← Каваид фикха

Каваид фикха · id 917

المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (216 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية تأليف الدكتور عمر سليمان الأشقر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

المَدْخَل إلَى دراسةِ المدارِسِ والمذاهِب الفقهيَّة

стр. 4

حُقُوقُ الطَّبع محَفوظَة الطبعة الثَّانِيَة ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م دَار النفائس للنشر والتوزيع العبدلي - مُقَابل عمَارَة جَوْهَرَة الْقُدس هَاتِف: ٦٩٣٩٤٠ - فاكس: ٦٩٣٩٤١ ص. ب: ٢١١٥١١ - عمان ١١١٢١ الْأُرْدُن [إِن دَار النفائس للنشر والتوزيع - الْأُرْدُن، هِيَ صَاحِبَة الْحق وَحدهَا فِي طباعة مؤلفات الدكتور عمر سُلَيْمَان الْأَشْقَر وَلَا صِحَة لما تزعمه بعض دور النشر من حُصُولهَا على إِذن من الْمُؤلف بطباعة مؤلفاته، وَعَلِيهِ فَلَا يجوز لأي جِهَة أَن تطبع أَو تترجم أَو تصور كتب الْمُؤلف الْمَذْكُور أَو جُزْءًا مِنْهَا، وسوف نقوم بالإجراءات القانونية المتبعة للحفاظ على حقوقنا]

стр. 5

المقدمة الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى الدين القويم والصراط المستقيم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسلك سبيله إلى يوم الدين وبعد: فإن المقصد من وراء هذا المؤلف إعانة طلبة العلم على التعرف إلى المدارس الفقهية والمذاهب الفقهية، بحيث يصبح مدخلاً لدراسة هذين الموضوعين. وقد دعاني إلى تدوين هذا الكتاب ما رأيته من قصور لدى كثير من الطلبة في كليات الشريعة في المرحلة الجامعية الأولى، وفي المراحل المتقدمة في الدراسات العليا فيما يتعلق بالمدارس الفقهية والمذاهب الفقهية، وهذا القصور يظهر في دراستهم كما يظهر في أبحاثهم، ورسالتهم، وأكثر ما يتبدى هذا القصور في الدائرة التي يشملها المذهب، وطريقة تحقيق المذهب، والكتب التي تحققه، ولذا فإن هذا البحث يعد مدخلاً مفيداً لدراسة المذاهب الفقهية، يعين الدارسين والباحثين على أن يكونوا أكثر علماً بهذه المذاهب، وأكثر دقة في تحديد المذاهب، وأكثر قدرة في الرجوع إلى الكتب المعتمدة في كل مذهب. وقد تم هذا البحث في ثلاثة أبواب: الباب الأول يتناول بالدراسة المدارس الفقهية، وقد مهدت لهذا الباب ببيان المراد من هذا المصطلح، كما بينت أن هذه المدارس انقسمت إلى ثلاثة أقسام. وعقدت فيه ثلاثة فصول للحديث عن كل مدرسة من هذه المدارس التي وجدت عبر التاريخ الإسلامي، وعقدت في كل فصل من الفصول الثلاثة عدة مباحث للتعريف بكل مدرسة، وتحدثت عن الأصول التي تقوم عليها هذه المدارس، والمحاسن التى تتصف بها، والمؤاخذات التي أخذت على كل

стр. 6

منها، وعقدت فصلاً رابعاً للموازنة بين المدراس الثلاثة. وعقدت الباب الثاني للحديث عن المذاهب الفقهية، وقسمت هذا الباب إلى فصلين، الفصل الأول مخصص للتعريف بالمذاهب الفقهية. وقد عرضت في المبحث الأول من هذا الفصل للكيفية التي تكونت بها المذاهب الفقهية. وعرفت فيه المذهب في اللغة والاصطلاح. كما بينت فيه خطأ الذين نسبوا إلى إمام المذهب كل ما يضمه المذهب من اجتهادات. وعرضت في المبحث الثاني إلى جهود الأئمة في تصحيح مذاهبهم. وبينت في المبحث الثالث السبب في صعوبة معرفة الصحيح من المذهب. وخصصت المبحث الرابع للحديث عن الجهود التي قام بها علماء كل مذهب في تصحيح مذاهبهم وتهذيبها. وقد عقدت لهذا المبحث خمسة مطالب. بينت في المطلب الأول جهودهم في فقه أقوال إمام المذهب وتحديد مذهبه. وذكرت في المطلب الثاني الطرق التي اتبعها علماء كل مذهب في تحقيق المذهب، وبينت في المطلب الثالث الخطأ الذي وقع فيه الذين كانوا يتخيرون من الأقوال بالتشهي والهوى. وذكرت في المطلب الرابع نموذجاً لجهود مصححي المذهب. وفي المطلب الخامس عرض لاجتهاد علماء المذهب، وفيه ذكر لبعض ضوابط اجتهاد هؤلاء العلماء، وقد عرضت في المطلب السادس لمسألة مهمة جدًّا، وهي مدى صحة القياس على قول إمام المذهب. وقد خصصت الفصل الثاني للحديث عن المذاهب الأربعة التي لها أتباع حتى

стр. 7

اليوم، وقد ترجمت فيه لكل واحد من الأئمة الأربعة، موجزا قواعد مذهبه، متحدثاً عن علمه وفضله وشيوخه وتلامذته وتقدير أهل العلم له، مبيناً مدى انتشار مذهبه، متحدثاً عن أهم المصطلحات التي تدور على السنة علماء المذهب، ملقياً الضوء على مدونات المذهب والكتب المعتمدة فيه. وفي الباب الثالث حديث عن موقف المسلم من الأئمة، وبيان حكم تقليدهم. وقد عرفت في هذا الباب التقليد، وبينت حكمه، ورددت قول من أوجبه من وجوه كثيرة، وبينت في ختام هذا الباب الحالات التي يجوز التقليد فيها. أرجو أن أكون قد قدمت في هذا الكتاب لطلاب العلم ما يوسع منهم الآفاق، ويرشد إلى الصواب، ويسدد المسار، ويقوِّم الانحراف، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. د. عمر سليمان الأشقر كلية الشريعة - الجامعة الأردنية عمان

стр. 8

الباب الأول المدارس الفقهية تمهيد: التعريف بالمدارس الفقهية. * الفصل الأول: مدرسة أهل الحديث. * الفصل الثاني: مدرسة أهل الرأي. * الفصل الثالث: مدرسة أهل الظاهر. * الفصل الرابع: موازنة بين المدارس الفقهية.

