Полный текст (610 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الجزء الأول
قال الشيخ أبو على إسماعيل بن القاسم القالى البغدادى ﵀: الحمد لله الذى جل عن شبه الخليقة، وتعالى عن الأفعال القبيحة؛ وتنزه عن الجور، وتكبر عن الظلم؛ وعدل فى أحكامه، وأحسن إلى عباده؛ وتفرد بالبقاء، وتوحد بالكبرياء، ودبر بلا وزير، وقهر بلا معين؛ الأول بلا غاية، والآخر بلا نهاية؛ الذى عزب عن الأفهام تحديده، وتعذر على الأوهام تكييفه؛ وعميت عن إدراكه الأبصار، وتحيرت فى عظمته الأفكار؛ الشاهد لكل نجوى، السامع لكل شكوى، والكاشف لكل بلوى؛ الذى لا يحويه مكان، ولا يشتمل عليه زمان، ولا ينتقل من حال إلى حال؛ القادر الذى لا يدركه العجز، والعالم الذى لا يلحقه الجهل؛ والجواد الذى لا ينزح، والعزيز الذى لا يخضع؛ والجبار الذى قامت السموات بأمره، ورجفت الجبال من خشيته.
والحمد لله الذى بعث محمداً ﷺ بالدلائل الواضحة، والحجج القاطعة، والبراهين الساطعة؛ بشيراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجا منيرا؛ فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونهض بالحجة، ودعاء إلى الحق، وحض على الصدق؛ ﷺ .
ثم أما بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على خير البشر ﷺ ، فإنى لما رأيت العلم أنفس بضاعة، أيقنت أن طلبه أفضل تجارة؛ فاغتربت للرواية، ولزمت العلماء للدراية. ثم أعلمت نفسى في جمعه، وشغلت ذهنى بحفظه؛ حى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، ورويت جليله، وعرفت دقيقه؛ وعقلت شارده، ورويت نادره، وعلمت غامضه، ووعيت واضحه، ثم صنته بالكتمان عمن لا يعرف مقداره، ونزهته عن الإذاعة عند من يجهل مكانه؛ وجعلت غرضى أن أودعه من يستحقه، وأبديه لمن يعلم فضله، وأجلبه إلى من يعرف محله؛ وأنشره عند من يشرفه، وأقصد به من يعظمه؛ إذ بائع الجوهر وهو حجر يصونه بأجود صوان، ويودعه أفضل مكان؛ ويقصد به من يجزل ثمنه، ويحمله
стр. 2
إلى من يعرف قدره؛ على أنه لا يستحق بسببه أن يوصف بالفضل بائعه ولا مشتريه، ولا يستوجب أن يحمد من أجل المبالغة فى ثمنه مقتنيه، والعلم يذكر بالرجاحة طالبه، وينعت بالنباهة صاحبه ويستحق الحمد عند كل العقلاء حاويه، ويستوجب الثناء من جميع الفضلاء واعيه، ويفيد أسنى الشرف مشرفه ويكتسب أبقى الفخر معظمه فغبرت برهة ألتمس بنشره موضعا، ومكثت دهرا أطلب لإذاعته مكانا، وبقيت مدة أبتغى له مشرفا وأقمت زمناً ارتدى له مشتريا، حتى تواترت الأنباء المتفقة وتتابعت الصفاة الملتئمة التى لا تخالجها الشكوك ولا تمازجها الظنون، بأنه مشرفه فى عصره، أفضل من ملك الورى، وأكرم من جاد البللهى، وأجود من تعمم وارتدى، وأمجد من ركب ومشى، وأسود من أمر ونهى، سمام العدى، فياض الندى، ماضى العزيمة، مهذب الخليقة، محكم الرأى صادق الوأى، باذل الأموال، محقق الآمال، مفشى المواهب، معطى الرغائب أمير المؤمنين، وحافظ المسلمين، وقامع المشركين، ودامغ المارقين، وابن عم خاتم النبيين، محمد ﷺ ، (عبد الرحمن بن محمد) محيى المكارم، ومبتنى المفاخر، الذى إذا رضا غنى، وإذا غضب أردى، وإذا دعا أجاب، وإذا استصرخ أغاث. وأن معظمه مشتريه، وجامعه ومقتنيه، ربيع العفاة، وسم العداة، ذو الفضل والتمام، والعقل والكمال، المعطى قبل السؤال، والمنير قبل أن يستنال (الحكم) ولى عهد المسلمين، وابن سيد العالمين أمير المؤمنين (عبد الرحمن بن محمد) الإمام العادل، والخليفة الفاضل، الذى لم يرى فيما مضى من الأمراء شبهه، ولا نشأ فى الأزمنة من الكرماء مثله، ولا ولد نساء من الأجواد نظيره، ولا ملك العباد من الفضلاء عديله، فخرجت جائداً بنفسى، باذلا لحشاشتى، أجوب متونا قفارى، وأخوض بحج البحار، وأركب الفلوات، وأقتحم الغمرات، مؤملا أن أوصل العلق النفيس إلى من يعرفه، وأنشر المتاع الخطير ببلد من يعظمه، وأشرف الشريف باسم من يشرفه، وأعرض الرفيع على من يشتريه، وأبذل الجليل لمن يجمعه ويغتنيه، فمن الله جل وعز بالسلامة، وحبا تعالى ذكره بالعافية، حتى حللت بعصرة الخواف، وعصمة المضافى، والمحل الممرع، والربيع المخصب، فناء أمير المؤمنين (عبد الرحمن بن محمد) المبارك الطلعة، ميمون الغرة، الجم الفواضل، الكثير النوافل، الغيث فى المحل، الثمال فى الأزل، البدر الطالع، الصبح الساطع، الضوء اللامع، أسراج الزاهر،
стр. 3
السحاب الماطر، الذى نصر الدين، وأعز المسلمين، وأذل المشركين، وقمع الطغاة، وأباة العصاة، وأطفىء نار النفاق، وأهمد جمر الشقاق، وذلل من الخلق من تجبر، وسهل من الأمر ما توعد، ولما الشعث، وأمن السبل، وحقن الدماء. أبقاه الله سالماً فى جسمه، معافاً فى بدنه، مسروراً بأيامه، مبتهجاً بزمانه، وخصه بطول المدة، وتتابع النعمة، وأبقى خلفته، وأدام عافيته، وتولى حفظه، ولا أزال عنا ظله. وصحبت الحيا المحسب والجواد المفضل، الذى إذا وعد وفى، وإذا أوعد عفا، وإذا وهب أسنع، وإذا أعطى أقنع، (الحكم) فرأيته - أيده الله - أجَّل الناس بعد أبيه خطره وأرفعه بقدره، وأوسعهم كنفا، وأفضلهم سلفا، وأغذرهم علما، وأعظمهم حلما، يملك غضبه فلا يعجل، ويعطى على العلاة فلا يمل، مع فهم ثاقب، ولب راجح، ولسان عضب، وقلب ندب، فتابعا لدى النعمة، وواترا على الإحسان، حتى أبديت ما كنت له كاتما، ونشرت ما كنت له طاويا، وبذلت ما كنت به ضنينا، ومذلت بما كنت عليه شحيحا، فأمللت هذا الكتاب من حفظا فى الأخمسة بقرطبة، وفى المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنون من الأخبار، وضروبا من الأشعار
وأنواع من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنى لم أذكر فيه باباً فى اللغة إلا أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلا اخترته، ولا فناً من الخبر إلا انختلته ولا نوعاً من المعاناة والمثل إلا اسجبته، ثم لم أخله من غريب القرآن، وحديث الرسول ﷺ ، على أننى أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد وفسرت فيه من الإتباع ما لم يفسره بشر، ليكون الكتاب الذى استنبطه إحسان الخليفة جامعا، والديوان الذى ذكر فيه اسم الإمام كاملا، وأسأل الله عصمة من الزيغ والأشر، وأعوذ به من العجب والبطر، وأستهديله السبيل الأرشد، والطريق الأقصد. من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنى لم أذكر فيه باباً فى اللغة إلا أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلا اخترته، ولا فناً من الخبر إلا انختلته ولا نوعاً من المعاناة والمثل إلا اسجبته، ثم لم أخله من غريب القرآن، وحديث الرسول ﷺ ، على أننى أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد وفسرت فيه من الإتباع ما لم يفسره بشر، ليكون الكتاب الذى استنبطه إحسان الخليفة جامعا، والديوان الذى ذكر فيه اسم الإمام كاملا، وأسأل الله عصمة من الزيغ والأشر، وأعوذ به من العجب والبطر، وأستهديله السبيل الأرشد، والطريق الأقصد.
стр. 4
مطلب الكلام عَلَى مادة نسأ وقوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية. ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية
قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيل بْن القاسم البغدادى: قرأ أَبُو عمرو بْن العلاء: ما ننسخ من آيةٍ أو ننسأها.
عَلَى معنى أو نؤخرها.
والعرب تَقُولُ: نسأ اللَّه فِي أجلك، وأنسأ اللَّه أجلك، أي أخر أجلك.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : من سَرَّه النَّساء فِي الأجل، والسعة فِي الرزق، فليصل رحمه والنساء: التاخير، يُقَال: بعته بنساء وبنسيئة، أي بتأخير، وأنسأته البيع.
وقَالَ اللَّه : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] ، والمعنى فِيهِ عَلَى ما
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀: أنهم كانوا إذا صدروا عَنْ منى قام رَجُل من بنى كنانة يُقَال لَهُ: نعيم بْن ثعلبة، فقَالَ: أَنَا الذى لا أعاب، ولا يرد لى قضاء، فيقولون لَهُ: أنسئنا شهراً، أى أخر عنا حرمة المحرم فاجعلها فِي صفرٍ، وذلك أنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا تمكنهم الإغارة فيها، لأن معاشهم كَانَ من الإغارة، فيحل لهم المحرم ويحرم عليهم صفرا، فإذا كَانَ فِي السنة المقبلة حرم عليهم المحرم وأحل لهم صفرا، فقَالَ اللَّه : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] ، وقَالَ الشاعر:
ألسنا الناسئين عَلَى معد ... شهور الحل نجعلها حراما
وقَالَ الآخر:
وكنا الناسئين عَلَى معد ... شهورهم الحرام إِلَى الحليل
وقَالَ الآخر:
نسئوا الشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتحول
مطلب الكلام عَلَى مادة لحن وقوله تعالى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]
قَالَ أَبُو بَكْر الأنباري، ﵀: معنى قوله : ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] أى فِي معنى القول، وفى مذهب القول وأنشد للقتال الكلابى:
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... ووحيت وحيا لَيْسَ بالمرتاب
стр. 5
معناه: ولقد بينت لكم: واللحن بفتح الحاء: الفطنة، وربما أسكنوا الحاء فِي الفطنة، ورجل لحن، أى فطن، قَالَ لبيد يصف كاتبا:
متعود لحن يعيد بكفه ... قلما عَلَى عسب ذبلن وبان
وَمِنَ اللَّحْنِ الْحديث الَّذِي يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ وَأَشْيَاءَ قَدْ دَرَسَتْ، فقَالَ ﵇: لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ الآخَرِ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي، فَقَالَ: لا وَلَكِنِ اذْهَبَا فَتَوَخَّيَا ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ.
ومنه قول عمر بْن عَبْد العزيز ﵀: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم! أى فاطنهم.
