← Книги сунны

Книги сунны · id 916

موطأ ابن وهب الصغير

ابن وهب

Полный текст (721 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم [المقدمة] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد، يقول الله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (١)، فالحديث وحي من الله ، بدليل هذه الآية، ولذا قال الله عن نبيه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ (٢). لذا كان من واجب الأمة الإسلامية أن تتكفل بحفظ الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ ، لأنه يشتمل على ما في القرآن من أحكام. ولذا قال الله لرسوله ﷺ ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣)، فالرسول بين القرآن بالسنة، وكما قال الخطيب البغدادي واصفا لعلم الحديث وأهله. انه يشتمل على أصول. التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين، والأخبار من صفات الجنة والنار، وما أعد الله تعالى فيهما للمتقين والفجار، وما خلق _________ (١) سورة النجم، الآية ١ - ٤. (٢) سورة الحاقة الآية ٤٤ - ٤٧. (٣) سورة النحل الآية ٤٤.

стр. 2

الله في الأرضين والسماوات من صنوف العجائب، وعظيم الآيات، وذكر الملائكة المقربين، ونعت الصادقين من المؤمنين، وقصص الأنبياء، وأخبار الزهاد والأولياء، ومواعظ. البلغاء، وكلام الفقهاء، وأخبار العرب والعجم، وأقاصيص المتقدمين من الأمم، وشرح مغازي الرسول ﷺ وسراياه، ومجمل أحكامه وقضاياه، وخطب الرسول ﷺ ومواعظه، وأوصافه، ومعجزاته، وعدة أزواجه، وأولاده، وأصهاره، وأصحابه، وذكر فضائلهم، وشرح أخبارهم، ومناقبهم، ومبلغ أعمارهم، وبيان أنسابهم، وفيه تفسير القرآن العظيم، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم، وأقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم. وقد جعل الله تعالى أهل الحديث أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خلقه، والواسطة بين النبي وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته. وكل فئة تتحيز الى هوى ترجع اليه، أو تستحسن رأيا تعطف عليه، سوى أصحاب الحديث، فان الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول موفي مرجعهم، واليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون الى الاراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول ﷺ ، وهم المأمونون على حفظ الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، اذا اختلف في حديث كان اليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع. ومنهم كل عالم فقيه، وامام رفيع، وقاض عادل، وزاهد متبع وهم الطائفة المنصورة، حراس الدين، وصرف عنهم صرف الله عنهم كيد المعاندين، لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار، في اقتباس ما شرع الرسول المصطفي ﷺ ، لا يعرجون عنه الى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولا وفعلا، وحرسوا سنته حفظا ونقلا، حتى ثبتوا

стр. 3

بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها (١). وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى ندب بأصحاب الحديث الذب عنها، فهم الحفاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها، ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وان كان أحد من هؤلاء فعلى رأسهم امامنا عبد الله بن وهب، ﵀ رحمة واسعة، فهو امام المحدثين، والفقهاء، والزهاد، والعباد، الذي قسم دهره بين العلم، والحج، والرباط، حتى لقي الله وهو يدرس الحديث .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. **** _________ (١) انظر كتاب شرف اصحاب الحديث للخطيب البغدادى، ص ١٠/ ٨ بتصرف. (٢) سورة المجادله، الايه ٢٢.

стр. 4

خطة البحث أما الخطة التي سلكتها في انجاز هذه البحث، فهي كما يلي: قسمت البحث الى قسمين: القسم الأول: هو قسم الدراسة. القسم الثاني: هو قسم التحقيق. وجعلت القسم الدراسي في مقدمة وبابين، * أما المقدمة، فتكلمت فيها عن شرف علم أهل الحديث، وأهله . وخطتي في البحث. * أما الباب الأول: فو خاص بدراسة حياة الامام عبد الله بن وهب، ويقع في تسعة فصول: ١ - الفصل الأول: الحالة العلمية في عصره. ٢ - الفصل الثاني: اسمه وكنيته ونسبه وولادته وأسرته. ٣ - الفصل الثالث: نشأته ورحلته في طلب العلم. ٤ - الفصل الرابع: شيوخه. ٥ - الفصل الخامس: تلاميذه والرواة عنه. ٦ - الفصل السادس: مؤلفات. ٧ - الفصل السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه. ٨ - الفصل الثامن: منهجه في السماع والأداء. ٩ - الفصل التاسع: عبادته وورعه وزهده ووفاته. الباب الثاني: وهو خاص بالتعريف بالكتاب، ويحتوي على فصلين:

стр. 5

الفصل الأول: وفيه مباحث: المبحث الأول: توثيق نسبة الكتاب الى المؤلف. المبحث الثاني: وصف النسخة. المبحث الثالث: التعريف بالكتاب وأهميته ومصادره ومنهجه. الفصل الثاني: في بيان منهج التحقيق، وعملي في الكتاب .. أما القسم الثاني: فهو في تحقيق نص الكتاب، وقد حققت النص بالطريقة التي ذكرتها في الفصل الثاني من الباب الثاني، في بيان منهج التحقيق .. وبعد الانتهاء من التحقيق، ذكرت خاتمة ضمنتها بعض النتائج التي توصلت اليها.

стр. 6

الرموز المستخدمة للدلالة على الكتب التي خرجت أحاديث الرواة الذين ورد ذكرهم، على النحو التالي [عه] الستة سوى الشيخين [ع] الجماعة أصحاب السنن الستة. [خ] للبخاري في صحيحه [م] مسلم في صحيحه [د] لأبي داود [ت] للترمذي [س] للنسائي [ق] لابن ماجة [خت] للبخاري في التعليق [بخ] للبخاري في الأدب المفرد [ي] للبخاري في جزء رفع اليدين [عخ] للبخاري في خلق أفعال العباد [ز] للبخاري في جزء القراءة خلف الامام [مد] لأبي داود في المراسيل له [قد] لأبي داود في القدر [خد] لأبي داود في التاريخ للناسخ والمنسوخ [ف] لأبي داود في كتاب التفرد [صد] لأبي داود في فضائل الأنصار [ل] لأبي داود في المسائل [كد] لأبي داود في مسند مالك [ت] للترمذي في الشمائل [سي] للنسائي في اليوم والليلة [كن] للنسائي في مسند مالك [عس] للنسائي في منشد علي [فق] لابن ماجة في التفسير له

стр. 7

الباب الأول الدراسة لحياة الامام عبد الله بن وهب الفصل الأول: الحالة العلمية في عصره الفصل الثاني: اسمه وكنيته ونسبه وولادته وأسرته الفصل الثالث: نشأته ورحلته في طلب العلم الفصل الرابع: شيوخه الفصل الخامس: تلاميذه والرواة عنه الفصل السادس: مؤلفاته الفصل السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه الفصل الثامن: منهجه في السماع والأداء الفصل التاسع: عبادته وورعه وزهده ووفاته

стр. 8

الباب الأول ويشتمل على تسعة فصول الفصل الأول: [الحالة العلمية في عمره]: يعتبر العصر العباسي الأول، الذي عاش فيه [عبدالله بن وهب - رحمه الله تعالى -] عصر أوج الثقافة الإسلامية، ونهضة العلم والأدب. وسماه بعضهم بعصر الأئمة المجتهدين، وذلك لأنه ظهر فيه عدد كبير من أجلاء العلماء، الذين اعتبروا أئمة للفقه، وقادة الفكر الإسلامي، لأنهم ألقوا ودونوا وجمعوا كل العلوم. فظهرت آثارهم في تآليفهم، وتلاميذهم، فكثر الإنتاج العلمي، وتكونت المذاهب الفقهية، والمدارس العلمية. يقول الذهبي في حوادث سنة ثلاث وأربعين ومائة: «وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير. فصنف ابن جريج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وغيرهما بالبصرة، وصنف الأوزاعي بالشام، وصنف مالك بالمدينة، وصنف ابن إسحاق المغازي، ومعمر باليمن، وأبو حنيفة، وغيره الفقه بالكوفة، وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، والليث، وابن لهيعة، وابن

