يعزلها عنه ظلمات التقليد التي منعت العقول فيما بعد من الغوص في الكتاب والسنة وهي تواجه المسائل والمستجدات والقضايا التي تعرض للمسلمين في ذلك العصر.
لقد سما الأئمة رضوان الله عليهم بما علموه من علم الوحي إلى درجات راقية، وأحكموا مذاهبهم وقعدوها، وتركوا لمن بعدهم ثروة علمية تعين من وراءَهم على معرفة الحق، كما تعينهم على فقه النصوص.
يقول العلامة أبو شامة الفقيه الشافعي: "بنى الشافعي مذهبه بناء محكماً، وذلك أنه كان اعتماده على كتاب الله وسنة رسوله، والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجع إلى الكتاب والسنة، وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنة" (١)، وكل الأئمة أحكموا مذاهبهم على هذا النهج الذي ذكره أبو شامة.
وقد تمثلت مذاهبهم في أقوالهم التي دونوها في كتبهم، أو أملوها على تلامذتهم، أو أجابوا بها من سألهم واستفتاهم، وقد حملها عنهم أصحابهم وتلامذتهم.
وجاء أصحاب الأئمة من بعدهم، فكان لهم دور كبير في استيعاب علوم أئمتهم، وحفظها ونقلها، ولولاهم لضاعت مذاهبهم وتلاشت، واعتبر بهذا بعالم مصر المحدث الفقيه الليث بن سعد ﵀، فإن جمعا من أهل العلم يقدمونه على الإمام مالك، ولكن أصحابه لم يحفظوا فقهه، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به" (٢).
ولم يقتصر دور أصحاب الأئمة وتلامذتهم على نقل أقوال أئمتهم واستيعاب. ما سمعوه منهم، فقد كان الرعيل الأول من أهل كل مذهب أصحاب عقول راجحة، قادرة على النظر والاستنباط، ولذلك فإن كثيراً منهم كانوا يزاحمون
стр. 37
أئمتهم في الاجتهاد، ولم يكونوا يتحرجون من مخالفة أئمتهم إذا تبين لهم أن الحق في خلاف قولهم.
واعتبر في هذا بالمذهب الحنفي، فإن أصحاب الإمام أبى حنيفة وتلامذته شاركوا الإمام في تأصيل المذهب وإنضاجه، فمدونات الحنفية تذكر أن أصحاب أبى حنيفة الذين دونوا معه الكتب كانوا أربعين رجلاً، كانوا يختلفون عنده في جواب المسألة، فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثمَّ يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي بالجواب عن كثب، وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام، ثمَّ يكتبونها في الديوان (١).
ويبدو أن هذا الديوان الذي كتبت فيه مسائل الفقه التي تمخص عنها اجتهاد أبي حنيفة وأصحابه تمثل أصول المدونات الفقهية التي دونها أصحاب أبى حنيفة من بعده.
والكتب المعتمدة عند الحنفية لا تقصر المذهب على أقوال أبي حنيفة، فقد يكون المذهب قول أبى حنيفة، وقد يكون قول أبي يوسف، أو محمد بن الحسن، أو قول زفر، أو الحسن بن زياد، وسيأتي بيان هذا وتوضيحه.
المذهب: لغة واصطلاحاً
المذهب في لغة العرب: الطريق الذي يذهب فيه؛ أي يُسارُ فيه، ويمرُّ منه، ويطلق أيضا على الشيء الذي يذهب إليه الإنسان، سواءً أكان حسيا أو معنويا، يقول الشيخ أحمد الصاوي: "المذهب في الأصل محل الذهاب، كالطريق المحسوسة" (٢)، وجاء في لسان العرب أن "المذهب المتوضأ؛ لأنه يذهب إليه، والمعتقد الذي يذهب إليه" (٣)، ويذكر الكسائي أن العرب تطلقه
стр. 38
على موضع الخلاء، وفي الحديث: "أن النبي ﷺ كان إذا أراد الغائط أبعد في المذهب" (١). "وتقول العرب: ذهب مذهب فلان: قصد قصده وطريقته" (٢)، ويقولون أيضا: "ذهب فلان مذهبا حسنا" (٣).
والمذهب في اصطلاح كل قوم: الطريقة التي اختطها شخص أو مجموعة سواء أكانت في مجال الاعتقاد، أو السلوك، أو الأحكام، أو غيرها.
ولا يكون الأمر مذهبا لشخص ما، إلا إذا كان طريقة اختص بها دون غيره، فالأكل والشرب والنوم ليس مذهبا يختص بفرد أو مجموعة، ولا يطلق المذهب عند أصحاب العلم والمعرفة إلا على منهج تكوَّن بعد تأمل ونظر، واختط صاحبه خطة واضحة المعالم، بينة الأبعاد، تقوم على أصول وقواعد، ففي المعجم الوسيط: "المذهب عند العلماء مجموعة من الآراء والنظريات العلمية والفلسفية، ارتبط بعضها ببعض ارتباطا يجعلها وحدة متسقة" (٤).
ولذا فإنه أطلق على المنهج الذي اختطه علماء الكلام في التأصيل العقائدي للمذهب الكلامي، والذي يسلك طريقتهم في الاستدلال فإنه يذهب مذهبهم، يقول الجرجاني: "المذهب الكلامي: أن يورد حجة على طريق أهل الكلام" (٥).