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر، عَنْ أبى الْعَبَّاس، عَنِ ابن الأعرابى، قَالَ: يُقَال: قد لحن الرجل يلحن لحناً فهو لاحِن إذا أخطأ، ولحن يلحن لحنا فهو لحن، إذا أصاب وفطن، وأنشد
وحديث ألذه هُوَ مما تشتهيه ... النفوس يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيانا ... وخير الحديث ما كَانَ لحنا
معناه: وتصيب أحيانا
وَحَدَّثَنِي أَيْضًا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَصْمَعِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ: كَيْفَ ابْنُ زِيَادٍ فِيكُمْ "؟ قَالُوا: ظَرِيفٌ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَنُ، قَالَ: " فَذَاكَ أَظْرَفُ لَهُ، ذَهَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى اللَّحْنِ الَّذِي هُوَ الْفِطْنَةُ، وَذَهَبُوا هُمْ إِلَى اللَّحْنِ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ واللحن أيضاً: اللغة، ذكره الأصمعى، وأَبُو زيد؛ ومنه قول عُمَر بْن الْخَطّاب رضى اللَّه تعالى عَنْهُ: تعلموا الفرائض والسنن واللحن كما تعلمون القرآن.
فاللحن: اللغة وروى شريك عَنْ أبى إِسْحَاق عَنْ ميسرة أنّهُ قَالَ فِي قوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] : العرم: المسناة بلحن اليمن، أى بلغة اليمن، وقَالَ الشاعر
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... تغنت عَلَى خضراء سمر قيودها
صدوح الضحى معروفة اللحن لم تزل ... تقود الهوى من مسعد ويقودها
стр. 6
وقَالَ الآخر:
لقد تركت فؤادك مستجنا ... مطوقة عَلَى فننٍ تغنى
يميل بها وتركبه بلحن ... إذا ما عَنَّ للمحزون أَنَّا
فلا يحزنك أيام تولى ... تذكرها ولا طير أرنا
وقَالَ الآخر:
وهاتفين بشجوٍ بعد ما سجعت ... ورق الحمام بترجيع وإرنان
باتا عَلَى غصن بان فِي ذرى فننٍ ... يرددان لحونا ذات ألوان
معناه: يرددان لغاتٍ، وصرف أَبُو زيد منه فعلا فقَالَ: لحن الرجل يلحن لحنا إذا تكلم بلغته، قَالَ: ويقَالَ: لحنت لَهُ لحناً إذا قلت لَهُ قولا يفهمه عنك ويخفى عَلَى غيره، ولحنه عنى لحنا، أي فهمه، وألحنته أَنَا إياه إلحانا، وهذا مذهب أبى بَكْر بْن دريد فِي تفسير قول الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيانا
قَالَ: يريد: تعوص فِي حديثها فتزيله عَنْ جهينة لئلا يفهمه الحاضرون، ثم قَالَ. . . وخير الحديث ما كَانَ لحنا أي خير الحديث ما فهمه صاحبك الذى تحب إفهامه وحده، وخفى عَلَى غيره.
قَالَ: وأصل اللحن أن تريد الشىء فتورى عَنْهُ بقول آخر، كقول رَجُل من بنى العنبر كَانَ أسيرا فِي بَكْر بْن وائل، فسألهم رسولا إِلَى قومه، فقالوا لَهُ: لا ترسل إلا بحضرتنا، لأنهم كانوا أزمعوا غزو قومه فخافوا أن ينذر عليهم، فجىء بعبد أسود فقَالَ لَهُ: أتعقل؟ قَالَ: نعم إنى لعاقل، قَالَ: ما أراك عاقلاً؛ ثم قَالَ: ما هذا؟ وأشار بيده إِلَى الليل، فقَالَ: هذا الليل، فقَالَ: أراك عاقلاً، ثم ملأ كفيه من الرمل فقَالَ: كم هذا؟ فقَالَ: لا أدرى وإنه لكثير، فقَالَ: أيهما أكثر، النجوم أو النيران؟ فقَالَ: كل كثير، فقَالَ: أبلغ قومى التحية وقل لهم: ليكرموا فلانا يعنى أسيرا كَانَ فِي أيديهم من بَكْر بْن وائل، فإن قومه لى مكرمون، وقل لهم: إن العرفج قد أدبى وقد شكت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتى الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملى الأصهب بآية ما أكلت معكم حيسا؛ واسألوا الحارث عَنْ خبرى.
فلما أدى العبد الرسالة إليهم قَالُوا: لقد جن الأعور، والله ما نعرف لَهُ
стр. 7
ناقة حمراء، ولا جملا أصهب؛ ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث فقصوا عليه القصة، فقَالَ: قد أنذركم.
أما قوله: قد أدبى العرفج: فإنه يريد أن الرجال قد استلأموا، أى لبسوا الدروع.
وقوله: شكت النساء، أى اتخذن الشكاء للسفر.
وقوله: ناقتى الحمراء: أى ارتحلوا عَنِ الدهناء واركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب.
وقوله: بآية ما أكلت معكم حيساً: يريد اخلاطا من الناس قد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط.
فامتثلوا ما قَالَ وعرفوا فحوى كلامه.
وأخذ هذا المعنى أيضاً رَجُل من بْني تميمٍ كَانَ أسيرا فكتب إِلَى قومه:
حلو عَنِ الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بَكْر إذا شبعوا
يريد أن الناس كلهم إذا أخصبوا عدو لكم كبكر بْن وائل.
ومعنى صائب، عَلَى مذهب أبى الْعَبَّاس فِي البيت: قاصد، كما قَالَ
جميل وما صائب من نابلٍ قذفت بِهِ ... يد وممر العقدتين وثيق
فيكون معنى قوله: منطق صائب، أى قاصد للصواب وإن لم يصب؛ وتلحن أحيانا، أى تصيب وتفطن؛ ثم قَالَ: وخير الحديث ما كَانَ لحناً أى إصابة وفطنة
مطلب الكلام عَلَى مادة حرد ومعنى قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]
ومعنى قوله جل وعز: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أى عَلَى قصد، قَالَ الجُميح:
أما إذا حردت حردى فمجرية ... ضبطاء تسكن غيلاً غير مقروب
أى قصدت قصدى.
وقَالَ الآخر:
أقبل سيل جاء من أمر اللَّه ... يحرد حرد الجنة المغله
أى يقصد قصدها.
وقَالَ أَبُو عبيدة: معنى قوله: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أى عَلَى غضب وحقد.
وأجاز ما ذكرناه.
قَالَ: ويجوز أن يكون ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] معناه عَلَى منع، واحتج بقول العباس بْن مرداس السلمى:
وحارب فإن مولاك حارد نصره ... ففى السيف مولى نصره لا يحارد
стр. 8
وحارد عندى فِي هذا البيت بمعنى قلَّ، يُقَال: حاردت الإبل إذا قلت ألبانها، قَالَ الكميت:
وحاردت النكد الجلاد ولم يكن ... لعقبة قدر المستعرين معقب
ويقَالَ حرد الرجل حردا بفتح الراء؛ ومن العرب من يَقُولُ: حرد الرجل حردا بتسكين الراء إذا غضب، وأنشد أَبُو عبيدة للأشهب بْن رميلة
اسود شرى لاقت أسود خفيةٍ ... تساقوا عَلَى حرد دماء الأساود
مطلب تفسير الغريب من حديث السحابة
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ سَمْعَانُ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ نَشَأَتْ سَحَابَةٌ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ سَحَابَةٌ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَرَوْنَ قَوَاعِدَهَا؟» .
قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا وَأَشَدَّ تَمَكُّنَهَا! قَالَ: «وَكَيْفَ تَرَوْنَ رَحَاهَا؟» .
قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا وَأَشَدَّ اسْتِدَارَتَهَا! قَالَ: «وَكَيْفَ تَرَوْنَ بَوَاسِقَهَا؟» .
قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا وَأَشَدَّ اسْتِقَامَتِهَا! قَالَ: «وَكَيْفَ تَرَوْنَ بَرْقَهَا أَوَمِيضًا أَمْ خَفِيًّا أَمْ يَشُقُّ شَقًّا؟» .
قَالُوا: بَلْ يَشُقُّ شَقًّا، قَالَ: «فَكَيْفَ تَرَوْنَ جَوْنَهَا؟» .
قَالُوا: مَا أَحْسَنَهُ وَأَشَدَّ سَوَادَهُ! فقَالَ ﵇: «الْحَيَا» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا الَّذِي هُوَ مِنْكَ أَفْصَحُ، قَالَ: «وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِي لِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» قواعدها، أسافلها: واحدتها قاعدة، فأما القواعد من النساء فواحدتها قاعد، وهى التى قعدت عَنِ الولد وذهب حرم الصلاة عَنْهَا.
ورحاها: وسطها ومعظمها، وكذلك رحى الحرب: وسطها ومعظمها حيث استدار القوم، قَالَ الشاعر:
فدارت رحانا بفرسانهم ... فعادوا كَانَ لم يكونوا رميما
وبواسقها: ما علا منها وارتفع، واحدتها باسقة، وكل شيء ارتفع وطال فقد بسق، يُقَال: قد بسقت النخلة، قَالَ اللَّه : ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] وكذلك بسق النبت، فكثر فِي كلامهم
стр. 9
حتى قَالُوا: بسق فلان عَلَى قومه، أى علاهم فِي الشرف والكرم.
والوميض: اللمع الخفى، قَالَ امرؤ القيس:
أعنى عَلَى برقٍ أراه وميض ... يضىء حبيا فِي شمارخ بيض
ويقَالَ: أومض البرق يومض إيماضاً إذا لمع لمعا خفياً، وأومض بعينه إذا غمز بعينيه.
والخفى.
البرق الضعيف، قَالَ أَبُو عمرو: خفى البرق يخفى خفياً إذا برق برقا ضعيفاً؛ وقَالَ الكسائى: خفا يخفو خفوا.
وجونها: أسودها، والجون: من الأضداد، يكون الأسود ويكون الأبيض، قَالَ الأصمعى: وأتى الحجاج بدرع وكانت صافية بيضاء، فجعل لا يرى صفاءها، فقَالَ لَهُ رَجُل وكان فصيحا، قَالَ أَبُو عمرو: وهو أنيس الجرميُّ إن الشمس جونة، يعنى: شديدة البريق والصفاء، فقد غلب صفاؤها بياض الدرع، وأنشد:
يبادر الآثار أن تئوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
وأنشد أَبُو عبيدة:
غير يا بِنْت الحليس لونى ... طول الليالى واختلاف الجون
وسفر كَانَ قليل الأون
أي الفتور وقَالَ الفرزدق يصف قصراً أبيض:
وجون عَلَيْهِ الجص فِيهِ مريضة ... تطلع منها النفس والموت حاضره
والحيا مقصور: الغيث والخصب، وجمعه أحياء، قَالَ الأخطل:
ربيع حيا ما يستقل بحمله ... سوم ولا مستنكش البحر ناضبه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀،
إنا ملوك حيا للتابعين لنا ... مثل الربيع إذا ما نبته نضرا
مبحث الكلام عَلَى غريب حديث أحرم ما بين لابتي المدينة
وَقُرِئَ
عَلَى أَبِي بَكْرٍ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ الأَزْرَقِ، فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» ، وَقَالَ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَبْدَلَ اللَّهُ
стр. 10
فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلا كُنْتُ شَهِيدًا، أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» هكذا سَمِعْتُ بلا لَهُ اللابة واللوبة: الحرة، فمن قَالَ لابة، قَالَ فِي جمعها: لاب، ومن قَالَ: لوبة، قَالَ فِي الجمع: لوب، قَالَ سلامة بْن جندل:
حتى تركنا وما تثنى ظعائننا ... يأخذن بين سواد الخط فاللوب
والعضاه: كل شجر لَهُ شوك يعظم، ومن أعرف ذَلِكَ: الطلح والسلم والسيال والعرفط والسمر والشبهان والكنهبل، والواحدة عضة، قَالَ الراعي:
وخادع المجد أقوام لهم ورق ... راح العضاه بِهِ والعرق مدخول
واللاواء: الشدة، قَالَ رؤبة:
لاواءها والأزل والمظاظا
الأزل: الضيق.
والمظاظ: المشارة، يُقَال: ماظظت فلانا مماظة ومظاظا.
مبحث الكلام عَلَى غريب ألم أخبر أنك تقوم الليل إلخ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَقُرِئَ عَلَى الأَزْرَقِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ» .
فَقُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنَاكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، إِنَّ لِعَيْنِكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ حَقًّا، فَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ» قال أبو على: قَالَ أَبُو عمرو الشيبانى: هجمت عينه، وخوصت، وقدحت ونقنقت عينه نقنقة: كل ذَلِكَ إذا غارت.
وقَالَ الأصمعى: حجلت عينه وهجمت: كلاهما غارت.
وجاء حاجلةً عينه، وأنشد:
وأهلك مهر أبيك الدواء ... لَيْسَ لَهُ من طعام نصيب
فتصبح حاجلةً عينه ... لحنو استه وصلاه غيوب
стр. 11
وحاجلة: من حجلت بالتخفيف، والأكثر حجلت بالتشديد فهى محجلة.
ونفهت: أعيت، ويقَالَ للمعي: نافه ومنفه، وجمع النافة نفه، قَالَ رؤبة، يعنى قفرا: بِهِ تمطت غول كل ميله بنا حراجيج المهارى النفه.
والميله: الذى يوله سالكه، أى يحيره.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَدْعُو اللَّهَ وَهُوَ يَقُولُ: «هَرَبْتُ إِلَيْكَ بِنَفْسِي يَا مَلْجَأَ الْهَارِبِينَ بِأَثْقَالِ الذُّنُوبِ أَحْمِلُهَا عَلَى ظَهْرِي، لا أَجِدُ شَافِعًا إِلَيْكَ إلا مَعْرِفَتِي بِأَنَّكَ أَكْرَمُ مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ الْمُضْطَرُّونَ، وَأَمَّلَ فِيمَا لَدَيْهِ الرَّاغِبُونَ، يَا مَنْ فَتَقَ الْعُقُولَ بِمَعْرِفَتِهِ، وَأَطْلَقَ الأَلْسُنَ بِحَمْدِهِ، وَجَعَلَ مَا امْتَنَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ كِفَاءً لِتَأْدِيَةِ حَقِّهِ، وَلا تَجْعَلْ لِلْهَوَى عَلَى عَقْلِي سَبِيلا، وَلا لِلْبَاطِلِ عَلَى عَمَلِي دَلِيلا»
مطلب الكلام عَلَى خطبة عَبْد الملك لما دخل الكوفة بعد قتل مصعب بْن الزبير
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنْ مُحَمَّد بْن عباد، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبِيهِ، قَالَ: لما قتل عَبْد الملك مصعب بْن الزبير دخل الكوفة، فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ، وصلى عَلَى النَّبِيّ مُحَمَّد صلى اللَّه وعليه وسلم، ثم قَالَ: أيها الناس، إن الحرب صعبة مرة، وإن السلم أمن ومسرة، وقد زبنتنا الحرب وزبناها، فعرفناها وألفناها، فنحن بنوها وهى أمنا.
أيها الناس فاستقيموا عَلَى سبل الهدى، ودعوا الأهواء المردية، وتجنبوا فراق جماعات المسلمين، ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين، وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شراً، ولن تزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة، فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد، فإنما مثلى ومثلكم كما قَالَ قيس بْن رفاعة:
من يصل نارى بلا ذنب ولا ترة ... يصل بنار كريمٍ غير غدار
أَنَا النذير لكم منى مجاهرةً ... كى لا ألام عَلَى نهىٍ وإنذار
فإن عصيتم مقالى اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
لترجعن أحاديثاً ملعنةً ... لهو المقيم ولهو المدلج الساري
стр. 12
من كَانَ فِي نفسه حوجاء يطلبها ... عندى فإنى لَهُ رهن بإصحار
أقيم عوجته إن كَانَ ذا عوج ... كما يقوم قدح النبعة البارى
وصاحب الوتر لَيْسَ الدهر مدركه ... عندى وإنى لدراك بأوتار
: قوله: زبنتنا الحرب وزبناها، أي دفعتنا ودفعناها، والزبن: الدفع، ومنه اشتقاق الزبانية، لأنهم يدفعون أهل النار إِلَى النار، ومنه قِيلَ: حرب زبون، قَالَ الشاعر:
عدتنى عَنْ زيارتها العوادى ... وحالت دونها حرب زبون
عدتنى: صرفتنى، والعوادى: الصوارف، والزبون من النوق التى ترمح عند الحلب.
والخزى: الهوان، يُقَال: خزى يخزى خزياً، والخزاية: الاستحياء، يُقَال خزي يخزي خزاية.
والمدلج: الَّذِي يسير من أول الليل، يُقَال: أدلجت، أى سرت من أول الليل، فأنا مدلج، وأدلجت، أى سرت فِي آخره، فأنا مدلج، والدلجة والدلج بفتح الدال: سير آخر الليل، والإدلاج: من أول الليل، ويقَالَ الدلج والدلجة: سير الليل كله، قَالَ الراجز: كأنها وقد براها الإخماس ودلج الليل وهاد قياس شرائج النبع براها القواس والدلجة بضم الدال: من آخره، ومن الناس من يجيز الدلجة والدلجة فِي كل واحد منهما، كما قَالُوا: برهة من الدهر وبرهة، قَالَ زيد الخيل:
يا بنى الصيداء ردوا فرسى ... إنما يفعل هذا بالدليل
عودوه مثل ما عودته ... دلج الليل وإبطاء القتيل
ويروي: دلج: جمع دلجة.
والساري: الَّذِي يسير بالليل، يُقَال سريت فأنا سارٍ، أى سرت ليلا، وأسريت أيضاً، ويروى بيت النابغة عَلَى وجهين:
سرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عَلَيْهِ جامد البرد
وأسرت
стр. 13
والسرى: سير الليل.
والحوجاء: الحاجة: والعوج: فِي كل ما كان منتصبا مثل الْإِنْسَان والعصا وما أشبههما، والعوج: فِي الدين والأمر وما أشبههما.
والوتر: الذحل بكسر الواو لا غير، والوتر بفتح الواو وكسرها: الفرد، ويقرأ ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] والوتر، الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم وأسد وقيس، ويقولون فِي الوتر الَّذِي هُوَ الفرد: أوترت فأنا أوتر إيتارا، وفى الدحل: وترته، فأنا أتره وترا وترة.
مطلب خروج عَبْد الملك بنفسه لقتال مصعب بْن الزبير
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَان، قَالَ: أَخْبَرَنِي العتبى، عَنْ أبِيهِ: أن عَبْد الملك بْن مروان، ﵀، كَانَ يوجه إِلَى مصعب جيشا بعد جيش فيهزمون، فلما طال ذَلِكَ عَلَيْهِ واشتد غمه أمر الناس فعسكروا ودعا بسلاحه فلبسه، فلما أراد الركوب قامت إلَيْهِ أم يزيد ابنه وهي عاتكة بِنْت يزيد بن معاوية، فقَالَت: يا أمير المؤمنين، لو أقمت وبعثت إلَيْهِ لكان الرأى، فقَالَ: ما إِلَى ذَلِكَ من سبيل، فلم تزل تمشى معه وتكلمه حتى قرب من الباب، فلما يئست منه رجعت فبكت وبكى حشمها معها، فلما علا الصوت رجع إليها عَبْد الملك فقَالَ: وأنت أيضاً ممن يبكى! قاتل اللَّه كثيراً، كأنه كان يرى يومنا هذا حيث يَقُولُ:
إذا ما أراد الغزو لم تثن همه ... حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها
ثم عزم عليها بالسكوت وخرج.
وبعد هذين البيتين يَقُولُ:
ولم يثنه يوم الصبابة بثها ... غداة استهلت بالدموع شئونها
ولكن مضى ذو مرةٍ متثبت ... بسنة حق واضحٍ مستبينها
وفى عَبْد الملك يَقُولُ كثير:
أحاطت يداه بالخلافة بعد ما ... أراد رجال آخرون اغتيالها
وفى هذه القصيدة يَقُولُ فِيهِ أيضاً:
فما أسلموها عنوة عَنْ مودةٍ ... ولكن بحد المشرفى استقالها
стр. 14
وكنت إذا نابتك يوما ملمة ... نبلت لها أَبَا الوليد نبالها
سموت فأدركت العلاء وإنما ... يلقى عليات العلا من سما لها
وصلت فنالت كفك المجد كله ... ولم تبلغ الأيدي السوامي مصالها
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنْ مُحَمَّد بْن عباد، عَنْ هشام، قَالَ: قَالَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الوليد عَبْد الملك لمسلمة بْن عَبْد الملك:
ألا تقنى الحياء أَبَا سَعِيد ... وتقصر عَنْ ملاحاتى وعذلى
فلولا أن أصلك حين تنمى ... وفرعك منتهي فرعى واصلى
وأنى إن رميتك هضت عظمى ... ونالتنى إذا نالتك نبلى
لقد أنكرتنى إنكار خوف ... يضم حشاك عَنْ شتمي وأكلى
كقول المرء عمروٍ فِي القوافى ... لقيسٍ حين خالف كل عدل
عذيرى من خليلى من مرادٍ ... أريد حياته ويريد قتلى
يريد: عمرو بْن معد يكرب، وقيس بْن مكشوح
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: حَدَّثَنِي من سَمِعَ أعرابيا يَقُولُ لصديق لَهُ: «دع ما يسبق إِلَى القلوب إنكاره، وإن كَانَ عندك اعتذاره، فليس من حكى عنك نكرا توسعه فيك عذرا»
قَالَ: وأَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: قَالَ أعرابى كبير السن: «أصبحت والله تقيدني الشعره، وأعثر بالبعرة، وقد أقام الدهر صعرى بعد أن أقمت صعره» الصعر الميل
وأنشدنا أَبُو بَكْر، قَالَ: أنشدنا عَبْد الرحمن، عَنْ عَمْهُ، قَالَ: أنشدنا بعض أهل المدينة لخارجة بْن فليح المللى:
ألا طرقتنا والرفاق هجود ... فباتت بعلات النوال تجود
ألا طرقت ليلى لقى بين أرحل ... شجاه الهوى والنأي فهو عميد
стр. 15
فليت النوى لم تسحق الخرق بيننا ... وليت الخيال المستراث يعود
إذا لأقاد النفس من فجعة الهوى ... بليلى وروعات الفؤاد مقيد
كأن الدموع الواكفات بذكرها ... إذا أسلمتهن الجفون فريد
إذا أدبرت بالشوق أعقاب ليلة ... أتاك بها يوم أغر جديد
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: كتب عَبْد الملك بْن مروان إِلَى الحجاج: أنت عندى كسالمٍ، فلم يدر ما هُوَ، فكتب إِلَى قتيبة يسأله، فكتب إليه: إن الشاعر يَقُولُ:
يديروننى عَنْ سالم وأديرهم ... وجلدة بين الأنف والعين سالم
ثم كتب إلَيْهِ مرة أخرى: أنت عندى قدح ابن مقبل، فلم يدر ما هُوَ، فكتب إِلَى قتيبة يسأله، وكان قتيبة قد روى الشعر، فكتب إلَيْهِ: إن ابن مقبل نعت قدحاً لَهُ فقَالَ:
غدا وهو مجدول وراح كأنه ... من المش والتقليب بالكف أفطح
خروج من الغمى إذا صك صكة ... بدا والعيون المستكفة تلمح
المش: المسح قَالَ امرؤ القيس:
نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نَحْنُ قمنا عَنْ شواء مضهب
والغمى: الشدة التي تغم، أى تغطى.
والمستكفة من قولهم: استكففت الشىء إذا وضعت يدك عَلَى حاجبك تنظر هَلْ تراه، كالذى يستظل من الشمس.
وقَالَ الأصمعى: من أمثال العرب: العير أوقى لدمه ويقَالَ: ذَلِكَ للرجل، أي إنّهُ أشد إبقاء عَلَى نفسه، ويقَالَ: الرباح من السماح يريد أن المسامح أحرى أن يربح، ويقَالَ: عَبْد صريخه أمة يضرب مثلا للضعيف يستصرخ بِمِثْلِهِ
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْر دريد قول الشاعر:
ولقد مررت عَلَى قطيع هالك ... من مال اشعث ذى عيالٍ مصرم
من بعد ما اعتلت عَلَيَّ مطيتى ... فأزحت علتها فظلت ترتمى
القطيع: السوط.