стр. 9

المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب في مصر .. وكثر تدوين العلم من العربية واللغة، والتاريخ، وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان سائر الأمة يتكلمون من حفظهم، أو من صحف غير مرتبة» (١). ولعل أكبر الأسباب في نشاط العلم والتعليم في هذا العصر، هو الاستقرار السياسي، واتساع رقعة بلاد الإسلام، وارتباط المدن والبلدان بقيادة واحدة، وكثرة القضايا، ولكل قضية حكمها، وما يجري فيها فاتسعت دائرة الفقه والرأي نحو تلك القضايا، وكما قيل: «تحدث للناس أقصية بقدر ما أحدثوا من الفجور» (٢). ومن أسباب تلك الحركة العلمية وازدهارها، اعتناء الخلفاء العباسيين في هذا العصر بالعلم وأهله، وتشجيعهم على الجمع والتأليف، وتكريم العلماء، وإعطاء الجوائز على تأليف الكتب. وأدل دليل على ذلك ما قيل عن المنصور: أنه قيل له ذات يوم، هل بقي من لذات الدنيا شيئا لم تنله؟ قال: بقيت خصلة، أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث (٣). _________ (١) انظر تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام، للإمام الذهبي، حوادث الوفيات: ١٤١ - ١٦٠. (٢) انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣١٣. (٣) المرجع السابق.

стр. 10

وكان من العلماء بالحديث والأنساب مشهورا بطلب العلم، جيد المشاركة في العلم والأدب (١). وكان المهدي محمد بن المنصور، هو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل، في. الرد على الزنادقة، والملحدين (٢) ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والفقهاء، والأدباء، والشعراء، والقراء، والقضاة، والكتاب ما اجتمع على باب الرشيد (٣). وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص. ولعا بلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه. وحدته يوما أبو معاوية الضرير، بقول النبي ﷺ [احتج آدم وموسى] وعنده رجل من وجوه قريش، فقال القرشي: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النطع والسيف، زنديق يطعن في حديث النبي ﷺ (٤) وكان للرحلة في طلب العلم أثر كبير في نشر العلم، ولا سيما رحلة الحج، التي يجتمع فيها أكبر عدد من الناس، ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ. يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ (٥) الآية .. _________ (١) المرجع السابق: ٢٥١، ٢٤١. (٢) المرجع نفسه: ٢٥٢. (٣) انظر: الفخر في الآداب السلطانية لابن طباطبا ص ١٩٥. (٤) انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦٤ - ٢٦٥. (٥) سورة الحج، الآية ٢٨.

стр. 11

ومن كبرى المنافع لقاء العلماء لبحث صعاب العلوم، والمسائل، ما جد منها وما خفي على الناس، مما لا يقدر على فهمه، وتحقيقه، الا جهابذة العلماء الأذكياء. ومما هو مشجع للحركة العلمية في هذا العصر، وجود مدارس العلم في المدن والأمصار، وأشهر هذه المدارس: مدرسة المدينة المنورة، حيث إنها دار نزول الوحي، وعاصمة الإسلام الأولى، ومنطلق الرسالة، وفيها كملت الرسالة، وتلقى أهلها الحديث من رسول الله ﷺ ، ومن صحابته، وتابعيهم، وهكذا .. وأشهر علمائها في هذا العصر، مالك بن أنس ﵀. والتي تليها مدرسة العراق، وهي المعروفة بمدرسة الرأي، والقياس، وحامل رايتها، هو الامام أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، وأصحابه. أما مدرسة مصر، فليس لها ذكر يساوي أو يقارب هاتين المدرستين، مع أن بها في ذلك العصر الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وبكير بن الأشج، وهؤلاء لا يقلون عن درجة أولئك في العلم والحفظ، وعلى رأسهم ابن وهب. قال أبو إسحاق الشيرازي: (كان ابن وهب تقرأ عليه مسائل الليث، فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكا يجيب، فقال ابن وهب للرجل: بل كان مالك يسمع الليث، والله الذي لا اله الاهو: ما رأينا أحدا قط أفقه من الليث. وقال الشافعي: الليث أفقه من مالك، الا أن أصحابه لم يقوموا به. وقال ابن وهب: كان ربيعة يقول: لا يزال بذلك المغرب فقه، ما دام فيه

стр. 12

ذلك القصير، يعني: عمرو بن الحارث (١). وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث، ما احتجنا معه الى مالك، ولا الى غيره (٢). وقد كان عبد الله بن وهب، أحد أئمة هذا العصر، حيث تلقى العلم في بداية طلبه على علماء بلده، بمدينة الفسطاط بمصر، وكانت هذه المدينة من أكبر صروح العلم، وفيها أكبر المدارس والمراكز العلمية، وقد استمدت هذه المدرسة علمها ممن نوطنها من أصحاب النبي ﷺ ، وعلى رأسهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن جاء بعده من الصحابة، مثل: الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، وشمة بن مخلد، والمقداد بن الأسود، كما كان معه ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص، أحد الحفاظ المكثرين عن رسول الله ﷺ ، والذي كان يدون الحديث بين يدي النبي ﷺ ، فقد مكث في مصر الى ما بعد وفاة والده، وعنه رويكثير من محدثيها. وممن نزل مصر من الصحابة رضوان الله عليهم: عقبة بن عامر الجهني، وخارجة بن حذافة، وعبد الله بن سعد أبو سرح، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو بصرة الغفاري، وأبو سعد الخير، ومعاذ بن أنس الجهني، ومعاوية بن خديج، وزياد بن الحارث الصدائي، وغيرهم (٣). وتخرج على أيدي هؤلاء خلق كثير من أهل مصر، مثل يزيد بن أبي حبيب محدث مصر، وعمرو بن الحارث، وخير بن نعيم الحضرمي، وعبد الله بن سليمان الطويل، وعبد الرحمن بن شريح الغافقي، وحيوة بن _________ (١) انظر طبقات الفقهاء. للشيرازي ٧٨ (٢) أعلام الموقعين. لابن القيم: ١/ ٢٧. (٣) انظر معرفة علوم الحديث، ص ١٩٣. وانظر: فتوح مصر لابن عبدالحكم: ٢٤٨.

стр. 13

شريح الغافقي، وحيوة بن شريح التجيبي، وغيرهم (١). ومن استوطن فيها من التابعين، وتابعيهم، فكان منهم المحدثون، والفقهاء، وغيرهم من القضاة، والقراء، والأدباء، والشعراء. ولما أخذ ابن وهب علم مشايخ بلده، وكانت رغبته في الزيادة من العلم شديدة، رحل إلى المدينة المنورة، موطن النبي ﷺ ، وصحابته وخلفائه، وتابعيهم، من أبناء المهاجرين والأنصار، وصحب الامام مالكا إمام دار الهجرة، فكان من أكبر أصحاب مالك من المصريين. ونقل ابن وهب هو وابن القاسم علم الامام مالك الى مصر، حتى جاء الامام الشافعي، وسكن مصر، واتخذها مقرّا لمدرسته (٢) ومن المعلوم أن قدوم الشافعي على مصر سنة ١٩٨ هـ ومات بها سنة ٢٠٤ هـ وسنة قدومه الى مصر، هي السنة التي بعد وفاة ابن وهب. وتوفي ابن القاسم سنة ١٩١ هـ، قبل موت ابن وهب بست سنوات، وعلى هذا فقد قام ابن وهب بأمر هذه المدرسة، بعد موت ابن القاسم، وقبل مجيء الشافعي، فأصحاب الشافعي، اذا هم أصحاب ابن وهب، مثل محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، الذي يعتبر هو الراوي الأول لموطأ ابن وهب، وكذلك بحر بن نصر. قال أبو يعلى بن خليل الخليلي: وآخر من روى عن ابن وهب، من الثقات، يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وقال أيضا: نظر الشافعي رحمه الله تعالى في كتب ابن وهب، ونسخ _________ (١) انظر معرفة علوم الحديث: ٢٤١. (٢) انظر المنتخب في الإرشاد ١/ ٢٥٥.