ويطلق المذهب عند علماء الفقه على المنهج الفقهي الذي سلكه فقيه مجتهد، اختص به من بين الفقهاء، أدى به إلى اختيار جملة من الأحكام في مجال علم الفروع.
يقول القرافي، في سياق تعريفه مذهب مالك: (مذهب مالك ما اختص
стр. 39
به من الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية، وما اختص به من أسباب الأحكام والشروط والموانع والحجاج المثبتة لها" (١).
وعرفه الدردير بقوله: "مذهب مالك مثلاً: عبارة عما ذهب إليه من الأحكام الاجتهادية التي بذل وسعه في تحصيلها" (٢).
وقال الشيخ أحمد الصاوي: "مذهب مالك ما ذهب إليه مالك من الأحكام الاجتهادية" (٣).
وهذه التعريفات هي: تعريف للمذهب من حيث هو مذهب، ولا اختصاص له بمذهب إمام دون غيره.
وإذا أنت تأملت في هذه التعريفات تجد أن المجال الذي يعمل فيه المذهب الفقهي هو الأحكام الشرعية الفرعية، فلا عمل للمذهب في الأحكام الأصولية، لا أصول الدين، ولا أصول الفقه.
فالاختلاف في العقيدة يقسم الأمَّة إلى فرق، فعلماء المذاهب الفقهية السنية كلهم أتباع منهج واحد في الاعتقاد، فعقيدتهم هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ومخالفوهم فرق انحرف بها المسار كالخوارج والمعتزلة، فلا مذاهب بين علماء أهل السنة في مجال الاعتقاد، والصحابة جميعاً على طريقة واحدة في الاعتقاد، ولكنهم اختلفوا في بعض أحكام مسائل الفروع.
وينبغي للباحث أيضا أن يتنبه إلى أن مسائل الفروع ليست كلها مما يصح أن يدخل في إطار ما يسمى بالمذهب الفقهي، فالأحكام التي لا مجال للاختلاف فيها، لكون أدلتها قطعية الدلالة، قطعية الثبوت، مثل وجوب الصلوات الخمس، ووجوب شهر رمضان، ووجوب الزكاة، وكون صلاة الظهر أربعا، والمغرب ثلاثا ونحو ذلك، لا يصح أن تنسب إلى مذهب شخص بعينه، فلا
стр. 40
يقال: مذهب أبي حنيفة أن صلاة الظهر واجبة، ومذهب مالك أن صوم رمضان واجب، ومذهب الشافعي أن الخمر حرام، فلا خصوصية لواحد منهم بواحد من هذه؛ فإن مذاهبهم جميعا في هذه مذهب واحد، وحتى يكون الرأي أو الحكم مذهبا للإنسان، لا بدَّ أن يكون صالحا لأن يختص به دون غيره، ولذا فإن المسائل المجمع عليها لا يصح أن تنسب إلى مذهب رجل بعينه، وإن كان دليلها ظني الثبوت، أو ظني الدلالة، فنكاح المرأة على عمتها، أو على خالتها متفق على تحريمه عند أهل السنة، ودليله خبر آحاد.
وفي هذا يقول القرافي ﵀: "لا يقال: هذا مذهب مالك أو الشافعي إلا فيما يختص به؛ لأنه ظاهر اللفظ في الإضافة والاختصاص" (١).
ويقول: "المذاهب طرق متبوعة لا يضاف لعالم منها إلا ما اختص به، والمذاهب المشهورة أربعة، ولن يحصل التعدد إلا بالاختصاص، لا بالمشترك بينها" (٢).
وقال أيضا: "الطرق المشتركة لا يحسن إضافتها لآحاد الناس توسعا، وعلى التحقيق لا يضاف إلا المختص" (٣).
وقال الدردير في شرحه الكبير: "الأحكام التي نص الشارع عليها في القرآن أو في السنة لا تعدُّ من مذهب أحد من المجتهدين" (٤).
وقد حدد القرافي المسائل التي يمكن أن تدخل في إطار المذاهب بخمس: "الأحكام، وأسبابها، وشروطها، وموانعها، والحجاج المثبتة للأسباب، والشروط والموانع".
وهو يريد بذلك كله المختلف فيه لا المتفق عليه.
وقد مثلنا للمتفق عليه من الأحكام، والمختلف فيه مثل حكم الوتر، وحكم الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد، ونحو ذلك.
стр. 41
والمتفق عليه من الأسباب كالزوال ورؤية الهلال، والمتفق عليه من الشروط كالحول في الزكاة والطهارة في الصلاة.
والمتفق عليه من الموانع كالحيض، فإنه يمنع الصلاة والصوم، والجنون والإغماء، فإنهما يمنعان التكليف.
ويريد بالحجاج المثبتة للأسباب والشروط والموانع ما يعتمد عليه الحكام من البينات والأقارير ونحو ذلك، ومثال المجمع عليه في هذا الشاهدان في الأموال، والأربعة في الزنى، والإقرار في جميع ذلك إذا صدر من أهله في محله، ولم يأت بعده رجوع عن الإقرار (١).
