Полный текст (613 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
هناك في الرواية (؟) كان صاحب رشوة في قضائه ولم يكن عندهم بالمحمود وارّخ وفاته في شعبان كما تقدّم ومن شيوخه مقدام بن داود الرعينيّ. وقد ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق مختصرا جدّا فقال: محمد بن بدر بن عبد العزيز المصريّ سكن دمشق مدّة وحدّث بها وبمصر عن عليّ بن عبد العزيز ثم رجع الى مصر وولي القضاء بها ومات بها كتب عنه ابو الحسين الرازيّ والد تمّام وذكره في شيوخه. ثم نقل وفاته عن ابي سعيد بن يونس فقال: مات محمد بن بدر في يوم الاثنين لستّ وعشرين ليلة خلت من شعبان سنة ٣٣٠ كتبت عنه
واتّفق في ولاية محمد بن بدر الاخيرة ان الإخشيد انشأ قيسارية البز في سوق الحمّام واراد ان يبني السقيفة [فتقبل] محمد بن عبد الله الحاربي قطعة من حبس السريّ بن الحكم في الموضع المعروف بالمدينة المقابل لقيساريّة الإخشيد وامضى محمد بن بدر واسجل من يشهد فيه يوم موته وكان ذلك آخر ما حكم فيه ومات في عشيّ ذلك اليوم. ولما اعتلّ وقرب شهر رمضان خوطب لركوب لرؤية الهلال فقال:
ان وجدت خفّة ركبت والاّ فاركبوا مع ابني احمد. وكان اذ ذاك صغيرا [ضعيفا].
فمات محمد بن بدر لثلاث بقين من شعبان وكان سنّه حين مات ستّا وستّين سنة ولم تكمل ولايته الاخيرة شهرا بل تنقص قدر شهر
الحسين بن ابي زرعة محمد
عن رفع الاصر ص ٤١ والتلخيص ص ٣٤
الحسين بن ابي زرعة محمد بن عثمان الدمشقيّ شافعيّ المذهب من المائة الرابعة ولد سنة ٢٨٥ بمصر في ولاية ابيه عليها وولي القضاء بها من قبل محمد بن عبد الملك ابن ابي الشوارب وذلك في شوّال سنة ٣٢٤ فركب بالسواد الى الجامع وبين يديه اصحاب الشرطة فباشر مباشرة جيّدة وكان عارفا بالاحكام منفّذا وكان مترفا ويتوسوس في الوضوء وكان واسع النفس يقال ان تفقته على مائدته في كل شهر اربعمائة دينار. وجمع له قضاء مصر والاسكندريّة والشأم وحمص وفلسطين والرملة وطبريّة واعمال ذلك وكثر نوّابه بسبب ذلك ونظر في المواريث والاحباس ودار
стр. 562
الضرب واستناب ابا بكر بن الحدّاد فقيه الديار المصرية وكان يخلفه في الحكم وكان هو يجلس في الجامع كل سبت وكان مفضالا سخيّا يقال انه بلغه ان ابن الحدّاد بنى دارا فارسل اليه ثلاثمائة دينار وقال: اشتر بهذه سنّورا. ودخل عليه مرّة وفي يد القاضي قطعة عنبر فناولها له فشمّها ثم ردّها فانكر عليه وقال: سبحان الله.
وابى ان يستردّها منه ويقال ان وزنها كان مائتي مثقال. ثم وقعت بينهما مشاجرة في شيء فتقاطعا وخرج ابن الحدّاد معه. وكان الحسين يباشر القضاء بنفسه غدوة وعشيّة فتوسّط بينهما الحسن بن طاهر الحسينيّ عمّ ابي جعفر مسلم فتوجّه الى الجامع (١٤١ ب) عشيّة الجمعة فاخذ بيد ابي بكر ومضى به الى ابن ابي زرعة فاصلح بينهما فقال ابن ابي زرعة: ما كان لنا بدّ من نصيب يشير اليّ ان ابن الحدّاد حادّ الخلق. ثم قال: والله ما أعدّه الاّ والدا. فانكبّ ابن الحدّاد عليه فقبّل صدره فاصطلحا وعادا الى ما كانا عليه من الرضى الى ان تفرّقا بالموت. ويقال ان الحسن بن طاهر لما دخل بابن الحدّاد رأى الحسين في العلو فبلغه فنزل ومرّ عليهما فسلّم ولم يجلس عندهما وتوجّه الى مكان آخر فجلس فيه واستدعاهما فلما دخلا عليه قام وتلقّاهما وفعل ذلك ادبا مع الشريف لئلاّ يقوم اليه واستحسن من رأى ذلك عنده وعدّوه من آدابه
واستكتب في الحكم الحسن بن عبد الرحمن بن اسحاق الجوهريّ الماضي ذكره قريبا وعدّل جماعة من الاشراف ومن وجوه مصر. قال ابن زولاق: ولم يكن ابن ابي زرعة يخالف ابن الحدّاد في شيء ولما صرف ابن ابي الشوارب من القضاء وذلك في سنة ٣٢٧ واستقرّ عوضه ابو نصر يوسف بن عمر بن ابي عمر كتب الى ابن ابي زرعة باستمراره على قضاء مصر فقبل ذلك فقرأ كتابه على الناس في داره وفيه: وهذا عهدي اليك بخطّي. وكان حسن الخطّ. وذكر ابو الطاهر الذهليّ ان سنّ يوسف حينئذ كانت نحو العشرين. فيقال ان ابن الحدّاد [قال] لابن ابي الزرعة:
تقبل كتاب صبيّ وما عليك ان تأخذ انت هذا الامر من [الاصل]. فقال: لو اردت قضاء بغداد لفعلت وقد كتبت في امر قضاء الحرمين. واتّفق انه اعتلّ عن قريب فمات في ذي الحجّة يوم النحر سنة ٢٧ وله ثمان واربعون سنة وكانت ولايته
стр. 563
ثلاث سنين [وردّ محمد بن طغج الحكم بعده الى محمد بن بدر]
الحسين بن عيسى بن هروان الرمليّ
عن رفع الاصر ٤٠ ب والتلخيص ص ٣٣ ب
الحسين بن عيسى بن هروان الرمليّ شافعيّ من المائة الرابعة يكنى ابا علي ويقال ان اسم ابيه موسى ويقال محمد كان احمد بن سليمان (٤١) بن حذلم لما ولي القضاء بالشام استخلف ابا الطاهر الذهليّ فاستخلف هو الحسين بن هروان ذكر ذلك عبد العزيز [الكتّاني] وقال ابو محمد الاكفانيّ ان الحسين ولي قضاء مصر بعد وفاة عبد الله بن احمد بن زبر
وقال ابن عساكر عن عبد الله بن احمد الفرغانيّ: ان الحسين بن عيسى كان يلي القضاء نيابة عن قاضي القضاة ببغداد نيابة من قبل الخليفة المطيع. ولم يكن يصلح للقضاء ولا لتقلّد الحكم لخلوّه عن معرفته وانّما سعى في ذلك لطلب الجاه وصيانة نعمته فانه كان كثير المال وقد وقع بينه وبين ابن وليد مرّة فقال حالفا: لا يسعى احد في القضاء الاّ بذلت في [ا] تلاف روحه مثل هذا الجرن ذهبا. وذكر غيره ان ولايته كانت من قبل الراضي ثم المستكفي من سنة ٣١ وقدم مصر سنة ٣٣ فاستخلف ابا بكر بن الحدّاد وكانت وفاته في آخر رجب سنة ٣٤ بدمشق ارّخه الفرغانيّ
عبد الله بن احمد بن شعيب
عن رفع الاصر ص ٥١ ب والتلخيص ص ٤١ ب
عبد الله بن احمد بن شعيب بن الفضل بن مالك بن دينار ابو محمد المعروف بابن اخت وليد ومالك بن دينار جدّ جدّه هو الزاهد المشهور هكذا قال ابن زولاق وهو المعتمد في اهل مصر. وقال ابن عساكر: في تاريخ دمشق: عبد الله بن راشد ابن شعيب بن جعفر [خلف] بن يزيد يعرف [بابن وليد وقال ابن النجّار في تاريخ
стр. 564
بغداد: عبد الله بن راشد بن جعفر بن بدر يعرف بابن] اخت وليد هكذا اختلفوا في نسبه وكلهم وصفوه بانه قاضي مصر ثم اختلفوا في صفة ولايته فامّا ابن زولاق فقال انه اوّل ما ولي كان خليفة للحسين بن عيسى بن هروان لمّا تولّى الحسين من قبل الخليفة ببغداد الراضي بالله. فسلّم الإخشيد قضاء مصر لابن اخت الوليد فلبس السواد وجلس في الجامع العتيق وقرئ عهد الحسين ثم قرئ عهده من قبل الحسين فنظر في الاحكام. وكان اوّلا من وجوه التجّار واهل اليسار وكان يتفقّه لداود بن عليّ الأصبهانيّ ويميل الى الاعتزال واهله ولم يكن متمكّنا من شيء مما يدّعيه من العلوم. قال: وذكر انه كتب بمصر عن احمد بن شعيب النّسائيّ واسحاق بن ابراهيم المنجنيقيّ وابن اخي حرملة وعن محمد بن الحسن بن قتيبة وعن جماعة دونه ولد سنة ٧٣ وسمع من احمد بن عيسى الوشّاء وبكر بن احمد الشعرانيّ وعليّ بن عبد الله الرمليّ وغيرهم وذكر الرواة عنه. ثم قال: ويقال ان اصله بغداديّ. وامّا ابن النجّار فقال: ولي قضاء مصر في خلافة الراضي يوم الاربعاء لاربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ٣٢٩ ثم عزل في سنة ٣٠ ثم ولي من قبل المستكفي يوم الخميس لثلاث وعشرين خلت من المحرّم سنة ٣٤ وصرف في شهر رجب سنة ٣٦ في خلافة المطيع ثم ولي قضاء دمشق سنة ٣٤٨ قال: ويقال انه كان خيّاطا وكان ابوه حائكا ينسج المقانع وكان سخيفا خليعا مذكورا بالارتشاء. وهجاه جماعة من اهل مصر. ثم ذكر انه روى عن ابن قتيبة وعليّ بن ابي صالح الرمليّ وعليّ بن عبد الله العسكريّ واحمد ابن عيسى الوشّاء وبكر بن احمد السعديّ وغيرهم وانه روى عنه عليّ بن منير الخلاّل وابن نظيف الفرّاء ومحمد بن الفضل بن جعفر المارستانيّ
والذي حكاه عن بداءة امره وحرفة والده سبقه اليه ابن ميسّر في تاريخه وهو عارف بالمصريّين ايضا. قال ابن زولاق: لما استقرّ ركب اليه ابو بكر بن حدّاد فتلقّاه وعظّمه واجلسه معه ثم لما كان بعد ذلك انقبض عنه ابن الحدّاد وهجره واستناب ابن وليد عنه في الحكم (٥٢) احمد بن محمد بن شعيب الداوديّ وكان يرى الجند لكنه يلازم الاشتغال بالعلم فالبسه ابن وليد الطيلسان والقلنسوة واجلسه ينظر بين الناس وكان من اهل العلم والفهم [والدين] واتّفق ان ابن ابي
стр. 565
الشوارب عزل عن قضاء القضاة واستقرّ عوضه احمد بن عبد الله بن اسحاق فكتب الى الحسين بن عيسى باستمراره وان يستقرّ نائبا عنه بمصر محمد بن بدر فكانت ولاية ابن وليد هذه دون ستّة اشهر وذلك في شوّال سنة ٣٢٩ ثم أعيد ابن وليد مرة اخرى بعد صرف الحسن بن عبد الرحمن الجوهريّ فباشر الحكم نائبه من قبل الإخشيد ايضا نيابة عن الحسن بن عيسى على عادته وذلك في سنة ٣١ فنظر في الاحكام وعزل جماعة
