينار عن ابن جوهر فابى الاّ ان يستحلف الحسين فحلّفه له فحلف
ثم استخلف مالك بن سعيد على الاحكام الحسين بن اغلب العلويّ الفقيه وامره ان يجلس في داره للنظر بين المتخاصمين وللنظر في امر شهود القاضي
وفي ذي القعدة سنة ٤٠٤ حبس الحاكم عدّة املاك ما بين قياسر ورباع على جهات عيّنها واشهد مالك بن سعيد على نفسه بذلك واسقط من السجلّ ذكر المظالم فاستشعر انه صرفه عنها ثمّ اعاد اليه النظر في المظالم في سابع عشر المحرّم سنة ٥ وخلع عليه بسبب ذلك
وفي هذه السنة منع النساء الحاكم الخروج من دورهنّ ومنع الاساكفة من عمل الخفاف لهنّ فاتّفق ان القاضي مرّ على دار امرأة فناشدته ان يقف لها ويسمع كلامها فوقف فبكت بكاء شديدا الى ان رقّ لها وحلفت له ان لها اخا وانه في السياق وانها تريد ان تراه قبل ان يموت فامر بعض رجالته بان يمضي معها الى دار
стр. 606
اخيها فاغلقت بابها واعطت مفتاحها لجاريتها وذهبت مع الرجالة الى دار طرقتها ففتح لها فدخلت واستمرّت مقيمة فيها فكشف عن امرها فاذا هو منزل رجل كانت تهواه ويهواها فأخبر مالك بذلك فتعجّب من فطنتها حتى توصّلت الى مرادها واذا بزوجها قد جاء الى القاضي وقال: ما اعرف زوجتي الاّ منك. وحلف انها ليس لها اخ وانما ذهبت الى عشيقها فسقط في يده وخاف ان يبلغ الخبر الحاكم فيكون سبب غضبه عليه فركب في الحال الى الحاكم وقصّ عليه القصة وبكى فامر الحاكم باحضار المرأة والرجل فمضى الاعوان اليهما بغتة فوجدهما نائمين متعانقين لا يعقلان من السكر فحملوهما الى الحاكم فامر باحراق المرأة في بارية (؟) وضرب الرجل بالسياط ضربا مبرّحا. وزاد في الاحتياط على النساء والتحجير عليهنّ
وعلت منزلة مالك عند الحاكم حتى كان لا يتركه يقيم في داره فامر ان تكون ركوبة مسرجة ملجمة ليسارع في التوجّه اليه. ومع هذا القرب والاختصاص فكان ليّن الجانب سهل الحجاب كثير الفضل باذلا لماله ولجاهه
فحكى عليّ بن سعيد في تاريخه ان رجلا سرق قنديلا من فضّة من الجامع العتيق فرفع للقاضي فرفعه للحاكم (٩٦ ب) فقال له: ويلك سرقت فضّة الجامع.
فقال: انما سرقت مال ربّي واني فقير ولي بنات جياع والانفاق عليهنّ افضل من تعليق هذا في الجامع. فدمعت عيناه ورقّقه القاضي عليه فامره باحضار بناته فحضرن فامر القاضي ان يجهزن بثلاثة آلاف دينار ويزوّجن واعاد القنديل الى الجامع
فكثر من سعى عنده بما لا حقّ فيه ليتوصّل الى غرامة عن خصمه وكان يسكن دار مسمول [شمول (؟)] الإخشيديّ ثم اشتراها من بيت [بنت (؟)] الوزير يعقوب بن كلّس فزاد في ابنيتها وترخيهما وانشأ فيها مكانا سمّاه الحوريق [الخورنق (؟)]. وتقدّم الى الوكلاء بباب الحكم ان لا يتوكّل احد منهم في شيء يتعلّق بالاحكام لاحد من [اهل] الذمّة ولا يركب الى احد منهم شاهد ليحمل شهادته. واجتمع قوم من السفهاء رعاع الناس فشغبوا على الشهود بالإساءة حتى حصل للشهود بذلك شدّة فاجتمعوا الى القاضي وتظلّموا منهم فبلغ الامر الحاكم واعلمه ان هذا يفضي الى تعطّل امور الرعيّة فامر بكتابة سجل باكرام الشهود وان لا يتعرّض احد اليهم بأذى
стр. 607