والهالك: الضائع.
يَقُولُ: كانت ناقتى قد اعتلت عَلَى، فلما أصبت السوط فضربتها بِهِ ظلت ترتمى، أى تترامى فِي سيرها
стр. 16
وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ «يَا بُنَيَّ، لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً وَوَجْهُكَ بِسْطًا، تَكُنْ أَحَبَّ إِلَى النَّاسِ مِمَّنُ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ»
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه:
وكم من مليمٍ لم يصب بملامةٍ ... ومتبع بالذنب لَيْسَ لَهُ ذنب
وكم من محب صد من غير بغضةٍ ... وإن لم يكن فِي ود خلته عتب
مطلب تفسير ما جاء من الغريب فِي حديث البنات الثلاث اللاتي وصفن ما يحببن من الأزواج
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريد، قَالَ: أَخْبَرَنِي عمى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابن الكلبى، قَالَ: " قَالَت عجوز من العرب لثلاث بناتٍ لها: صفن ما تحببن من الأزواج، فقَالَت الكبرى: أريد أروع بساما، أحذ مجذاما، سيد ناديه، وثمال عافيه، ومحسب راجيه، فناؤه رحب، وقياده صعب.
وقَالَت الوسطى: أريد عالي السناء، مصمم المضاء، عظيم نار، متمم أيسار، يفيد ويبيد، ويبدئ ويعيد، هُوَ فِي الأهل صبىّ، وفي الجيش كمي، تستعبده الحليله، وتسوده الفضيله.
وقَالَت الصغرى: أريده بازل عام، كالمهند الصمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضم قضقض، وإن دسر أغمض، وإن أخل أحمض.
قَالَت أمها: فض فوك! لقد فررت لى شرة الشباب جذعةً " قَالَ أَبُو زيد: الأروع والنجيب واحد، وهما الكريم، وقَالَ غيره: الأروع: الَّذِي يروعك جماله.
والأحذ ههنا: الخفيف السريع، والأحذ أيضاً: الخفيف الذنب، ومنه قِيلَ: قطاة حذاء.
وقَالَ أَبُو بَكْرِ بن دريد: الحذذ: الخفة والسرعة، والقطاة الحذاء: السريعة الطيران، ويقَالَ: القليلة ريش الذنب، وحذ
الشىء يحذه حذا، إذا قطعه سريعا، الخذة: القطعة من اللحم، وأنشد الأعشى:
تكفيه حذة فلذٍ إن ألم بها ... من الشواء ويروي شربه الغمر
قَالَ: ويروي حزة فلذٍ.
وقَالَ أَبُو عبيدة فِي قول عتبة بْن غزوان حين خطب الناس فقَالَ:
إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء ... فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء.
قَالَ أَبُو عمرو وغيره:
стр. 17
الحذاء: السريعة الخفيفة التى قد انقطع آخرها، ومنه قِيلَ للقطاة: حذاء لقصر ذنبها مَعَ خفتها، وقَالَ النابغة الذبيانى:
حذاء مدبرةً سكاء مقبلةً ... للماء فِي النحر منها نوطة عجب
قَالَ: ومن هذا قِيلَ للحمار القصير الذنب أحذّ: أصل هذه الكلمة عندى الخفة، ولم أسمع فِي بيت أعشى باهلة حذة فلذ بالذال إلا من أَبِي بَكْر، فإن صحت هذه الرواية فلا تكون الحذة إلا القطعة الخفيفة.
والمجذام: مفعال من الجذم، والجذم: القطع، يريد أنّهُ قطاع الأمور.
والنادى والندى: المجلس.
والثمال: الغياث، وثمال القوم غياثهم ومن يقوم بأمرهم، يُقَال: فلان ثمال لبنى فلان إذا كَانَ يقوم بأمرهم، ويكون أصلا لهم وغياثا، ويقَالَ: هُوَ يثملهم، والمرأة تثمل الصبيان أى تكون أصلا لهم، قَالَ الحطيئة:
فدى لابن حصنٍ ما أريح فإنه ... ثمال اليتامى عصمة فِي المهالك
والثمل ساكنة الميم: المقام والخفض، يُقَال: ليست دارنا بدار ثملٍ، قَالَ أسامة بْن الحارث الهذلى:
كفيت النسا نسال حر وديقةٍ ... إذا سكن الثمل الظباء الكواسع
كفيت النسا، أى سريع العدو، وتلخيص معناه أن تَقُولُ: الكفيت: السريع.
والنسا: عرق فِي الفخذ يجرى إِلَى الساق، فكأنه قَالَ: سريع الرجل وإذا كان سريع الرجل كان ريع العدو.
والكواسع: التى تكسع بأذنابها من الذباب، ويقَالَ: اختار فلان دار الثمل، أى دار الخفض والمقام، وثمل فلان فما يبرح.
والثميلة: البقية تبقى من العلف والماء فِي بطن البعير وغيره، والجميع الثمائل، قَالَ ذو الرمة: وأدرك المتبقى من ثميلته ومن ثمائلها واستنشئ الغرب والثميلة: البقية تنقى من الماء فِي الصخرة أو الوادى، وقد قَالُوا: الثميل: الماء الَّذِي يبقى فِي الوادى بعد مضى السيل عَنْهُ، قَالَ الأعشى:
بناجيةٍ كأتان الثميل ... تقضى السرى بعد أين عسيرا
стр. 18
والأتان: الصخرة تكون فِي الماء، وإذا كانت فِي الماء القليل فأصابتها الشمس صلبت.
والثمالة: رغوة اللبن، يُقَال: حقنت الصريح وثملت الرغوة يريد بقيت، قَالَ مزرد: إذا مس خرشاء الثمالة أنفه ثنى مشفريه للصريح فاقنعا وقَالَ الأصمعى: الثمالة: ما بقى فِي العلبة من الرغوة خاصة، والثمالة: ما بقى فِي الحوض من الماء، وهو أيضاً: ما بقى فِي البطن من الماء والطعام، ويقَالَ: سقاه المثمل، يريد سقاه السم.
قَالَ أَبُو نصر: وترى أنّهُ أنقع فبقى وثبت، وسيف ثامل: أى باق فِي أيدى أصحابه زمانا، كذا قَالَ الأصمعى، وقَالَ أَبُو عمرو: قديم لا عهد لَهُ بالصقَالَ، وقَالَ خَالِد بْن كلثوم: هُوَ الَّذِي فِيهِ بقية، قَالَ ابن مقبل: لمن الديار عرفتها بالساحل وكأنها الواح سيف ثامل والثملة: الصوفة تجعل فِي الهناء ثم يطلى بها البعير، أنشد الأصمعى:
ممغوثة أعراضهم ممرطلة ... كما تلاث فِي الهناء الثملة
والثملة ساكنة الميم: الحب والتمر والسويق يكون فِي الوعاء إِلَى نصفه فما دونه، والجماع: الثمل.
والثملة: ما أخرجت من أسفل الركية من التراب والطين، وهذان الحرفان رويناهما عَنْ أَبِي عُبَيْد بضم الثاء، وعن أَبِي نصر بفتح الثاء، ويقَالَ: ثمل يثمل ثملاً إذا أخذ الشراب فِيهِ، وعافيه الذين يعفونه، أى: يأتونه، يُقَال: عفاه يعفوه واعتفاه يعتفيه، وعراه يعروه واعتراه يعتريه، واعتره يعتره، وعره يعره.
ومحسب: كافٍ
أنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري لامرئ القيس:
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنىً شبع ورى
أي: يكفيك الشبع والري وفناؤه رحب: أى واسع، ويقَالَ: فناء الدار وثناؤها.
والسناء من الشرف ممدود ومن الضوء مقصور.
والمصمم من الرجال: الَّذِي يمضى فِي الأمور لا يرد عزمه شىء، والمصمم من السيوف: الَّذِي يمضى فِي الضرائب لا يحبسه شىء.
وأيسار جمع يسر، وهو الذى يدخل مَعَ القوم فِي القداح، وهو مدح، وقَالَ الشاعر:
وراحلةٍ نحرت لشربٍ صدقٍ ... وما ناديت أيسار الجزور
стр. 19
والبرم: الَّذِي لا يدخل مَعَ القوم فِي الميسر، وهو ذم وجمعه أبرام، قَالَ متمم:
ولا برم تهدى النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
ويقَالَ: كَانَ رَجُل برماً فجاء إِلَى امرأته وهي تأكل لحما فجعل يأكل بضعتين بضعتين، فقَالَت لَهُ امرأته: أبرما قروناً فأرسلتها مثلا.
وقَالَ أَبُو زيد: الكمى: الجرىء المقدم كَانَ عَلَيْهِ سلاح أو لم يكن.
وقَالَ غيره: الذى يكمى شجاعته فِي نفسه أى: يسترها.
وقَالَ ابن الأعرابى: الكمى: الشجاع، وسمى كمياً لأنه يتكمى الأقران لا يكع ولا يجبن عَنْ قرنه، أى: يقصد، وكل ما اعتمدته فقد تكميته، وأنشد:
بل لو شهدت الناس إذ تكموا ... بقدرٍ حم لهم وحموا
وغمة لو لم تفرج غموا
مطلب أسماء الزوجة
وحليلة الرجل: امرأته، وحليلته أيضاً: جارته التى تحاله وتنزل معه، قَالَ الشاعر:
ولست بأطلس الثوبين يصبى ... حليلته إذا هجع النيام
وعرس الرجل: امرأته أيضاً، قَالَ امرؤ القيس:
كذبت لقد أصبى عَلَى المرء عرسه ... وأمنع عرسى أن يزن بها الخالى
وهو أيضاً عرسها وهي حنته، قَالَ كثير:
فقلت لها بل أنت حنة حوقل ... جرى بالفرى بينى وبينك طابن
والفرى جمع فرية، وقَالَ الشاعر:
ما أنت بالحنة الودود ... ولا عندك خير يرجى لملتمس
وهي طلته أيضاً، قَالَ الشاعر:
وإن امرأ فِي الناس كنت ابن أمه ... تبدل منى طلةً لغبين
دعتك إِلَى هجرى فطاوعت أمرها ... فنفسك لا نفسى بذاك تهين
وقَالَ الآخر:
ألا بكرت طلتى تعذل ... وأسماء فِي قولها أعذل
تريد سليماك جمع التلاد ... والضيف يطلب ما يأكل
стр. 20
وربضه وربضه أيضاً والربض: كل ما أويت إليه، قَالَ الشاعر:
جاء الشتاء ولما اتخذ ربضا ... يا ويح كفى من حفر القراميص
والقرموص: حفرة يحتفرها الصائد إِلَى صدره، فيدخل فيها إذا اشتد عَلَيْهِ البرد، والقرموص أيضاً مبيض القطاة.
وقعيدة الرجل أيضاً: امرأته، قَالَ الأسعر الجعفى:
لكن قعيدة بيتنا مجفوة ... بادٍ جناجن صدرها ولها غنى
وزوجه أيضاً، قَالَ الأصمعى: ولا تكاد العرب تَقُولُ زوجته، وقَالَ يعقوب: يُقَال: زوجته، وهى قليلة، قَالَ الفرزدق:
وإن الَّذِي يسعى ليفسد زوجتى ... كساع إِلَى أسد الشرى يستبيلها
وهي بعله أيضا وبعلته، وأنشد الفراء:
شر قرينٍ للكبير بعلته ... تولغ كلباً سؤرة أو تكفته
يعني: أن امرأته قد تقذرته حين كبر، فإذا شرب لبنا وبقى سؤره والسؤر: بقية الشراب فِي الإناء، تولغه كلبا أو تكفته، أى تقلبه عَلَى الأرض.