فهذه كلها لا تدخل فيما يطلق عليه اسم المذهب؛ للاتفاق عليها، وعدم اختصاص عالم فيها بقول دون غيره.
ومثَّل القرافي للأسباب المختلف فيها الداخلة في إطار المذهب الفقهي بالرضاع المحرم، فإن بعض أهل العلم يجعل المحرم منه رضعة واحدة، وبعضهم ثلاثاً، وبعضهم خمس رضعات.
ومثل للشروط المختلف فيها بالولي والشهود في النكاح.
ومثل للمتفق عليه من الموانع بمنع النجاسة الصلاة، ومنع الدين الزكاة.
والمختلف فيه من الحجاج المثبتة للأسباب والشروط والموانع الشاهد واليمين، وشهادة الصبيان في القتل والجراح، والإقرار إذا تعقبه رجوع، وشهادة النساء إذا اقتصر منهن على اثنتين فيما يختص بهن الاطلاع عليه، كعيوب الفروج، واستهلال الصبي ونحو ذلك، وإثبات القصاص بالقسامة، فهذه الحجاج يثبت بها عند الحكام الأسباب نحو القتل، والشروط نحو الكفاءَة، وعدم الموانع نحو الخلو عن الأزواج (٢).
هذا هو المراد بالمذهب، وهذه هي الدائرة التي يصح أن يقال: إن مذهب فلان فيها كذا، وهي الدائرة التي يجوز فيها التقليد إذا لم يكن المرء عالما.
стр. 42
ليس كل ما في المذهب يجوز أن ينسب لإمام المذهب
مما ينبغي أن يتنبه إليه أن كل مذهب يضم أقوال إمام المذهب واجتهاداته كما يضم جميع الأقوال والاجتهادات التي ذهب إليها علماء المذهب، ولا يجوز أن تنسب كل هذه الأقوال إلى مؤسس المذهب.
إن بعض الباحثين وبعض الفقهاء في كل مذهب نسب كثيرا من أقوال أصحاب الأئمة وتلامذتهم وأتباعهم إلى الأئمة، وهذا ليس عدلا ولا صوابا، فمذهب العالم ما قاله وذهب إليه، ومن قول عالما ما لم يقله، ونسب إليه أحكاماً لم تصدر عنه، فقد ظلم وجار.
نعم، قد يقال: المذهب الشافعي في هذه المسألة كذا، ولا يريد القائل أن الشافعي قد قال ذلك وأفتى به، وإنما يريد أن هذا الحكم هو المعتمد في الفتوى عند الشافعية، وهذه مسألة اصطلاحية، ولا مشاحَّة في الاصطلاح.
إن العمدة في المذهب قد يكون قولا للإمام نصَّ عليه، وقد لا يكون نصَّ عليه، وإنما نسب إليه قياسا على قوله، أو أخذ من إشارته أو إيمائه، وقد يكون قولا لصاحب أو تلميذ من أصحاب إمام المذهب أو تلامذته، أو قاله أحد علماء مذهبه أو جمع منهم، وقد يكون ما قاله غيره من أصحابه أو تلامذته أو علماء مذهبه مخالفا لما نص عليه، وقد لا يؤثر عن الإمام في ذلك قول أو حكم.
ويدل لعدم جواز نسبة كل ما في المذهب من أقوال للأئمة أمور:
١ - أن أهل العلم قرروا أنه لا يجوز أن ينسب لساكت قول لم يقله، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "من نسب إلى ساكت قولاً فقد كذب عليه" (١).
كما قرروا أن مذهب الإنسان ما قاله، واستمرَّ على القول به إلى أن لقي
стр. 43
ربَّه، وفي ذلك يقول الشعراني: "مذهب الإمام حقيقة هو ما قاله، ولم يرجع عنه إلى أن مات، لا ما فهمه أصحابه من كلامه، فقد لا يرضى الإمام ذلك الأمر الذي فهموه من كلامه، ولا يرضى به لو عرضوه عليه، فعلم أن من عزا إلى الإمام كل ما فهم من كلامه فهو جاهل بحقيقة المذاهب" (١).
ويقول ابن عابدين: "لا يقال: قال أبو حنيفة كذا، إلا فيما روي عنه صريحاً" (٢).
٢ - يضم كل مذهب أقوالاً كثيرة متعارضة متناقضة لمجتهدي المذهب، فكيف يمكن أن تنسب إلى إمام المذهب كل تلك الأقوال مع تعارضها واختلافها.
٣ - لم يكن أصحاب الإمام ومجتهدو مذهبه يتابعون الإمام في كل ما ذهب إليه في مسائل الفروع، فإنهم كانوا أصحاب نظر اجتهادي مستقل في كثير من الأحيان، فلا يجوز أن تنسب أقوالهم إلى إمام مذهبهم مع اختلاف الاجتهاد.
٤ - كثر الخطأ في نقل أقوال الأئمة، والقياس على أقوالهم، والتخريج على قواعدهم، وعدَّ كثير من الفقهاء كل ذلك مذهباً لإمام المذهب، وحشى كثير من المتأخرين المذهب بأقوال لا تنطبق على أصول إمام المذهب، ولا قواعده ومسائله، خصوصاً المسائل التي بنوا أحكامها على فرض الوقوع، وكثير منها من قبيل المستحيل.