стр. 9

تمهيد: التعريف بالمدارس الفقهية تبلورت الاتجاهات الفقهية في عصر التدوين والأئمة المجتهدين في القرن الثاني الهجري، وشكَّل كل منها تيارا في الأمة الإسلامية، له زعماؤه وأتباعه، ووضع علماء كل اتجاه أصولا ومعالم ميزت طريقهم عن غيره، وبذلك تكونت المدارس الفقهية. ولا يراد بالمدرسة الفقهية بناءٌ يتدارس فيه الفقه، ولكن يقصد بها طريقة ينتهجها الفقيه، فيأخذها عنه غيره، ويتابعونه عليها، وبذلك تصبح تياراً ومسلكاً، يُعْرَفُون بها دون غيرهم. وقد نسبت المدارس في بداية الأمر إلى المدائن التي نشئت فيها، فالمدينة المنورة هي مهد مدرسة أهل الحديث، والكوفة مهد مدرسة أهل الرأي، ثم خرجت كل واحدة من المدرستين من مهدها، فشكلت تياراً له أتباعه في مختلف ديار الإسلام، فعرفت مدرسة أهل المدينة بمدرسة أهل الحديث، ومدرسة الكوفة باسم مدرسة أهل الرأي، وكل من اطلعنا على قوله من أهل العلم رأيناه يقصر المدارس الفقهية على هاتين المدرستين. ولكننا نرى الظاهريين أتباع داود الظاهري قد استقلوا ببعض الأصول، مما يجعلنا نعدهم مدرسة مستقلة، وبذلك تصبح المدارس الفقهية في نظرنا ثلاث مدارس: ١ - مدرسة أهل الحديث. ٢ - مدرسة أهل الرأي. ٣ - مدرسة أهل الظاهر.

стр. 10

الفصل الأول مدرسة أهل الحديث المبحث الأول: مهد مدرسة الحديث وامتدادها كان مهد مدرسة الحديث في أول نشأتها بالحجاز، وفي المدينة المنورة بالذات، وعُرفَت بمدرسة المدينة؛ لأنها مهد السنة، ومأوى الفقهاء، وبها سلالة الصحابة الذين عاصروا الرسول ﷺ ، وحفظوا عنه الحديث وتناقلوه، واقتدوا به في أفعاله وتصرفاته، فكان من الطبيعي أن يتأثر فقهاء هذه المدرسة بفقهاء الصحابة الأوائل، وعلماء التابعين الذين استوطنوا المدينة، ونهجوا نهج الصحابة وعلماء التابعين الذين كانوا يمثلون مدرسة المدينة كثيرون، وأشهرهم الفقهاء السبعة (١)، وقد كونوا المدرسة الفقهية الأولى، ووضعوا الأسس الأولى للمنهج الفقهي، وعملوا على نفاذ الحياة بأسرها -ومنها الحياة التشريعية- على القواعد الدينية والخلقية، التي استمدوها من القرآن الكريم (٢). وقد انتهت رياسة مدرسة المدينة إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى، يقول ابن تيمية: "مالك أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه، كان له من المكانة عند أهل الإسلام -الخاص والعام- ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام" (٣). وقد ضَمَّن الإمام مالك كتابه (الموطأ) ذلك المنهج الذي تلقاه عمن قبله، وقد تلقاه أولئك عن الصحابة.

стр. 11

المبحث الثاني: مكانة مدرسة المدينة لقد كان لمدرسة المدينة مكانة كبيرة عند الحكام والمحكومين، فخلفاء بني أميَّة كانوا يرجِّحون علماءَ الحجاز وقولهم على أهل الشام وقولهم، وكذلك كان المنصور والمهدي والرشيد -وهم سادات خلفاء بني العباس- يرجِّحون علماء الحجاز وقولهم على علماء أهل العراق، وعندما وجد فيهم من عدل إلى الآراء المشرقية كثر الإحداث فيهم وضعفت الخلافة (١). ويذكر مؤرخ الإسلام الذهبي وغيره أن الرشيد أراده على الخروج معه إلى بغداد فأبى (٢). وذكر الذهبي في ترجمة الإمام مالك أن أبا جعفر المنصور قال للإمام مالك: "قد طلبت هذا الشأن في زمن بني أمية، فقد عرفته، فأمَّا أهل العراق فأهل إفك وباطل، وأما أهل الشام فأهل جهاد، وليس فيهم كبير علم، وأما أهل الحجاز ففيهم بقية علم" (٣). كما يذكر ابن تيمية أن سائر أمصار المسلمين كانوا منقادين لعلم أهل المدينة، لا يعدُّون أنفسهم أكفاءهم في العلم، كأهل الشام ومصر، مثل الأوزاعي ومن قبله ومن بعده من الشاميين، ومثل الليث بن سعد ومَنْ قبله، ومَنْ بعده من المصريين، وتعظيمهم لعمل أهل المدينة، واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر بَيِّنٌ، وكذلك علماء أهل البصرة، كأيوب، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم (٤). وقد كان كبار العلماء يقدِّمون علماء أهل المدينة على غيرهم، وقد فضل الشافعي الإمامَ مالك على أبى حنفية في مناظرة جرت بينه وبين محمد بن الحسن.

стр. 12

ففي تاريخ الإسلام للذهبي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول: "قال لي محمد بن الحسن أيما أعلم صاحبنا أو صاحبكم؟ (يريد بصاحبنا الإمام أبي حنيفة، وبصاحبكم الإمام مالك). قلت: أنشدك الله من أعلم بالقرآن؟ قال: صاحبكم. قلت: من أعلم بالسنة؟ قال: اللهم صاحبكم. قلت: فمن أعلم بأقاويل الصحابة والمتقدمين؟ قال: صاحبكم. قلت: لم يبق إلى القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس! " (١) وقد فضَّل الإمام أحمد الإمام مالكا على سفيان الثوري، مع أن سفيان كان أعلمَ أهل العراق بالفقه والحديث. فقد قالوا للإمام أحمد: من أعلم بسنة رسول الله ﷺ مالك أم سفيان؟ فقال: بل مالك. فقيل له: أيما أعلم بآثار أصحاب رسول الله ﷺ مالك أم سفيان؟ فقال: بل مالك. فقيل له: أيما أزهد مالك أم سفيان؟ فقال: هذه لكم (٢). لقد كان مذهب أهل المدينة في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم كما يقول ابن تيمية "أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقاً وغربا في الأصول والفروع" (٣)، ويقول ابن تيمية في موضع آخر: "في القرون التي أثنى

стр. 13

عليها الرسول ﷺ كان مذهب أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن، فإنهم كانوا يتأسون بأثر رسول الله ﷺ أكثر من سائر الأمصار، وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية واتباعها، ولهذا لم يذهب أحد من علماء الإسلام إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة" (١). المبحث الثالث: انتشار مذهب أهل المدينة لم يزل علماء أهل المدينة منذ عهد الخلفاء الراشدين يخرجون إلى مختلف أمصار المسلمين؛ لنشر العلم، وقد كان عمر بن عبد العزيز يرسل إلى علماء المدينة يسألهم، ويستفتيهم. وطلب أبو جعفر المنصور من علماء الحجاز أن يذهبوا إلى العراق، وينشروا فيه العلم، فقدم عليهم هشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة ابن أبى عبد الرحمن، وحنظلة ابن أبى سفيان الجمحي، وعبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون، وغير هؤلاء، وكان أبو يوسف يختلف في مجالس هؤلاء، ويتعلم منهم الحديث، وأكثر عمن قدم من الحجاز (٢). وقد رحل الناس من فجاج الأرض إلى الإمام مالك، فقد أخذ (الموطأ) عن الإمام مالك أهل الحجاز والشام والعراق، ومن أصغر من أخذ عنه الشافعي (٣). وقد رحل تلاميذ الإمام أبى حنيفة إلى الإمام مالك، وأخذوا عنه العلم، وقد ذكر ابن تيمية مسائل سأل عنها أبو يوسف الإمام مالك (٤).