стр. 14

أكثرها (١). وعلى هذا فتعتبر مصر من معاقل العلم، في حياة ابن وهب، حيث جمعت علم المدينة، والعراق، وغيرهما .. فهذه نبذة قصيرة عن الحركة العلمية في مصر، موطن الامام عبد الله. بن وهب، رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جناته. *** _________ (١) انظر: المنتخب في الإرشاد: ١/ ٢٥٥.

стр. 15

الفصل الثاني: [اسمه كنيته نسبه ولادته أسرته] أولا: اسمه وكنيته: هو عبد الله بن وهب (١) بن مسلم، القرشي بالولاء، المصري، صاحب _________ (١) مصادر ترجمته مرتبة حسب التسلسل الزمني: * الطبقات الكبرى لابن سعد، المتوفى سنة ٢٣٠ هـ ٧/ ٥١٨. * تاريخ يحيي بن معين، المتوفى سنة ٢٣٢ هـ ٢/ ٢٣٦. * التاريخ الكبير للبخاري، المتوفى سنة ٣٥٦ هـ ٥٠/ ٢١٨. * كتاب المعرفة والتاريخ، لأبي يوسف يعقوب به سفيان، المتوفى سنة ٢٧٧ هـ ٢/ ١٨٣. * تاريخ الثقات للعجلي، المتوفى سنة ٢٦١ هـ ص: ٢٨٣. * تاريخ أبي زرعة الدمشقي، عبد الرحمن بن عمرو، المتوفى سنة ٢٨١ هـ ٢/ ١٤٦. * الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، المتوفى سنة ٣٢٧ هـ ٥/ ١٨٩. * كتاب الثقات، لابن حبان، المتوفى سنة ٣٥٤، ٨/ ٣٤٦ * الكامل في ضعفاء الرجال، لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، المتوفى سنة ٣٦٥ هـ ٤/ ١٥١٨. * كتاب الفهرست، لابن النديم، المتوفى سنة ٣٨٠ هـ ص: ٢٥٢. * طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق الشيرازي، المتوفى سنة ٣٩٣ هـ ص: ٢٩٧. * رجال صحيح البخاري، الهداية والإرشاد، لأبي نصر أحمد بن محمد الكلاباذي المتوفى سنة ٣٩٨ هـ ١/ ٤٣٢. * الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء، لابن عبد البر، المتوفى سنة ٤٦٣ هـ ص ٤٨ - ٥٠. * رجال صحيح مسلم، لأحمد بن علي بن منجويه الأصبهاني، المتوفى سنة ٤٢٨ هـ ١/ ٣٩٦. * ترتيب المداركللقاضي عياض المتوفى سنة ٤٢١٥٤٤ - ٤٣٢. * الأنساب لمحمد بن منصور التميمي السمعاني، المتوفى سنة ٥٦٣ هـ ١٣/ ٣٦٩. * وفيات الأعيان لابن خلكان، المتوفى سنة ٦٨١ هـ ٣/ ٣٦. * تهذيب الكمال في أسماء الرجال. لجمال الدين بن يوسف المزي، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ

стр. 16

الامام مالك بن أنس، امام دار الهجرة، رحمه الله تعالى، يكنى أبا محمد (١). _________ (١) * كتاب الديباج المذهب في معرفة علماء أعيان المذهب، لابن فرحون ص ١٣٣. * شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد محمد مخلوف. * سير أعلام النبلاء للذهبي، المتوفي سنة ٧٤٨ هـ ٩/ ٢٢٣ - ٢٣٤. * وكتابه أيضا العبر في أخبار من غبر ١/ ٢٥١. * وأيضا تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠٤ - ٣٠٦. * وكتابه أيضا دولالإسلام ١/ ١٢٤. * وأيضا كتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال: ٢/ ٥٢١ - ٥٢٣. * وكتاب أيضا كتاب المعين في طبقات المحدثين ص ٦٦ * وأيضا الأمصار ذوات الآثار: ١٦٨. * غاية النهاية في طبقات القراء، لأبي الخير محمدبن محمد الجزري، المتوفى سنة ٨٣٣ هـ، ١/ ٤٦٣. * تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، ١/ ٤٢١ - ٤٣٢. * وكتابه أيضا تقريب التهذيب ٣٢٨. * النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لجمال الدين يوسف بن ثغري بردى، المتوفى سنة ٨٧٤ هـ ٢/ ١٥٥. * طبقات الحفاظ للسيوطي. المتوفى سنة ٩١١ هـ ص: ١٣٢. * وكتابه أيضا حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، ١/ ٣٠٢. * خلاصة تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لأحمد بن عبدالله الخزرجي، المتوفى سنة ٩٢٣ هـ، ص ٢١٨. * شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي. المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ ١/ ٣٢٧. * كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة، المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ ٢/ ١٩٠٧.

стр. 17

[ثانيا: نسبه] هو الامام عبد الله بن وهب بن مسلم، هكذا اقتصر أصحاب المصادر المذكورة سابقا، على جده (مسلم). إلا أن القاضي عياض قال: قال أبو الطاهر: كان جده (مسلم) بربريا (١) ولم تختلف مصادر ترجمة ابن وهب في اسمه، ولا في محل ولادته، وكنيته، وانما اختلفوا في ولاء جده (مسلم): فقيل: جده مسلم، مولى يزيد (٢) بن رمانة. ويقال: مولى بني فهر، قاله الباجي (٣) وقال الدارقطني: مولى يزيد بن ربابة، مولى يزيد بن أنس الفهري. وقال أبو عمر: مولى يزيد بن رمانة، مولى آل شيبان بن محارب بن فهر. وقيل: ان ابن رمانة مولى امرأة من الأنصار، من بني بياضة، كان زوجها فهريا، فرجع ولاؤه الى بنيه بسببها. وقال البخاري: مولى رمانة. وقال ابن أبي حاتم: مولى ابن رمانة، مولى فهر. وقال ابن شعبان، وابن عبد البر: مولى ريحانة، مولاة لأبي عبد الرحمن، يزيد بن أنس الفهري. _________ (١) انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢١. (٢) انظر ترتيب المدارك، للقاضي عياض ١/ ٤٢١. (٣) في كتابه التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح ٢/ ١٥٠.

стр. 18

وقال الكندي: وكان ابن وهب فيما زعموا: ربما قال: الأنصاري، وربما قال: القرشي، ثم ثبت على القرشي. وقال ابن بكير: وجدت شهادته في صك (الأنصاري) (١) فهذه الأقوال الثلاثة تدور على أنه ما قرشي. بالولاء، أو فهري، أو أنصاري بالولاء. ولا يخفى أن القرشي، والفهري، لا تعارض بينهما، لأن قريشا لقب لفهر، أو هو اسمه الأصلي. قال السهيلي (٢): فهر بن مالك، هو قريش، فمن كان من ولده قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. وقال حماد المجلسي في تحفة الألباب (٣): قريش النضر وقيل فهر … وبالبطاح كعب استقروا وقال غيره: أما قريش فالأصح فهر … جميعها والأكثرون النضر وعلى هذا، فيبقى الخلاف في ولائه بين القرشي والأنصاري .. ويمكن ترجيح القرشي على الأنصاري، بعده مرجحات، منها: ما رجحه هو بنفسه فما ذكره الكندي حيث قال: كان ابن وهب فيما زعموا: ربما قال: الأنصاري، وربما قال: القرشي، ثم ثبت على القرشي. ومنها: أن نسبته للقرشي أكثر من نسبته للأنصاري في سائر المصادر. ومنها أن المرأة الأنصارية التي كان ولاؤه لها، كان زوجها فهريا، فرجع ولاؤه الى بنيه بسببها، والله أعلم. _________ (١) هذه الأقوال كلها في ترتيب المدارك، للقاضي عياض ١/ ٤٣١. (٢) انظر الروض الآنف للسهيلي ١/ ١١٥ - ١١٦. (٣) تحفة الألباب شرح الأنساب لحماد المجلسي الموريتاني ٢/ ٦٣.