وبيته أيضاً، قَالَ الراجز:
أقول إذ حوقلت أو دنوت ... وبعض حيقال الرجال الموت
ما لي إذا أنزعها صأيت ... أكبر غيرنى أم بيت
وشهلته أيضاً
أنشدنى أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى:
لَهُ شهلة شابت وما مس جيبها ... ولا راحتيها الشئنتين عبير
والشهلة أيضاً: العجوز قَالَ الراجز:
باتت تنزى دلوها تنزياً ... كما تنزى شهلة صبيا
وجثلته ومعزبته: امرأته.
وقَالَ غيره: وحوبته أيضاً.
وقَالَ أَبُو زيد: والحوبة: القرابة من قبل الأم، وكذلك كل ذى رحم محرم.
قَالَ يعقوب: الحوبة: الأم.
والفصيلة: رهط الرجل
стр. 21
الأدنون.
وقَالَ ابن الكلبى: الشعب أكثر من القبيلة، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ.
وأسرة الرجل: رهطه الأدنون، وكذلك فصيلته.
وقولها: أريده بازل عام، أى تام الشباب كامل القوة، لأن البعير أتم ما يكون شبابا وأكمله قوة إذا كَانَ بازل عام.
مطلب ترتيب أسنان الإبل وأسمائها
قَالَ الأصمعى: إذا وضعت الناقة فولدها سليل قبل أن يعلم أذكر هُو أم أنثى، فإذا علم، فإن كَانَ ذكراً فهو سقب وأمة مسقب، وإن كانت أنثى فهى حائل وأمها أم حائل، قَالَ الهذلى:
فتلك التى لا يبرح القلب حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
وهي مؤنث، وقد آنثت، أى جاءت بأنثى، وقد أذكرت فهى مذكر إذا جاءت بذكرٍ، فإن كَانَ من عادتها أن تضع الإناث فهى مئناث، وكذلك مذكار إذا من عادتها أن تضع الذكور، فإذا قوى ومشى مَعَ أمه فهو راشح والأم مرشح، فإذا حمل فِي سنامه شحما فهو مجذٍ ومكعر ثم هُوَ ربع.
قَالَ الأصمعى: حَدَّثَنِي عيسى بْن عُمَر، قَالَ: سَأَلت جبر حبيب أخا امرأة العجّاج، عَنِ الهبع والربع، فقَالَ: الربع ما نتج فِي أوّل النتاج، والهبع ما نتج فِي آخر النتاج، فإذا مشى الهبع مَعَ الربع أبطره ذرعاً فهبع بعنقه، أى استعان بِهِ، ثم هُوَ حوار فإذا فصل عَنْ أمه، والفصال: الفطام فهو فصيل والجمع فصلان وفصلان، ومنه الحديث لا رضاع بعد فصال فإذا أتى عليه حول فهو ابن مخاض، وإنما سمى ابن مخاض لأن أمه لحقت بالمخاض، وهي الحوامل وإن لم تكن حاملاً، فإذا استكمل السنة الثانية ودخل فِي الثالثة فهو ابن لبون والأنثى بِنْت لبون، وإنما سمى ابن لبون لأن أمه كانت من المخاض فِي السنة الثانية ثم وضعت فِي الثالثة، فصار لها لبن فهى لبون، وهو ابن لبون فلا يزال كذلك حتى يستكمل الثالثة، فإذا دخل فِي الرابعة فهو حينئذ حق والأنثى حقة، وإنما قِيلَ لها حقة، لأنها قد استحقت أن يحمل عليها وتركب، فإذا استكمل الرابعة ودخل فِي الخامسة فهو جذع والأنثى جذعة، فإذا دخل فِي السادسة فهو ثنى والأنثى ثنية، فإذا دخل فِي السابعة فهو رباعٍ والأنثى رباعية، فإذا دخل فِي الثامنة فهو سديس وسدس والأنثى سديسة، فإذا دخل فِي التاسعة وبزل نابه فهو بازل، يُقَال: بزل نابه يبزل بزولا، وشقأ نابه يشقأ شقوءاً وشقئا وشقى أيضاً، وشق يشق شقوقا، وفطر
стр. 22
يفطر فطوراً، وبزغ وصبأ وعرد يعرد عرودا، فإذا دخل فِي العاشرة فهو مخلف، ثم لَيْسَ لَهُ اسم بعد الإخلاف.
ولكن يُقَال: بازل عامٍ وبازل عامين، ومخلف عامٍ ومخلف عامين.
وقضقض، أى حطم كما يقضقض الأسد الفريسة وهو أن يحطمها وينفضها فتسمع لعظامها صوتاً.
والأسد القضقاض: الحطام قَالَ رؤبة: كم جاوزت من حيةٍ نضناض وأسدٍ فِي غيله قضقاض ليثٍ عَلَى أقرانه رباض يلقى ذراعى كلكلٍ عرباض والعرباض: الثقيل العظيم، ودسر: دفع، ومنه قول ابن عَبَّاس ﵄ فِي العنبر: إنما هُوَ شىء دسره البحر، أى لا زكاة فِيهِ.
قَالَ: وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد ﵀ قول الشاعر:
فأصبحت من سلمى كذى الداء لم يجد ... طبيباً يداوى ما بِهِ فتطببا
فلما اشتفى مما بِهِ عل طبه ... عَلَى نفسه من طول ما كَانَ جربا
يَقُولُ: لما لم يجد اليها سبيلا داوى نفسه بالهجران، فلما رَأَى ذَلِكَ قد نفعه عل الهجران أى فعله ثانيةً
وَحَدَّثَنَا الأخفش، قَالَ: أنبأنى أَبُو الفياض بْن أَبِي شراعة، عَنْ أَبِي شراعة، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بْن بشير الْبَصْرِيّ، قَالَ: علق أَبِي جارية لبعض الهاشميين فبعثت إلَيْهِ أمي تعاتبه، فكتب إليها:
لا تتبعن لوعةً إثرى ولا هلعا ... ولا تقاسن بعدي الهم والجزعا
بل ائتسي تجدى إن ائتسيت أسى ... بمثل ما قد فجعت اليوم قد فجعا
ما تصنعين بعين عنك طامحةٍ ... إِلَى سواك وقلبٍ عنك ذاك قد نزعا
إن قلت قد كنت فِي ود وتكرمة ... فقد صدقت ولكن ذاك قد منعا
وأي شىء من الدنيا سمعت به ... إلا إذا صار فِي غايته انقطعا
لم تبق عينا حسين عند لحظهما ... لغيرها فِي فؤادى بعدها طمعا
ومن يطيق مذك عند صبوته ... ومن يقوم لمستور إذا خلعا
стр. 23
وأنشدنا الأخفش، قَالَ: قرأت عَلَى أَبِي الْعَبَّاس الأحول الأعرابى:
أيا منشر الموتى أقدنى من التى ... بها نهلت نفسى سقاماً وعلت
لقد بخلت حتى لو أنى سألتها ... قذى العين من ضاحى التراب لضنت
فما أم بَوٍّ هالك بتنوفةٍ ... إذا ذكرته آخر الليل حنت
بأكثر منى لوعةً غير أننى ... أطامن أحشائى عَلَى ما أجنت
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀:
أبت الروادف والثدى لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مَعَ العشى تناوحت ... نبهن حاسدةً وهجن غيورا
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة الأزدى المعروف بنفطويه، وأنشدنا الأخفش، أيضا قَالَ: أنشدنا أَبُو الْعَبَّاس أحمد بْن يحيى ثعلب النحوى:
فلم أر هالكاً كبنى صريمٍ ... تلفهم التهائم والنجود
أجل جلالةً وأعز فقداً ... وأقضى للأمور وهم قعود
وأكثر ناشئاً مخراق حربٍ ... يعين عَلَى السيادة أو يسود
وأنشدنا إِبْرَاهِيم أيضاً، قَالَ: أنشدنا أحمد بْن يحيى:
وكنت مجاوراً لبنى سَعِيد ... فأفقدنيهم ريب الزمان
فلما أن فقدت بنى سَعِيد ... فقدت الود إلا باللسان
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أَخْبَرَنِي عمى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابن الكلبى، قَالَ: وفد علبة بْن مسهر الحارثى، والمنتشر أحد فوارس الأرباع الذين يَقُولُ لهم الأجدع الهمدانى:
وسألتنى بركائبى ورحالها ... ونسيت قتل فوارس الأرباع
إلى ذى فائش الملك الحميرى، وكان ذو فائش يحب اصطناع سادات العرب، ويقرب مجالسهم ويقضى حوائجهم، وكان علبة شاعراً حدثاً ظريفاً فقَالَ لَهُ الملك: يا علبة، ألا تحدثني عَنْ أبيك
стр. 24
وأعمامك وتصف لى أحوالهم؟ فقَالَ: بلى أيها الملك، وهم أربعة: زياد، ومالك، وعمرو، ومسهر.
فأما زياد، فما استل سيفه مذ ملكت يده قائمة إلا أغمده فِي جثمان بطل، أو شوامت جمل، وكان إذا حملق النجيد، وصلصل الحديد، وبلغت النفس الوريد، اعتصمت بحقويه الأبطال، اعتصام الوعول بذرى القلال، فذاد عَنْهُم الأبطال، ذياد القروم عَنِ الأشوال.
وأما مالك فكان عصمة الهوالك، إذا شبهت الإعجاز بالحوارك، يفرى الرعيل فرى الأديم بالإزميل، ويخبط البهم خبط الذئب نقاد الغنم.
وأما عمرو، فكان إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وتفادت الكماه، خاض ظلام العجاج، أطفا نار الهياج، وألوى بالأعراج، وأردف كل طفلة مغناج، ذات بدن رجراج، ثم قَالَ لأصحابه: عليكم النهاب، والأموال الرغاب، عطاء لا ضنينٍ شكس، ولا حقلدٍ عكس.
وأما مسهر، فكان الذعاف الممقر، والليث المخدر، يحيى الحرب ويسعر، ويبيح النهب فيكثر، ولا يحتجن ولا يستأثر، فقَالَ لَهُ الملك: لله أبوك مثلك فليصف أسرته
مطلب أسماء الرجل يحب محادثة النساء
الحدث: الْحَسَن الحديث، والحديث: الكثير الحديث، والحدث: الشاب، فإذا ذكروا السن قَالُوا: حديث السن ولم يقولوا: حدث السن، والحدث: الَّذِي يتحدث إِلَى النساء، يُقَال: هُوَ حدث نساء وزير نساء إذا كَانَ يكثر زيارتهن، قَالَ مهلهل:
فلو نبش المقابر عَنْ كليبٍ ... فيخبر بالذنائب أي زير
أراد فيخبر بالذنائب أى زيرٍ أَنَا.
وذلك أن كليبا يعيره فيقول: إنما أنت زير نساء.
وهو تبع نساء إذا كَانَ يتبعهن، وخلب نساء: أى يلصق بقلوبهن ويحل منهن محل الخلب، قَالَ أَبُو زيد: الخلب: حجاب القلب، ومنه قِيلَ: إنه لخلب نساء أى: يحببنه، وأنشد غيره:
يا بَكْر بكرين ويا خلب الكبد ... أصبحت منى كذراعٍ من عضد
ويقول، أهل اليمن: هُوَ خلم نساء، والخلم: الصديق، وجمعه أخلام وزادنى أَبُو عمرو عَنْ أَبِي الْعَبَّاس، عَنِ ابن الأعرابى: وعجب نساء، أى يعجب النساء
стр. 25
مطلب أسماء الشخص
وقوله: فى جثمان بطلٍ، قَالَ الأصمعى: الجثمان: الشخص والجثمان: جماعة الجسم، وهو التجاليد أيضاً
أنشدنا أَبُو بَكْر، عَنْ أَبِي حاتم، عَنِ الأصمعى:
ينبى تجاليدى وأقتادها ... ناوٍ كرأس الفدن المؤيد
والأجلاد: التجاليد قَالَ الأسود بْن يعفر:
أما ترينى قد بليت وشفنى ... ما غيض من بصرى ومن أجلادى
يريد: ما نقص من بصرى ومن جسمى، ويقَالَ لشخص الإنسان: الطلل والآل والسمامة، ويقَالَ لأعلى شخصه: السماوة.