ولم يزل مالك يعلو الى ان تسلّط عليه فقير*لحف حرير (كذا) كان يصحب ابن ابي العوّام فدسّ الى الحاكم ان القاضي يركب الى قصر اخت الحاكم ويخلو بها وكان بلغ الحاكم عنها شيء من هذا لكنه مع غير القاضي فحقد على القاضي وظنّ صحّة ما قيل. وكان القاضي يدخل كل يوم الى دهليز قصرها ليقرأ عليه فيه بعض خدمها فجاء يوما فقال له الحاكم: من اين جئت. قال: من داري. قال: لا بل من قصر إمامتك. فقال: لا اعرف لي إماما غيرك. فأرجف قلبه ورجع ثم لم يظهر له شيئا الى ان خرج يوما الى بركة الجبّ فتلاحق به الناس ومالك منهم فلما سلّم على الحاكم اعرض عنه فعدّل به بعض الاعوان فقتله في يوم السبت سادس عشرين ربيع الآخر سنة ٤٠٥
قال: وفي يوم السبت لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٤٠٥ ضربت عنق مالك بن سعيد الفارقيّ القاضي فكان مدّة ولايته ستّ سنين وتسعة اشهر واحد عشر يوما وكان قد حكم نيابة عن بني النعمان ثلاثة عشر عاما فاكمل في الحكم عشرين عاما متوالية
وادنى الحاكم ولده الكبير واذن له ان يركب في موكبه وتلطّف بولده الصغير ومنع من التعرّض لشيء من تركة ابيه
وكان مالك فصيحا بليغا كثير الحلم والتأني وقورا يقال انه لم يواجه احدا قطّ بما يكره ولا صاح على خصم ولا انتهر سائلا ولا رمى احدا بسوء ولا قبيح
وبقيت مصر بعده بغير قاض ثلاثة اشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان يتوسّط بين الناس في هذه المدّة يعقوب بن اسحاق وابو منصور المحتسب الملقّب ابا هراة الى ان قرّر ابو العبّاس احمد بن محمد بن ابي العوّام
حمزة بن عليّ الغلبونيّ
عن رفع الاصر ص ٤٢ والتلخيص ص ٣٤ ب
حمزة بن عليّ بن يعقوب الغلبونيّ استخلفه مالك بن سعيد الفارقيّ على الحكم في رجب سنة ٩٨ لكثرة اشتغال مالك بملازمة الحاكم وفوّض اليه جميع الامور
стр. 608
وخلع عليه من منزله وهو اوّل من فعل ذلك من القضاة وانما كانت الخلع من منزل الخليفة او السلطان. وكثر اجتماع الناس عنده وتردّدهم لقضاياهم عند مالك واستكثر حمزة من سؤال مالك في الامور الى ان اضجره فرفع اليه جماعة عنه امورا انكرها وبالغوا في ذلك الى ان منعه من حضور المجلس فانقطع مدّة ثم حضر فانتهره فخرج فاستتر. فكتبوا فيه محضرا اشتمل على عظائم واطلقوا القول فيه فرضي مالك بابعاده ولم يزجر من وقّع فيه وكانت صورة المحضر بعد البسملة: هذا ما شهد به من يسمّى في هذا الكتاب انهم يعرفون حمزة بن عليّ بن يعقوب الغلبونيّ الورّاق معرفة صحيحة لشخصه ونسبه ويشهدون انهم انكشف لهم من حاله من قلّة الأمانة وظهور الخيانة ورقّة الدين واغتصاب مال المسلمين والارتشاء على الحكم الى غير ذلك من القبائح. وصحّ عندهم ان في بعده من باب الحكم طهارة له وصلاحا للمسلمين وصونا لحرمهم واموالهم. هذا مع مخالفته لمذهب الإمام وتظاهره بخلافه. وان قاضي القضاة كان اذا بلغه شيء من ذلك يزجره ويحذّره فيظهر الرجوع ثم يعود حتى صار يختلي بالمرجفين ويسعى في الامور العظيمة والاحوال الجسيمة التي لا يكاد ينطق بها اللسان. فثبت انه غير موضع للقضاء ولا لقبول الشهادة يعلمون ذلك ويشهدون به سؤال من جاز سؤالهم ان يثبت شهادتهم بما علموه منه. واجابوا الى