وقد صحح بعض العلماء نسبة الأقوال الصادرة من علماء المذهب إلى إمام المذهب على سبيل التجوز، فإذا قالوا: هذا مذهب أبي حنيفة أو مذهب مالك، فإنه المعنى المراد أنه قول أهل مذهبه (٣)، أو المفتي به في مذهبه.
والقائلون بما لم يقل به إمامهم صح نسبة قولهم إليه لأنهم ساروا على
стр. 44
نهجه، واتبعوا سبيله في الاجتهاد، وقد يخالفونه لأنه بلغهم حديث لم يبلغه، وكل الأئمة أمروا أصحابهم أن يتبعوا الحديث الصحيح، وأن يعدوه مذهباً لهم. وعدَّ بعض أهل العلم أقوال علماء المذهب مذهباً للإمام. وإن خالفوا قول إمام المذهب؛ "لأن كثيراً من الأحكام التي نص عليها المجتهد صاحب المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه، قد تغيرت بتغير الزمان، بسبب فساد أهل الزمان أو عموم الضرورة" (١). "وما تغير من الأحكام لتغير الزمان، إما لضرورة، وإما للعرف ولقرائن الأحوال كل ذلك غير خارج عن المذهب، لأن صاحب المذهب لو كان في هذا الزمان لقال بها، ولو حدث هذا التغير في زمانه لم ينص على خلافها، وهذا الذي جرأ المجتهدين في المذهب الحنفي وأهل النظر الصحيح من المتأخرين على مخالفة المنصوص عليه من صاحب المذهب في كتب صاحب الرواية" (٢).
المبحث الثاني: تصحيح الأئمة لمذاهبهم
لا شك أن الأئمة أثناء مسيرتهم العلمية كانوا دائمي التصحيح والتنقيح لمذاهبهم، فالأئمة بشر، يصيبون ويخطئون، وكلما امتد بهم العمر قويت ملكتهم العلمية، وحازوا علماً لم يطلعوا عليه من قبل، وهم كانوا أورع وأتقى من أن يقيموا على خطأ تبين لهم صوابه.
ذكر أبو شامة أن البويطي سمع الشافعي يقول: "لقد ألفت هذه الكتب، ولم آل فيها جهداً، ولا بدَّ أن يوجد فيها الخطأ، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣)، فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه" (٤).
стр. 45
ونقل أبو شامة عن مالك قوله: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه" (١).
وعقب أبو شامة على هذين القولين لهذين الإمامين بقوله: "وذلك الظن بجميع الأئمة" (٢).
وقد وجدنا من الأئمة من دلنا على مساره في تصحيحه لمذهبه وتنقيحه إياه، وعرفنا بالذي صار إليه في آخر أمره، ووجدنا من الأئمة من ترك لنا ثروة علمية فيها الروايات والأقوال في المسائل الاجتهادية، وقلما نجده بين اختياره فيما تعددت فيه عنه الأقوال.
فمن الصنف الأول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فإنه دون مذهبه بنفسه، وبين لنا قواعده وأصوله التي بنى عليها مذهبه، ولم يكتف بذلك، بل أعاد تصحيح مذهبه وتنقيحه، فمذهبه الجديد الذي دونه في مصر، يمثل تصحيحاً وتنقيحاً لمذهبه القديم.
يقول الطوفي رحمه الله تعالى: "بعض الأئمة كالشافعي نصوا على الصحيح من مذهبهم، إذ العمل من مذهب الشافعي على القول الجديد، وهو الذي قاله بمصر، وصنف فيه الكتب كالأم ونحوه، ويقال: إنه لم يبق من مذهبه شيء لم ينص على الصحيح منه إلا سبع عشرة مسألة، تعارضت فيها الأدلة، واخترم قبل أن يحقق النظر فيها" (٣).
وقد تواترت الأقوال عن أئمة الشافعية في وجوب المصير إلى أقوال الشافعي في مذهبه الجديد، وعدم جواز عدّ القديم مذهباً للشافعي، يقول الجويني: "لا تحسب الأقوال القديمة من مذهب الشافعي، فإنه رجع عنها جديدًا،
стр. 46
والمرجوع عنه لا يكون مذهباً للراجع" (١).
ويقول الخطيب في المذهب القديم: "هو ما قاله الشافعي بمصر تصنيفاً أو إفتاء، ورواته، البويطي، والمزني، والربيع المرادي، وحرملة، ويونس ابن عبد الأعلى، وعبد الله بن الزبير المكي وغير هؤلاء.
والثلاثة الأول هم الذين تصدوا لذلك وقاموا به، والباقون نقلت عنهم أشياء محصورة على تفاوت بينهم" (٢).
وقال النووي: "كل مسألة فيها قولان للشافعي ﵀: قديم وجديد، فالجديد هو الصحيح، وعليه العمل، لأن القديم مرجوع عنه" (٣).
وقال الخطيب الشربيني: "رجع الشافعي عن القديم، وقال: لا أجعل في حلّ من رواه عني، وقال الإمام: "لا يحلّ عدَّ القديم من المذهب، وقال الماودي في أثناء كتاب الصداق غيَّر الشافعي جميع كتبه القديمة في الجديد إلا الصداق، فإنه ضرب على مواضع منه، وزاد مواضع، وإن كان في المسألة قولان؛ قديم وجديد، فالجديد هو المعمول به، إلا في مسائل يسيرة، وإن كان في الجديد قولان فالعمل بآخرهما" (٤).