والشبح والشبح جميعاً: الشخص، قَالَ الشاعر يصف ظليما:
هجوم عليها نفسه غير أنّهُ ... مَتَى يرم فِي عينيه بالشبح ينهض
والشدف: الشخص وجمعه شدوف، قَالَ ساعدة بْن جؤية
موكل بشدوف الصوم ينظرها ... من المغارب مخطوف الحشا زرم
يصف ثورا.
قَالَ الأصمعى: الصوم: شجر يشبه الناس، فهو يرقبه يخشى أن يكون ناسا، ويقَالَ: قامة الْإِنْسَان، وقومية الْإِنْسَان، قَالَ العجاج
صلب القناة سلهب القوميه
وقومته وقوامه، ويقَالَ: هُوَ قوام هذا الأمر، بكسر القاف، إذا كَانَ يقوم بِهِ.
والأمة: القامة وجمعها أمم.
قَالَ الأصمعى: وصف أعرابى رجلا فقَالَ: إنه لحسن الوجه، حليف اللسان، طويل الأمة.
والحليف: الحديد من كل، شىء يُقَال: لسان حليف وسنان حليف الغرب، قَالَ الأعشى:
وأنّ معاوية الأكرمين ... حسان الوجه طوال الأمم
وقَالَ أَبُو عبيدة: الظن: القامة.
وقوله: أو شوامت جمل، فالشوامت: القوائم، يريد: أنّهُ يعقر الإبل للضيفان.
وحملق: انقلب حملاقه، والحملاق: باطن الجفن.
والنجيد: الشجاع، يُقَال: نجد الرجل ينجد نجدةً فهو نجيد، والنجد: الشجاع، وكذلك النجد والنجدة: الشجاعة، هذا قول
стр. 26
أَبِي نصر صاحب الأصمعى، وتابعه عَلَى ذَلِكَ يعقوب فِي بعض المواضع، ثم قَالَ موضع آخر: النجد السريع الإجابة إِلَى الداعى إذا دعاه إِلَى خير أو شر وهو النجد، ويقَالَ: ما كَانَ نجداً ولقد نجد ينجد نجادة وأنجدته إنجادا، فأما النجدة فالفزع فِي أي وجه كَانَ، وهذا قول أَبِي زيد، ويقَالَ: استنجد فلان فلانا فأنجده، أى: أعانه.
وقَالَ أَبُو عبيدة: نجدت الرجل أنجده غلبته وأنجدته: أعنته، والنجد: ما ارتفع من الأرض، وبه سميت نجد، لأنها ارتفعت عَنْ تهامة، وسميت تهامة لأنها انخفضت عَنْ نجد، فتهم ريحها، أى تغير يُقَال: تهم الدهن وتمه إذا تغير.
والنجد: الطريق فِي الجبل، والتنجيد: التزيين، يُقَال نجدت البيت تنجيداً، قَالَ ذو الرمة:
حتى كَأنَ رياض القف ألبسها ... من وشى عبقر تجليل وتنجيد
والنجود: ما ينجد بِهِ البيت، واحدها نجد، والنجود من الحمر: الحائل، ويقَالَ: الطويلة.
والنجاد: حمائل السيف، والإنجاد: الأخذ فِي بلاد نجد، والنجد: العرق، يُقَال: نجد الرجل ينجد نجدا إذا عرق، قَالَ النابغة:
يظل من خوفه الملاح معتصماً ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد
والمنجود: المكروب، قَالَ أَبُو زبيد:
صادياً يستغيث غير مغاثٍ ... ولقد كان عصره المنجود
وصلصل: صوت، والوريدان: حبلا العنق.
والأشوال جمع شول وهى التى جفت ألبانها، وواحد الشول شائلة، فأما الشائل فالتى شالت بذنبها للقاح وجمعها شول.
والرعيل: جماعة الخيل.
والإزميل: الشفرة، قَالَ عبدة بْن الطبيب:
عيهمة ينتحى فِي الأرض منسمها ... كما انتحى فِي أديم الصرف إزميل
العيهمة: التامة الخلق، ويقَالَ: السريعة.
وينتحى: يعتمد.
والصرف: صبغ أحمر وقَالَ الأصمعي: الصرف: صبغ يعل بِهِ الأديم فيحمر.
والبهم واحدها بهمة: وهو الشجاع الَّذِي لا يدرى من أيْنَ يؤتى لَهُ، ويقَالَ: حائط مبهم إذا لم يكن فِيهِ باب، والأبهم من كل شيء: المصمت الَّذِي لا صدع فِيهِ ولا خلط، والبهم من الخيل الَّذِي لَيْسَ بِهِ وضح
стр. 27
مطلب الكلام عَلَى معنى الحافرة
والنقاد جمع نقدٍ وهى صغار الغنم، ويقَالَ: نقد الضرس إذا ائتكل، ونقد الحافر إذا تقشر، وحافر نقد، ويقَالَ: النقد عند الحافرة.
أى: عند أول كلمة.
وقَالَ بعض اللغويين: كانت الخيل أفضل ما يباع، فإذا اشترى الرجل الفرس قَالَ لَهُ صاحبه: النقد عند الحافر، أى عند حافر الفرس فِي موضعه قبل أن يزول، وقَالَ اللَّه تعالى ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] أى إِلَى خلقنا الأول
وأنشدنا ابن الأنبارى:
أحافرةً عَلَى صلعٍ وشيبٍ ... معاذ اللَّه من سفهٍ وعار
أى أأرجع إِلَى الصبا بعد ما شبت وصلعت!
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنِي عمى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابن الكلبى، قَالَ: قَالَ لى أعرابى: ما معنى قول اللَّه تعالى: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] فقلت: الخلق الأول، قَالَ: فما معنى قوله تعالى: ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] قلت: التى تنخر فيها الريح، فقَالَ: أما سمعت قول صاحبنا يوم القادسية:
أقدم أخا نهم عَلَى الأساوره ... ولا تهولنك رَجُل نادره
فإنما قصرك ترب الساهره ... حتى تعود بعدها فِي الحافره
وعصب الريق إذا غلظ ولصق بالفم ويبس من بعد ما صرت عظاما نخره
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀،
يعصب فاه الريق أي عصب ... عصب الجباب بشفاه الوطب
ويقَالَ: تفادى القوم إذا استتر بعضهم ببعض، قَالَ الحطيئة:
تفادى كما الخيل من وقع رمحه ... تفادى خشاش الطير من وقع أجدل
والوى: أذهب.
والأعراج جمع عرج وهي نحو خمسمائة من الإبل.
والطفلة: الناعمة الرخصة، يُقَال: بنان طفل، والطفلة الحديثة السن.
والحقلد: السيئ الخلق، كذا قَالَ يعقوب.
والعكس والعكص بالسين والصاد: العسر الأخلاق.
والذعاف: السم السريع القتل.
والممقر عند بعضهم:
стр. 28
الشديد المرارة وعند بعضهم: الشديد الحموضة، والمقر: الصبر.
ويحتجن: يحتكر ويخفى
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، لأبى زبيد:
لها صواهل فِي صم السلام كما ... صاح القسيات فِي أيدى الصياريف
كأنهم بأيدى القوم فِي كبدٍ ... طير تكشف عَنْ جونٍ مزاحيف
وصف مساحي.
والسلام: الحجارة الصياريف: الصيارفة، ثم شبه المساحى فِي أيدي الحفارين الذين يحفرون قبر عُثْمَان، ﵁، بطير تطير عَنْ إبل جونٍ مزاحيف.
والجون: السود.
والمزاحيف: المعيية، وإنما جعلها جوناً لأنهم حفروا لَهُ فِي حرةٍ، فشبه الحرة بالإبل السود
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: سَأَلت عَبْد الرَّحْمَن يوما فقلت لَهُ: إن رَأَيْت أن تنشدنى من أرق ما سَمِعْتُه من عمك من أشعار العرب! فضحك وقَالَ: والله لقد سَأَلت عمى عَنْ ذَلِكَ فقَالَ: يا بني، وما تصنع برقيق أشعارهم؟ فواللَّه إنه ليقرح القلوب، ويحث عَلَى الصبابة، ثم أنشدنى للعلاء بْن حذيفة الغنوى
يقولون من هذا الغريب بأرضنا ... أما والهدايا إننى لغريب
غريب دعاه الشوق واقتاده الهوى ... كما قيد عود بالزمام أديب
وماذا عليكم إن أطاف بأرضكم ... مطالب دينٍ أو نفته حروب
أمشى بأعطان المياه وابتغى ... قلائص منها صعبة وركوب
فقلت: أريد أحسن من هذا، فأنشدنى
لعمرى لئن كنتم عَلَى النأى والغنى ... بكم مثل ما بى إنكم لصديق
فما ذقت طعم النوم منذ هجرتكم ... ولا ساغ لى بين الجوانح ريق
إذا زفرات الحب صعدن فِي الحشا ... كررن فلم يعلم لهن طريق
يقرح: يجرح، قَالَ المتنخل الهذلى
لا يسلمون قريحاً حل وسطهم يوم ... اللقاء ولا يشوون من قرحوا
стр. 29
أي جرحوا، وقرأ أَبُو عمرو: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] .
وقَالَ: القرح: الجراح، والقرح كأنه ألم الجراح وأطاف: ألم
وأنشدنا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أنشدنا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: أنشدتنى عشرقة المحاربية، وهى عجوز حيزبون زولة:
جريت مَعَ العشاق فى حلبة الهوى ... ففقتهم سبقاً وجئت عَلَى رسلى
فما لَيْسَ العشاق من حلل الهوى ... ولا خلعوا إلا الثياب التى أبلى
ولا شربوا كأساً من الحب مرةً ... ولا حلوةً إلا شرابهم فضلي
قَالَ أَبُو بَكْر: الحيزبون: التى فيها بقية من الشباب: والزولة: الظريفة، الزول: الظريف، وقوم أزوال، والزول أيضاً: الداهية، والزول: العجب.
وقَالَ لى غير أَبِي بَكْر: الحيزبون العجوز ولم يجد لها وقتاً
وأنشدنى أَبُو المياس للقطامى:
إلى حيزبونٍ توقد النار بعد ما ... تلفعت الظلماء من كل جانب
وأنشدنى أَبُو عمرو، عَنْ أَبِي العباس، عَنِ ابن الأعرابى:
لقد علمت سمراء أن حديثها ... نجيع كما ماء السماء نجيع
إذا أمرتنى العاذلات بصرمها ... هفت كبد عما يقلن صديع
وكيف أطيع العاذلات وحبها ... يؤرقنى والعاذلات هجوع
أنشدنى ابن الأعرابى البيتين الأولين، وأنشدنا أَبُو بَكْر بالإسناد الَّذِي تقدم عَنِ الأصمعى، عَنْ عشرقة، البيت الثاني والثالث، وأنشدنا الأخفش عَلي بْن سُلَيْمَان، قَالَ: أنشدنا إِبْرَاهِيم بن المدبر، لنفسه:
ما دمية من مرمرٍ صورت ... أو ظبية فِي خمرٍ عاطف
أحسن منها يوم قَالَت لنا ... والدمع من مقلتها ذارف
لأنت احلى من لذيذ الكرى ... ومن أمانٍ ناله خائف
فأنشدته قول الآخر:
اللَّه يعلم والدنيا مولية ... والعيش منتقل والدهر ذو دول
لأنت عندى وإن ساءت ظنونك بى ... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل
стр. 30
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة المعروف بنفطويه، وقَالَ: أنشدنا أحمد بْن يحيى ثعلب
أعلى ما ماء الفرات وبرده ... منى عَلَى ظمإ وفقد شراب
بألذ منك وإن نأيت وقلما ... يرعى النساء أمانة الغياب
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، لأبى نخيلة:
أمسلم إنى يا بْن كل خليفةٍ ... ويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض
شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمةً يقضى
وألقيت لما أن أتينك زائراً ... عَلَى لحافا سابغ الطول والعرض
ونوهت من ذكرى وما كَانَ خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وحَدَّثَنَا عَلَى بْن سُلَيْمَان الأخفش، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباسي مُحَمَّد بْن يزيد بْن عَبْد الأكبر الثمالى، قَالَ: أنشدنى عَبْد الصمد بْن المعذل لمرّة:
تمارضت كى أشجى وما بك علة ... تريدين قتلى قد رضيت بذلك
لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالك
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قِيلَ لكثير: مالك لا تَقُولُ الشعر، أجبلت؟ فقَالَ: والله ما كَانَ ذَلِكَ، ولكن فقدت الشباب فما أطرب، ورزئت عزة فما أنسب، ومات ابن ليلى فما أرغب، يعنى عَبْد العزيز بْن مروان: قوله: أجبلت أي: انقطعت عَنْ قول الشعر، أخذه من قولهم: أجبل الحافز إذا انتهى إِلَى جبلٍ فلم يمكنه الحفر.