стр. 14

المبحث الرابع: ظهور مدرسة أهل الحديث في بغداد لم تكن مدرسة أهل الحديث محصورة في إطار المدينة المنورة، ولا في إطار الحجاز، بل كان العلماء المنادون بها، والقائمون عليها منتشرون في كل قطر، ولكن أهل المدينة كانوا إلى عهد الإمام مالك أقوم بها من غيرهم، وبعد موت الإمام مالك وأمثاله من علماء الحجاز برزت بغداد من بين المدائن كأبرز معقل لأهل الحديث، لأنه قد سكن بها من أفشى السنة، وأظهر حقائق الإسلام، مثل أحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وأمثالهما من فقهاء أهل الحديث، وظهرت بها السنة في الأصول والفروع منذ ذلك الوقت، وانتشرت السنة منها إلى الأمصار، وظهر في المشرق علماء أعلام، أمثال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه وأصحابه، وأصحاب عبد الله بن المبارك، وصار إلى المغرب من عِلم أهل المدينة ما نقل إليهم من علماء الحديث، فصار في بغداد وخراسان والمغرب من العلم ما لا يكون مثله إذ ذاك بالحجاز والبصرة (١). المبحث الخامس: أشهر علماء أهل الحديث آلت زعامة مدرسة أهل الحديث إلى الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، يقول الشهرستاني: "أصحاب الحديث هم أهل الحجاز، هم أصحاب مالك بن أنس، وأصحاب محمد بن إدريس الشافعى، وأصحاب سفيان الثوري، وأصحاب داود بن علي الأصفهاني" (٢). ونقل البيهقي في كتابه (المدخل) عن يحيى بن محمد العنبري قوله: "طبقات أصحاب الحديث خمسة: (المالكية، والشافعية، والحنبلية، والرهاوية،

стр. 15

والخزمية) (١)، ومراده بالرهاوية أصحاب الإمام إسحاق بن راهويه، وبالخزمية أتباع محمد بن إسحاق بن خزيمة، وكانا من كبار علماء الحديث. وليس مراد الشهرستاني ويحيى بن محمد أن أهل الحديث محصورون في هؤلاء، بل مراده أن هؤلاء هم أهل الحديث الذين لهم أتباع في العصور التي كان فيها هذان العالمان، ولا يزال لمالك والشافعي وأحمد أتباع إلى اليوم، وقد انقرض من عداهم. أمَّا أهل الحديث المشهورون الذين لهم أتباع في هذا القرن الثاني والثالث فهم كثير، وأشهرهم في القرن الثاني الهجري: يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن مهدي، والأوزاعي، والليث بن سعد (٢). ومن مشاهيرهم في القرن الثالث الهجري: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو زرعة الرازي، وابن جرير الطبري، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن قتيبة الدينوري (٣). المبحث السادس: السبب في تسميتهم بأهل الحديث يقول الشهرستاني: "وإنما سموا بأصحاب الحديث؛ لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث، ونقل الأخبار، وبناء الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبرا أو أثرا" (٤) وكانوا يكرهون الخوض بالرأي، ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بدًّا.

стр. 16

ومدرسة أهل الحديث كان لها فضل السبق إلى تدوين السنة، وقد كابد علماء الحديث في سبيل جمع الحديث وتدوينه الشيء الكثير. وقد جمعوا السنة، وخلصوها مما شابها، ودونوها، وجمعوا مع السنة آثار فقهاء كلِّ بلد من الصحابة والتابعين، ودونوا المدونات التي تبحث في رجال الحديث، ووضعوا القواعد والضوابط التي يحكم بها على عدالة الرجال، وبذلك دُوِّنَ فن مصطلح الحديث، والجرح والتعديل. المبحث السابع: أصول أهل الحديث في بيان الأحكام لم يكن من طريقة أهل الحديث أن يقلدوا رجلا بعينه في كل ما يذهب إليه، ولذلك نجدهم اتبعوا منهجا واضحا للتوصل إلى الحكم الصحيح، من خلال ما وجدوه من الأحاديث والآثار، وقد بين الدهلوي أصول هذا المنهج ومعالمه (١): ١ - إذا وجدوا في المسألة قرآنا ناطقا، فإنهم لا يجيزون التحول منه إلى غيره، فإذا كان القرآن محتملا لوجوه، فالسنة قاضية عليه. ٢ - فإذا لم يجدوا حكم المسألة في كتاب الله، فإنهم يأخذون بسنة رسول الله ﷺ ، ولا يفرقون في هذا بين السنة المستفيضة الدائرة بين الفقهاء وغير المستفيضة، ولا يشترطون مجيء الحديث من رواية أهل بلد أو أهل بيت أو بطريقة خاصة، كما أنهم لا يشترطون عمل الصحابة بالحديث، أو عمل التابعين، كل ما يشترطونه هو صحة الحديث. ومتى صح الحديث فلا يتبعون خلافه، فلا اعتبار للآثار، ولا لآراء المجتهدين، إذا خالفت الحديث. ٣ - وإذا أفرغوا جهدهم في تتبع الأحاديث، ولم يجدوا في المسألة حديثا، أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين، ولا يتقيدون بقوم دون قوم،

стр. 17

ولا بلد دون بلد، كما كان يفعل من قبلهم. فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المتبع، وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علما، أو أورعهم ورعاً، أو أكثرهم ضبطاً، أو ما اشتهر عنهم، فإن وجدوا شيئا يستوي فيه قولان، فهي مسألة ذات قولين. ٤ - فإن عجزوا عن ذلك تأملوا في عمومات الكتاب والسنة وإيماءاتهما، واقتضاءاتهما، وحملوا نظير المسألة عليها في الجواب، إذا كانتا متقاربتين بادي الرأي، لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول، ولكن على ما يخلص إلى الفهم، ويثلج به الصدر.