ذلك وكتبوا خطوطهم على علم منهم وذلك في ذي الحجّة سنة ٣٩٨. ثم زادوا في الخطّ عليه فتغيّب فقيل لهم انه اختفى عند ابي القاسم بن المغربيّ الوزير ليشفع فيه فلم يعرف بذلك. ثم وجد اخوه فقبض عليه وأهين ثم هرب فلم يزل هو واخوه مستترين حتى (٤٢ ب) ظفر بهما فاعتقلا في المحرّم سنة ٣٩٩ واضيف اليهم رجل من ولد حسين بن النعمان ثم اخرجوا في التاسع من صفر من السنة الى ناحية المقياس فجعلوا في مركب ثم [وردت] رءوسهم من ناحية الصعيد عن قريب
стр. 609
احمد بن محمد بن ابي العوّام
عن رفع الاصر ص ١٩ ب والتلخيص ٢٢ ب
أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن احمد بن عليّ [يحيى] بن الحارث بن ابي العوّام السعديّ الفقيه الحنبليّ ابو العبّاس من المائة الخامسة ولي القضاء بمصر في جمادى الآخرة وقيل في شعبان سنة ٤٠٥ وهو الصحيح وكان ذلك في يوم السبت لعشرين منه بعد قتل مالك بن سعيد الفارقيّ القاضي بشهرين او ثلاثة فان قتله كان في ربيع الآخر وبقيت مصر بغير قاض هذه المدّة وكان يتوسّط فيها بين الناس ابو يوسف يعقوب بن اسحاق وابو منصور المحتسب. وكان من تطلّع الى القضاء جماعة لكنهم في فزع ممّا جرى منهم يعقوب بن اسحاق وسليمان بن رستم وسليمان بن النعمان واخوه القاسم ومن يجري مجراهم وصاروا يلازمون موكب [الحاكم] بخلاف ابي العبّاس المذكور فانه لزم داره وكان ينظر في الفروض ويشهد ولكنّه لم يسأل الحاكم قطّ ان يكون في جملة من يدخل عليه ولا تعرّف به. وكان قد قدم مصر رجل مكفوف يقال له ابو الفضل جعفر من اهل العلم بالنحو واللغة والغريب قدم على الحاكم فأعجب به وخلع عليه واقطعه إقطاعا ولقّبه عالم العلماء وجعله يجلس في دار العلم التي انشأها لتدرس الناس اللغة والنحو فخلا به الحاكم فجعل يسأله عن الناس واحدا واحدا من يصلح منهم للقضاء وكان الحاكم عارفا بهم وانّما اراد ان ينظر مبلغ علمه فلم يزل يذكر حتى وقع الاختيار على ابي العبّاس. فقيل للحاكم:
ليس هو على مذهبك ولا على مذهب من سلف من آبائك. فقال: هو ثقة مأمون مصريّ عارف بالقضاء وباهل البلد وما في المصريّين من يصلح لهذا الامر غيره.
ولم يزل ابو الفضل حتى احكم له الامر مع الحاكم فامر بكتب سجلّه
وشرط عليه فيه انه اذا جلس في مجلس الحكم يكون معه اربعة من فقهاء الحاكم لئلاّ يقع الحكم بغير ما يذهب اليه الخليفة (٢٠) فقرئ عهده بذلك ووصف فيه اجمل صفة فزكّي فيه احسن تزكية وخلع عليه وحمل على [م] ركب حسن وكانت الخلعة غلالة وقميص دبيقيّ معلم مذهّب وثوب مصمت وعمامة
стр. 610
شرب كبيرة مذهّبة وطيلسان مذهّب وقرئ سجلّه بالقصر وهو قائم على رجليه بحضرة شيوخ الدولة وكان بمركبه بغلة مسرجة بلجام فضّيّ مذهّب وقيدت بين يديه بغلة اخرى مسرجة ملجمة وسار بين يديه الشهود والأمناء وقرئ سجلّه بجامع مصر على المنبر. وساق المسبّحيّ في تاريخه السجلّ بطوله
واضيف اليه في احكام مصر برقة وصقليّة والشأم والحرمين ما عدا فلسطين فان الحاكم كان ولاّها ابا طالب ابن بنت الزيديّ الحسينيّ فلم يجعل لابن ابي العوّام عليه امرا وكان ابو طالب ترفّع عن قضاء مصر الاّ انه كان يهاب الحاكم.