وقد وجه ابن القيم اللوم للمفتين من علماء المذاهب الذين يفتون بالأقوال القديمة من أقوال أئمتهم، وفي ذلك يقول: "أتباع الأئمة يفتون كثيراً بأقوال أئمتهم القديمة، التي رجعوا عنها وهذا موجود في سائر الطوائف.
فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات التي مخرجها مخرج اليمين كالحج والصوم والصدقة، وقد حكوا هم عن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير.
стр. 47
والحنابلة يفتي كثير منهم بوقوع طلاق السكران، وقد صرح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع.
والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب، وامتداد وقت المغرب ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير، وعدم استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين، وغير ذلك من المسائل، وهي أكثر من عشرين مسألة، ومن المعلوم أن القول الذي صرح بالرجوع عنه لم يبق مذهباً له" (١).
إلا أن إفتاء علماء المذهب بقديم قول الإمام قد لا يكون من قبيل عدهم تلك المسائل مذهباً للإمام، بل هو من قبيل أن هذا هو الذي أداهم إليه اجتهادهم.
"وقد نبه الفقهاء على هذا المعنى، منهم النووي حيث يقول: إن أصحابنا أفتوا بهذه المسائل من القديم، مع أن الشافعي رجع عنه، فلم يبق له مذهباً" (٢).
ونقل النووي عن إمام الحرمين أنه قال في باب الآنية من كتابه نهاية المطلب: "معتقدي أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي، حيث كانت، لأنه جزم في الجديد بخلافها، والمرجوع عنه ليس مذهباً للراجع، فإذا علمت حال القديم، ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه المسائل على القديم، حملنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله، وهم مجتهدون، فأفتوا به، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسائل أنها مذهب الشافعي، أو أنه استثناها، قال أبو عمرو: فيكون اختيار أحدهم للقديم فيها من قبيل اختياره مذهب غير الشافعي، إذا أداه اجتهاده إليه، فإنه إن كان ذا اجتهاد اتبع اجتهاده، وإن كان اجتهاده مقيداً مشوباً بتقليد نقل ذلك الشوب من التقليد عن ذلك الإمام، وإذا أفتى بيّن ذلك في فتواه فيقول مذهب الشافعي كذا، ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة" (٣).
стр. 48
المبحث الثالث: السبب في صعوبة معرفة الصحيح من المذهب
سهّل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بتصحيحه مذهبه على من بعده معرفة الصحيح من مذهبه، وذلك برجوع الباحث إلى مذهبه الجديد، بل إن كتب الإمام الشافعي التي تمثل مذهبه القديم لم تحفظ، ولم يبق منها إلا صفحات متناثرة في كتب أهل العلم، ولذلك لم نجد له في أيامنا كتاباً مطبوعاً من كتبه التي تمثل قديم مذهبه.
أما غيره من الأئمة فإن ما حفظ عنه أصحابه وتلامذته من أقواله ومروياته يمثل مذهبه، ما رجع عنه، وما لم يرجع عنه، وقد يشير الواحد من الأئمة إلى ما صار إليه اجتهاده من الأقوال التي رويت عنه كأن يقول في أحد القولين، هذا أحبُّ إلي، أو يقول: هذا أولى، وبالحق أشبه.
وقد ينبه على هذا تنبيهاً خفياً، كأن يذكر قولين، ويفرع على أحدهما، ولا يفرع على الآخر، فإن تفريعه على أحدهما يدل على قوته عنده، وأن المفرع عليه أقوى عنده من القول الذي لم يفرع عليه (١).
يقول المرداوي: "كلام الإمام قد يكون صريحاً أو تنبيهاً، كقولنا: أومأ إليه، أو أشار إليه، أو دل كلامه عليه، أو توقف فيه ونحو ذلك" (٢).
وقد ذكر الطوفي أن "الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان يقول كثيراً: كنت أقول كذا، ثم تركته، أو جبنت عنه، كقوله في المتيمم يجد الماء في الصلاة: كنت أقول: يمضي في صلاته، ثم تدبرت، فإذا أكثر الأحاديث على أنه يخرج.
وقوله: كنت أقول: إنّ من قال بخلق القرآن لا يكفر، ثمَّ نظرت، فإذا
стр. 49
القرآن من علم الله، ومن زعم أنَّ علم الله مخلوق، فهو كافر" (١).
والمسائل التي حدد فيها الإمام صحيح مذهبه قليلة جدًّا بجانب ما لم ينص عليه من الأقوال والروايات من المسائل.
ولذا فإن معرفة المتقدم والمتأخر من مذاهب الأئمة غير الشافعي فيها صعوبة، وقد تبلغ هذه الصعوبة درجة الاستحالة أحياناً، يقول الطوفي مبيناً صعوبة تصحيح مذهب الإمام أحمد بسبب تعدد الروايات وكثرتها في مذهبه: "حوى كتاب (زاد المسافر) لأبي بكر، و (الجامع الكبير للخلال) علماً جماً من علم الإمام أحمد ﵁ من غير أن يُعلم منه في آخر حياته الإخبار بصحيح مذهبه في تلك الفروع، غير أن الخلال يقول في بعض المسائل: هذا قولٌ قديمٌ لأحمد رجع عنه، لكن ذلك يسيرٌ بالنسبة إلى ما لم يُعْلمْ حاله منها.