стр. 18

الفصل الثاني مدرسة أهل الرأي المبحث الأول: المراد بأهل الرأي المراد بالرأي العلم بالشيء على سبيل الظن والاعتقاد، وقد خصَّه الفقهاء بالنظر وإعمال الفكر في الوقائع التي لم يرد بها نص، وكثيرا ما استعمل الصحابة كلمة رأي في اجتهاداتهم، التي ظهر أنها مبنية على اعتبار المصلحة، أو قائمة على أساس من القياس أو الاستحسان ونحوهما، بل شمل الرأي عندهم تفسير النصوص، وبيان وجه الدلالة منها، ومن ذلك تفسير أبى بكر لمعنى الكلالة في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (١). فإنه قال: أقول فيها برأي "الكلالة: ما عدا الولد والوالد. والمراد بأهل الرأي الذين أكثروا من استعمال الرأي والقياس في بيان الأحكام الشرعية، وليس المراد أنهم لم يكونوا يعتمدون على الكتاب والسنة. وأصحاب الرأي كما يقول الشهرستاني: (هم أهل العراق، أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومن أصحابه: محمد بن الحسن، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن محمد القاضي، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وابن سماعة، وعافية القاضي، وأبو مطيع البلخي، وبشر المريسي" (٢)

стр. 19

المبحث الثاني: السبب في تسميتهم بأهل الرأي يقول الشهرستاني: "وإنما سموا أصحاب الرأي؛ لأن أكثر عنايتهم بتحصيل وجه القياس، والمعنى المستنبط من الأحكام، وبناء الحوادث عليها، وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار، وقد قال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك، فله ما رأى، ولنا ما رأينا" (١). ولم تعن هذه المدرسة بالنصوص عناية المدرسة الأولى، وتوسعوا في الرأي، كما توسعوا في النظر في المسائل الفرضية التي لم تقع بعد. المبحث الثالث: أخطاء أهل الرأي وقد أحصى ابن القيم أخطاء أهل الرأي فكانت خمسة (٢): الأول: ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث. وقد عقد ابن القيم فصلا كبيرا، بين فيه شمول النصوص للأحكام، وأنها مغنية عن الرأي والقياس (٣)، وقد ساق فيه مسائل كثيرة اختلف فيها السلف الصالح، وقالوا فيها برأيهم، وأعملوا فيها القياس، مع أن النصوص قد بينتها، والقياس الصحيح شاهد أو تابع، وليس مستقلا في إثبات حكم من الأحكام لم تدل عليه النصوص. ومن أمثلة ذلك اختلافهم في النباش الذي يسرق أكفان الموتى، هل تقطع يده؟ والصحيح أنه سارق داخل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ، فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤)، ومن ذلك الاكتفاء بقوله ﷺ : (كل مسكر خمر) عن

стр. 20

إثبات التحريم بالقياس في الاسم أو الحكم. ومن ذلك الاكتفاء بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) في تناوله لكل يمين منعقدة يحلف بها المسلمون من غير تخصيص إلا بنص أو إجماع، وقد بين ذلك سبحانه في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٢)، فهذا صريح في أن كل يمين منعقدة فهذه كفارتها، وقد أدخلت الصحابة في هذا النص الحلف بالتزام الواجبات، والحلف بأحب القربات المالية إلى الله وهو العتق، كما ثبت ذلك عن ستة منهم، ولا مخالف لهم بين بقيتهم (٣). الثاني: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس. وقد أورد ابن القيم فيضاً من النصوص ترك فيها القياسيون الأحاديث وأخذوا بالرأي والقياس، فمن ذلك تركهم حديث العرايا، وحديث تغريب الزاني غير المحصن، وحديث عدم إبطال كلام الناسي، والجاهل بالصلاة، وحديث دفع اللقطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعفاصها، وحديث المصراة، وغير ذلك من الأحاديث التي تركوها بالرأي والقياس (٤). الثالث: اعتقادهم في كثير من الأحكام الشرعية أنها على خلاف الميزان والقياس، والميزان: هو العدل، فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام. وقد بين بطلان ما ذهبوا إليه في مبحث طويل، نقل فيه عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية فصلا كبيرا، ضرب فيه كثيرا من الأمثلة التي قال أهل

стр. 21

القياس: إنها مخالفة للقياس، وقد ناقشهم فيها، وبين أنها موافقة للقياس. ومما ظنوه مخالفاً للقياس: المضاربة، والمساقاة، والمزارعة، لأنها عندهم من جنس الإجارة، لأنها عمل بِعِوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوَّض، فلما رأوا العمل والربح في هذه العقود غير معلومين، قالوا: هي على خلاف القياس، وبيَّن أنهم غلطوا في هذا؛ فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة، التي يشترط فيها العلم بالعِوَض والمعوَّض، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة (١). ومما رأوا مخالفته للقياس وناقشهم فيه: الحوالة، والقرض، وإزالة النجاسة، وطهارة الخمر بالاستحالة، والوضوء من لحم الإبل، والتيمم، والسلم، ومكاتبة العبد، والإجارة، وغير ذلك مما أطال فيه القول. الرابع: اعتبارهم عللا وأوصافا لم يعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم عللا وأوصافا اعتبرها الشارع. وهذا يظهر من دعواهم أن جملة من الأحكام الشرعية شرعت على خلاف القياس، فهم إنما قالوا هذا لاعتبارهم عللا مخالفة للعلل التي جاءت النصوص بها. الخامس: تناقضهم في القياس. وقد مثَّل لتناقضهم بأمثلة كثيرة، فمن ذلك أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقاسوا عليه في أحد القولين سائر الأنبذة، وفي القول الآخر لم يقيسوا، ولم يقيسوا عليه الخل، ولا فرق بينهما (٢). وقاسوا الماء الذي وردت عليه النجاسة، فلم تغير له لونا، ولا طعما، ولا

стр. 22

ريحا، على الماء الذي غيرت النجاسة لونه وطعمه وريحه، وهذا من أبعد القياس عن الشرع الحسن. وتركوا قياسا أصح منه، وهو قياس الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغير لونه وطعمه وريحه على الماء الذي ورد على النجاسة، فقياس الوارد على المورود مع استوائهما في الحد والحقيقة والأوصاف أصح من قياس مائة رطل ماء، وقع فيه شعرة كلب على مائة رطل خالطها مثلها بولا وعذرة حتى غيَّرها (١). وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة، فأوجبوا الاستنشاق، ولم يقيسوه عليه في الوضوء الذي أمر رسول الله ﷺ فيه بالاستنشاق، ففرقوا بينهما، وأسقطوا الوجوب في محلِّ الأمر به، وأوجبوه في غيره، والأمر بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل اليدين في الجنابة سواء (٢)، وقد أكثر من ذكر الأمثلة للتدليل على تناقض القياسيين (٣).