стр. 19

والقرشي الذي صار ولاؤه له، يزيد بن أنس بن عبد الرحمن الفهري. أبو عبد الرحمن الفهري، القرشي، من بني فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، له صحبة، ورواية. قال الو اقدي: اسمه عبد، وقال غيره: اسمه يزيد بن أنيس، وقيل: اسمه كرز بن ثعلبة، شهد مع النبي ﷺ حنينا، ووصف الحرب يومئذ، فقال: قال رسول الله ﷺ يا عباد الله، انا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر المهاجرين: أنا عبد الله ورسوله .. الخ (١) وقال السيوطي في كتابه: در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة: يزيد بن أنيس بن عبدالله أبو عبد الرحمن الفهري، قال ابن الربيع: شهد فتح مصر،، ولم يرو الا حديثا واحدا في غزوة حنين، ورواه عنه غير أهل مصر (٢) وقال ابن عبد الحكم: واسم أبى عبد الرحمن: يزيد بن أنيس بن عبد الله بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر (٣) وعلى هذا، فمرد الروايات كلها في ولاء (مسلم) والد عبد الله بن وهب، الى فهر، وهو قريش، والله أعلم. [ثالثا: ميلاده] : لقد اختلف في تاريخ ميلاد عبد الله بن وهب: قال ابن عبد البر: ولد سنة أربع وعشرين ومائة، في ذي القعدة (٤). وقال مرة أخرى: ولد ابن وهب بمصر، سنة خمس وعشرين ومائة، في ذي _________ (١) الاستيعاب ٤/ ١٣٧، والاصابة ٤/ ١٢٨. (٢) انظر حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، ١/ ٢٤٢، للسيوطي. (٣) انظر فتوح مصر وأخبارها لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم ص: ١٣٦. (٤) الانتنقاء لابن عبدالبر: ٤٨.

стр. 20

القعدة (١) وقال الذهبي: ولد سنة ١٢٥ هـ (٢) وقال ابن عدي في كامله: حدثنا أحمد بن علي المدائني، ثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي عبد الله بن وهب: ولدت سنة خمس وعشرين رمانة (٣) وقال القاضي عياض: ولد عبد الله بن وهب بمصر، سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: سنة أربع وعشرين ومائة (٤) وفال ابن حجر: قال ابن يونس، حدثني أبي، عن جدي، قال: سمعت ابن وهب يقول: ولدت سنة مائة وخمس وعشرين (٥) وأرجح الأقوال أنه ولد سنة خمس وعشرين ومائة، وذلك لأنه أخبر هو بذلك، وأكثر المصادر المترجمة له تصدر بذلك، ويأتون بقيل في الروايات الأخرى، والله. أعلم. [رابعا: أسرته] أسرة ابن وهب، أسرة علم، فيما اطلعت عليه من أخباره، وان كانت كتب التاريخ والتر التراجم لم يتوفر فيها كثير من أخبار أسرته. يقول صاحب اللباب في تهذيب الأنساب (الوهبي): بفتح الواو وسكون الهاء، وفي آخرها ياء موحدة: هذه النسبة الى وهب البصري، واشتهر بالنسبة اليه أبو عبيدالله أحمد بن عبدالرحمن بن وهب الوهبي، _________ (١) المرجع السابق. (٢) سير أعلام النبلاء، للذهبي ٩/ ٢٢٣. (٣) الكامل لابن عدي ٤/ ١٢٥. (٤) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٣٢. (٥) تقريب التهذيب ٦/ ٧٣، للحافظ ابن حجر.

стр. 21

المصري، يروى عن عمه عبد الله بن وهب (١) ويقول ابن عدي الجرجاني في كامله: وسمعت محمد بن محمد بن الأشعث، يقول: كنا عند أبي عبيد الله بن أخي ابن وهب، فمر عليه هارون بن سعيد الأيلي، وهو راكب، فسلم عليه، ثم قال: ألا أطرفك بشيء؟ فقال له: أبو عبيد الله، وما ذاك؟ قال: جاءني أصحاب الحديث، فسألوني عنك، فقلت لهم: انما يسأل أبو عبيد الله عنا، وليس نحن نسأل عنه، وهو الذي كان يستملي لنا عند عمه، وهو الذي كان يقرأ لنا على عمه (٢) روى أحد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه، عبد الله بن وهب، فأكثر عنه، وعن الشافعي، وإسحاق بن الفرات، وغيرهم (٣) وروى عنه مسلم بن الحجاج، وابن خزيمة، وأبو حاتم، وابن جرير، والساجي، وغيرهم. وأحمد هذا له أخ اسمه عبد العفيفي بن عبد الرحمن بن وهب، يكنى السري، روى عن أسد بن الفرات وغيره (٤) ثم ذكر خبر ابن عدي. ولابن وهب أخ آخر اسمه عمر بن وهب، قيل: له حديث. وقال ابن يونس: وكان لعبد الله بن وهب ابن اسمه حميد، ذكر الكندي أنه كان مقبولا عند قضاة مصر. وقال الطحاوي: كانت فيه بطالة (٥) ولعل عنده ابن آخر ولم يعش اسمه محمد، وهو الذي كنى به، والله أعلم. _________ (١) انظر اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦، والأنساب للسمعاني ١٣/ ٣٦٩، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٢٢٤. (٢) الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي ١/ ١٨٨، وتهذيب التهذيب ١/ ٥٤. (٣) انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٨ - ٤٣٢، وتهذيب التهذيب ١ (٤) انظر ترتيب المدارك، للقاضي عياض ١/ ٤٢٨ - ٤٣٢، وتهذيب التهذيب ١/ ٥٤. (٥) المدارك. للقاضي عياض ١/ ٤٣٣.

стр. 22

وقال القاضي عياض: قال محمد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بعد وفاته، فبلغت قيمتها خمسمائة دينار، وفي رواية ثلاثمائة دينار وستين، وأصحابنا متوافرون، وكان أبي وصيه، فلم ينكر ذلك أحد، ولولا أنه أوصى بعضهم الا يزيد، لبلغت أكثر. وروى أنه دفع لاحدى زوجتيه من ثمنها ثمانون دينارا، ولم يورث بولد (١) ولعل ولده الذي ذكره ابن يونس، أن اسمه حميد، مات قبله. لأن القاضي عياض ذكر نقلا عن المبسوطة، أن ابن وهب لم يورث بولد. _________ (١) المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٨ - ٤٣٢.

стр. 23

الفصل الثالث نشأته ورحلته في طلب العلم [الرحلة في طلب العلم] كانت الرحلة في طلب الحديث قائمة في عهد الصحابة ﵃، فقد ارتحل بعض الصحابة لطلب حديث واحد، فيقطعون المسافة الطويلة لهذا الغرض النبيل، لأن الصحابة تفرقوا في الأمصار. ومما يروى في رحلة الصحابة، ما حدث به عطاء بن أبي رباح، قال: خرج أبو أيوب الأنصاري الى عقبة بن عامر، ليسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ ولم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره، وغير عقبة. والغرض من ذلك، التأكيد في سماع هذا الحديث، فلما قدم أبو أيوب الى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري، وهو أمير مصر، فأخبره، فعجل عليه، فخرج اليه فعانقه، ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيري وغير عقبة، فابعث من يدلني على منزله .. الخ (١) وهكذا صنع جابر بن عبد الله، سافر شهرا من المدينة الى الشام (٢) وكثرة الرحلات عن التابعين لا تحصى، من ذلك ما يروى عن أبي العالية: كنا نسمع الرواية من أصحاب رسول الله ﷺ بالبصرة، فلم نرض حتى نركب الى المدينة، فنسمعها من أفواههم (٣). وهكذا عن الشعبي، وسعيد بن المسيب، وأبي قلابة، ومسروقا .. _________ (١) انظر معرفة علوم الحديث، للحاكم، ٨. وجامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر ٩٣ - ٩٤. (٢) انظر المرجع السابق ٩٣. (٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١٦٨.