ونحن لا يصحُّ لنا أن نجْزمَ بمذهب إمام حَتَّى نعلم أنه آخرُ ما دوَّنه من تصانيفه ومات عنه، أو أنه نصَّ عليه ساعة موته، ولا سبيل لنا إلى ذلك في مذهب أحمد، والتصحيحُ الذي فيه، إنما هو من اجتهاد أصحابه بَعْدَهُ، كابن حامد، والقاضي وأصحابه، ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسي رحمة الله عليهم أجمعين، لكن هؤلاء بالغين ما بلغوا، لا يحصل الوثوقُ من تصحيحهم لمذهب أحمد، كما يَحْصُلُ من تصحيحه هو لمذهبه قطعاً، فمن فرضناه جاء بعد هؤلاء، وبلغ من العلم درجَتهم أو قاربهم، جاز له أن يتصرَّفَ في الأقوال المنقولة عن صاحب المذهب كتصرُّفهم، ويُصَحِّح منها ما أدَّى اجتهادُه إليه، وافقهم أو خالفهم، وعمل بذلك وأفتى، وفي عصرنا مِن هذا القبيل شيخُنا الإمامُ العالمُ العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني" (٢).
стр. 50
المبحث الرابع جهود علماء المذهب في تأصيل المذهب وتصحيحه
بذل علماء كل مذهب جهوداً كبيرة في تأصيل مذهب إمامهم وتقعيده وتصحيحه وسنعرض لهذه الجهود بشيء من التفصيل
المطلب الأول: جهودهم في فقه أقوال الإمام وتحديد مذهبه
درس أصحاب كل مذهب الثروة العلمية التي تركها إمام المذهب، واستخلصوا من أقواله ومروياته مذهبه في المسائل المختلفة.
وكلام الإمام في مسألة ما قد يكون صريحاً واضحاً لا تختلف العقول في فهمه، كأن ينص في مسألة على التحريم أو الوجوب أو الإباحة، فلا يختلف أصحابه وعلماء مذهبه في أن مذهبه في تلك المسألة هو ما نص عليه.
وقد يعبر تعبيراً تختلف العقول في تحديد مراده من كلامه، فإن بيَّن الإمام مراده من التعبيرات التي تختلف فيها الأنظار، فإنه يجب فقه كلامه على النحو الذي دلَّ عليه.
وقد بين الإمام مالك رحمه الله تعالى مراده من بعض ألفاظه التي عبر بها في كتابه الموطأ، فأغنانا بذلك عن الاجتهاد والاختلاف في تحديد مراده من تلك الألفاظ.
فقال مالك: "أما أكثر ما في الكتاب "فرأيي" فلعمري ما هو برأيي، ولكنه سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المهتدى بهم الذين أخذت عنهم، وهم الذين كانوا يتقون الله تعالى، فكثر عليَّ، فقلت: "رأيي"، وذلك رأيي إذ كان رأيهم رأي الصحابة الذين أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا على ذلك.
فهذا وراثة توارثناها قرنا عن قرن إلى زماننا، وما كان "رأيا" فهو رأي جماعة ممن تقدم من الأئمة، وما كان فيه "الأمر المجتمع عليه"، فهو ما
стр. 51
اجتمع عليه منْ قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه، وما قلت: "الأمر عندنا" فهو ما عمل به الناس، وجرت به الأحكام، وعرفه الجاهل، والعالم، وكذلك ما قُلتُ فيه: "ببلدنا"، وما قلت فيه: "بعض أهل العلم"، فهو شيء أستحسنه من قول العلماء. وأمّا ما لم أسمع منهم، فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته، حتى وقع ذلك موقع الحق أو قريباً منه، حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم، وإن لم أسمع ذلك بعينه فما نسبت الرأي إليَّ إلا بعد الاجتهاد مع السنة، وما مضى عليه عمل أهل العلم المقتدى بهم، والأمر المعمول عندنا به -منذ لدن- رسول الله ﷺ والأئمة الراشدين مع من لقيت، فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيره" (١).
ولكن الكثير الغالب عدم تحديد الإمام لمراده من تعبيراته التي تختلف العقول في فهمها، وهنا يختلف أصحابه وأتباع مذهبه في فقه كلامه، وتحديد مراده.
ولأضرب في هذا مثالاً بما ورد عن الإمام أحمد مما اختلف أصحابه وفقهاء مذهبه في فهم مراده منه.
فقد اختلفوا في قوله: "أكره، أو لا يعجبني، أو لا أحبه، أو لا أستحسنه، أو يفعل السائل كذا احتياطاً" فقال بعضهم: هذه التعبيرات تدل على التحريم، وقال آخرون تدل على التنزيه.