стр. 23

الفصل الثالث مدرسة أهل الظاهر المبحث الأول: المراد بأهل الظاهر هذه المدرسة تقابل مدرسة أهل الرأي، فأهل الرأي توسعوا في الأخذ بالرأي، وأهل الظاهر غلوا في رفضه وردِّه، وتنسب هذه المدرسة إلى داود ابن علي بن خلف (١) الأصبهاني الأصل، الكوفي المولد، البغدادي الدار، الشهير بداود الظاهري، المولود في سنة ٢٠٠ هـ، أو بعدها بقليل، المتوفى في سنة ٢٧٠ هـ. وقد تفقه داود على أبي ثور تلميذ الإمام الشافعي، وإسحاق بن راهويه، وهو إمام من أئمة أهل الحديث، وأخذ عن الفقهاء الأعلام في وقته، وكان داود معظما للإمام الشافعي، آخذا بأصوله، ثمَّ اختطَّ لنفسه طريقا، خالف فيه غيره من فقهاء الإسلام، وطريقته تتمثل في الاعتماد على ظاهر النصوص والإجماع، ونفي الأصول الأخرى التي اعتمد عليها غيره من العلماء، كالقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والسبب الذي جعله ينفي القياس هو دعواه أن الأحكام غير معللة، وأن الله شرع ما شرع من أحكام بمحض المشيئة المجردة عن الحكمة والتعليل. لقد رأى أهل الظاهر ما جناه الرأي على النصوص الشرعية بحيث لذم الرأي على النص في كثير من الأحكام، بسبب إهمال النصوص حفظا وفقها

стр. 24

ودراسة، فكان موقف داود ردَّة فعل للذين تطرفوا بالأخذ بالرأي، فجاء موقفه تطرفا في الجانب الآخر، فمنع الأخذ بالقياس (١)، وقال بعدم تعليل النصوص، وقصر منهجه على الأخذ بظاهر النصوص. وقد أدى منهجه هذا إلى الاعتناء بالنصوص حفظا ومدارسة وفقها وتعليما إلا أنهم وقفوا عند ظاهرها، ولم يغوصوا في أعماقها. المبحث الثاني: أخطاء أهل الظاهر لقد أدى هذا المنهج بأهل الظاهر إلى نتائج خطيرة، فقد جوزوا ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين، والجمع بين المختلفين؛ لأنهم -كما عرفت- يقرون أن الشارع ينهى عن الشيء لا لمفسدة، ويأمر به لا لمصلحة (٢) (٣) وقد خطأهم ابن القيم من أربعة أوجه (٤): أحدها: رد القياس الصحيح (٥)، ولا سيما المنصوص على علته، الذي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم، فلا يشك عاقل أن قوله ﷺ : (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس) بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كل رجس.

стр. 25

وقوله في الهر: (ليست بنجس؛ إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات) بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات، فإنه ليس بنجس، ولا يستريب عاقل في أن من قال لغيره: لا تأكل هذا الطعام؛ فإنه مسموم، نهي عن كل طعام كذلك، وإذا قال: لا تشرب هذا الشراب؛ فإنه مسكر، نهي له عن كل مسكر، ولا تتزوج هذه المرأة؛ فإنها فاجرة، نهي له عن كل امرأة فاجرة. الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فكثير من الأحكام دلت عليها النصوص، ولم يفهموا دلالتها عليها، وسبب هذا أنهم حصروا الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وإشارته وتنبيهه وعرفه عند المخاطبين، فلم يفهموا من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا. . .﴾ (١) ضربا ولا سباً ولا إهانة، يقول ابن حزم في الآية: "ما فهم أحد قط في لغة العرب ولا العقل أن قول: "أف" يعبر به عن القتل والضرب، ولو لم يأت إلا هذه الآية ما حَرُم إلا قول "أف" فقط" (٢). وهذه ظاهرية عجيبة، وقد علق الحافظ الذهبي على كلام ابن حزم هذا قائلا: " يا هذا، بهذا الجمود وأمثاله جعلت على عرضك سبيلا، ونصبت نفسك أعجوبة وضحكة، بل يقال لك: ما فهم أحد من عربي ولا نبطي، ولا عاقل ولا واع أن النهي عن قول: "أف" للوالدين، إلا وما فوقها أولى بالنهي منها، وهل يفهم ذو حس سليم إلا هذا؟! وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأصغر على الأكبر، بل مثل هذا مما أمن فيه حفظ اللسان العربي، بل العجمي، والتركي وجميع خطاب بني آدم، وهل إذا قال "لا تنهر والديك" إلا والنهي عن شتمهما، أو لعنهما، أو ضربهما حتى يستغيثا، أو خنقهما حتى يموتا بطريق الأولى؟! ".

стр. 26

وضرب مثالا يوضح هذا "فإن الرجل إذا قال لزوجته: لا تكلمي الرجال أضربك، فذهبت وزنت مع الرجال ولم تكلمهم كلمة، كانت عاصية له قطعا، بل كانت أشد عصيانا بذلك، وأحق بالضرب وأولى من أن لو كلمت الرجال فقط". الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علما بالعدم، والاستصحاب في اللغة: اعتبار المصاحبة، وفي اصطلاح الأصوليين: هو الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل، حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو جعل الحكم الذي كان ثابتا في الماضي باقيا في الحال، حتى يقوم دليل على تغيره. والاستصحاب ثلاثة أقسام: استصحاب البراءة الأصلية، واستصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي، حتى يثبت خلافه، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. فاستصحاب البراءة الأصلية إثبات الإباحة للأشياء التي لم نجد نصا يدلُّ على تحريمها، فالله تعالى خلق كل ما في الأرض لنا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). فإذا وجدنا في بلد ما حيوانا أو طعاما أو شرابا، ولم نجد دليلا ينص على حكمه، فإننا نحكم بإباحته؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم نجد نصًّا ينقل حكم الإباحة إلى التحريم أو الكراهة، ومن هنا وضع الفقهاء عدة قواعد متشابهة، فقالوا: "الأصل في الأشياء الإباحة، وما ثبت باليقين لا يزول بالشك، والأصل في الإنسان البراءة". واستصحاب الوصف الشرعي كاستصحاب حكم الطهارة، أو حكم الحدث، واستصحاب بقاء النكاح، حتى يثبت خلاف ذلك، فالذي جزم بأنه متوضئ، ثم شكَّ في الحدث، فإنَّه يستصحب حكم الطهارة، ولا يلتفت إلى الشك،

стр. 27

وقد نهى الرسول ﷺ الصائد، إذا وجد صيده غريقا في الماء، عن أكله؛ لأن الأصل في الذبائح التحريم، وكون الصيد مات من السهم مشكوك فيه، لاحتمال أن يكون الماء قد قتله. واستصحاب حكم الإجماع: هو أن يستصحب حال المجمع عليه حتى يثبت ما يزيله. والذي قرره طائفة من الفقهاء والأصوليين وبعض الأحناف أن استصحاب البراءة الأصلية حجة للدفع لا للإثبات، ومرادهم أنَّه حجة على إبقاء ما كان على ما كان، ودفع ما يخالفه حتى يقوم دليل يثبت هذا الذي خالفه، وليس حجة لإثبات أمر غير ثابت، كالمفقود يُحكمُ باستصحاب الحال التي عُرِف عليها، وهي الحياة، حتى يقوم دليل على الوفاة، وهذا الاستصحاب حجة يدفع بها دعوى الوفاة، والإرث منه، وفسخ إجارته، وطلاق زوجته، ولكنه ليس حجة لإثبات إرثه من غيره؛ لأن حياته الثابتة بالاستصحاب حياة اعتبارية لا حقيقية. ولم يتنازع الفقهاء في النوع الثاني وهو استصحاب الوصف المثبت للحكم وإنما تنازعوا في بعض أحكامه، واختلفوا في استصحاب حكم الإجماع والصحيح أنه حجَّة. وخلاصة ما قرره ابن القيم أن "الاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل" (١). الرابع: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان، حتى يقوم الدليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيرا من معاملات الناس، وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلاف هذا، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما

стр. 28

أبطله الشارع أو نهى عنه، وهذا القول هو الصحيح، فإنه الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرَّمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثَّم الله ورسوله به فاعله، كما أنَّه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله. فالأصل في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما أن الله -سبحانه- لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حَقُّهُ على عباده، وحقه الذي أحقه هو، ورضي به، وشرعه. وأمَّا العقود والشروط والمعاملات، فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه، لكان عفوا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحكه الله، والحرام ما حرَّمه، وما سكت عنه، فهو عفو.

стр. 29

الفصل الرابع موازنة بين المدارس الفقهية المبحث الأول: النزاع بين المدارس الفقهية تبادلتا هذه الفرق الثلاث فيما بينها ألفاظ القدح والتجريح، وحاول علماء كل فريق أن يكشف ضعف موقف الآخرين، وقد كان في كل فريق كثير من المعتدلين، وبعض الغلاة الذين لا يرون حسنات الآخرين، وقد دوَّن قادة كل مدرسة وأتباعها كتبا بينوا فيها أصولهم وفروعهم، وردوا على أصحاب الاتجاهات الأخرى. ومن لطيف العلم الذي تنبه له ابن تيمية أن الإمام مالك في ترتيبه للموطأ، وما عقد فيه من تراجم، وما ساق فيه من آثار، قصد فيه بيان مذهب أهل العراق ببيان السنة، والردَّ على من خالفها، ولذلك قال ابن تيمية: "من كان بمذهب أهل المدينة والعراق أعلم كان أعلم بمقدار (الموطأ) " (١). ويذكر الحافظ الزيلعي أن: "البخاري كثير التتبع لما يرد على أبى حنيفة من السنة، فيذكر الحديث، ثمَّ يعرض بذكره، فيقول: قال رسول الله ﷺ : كذا وكذا، وقال بعض الناس: كذا وكذا، يشير ببعض الناس إليه، ويشنع لمخالفة الحديث عليه" (٢). وقد دوَّن أهل الحديث منهجهم كما دونوا انتقاداتهم على أهل الرأي والظاهرية في عدة مؤلفات منها: (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، (والمصنف) لابن أبى شيبة، و (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة.

стр. 30

ودون علماءُ أهل الرأي منهجهم وآراءهم ومآخذهم على أهل الحديث وأهل الظاهر، وقد قام بهذا علماء الأحناف. وإذا شئت أن تطلع على أصول أهل الظاهر وهجومهم على من قال بالرأي والقياس، فارجع إلى كتب ابن حزم الأندلسي أمثال (المحلى) و (الأحكام)، فإنك ستشهد على صفحات كتبه معركة هائلة، حشد فيها من الحجج والبراهين الشيء الكثير، ونال من علماء الفرق الأخرى بلسانه وقلمه ما لا يستطيع أن يناله بسيفه وسنانه. المبحث الثاني: مقارنة بين المدارس الثلاثة لقد أحسن أهل الظاهر في الاعتناء بالنصوص الشرعية حفظا ومدارسة وتفقها، ولكنهم أخطؤوا في وقوفهم عند ظاهر النصوص، وقصَّروا في فهمها. وأهل الرأي أحسنوا؛ إذ لم يقفوا عند ظاهر النص، بل غاصوا في أعماق النصوص، واستخلصوا علل الأحكام، ووسعوا دلالة النص، فنظروا في إشارته وإيمائه، وقاسوا النظير على النظير، والشبيه على الشبيه، ولكنهم أساؤوا فيما أحسن فيه أهل الظاهر، فلم يعتنوا بالنصوص عنايتهم بالعلل والقياس، ولم يبذلوا جهدهم في طلبها، ومعرفة الصحيح والضعيف من الأحاديث. يقول ابن القيم واصفا حال هذه المدرسة: "وأهل الرأي والقياس لم يعتنوا بالنصوص، ولم يعتقدوها وافية بالأحكام، ولا شاملة لها، وغلاتهم على أنها لم تَفِ بعشر معشارها، فوسعوا طريق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشبه (١). وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها، واستنبطوا عللا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها، ثمَّ اضطرهم ذلك إلى أن

стр. 31

عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا، فتارة يقدمون القياس، وتارة يقدمون النصوص، وتارة يفرقون بين النص المشهور وغير المشهور، واضطرهم ذلك أيضا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شرعت على خلاف القياس" (١). أمَّا مدرسة أهل الحديث فقد توسطت بين المدرستين السابقتين، ذلك أنها وارثة علم الصحابة والتابعين، فقد أخذت من كل مدرسة محاسنها، وتجنبت مساوئها، فقد عنيت بما عُني به أهل الظاهر، لقد عنيت بالنصوص عناية كبيرة، وشغلت بغربلة الأحاديث والتعرف على الصحيح والضعيف، واجتهدت في فقه النصوص، واستنباط الأحكام منها، وتطبيق هذه النصوص على الوقائع، وأحسنت فيما أحسن فيه أهل الرأي؛ إذ لم يقفوا عند ظاهر النص، فنظروا في منطوق النصِّ ومفهومه، كما نظروا في إشارته وإيمائه، ولم يهملوا علل الأحكام، ولكنهم لم يتعدوا النصوص إلى الرأي إلا عند الاضطرار، حيث لا يجدون نصا بعد الطلب والتحري. يقول الشافعي رحمه الله تعالى: "ونحكم بالإجماع، ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحلُّ القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الأعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة عند الإعواز" (٢)، وقد روى الإمام أحمد عن الشافعي قوله: "القياس عند الضرورة" (٣). انحراف المسار عند بعض أهل الحديث. استمر أهل الحديث باتباع منهج الرعيل الأول، الذين اختطوا لهم ذلك المنهج الذي يسيرون عليه، ولكنَّ بعض المنتسبين لهذه المدرسة انحرفوا عن