стр. 24

وأخبار العلماء ورحلاتهم كثيرة، يضيق المقام بذكرها. ويقول الخطيب البغدادي: المقصود من الرحلة في الحديث أمران ان: أحدهما تحصيل علو الاسناد، وقدم السماع، والثاني: لقاء الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة منهم، فاذا كان الامران موجودان في بلد الطالب ومعدومان في غيره، فلا فائدة في الرحلة، فالاقتصار على ما في البلد أولى (١). [نشاته رحلته في طلب العلم] بالنظر الى سيرة الامام عبد الله بن وهب، نجد أنه نشأ في طاعة الله، وقدم أولا النسك والعبادة على طلب العلم .. يقول ابن وهب في وصف حاله: وكان أول أمري في العبادة قبل طلب العلم، فولع مني الشيطان في ذكر عيسيكيف خلقه الله ؟ ونحو هذا، فشكوت ذلكالى شيخ، فقال لي: يا ابن وهب؟ قلت: نعم، قال: اطلب العلم، فكان ذلك سبب طلبي للعلم (٢) فكانت هذه النصيحة حافزا له على النهل من العلم وطلبه، فطلبه في سنّ مبكرة، واختلفت المصادر في تحديد سنه عند طلبه للعلم، وان تقاربت في ذلك. قال ابن وضاح: وسمع العلم صغيرا، ابن ست عشرة سنة. قال سحنون عنه: طلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة (٣) وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: حدثني أبي، عن جدي، قال: سمعت ابن وهب يقول: طلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة (٤) ورواية طلبه للعلم في سن سبع _________ (١) انظر الرحلة في طلب الحديث ص ٤٧٢، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، ١٧٨ - ١٧٩. (٢) جامع بيان العلم وفضله. لابن عبدالبر، ١/ ٢٦ - ٢٧، ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٨. (٣) ترتيب المدارك لعياض ١/ ٤٢٢. (٤) تهذيب الكمال للمزي ٢/ ٧٥٤. وتهذيب التهذيب لابن حجر ٦/ ٧٣.

стр. 25

عشرة سنة هي الأظهر، حيث رواها عدد من تلاميذه عنه، ورجحها الذهبي (١) والرواية الأخرى تقاربها من حيث الفترة الزمنية، فأقبل على طلب العم بنهم، وسمع أولا من شيوخ بلده في مدينة الفسطاط (٢) التي ولد بها، وتوفي، وعلى رأسهم الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وحميد بن هانيء، وحيوة بن شريح، وحسين بن عبد الله المعافري، وسعيد بن أبي أيوب، وعياض بن عبد الله الفهري، وعبد الرحمن بن شريح، وعبد الله بن لهيعة، وغيرهم من أهل مصر. قال السيوطي: كان ابن وهب راوية عمرو بن الحارث (٣) وذلك لشدة ملازمته له، وأخذه عنه، ولسعة علم شيخه عمرو بن الحارث، حتى أن ابن وهب قال: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخا، فما رأيت أحدا أحفظ من عمرو بن الحارث .. قال: ولو بقي لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا الى مالك ولا الى غيره (٤) وظل عبد الله بن وهب ملازما لشيخه هذا، حتى توفي سنة ١٤٨ هـ. وفي هذه السنة، ارتحل ابن وهب الى الحجاز للحج، وطلب العلم، بعد أن تعلم على مشائخ بلده. ومن المعلوم أن طالب العلم قبل أن يبتديء بالرحلة في طلب العلم، يحفظ ويدون علوم شيوخ بلده، ثم يرتحل بعد ذلك لطلب العلم في بلد آخر. ثم خرج وعمره ثلاث وعشرون سنة، بعد أن مكث بطلب العلم في بلده ست سنوات، وقد التقى في رحلته لمكة والمدينة، بعدد كثير من المحدثين من أهل العراق، والحجاز، وغيرهم، وأكثر الأخذ عن علماء هذه الأقطار، _________ (١) سير أعلام النبلاء. للذهبي ٩/ ٢٢٣، وتاريخ الإسلام له أيضا. وفيات ٢٦٧. (٢) اسم لمصر التي بناها مصرام بن حام بن نوح، ولما فتحها عمرو بن العاص بنى بها فسطاطا، فسميت بذلك، الروض المعطار، لمحمد بن عبد المنعم الحميري، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ ص: ٤٤١. (٣) حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، للسيوطي ١/ ٣٠٠. (٤) وفيات الأعيان. لابن خلكان ٣/ ٣٢٤، وتهذيب التهذيب ٦/ ١٥.

стр. 26

فأصبح جامعا لعلمهم. قال ابن وضاح: كان أهل الحجاز يحتاجون لابن وهب في علم الحجاز، وأهل العراق في علم العراق (١) ويقول ابن وهب: أدركت من أصحاب ابن شهاب أكثر من عشرين رجلا، فقد أكثر من الحديث، ولذا قال: لولا مالك، والليث، لضللت، فيقولان له: خذ هذا، واترك هذا (٢). قال القاضي عياض: وله نحو أربعمائة شيخ من المصريين، والحجازيين، والعراقيين، حتى عاب عليه شيخه مالك ذلك، فقال له: أي فتى لولا الاكثار. وسبب هذه الكثرة هو اقباله على طلب العلم، بنهم وحرص شديدين (٣). ولقد أتاح له سكنه في المدينة مع ما جبلت عليه نفسه في أول أمره، من طلب العبادة والتنسك، حتى. إنه حج ستا وثلاثين، مرة، مما يتيح له اللقاء بالعلماء، وكما قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ (٤) قال سحنون: قسم ابن وهب دهره أثلاثا: ثلثا في الحج، وثلثا يعلم الناس بمصر، وثلثا في الرباط، وذكر أنه حج ستا وثلاثين حجة (٥) وكان تكراره للحج يتيح له لقاء المحدثين، والأخذ عنهم، وكذلك عند عودته للمدينة لا يترك وقته يضيع سدى، بل يستقل كل فرصة، فيقول عن نفسه: رأيت هشام بن عروة جالسا في مسجد النبي ﷺ فقلت: آخذ عن ابن سمعان، وأصير الى ابن هشام، فلما فرغت، قمت الى منزل هشام، فقالوا: قد نام، فقلت: أحج وأرجع، فرجعت، فوجدته قد مات (٦) ولكنه لزم عالم ومفتي المدينة الذي وثق في علمه وورعه، فلازمه حتى وفاته سنة ١٧٩ هـ. قال أبو طاهر بن السرح: لم يزل ابن وهب يسمع من مالك، من سنة ١٤٨ هـ _________ (١) ترتيب المدارك، ١/ ٤٢٢. (٢) شجرة النور الزكية لابن فرحون ص: ١٣٣. (٣) المرجع السابق ١/ ٤٢٢، ٤٢٣. (٤) سورة الحج الآية ٢٨. (٥) سيرأعلام النبلاء. للذهبي ٩/ ٢٢٦. (٦) تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات ٩١ - ٢٠٠، ص ٢٦٥، وترتيب المدارك ١/ ٤٢٧.

стр. 27

الى أن مات مالك. فكانت مدة سماعه من شيخه مالك ٣١ سنة. وحدد الشيرازي فترة ملازمته لشيخه مالك بعشرين سنة، حيث قال: صحب ابن وهب مالكا عشرين سنة. ولكن بالنظر الى تاريخ قدومه المدينة عند وفاة شيخه عمرو بن الحارث سنة ١٤٨، وملازمته لمالك حتى وفاته سنة ١٧٩ يتبين أن مدة أخذه عنه ومصاحبته له ٣١ سنة، وان كان قبل ملازمته له في المدينة يلقاه في الحج، ثم يعود الى مصر. قال ابن وضاح: حج ابن وهب سنة ١٤٤، وفيها لقي مالكا، ولم يسمع منه الا مسألة واحدة ة، سمع فيها المثنى بن الصباح بمكة، والمسألة التي سمع من مالك في الجمع بين المغرب والعشاء في المطر (١). فمكثه الطويل، مع حرصه على سماع العلم منه، واجتهاده، جعلت بينه وبين شيخه مودة ومحبة، فقربه اليه، وخصه بأمور منعها عن غيره. ومن ذلك قوله: سألت مالكا أن يخليني في شيء يعرضه لي ففعل، فأنا عنده أقرأ عليه، إذ استأذن عليه عبدالصمد الهاشمي، والي المدينة فسأل مثل ما سألته، فأبى، وقال: قد أرادني الخليفة على هذا، فلم أجبه فقلت في نفسي، كيف لم يحتج عليه بي (٢). وكان مالك يسأل عنه يتفقده، اذا غاب، ويهاديه ويدنيه منه، ويعظمه، ويدل على ذلك قول ابن وهب: قال لي مالك: ما خلفك عنا منذ ليال؟ قال: كنت أرمد .. قال مالك: أحسب من كتب الليل؟ قلت: أجل، فصاح مالك بالجارية، فهاتي من ذلك الكحل لصديقي المصري ابن وهبا (٣) وكانت هذه المودة معروفة عند تلاميذ مالك، قال إسماعيل بن قعنب: كنت مع ابن وهب عند مالك، فكانت الهدية تأتي مالكا بالنهار، فيهديها لابن وهب في _________ (١) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٢. (٢) المرجع السابق ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧. (٣) المرجع السابق ١/ ٤٢٧.