وجعل لابي العبّاس النظر في المعيار ودار الضرب والصلاة والمواريث والمساجد والجوامع فباشر ابو العبّاس ذلك وهو يترقّب القتل وكان يمكنه ان يستتر الاّ ان حبّ الرئاسة غلب عليه. وكان يركب ايّام الجمع مع الحاكم ويطلع عليه يوم السبت يعرّفه ما جرى من امر القضاة والشهود والأمناء بالبلاد وما يتعلّق بالحكم ويجلس يوم الاحد والخميس بمصر ويوم الاثنين والثلثاء بالجامع الازهر ويوم الاربعاء لراحته فكان ينقطع في دار له بالقرافة يتعبّد فيها الى المغرب ويخلو بمن يريد من الشهود وغيرهم. ذكر ذلك كله إسماعيل بن عليّ بن إسماعيل بن موسى الحبيبيّ في كتابه اخبار قضاة مصر وذكر انه خلع عليه يوم العشرين من شعبان وقرئ سجلّه بالقصر وبجامع مصر ولم يزل على وظيفة القضاء الى ان مات لعشرين ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ١٨ وكانت مدّة ولايته اثنتي عشرة سنة وسبعة اشهر وكان مولده بمصر سنة ٤٩ وشهد عند محمد بن النعمان سنة ٨٤ وخلف الحسين بن النعمان وكان من اهل الصيانة من صباه ولمّا مات صلّى عليه الظاهر بن الحاكم واخرج ترابا من كمّه فامر ان يوضع في قبره تحت خدّه ذكر ذلك ابن ميسّر في تاريخه
وذكر إسماعيل المذكور عن ابي حفص الادميّ الفرائضيّ ان ابن ابي العوّام دخل على ابي الطاهر الذهليّ القاضي هو وابو يوسف يعقوب بن اسحاق فقال الحكيميّ الورّاق و [كان] من اهل العلم وله تقدّم في معرفة الشروط: يا با حفص ترى هذين فانهما لا بدّ ان يصيرا رئيسي بمصر. فما مضت الايّام والليالي حتى ولي ابو العبّاس القضاء وابو يوسف المشيخة
стр. 611
ولابي العبّاس رواية عن ابيه عن جدّه وروى ايضا عن ابي بكر محمد بن جعفر بن اعين وابي بشر الدولابيّ وابي جعفر الطحاويّ وابراهيم بن احمد بن سهل الترمذيّ ومحمد بن الحسين البخاريّ صاحب حرمت (كذا) ابن ابي الورقاء وأسامة ابن احمد بن اسامة والقاسم بن جعفر بن محمد البصريّ ومحمد بن محمد بن الاشعث (٢٠ ب) واحمد بن عليّ بن شعيب [المدائنيّ] وغيرهم وله مصنّف حافل في مناقب ابي حنيفة واصحابه. روى عنه القضاعيّ الكتاب المذكور وحدّث به السلفيّ عن الرازيّ عن القضاعيّ
ومن الحوادث التي وقعت لابن ابي العوّام ان حمزة اللبّاد الزوزنيّ الملحد الذي ادّعى ان روح الاله حلّت في الحاكم ركب في جمع من اصحابه الى ان دخل الجامع العتيق معلنين بكفرهم فتقدّم منهم ثلاثة الى [محضرة] القاضي فناول احدهم القاضي رقعة يأمره فيها الزوزنيّ بالدعاء الى مقالته وكان الزوزنيّ استعجل امره حتى كان يساير الحاكم اذا ركب ويخلو به فقال له القاضي: حتى ادخل الى مولانا واسمع كلامه. فلم يقنع منه بالجواب واطال معه الكلام في ذلك فثار العامّة بالرجل فقتلوه ثم قتلوا رفيقه وتتّبعوا من كان على مقالتهم فقتلوهم في الطرقات.