لماذا قال الإمام: "أحب كذا، أو يعجبني كذا، أو هذا أعجب إلي" فهو للندب على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير علماء المذهب، وقال بعض علماء الحنابلة هذه الألفاظ تفيد الوجوب. وإذا قال في مسألة: "أجبن عنه". قالوا: هذا يعني الجواز، وقيل: الكراهة.
وإذا قال: "أخشى، أو أخاف أن يكون، أو لا يكون" ظاهر في المنع.
وقيل هو كقوله: يجوز، أو لا يجوز. وقيل: بالوقف" (٢).
стр. 52
المطلب الثاني: جهودهم في تصحيح المذهب وتنقيحه
بذل العلماء الأعلام جهداً كبيراً في تصحيح المذاهب التي ينتسبون إليها وتنقيحها، وهذا ليس قصراً على مذاهب الأئمة الذين لم ينقل عن أئمتهم تصحيح مذاهبهم، فإن علماء المذهب الشافعي بذلوا جهوداً هائلة في تنقيح المذهب وتصحيحه، وجهود بقية العلماء في المذاهب الأخرى أعظم وأكثر.
والسرّ في ذلك أن العلماء في تحقيقهم المذهب وتصحيحه لا يقفون عند حدّ معرفة قول إمام المذهب، فإن معرفة الصحيح من مذهب الإمام واحد من مهمات متعددة لا بدَّ منها في تحقيق المذهب، إن كل مذهب من المذاهب يزخر بالعلماء المجتهدين الذين ينظرون في المسائل وأدلتها، وقد أشرنا من قبل كيف أن أصحاب الأئمة كانوا يفتون في المسائل بنظر مستقل، ولا يتقيدون بما بلغهم من فتاوى إمام مذهبهم، وقد كانت فتاويهم تذكر في كتب المذهب مع فتاوى إمامهم جنباً إلى جنب، فما ذكر الحنفية أقوال أبي حنيفة إلا وذكروا معها فتاوى أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن وغيرهم، وما ذكر الشافعية فتاوى الشافعي إلا وذكروا معها فتاوى البويطي والربيع المرادي والمزني، وهكذا الحال عند المالكية والحنابلة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل نبغ من بعد ذلك الرعيل علماء اجتهدوا في تصحيح المذهب فيما فيه قولان أو روايتان، فكان لكل عالم اختياره وترجيحه، ثم إن العلماء اجتهدوا في كل عصر في المسائل المستجدة التي لم يعرف فيه قول عن سابقي علماء المذهب، وقد تأهل للفتوى في كل عصر عدد كبير من العلماء في كل مذهب، كانوا على علم بمقاصد التشريع، كما كانوا على دراية بطرائق الاستدلال.
وحتى عندما جمد كثير من فقهاء المذاهب في العصور المتأخرة على أقوال سابقي علمائهم، بقي فيهم من يرجح قولا على قول، ورأياً على رأي، وبقي فيهم من ينبه على أخطاء من أخطأ في ذكر المعتمد للفتوى، وكانت
стр. 53
لعلماء المذاهب في هذا المجال جهود واسعة.
وقد ازدادت مهمة محققي المذاهب صعوبة وتعقيدا مع كثرة التأليف والاجتهادات في كل مذهب، فقد كثرت الأخطاء في تحقيق المذهب، والخطأ من طبيعة البشر، وألف في المذاهب من ليس بأهل للتأليف والفتوى، فتضاعفت الأخطاء، وقد نبه إلى هذا الخلل الذي وقع في المذاهب الفقهية المحققون في كل مذهب، ومن هؤلاء أبو شامة الشافعي المذهب، وفي ذلك يقول: "يختلف المصنفون من أصحابنا كثيراً فيما ينقلونه من نصوص الشافعي، وفيما يصححونه منها، وصارت لهم طرق مختلفة خراسانية وعراقية، فترى هؤلاء ينقلون عن إمامهم خلف ما ينقله هؤلاء، والمرجع في هذه كله إلى إمام واحد، وكتبه مدونه مروية موجودة، أفلا كانوا يرجعون إليها، وينقون تصانيفهم من كثرة اختلافهم عليها" (١).
ويقول النووي رحمه الله تعالى: "أكثر العلماء من أصحابنا الشافعيين وغيرهم من العلماء من التصنيف في الفروع من المبسوطات والمختصرات، وأودعوا فيها من الأحكام والقواعد والأدلة وغيرها من النفائس الجليلات، ما هو معلوم مشهور عند أهل العنايات، وكانت مصنفات أصحابنا ﵏ في نهاية من الكثرة فصارت منتشرات، مع ما هي عليه من الاختلاف في الاختيارات، فصار لا يحقق المذهب من أجل ذلك إلا أفراد من الموفقين الغواصين المطلعين أصحاب الهمم العاليات" (٢).
وقال النووي في المجموع: "اعلم أن كتب المذهب فيها اختلاف شديد بين الأصحاب، بحيث لا يحصل للمطالع وثوق بكون ما قاله مصنف منهم هو المذهب، حتى يطالع معظم كتب المذهب المشهورة" (٣).