стр. 28

الليل، وكان من محبته له يحيطه بالنصح والتوجيه، فيقول له: اتق الله واقتصر على علمك، فانه لا يقتصر أحد على علمه الا نفع وانتفع، فان كنت تريد لما طلبت ما عند الله، فقد أصبت ما تنفع به، وان كنت تريد بما تعلمت الدنيا، فليس في يدك شيء (١) وكان يجله ويحترمه، قال القاضي عياض: ما من أحد الا زجره مالك، الا ابن وهب، فانه كان يحبه ويعظمه، وكان ابن وهب حريصا على ألا يفوته شيء من علم مالك. قال أحمد بن صالح: لم يكن مالك يتكلم بشيء الا كتبه ابن وهب، وكانت العلاقة بينهما متينة، حتى أنه يعرض عليه ما كتب، فيقر الصواب، ويمحو الخطأ. قال ابن وهب: كنت آتي مالكا، وهو شاب، قوي، يأخذ كتابي فيقرأ منه، وربما وجد الخط فيأخذ خرقة، فيبلها في الماء فيمحوه، ويكتب لي الصواب (٢) ولذلك برع في علم مالك، وتفوق على قرنائه، ويقرون له بالتقدم والتفوق في علم شيخهم الامام مالك. قال هارون القاضي الزهري: كان أصحاب مالك بالمدينة يختلفون في قول مالك بعد وفاته، فينتظرون قدوم ابن وهب، فيصيرون عن رأيه، وشهد له عدد من العلماء بصحة ما أخذ عن مالك. قال علي بن الجنيد: سمعت أبا مصعب يعظم ابن وهب، وقال ابن وهب: كنت بين يدي مالك أكتب، فأقيمت الصلاة وبين يديه كتب منشورة، فبادرت لأجمعها، فقال لي: على رسلك، فليس ما تقدم عليه بأفضل مما أنت فيه، اذا صحت فيه النية. وقال ابن وهب: ما تعلمت من أدب مالك أكثر مما تعلمت من علمه (٣) ومن توجيهات مالك لابن وهب قوله له: خير الأمور ما كان واضحا بينا أمره، وان كنت في أمرين، أنت منهما في شك، فخذ بالذي هو أوفق. _________ (١) المرجع السابق ١/ ١٩٠. (٢) ترتيب المدارك، للقاضي عياض ١/ ٤٢٦. (٣) سير أعلام النبلاء ٨/ ١١٣.

стр. 29

وقوله له: أد ما سمعت وحسبك، ولا تجعل لأحد على ظهرك، فانه يقال: أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع اّخرته بدنيا غيره (١) وقوله له: انه لم يكن يسلم رجل حدث بكل ما سمع. ومما قال له: ان حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار، وسكينة، وخشية، وأن يكون متبعا لآثار من مضى قبله، وأن يورث جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلا يفزعون اليه. وقال ابن وهب: لو شئت أن أملا الواحي من قول مالك بن أنس، لا أدري لفعلت (٢). وبقي في المدينة يتلقى العلم عن شيوخها بعد وفاة شيخه مالك - قال ابو محمد عون بن يوسف الخزاعي -: قدمت المدينة سنة ثمانين ومائة، وتركت فيها أربعين رجلا من معلمي ابن وهب، رحمه الله تعالى (٣). ثم بعد ذلك عاد الى بلد ٥ مصر، ناشرا علمه .. قال الربيع - صاحب الشافعي -: جننا عبد الله للسماع، واجتمع على بابه خلق كثير، قام ليفتح، فلما فتح ازدحمنا للدخول، فسقط، وشج وجهه، فقال: ما هذا الا الخفة وقلة الوقار، ونحو هذا، والله لا أسمعتكم اليوم حرفا، ثم قعد وقعدنا، فلما رأى ما بنا من الهدوء، قال: أين سكينة العلم، انما أنا أكفر عن يميني، وأسمعكم، فكفر وأسمعنا (٤). _________ (١) ترتيب المدارك ١/ ١٩٠. (٢) ترتيب المدارك ١/ ٤٢١ - ٤٢٣. (٣) رياض النفوس، في طبقات علماء القيروان وأفريقية، لأبي عبد الله محمد المالكي، توفي بعد ٤٦٠ هـ، ١/ ٣٨٥. (٤) ترتيب المدارك، القاضي عياض، ج ١، ٤٢٧ - ٤٢٨.

стр. 30

الفصل الرابع [شيوخه] قائمة بشيوخ ابن وهب في موطنه، وهم بكاملهم موجودون في المخطوطة التي تحصر شيوخ ابن وهب، وقد رتبتهم على الحروف، مبينا عدد رواية كل منهم في هذا الموطأ، الذي أنا بصيد تحقيقه، و، أذكر الا شيخ ابن وهب الذي روى عنه، سواء ذكر شيخه وحده، أو مع جماعة، ذكرهم في حديث واحد، كأن يقول: حدثنا مالك، وابن سمعان، ونحو ذلك. والمخطوطة مكتوب في مقدمتها: هذا سفر فيه جميع شيوخ عبد الله بن وهب القرشي، الذي روى عنهم، وسمع منهم، وذكر تخريج من جرح منهم، وتعديله، مما وقع في كتاب أبي محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم. أمر بجمعه وتأليفه سليمان بن عبدالله بن الامام الخليفة أمير المؤمنين يعني: أبا الربيع سليمان بن الأمير أبى محمد عبد الله بن الامام الخليفة عبد المؤمن بن علي. هكذا في أول المقدمة، الى أن قال: وكانوا أيدهم الله، وقد وقفوا في هذه المدة اهتمامهم على النظر في موطأ ابن وهب، وصرفوا اهتمامهم لضبط روايته، وتقييد أسانيده، وحفظ رواته، إذ كان هذا الكتاب من أشرف ما ألف وأحسن ما صنف، واذ كادت معالمه في هذا الأوان أن تندرس أنو اره لقلة المعتنين به وأن تنطمس .. الخ. وهذا دليل على نسبة هذا الموطأ لابن وهب، لأنه لا يكاد يوجد فيه حديث واحد الا عن أحد هؤلاء الشيوخ المدونة أسماؤهم في هذا الجزء الذي يجمع شيوخ ابن وهب.

стр. 31

وفي المخطوطة بغير خط الجزء المبين فيه شيوخ ابن وهب (١). أن الذي جمعه ابن بشكوال، ويؤيد ذلك ما ذكره الزركلي في ترجمة سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن، فذكر أنه أشار على ابن بشكوال، بجمع وتصنيف كتاب في شيوخ ابن وهب (٢) _________ (١) انظر الأعلام للزركلي ٣/ ١٢٨، وفهرست أبو بكر محمد بن خير الاشبيلي ص ٢٢٣.