واتّفق ان عمرو بن الحارث بن مسكين تزوّج بكرا فكرهته فشكوا ذلك لابن وليد فقال: هل كان ابوها استأذنها عند العقد. قالوا: لا. فقال: هذا النكاح باطل. فبلغ ذلك ابن الحدّاد فشنّع عليه ودار عمرو بن الحارث على الفقهاء فاخذ خطوط الشافعيّة والمالكيّة بصحة العقد وصنّف ابن الحدّاد في ذلك جزءا فبلغ ذلك ابن وليد فخشي من اجتماع كلمة الفقهاء على فساد ما قاله فاستعان بابي الذكر فقال له: قد قيل لي انك قلت ان النكاح عندي باطل وانت قاضي فاحكم بفسخه. فبادر الى ذلك وحكم واسجل عند العتمة واشهد بذلك عددا من [الناس وكانوا قرّروا ان يجتمعوا عند الإخشيد فاصبحوا وانعقد المجلس] فسألهم الإخشيد عن صورة المسألة فبادر ابن الحدّاد فقال: العقد صحيح. وتابعه كل من حضر المجلس الى ان بقي ابو الذكر فقال: صدقوا النكاح صحيح الاّ ان كان القاضي فسخه فلا ينقض حكمه. فالتفت الإخشيد الى ابن وليد فقال: أفسخته. قال: نعم. فقال للفقهاء: ما تقولون. قالوا: اذا فسخه فقد بطل. فقال ابن الحدّاد: هذا من عمل الأسوانيّ (يعني ابا الذكر) فهو الذي تولّى كيده (؟) والله سائله عن ذلك. فتناول ابن وليد ابا بكر بن الحدّاد وانقضى المجلس وانتصر ابن وليد فقال الإخشيد: للحسن ابن طاهر الحسينيّ: لقد هممت ان آمر الغلمان ان يأخذوا عمائمهم وقلانسهم. فبلغ ذلك عبد الله بن وليد فخاف فركب الى ابن الحدّاد فترضّاه
ثم قدم الحسين بن هروان مستخلف ابن وليد فباشر بنفسه فكان ابن الوليد يركب كل يوم الى دار الحسين فينظر بين الناس حتى بلغ الحسين ان ابن وليد ارسل يستنجز من بغداد كتابا بولايته استقلالا من جهة الخليفة فقال وابن وليد
стр. 566
حاضر: ما هذا الذي بلغني عنك والله لو نازعني احد في القضاء لبذلت في تلاف روحه مثل هذا الجرن ذهبا. ثم صرفه عن النظر في الحكم في جمادى سنة ٣٣ واستخلف عوضه الحسن بن عبد الرحمن بن إسحاق فأقام ايّاما ثم مرض فصرفه فباشر بنفسه ايّاما ثم اراد السفر فاستخلف ابن الحدّاد فنظر في الحكم بحضرته. ثم اتّفقت لابن الحدّاد واقعة وهي انه ثبت عنده لمحمد بن صالح بن رشد دين على شخص يقال له احمد البزّار وجملته اربعة آلاف دينار واربعمائة دينار وكان احمد غاب مدة طويلة فاسجل لمحمد بن صالح به وثبت عنده ان الحسين بن (٥٢ ب) ابي زرعة القاضي كان حجر على احمد البزّار بشهادة شاهدين فسجن ابن الحدّاد عبد الرحمن ولد احمد البزّار ليبيع دارا يقال لها دار عصيفير وكانت بيد احمد البزّار وثبت عند ابن الحدّاد انها ملك احمد البزّار وهي في يد عبد الرحمن حينئذ وكان عبد الرحمن ينكر ان تكون لوالده فارسل ابو المظفّر اخو الإخشيد وخليفته على إمرة مصر والإخشيد يومئذ بالشأم يقول القاضي: لما سجنت ولد احمد بن البزّار فان كان الدين ثبت على والده فلا يلزمه ان يقضيه عنه وان كان على عبد الرحمن فاحكم عليه وان كانت لوالده فبعها انت. فاجاب: ان الدين ثبت على والده والدار كانت في يد ولده فسجنته حتى يبيع ليقضي الدين. وكان ابو الذكر هو الذي لقّن ابا المظفّر هذا الكلام فقال ابو الذكر لابي المظفّر لمّا عاد جواب ابن الحدّاد: امر السجن لك فان اردت فأطلق الولد. فامتنع ابو المظفّر فبلغ ابن وليد ما جرى فاخرج كتابا زعم انه من المستكفي الخليفة واجتمع بمحمد بن عليّ بن مقاتل الوزير فعنى عنه وكاتب الإخشيد وبذل له ابن وليد مالا في الباطن فاجاب بان يتبع امر الخليفة فتسلّم ابو المظفّر الديوان من ابن الحدّاد وسلّمه لابن وليد فبلغ ذلك الحسين [بن عيسى بن هروان] وهو بدمشق فكتب الى ابن الحدّاد يهوّن عليه الامر ويحلف انه لا بدّ له ان يترك ابن وليد يضرب بين يدي ابن الحدّاد بالسوط. فركب ابن وليد الى الجامع وقرئ عهده من المستكفي باستقلاله بالقضاء. وكان الجمع وافرا فازدحموا حتى تمزق طيلسان ابي الذكر وكان الذي سعى لابن وليد عند المستكفي سعيد بن عبدان التاجر فلم يستطع اخراج الكتاب لمّا كان الحسين بمصر ثم اظهره في غيبته وباشر
стр. 567
على خوف من الحسين فلم يكن باسرع من ان جاء الخبر بموت الحسين فامن وتمكّن وامضى الاحكام واستهان بالاكابر وكان كثير الهزل والمجون في مجلس الحكم وبحضرة الشيوخ. واتّفق ان الإخشيد كتب الى الوزير محمد بن عليّ بن مقاتل ان يجمع من الرعيّة مالا بسبب فدى الأسارى فقام ابن وليد واعتنى بذلك مساعدة للوزير وتقرّبا لخاطر الإخشيد وبذل نفسه في التحصيل حتى استخرج من وجوه الناس ومن الاسواق والسواحل والاعمال مالا كثيرا وظنّت به في ذلك الظنون ونسب الى انه اختان مما جمع شيئا كثيرا مع ما كان يحويه من المال وكثرة البضائع ولمّا وصل ذلك الى الإخشيد شكر [تنكّر؟] منه. فلدّ في استطالته واطلق لسانه في الناس وعرّض وخوّف وانبسط في التعديل فاتّفق ورود الخبر بخلع المستكفي وتقليد المطيع وتفويضه قضاء مصر لمحمد بن الحسن بن عبد العزيز بن ابي بكر العبّاسيّ واضاف اليه الاسكندريّة والرملة وطبريّة فاستخلف ابن وليد على حاله ووصل اليه كتابه فقبله وقرأ عهده في داره فبلغ ذلك عبد السميع بن عمر بن الحسن العبّاسيّ فانكره وقال: ما كان ينبغي له ان يقرأ كتاب ابن عمّي الاّ في الجامع
وجرى بين ابن وليد وبين سليمان بن رستم احد الشهود كائنة وسليمان يومئذ مقدّم (٥٣) الشهود فاسجل ابن وليد باسقاطه إسجالا اشهد عليه بما فيه جماعة منهم ابو الذكر وعليّ بن احمد بن اسحاق من غير ان يطلعهم على ما في السجلّ فكتب فيه بعضهم منهم المذكوران وامتنع بعضهم من الكتابة فيهم الحسن بن عليّ ابن يحيى الدقّاق وقال: لا اكتب حتى اعرف ما فيه. فقال له ابن وليد: يا ابا القاسم اذا جاءني الحجر رددته (؟). فقال: ذاك اليك. ونهض الى الشهود وهم في المقصورة واخبرهم فقاموا الى ابن وليد فقالوا له: أقلنا من الشهادة. وانصرفوا الى سليمان مغتمّين بما اتّفق له فقال له ابو القاسم بن يحيى: بالنسبة اليكم هو من آل فرعون.
ومدح الناس ابا القاسم وتوجّه سليمان الى دار الإخشيد فأرسلت سماية القهرمانة الى ابن وليد فحضر فطالبته بالسجلّ فاحضره فمزّقته واصلحت بينهما وانصرفا. ثم ركب ابن وليد الى ابن رستم واكل عنده حلوى واجتمع الشهود على مفارقة مجلس ابن
стр. 568
وليد واتّخذوا لهم مجلسا في الجامع ونصبوا لهم حصيرا فواظب ابن وليد الحضور الى الجامع والجلوس في مجلسه وابو الذكر عند يساره وعليّ بن احمد بن اسحاق عن يمينه يشاهدان احكامه واستكثر من الشهود فوجده الشهود نصح
وجرت بين ابي بكر عبد الرحمن بن سلمون الرازيّ الفقيه وبين ابي الذكر منازعة فتظلّم الرازيّ الى الوزير فدخل عبد الله بن وليد في الوسط فاخذهما من دار الوزير وانصرف فلمّا بلغ داره ادخل الرازيّ وكان ذلك في رمضان فافطر عنده ثم ركب من الغد الي الجامع فاحضرهما وكثر الجمع فافرط ابن وليد في مدح ابي بكر الرازيّ وانقص ابا الذكر فانقبض ابو الذكر عن ابن وليد وكان قبل ذلك يركب معه ويعاضده في اموره وتخصّص به الرازيّ وصار يركب معه
وحضر ابن وليد دار الإخشيد بحضرة ابي القاسم بن الإخشيد وهناك إملاك وكان الخاطب عليّ بن محمد الهاشميّ احد الفصحاء الخطّب فعارضه ابن وليد فقال له: أتعارضني. فقال له: الذي عارضك كذا. فالتفت الى الشهود فقال: أهذا قاضيكم.
وكان يقول: والله لادعنّ الشهادة ينادى عليها في سوق وردان وفي السمّاكين. وكان يسميهم اليهود حين كان يقول لحاجبه اذا استأذن لهم ويسمّي الأمناء الكهناء. وكان كثير الهزل حتى قالت له امرأة: خذ بيدي. فقال: وبرجلك. ومع ذلك لم يطعن عليه في سراويل ولا في شرب مسكر الا انه كان ينقّم عليه الهزل والتبسّط في الاحكام وأخذ الرشوة. واتّفق وصول عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ من مكّة وكان مجاورا بها فاجتمع به الشهود ورأسهم يحيى بن مكّي بن رجاء وحسّنوا له ان يتسلّم القضاء عوضا عن اخيه فسعى في ذلك فاجابه كافور بعد ان بذل له مالا فوقّع له بتسليم العمل فتسلّمه منه الحسين بن محمد المطّلبيّ فتوجّه المطّلبيّ الى محمد واحمد ابني حمزة بن ايّوب وكان المودع عندهما فكسر خاتم ابن وليد وطبع على الديوان بخاتم عمر بن الحسن فزال امر ابن وليد وكانت مدّته الاخيرة سنتين وثلاثة (٥٣ ب) اشهر فاقام بطّالا ثنتي عشرة سنة ثم ولي قضاء دمشق فلم يحمد ونهبت داره
وفي مدّة عطلته مضى ماشيا الى يحيى بن مكّي بن رجاء فصالحه وكانت وفاته وهو بطّال في ذي القعدة سنة ٣٦٩ وقد جاوز التسعين وظهرت عليه آثار الخرف.
стр. 569
وقد تولّى جماعة من المصريّين هجاء ابن وليد فمن ذلك قال ابن عساكر: هجا محمد ابن بدر القاضي ابن وليد يقول في قصيدة طويلة:
لو كنت تخشى قضيّات المعاد لما … ألقيت في كل امر فاضح علما
أعمى عن الرشد في كل الامور فقد … اصبحت في الدين بين الناس متّهما
يا ابن الوليد تدبّر ما اتيت به … ولا تكن للهوى مستكملا عمما
لو كنت تسمع قول الحقّ معتمدا … او كنت تخشى عذاب الله معتصما
لما استعنت بحمّاد اللعين وما … رأيت انت له في صالح قدما
جعلته كاتبا يمضي الامور ولم … يمسّ في العلم قرطاسا ولا قلما
وقال ابن ميسّر: كان من جملة من عدّله ابن وليد في ولاياته الثلاث اربعين شاهدا وزيادة قال: ولما مات ابن الخصيب سعى ابن وليد في القضاء وبذل لكافور مالا فقام الناس في وجهه فرفعوا عليه فعدل عنه الى ابي طاهر الذهليّ ولمّا ولي عبد الله بن وليد قضاء دمشق ارسل ولده محمد نائبا عنه وكان اهل دمشق اختاروا حكيم بن محمد المالكيّ قاضيا لمّا شعر القضاء بموت قاضيهم الخصيبيّ واعزال خليفته محمد بن إسماعيل الزيديّ وذلك في إمرة فاتك الإخشيديّ على دمشق فوصل محمد الى دمشق في شعبان سنة ٤٨ وهو شابّ ثم وقع من اهل دمشق منازعة في اختيار من ينوب في القضاء فتعصّب قوم لمحمد ولد ابن وليد وقوم ليوسف الميانجيّ وكان الاعيان مع الميانجيّ والاوباش مع ابن وليد وذلك في رجب سنة ٤٩ فاجتمع الشيوخ وانضمّ اكثر اهل البلد فاجتمعوا بفاتك ورفقته الغلمان الإخشيديّة وشكوا لهم ما لقوا من الإساءة فانصفوهم فانصرفوا من عنده احسن انصراف وصرف ابن وليد