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة المعروف بنفطويه النحوي يوم الأحد فِي سوق الثلاثاء عَلَى باب الكلواذانى صاحب ديوان السواد لكثير:
стр. 31
ألا تِلْكَ عزة قد أصبحت ... تقلب للهجر طرفاً غضيضا
تَقُولُ مرضنا فما عدتنا ... وكيف يعود مريض مريضا
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، لأعرابى:
إذا وجدت أوار الحب فِي كبدى ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هذا بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لحر عَلَى الأحشاء يتقد
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن جحظة البرمكى، عَنْ حماد بن إِسْحَاق الموصلىّ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أحمد بْن يحيى ثعلب النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا حماد، عَنْ أبِيهِ، قَالَ: دخلت يوما عَلَى الرشيد فقَالَ لى: يا إِسْحَاق أنشدنى شيئاً من شعرك، فأنشدته:
وآمرةٍ بالبخل قلت لها اقصرى ... فذلك شىء ما إلَيْهِ سبيل
أرى الناس خلان الجواد ولا ... أرى بخيلاً لَهُ فِي العالمين خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً أن يكون ينيل
فإني رَأَيْت البخل يزرى بأهله ... فأكرمت نفسى أن يُقَالَ بخيل
عطائى عطاء المكثرين تجملا ... ومالى كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل
فقَالَ: لا كيف إن شاء اللَّه، يا فضل، أعطه مائة ألف درهم، ثم قَالَ: لله درّ أبيات تأتينا بها يا إِسْحَاق، ما أتقن أصولها، وأحسن فصولها! وزاد جحظة وأقل فضولها، فقلت: كلامك يا أمير المؤمنين أحسن من شعرى، فقَالَ: يا فضل، أعطه مائة ألف أخرى، فكان أول مال اعتقدته
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: نظر أعرابى إِلَى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان فقَالَ: والله لئن أثرتموه لتمسكن منه بذنابى عيشٍ أغبر
وأنشدنا أَبُو بَكْر أَبِي الأزهر مستلمي أَبِي الْعَبَّاس المبرد، وَحَدَّثَنَا الأخفش، وابن السراج وغير واحد من أصحاب المبرد قَالُوا كلهم: أنشدنا أَبُو العباس، قَالَ: أنشدنا الزيادى، لأعرابي هذه الأبيات وكان يستحسنها:
ما لعينى كحلت بالسهاد ... ولجنبى نابيا عَنْ وسادي
стр. 32
لا أذوق النوم إلا غراراً ... مثل حسو الطير ماء الثماد
ابتغى إصلاح سعدى بجهدى ... وهي تسعى جهدها فِي فسادى
فتتاركنا عَلَى غير شىءٍ ... ربما أفسد طول التمادى
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، تعالى
أقول لصاحبي والعيس تخدي ... بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجدٍ ... وريا روضه بعد القطار
وأهلك إذ يحل الحى نجدا ... وأنت عَلَى زمانك غير زارى
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سرار
وأنشدنا الأخفش للعطوى يرثى أخاه:
لقد باكرته بالملام العواذل ... فما رقأت منه الدموع الهواطل
أيقنى جميل الصبر من هد ... ركنه وهيض جناحاه وجد الأنامل
أمن بعد ما ذاق المنية أحمد ... تطيب لنا الدنيا وتصفو المناهل
كَأنَ لم يكن لى خير خل وصاحبٍ ... وخير خطيب تتقيه المقاول
كأن أَبَا العباس لم يلق ضيفه ... ببشرٍ ولم يرحل بجدواه راحل
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة النحوى، قَالَ: أنشدنا أحمد بْن يحيى ثعلب لابن أَبِي مرة الْمَكَّيّ
إن وصفونى فناحل الجسد ... أو فتشونى فأبيض الكبد
أضعف وجدى وزاد فِي سقمى ... أن لست أشكو الهوى إِلَى أحد
آه من الحب آه من كمدى ... إن لم أمت فِي غدٍ فبعد غد
جعلت كفى عَلَى فؤادى من حر ... الهوى وانطويت فوق يدى
كأن قلبى إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدي أسد
يدي بحبل الهوى معلقة ... فإن قطعت الهوى قطعت يدي
стр. 33
وأنشدني جماعة من أصحاب أَبِي العباس المبرد، منهم: ابن السراج، وابن درستويه، والأخفش، قَالُوا: أنشدنا أَبُو العباس، قَالَ: أنشدنا بعض البصريين، وأنشدنا أيضاً أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، عَنِ المظفر:
هَلْ من جوى الفرقة من واقى ... أم هَلْ لداء الحب من راقى
أم من يداوى زفرات الهوى ... إذ جلن فِي مهجة مشتاق
يا كبدا أفنى الهوى جلها ... من بعد تلذيع وإحراق
حتى إذا نفسها ساعةً ... كرت يد البين عَلَى الباقي
البيتان الأولان رواهما أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى خاصةً، وشارك أصحاب أَبِي العباس فِي رواية البيتين الأخرين
وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد لأعرابى:
وإنى لأهواها وأهوى لقائها ... كما يشتهى الصادى الشراب المبردا
علاقة حب لج فِي زمن الصبا ... فأبلي الصادي وما يزداد إلا تجددا
وأنشدني أَبُو بَكْر دريد لنفسه:
بنا لا بك الوصب المؤلم ... ونفسك من صرفه تسلم
لئن نال جسمك نهك الضنى ... لقد ضنى السودد الأعظم
فحاشاك من سقمٍ عارضٍ ... ولكن أكبادنا تسقم
فأنت السماء التى ظلها ... إذا زال أعقبه الصيلم
وأنت الصباح الذى نوره ... به ينجلي الحادث المظلم
وأنت الغمام الَّذِي سيبه ... ينأل الثراء بِهِ المعدم
يخاطب عنك لسان العلا ... إذا ذكر المفضل المنعم
فمن نال من كرمٍ رتبةً ... فِيومك من دهره أكرم
إذا ما تخطاك صرف الردى ... فركن المكارم لا بهدم
فبالله أقسم رب الورى ... ولله غاية ما يقسم
لو أن السماء حمت قطرها ... لكنت حيا سيبه مثجم
стр. 34
يُقَال أثجمت السماء وأغبطت وألثت وألظت، إذا دام مطرها ولم ينقطع، وفى الحديث: ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام أي ألزموا هذه الدعوة، وأغضنت وأدجنت.
فإذا أقلعت قِيلَ: أنجمت وأفصت وأفصمت، ومنه أفصي الشاعر إذا انقطع عَنْ قول الشعر، وأفصت الدجاجة إذا انقطع بيضها.
ويقَالَ: أصفت الدجاجة وأصفي فِي الشعر، وهو من المقلوب.
مطلب تفسير ما جاء من الغريب فِي وصف الغلام للعنز التي كَانَ ينشدها
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، عَنْ أَبِي عمرو بْن العلاء، قَالَ: رَأَيْت باليمن غلاما من جرمٍ ينشد عنزا، فقلت: صفها يا غلام، قَالَ: حسراء مقبلة، شعراء مدبرة، ما بين غثرة الدهسة، وقنوء الدبسة، سجحاء الخدين، خطلاء الأذنين، فشقاء الصورين، كأن زنمتيها تتوا قلنسية، يا لها أم عيال، وثمال مال قوله ينشد: يطلب، والناشد: الطالب، يُقَال: نشدت الضالة، فأنا أنشدها إذا طلبتها.
وأنشدتها: عرفتها، فأنا منشد
وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد:
يصيخ للنبأة أسماعه ... إصاخة الناشد للمنشد
وقوله: حسراء مقبلة، يعنى أنها قليلة شعر المقدم، قد انحسر شعرها.
وشعراء مدبرة، يعنى أنها كثيرة شعر المؤخر.
والغثرة: غبرة قَالَ الأصمعى: والدهاس من الرمل: كل لا يبلغ أن يكون رملا بتراب ولا طين، قَالَ ذو الرمة يذكر فراخ النعام: جاءت من البيض زعراً لا لباس لها إلا الدهاس وأم برة وأب
مطلب أسماء الألوان وأوصافها
وقَالَ أَبُو يزيد
: الصدآء من المعز: السوداء المشربة حمرة.
والدهساء أقل منها حمرةً.
والقنوء: شدة الحمرة، والعرب تَقُولُ: أحمر قانئ، وقد قنأ يقنأ قُنُوءًا، وأحمر ذريحى وأحمر باحرى وبحرانى وقاتم، أي شديد الحمرة.
وناصع، والناصع: الخالص من كل لون.
وقَالَ ابن الأعرابى ويقَالَ أحمر كالنكعة، وهو ثمر النقاوى وهو كالنبقة، وأنشد: لا تكون لكم خلاة ولا نكع النقاوى إذ أحالا
стр. 35
وقَالَ أَبُو عبيدة: قَالَ أعرابى يُقَال لَهُ أَبُو مرهب لآخر: قبح اللَّه نكعة أنفك كأنها نكعة الطرثوث، يريد حمرة أنفه.
ونكعة الطرثوث: رأسه، وهو نبت يشبه القثاء.
وقَالَ أَبُو عمرو الشيبانى وأحمر نكع وهو الذى يخالط حمرته سواد.
وقَالَ غيره: وأحمر سلغد، أى أشقر، وأحمر أسلغ وأحمر أقشر، وهو الشديد الحمرة الَّذِي يتقشر وجهه وأنفه فِي الحر، وأحمر عاتك وأحمر غضب، أي شديد الحمرة
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، رحمه الله تعالى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَان، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن هارون التوزى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عبيدة، قَالَ: تزوّج رَجُل من بنى عامر بْن صعصعة امْرَأة من قومه، فخرج فِي بعض أسفاره ثم قدم وقد ولدت امرأته وكان خلفها حاملاً، فنظر إِلَى ابنه فإذا هُوَ أحمر غضب، أزب الحاجبين، فدعاها وانتضى السيف وأنشأ يَقُولُ:
لا تمشطي راسى ولا تفلينى ... وحاذرى ذا الريق فِي يمينى
واقتربى دونك أخبرينى ... ما شأنه أحمر كالهجين
خالف ألوان بنى الجون
فقَالَت تجيبه:
إن لَهُ من قبلى أجدادي ... بيض الوجوه كرماً أنجادا
ما ضرهم إن حضروا مجادا ... أو كافحوا يوم الوغى الأندادا
ألا يكون لونهم سوادا
وأحمر أكلف، وهو الكدر الحمرة، وأحمر فقاعى، وهو الَّذِي يخلط حمرته بياض، وأحمر قرف، وكالقرف، وهو الأديم الأحمر
وأنشدنا اللحيانى:
أحمر كالقرف وأحوى أدعج
قَالَ: ويقَالَ: إنه لأحمر كالصربة، والصربة: الصمغة الحمراء وجمعها صرب، وأحمر كالمصعة، وهو ثمر العوسج.