стр. 32

الفصل الخامس تلاميذ ابن وهب والرواة عنه

стр. 33

الفصل السادس [مؤلفاته] إمام كعبد الله بن وهب، له من الشيوخ أربعمائة، لازم الأئمة الكبار، لا بد أن تكون له مصنفات كثيرة في العلوم التي طلبها، ولم يصل إلينا معظمها، وفيما يلي ذكرها: ١ - موطأه، قال ابن فرحون: شرحه أحمد بن عمرو بن السرح، أبو الطاهر (١). ٢ - جامعه الكبير (٢). ٣ - كتاب الأهوال، وبعضهم يضيفه الى الجامع. ٤ - كتاب تفسير الموطأ. ٥ - كتاب البيعة. ٦ - كتاب لا هام ولا صفر. ٧ - كتاب المناسك. ٨ - كتاب الردة. ٩ - كتاب المغازي (٣). _________ (١) انظر الديباج المذهب، لابن فرحون ٣٥ - ٣٦. (٢) طبع جزء منه في مجلدين، وعليه تعليق باللغة الفرنسية، ومكتوب على أول ورقة منه كتاب الأنساب، وكتاب الصمت، وكتاب الخاتم، وكتاب أخبار بني اسرائيل] وهو من أمهات الفقه الاسلامي المشهورة، منه عدة قطع في المكتبة العتيقة بجامع القيروان، وطبع منه قطعة صغيرة. بالمعهد الفرنسي بالقاهرة سنة ١٩٣٩ م، وقطعة يحققها مستشرق بألمانيا أسمه د / ميكلس موراني، وقد التقيت به في رحلة علمية خاصة ووجدته مهتما بالدراسات الحديثية، وحققه مصطفى حسن أبو الخير في رسالة لنيل الدكتوراة بالأزهر كلية أصول الدين (٣) انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٣٣، فقد ذكر هذه المؤفات، واتحاف السالك برواة موطأ مالك لابن ناصر الدين القيسي ٨٤٢ هـ لوحة رقم ٩٩.

стр. 34

١٠ - كتاب تفسير القرآن برواية يونس بن عبد الأعلى (١). ١١ - كتاب المجالسات عن مالك، فيه ما سمع من مالك (٢). ١٢ - كتاب الرجال، يرويه عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وعمرو بن سواء (٣). ١٣ - كتاب القدر (٤). ١٤ - كتاب الزهد لابن وهب (٥). ١٥ - قطعة من مسنده (٦). ١٦ - موطأة الصغير الذي أنا بصدد تحقيقه، والعمل فيه. ١٧ - الموطأ الكبير. هذا ما اطلعت عليه من مؤلفاته، وجهوده العلمية، ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. _________ (١) انظر كتاب الثعلبي، الكشف والبيان: ٧. (٢) انظر تزيين الممالك بمناقب مالك، للسيوطي: ٤٠. (٣) انظر الكامل في ضعفا. الرجال لابن عدي ١/ ١٨٨. (٤) حققه وخرج أحاديثه الدكتور عبدالعزيز عبدالرحمن العثيم الأستاذ بكلية الدعوة. وأصول الدين بجامعة أم القرى. (٥) رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وافريقية، لأبي بكر عبدالله بن محمد المالكي، ١/ ٣٦٦. (٦) مخطوط بالظاهرية يبلغ ١٥ لوحة، وهو في مصورات الجامعة الاسلامية، برقم ٩٨٥.

стр. 35

الفصل السابع [مكانته العلمية وثناء العلماء عليه] لا يخفى أن الامام ابن وهب قضى حياته في طلب العلم، فقد طلبه في سن مبكرة من حياته، وتفاعل معه أخذا وعطاءا، راض نفسه على ذلك، وتفرغ له أخذه عن علماء بلده، ثم سافر من أجله، وارتحل محبة له، وتغرب من أجله حتى شهد له أكبر مشائخه، وأقر انه، وتلاميذه بذلك، واعترفوا له بسعة العلم، والحفظ، والاتقان، والورع، والزهد، فهو اذو شخصية شمولية لم يقتصر على علم الحديث، فهو عالم بالفقه، والتفسير، وقد كثر الثناء عليه من شيوخه وأقرانه، وتلاميذه. قال ابن عبد البر: يقولون أن مالكا رحمه الله تعالى لم يكتب الى أحد كتابا يعنونه بالفقيه الا لابن وهب (١). ويقول أبو اسحاق الشيرازي: وكان مالك يكتب اليه: الى أبي محمد المفتي .. وقال أيضا: عبد الله بن وهب امام (٢). وقال القاضي عياض: قال ابن وضاح: كان مالك يكتب اليه: الى عبد الله بن وهب، فقيه مصر، وقال مرة: ابن وهب عالم، ونظر اليه يوما فقال: أي فتى لولا الاكثار، وقال وقد قام عنه: كذا يكون أهل العلم لما رأى من تخشعه (٣). وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: أنت ابن وهب المصري؟ فقال: نعم، قال له: ما زلت أعرف مكانك من الإسلام، منذ بلغني عنك قول يحيى بن معين: ابن وهب ثقة. وقال أحمد بن حنبل: ابن وهب عالم صالح، فقيه، كثير العلم. _________ (١) الانتقاء لابن عبد البر: ٤٩. (٢) طبقات الفقهاء، للشيرازي: ١٥٠. (٣) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٢ - ٤٢٣.

стр. 36

وقال أيضا: ابن وهب صحيح الحديث عن مشايخه الذين روى عنهم، يفصل السماع من العرض، والحديث من الحديث، ما أصح حديثه، وأعرفه بالأسامي، الا أن الذين حملوا عنه، لم يضبطوا الا هارون بن معروف (١) وقال يوسف بن عدي: ما أدركته من الناس فقيها غير محدث، ومحدثا غير فقيه، خلا عبد الله بن وهب، فاني رأيته فقيها محدثا زاهدا (٢). وقال أبو مصعب: كنا اذا شككنا في شيء من رأي مالك بعد موته، كتب ابن دينار، والمغيرة، وكبار أصحابه الى ابن وهب، فيأتينا جوابه. وقال هارون القاضي الزهري (كان أصحاب مالك في المدينة يختلفون في قول مالك بعد موته، فينتظرون قدوم ابن وهب، فيصدرون عن رأيه) وكان ابن أبي حازم يعرض له على ابن وهب رأي مالك (٣) وقال أحمد بن خالد: كان ابن وهب من الفضلاء الكبار، وممن يضبط ويحسن. وكان ابن القاسم يقول: حدثني أوثق أصحابي، يريد ابن وهب، وقال: لو مات ابن عيينة، لضربت الى ابن وهب أكباد الابل، ما دون أحد العلم تدوينه (٤) وقال الميموني عن أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح (٥) وقال الحارث بن مسكين: شهدت ابن عيينة يقول: هذا عبد الله بن وهب، شيخ أهل مصر. وقال أبو حاتم ابن حبان: جمع ابن وهب وصنف، وهو قد حفظ على أهل الحجاز ومصر حديثهم، ويحيي يجمع ما رووا من المسانيد والمقاطيع، وكان من العباد (٦) وقال الحارث بن مسكين جمع ابن وهب الفقه، _________ (١) المرجع السابق ٤٢٣. (٢) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٣. (٣) المرجع السابق ١/ ٤٢٣. (٤) المرجع نفسه: ٤٢٤ - ٤٢٥. (٥) المرجع نفسه ٤٢٥. (٦) تهذيب التهذيب ٦/ ٧٢.