وذكر شيخ شيوخنا القطب الحلبيّ في تاريخ مصر ان محمد بن عبد الله بن وليد قدم دمشق في شعبان سنة ٤٨ وهو شابّ. وقرأت بخطّه ايضا في ترجمة ابي سعد احمد ابن حمّاد احد الفقهاء من الشافعيّة انه قدم مصر في سنة ٢٣ فشغل الناس بها في مذهب الشافعيّ وكتب لابن اخت وليد القاضي
стр. 570
الحسن بن عبد الرحمن الجوهريّ
عن رفع الاصر ص ٣٥ ب والتلخيص ص ٢٩ ب
الحسن بن عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن معمر بن حبيب بن البهلول السدوسيّ ابو محمد الجوهريّ مالكيّ المذهب من المائة الرابعة كان ابوه من كبار اصحاب ابي عبيد القاسم بن سلام وولد هو سنة ٢٨٤ واشتغل وصار من عدول القاضي أبي عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد وناب في الحكم عن ابي الذكر المالكيّ وسيأتي ذكر والده عبد الرحمن بن اسحاق وانه ولي القضاء بمصر نيابة عن قاضي بغداد هارون ابن ابراهيم بن حمّاد المالكيّ. قال ابو محمد بن زولاق: كانت ولايته قضاء مصر نيابة عن الحسين بن عيسى بن هروان الآتي ذكره بامر صاحب مصر محمد بن طغج الملقّب الإخشيد فركب الى الجامع وقرئ عهده بذلك على المنبر ونظر بين الناس في الاحكام وولّى وعزل وامر ونهى واستكتب ابنه الحسين ولم يزل امره يجري على السداد حتى وقع بينه وبين بكران الصبّاغ فتوجّه بكران الى دمشق واجتمع بالإخشيد وطلب من الحسين بن عيسى بن هروان ان يعزل الحسن ابن عبد الرحمن ويستخلف غيره ويتولّى في الاحباس غيره ايضا ففوّض الحسين امر الاحباس وتولية قضاء النواحي لبكران وفوّض الحكم لابي الفضل الكشّيّ وكان عزل الحسن بن عبد الرحمن في شهر ربيع الآخر سنة ٣٣١ ومدّة ولايته سبعة اشهر
ثم اعيد الحسن بن عبد الرحمن الى ولاية القضاء بمصر مرة اخرى [بعد صرف عبد الله بن احمد بن شعيب ابن اخت وليد في جمادى الاولى سنة ٣٣٣ فاقام ايّاما ثم مرض مرضا عظيما] كما سيأتي في ترجمة الحسين بن عيسى بن هروان ان شاء الله فمكث يسيرا ثم صرف وعاش بعد ذلك مدّة الى ان مات في جمادى الآخرة سنة ٣٣٩
وقرأت بخطّ شيخ شيوخنا قطب الدين الحلبيّ في تاريخ مصر في ترجمة الحسن ابن عبد الرحمن هذا ما نصّه: فانه الذي ارّخ ابو اسحاق ابراهيم بن سعيد بن عبد الله
стр. 571
الحبّال وفاته سنة ٤١٦ كذا قال واخطأ في ذلك خطأ فاحشا يقتضي انه لم يقف على ترجمته في اخبار القضاة لابن زولاق فقد ارّخ مولده ووفاته كما نقلته وبالله التوفيق ويحتمل ان يكون الذي ارّخ الحبّال وفاته ولده الحسين بن (٣٦) بن الحسن بن اسحاق الذي ذكرنا انه استكتبه لمّا ولي القضاء*ان كان عمر وهو ولد له آخر وحفيده [؟]
احمد بن عبد الله الكشّيّ
عن رفع الاصر ص ١٤ ب
احمد بن عبد الله بن … [بياض] الكشّيّ بكسر الكاف ويجوز فتحها وتشديد المعجمة ابو الفضل [العجميّ] ولي القضاء بمصر مجرّدا عن الاحباس والمظالم وتولية نوّاب البلاد بالديار المصريّة في ربيع الآخر سنة ٣٣١ نيابة عن الحسين بن عيسى بن هروان وكانت مدّة ولاية هذا الكشّيّ ثلاثة اشهر وكان حنفيّ المذهب يتفقّه ويناظر
قال ابن زولاق: وكانت في لسانه عجمة وكان قدومه الى مصر في ولاية محمد ابن بدر القضاء فكلّموه فيه ليصرفه فامره ان يردّ بابنه فانف من ذلك فسعى له عبد الله بن الوليد عند الحسين بن عيسى بن هروان فقلّده قضاء الرملة ثمّ لمّا اشتغل الحسين بقضاء مصر ارسله هو وبكران للحكم بمصر فولي هو قضاء مصر مجرّدا كما ذكرنا وولي بكران النظر في الاحباس والمظالم وتولية ولاة النواحي ثمّ صرفا جميعا كما سنذكره في ترجمة بكران في حرف العين المهملة لان اسمه عتيق بن الحسن ولمّا صرف ابو الفضل عن قضاء مصر رجع الى الرملة فمات في الحكم بها عن ابن هروان على عادته
عتيق بن الحسن الصبّاغ
عن رفع الاصر ص ٨٠ والتلخيص ص ٦١
عتيق بن الحسن الصبّاغ المعروف ببكران وكان من العدول بمصر فلمّا ولي
стр. 572
الحسن بن عبد الرحمن الجوهريّ القضاء بمصر بعد محمد بن بدر خليفة عن الحسين ابن عيسى بن هروان وقع بين بكران وبين القاضي شرّ فخرج الى الإخشيد بالشأم فالتمس من الحسين ان يستخلفه على الاحباس ففوّض نظرها له وجعل له امر قضاة البلاد بنواحي مصر وصرف [ابن] عبد الرحمن عن خلافته وارسل عوضه مع بكران احمد بن عبد الله الكشّيّ وكان بكران ينظر في الاحباس والكشّيّ ينظر في الاحكام وكلّ واحد منهما يخاطب بالقاضي وامر بكران الشهود بحضور مجلسه والشهادة على حكمه فحضروا واراد ان يغضّوه في الاشهاد عليه فامتنعوا من ذلك واضطرب امر البلد وتظلّم جماعة الى الإخشيد فساءه ذلك وامر باحضار بكران فناله منه مكروه وامر بالبطش به ومنعه ومنع الكشّيّ من الحكم ثم جمع وجوه الناس واستشارهم فيمن يصلح للحكم فاشاروا عليه بابن اخت وليد فولاّه خلافة للحسين ابن عيسى فكانت مدّة بكران بمشاركة الكشّيّ ثلاثة اشهر وتوجّه بكران الى الرملة فناب عن ابن هروان بها على عادته
محمد بن صالح بن امّ شيبان
عن رفع الاصر ص ١٠٨ ب والتلخيص ص ٨٥ ب
محمد بن صالح بن عليّ بن يحيى بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبد الله ابن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس الهاشميّ العبّاسيّ يعرف بابن امّ شيبان وهي والدة يحيى جدّ والده وهي يتيمة من ذريّة طلحة بن عبيد الله وهو كوفيّ نزل بغداد وكان قدمها مع ابيه في سنة ٣٠٧ فلقي الشيوخ ثم استوطنها سنة ٢٦ ويكنى ابا الحسن وكان مولده في سنة ٢٩٣ وقيل في يوم عاشوراء سنة ٩٤ واخذ عن ابي بكر بن مجاهد وعبد الله بن زيدان [البجليّ] ومحمد ابن محمد بن عقبة وغيرهم. وصاهر قاضي بغداد ابا عمر محمد بن يوسف المالكيّ وكان يتفقّه لمالك ولما ولي قضاء القضاة ببغداد اضيف اليه قضاء مصر والشأم وغيرهما فشرط شروطا منها ان لا يتناول على القضاء أجرا ولا يقبل شفاعة في فعل ما لا
стр. 573
يجوز ولا في اثبات حقّ. ورتّب لكاتبه في كل شهر ثلاثمائة ولحاجبه مائة وخمسين ولمن يعرض عليه الاحكام مائة ولخازن ديوان الحكم ولمن معه من الاعوان ستمائة وتسلّم عهده من المطيع وكان الذي انشأه احمد بن عبيد (١٠٩) الله الشيرازيّ
وقال طلحة بن محمد بن جعفر: كان ابو الحسن عظيم القدر وافر العقل واسع العلم كثير الطلب للحديث حسن التصنيف مدمنا للدرس والمذاكرة والنظر في فنون العلم والآداب متوسّطا في الفقه مالكيّ المذهب قال: ولا اعلم من تقلّد القضاء من بني هاشم بمدينة السلام قبله قال: وكانت ولايته القضاء بمدينة المنصور عوضا عن ابي السائب [عتبة] في ربيع الاوّل سنة ٣٤ ثم قلّده المطيع قضاء الشرقيّة مضافا الى مدينة المنصور في رجب سنة ٣٥ فقضى على قضاء الجانب الشرقيّ باسره ثم في شهر ربيع الآخر سنة ٣٦ جمع قضاء بغداد لابي السائب وقلّد ابا الحسن قضاء مصر واعمالها والرملة وبعض الشأم
قال: وكان عضد الدولة كثير العضّ [الغضّ؟] من اهل بغداد والازدراء لاهلها حتى قال: ما وقعت عيني في هذا البلد على احد يستحقّ اسم الفضل او ان يسمّى برجل غير نفسين فلمّا تأمّلت وجدتهما ليسا من اهل بغداد احدهما ابو الحسن ابن امّ شيبان ومحمد ابن عمر العلويّ واصلهما من الكوفة. قال ابو الفتح بن ابي الفوارس: مات ابو الحسن فجأة في جمادى الاولى سنة ٣٦٩. وكان نبيلا سريّا فاضلا ولم ير في معناه مثله في الصدق
محمد بن الحسن الهاشميّ
عن رفع الاصر ١٠٧ ب
محمد بن الحسن بن عبد العزيز بن ابي بكر بن عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس الهاشميّ يكنى ابا بكر ولي قضاء مصر مضافا الى قضاء الرملة وطبريّة والإسكندريّة وغير ذلك فاستخلف اوّلا ابن وليد ثمّ استخلف اخاه عمر بن الحسن وكان خطيب الجامع العمريّ بمصر وإمامه واليه اقامة الحجّ وامامة الحرمين قال الخطيب: [بياض]
стр. 574
عمر بن الحسن الهاشميّ
عن رفع الاصر ص ٨٧ ب والتلخيص ص ٦٩ ب
عمر بن الحسن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس بن محمد بن العبّاس بن محمد بن عليّ بن عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب الهاشميّ العبّاسيّ ولد سنة ٢٨٤ واشتغل بالفقه وعرف بمذهب الشافعيّ وكان اليه إمامة الجامع العتيق وإقامة الحجّ وإمامة الحرمين وولي القضاء نيابة عن اخيه محمد لما ولي قضاء بغداد والممالك (٨٨) وكان ذلك بعد صرف ابن وليد في رجب سنة ٣٣٦ فركب الى الجامع بالسواد ومعه القضاة والشهود والأمناء والاشراف ووجوه اهل البلد واستخلف على الاحكام ابا بكر الحدّاد فقرئ عهده في الجامع من قبل اخيه محمد بن الحسن وعهد اخيه من قبل الخليفة المطيع. وأضيف اليه قضاء الاسكندريّة والرّملة وطبرية واعمالها. وكان ابن الحدّاد يقضي في دار عمر بن الحسن يومي السبت والخميس وفي منزله يوم الاثنين واذا حجّ ركب ابن الحدّاد الى الجامع بطيلسان اسود ويشهد عنده الشهود وكان وجه الشهود يومئذ يحيى بن مكّي بن رجاء. فاتّفق انه شهد عنده شهادة في كتاب فقال له: قرأت هذا الكتاب من اوّله الى آخره او قرئ عليك. فقال: لا. وقال لرفيقه وهو [الحسن] بن ايّوب: فما تقول انت. قال: مثله.