وأبيض يقق، ولهق، وصرح، ولياح، ولياح، ووابص، وحضى وقهب، وهو الَّذِي يخالط بياضه حمرة، وقهد أيضا.
وأسود حانك وحالك، وحلكوك وحلكوك ومحلنكك ومحلولك وسحكوك ومسحنكك وقَالَ الراجز: تضحك مني شيخة ضحوك واستنوكت وللشباب نوك وقد يشيب الشعر السحكوك
стр. 36
وحلبوب أيضا، قَالَ الشاعر:
أما ترينى اليوم نضوا خالصاً ... أسود حلبوبا وكنت وابصا
والوابص: الذي يبص من شدة بياضه.
وأسود فاخم: للشديد السواد، وهو مشتق من الفحم، ويحموم، وحندس، ودجوجى، وخدارى، وغدافى، وغربيب، ومدلهم، وغيهم، وغيهب.
وأخضر، ناضر، وباقل، ومدهام.
واصفر فاقع وفقاعى، كما قَالُوا فِي الأحمر: فقاعى، ووارس، وأرمك، رادنى، وأورق خطبانى إذا كَانَ خالصاً.
والأورق: الرماد، والورقة: لون الرماد، والأرمك: دون ذَلِكَ.
والدبسة: حمرة يعلوها سواد، وقَالَ أَبُو عبيدة: الدبسة: شقرة يعلوها سواد.
وقوله سجحاء الخدين، أى سهلة الخدين حسنتهما، ومن هذا قَالُوا: أسجح: أى أحسن، قَالَ الشاعر:
معاوى إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد
أى أحسن وسهل.
وخطلاء: طويلة الأذنين مضطربتهما، ومنه قيل لكلاب الصيد: خطل.
وقوله: فشقاء أي: منتشرة متباعدة.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لرؤبة:
فبات والنفس من الحرص الفشق ... فِي الزرب لو يمضغ شرياً ما بصق
يَقُولُ بات هذا الصائد فِي القترة، وهي الناموس والزرب أيضاً، وقد أبصر وحشا فانتشرت نفسه فلو مضغ شريا ما بصق لئلا ينفر الوحش.
والشرى: الحنظل.
والصوران: القرنان، وأحدهما صور.
وأنشدنا أَبُو بَكْر الأنبارى:
نَحْنُ نطحناهم غداة الغورين ... بالضابحات فِي غبار النقعين
نطحا شديداً لا كنطح الصورين
والزنمتان: الهنيتان المتعلقتان ما بين لحي العنز.
والتتوان: ذؤابتا القلنسوة، وأحدهما تتو.
وفى القلنسوة لغات، يُقَال: قلنسوة، وقلنسية، وقلنساة، وقلساة، وقَالَ أحمد بْن عُبَيْد وقليسية تصغير قلساة، قَالَ: وجمع قلساةٍ قلاسى، وحكى عَنِ الزبيدي: ما أعجبك القلاسي التي أراها عَلَى
стр. 37
رءوسكم، وروى أَبُو عبيدة، عَنِ الأصمعى، وأبى زيد قليسية وجمعها قلاسٍ
وقرأت على أبى بكر بن الأنبارى، فى الغريب المصنف قَالَ: أنشدنا أَبُو زيد:
إذا ما القلاسى والعمائم أخنست ... ففيهن عَنْ صلع الرجال حسور
وقوله: ثمال مال، أى أصل مال، والثميلة: ما يبقى فِي بطن البعير من العلف.
وقيل لأعرابى: أشرب فقَالَ: إنى لا أشرب إلا عَلَى ثميلة
تفسير ما جاء من الغريب فِي حديث الشاب الجميل العاشق
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: مررت بحمى الربذة فإذا صبيان يتقاسمون فِي الماء وشاب جميل الوجه ملوح الجسم قاعد، فسلمت عَلَيْهِ، فرد عَلَى السلام وقَالَ: من أيْنَ وضح الراكب؟ قلت: من الحمى، قَالَ: ومتى عهدك بِهِ؟ قلت: رائحا، قَالَ: وأين كَانَ مبيتك؟ قلت: أدنى هذه المشاقر، فألقى نفسه عَلَى ظهره وتنفس الصعداء، فقلت: تفسأ حجاب قلبه، وأنشأ يَقُولُ:
سقى بلداً أمست سليمى تحله ... من المزن ما تروي بِهِ وتسيم
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه ... يحل بِهِ شخص عَلَى كريم
ألا حبذا من لَيْسَ يعدل قربه ... لدى وإن شط المزار نعيم
ومن لامني فِيهِ حميم ... وصاحب فرد يغيظ صاحب وحميم
ثم سكت سكتة كالمغمى عَلَيْهِ، فصحت بالأصبية، فأتوا بماء فصببته عَلَى وجهه، فأفاق وأنشأ يَقُولُ:
إذا الصب الغريب رأى خشوعى ... وأنفاسى تزين بالخشوع
ولى عين أضر بها التفاتى ... إِلَى الأجراع مطلقة الدموع
إلى الخلوات تانس فيك نفسى ... كما أنس الوحيد إِلَى الجميع
قوله: يتقامسون: يتغاطون، يُقَال قمسته فِي الماء، ومقلته وغمسته وغططته.
وقَالَ لى أَبُو بَكْر ابن دريد، رحمه الله تعالى: المشاقر: منابت العرفج، وقَالَ غيره: المشاقر: الرمال، وأحدها مشقر، وأنشدنى لذى الرمة:
كَانَ عرى المرجان منها تعقلت ... عَلَى أم خشف من ظباء المشاقر
стр. 38
مطلب أوصاف الشيء البالي
وقوله: تفسأ حجاب قلبه، يُقَال تفسأ الثوب، وتهما إذا تشقق، وتهتأ إذا انشق من البلى، ويقَالَ: تسلسل الثوب وأسمل، وجرد وانجرد، وأسحق وانسحق وأنهج، ومح، وأمح، وهمد: كله إذا أخلق.
والسمل والجرد والسحق والنهج: الخلق، قَالَ ذو الرمة:
قف العنس فِي أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاف الرداء المسلسل
وقَالَ كثير: فأسحق برداه ومح قميصه فأثوابه ليست لهن مضارج وقَالَ العجاج: ما هاج أحزاناً وشجوا قد شجا من طلل كالأتحمي أنهجا وقَالَ الأعشى:
قَالَت قتيلة ما لجسمك شاحباً ... وأرى ثيابك بالياتٍ همدا
والحشيف: الخلق أيضاً، قَالَ الهذلى:
أتيح لها أقيدر ذو حشيفٍ ... إذا سامت عَلَى الملقات ساما
وكذلك الدرس والدريس، قَالَ المتنخل:
قد حال دون دريسية مئوبة نسعٌ ... لها بعضاه الأرض تهزيز
مئوبة: ريح جاءت مَعَ الليل.
ونسع ومسع: اسم من أسماء الشمال.
والهدمل: الثوب الخلق، قَالَ تأبط شراً:
نهضت إليها من جثومٍ كأنها ... عجوز عليها هدمل ذات خيعل
والهدم: الخلق، قَالَ الكميت:
فأصبح باقى عيشنا وكأنه ... لواصفه هدم الخباء المرعبل
إذا حيص منه جانب راع جانب ... بفتقين يضحى فيهما المتظلل
والمرعبل: الممزق.
وحيص: خيط.
والطمر: الخلق
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أحمد بْن عُبَيْد، لشاعر قديم:
وعاذلةٍ هبت بليلٍ تلومنى ... ولم يغتمرنى قبل ذَاكَ عذول
стр. 39
تَقُولُ اتئد لا يدعك الناس مملقا ... وتزري بمن يابن الكرام تعول
فقلت أبت نفس عَلَى كريمة ... وطارق ليلٍ غير ذَاكَ يَقُولُ
ألم تعلمى يا عمرك اللَّه أننى ... كريم عَلَى حين الكرام قليل
وإنى لا أخزي إذا قِيلَ مملق ... سخي وأخزي أن يُقَالَ بخيل
فلا تتبعى العين الغوية وانظرى ... إِلَى عنصر الأحساب أيْنَ يؤول
ولا تذهبن عيناك فِي كل شر شرمح ... له قصب جوف العظام أسيل
عسي أن تمني عرسه أنني لها ... بِهِ حين يشتد الزمان بديل
إذا كنت فِي القوم الطوال فضلتهم ... بعارفةٍ حتى يُقَالَ طويل
ولا خير فِي حسن الجسوم وطولها ... يزن حسن الجسوم عقول
وكائن رأينا من فروعٍ طويلة ... تموت إذا لم يحيهن أصول
فإن لا يكن جسمى طويلاً ... فإننى لَهُ بالفعال الصالحات وصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
الشرمح: الطويل، وكذلك الشوقب.
وقَالَ أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، رحمه الله تعالى: العارفة: النفس الصابرة.
وأنشدنا بعض أصحابنا لعلى بْن الْعَبَّاس الرومى:
وذخرته للدهر أعلم أنّهُ ... كالحصن فِيهِ لمن يؤول مآل
ورأيته كالشمس إن هى لم تنل ... فضياؤها والرفق منه ينال
وأنشدنى أيضاً مثل هذا المعنى لسعيد بْن حميد الكاتب:
أهاب وأستحيي وأرقب وعده ... فلا هُوَ يبدانى ولا أنا أسأل
هُوَ الشمس مجراها بعيد وضوءها ... قريب وقلبى بالبعيد موكل
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد الأزدى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: رأيت بالبادية امْرَأة عَلَى راحلة لها، تطوف حول قبر وهى تَقُولُ:
يا من بمقلته زها الدهر ... قد كَانَ فيك تضاءل الأمر
زعموا قتلت وما لهم خبر ... كذبوا وقبرك مالهم عذر
стр. 40
يا قبر سيدنا المجن سماحة ... صلى الإله عليك يا قبر
ما ضر قبرا فِيهِ شلوك ساكن ... ألا يمر بأرضه القطر
فلينبعن سماح جودك فِي الثرى ... وليورقن بقربك الصخر
وإذا غضبت تصدعك فرقاً ... منك الجبال وخافك الذعر
وإذا رقدت فأنت منتبه ... وإذا انتبهت فوجهك البدر
والله لو بك لم أدع أحداً ... إلا قتلت لفاتنى الوتر
قَالَ: فدنوت منها لأسألها عَنْ أمرها فإذا هي ميتة
وأنشدنا الأخفش، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى، ومحمد بن الحسن:
لله در ثقيفٍ أي منزله ... حلو بها سهل الأرض والجبل
قوم تخير طيب العيش رائدهم ... فأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
ليسوا كمن كانت الترحال همته ... أخبث بعيش عَلَى حل ومرتحل
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، لبعض الأعراب:
سأشكر عمرًا إن تراخت منيتي ... أيادى لم تمنن وإن هى جلت
فتى غير محجوب الغنى عَنْ صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
وأنشدنا الأخفش أيضاً، قَالَ: أنشدنا بعض أصحابنا:
فما تزود مما كَانَ يجمعه ... إلا حنوطا غداة البين مَعَ خرق
وغير نفحة أعواد شببن لَهُ ... وقل ذَلِكَ من زادٍ لمنطلقٍ
لا تأسين عَلَى شيء فكل فتىً ... إِلَى منيته يستن فِي عنق
بأيما بلدةٍ تقدر منيته ... إلا يسارع إليها طائعا يسق
وأنشدنا أَبُو بَكْر التاريخى للبحترى:
دنوت تواضعاً وبعدت قدراً ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس يبعد أن تسامي ... وبدنو الضوء منها والشعاع
следующие страницы →