стр. 32

المسار السوي، وشغلوا أنفسهم بأمور لم يلتفت لها الرواد الأعلام من هذه المدرسة، يقول الخطابي، وهو من أهل هذه المدرسة -مبيناً حال كثير من أهل الحديث في عصره-: "إن الأكثرين من أهل الحديث إنما وَكْدهم الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستنبطون سيرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن" (١). وقال ابن عبد البر، يصف حال أهل الحديث في عصره: "فطائفة تروي الحديث وتسمعه، فقد رضيت بالدؤوب في جمع ما لا تفهم، وقنعت بالجهل في حمل ما لا تعلم، فجمعوا بين الغث والسمين، والصحيح والسقيم، والحق والكذب في كتاب واحد، وربما في ورقة واحدة، ويدينون بالشيء وضده، ولا يعرفون ما في ذلك عليهم، قد شغلوا أنفسهم بالاستكثار عن التدبر والاعتبار، فألسنتهم تروي العلم، وقلوبهم قد خلت من الفهم، غاية أحدهم معرفة الكتب الغريبة، والاسم الغريب، وتجده قد جهل ما لا يكاد يسع أحدا جهله من علم صلاته وحجه وصيامه وزكاته (٢) ". وممن بيَّن حال أهل الحديث في عصره مؤرخ الإسلام الذهبي، وهو من أهل هذه المدرسة، ولكن انحراف المسار ببعض أهل الحديث يوجب البيان والنصح، قال الذهبي رحمه الله تعالى متوجعا مما صار إليه كثير من أهل الحديث في عصره: "غالب المحدثين لا يفقهون، ولا همة لهم في معرفة الحديث، ولا في التدين به، بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة، إنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ، وتكثير العدد من الأجزاء والرواة، لا يتأدبون بآداب الحديث، ولا يستفيقون من سكرة السماع، الآن يسمع الجزء ونفسه تحدثه: متى يرويه

стр. 33

أبعد الخمسين سنة! ويحك ما أطول أملك، وأسوأ عملك" (١). وقد وجه الذهبي طلاب علم الحديث إلى الاهتمام بدراسة كتب الحديث النافعة فقال: "طالب الحديث اليوم ينبغي له أن ينسخ أولاً (الجمع بين الصحيح) (٢) و (أحكام عبد الحق) (٣) و (الضياء) (٤)، ويدمن النظر فيهن، ويكثر من تحصيل تواليف البيهقي، فإنها نافعة، ولا أقل من مختصر كالإلمام (٥) ".

стр. 34

الباب الثاني المذاهب الفقهية * الفصل الأول: التعريف بالمذاهب. * الفصل الثاني: التعريف بالأئمة الأربعة ومذاهبهم.

стр. 35

الفصل الأول التعريف بالمذاهب المبحث الأول: نشأة المذاهب وتكونها نبغ في عصر التابعين وعصر الأئمة المجتهدين مجموعة كبيرة من العلماء، وكانت الأمصار في الدولة الإسلامية تزخر بالعلم والعلماء، وكثير من هؤلاء العلماء بلغوا مرتبة الاجتهاد المطلق. وقد اختط بعض هؤلاء العلماء الأخيار طريقة سلكوها في التعرف على الأحكام، وأصبح لكل منهم تلاميذ واتباع يتبنون طريقته، وقد عرفت هذه الطرق بالمذاهب. والمذاهب الفقهية الباقية إلى اليوم هي مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد. وهناك مذاهب انقرض اتباعها، كمذهب الليث بن سعد، ومذهب داود الظاهري، وابن جرير الطبري. ومن ينظر اليوم في المذاهب الفقهية الباقية فإنه يجد أن لكل مذهب بناء فقيهاً هائلاً له مؤلفاته وقواعده وأصوله وعلماؤه ومؤلفاته، وجذور كل مذهب تمتد إلى صاحب المذهب ومؤسسه. ومؤسسو المذاهب علماء أعلام، تربوا على أيدي العلماء الذين سبقوهم، وأخذوا عنهم ما حفظوه وفقهوه من ميراث النبوة، وقد كانت البلاد الإسلامية في عصر الأئمة تموج بالعلم والعلماء، وقد استقطبت العلوم الشرعية أصحاب العقول الراجحة، والنفوس الزاكية، والهمم العالية، فالعلماء بالشريعة كانوا هم أصحاب المكانة العالية المرموقة في المجتمعات الإسلامية. وقد تفتحت عقول الأئمة على أنوار الوحي من الكتاب والسنة من غير أن

стр. 36

يعزلها عنه ظلمات التقليد التي منعت العقول فيما بعد من الغوص في الكتاب والسنة وهي تواجه المسائل والمستجدات والقضايا التي تعرض للمسلمين في ذلك العصر. لقد سما الأئمة رضوان الله عليهم بما علموه من علم الوحي إلى درجات راقية، وأحكموا مذاهبهم وقعدوها، وتركوا لمن بعدهم ثروة علمية تعين من وراءَهم على معرفة الحق، كما تعينهم على فقه النصوص. يقول العلامة أبو شامة الفقيه الشافعي: "بنى الشافعي مذهبه بناء محكماً، وذلك أنه كان اعتماده على كتاب الله وسنة رسوله، والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجع إلى الكتاب والسنة، وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنة" (١)، وكل الأئمة أحكموا مذاهبهم على هذا النهج الذي ذكره أبو شامة. وقد تمثلت مذاهبهم في أقوالهم التي دونوها في كتبهم، أو أملوها على تلامذتهم، أو أجابوا بها من سألهم واستفتاهم، وقد حملها عنهم أصحابهم وتلامذتهم. وجاء أصحاب الأئمة من بعدهم، فكان لهم دور كبير في استيعاب علوم أئمتهم، وحفظها ونقلها، ولولاهم لضاعت مذاهبهم وتلاشت، واعتبر بهذا بعالم مصر المحدث الفقيه الليث بن سعد ﵀، فإن جمعا من أهل العلم يقدمونه على الإمام مالك، ولكن أصحابه لم يحفظوا فقهه، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به" (٢). ولم يقتصر دور أصحاب الأئمة وتلامذتهم على نقل أقوال أئمتهم واستيعاب. ما سمعوه منهم، فقد كان الرعيل الأول من أهل كل مذهب أصحاب عقول راجحة، قادرة على النظر والاستنباط، ولذلك فإن كثيراً منهم كانوا يزاحمون