فقال: اشهدوا بهذه الشهادة عند اصحاب الجميز
وجرى بين ابن وليد وبين الشهود وغيرهم في ولاية عمر هذا امور كثيرة وترافعوا الى امير البلد ابي القاسم بن الإخشيد والاستاذ كافور وادّعى عمر ان تحت يد ابن وليد اموالا كثيرة لا صاحب لها فاعتقله كافور فقام الهاشميّ [وسائر] وجوه الناس فشفعوا فيه حتى أطلق
واستقامت امور الهاشميّ وعدّل جماعة ورد شهادة آخرين وتصلّب في الاحكام وعفّ عن اموال الناس فلم يقبل لاحد هديّة ولا وجد احد عليه مطعنا بل اتلف مالا كثيرا لنفسه في امور القضاء حتى استقام له ثم ملّ منه واستعفى. وفي اثناء ذلك تولّى محمد بن صالح بن امّ شيبان قضاء القضاة ببغداد فاستخلف ابن وليد
стр. 575
ووصل كتابه اليه بذلك وركب جماعة من الشهود الذين اوقفهم العبّاسيّ فشهدوا عند كافور بصلاحيّة ابن وليد وصحبوا معهم ابا الطاهر احمد بن محمد بن عمرو المدنيّ صاحب يونس بن عبد الاعلى وكان مولده سنة ٢٤٨ فقال لكافور: ايّها الاستاذ حدّثنا يونس حدّثنا ابن عيينة عن الزهريّ عن أنس رفعه: لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا. قال: وهؤلاء لقوم قد عصوا رسول الله صلعم وقاطعوه فلا تقبل شهادتهم. فقام بعض من حضر فقال: ايّها الامير هذا الحديث الذي حدّث به لا يوجد اليوم في شرقيّ الارض ولا غربيّها من يرويه بأعلى من هذا الاسناد. فاعجب كافور ووعدهم بخير ثم ركب الهاشميّ وابن الحدّاد وابو جعفر مسلم العلويّ وابو الذكر وغيرهم من الاكابر الى كافور فاطنبوا القول في ابن وليد بكل سوء وقال قائلهم: ان رأى الاستاذ ان يصون هذه الشيبات ويقبل شفاعتهم فليفعل. فوقف حال ابن وليد وارسل يحيى بن رجاء قاصدا الى بغداد يخطب قضاء مصر فما أجيب
وحجّ عمر بن الحسن (٨٨ ب) على عادته فصرفه كافور عن الحكم في ذي الحجّة سنة ٣٩ وقرّر الخصيبيّ وكان عزل العبّاسيّ وهو راجع من الحجاز فقيل لولده عبد السميع ان يسعى في افساد ذلك فتوانى وفتر وحضر والده فلم يحدث فيه امرا وما كان له اليه ميل ولا شهوة. وتأخرت وفاة العبّاسيّ وهو على رئاسته الى سنة ٣٤٦ فمات فيها
عبد الله بن محمد بن الخصيب
عن رفع الاصر ص ٥٦ ب والتلخيص ص ٤٥ ب
عبد الله بن محمد بن الخصيب بن الصقر بن حبيب الأصبهانيّ الاصل شافعيّ من المائة الرابعة ابو بكر [نزيل مصر] ولد بالأصبهان سنة ٢٧٢ وسمع الحديث من محمد بن يحيى المروزيّ وابي شعيب الحرّانيّ ويوسف القاضيّ ومحمد بن عثمان ابن ابي شيبة وابراهيم بن هاشم البغويّ ويحيى بن عمر البحريّ وحمزة الكاتب وجعفر العبرتيّ وبهلول بن اسحاق واحمد بن الحسين الطيالسيّ وابراهيم بن أسباط وغيرهم
стр. 576
وروى عنه ابنه ابو الحسن الخصيب ومنير بن احمد الحلال والحافظ عبد الغنيّ بن سعيد وعبد الرحمن بن عمر بن النحّاس وآخرون وقع لنا حديثه في الخلعيات يعود وتفقّه على مذهب الشافعيّ وكان قويّ النفس حسن التصوّر وصنّف كتابا في الردّ على [ابي؟] داود وكتابا في الردّ على الطبريّ وولي القضاء نيابة عن محمد بن صالح [العبّاسيّ المعروف بابن امّ شيبان ثم اضيف اليه قضاء دمشق والرملة وطبريّة ثم احضر عهدا من الخليفة ولم يثبت فقيل له: يكون ولدك محمد بن عبد الله نائبا عن محمد بن صالح ويكون العهد باسمه وانت الناظر عليه. فوافق على ذلك ثم رضي بالنيابة عن محمد بن صالح] ولبس السواد من دار الإخشيد وحضر المسجد الجامع العتيق وذلك في نصف ذي الحجّة سنة ٣٩ بعد عمر بن الحسن العبّاسيّ واستكتب ابنه ينظر في الاحباس وتصلّب في الاحكام واحترز في احواله كلها وزاد في اجر الاحباس وزاد المريين (كذا) بسبب ذلك زيادة ظاهرة وعقد مجلس الإملاء ومجلس المناظرة وكان يحضر فيه جماعة من الفقهاء الموافقين والمخالفين ويتكلّم معهم احسن كلام وكان ثقة فيما يحدّث به. فاتّفق انه املى مجلسا اورد فيه عن معاوية حديثا فقال المستملى: عن معاوية ﵁. فقال له الخصيبيّ: يا هذا الساعة مرّ ذكر عمر وابنه (٥٧) وابن مسعود فما ترحمت على واحد منهم وترحّمت على معاوية وهو طليق ابن طليق. [ففكّ المجلس وبلغه بعد انصرافهم انهم انكروا قوله وان قوما خرّقوا ما كتبوا عنه فجمع الشهود واملى عليهم بعد يومين فقال له يحيى بن مكّيّ بن رجاء: ليس للكلام في هذا وجه. فامسك وقطع الاملاء ثم كان ابو منصور الباورديّ يخرج له المجالس
وكان الخصيبيّ يمضي الاحكام والسجلاّت وعقود الانكحة وعقد كافور مجلسا للمظالم يجلس فيه كل سبت من اوّل سنة ٤٠ وعقد الوزير جعفر بن الفضل بن حنزابة مجلسا للفقه وكان الخصيبيّ وابنه يحضران عند كافور وعند الوزير ويحضر ذلك ايضا ابن الحدّاد وابن بلبل وابو طاهر الذهليّ وكان قدم مصر من دمشق وكان يتولّى قضاء دمشق فتشاوروا به فتوجّه اليه الخصيبيّ وابنه ليسلّما عليه فلم يجداه فرجعا وبلغ له ذلك فلم يكافئهما فبقي في انفسهما فاتّفق ان اهل دمشق
стр. 577
كتبوا في حقّ ابي طاهر محضرا فساعدهم الخصيبيّ وجمع جمعا من المصريّين فادخلهم على كافور فذمّوا ابا طاهر فظنّ كافور انهم من اهل دمشق وكان ابو جعفر مسلم حاضرا فسارّ كافورا فصاح الخصيبيّ: يا با جعفر ولا تكن للخائنين خصيما. فصاح ابو طاهر: الا تحسّن ادبك يا شيخ بحضرة الاستاذ
وصنع ابن الخصيبيّ كتابا مزوّرا على الخليفة في حقّ ابي طاهر فعزله كافور عن دمشق واضافها لابن الخصيبيّ. فتنجّز ابو طاهر كتبا من بغداد الى كافور بان الكتب مزوّرة وعلونه ابو جعفر فلم يرجع كافور عن مساعدة الخصيبيّ وكان الخصيبيّ قد تقرّب الى كافور بمال اهداه له فصار يساعده
وتشكّى جماعة من اهل الفرما من الخصيبيّ ومن نائبه فنصره عليهم وضربوا وطيف بهم على الجمال وثار الرعيّة بالخصيبيّ في الجامع فهرب منهم. ووقع بين الخصيبيّ وابي بكر بن الحدّاد خصومة في مجلس المظالم فتشاتما وكان الخصيبيّ يتوسّع في القول وابو بكر لا يجاوز المنقول احترازا وتصوّنا [وتديّنا] فصار في غمّ من ولاية الخصيبيّ حتى قيل انه قال: اصرفوا الخصيبيّ ولو بابن مرجب (يعني طبيبا كان بمصر) وضبط عن الخصيبيّ انه قال: العمل لابني محمد وانا له معين. فبلغ ذلك ابنه فاراد ان يظهر ذلك وكتب التوقيعات بخطّه وختمها وعنونها من محمد بن عبد الله فزال اسم الاب منها واستظهر على ابيه واسجل وتقدّم الى الموقّعين ان يكتبوا: الى القاضي محمد بن عبد الله وكانت وفاة الخصيبيّ بعد ان بنى داره الكبيرة المعروفة بابن شعيرة وكان اشتراها من محمد بن ابي بكر وعمّرها واتقن وعمل فيها دعوة عظيمة فعمل فيه ابن كشاجم:
اشترى الدار الكبيرة … ودعا فيها الوكيره
صغّر الباب وفي … تصغيره أشأم طيره
قبره لا شكّ فيها … بعد أيّام يسيره
وقال فيه أيضا:
قبّح الله الخصيبيّ … فما اقبح أمره
اشترى الدار التي كا … م نت قديما لابن شعره
стр. 578
(٥٧ ب) وهي الدار التي يبتر … فيها الله عمره
لا يتمّ الحول حتى … يجعل المجلس قبره
وكان كما قال اعتلّ ومات في ذي الحجّة سنة ٣٤٧ وسيأتي في ترجمة محمد بن عبد الله الخصيبيّ ما وقع للحافظ الكبير ابي القاسم بن عساكر في ترجمة الخصيبيّ من الوهم
محمد بن عبد الله بن الخصيب
عن رفع الاصر ص ١١٤ ب والتلخيص ص ٨٩
محمد بن عبد الله بن محمد بن الخصيب بن الصقر بن حبيب الأصبهاني ولد في سنة ٣٠٠ وكتب الحديث وكان ينوب في القضاء خلافة عن ابيه واستقلّ بالقضاء بعد وفاة والده في النصف من محرّم سنة ٣٤٨ فلما خلع عليه وركب الى الجامع يوم الجمعة ثارت به العامّة وشغبوا عليه وحصبوه فصاح: ما الذي ينقم عليّ وقد عمرت الاحباس ووفّرتها وفرّقت في مستحقّيها وما [ضبط] احد قط انني ارتشيت انا ولا ابي فما ارتدعوا عنه وراسل الامير وهو يومئذ كافور الإخشيدي فانفذ اليه [غلامه مقبل الخادم؟] يسأله عن حاله. فاظهر تجلّدا وباحث من حضر من العلماء في شيء من المسائل واستمرّ الى صلاة العصر
وكان ضمن لكافور على ولايته مصر وعملها والرملة وطبريّة مالا فحلّ الأجل فطالبه الوزير جعفر وتهدّده فبلغ وخار طبعه فاعتلّ سبعة أيّام ومات وقيل انه مات مسموما سمّه خادم له خصيّ
قال ابن زولاق: وكان كاتبا حاسبا يعرف الادب وايّام الناس وكتب الحديث وخدم كافور قديما وأكل معه وسامره وكان جريّا على ما يريد. وكان يمزح صالح بن نافع ممازحة قبيحة في الصفاع فعمل فيه بعض الشعراء على لسان شخص كان ينقر [ن يقرأ] نقوش الخواتيم بيده:
انّي الى القاضي امتّ بحرمة … هي بيننا حقّ كفرض لازم
سرّ لطيف في قفاه وفي يدي … هي آية بهرت عقول العالم
стр. 579
فقفاه ينتقد الاكفّ بحسّه … ويداي تخشى [؟] فضّ نقش الخاتم
وكان ذلك في رمضان سنة ٤٧ وكان جوادا وقد مدحه ابو الطيّب المتنبّئ بالقصيدة التي اولها:
افاضل الناس اغراض لذا الزمن
[ومنها] قاض اذا التبس الامران عنّ له … رأي يفرّق بين الماء واللبن
وذكر ابن زولاق في ترجمة ابيه عبد الله بن محمد انه كان يباشر معه القضاء وانه كان كثير التزوير وانه زوّر عهدا عن المطيع لابيه وشاع عن الخصيبيّ انه قال:
العمل لولدي وانما انا معين له. وكان الخصيبيّ يوقّع بيده وبخط ابيه توقيعات ويختمها ويكتب في عنوانها «محمد بن عبد الله» ثمّ استبدّ بالانكحة وتقدّم الى كتّاب الشروط ان لا (١١٤ ب) يكتبوا الاّ للقاضي «محمد بن عبد الله» وامتدّت يد الابن فعزل وولّى حتى كان هو المستقلّ بالامر وليس لابيه الاّ الاسم في الغالب وكان اذا بلغه ان احدا سعى في قضاء مصر دبّر عليه المكايد واحتال عليه بكل حيلة الى ان يبالغ في أذاه. فبلغه ان احمد بن ابراهيم الأندلسيّ احد العدول بمصر سعى من بغداد فدبّر عليه مكيدة عند كافور حتى قبض عليه وهمّ بقتله وكذلك صنع بابي بكر محمد بن طاهر النقيب ولولا ان ابا جعفر مسلما العلويّ توسّط في امرهما لهلكا. ثم زاد امر الولد في مخالفة ابيه حتى تباينا وتعاديا وتعاندا في كل شيء حتى كان الاب اذا قرّب احدا ابعده ابنه وبالعكس. وانقطع الابن الى كافور وتولّى له عمارة داره وقال له: انا البس الدرّاعة ولا أريد القضاء. ووقع الإرجاف بمصر بوصول توقيع الأندلسيّ من بغداد فاتّفق ان مات ووصل التقليد بعد موته بخمسة ايام وكذلك اتّفق لمحمد بن طاهر المذكور من فجأة الموت لكن لم يرد له توقيع وكان موت احمد بن ابراهيم سنة ٤٢ وموت محمد بن طاهر سنة ٤٦ وقال ابن زولاق: ان الابن كان في الغاية من قلّة الدين وصفاقة الوجه
قلت: وقع لابن عساكر في تاريخه الكبير مع سعة اطّلاعه في ترجمة الخصيبيّ هذا تقصير امير [؟] فانه قال ما نصّه: محمد بن عبد الله بن الخصيب ولي قضاء دمشق نيابة عن ابيه عبد الله بن محمد وكان ابوه يلى القضاء عليها من قبل المطيع لله ابي
стр. 580