стр. 37

والرواية. والعباد، ورزق من العلماء محبة وحظوة، من مالك وغيره، وما أتيته قط الا وأنا أفيد منه خيرا وكان يسمى ديوانالعلم. وقال أيضا: أخبرني من سمع الليث يقول لابن وهب: ان كنت أجد لبني شيئا فاني أجد لك مثله (١) وعن علي بن الحسين بن الجنيد، قال: سمعت أبا مصعب أحمد بن بكر يعظم ابن وهب، وسمع أبو مصعب مسائل مالك من ابن وهب، ويقول: مسائل ابن وهب عن مالك صحيحة (٢) وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ابن وهب أحب اليك، أو عبدالله بن نافع؟ قال: ابن وهب، قلت: ما تقول في ابن وهب؟ قال: صالح الحديث، صدوق، هو أحب الى من الوليد بن مسلم، وأصح حديثا منه بكثير (٣) وقال أصبغ: ابن وهب أعلم أصحاب مالك بالسنن والآثار. قال أبو زيد ابن أبي الغمر: سمعت ابن وهب يقول: حججت أربعا وعشرين حجة ألقى فيها مالكا. قال أبو زيد: وكنا نسمى ابن وهب ديو ان العلم. وقال النسائي: ابن وهب ثقة. وقال ابن معين: هو ثقة الا أنه روى عن الضعفاء، وسئل: لم تركت ابن القاسم؟ ورويت عن ابن وهب؟ قال: كان ابن القاسم فاضلا، ولكن ابن وهب صاحب آثار، وخرج عنه البخاري ومسلم (٤) وقال يونس: ما رأيت أبا الحسن الاسكندراني قال لابن وهب: الا يا عم، ولقد كانت تلك المشيخة اذا رأت ابن وهب خضعت له. وقال أبو زرعة: نظرت من حديث ابن وهب نحو ثمانين ألف حديث، فما رأيت له حديثا لا أصل له، وهو ثقة، وهو افقه من ابن القاسم، وورد عنه في رواية أخرى ٣٠ ألف حديث، يجمع بينهما على تعدد القصة، وأنه حدث بذلك أكثر من مرة على حسب إطلاعه على مرويات ابن وهب حسب الفترة الزمنية لتاريخ الاطلاع. _________ (١) تهذيب التهذيب ٦/ ٧٣ - ٧٤. (٢) الجرح والتعديل ٥/ ١٩٠. (٣) المرجع السابق ٥/ ١٩٠. (٤) ترتيب المدارك للقاضى عياض ٤٢٥/ ١.

стр. 38

وقال محمد بن عبد الحكم: هو أثبت الناس في مالك (١) وسأل رجل علي بن معبد عن مسألة، وكان بالاسكندرية مرابطا، قال: ما كنت. لأجيب بموضع فيه ابن وهب، فاذهب فاسأله. وقال محمد بن الحسين: كان ابن وهب في عصره محدث بلده، وكان عبدا صالحا. وقال محمد بن عبد الحكم: وابن بكير: كان ابن وهب أفقه من ابن القاسم، الا أنه كان يمنعه الورع من الفتيا. وقال ابن وضاح: كان علم ابن وهب المناسك، وعلم ابن القاسم البيوع (٢) وقال العجلي: مصري، ثقة، صاحب سنة، رجل صالح، صاحب آثار. وقال الساجي: صدوق، ثقة، وكان من العباد، وكان يتساهل في السماع، لأن مذهب أهل بلده أن الاجازة عندهم جائزة، ويقول فيها. وقال الساجي أيضا: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت ابن وهب قيل له: ان فلانا حدث عنك عن النبي ﷺ قال: (لا تكرهوا الفتن، فان فيها حصاد المنافقين)، فقال ابن وهب: أعماه الله، ان كان كاذبا، فأخبرني أحمد بن عبد الرحمن أن الرجل عمي (٣). وقال الخليلى: ثقة متفق عليه وموطؤه يزيد عليكل من روى عن مالك (٤) وقال عبد الله بن عدي الجرجاني في كامله: وعبد الله بن وهب، من أجلة الناس، ومن ثقاتهم، وحديث الحجاز ومصر، وما والى تلك البلاد، يدور على رواية ابن وهب، وجمع لهم مسندهم، ومقطوعهم، وقد تفرد عن غير شيخ عنهم، مثل عمرو بن الحارث، وحيوة بن شريح، ومعاوية بن صالح، وسليمان بن بلال، وغيرهم من ثقات الناس، ومن ضعفائهم، ومن يكون له _________ (١) انظر الجرح والتعديل ٢/ ١٩٠، والانتقاء: ٤٩. (٢) ترتيب المدارك: ١/ ٤٢٥. (٣) انظر كشف الخفاء للعجلوني ٢/ ٥٠٠ ٥٠١ - فذكر الحديث والقصة وقال: وسئل ابن وهب عن الحديث فتال: باطل (٤) انظر تهذيب استتيب ٦/ ٧٣ - ٧٤.

стр. 39

من الأصناف مثل ما ذكرته استغنى أن يذكر له شيء ولا أعلم له حديثا منكرا اذا حدث عن ثقة من الثقات (١) رقال الذهبي: عبد الله بن وهب: الامام، شيخ الإسلام، لقي بعض صغار التابعين، وكان من أوعية العلم، ومن كنوز العمل (٢) وقال الذهبي: عبد الله بن وهب المصري، أبو محمد، أحد الأثبات، والأئمة الاعلام، وصاحب التصانيف، تناكد ابن عدي بايراده في الكامل (٣) وقال ابن حجر: عبد الله بن وهب، أبو محمد المصري، الفقيه، ثقة، حافظ، عابد. وقال الذهبى: ذكر ابن وهب، وابن القاسم، عند مالك، فقال: ابن القاسم فقيه، وابن وهب عالم، (٤) وسئل ابن معين: لم تركت ابن القاسم، ورويت عن ابن وهب؟ قال: كان ابن القاسم فاضلا، ولكن ابن وهب صاحب آثار، وخرج عنه البخاري ومسلم (٥) أما ابن القاسم فلم يخرج له مسلم حديثا واحدا، وأما البخاري فقد أخرج له حديثا واحدا في سورة يوسف، عند قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ (٦) والحديث: هاهو: قال البخاري: حدثنا سعيد بن تليد، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شياب، عن سعيد بن المسيب، وابن سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي، ونحن أحق بابراهيم، اذ قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾» ٧ وقال ابن حجر _________ (١) الكامل في الضعفاء لابن عدي: ٤/ ١٥٢١. (٢) سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٢٣ - ٢٢٤. (٣) ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٥٢١. (٤) تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦. (٥) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ٤٢٥. (٦) سورة يوسف الآية ٥٠.

стр. 40

عند شرحه لهذا الحديث، عبدالرحمن بن القاسم، وهو العتقي، بضم المهملة، وفتح المثناة، بعدها قاف، المصري، الفقيه، المشهور، صاحب مالك، وراوي المدونة من علم مالك، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع (١)، وفي المقابل، كانت رواية ابن وهب في الصحيحين: ٦٦٤ - حديثا، أخرج البخاري منها ١٣٥ حديثا، والباقي أخرجه مسلم. وكان ﵀ وقافا مع الدليل، ولهذا قد خالف أصحابه في بعض المسائل، ولا غرابة في ذلك، فانه امام مجتهد، لا يقلد أحدا فيما فيه دليل من كتاب أو سنة، ولذا قال الذهبي: كان ابن وهب ثقة، حجة، حافظا، لا يقلد أحدا (٢). . وهذه أمثلة ونماذج من المسائل التي خالف فيها ابن وهب زملائه المصريين من المالكيين: ١ - ذهب ابن وهب الى أن أبوال الحيوانات كلها طاهرة، الا الآدمى، بينما يرى أصحابه طهارة بول مباح الأكل فقط، الا المتغذي بنجس (٣). ٢ - ذهب ابن وهب على جواز المسح على الخفين في الحضر والسفر معا، سواء في ذلك المقيم والمسافر، بينما يقول ابن القاسم: انه لا يمسح المقيم، وانما يجوز المسح للمسافر فقط، وروى عنه أيضا أنه لا يمسح الحاضرون، ولا المسافرون (٤). ٣ - ذهب ابن وهب الى وجوب حكاية الأذان لسامعه، لأن الأمر يقتضيه بحقيقته في حديث: [قولوا مثل ما يقول المؤذن]، والراجح عند المالكيين ندب الحكاية (٥). ٤ - ذهب ابن وهب الى أن في القرآن خمس عشرة سجدة، وهي في مواضع السجود في القرآن، ويرى السجود فيها كلها، بينما يرجح المالكية أن السجود لا يكون الا في احدى عشرة منها، فلم يثبتوا السجدة الثانية في الحج، ولم يعدوا سجدات المفصل الثلاث التي في _________ (١) فتح الباري ٨/ ٢٩٥ .. (٢) انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠٥. (٣) انظر فتح الباري ١/ ٢٢٣. والدسوقي ١/ ٥١. (٤) انظر شرح الزرقاني ١/ ٧٦، والدسوقي، ١/ ١٤١، وفتح الباري ١/ ٢٤٤. (٥) انظر الشوكاني ٢/ ٥٢، وفتح الباري ٢/ ٧٣، والدسوقي ١/ ١٩٧
следующие страницы →