стр. 37

أئمتهم في الاجتهاد، ولم يكونوا يتحرجون من مخالفة أئمتهم إذا تبين لهم أن الحق في خلاف قولهم. واعتبر في هذا بالمذهب الحنفي، فإن أصحاب الإمام أبى حنيفة وتلامذته شاركوا الإمام في تأصيل المذهب وإنضاجه، فمدونات الحنفية تذكر أن أصحاب أبى حنيفة الذين دونوا معه الكتب كانوا أربعين رجلاً، كانوا يختلفون عنده في جواب المسألة، فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثمَّ يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي بالجواب عن كثب، وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام، ثمَّ يكتبونها في الديوان (١). ويبدو أن هذا الديوان الذي كتبت فيه مسائل الفقه التي تمخص عنها اجتهاد أبي حنيفة وأصحابه تمثل أصول المدونات الفقهية التي دونها أصحاب أبى حنيفة من بعده. والكتب المعتمدة عند الحنفية لا تقصر المذهب على أقوال أبي حنيفة، فقد يكون المذهب قول أبى حنيفة، وقد يكون قول أبي يوسف، أو محمد بن الحسن، أو قول زفر، أو الحسن بن زياد، وسيأتي بيان هذا وتوضيحه. المذهب: لغة واصطلاحاً المذهب في لغة العرب: الطريق الذي يذهب فيه؛ أي يُسارُ فيه، ويمرُّ منه، ويطلق أيضا على الشيء الذي يذهب إليه الإنسان، سواءً أكان حسيا أو معنويا، يقول الشيخ أحمد الصاوي: "المذهب في الأصل محل الذهاب، كالطريق المحسوسة" (٢)، وجاء في لسان العرب أن "المذهب المتوضأ؛ لأنه يذهب إليه، والمعتقد الذي يذهب إليه" (٣)، ويذكر الكسائي أن العرب تطلقه

стр. 38

على موضع الخلاء، وفي الحديث: "أن النبي ﷺ كان إذا أراد الغائط أبعد في المذهب" (١). "وتقول العرب: ذهب مذهب فلان: قصد قصده وطريقته" (٢)، ويقولون أيضا: "ذهب فلان مذهبا حسنا" (٣). والمذهب في اصطلاح كل قوم: الطريقة التي اختطها شخص أو مجموعة سواء أكانت في مجال الاعتقاد، أو السلوك، أو الأحكام، أو غيرها. ولا يكون الأمر مذهبا لشخص ما، إلا إذا كان طريقة اختص بها دون غيره، فالأكل والشرب والنوم ليس مذهبا يختص بفرد أو مجموعة، ولا يطلق المذهب عند أصحاب العلم والمعرفة إلا على منهج تكوَّن بعد تأمل ونظر، واختط صاحبه خطة واضحة المعالم، بينة الأبعاد، تقوم على أصول وقواعد، ففي المعجم الوسيط: "المذهب عند العلماء مجموعة من الآراء والنظريات العلمية والفلسفية، ارتبط بعضها ببعض ارتباطا يجعلها وحدة متسقة" (٤). ولذا فإنه أطلق على المنهج الذي اختطه علماء الكلام في التأصيل العقائدي للمذهب الكلامي، والذي يسلك طريقتهم في الاستدلال فإنه يذهب مذهبهم، يقول الجرجاني: "المذهب الكلامي: أن يورد حجة على طريق أهل الكلام" (٥). ويطلق المذهب عند علماء الفقه على المنهج الفقهي الذي سلكه فقيه مجتهد، اختص به من بين الفقهاء، أدى به إلى اختيار جملة من الأحكام في مجال علم الفروع. يقول القرافي، في سياق تعريفه مذهب مالك: (مذهب مالك ما اختص

стр. 39

به من الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية، وما اختص به من أسباب الأحكام والشروط والموانع والحجاج المثبتة لها" (١). وعرفه الدردير بقوله: "مذهب مالك مثلاً: عبارة عما ذهب إليه من الأحكام الاجتهادية التي بذل وسعه في تحصيلها" (٢). وقال الشيخ أحمد الصاوي: "مذهب مالك ما ذهب إليه مالك من الأحكام الاجتهادية" (٣). وهذه التعريفات هي: تعريف للمذهب من حيث هو مذهب، ولا اختصاص له بمذهب إمام دون غيره. وإذا أنت تأملت في هذه التعريفات تجد أن المجال الذي يعمل فيه المذهب الفقهي هو الأحكام الشرعية الفرعية، فلا عمل للمذهب في الأحكام الأصولية، لا أصول الدين، ولا أصول الفقه. فالاختلاف في العقيدة يقسم الأمَّة إلى فرق، فعلماء المذاهب الفقهية السنية كلهم أتباع منهج واحد في الاعتقاد، فعقيدتهم هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ومخالفوهم فرق انحرف بها المسار كالخوارج والمعتزلة، فلا مذاهب بين علماء أهل السنة في مجال الاعتقاد، والصحابة جميعاً على طريقة واحدة في الاعتقاد، ولكنهم اختلفوا في بعض أحكام مسائل الفروع. وينبغي للباحث أيضا أن يتنبه إلى أن مسائل الفروع ليست كلها مما يصح أن يدخل في إطار ما يسمى بالمذهب الفقهي، فالأحكام التي لا مجال للاختلاف فيها، لكون أدلتها قطعية الدلالة، قطعية الثبوت، مثل وجوب الصلوات الخمس، ووجوب شهر رمضان، ووجوب الزكاة، وكون صلاة الظهر أربعا، والمغرب ثلاثا ونحو ذلك، لا يصح أن تنسب إلى مذهب شخص بعينه، فلا

стр. 40

يقال: مذهب أبي حنيفة أن صلاة الظهر واجبة، ومذهب مالك أن صوم رمضان واجب، ومذهب الشافعي أن الخمر حرام، فلا خصوصية لواحد منهم بواحد من هذه؛ فإن مذاهبهم جميعا في هذه مذهب واحد، وحتى يكون الرأي أو الحكم مذهبا للإنسان، لا بدَّ أن يكون صالحا لأن يختص به دون غيره، ولذا فإن المسائل المجمع عليها لا يصح أن تنسب إلى مذهب رجل بعينه، وإن كان دليلها ظني الثبوت، أو ظني الدلالة، فنكاح المرأة على عمتها، أو على خالتها متفق على تحريمه عند أهل السنة، ودليله خبر آحاد. وفي هذا يقول القرافي ﵀: "لا يقال: هذا مذهب مالك أو الشافعي إلا فيما يختص به؛ لأنه ظاهر اللفظ في الإضافة والاختصاص" (١). ويقول: "المذاهب طرق متبوعة لا يضاف لعالم منها إلا ما اختص به، والمذاهب المشهورة أربعة، ولن يحصل التعدد إلا بالاختصاص، لا بالمشترك بينها" (٢). وقال أيضا: "الطرق المشتركة لا يحسن إضافتها لآحاد الناس توسعا، وعلى التحقيق لا يضاف إلا المختص" (٣). وقال الدردير في شرحه الكبير: "الأحكام التي نص الشارع عليها في القرآن أو في السنة لا تعدُّ من مذهب أحد من المجتهدين" (٤). وقد حدد القرافي المسائل التي يمكن أن تدخل في إطار المذاهب بخمس: "الأحكام، وأسبابها، وشروطها، وموانعها، والحجاج المثبتة للأسباب، والشروط والموانع". وهو يريد بذلك كله المختلف فيه لا المتفق عليه. وقد مثلنا للمتفق عليه من الأحكام، والمختلف فيه مثل حكم الوتر، وحكم الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد، ونحو ذلك.
следующие страницы →