القاسم الفضل بن جعفر ذكر ابو محمد بن الاكفانيّ ان عبد الله بن محمد بن الخصيب ولي القضاء بمصر في ايّام المطيع في سنة ٣٤٠ الى ان توفي في تاسع المحرّم سنة ٣٤٨ وولي ابنه محمد بن عبد الله فاقام ينظر شهرا ثم اعتلّ ومات لستّ خلون من شهر ربيع الاوّل كذا قال ابن الاكفانيّ. وبلغنا من وجه آخر ان محمد بن عبد الله هذا كان يقضي بمصر خليفة لابيه في حياته وابوه يحضر معه الى ان مات في يوم الاربعاء لسبع خلون من ربيع الاوّل سنة ٣٤٨ بعد وفاة ابيه بخمسة واربعين يوما هذا آخر كلامه. والذي بلغه عن عبد الله بن زولاق في كونه كان ينوب عن ابيه بمصر صحيح وما عدا ذلك القول قول ابن زولاق لانه أعلمك باهل بلده
قال ابو الطيّب احمد بن الحسين المتنبّي يمدح محمد بن عبد الله بن محمد الخصيب المصريّ القاضي وهو يومئذ قاضي أنطاكية فقال:
افاضل الناس اغراض لذا الزمن … يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
[اورد القصيدة جميعها واستغنينا عن الباقي لوجودها في ديوان المتنبي شرح العكبريّ ج ٣ ص ٤٩٥ مطابقة للفظه الاّ في كلمتين او ثلاثة]
ابو الطاهر الذهليّ
عن رفع الاصر ص ٩٨ والتلخيص ص ٧٧
محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن بجير (بموحّدة وجيم مصغّر) بن عبد الله ابن صالح بن أسامة الذهليّ ابو الطاهر نزيل مصر اصله من البصرة مالكيّ من المائة الرابعة ولد في شعبان سنة ٢٨٠ وقيل سنة ٧٩ وقيل سنة ٩٧ وهو غلط وذكر انه حفظ القرآن وله ثماني سنين وفي هذا السنّ كان اوّل سماعه للحديث وهو سنة ٨٨ من يوسف بن يعقوب القاضي وموسى بن هارون الحمّال وابي مسلم الكجيّ وابو العبّاس احمد بن يحيى ثعلب ومحمد بن يحيى بن المنذر [المروزيّ] ومحمد بن عثمان بن [ابي] سويد وابي خليفة [الجمحيّ] وغيرهم وتفرّد بالرواية عن ثعلب وجماعة من شيوخه روى عنه الدارقطنيّ وعبد الغنيّ بن سعيد وتمّام بن محمد الرازيّ ومحمد بن نظيف الفرّاء وابو العباس بن الحاجّ [الاشبليّ] وابو الفتح محمد بن احمد الرمليّ
стр. 581
والدارقطنيّ ومحمد بن الحسن الصيرفيّ واحمد بن الحسين العطّار وابو الحسن احمد ابن محمد بن نصر الحكيميّ وابو الحسن محمد بن الحسين بن الطفّال المصريّ وهو آخر من حدّث عنه
قال ابو عمر بن الحدّاد: كان ابو الطاهر محدّث زمانه وطال عمره
وقال غيره: كان يشهد عند عمر بن ابي عمر المالكيّ قاضي القضاة بالعراق ثم ولي قضاء مدينة المنصور نحو اربعة اشهر في سنة ٢٩ وولاّه المستكفي قضاء الشرقيّة في صفر سنة ٣٤ نحو خمسة اشهر ثم ولي قضاء مصر في ربيع الاوّل سنة ٣٤٨ فباشره مدّة طويلة وأضيف اليه قضاء دمشق فاستخلف عليها ابا الحسن بن حذلم وابا عليّ بن هارون
وقال الفرغانيّ: كان من شهود ابي الحسين بن ابي عمر القاضي وله به خاصّة وكان ولي قضاء واسط فنكبه بجكم التركيّ منها [بها] ثم تخلّص بعد ان اشرف على الهلكة وكان فقيها في مذهب مالك ثقة ثبتا مسندا في الحديث اديبا كاملا جليلا وكان من بيت جليل كان ابوه من شيوخ القضاة بالعراق وولي بها اعمالا جليلة
وقال عبد الغني بن سعيد: قرأت على القاضي ابي الطاهر جزءا فلمّا فرغت قلت: كما قرأت عليك. قال: نعم الاّ اللحنة بعد اللحنة. فقلت: فسمعته ايّها القاضي معربا. قال: لا. قلت: فتلك بتلك. ثم لزمت تعلّم النحو من حينئذ قال: ثم سألته عن اوّل ولايته القضاء فقال: سنة ٣١٠ قال وكان قد ولي البصرة وكان يقول: كتبت بيدي (يعني الاخذ عن الشيوخ) سنة ٢٨٨ ولي تسع سنين
وقال طلحة بن محمد بن جعفر: [استقضاه المتّقي لله سنة ٣٢٩ وله أبوّة في القضاء] كان سديد المذهب متوسّطا في الفقه على مذهب مالك وكان له مجلس يجتمع اليه المخالفون ويناظرون بحضرته وكان يتوسّط بينهم ويتكلّم بكلام (٩٨ ب) سديد. وقال عبد الغنيّ بن سعيد: كان مفوّها شاعرا حسن البديهة حاضر الجواب والحجّة علاّمة عارفا بايّام الناس عزيز الحفظ لا يملّه جليسه من حسن حديثه جوادا سمعت الوزير ابن كلّس يقول: قال لي الأستاذ كافور: اجتمع بالقاضي وقل له:
بلغني انك تنبسط مع جلسائك وهذا الانبساط يذهب هيبة الحكم. قال: فجئته
стр. 582
فاعلمته وقال لي قل للاستاذ: لست ذا مال افيض به على جليسي فلا يكون اقلّ من خلقي. قال: فأعدت الجواب على الأستاذ فقال: لا تعاوده فقد وضع القصعة [يعني انه عرّض له بطلب ما يوسّع به على خواصّه من المال ووضع القصعة] كناية عن الطلب لان العادة جرت ان من احتاج يضع اناء بين الرؤساء ليجعل كل منهم فيها ما تطيب به نفسه فاذا انتهى ذلك اخذها صاحبها بما فيها وهذا الآن في عرف اهل العصر فيقال: طوفوا لفلان بطاسة على الرؤساء. او نحو هذا من الكلام
قال عبد الغنيّ: وبلغني ان اباه خلّف مالا كثيرا فانفقه وكان يذهب الى قول مالك وربما اختار. وقال الخطيب: حدّث ببغداد ونزل مصر وحدّث بها فاكثروا عنه وكان ثقة وولاّه عمر بن ابي عمر قضاء واسط واقام بها مدة طويلة
وقال ابن ماكولا: كان آخر من حدّث عن ثعلب وكان ثقة ثبتا كثير السماع فاضلا وقال ابو محمد بن ابي زيد: كان فقيها اديبا مسندا له قدر وجلالة
وقال ابن زولاق: كان كثير الحديث واسع المذاكرة يفتي به ابوه وسمعه. واوّل ما دخل مصر سنة ٤٠ بعد ان ولي قضاء دمشق لان اهل دمشق آذوه وكتبوا فيه محضرا وساعدهم كافور فوردت كتب المطيع بصرفه عن قضاء دمشق فصرف اقبح صرف وقرئت الكتب على المنبر في جامع مصر وولي عوضه الخصيبيّ فاستمرّ ابو طاهر بمصر فلمّا مات الخصيبيّ وولي ابنه ثم مات ابنه عن قرب وبقيت مصر بغير قاض فكلّم كافور في ولاية ابي الطاهر فامتنع وعيّن عثمان [بن محمد بن شاذان قاضي الرملة بسعاية جعفر بن الفضل الوزير فشاع بمصر موت عثمان] المذكور فبذل عبد الله بن وليد لكافور ثلاثة آلاف دينار فاجتمع الشهود واعيان مصر على الرضى بابي طاهر فركب ابو طاهر الى كافور وهو في مجلس المظالم ومعه رجال الخصيبيّ فجاءوا قاصدين كافور فصرفه فمضى الى دار نحرير الخادم وعنده الشهود والاعيان فركب نحرير الى كافور فكلّمه فارسل الى الشهود وقال لهم: اختاروا قاضيا. قالوا: اخترنا ابا الطاهر فانه جاورنا فما رأينا الاّ خيرا. واثنى عليه يحيى بن مكّي بن رجاء والحسن ابن ايّوب الصيرفيّ فولاّه كافور فانصرف الى الجامع وتسلّم ديوان الحكم والاحباس
стр. 583
وباشر بحسن سياسة فاحبّه الناس وألان لهم جانبه. وكان سهلا في الاحكام لا يتشدّد لما كان اهل دمشق عاملوه به وكان في احكامه في مصر كالمحجور عليه لكثرة جلوس كافور للمظالم في كل سبت. وكان يوقّع الى الشهود وقبض كافور يده عن الاحباس وتسلّمها منه في شوّال سنة ٥٠ وردّ امرها الى الحسن بن ايّوب ويحيى ابن مكّيّ. وعدّل في ولايته جماعة من الاشراف
ورفعت (٩٩) اليه امرأة ان زوجها اشعر الذكر وانها لا [تطيقه] فحكم عليها بان لا تمنعه يوم يتنوّر ثم قال له: تنوّر انت كل يوم ان شئت
وقال عبد الغنيّ بن سعيد: كان ربما اختار خلاف مالك ومن ذلك القضاء بشاهد ويمين. وكان يحكي عن ابيه وإسماعيل القاضي انهما كانا لا يحكمان به وكان اذا شهد الواحد وليس معه غيره ردّ تلك الشهادة
قال ابن زولاق: ولم يزل ابو الطاهر ينظر في الاحكام حتى قدم جوهر بعسكر المعزّ فانزعج اهل مصر لذلك فندب الوزير ابن الفرات ابا جعفر مسلما الحسينيّ وابا إسماعيل الزهي (؟) وابا الطاهر القاضي في جماعة من وجوه البلد فخرجوا الى جوهر وكلّموه في الأمان فكتب لهم سجلاّ ورفع قدر القاضي وخلع عليه. ثم دخل جوهر مصر واقرّ القاضي على حاله لكن الزمه ان يحكم في المواريث بقول اهل البيت وفي الطلاق وفي الهلال وكان القاضي يتراءى هلال رجب وشعبان ورمضان كل سنة بسطح الجامع فابطل ذلك وصار الهلال بالعدد شهرا ثلاثين وشهرا تسعا وعشرين في الصيام والفطر وغير ذلك. ثم وصل المعزّ فتلقّاه وجوه [اهل] البلد الى الاسكندريّة فخلع على القاضي وحمله وسايره في الركوب وقال له: كم رأيت يا قاضي خليفة. فقال:
واحدا والباقي ملوك. وكان رأى من العبّاسيّة عشرة اوّلهم المعتضد. وكان النعمان بن محمد قدم صحبة المعزّ [فلم ينظر في شيء من الاحكام مع ان المعزّ كان اشركه مع القاضي وقدم صحبة المعزّ] ايضا عبد الله بن محمد بن ابي ثوبان فولاّه المعزّ النظر في المظالم فتبسّط في الاحكام وسمع الشهادات وسجّل عليه بقاضي مصر والاسكندريّة وانفرد شهود يشهدون عليه في احكامه كما تقدّم في ترجمته فقال له الحسين بن كهمش في قصّة جرت: انت امرت ان يكتب في اسجالك
стр. 584
«قاضي مصر والاسكندريّة» فهل صرفت ابا الطاهر او اشتركت معه فأوقفنا على سجلّك حتى تستقيم الشهادة على احكامك. فبلغ المعزّ فقال: يمضى ما حكم به محمد بن احمد فانقطع الشهود عن ابن ابي ثوبان واعتلّ فأتى ذلك على نفسه فمات ومات النعمان ايضا فامر المعزّ عليّ بن النعمان بالنظر في الحكم وكان يحكم هو وابو الطاهر ويشهدون عند عليّ بن النعمان فيما يحتاج فيه الى الشهادة عليه
فلما ولي العزيز ردّ امر دار الضرب والجامعين بالقاهرة ومصر الى عليّ بن النعمان ولم يزل ابو الطاهر يتعاطى الاحكام الى ان حصل له فالج ابطل شقّه واتّفق ركوب العزيز الى الجيزة في صفر سنة ٦٠ ولقيه ابو الطاهر عند باب [الصناعة] فرآه على تلك الهيئة فقال: ما بقي الاّ ان يقدّدوه. وامره ان يستخلف ولده ابا العلاء ثم في اليوم الثالث قلّد العزيز عليّ بن النعمان وكانت مدّة ولاية ابي الطاهر ستة عشرة سنة وعشرة اشهر وسبعة عشر يوما واستمرّ بعد صرفه عن القضاء سنة وعشرة اشهر يكتب عنه الحديث وتأخّرت وفاته الى سلخ ذي القعدة سنة ٦٧ وعاش (٩٩ ب) ثمانيا وثمانين سنة. وفي كتاب الغرباء لابن الطحّان انه مات في سنة ٦٨ وهو غلط من الناسخ فان [ابن] الطحّان ثبت. وقال: كان ثقة ثبتا سمعت منه. وهذا الذي ذكرته من صرفه عن الحكم جزم به ابن زولاق وهو اخبر بحال ولده واما الخطيب فذكر انه استعفى عن القضاء قبل موته بيسير وكذا مقدار ما اقام به في القضاء وهو من تحرير ابن زولاق
وقال القطب الحلبيّ: وجدت بخطّ عبد الغنيّ بن سعيد ان مدّة ولايته ثماني عشرة سنة وكأنّه الغى الكثير في السنة الاولى وفي السنة الثانية لانه ولي في [بياض] وصرف في صفر
ويقال ان ابا الطاهر دخل على كافور في مجلس المظالم وهو لابس خفّين احدهما احمر والآخر اسود فرآهما كافور عند قيامه فاراه الحاضرين و [طير؟] به وحمل ذلك على عده اهتباله وقلّة تأمله وكثرة تفريطه فبلغه فاعتذر بانه لبسهما في العكس وهو لا يشعر. وكان هو في الاصل لا يتأنّق في مأكل ولا مشرب ولا ملبس وذكر عليّ بن سعيد في كتابه جنى النحل: ان ابا الطاهر كان في خلافة المطيع يلبس
стр. 585
السواد ويضع على رأسه دنيّة طويلة يزيد على الدماغ. فتحاكم اليه زوجان فبذر من المرأة في حقّ زوجها كلام فقال لها: اسكتي هذا القاضي هو ابو الطاهر متى زدت من هذا المعنى نزع الخفّ الذي على رأسه وقطعه على دماغك. فقال له ابو الطاهر:
قم يا كذا يا كذا الى لعنة الله من اين لك ان هذا خفّ. قال ابن زولاق: تقدّم اليه رجل بامرأة يجحد ابنة له منها فكاد يلاعن بينهما الى ان قدّر ان الرجل اعترف بابنته فامر بحمله على جمل والبنت بين يديه نودي عليه: هذا جزاء من يجحد ولده.