فبلغ ذلك الحاكم فشقّ عليه وامر بتحريق مصر وكان في ذلك ما اشتهر
وكان ابن ابي العوّام اوّل من نقل دواوين الحكم الى الجامع وكانت قبله تكون عند القاضي ثم تنقل اذا مات او عزل الى دار الذي يلي بعده. فاتّخذ ابن ابي العوّام مقرّها في بيت المال بالجامع وكان على من يكون قاضيا اذ ذاك في شهر رمضان ان يصعد المنبر يوم الجمعة ويصلح مظلته ويكبّر خلف الخليفة او وليّ عهده وهو اذ ذاك [عبد الرحيم بن الياس] واقطع الحاكم هذا القاضي تلبانة وهي ضيعة معروفة بمصر وكتب له بذلك سجلاّ
وفي سنة ٤٠٩ جلس ابن ابي العوّام وقد امر باحضار الشهود وكانوا الفا وخمسمائة فاسقط منهم في يوم واحد اربعمائة فتظلّموا للحاكم فقال: الذي عدّلكم هو الذي اسقطكم
وفي صفر سنة ٤١٠ [بياض بالاصل] ولما ولي الظاهر بن الحاكم اقرّ ابا العبّاس على القضاء
стр. 612
قاسم بن عبد العزيز بن محمد بن النعمان
عن رفع الاصر ص ٩٣ والتلخيص ص ٧٣ ب
قاسم بن عبد العزيز بن محمد بن النعمان المغربيّ الاصل إماميّ من المائة الخامسة يكنى ابا محمد ولي بعد ابن ابي العوّام في يوم الاحد رابع جمادى الاولى سنة ١٨ وقرئ سجلّه بالقصر ولقّب قاضي القضاة ثقة الدولة أمين الأئمة شرف الأحكام جلال الإسلام فباشرها الى ان عزل في رجب سنة ١٩ وكانت مدّته سنة وشهرين وايّاما هذه الولاية الاولى واستقرّ عوضه عبد الحاكم بن سعيد بن مالك الفارقيّ ثم أعيد قاسم في السادس من ذي القعدة سنة ٤٢٧ فاستمرّ الى ان عزل في يوم الاثنين ثاني المحرّم سنة ٤٤١ واستقرّ مكانه الحسن بن عليّ اليازوريّ وكانت مدّة ولايته هذه الثانية ثلاث عشرة سنة وشهرا واحدا وتسعة ايّام ونظر في الاحكام والمظالم والدعوة واستخلف في هذه الولاية القضاعيّ فناب عنه
ولم يكن قاسم محمود السيرة وقد تقدّم ذكر الابيات التي هجي بها هو وعبد الحاكم الفارقيّ
عبد الحاكم بن سعيد الفارقيّ
عن رفع الاصر (٢١٤٩) ص ٦٠ والتلخيص ص ٤٧
عبد الحاكم بن سعيد بن مالك الفارقيّ اخو مالك بن سعيد اوّل ما ولي القضاء عوضا عن قاسم بن عبد العزيز في سابع عشر من شهر رجب سنة ٤١٩ واضيفت اليه الاحباس واشتدّت يده في الاحكام في تحصّل الاموال وصار دخله في السنة زيادة على عشرين الف دينار
قال ابن ميسّر: ومات في ولايته رجل يقال له الزيلعيّ وترك مالا جزيلا ولم يخلف سوى بنتا واحدة فورّثوها جميع المال على قاعدة مذهبهم فتطاول الناس لتزويجها لاجل كثرة مالها ومن جملتهم عبد الحاكم فامتنعت [فحنق] منها واقام اربعة شهود بانها سفيهة واحتوى على مالها فهربت منه وطرحت نفسها على الوزير ابي
стр. 613
القاسم الجرجرائيّ وعرّفته ما اعتمد معها القاضي فعمل لها محضرا يرشّدها واستكتب لها جماعة منهم ابن اخت القاضي ابو الحسين بن مالك بن سعيد فامر الوزير باحضار القاضي فأحضر مهانا ووكّل به من استفاد منه المال وذلك بعد ان كان تصرّف فيه قبل باربع سنين ثم قبض الوزير على الشهود الذين شهدوا بسفهها فاودعهم السجن وخلع على من شهد لها بالرشد والزم القاضي بتسليمها مالها ووكّل به عنده في داره فصار يزن في كل يوم شيئا وولده ينوب عنه في الاحكام الى ان صرف في سنة ٤٢٧ فكانت ولايته ثماني سنين ولزم بيته وتأخّرت وفاته الى العشرين من صفر سنة ٤٣٥ ودفن في داره
وانشد بعض الناس فيه وفي قاسم بن عبد العزيز الذي كان قبله:
ولمّا تولّى ابن عبد العزيز … قضاء القضاة تولّى القضا
واعقب من بعده الفارقي … فادبر اقباله وانقضى
وساط (؟) دعائم دين الاله … واوقد في الارض جمر الغضا
وعاد القضاء الى قاسم … فاصبح عن رشده معرضا
فلا ذا بسيرته يرتضى … ولا ذا بتدبيره يستضا
فهذا رئيس به لوثه … وهذا وضيع بعيد الرضا
فلا بارك الله فيمن اتى … ولا بارك الله فيمن مضى