وجاءت اليه نصرانيّة اسلمت ولم يسلم زوجها ولهما ولد صغير فقال: لا يصير مسلما بإسلام الامّ. فانكر الناس ذلك فضجّوا فقيل: ان مذهب اهل البيت انه يصير مسلما وهو قول الشافعيّ. فحكم باسلامه فدعا له الناس واعجبهم حكمه. ولم يحكم بمصر ممّن ولي قضاءها ممّن كان قضى ببغداد غير يحيى بن اكثم ما قضى بمصر الاّ قليلا جدّا لما كان مع المأمون. قال الخطيب: كان ابو الطاهر قد ولي القضاء بمدينة المنصور
النعمان بن محمد بن حيّون
عن رفع الاصر ص ١٣٦ ب والتلخيص ص ١٠٦
النعمان بن محمد بن منصور بن احمد بن حيّون الاسماعيليّ المغربيّ يكنى ابا حنيفة تقدّم بقيّة نسبه في ترجمة ولده عليّ وكان قدومه صحبة المعزّ من المغرب وهو يتولّى القضاء في عسكر المعزّ فأقرّ المعزّ ابا الطاهر على حاله واوّل ما فرض للنعمان الحكم في الضيعة التي كان محمد بن عليّ الماذرائيّ حبسها ثم باعها في المصادرة فاشتراها منه عمر بن الحسن العبّاسيّ ثم باعها اولاده فاشتراها فرح التحكيمي فاثبت احمد بن ابراهيم بن حمّاد تحبيسها ثم اتّصل بالخصيبيّ فحكم بانها حبس ثم اتّصل ذلك بابي الطاهر فامضى ذلك فتظلّم فرح التحكيمي الى المعزّ فامر النعمان بن محمد ان ينظر في امرها فاتّصل به اشهاد ابي الطاهر لجميع ما في كتاب التحبيس فشهد عنده الحسين بن كهمش وعبد العزيز بن اعين على اشهاد ابي الطاهر بما ذكر فعاجلت النعمان المنيّة قبل اكمال القضيّة فكان وفاته في سنة [٣٦٣]
стр. 586
وكان يسكن مصر ويغدو منها الى القاهرة في كلّ يوم واستمرّ ابو الطاهر على حاله ولكن اضاف اليه المعزّ عليّ بن النعمان وكان يحكم بالجامع العتيق ايضا ثم بعد موت المعزّ وتولّي العزيز ردّ امر دار الضرب والجامع لعليّ بن النعمان بن محمد فحضر الجامع وحضر ابو الطاهر في مجلسه على العادة وحكم وحضر معه جمع كثير من الشهود والفقهاء والتجّار واعلنوا بالدعاء لابي الطاهر
فاحضر متولّي الشرطة الذين اعلنوا بالدعاء لابي الطاهر فسجنهم فشفع فيهم عليّ بن النعمان فأطلقوا وواصل ابو الطاهر الجلوس بالجامع ولم يزل امره مستقيما الى ان حصلت له رطوبة عطلت شقّة فعجز عن الحركة الاّ محمولا فركب العزيز يوما في مستهلّ صفر سنة ٣٦ فتلقّاه ابو الطاهر وهو محمول عند باب [الصناعة] فسأله ان يأذن له في استخلاف ولده ابي العلاء بن الطاهر نيابة عنه بسبب ما به من الضعف فقال العزيز: ما بقي الاّ ان يقدّدوه. ثم في ثالث يوم صرف ابا الطاهر وقلّد عليّ بن النعمان كما سبق في ترجمته
عبد الله بن ابي ثوبان
عن رفع الاصر ص ٥٧ ب والتلخيص ص ٤٦
عبد الله بن محمد بن ابي ثوبان عبد الله بن ابي سعيد ابو سعيد. قال ابن زولاق: قدم صحبة المعزّ من بلاد المغرب فولاّه النظر في المظالم بمصر فتنشّط في الاحكام واستماع الشهادات والاسجال بالاحكام وامر الشهود ان يكتبوا عنه في تسجيلاته «قاضي مصر والاسكندريّة» واختصّ بشهود يشهدون عليه في احكامه فلمّا تظلّم ابن بنت كيجور [كينجور؟] في امر الحمّام الذي كان جدّه لامّه انشأها وتنجّز من المعزّ توقيعا بان ابن ابي ثوبان ينظر في امرها واقام عنده البيّنة بان جدّه المذكور بنى الحمّام المذكور وانه توفّي وانحصر إرثه في بنته وهي والدة المدّعي. وكان المعزّ تقدّم الى قضاته ان يورثوا البنت جميع الميراث اذا لم يكن معها اخ او اخت فكتب ابن ابي ثوبان له سجلاّ بذلك واحضر الشهود ليشهدوا على حكمه. فبلغ ذلك ابا طاهر الذهليّ وكان سبق منه اشهاد على نفسه بان محمد بن عليّ الماذرائيّ
стр. 587
حبس الحمّام المذكور فعظم الخطب وكثر القول في ذلك. فحضر جماعة من الشهود وغيرهم مجلس ابن ابي ثوبان فلمّا قرئ عليه السجلّ قام الحسين بن كهمش وكان كبير الشهود يومئذ ومقدّمهم فقال: ان للقاضي ابي طاهر في هذا الحمّام سجلاّ سابقا بانه حبس وقد ذكرت في هذا السجلّ انه ثبت عندك بشهادة شاهدين بانها مخلّفة عن كيجور فمن الشاهدان. فقال: ابو احمد عبيد الله بن محمد المراديّ فسئل ابو احمد فانكر فقال له ابن ابي ثوبان: بلى قد شهدت عندي. [فقال له الحسين:
امّا هذا فقد بطلت شهادته فمن الثاني. قال محمد بن المهذّب: فسئل محمد فقال:
اشهد ان كيجور بناها. فقال له الحسين: فمات وهي ملكه]. فقال: ما ادري. قال:
فالارض له. فسكت قال: فتشهد ان الرصاص الذي فيها والبلاط والمجاري وجميع الآلات مما عمله كيجور. فاضطرب في الجواب فقال له ابن ابي ثوبان: فقد شهدت عندي البيّنة على شهادة عليّ بن مجلّي بذلك. فقال له الحسين: حتى تسمع الشهادة بذلك وايضا فانت تكتب في سجلّك «قاضي مصر والاسكندريّة» فصرف القاضي ابو طاهر ام انت قاض معه فاوقفنا على سجلّك حتى تستقيم لنا الشهادة على احكامك. فلم يجب ونهض الشهود مستظهرين فصاروا الى ابي طاهر فاخبروه فقويت نفسه
وانهى ما جرى للوزير يعقوب بن كلّس فاخبر بذلك المعزّ وتنجّز التوقيع عنه بما يعتمد عليه في ذلك. فكتب المعزّ بخطّه: يمضى في الحمّام ما حكم به محمد بن احمد. فمضى الامر على ذلك وبطل حكم ابن ابي ثوبان وانقطع الشهود عنه بعد ان كانوا مواصليه وشاهدين على احكامه فاتّخذ جماعة من الشهود غيرهم واشهدهم على حكمه وإسجاله لابن بنت كيجور بالحمّام فانصرف الشهود من عنده وبين ايديهم من ينادي «هؤلاء عدول امير المؤمنين» في كلام كثير من التعظيم لابن ابي ثوبان
فلمّا خرج توقيع المعزّ في امر الحمّام انكسروا وقوي ابو الطاهر واصحابه ومنع اولئك الشهود من حضور مجلسه
واعتلّ ابن ابي ثوبان بسبب ذلك [فدامت] علّته الى ان اتت على نفسه فمات
стр. 588
عليّ بن النعمان بن حيّون
عن رفع الاصر ص ٨٥ والتلخيص ص ٦٥ ب
عليّ بن النعمان بن محمد بن منصور بن احمد بن حيّون المغربيّ القيروانيّ الإسماعيليّ من المائة الرابعة ولد في رجب سنة ٣٢٨ وقدم مع المعزّ من المغرب فامره بالنظر في الحكم وكان يحكم هو وابو الطاهر والشهود يشهدون عليهما جميعا وعندهما والاجتماع عند ابي الطاهر فلمّا مات المعزّ ردّ امر الجامعين ودار الضرب لعليّ بن النعمان فحضر الى الجامع العتيق وحكم ثم واظب ابو الطاهر الحكم في الجامع وعزل جماعة ثم عرض له الفالج ففوّض العزيز الحكم الى عليّ بن النعمان وذلك لليلتين خلتا من صفر سنة ٣٦٦ فركب الى الجامع الازهر في جمع كثير وعليه خلعة مقلّدا سيفا وبين يديه خلع في مناديل عدّتها سبعة عشر وقرئ سجلّه بالجامع وهو قائم على قدميه فكلما مرّ ذكر المعزّ او احد من اهله اومأ بالسجود ثم توّجه الى الجامع العتيق بمصر فوجد الخطيب عبد السميع ينتظره بالجامع وقد كان الوقت ان يخرج فصلّى الجمعة وقرأ اخوه محمد عهده وفيه انه ولّي القضاء على مصر واعمالها والخطابة والإمامة والقيام في الذهب والفضّة والمواريث والمكايل ثم انصرف الى داره فركب اليه جماعة من الشهود والأمناء والتجّار ووجوه البلد ولم يتأخّر عنه احد
وكان في سجلّه: اذا دعا احد الخصمين اليك ودعا الآخر الى غيرك ردّا جميعا اليك فعرف ان ذلك إشارة الى منع ابي طاهر فامتنع من (٨٥ ب) يومئذ حين بلغه فلمّا كان اليوم الثالث من ولايته ركب عليّ بن النعمان الى الجامع العتيق وبين يديه سلّة حمراء وجلس في مجلس الصفّ [الصيف؟] عند حلقة الزوال وركب معه الشهود والأمناء والفقهاء والتجّار فكان الجمع وافرا جدّا فنظر بين الناس ودعا بالوكلاء وقرأ عليهم سورة العصر وحضّهم على تقوى الله ثمّ طلب الشهود وسأل عن القاضي ابي الطاهر فقال له الحسين بن كهمش وكان وجه الشهود يومئذ: هو على حاله.
فقال: ينظر في الحكم في داره دون الجلوس في الجامع فبلغ ذلك ابا طاهر فصرف الوكلاء وانقطع عن الحكم وعني بعض اهل البلد بابي الطاهر فتنجّز له توقيعا بان
стр. 589
ينظر في الحكم على حاله وجمع الشهود وقرئ عليهم فبلغ ذلك ابا الطاهر فامتنع وقال: ما افعل ولا بي طاقة. فقال له الحسين بن كهمش: جاز [ى] الله القاضي. وسكت عليّ بن النعمان عن طلب ديوان الحكم فلم يسأل عنه ولا طلبه*حسن عشرة وجميل فعل؟. ولما امتنع ابو الطاهر انبسطت يد عليّ بن النعمان في الاحكام واستخلف عليّ اخاه محمدا والحسن بن خليل الفقيه الشافعيّ وشرط عليه ان يحكم بمذهب الإسماعيليّة لا بمذهب الشافعي وكان يحكم اذا اشتغل محمد واستخلف عليّ اخاه محمدا على تنبيس ودمياط والفرما وغيرها فخرج اليها وقرّر فيها نوّابا ثم عاد واتّخذ عليّ في داره سجفا
ولمّا سافر العزيز سنة ٦٨ لحرب القرامطة سافر صحبته واستخلف اخاه محمدا واشاع جماعة ان العزيز [بياض بالاصل] عليّ بن النعمان وكاتب محمدا اخاه بذلك فتنجّز توقيع العزيز الى متولّي الشرطة وهو حسن بن القاسم بالكشف عن ذلك وتقدّم اليه بعد الخوض في ذلك وتقوية يد محمد بن النّعمان
وكانت الشهود تجلس في الجامع على رسم القضاة قبله في الشتاء في المقصورة وفي الصيف عند الشبّاك ثم وقع [الاعتياد] ان يجلس معه في مجلسه اربعة عن يمينه وعن يساره يشاهدون ما يقع من احكامه. وكان الذي يكتب عنه التواقيع يأخذ عليها رسما فانكر ذلك عليّ بن النعمان بعد سنة من ولايته ومنعه
وارتدّ في ايّامه رجل فاستأذن العزيز وضرب عنقه. واختصّ ابن النعمان بالعزيز كاختصاص ابيه بالمعزّ وكان يجالسه ويؤاكله ويركب معه ويسايره وكان الوزير يعقوب ابن كلّس يعارضه وهو يتغافل عنه وزاد به الامر الى ان كان لا ينفذ حكما ولا يعدّل شاهدا ولا يقلّد نائبا الاّ بعد مطالعة الوزير بذلك وابطل القاضي الجلوس بالجامع لمبالغة الوزير في إضعاف يده الى ان قبض على الوزير فعاد عليّ بن النعمان الى حالته
وكان اوّل من لقب قاضي القضاة بالديار المصريّة لانه كان في سجلّه ان جميع الاعمال داخلة في ولايته [بياض بالاصل]
[وله نظم منه ما ذكره المسبّحي في تاريخه:
ولي صديق ما مسّني عدم … مذ وقعت عينه على عدمي
стр. 590
اغنى واقنى فما يكلّفني … تقبيل كفّ له ولا قدم
قام بأمري لمّا قعدت به … ونمت عن حاجتي ولم ينم
يسرف بالقنى تهلله [؟] … وقبل هذا تهلل الحثم
محبّة الزائرين بيّنة … تعرف قبل اللقاء في الخدم
ولم يزل الى ان مات في سادس من رجب سنة ٣٧٤ واستقرّ بعده اخوه ابو عبد الله محمد بن النعمان]
عليّ بن سعيد الجلجوليّ
عن رفع الاصر ص ٨٣ ب والتلخيص ص ٦٤
عليّ بن سعيد الجلجوليّ. ذكر ابن زولاق في ترجمة عليّ بن النعمان ان الوزير ابن يعقوب بن كلس فوّض اليه في سنة ٣٦٩ الشرطة السفلى فنظر فيها وفي الاحكام وتظلّم رجل الى الوزير بان عليّ بن سعيد نظر في امره وحكم له وان القاضي عليّ ابن النعمان انكر ذلك واعترض فيه فوقّع الوزير: من حكم بحكم [من] سائر المستخلفين فليس للقاضي ولا لغيره الاعتراض كما انه ليس لاحد منهم الاعتراض على القاضي فيما حكم فيه
احمد بن المنهال
عن رفع الاصر ص ١٩ والتلخيص
احمد بن المنهال بن القاسم التونسيّ ابو طالب الاسماعيليّ من المائة الرابعة.
قال ابن زولاق: استدعاه الوزير ابن كلّس وكان قاضي تونس منها فردّ اليه امر المظالم بمصر وأعمالها وكتب له بذلك سجلاّ عن العزيز واذن له فيه في الحكم وسمّاه القاضي واطرأه فيه ومدحه وقرئ سجلّه بحضرة الوزير فنظر في المظالم وفي كثير من الاحكام [وصارت الاحكام في الغالب لا يردّ منها الى ابن النعمان شيء وكتب توقيعا وفيه: ان كل من حكم بحكم من المستخلفين فليس للقاضي ان يعترض عليه كما انه ليس لاحد من المستخلفين ان يعترض عليه وكانت ولايته في سنة ٣٦٨]. ذكر
стр. 591
ذلك في ترجمة عليّ بن النعمان قال: وكان الوزير يعاكسه في اموره وعليّ يصبر عليه.
وكان ابو طالب المذكور على مذهب الاسماعيليّة ايضا ولم يذكره من صنّف في قضاة مصر لكن تفويض الحكم اليه عن غير نيابة من ابن النعمان يقتضي ان يذكر فلا مانع عندهم من تولية قاضيين في البلد الواحد. وما عرفت من اخبار ابن المنهال هذا اشياء الاّ [بياض] انتهى
محمد بن النعمان بن حيّون
عن رفع الاصر ص ١٢٩ والتلخيص ص ١٠٠ ب
محمد بن النعمان بن محمد بن منصور بن احمد بن حيّون المغربيّ القيروانيّ نزيل القاهرة [إماميّ من المائة الرابعة ولد في صفر سنة ٣٤٥ بالمغرب وقدم القاهرة] صحبة والده مع المعزّ وناب عن اخيه عليّ بن النعمان في آخر امره وولاّه العزيز استقلالا بعد موت اخيه في يوم الجمعة لسبع بقين من رجب سنة ٧٤ وخلع عليه وقلّد سيفا ونزل الى مصر في يومه في قبّة على بغل لعلّة كانت به فدخل الجامع فلم يقدر على الجلوس فرجع الى داره وجلس ولده عبد العزيز واولاد إخوته وجماعة الشهود حتى قرئ عهده في الجامع بعد صلاة الجمعة بالقضاء على الديار المصريّة والاسكندريّة والحرمين واجناد الشأم وفوّض اليه الصلاة وعيار الذهب والفضّة والمواريث والمكايل وذكر في سجلّه ابوه واخوه فأثني عليهم ثم ارسل ابن اخيه [الحسين] ابن عليّ الى الجامع للحكم بين الناس وكاتب خلفاء النواحي فلمّا كان يوم الجمعة اوّل جمادى الاولى سنة ٧٥ عقد لابنه عبد العزيز على بنت جوهر القائد في مجلس العزيز وكان الصداق ثلاثة آلاف دينار والشاهدان محمد بن عبد الله العتقيّ وعبد الله ابن محمد بن رجاء وخلع العزيز على الزوج وانصرف محمد بن النعمان في جمع كثير من الخواصّ. ثم قرّر ابنه عبد العزيز في نيابته وصرف ابن اخيه الحسين بن عليّ
قال المسبّحيّ: كان محمد بن النعمان خبيرا بالاحكام حسن الادب والمعرفة بايّام الناس. قال العتقيّ في تاريخه: امر [المعزّ] وهو بالمغرب قاضي بلاده النعمان بن محمد ان يعمل له اصطرلابات فضّة وان يجلس مع الصانع بعض ثقاته فاجلس
стр. 592
النعمان ولده محمدا فلما فرغ توجّه به الى المعزّ فسأله: من اجلست مع الصانع.
قال: ولدي محمدا. فقال: هو قاضي مصر. قال محمد بن النعمان: كان المعزّ اذا رآني قال لولده وانا صبيّ: هذا قاضيك
قال المسبّحيّ: وعدّل محمد بن النعمان في ايّامه نحوا من ثلاثين نفسا وكان محمد بن النّعمان جيّد النظر في الاحكام تقدّمت اليه امرأة طالبت زوجها بحقّها فامتنع من دفعه لها فسألت القاضي ان يحبسه فامر بذلك ثم نظر اليها فوجدها جميلة وظهر عليها (١٢٩ ب) السرور فلما توجّه الى الحبس امر القاضي بحبسها مع زوجها فغضبت فقال لها: حبسناه لحقّك ونحبسك لحقّه فلما تحقّقت ذلك أفرجت عنه فلما توجّهت قال القاضي: رأيتها فرحت بحبسه فخشيت انها تخلو بنفسها لغيبة زوجها.
قال: وكان الوزير ابن كلّس كثير المعارضة لبني النعمان في احكامهم فاتّفق ان الحسن بن الحسين بن عليّ بن يحيى الدقّاق زوّج ولده يتيمة تعرف ببنت الديباجيّ بإذن محمد بن النعمان فقام في ذلك بكر بن احمد المالكيّ احد الشهود وادّعى فساد العقد لكونها غير بالغ وبالغ في ذلك فقال ابن النعمان: ثبت عندي بإقرارها انها بلغت. فحملت الى القصر ورفع امرها الى العزيز وكشف عنها فوجدت غير بالغ فتقدّم الى القاضي بفسخ النكاح فاحضر الوزير القاضي والشهود وتهدّدهم وقال:
يتقدّم مولانا بفسخ هذا النكاح وبالوقوف عن قبول شهادة هؤلاء الشهود. ففعل وكتب بذلك سجلاّ بإمضاء ذلك وفيه انه «ثبت عنده انها غير بالغ» ثم بالغ الوزير في الانكار على الشهود في التساهل وكان ذلك في سلخ جمادى الاولى سنة ٧٥ وامر بحفظ مال الصبيّة ثم ابتاع لها منه ربعا
ورفع الى محمد بن النعمان ان نصرانيّا اسلم ثم ارتدّ وقد جاوز الثمانين فاستتيب فابى فأنهى امره الى العزيز فسلّمه لوالي الشرطة وارسل الى القاضي ان يرسل اربعة من الشهود ليستتيبوه فان تاب ضمن له عنه مائة دينار وان اصرّ فليقتل فعرض اليه الإسلام فابى فقتل ثم امر بتغريقه في النيل
ورفع اليه رجل من ولد عقيل بن ابي طالب زوجته ومعها ابنة لها جحدها فتلطّف به ابن النعمان فلم يجد فيه حيلة فانهى امره الى العزيز فامره بالملاعنة بينهما
стр. 593
وكتب في ذي القعدة سنة ٧٨ الى الجامع العتيق فاجتمع الشهود ووعظ الزوج فابى الاّ اللعان فلاعن بينهما ثمّ فرّق بينهما
ثم استخلف ولده عبد العزيز في الحكم وكان ينظر كل اثنين وخميس. وفي اوّل سنة ٨١ عدّل جماعة من الاشراف. وفي صفر سنة ٨٢ رتّب رجلا جعفريّا بالجلوس في الجامع في الفتوى على مذهب اهل البيت فشغب عليه الفقهاء من اهل الجامع فبلغ [هـ] ذلك فقبض على بعضهم وطوّف بثلاثة منهم على الجمال
وعلت منزلة القاضي عبد العزيز وقطع النزول الى الجامع ونظر في الحكم في داره ولم يكن احد يخاطبه الاّ بسيّدنا فلمّا توفّي العزيز سكن محمد بن النعمان في داره بالقاهرة ورتّب ابنه عبد العزيز كل اثنين وخميس ينظر في الاحكام بمصر
قال ابن زولاق: ما شهدنا لقاض من القضاة بمصر ما شاهدناه لمحمد بن النعمان ولا بلغنا ذلك عن قاض بالعراق وكان مع ذلك مستحقّا لما هو فيه من العلم والصيانة (١٣٠) والتحفّظ والهيبة واقامة الحقّ. وفيه يقول ابو عبد الله السمرقنديّ:
وحيد في فضائله غريب … خطير في مفاخره جليل
تألق بهجة ومضى اعتزاما … كما يتألّق السيف الصقيل
ويقضي والسّداد له حليف … ويعطي والغمام له زميل
اذا ركب المنابر فهو قسّ … وان حضر المشاهد فالخليل
قال المسبّحيّ: وله نظم كثير ليس بالقويّ فمن اجوده
ايا مشبه البدر بدر السما … لسبع وخمس مضت واثنتين
ويا كامل الحسن في نعته … شغلت فؤادي واسهرت عيني
فهل لي في فيك من مطمع … والاّ انصرفت بخفّي حنين
قال: وفي ولايته رجم رجلا خيارا اصاب امرأة علويّة من زناء وكان رجمه بسوق الدوابّ بقرب الجامع الطولونيّ وذلك سنة ٩٢
قال: ولمّا حصل له التمكّن الزائد وعلت رتبته لزمته الامراض كالنقرس والقولنج وكان اكثر ايّامه عليلا وولده عبد العزيز ينظر في الاحكام ويسجل في دار ابيه وغيرها. وكان برجوان يعوده في كل خميس مع عظمة برجوان قال: وكان فيه
стр. 594
إحسان لأتباعه مع حسن الخلق والبذّة والركوب وكثرة الطيب والبخور اذا جلس في مجلسه واذا ركب. وكان اذا اعطى عطاء كثرة وعجّله. وكانت وفاته وهو على القضاء في ليلة الثلثاء الرابع من صفر سنة ٣٨٩ فركب الحاكم فصلّى عليه في داره ودفنه تحت قبّتها ثم نقل بعد الى القرافة. وكانت مدّة ولايته اربع عشرة سنة وستّة اشهر وعشرة أيّام. ووجد عليه من اموال اليتامى وغيرهم ستّة وثلاثون الف دينار فامر الحاكم برجوان ان يحتاط على موجوده فارسل كاتبه ابا العلاء فهدا النصرانيّ فاحتاطوا عليه وشرعوا في البيع وفي تغريم الشهود الذين كانت الودائع تحت ايديهم فمن احضر ورقة بخطّ القاضي ترك ومن لم يحضر خطّ القاضي غرم الى ان تحصّل قدر نصف الدّين فدفع للمستحقّين بقدر النصف. وتقدّم امر الحاكم ان لا يودع بعد ذلك عند احد من الشهود مال يتيم ولا غائب وافرد موضع بزقاق القناديل يوضع فيه المال ويختم عليه اربعة من الشهود لا يفتح [الاّ] بحضور جميعهم فاستمرّ الامر على ذلك مدة وكان محمد بن النعمان سلّم لعبد الله بن محمد المداديّ احد الشهود مال يتيم واراد الإشهاد عليه بذلك فامتنع فقال محمد: ما بالذي يودع الاشهاد. فاتّفق ان المدادي مات في سنة ٧٩ وعنده ودائع كثيرة فراسله يزيد بن السندي كاتب الحكم قبل ان يموت حتى اشهد عليه بما عنده. فلما مات لم يوجد اكثر ذلك فباع القاضي داره بخمسة آلاف دينار فوفّى بها الودائع
عليّ بن محمد الحلبيّ
عن رفع الاصر ص ٨٤
علي بن محمد بن اسحاق بن يزيد الحلبيّ المحدّث المشهور كان ينوب في الحكم عن محمد بن النعمان القيروانيّ قاضي مصر في ايّام العزيز لما مرض القاضي وعجز عن الركوب فلما كبر سنّه وعجز عن الحركة (٨٤ ب) استخلف الحسين بن محمد بن طاهر نقيب الاشراف كما تقدّم في ترجمته
стр. 595
الحسين بن علي بن النعمان بن حيون
عن رفع الاصر ص ٣٩ ب والتلخيص ص ٣٣ الحسين بن عليّ بن النعمان بن محمد بن منصور بن احمد بن حيّون (بمهملة وياء آخر الحروف مهملة مضمومة وآخره نون) المغربيّ الاسماعيليّ من المائة الرابعة ولد لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ٣٥٣ بالمهديّة وقدم مع ابيه القاهرة وهو صغير فحفظ كتابا في الفقه ومهر الى ان صار من ائمّة السبعيّة واستخلفه عمّه محمد بن النعمان بالجامع في الحكم ثمّ صرفه بابنه عبد العزيز بن محمد فلمّا مات محمد بن النعمان [و] اقامت مصر بغير قاض تسعة عشر يوما استدعاه برجوان بامر الحاكم فولاّه القضاء وولّى المظالم ابا عمر عبد العزيز بن محمد بن النعمان وذلك في آخر صفر او اوّل شهر ربيع الأوّل سنة ٣٨٩ وحرّره المسبّحيّ في الثالث والعشرين من صفر قال: [فزاد الحاكم في اكرامه] وقلّده سيفا وخلع عليه ثيابا بيضاء مقطوعة وردّاه برداء وعمّمه بعمامة مذهبتين وحمله على بغلة وقاد بين يديه بغلتين وحمل معه ثيابا صحيحة [؟] كثيرة وقرئ عهده بولاية القضاء بالقاهرة ومصر والإسكندريّة والشأم والحرمين والمغرب واعمال ذلك وهو قائم على قدميه وأضيفت اليه الصلاة والحسبة فركب الى الجامع ووقف عن قبول جماعة من شهود عمّه وعدّتهم اربعة عشر والمسبّحيّ اسماهم ثم قبلهم بعد مدّة شهر واستخلف على الحكم الحسين بن محمد بن طاهر بمصر وبالقاهرة مالك بن سعيد الفارقيّ واقام النعمان اخاه في النظر في [العيار] فاضاف اليه قضاء الإسكندريّة وعلى الفروض احمد بن محمد بن ابي العوّام. والزم من ينظر في مال الايتام بعمل الحسابات
فبينما هو في ثامن صفر سنة ٩١ جالسا في الجامع بمصر يقرأ عليه الفقه اقيمت الصلاة صلاة العصر فدخل فيها اذ هجم عليه مغربيّ اندلسيّ فضربه ضربتين بمنجل (٤٠) وفأس في وجهه ورأسه فأمسك الرجل فقتل وصلب وصار من ذلك اليوم يحرسه عشرون رجلا بالسلاح. وذكر المسبّحيّ في تاريخه ذلك في حوادث سنة ٩٣ في ثاني المحرّم واقام القاضي الى ان اندمل جرحه فركب الى الحاكم فخلع عليه
стр. 596
وحمله على بغلة وقاد بين يديه اخرى. وان الحسين هذا جرح وهو راكع في صلاة العصر وكان اذا صلّى يصفّ خلفه الحرس بالسيوف حتى يفرغ ويصلّون هم حينئذ
قال المسبّحيّ: وهو اوّل قاض فعل معه ذلك وكان الحاكم قد امر ان يضعّف للحسين ارزاق عمّه وصلاته وإقطاعاته وشرط عليه ان لا يتعرّض من اموال الرعيّة للدرهم فما فوقه وخلع عليه وقلّده سيفا وحمله على بغلة وفوّض اليه الحكم بجميع المملكة وكذلك الخطابة والإمامة بالمساجد الجامعة والنظر عليها وعلى غيرها من المساجد وولاّه مشارفة دار الضرب والدعوة وقراءة المجالس بالعصر وكتابتها وهو اوّل من اضيفت اليه الدعوة من قضاة العبيديّين
وكان الناس يظنّون انه لا يتولّى القضاء لضعف حاله وان الولاية انما هي لعبد العزيز بن محمد ابن عمّه لمّا كان ابوه قدّمه في الحكم في حياته وهذّبه ودرّبه
ثم رفع جماعة من الناس ان لهم ودائع مودوعة في الديوان الحكميّ فاحضر القاضي ابن عمّه عبد العزيز بن محمد بن النعمان وكاتب عمّه ابا طاهر بن السنديّ وسألهما عن ذلك فذكرا ان عمّه تصرّف في ذلك كله على سبيل القرض فانكر عليهما ذلك واشتدّ في المطالبة وولّى استرفاع حسابهم فهد بن ابراهيم النصرانيّ كاتب برجون وفتّش عليهم والزم عبد العزيز ببيع ما خلّفه ابوه فباع الموجود فتحصّل منه سبعة آلاف دينار وزيادة وحصّل الكاتب قدرها مرّتين فاستدعى القاضي وهو جالس بالقصر اصحاب الحقوق فوفّاهم حقوقهم وقرّر في زقاق القناديل موضعا للودائع الحكميّة واقام فيها خمسة من الشهود يضبطون ما يحضر ويصرف وهو اوّل من افرد للمودع الحكميّ مكانا معيّنا وكانت الاموال قبل ذلك تودع عند القضاة او أمنائهم. وباشر الحسين بصرامة ومهابة وهو اوّل من كتب في سجلّه «قاضي القضاة» وابوه اوّل من خوطب بها من قضاة مصر
وتقدّم اليه الحسن المغربيّ في خصومة فزلّ لسانه بشيء خاطب به القاضي فاغضبه فارسل الى والي الشرطة فضربه الف درّة وثمانمائة درّة بحضرة صاحب القاضي وطيف به فمات من يومه وأخرجت جنازته فحضرها اكثر اهل البلد وكرّموا قبره و [اكثروا] الدعاء له وعلى من ظلمه وندم القاضي على ما فعل وفاته الندم
стр. 597
فلمّا كان في رجب سنة ٩٣ اذن الحاكم لعبد العزيز بن محمد ان يسمع الدعوة والبينة مع استمرار الحسين على وظائفه فرتّب عبد العزيز له شهودا يحضرون مجلسه وشرط عليهم ان لا يحضروا مجلس ابن عمّه فبقي الناس في امر [مريج] فمن رفع قصّة الى الحسين رفع غريمه قصّة الى عبد العزيز واذا حضر عبد العزيز الى الجامع تخلو دار الحسين فكثر الكلام في ذلك والخوض فيه فكتب الحاكم بخطّه سجلاّ بانه لم يأذن لغير الحسين ان يشارك الحسين فيما فوّض اليه وامر بان يمنع من يسجّل على غيره في شيء من الاحكام (٤٠ ب) وان من دعا احدا من الخصوم وكان قد سبق الى الحسين ان لا يمكّن احدا منه وقرئ هذا السجلّ على الملإ وانشرح خاطر القاضي بذلك ولم يزل على جلالته حتى افرط في مجاوزة الحدّ في التعاظم والزم الشهود بحضور مجلسه في داره وبالجامع ومن غاب منهم لزمه جعل جيّد يؤخذ منه وكان يتتبّع قراءة ما يسجّل عليه عنده قبل ان يشهد به على نفسه. وكان مع ذلك كثير الإفضال على اهل العلم والادب والثبوت ولهم عليه جرايات من القمح والشعير مشاهرة وغيرها ويصلهم بالملابس وغير ذلك. [واستمرّ] الى ان خرج امر الحاكم بصرفه عن الحكم في شهر رمضان سنة ٩٤ فلم يشعر وهو بداره حتى دخل عليه من اعلمه بان ابن عمّه عبد العزيز ولي القضاء فانكر ذلك الى ان تحقّق فاغلق بابه ولزم بيته واشتدّ خوفه الى ان كان في السادس من المحرّم فامر الحاكم فأحضر على حمار نهارا وامر بحبسه الى اوّل سنة ٩٥ فضربت عنقه هو وابو الطاهر المغازليّ ومؤذّن القصر وأحرقت جثث الثلاثة عند باب الفتوح. وكان ممّا انكره الحاكم قصّة الرجل الذي ضربه والي الشرطة فمات كما تقدّم
وقد ذكر ابراهيم بن الرقيق في تاريخ إفريقيّة قصّة الحسين هذا مع الحاكم فقال ما نصّه: وقتل الحاكم قاضيه حسين بن عليّ بن النعمان فاحرقه بالنار قالوا: وكان من اسباب قتله ان الحاكم كان قد ملأ عينه ويده وشرط عليه العفّة عن اموال الناس فرفع الى الحاكم شخص متظلّم رقعته يذكر فيها ان اباه مات وترك له عشرين الف دينار وانها كانت في ديوان القاضي حسين وكان ينفق عليه منها مدّة معلومة فحضر يطلب من ماله شيئا فاعلمه القاضي ان الذي له نفد فاستدعى الحاكم بالقاضي فدفع
стр. 598
اليه الرقعة فاجابه بما قال للرجل وان الذي خلّفه ابوه استوفاه في نفقته فامر الحاكم باحضار ديوان القاضي في الحال فأحضر ففتّش فيه عن مال الرجل فظهر انه انّما وصل الى القليل منه ووجد اكثره باق فعدّ على القاضي ما رتّبه واجراه عليه واكرامه ايّاه وما شرط عليه من عدم التعرّض لاموال الرعيّة فجزع وهاله وقال: العفو وأتوب.
وانصرف بالرجل فدفع اليه ماله واشهد عليه. فحقد الحاكم عليه ذلك فامر به فحبس ثم أخرج بعد ذلك على حمار نهارا والناس ينظرون الى ان ساروا به الى المنظرة فضربت عنقه وأحرقت جثّته. وكانت مدّة ولايته القضاء خمس سنين وسبعة اشهر واحد عشر يوما
قال المسبّحيّ: لاعن بين رجل سكريّ وامرأته في الجامع العتيق ولم يسبق لذلك. يعني في دولة العبيديّين
قال: واقطع الحاكم القاضي المذكور دارا بالقرب من الخليج الحاكميّ فكان في ايّام النيل يركب [في عشاريّ] الى هذه الدار ويسايره الشهود على دوابّهم في البرّ ثم يركب منها الى القصر ثم يعود اليها ثم يرجع الى سكنه بالدار الحمراء
عبد العزيز بن محمد بن النعمان بن حيّون
عن رفع الاصر ص ٧٣ والتلخيص ص ٥٥
عبد العزيز بن محمد بن النعمان بن محمد بن المنصور بن احمد بن حيّون المغربيّ القيروانيّ الإسماعيليّ من المائة الرابعة ولد في اوّل ربيع الاوّل سنة ٣٥٥ وكانت ولايته القضاء في يوم الخميس السادس عشر من رمضان سنة ٣٩٤ وأضيف اليه النظر في المظالم وخلعت عليه الخلع على العادة وحمل على بغلة وقيدت بين يديه ثنتان وحمل بين يديه سفط ثياب ودخل الى الجامع فحضر في موكب [حافل] وقرئ تقليده على المنبر. وكان اوّل احكامه انه اوقف جميع الشهود الذين قبلهم ابن عمّه الحسين ما عدا شرف بن محمد بن المقري فانه استكتبه في التوقيع والقصص.
وكتب في الإسجال عليه «قاضي القضاة عبد العزيز قاضي عبد الله ووليّه منصور ابي عليّ الإمام الحاكم امير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين على القاهرة
стр. 599
المعزّية ومصر والاسكندريّة والحرمين واجناد الشأم والرحبة والرقّة والمغرب واعمالها وما فتحه الله وما [يصير] فتحه لامير المؤمنين [من بلدان المشرق والمغرب]» واستخلف عبد العزيز في الحكم مالك بن سعيد الفارقيّ وابن ابي العوّام في الفرض. ولازم الشهود الذين لم يقبلهم بابه فارسل اليهم انه: قد كثر تطارحكم عليّ واشتهاؤكم في قبول الشهادة فيلزم كل واحد منكم شغله فمن احتجت الى شهادته منكم انفذت اليه. فانصرفوا عنه فلمّا كان في التاسع عشرين ذي القعدة طلبهم واستحلفهم انهم ما كانوا يسعون في طلب الشهادة عند ابن عمّه ولا رشوه ولا غدوا له فحلفوا على ذلك فقبلهم. واصعد الحاكم عبد العزيز معه على المنبر في الجمع والاعياد على عادة من تقدّمه وامتدّت يده في الاحكام وعلت منزلته وجلس في الجامع وابتدأ في كتاب جدّه اختلاف اصول المذاهب. وفي ولايته فوّض الحاكم اليه النظر على دار العلم التي أنشأها وكان الحاكم بناها و [اتقنها] وجعل فيها من كتب العلوم شيئا كثيرا واباحها للفقهاء وان يجلسوا فيها بحسب اختلاف اغراضهم بين نسخ ومطالعة وقراءة بعد ان فرشت وعلّقت الستور على ابوابها
وتخصّص عبد العزيز هذا بمجالسة الحاكم ومسايرته فاحتاج القاضي [ان يأذن] لولده القاسم الاكبر في الحكم بالجامع فكان يجلس فيه لسماع الاحكام والفصل بين [(تلخيص ٥٥ ب) الخصوم وصار الناس يتردّدون في امورهم منه الى ابيه ومن ابيه اليه وامر ولده الاصغر ان يستكتب الناس ويفصل بينهم في مجلس حكمه بمنزله وفوّض اليه الحاكم ايضا النظر في تركة ابن عمّه حسين بن عليّ بن النعمان بعد قتله فتسلّم جميع ما وجد له وكذا فعل في تركة ابي منصور الحردي (؟) وهو من كبار دولته وقدّمه في الصلاة على جماعة من اوليائهم جرى العادة بانه لا يصلّي عليهم الاّ الخليفة وامره في يوم عاشوراء ان يمنع النساء والناس من المرور في الشوارع وكانت سنّتهم انهم في يوم عاشوراء يخرجون النساء وغيرهنّ للنوح والبكاء على الحسين وينشدون المراثي في الشوارح وتمدّ العامّة ايديهم الى امتعة الباعة فرفعوا ذلك الى الحاكم فامر القاضي بمنعهم من المرور في الشوارع وان يختصّ النوح والنشيد بالصحراء. واتّفق ان بعض الكتاميّين كان عنده [خزّ (؟)] فامتنع من ادائه وكان
стр. 600
عنده شدّة بأس وعجرفة فرفع امره الى القاضي فانفذ اليه رسولا فاهانه فرفع الامر للحاكم فامر باحضار الكتاميّ مسحوبا الى القاضي [ب] مصر ثم أحضر الى القاهرة ماشيا وألزم بالخروج ممّا عليه
وامره الحاكم بالنظر في المساجد وتفقّد اوقافها وجمع الريع وصرفه في وجوهه ففعل ذلك وبالغ فيه وافرد لذلك شاهدين يضبطانه
وزوّج القاضي ولديه بابنتي لقائد فضل بن صالح وكان الإملاك بالقصر على صداق اربعة آلاف دينار انعم الحاكم بها من بيت المال فخلع عليهما ثوبان مثقلان وستّة عشر قطعة من الثياب الملفوفة وحملا على بغلتين مسروجتين وقيد بين يديهما مثل ذلك
وتصلّب القاضي في احكامه وارتفعت كلمته وتقرّر في جميع اهل الدولة وتقدّم الى جميع الشهود ان من يتخلّف عن البكور الى حضور المجلس كل اثنين وخميس ألزم بغرم ثقيل. وسأله خليفته في الحكم مالك بن سعيد ان يستخلف الخليل بن الحسن بن الخليل عنه اذا طرقه امر فمنعه من الركوب او التوجّه الى مجلس الحكم فاذن له ولم يعهد ذلك لغيره ان النائب يستنيب عنه في المدينة]
(٧٣ ب) وذكر المسبّحيّ في تاريخه في حوادث سنة ٣٩٧ ما حاصله: ان عليّ ابن سليمان المنجّم وكان من خواصّ قائد القوّاد الحسين بن جوهر اخبره ان القاضي زار الحسين بن جوهر القائد في داره يوم احد من صيام النصارى وكان عنده ابو الحسن الرسّي (٧٤) والمنجّم ومن يخدمهم فدخل الغلام وقال: ابو يعقوب بن نسطاس الطبيب بالباب. فاذن له فدخل وهم على المائدة فاظهروا السرور به فاحضر له عدّة الوان ثم رفعت المائدة وقدّم الشراب وما يلائمه من الفاكهة والمشروب فاقبلوا على عملهم الى ان سكروا فامّا القاضي فانصرف ونام القائد والرسّيّ واستمرّ ابو يعقوب الطبيب بالطارمة التي كان بناها في ذلك المكان وهي تطلّ على نهر كبير يشرب ويطرب الى ان غلب عليه السكر فخرج وطلب بغلته فقدّم له بغلة الرسّيّ فامتنع من ركوبها فسأله الخدم ان يعود الى مكانه الى ان تحضر بغلته فرجع الى المكان الذي فيه الرسّيّ فناء الى جانبه فقام احد الفرّاشين فرفع الستارة فتفقّدهما فرأى
следующие страницы →