стр. 54
وقال في موضع آخر: "لا يجوز لمفت على مذهب الشافعي إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنف ومصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين، لكثرة الاختلاف بينهم في الجزم والترجيح، لأن هذا المفتي المذكور إنما ينقل مذهب الشافعي ولا يحصل له وثوق بأن ما في المصنفين المذكورين ونحوهما هو مذهب الشافعي أو الراجح منه، لما فيها من الاختلاف، وهذا مما لا يتشكك فيه من له أدنى أنس بالمذهب، بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذ بالنسبة إلى الراجح في المذهب، ومخالف لما عليه الجمهور، وربما خالف نص الشافعي أو نصوصاً له" (١).
وقد تعرض ابن عابدين للخلل الذي وقع فيه المصنفون المتأخرون من الحنفية في حكاية المذهب فقال: "لا ثقة بما يفتي به أكثر أهل زماننا بمجرد مراجعة كتاب من الكتب المتأخرة، خصوصاً غير المحررة، كشرح النقاية للقهستاني، والدر المختار، والأشباه والنظائر، ونحوها، فإنها لشدة الاختصار والإيجاز كادت تلحق بالألغاز، مع ما اشتملت عليه من السقط في النقل في مواضع كثيرة، وترجيح ما هو خلاف الراجح، بل ترجيح ما هو مذهب الغير مما لم يقل به أحد من أهل المذهب" (٢).
ثم ذكر ابن عابدين أن بعض متأخري فقهاء الحنفية قد يقع في خطأ، فيتتابع الفقهاء في نقل ما أخطأ به من غير تبين ولا تحقيق، وفي ذلك يقول: "وقد يتفق نقل قول في نحو عشرين كتاباً من كتب المتأخرين، ويكون القول خطأ أخطأ به أول واضع له، فيأتي من بعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضهم عن بعض".
وقد مثل لهذه الأخطاء بأمثلة، سأكتفي بذكر أولها، وهي مسألة الاستئجار على تلاوة القرآن المجردة، "فقد وقع لصاحب السراج الوهاج والجوهرة شرح القدوري أنه قال بأن المفتي به صحة الاستئجار، وقد انقلب
стр. 55
عليه الأمر، فإن المفتى به صحة الاستئجار على تعليم القرآن، لا على تلاوته، ثم إن أكثر المصنفين الذين جاؤوا بعده تابعوه على ذلك ونقلوه، وهو خطأ صريح، بل كثير منهم قالوا: إن الفتوى على صحة الاستئجار على الطاعات، ويطلقون العبارة، ويقولون إنه مذهب المتأخرين، وبعضهم يفرع على ذلك صحة الاستئجار على الحج.
وهذا كله خطأ أصرح من الخطأ الأول، فقد اتفقت النقول عن أئمتنا الثلاثة: أبى حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن الاستئجار على الطاعات باطل، لكن جاء من بعدهم من المجتهدين الذين هم أهل التخريج والترجيح، فأفتوا بصحته على تعليم القرآن للضرورة، فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت، فلو لم يصح الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن، وفيه ضياع الدين لاحتياج المعلمين إلى الاكتساب، وأفتى من بعدهم أيضاً من أمثالهم بصحته على الأذان والإمامة، لأنهما من شعائر الدين، فصححوا الاستئجار عليهما للضرورة أيضاً فهذا ما أفتى به المتأخرون عن أبى حنيفة وأصحابه، لعلمهم بأن أبا حنيفة وأصحابه لو كانوا في عصرهم لقالوا بذلك، ورجعوا عن قولهم الأول.
وقد أطبقت المتون والشروح والفتاوى على نقلهم بطلان الاستئجار على الطاعات إلا فيما ذكر، وعللوا ذلك بالضرورة، وهي خوف ضياع الدين، وصرحوا بذلك التعليل، فكيف يصح أن يقال إن مذهب المتأخرين صحة الاستئجار على التلاوة المجردة مع عدم الضرورة المذكورة، فإنه لو مضى الدهر ولم يستأجر أحد أحدا على ذلك لم يحصل به ضرر، بل الضرر صار في الاستئجار عليه، حيث صار القرآن مكسباً وحرفة يتجر بها، وصار القارئ منهم لا يقرأ شيئاً لوجه الله تعالى خالصاً، بل لا يقرأ إلا للأجرة، وهو الرياء المحض الذي هو إرادة العمل لغير الله تعالى، فمن أين يحصل له الثواب الذي طلب المستأجر أن يهديه لميته" (١).
стр. 56
ومن الخلل الذي وقع فيه متأخرو الحنفية أنهم خلطوا ما أفتى به المتأخرون في كتب الفتاوى والنوازل والواقعات بمسائل ظاهر الرواية من غير تمييز بينها (١).
الطرق التي سلكها علماء كل مذهب في تحقيق المذهب
إحدى المعالم البارزة في الجهود التي بذلها علماء كل مذهب هو توجههم إلى تحقيق مذهب إمامهم، وقد بينا واحداً من الطرق التي تصحح المذاهب بها، وهو معرفة المتقدم والمتأخر من أقوال الإمام في المسألة الواحدة.
وسنذكر في هذا المبحث الخطوات التي اتبعها علماء كل مذهب نحو معرفة الصحيح من مذهب إمامهم:
١ - التأكد من صحة نسبة الأقوال والروايات لإمام المذهب.
إذا وجد عن الإمام في المسألة الواحدة أكثر من قول أو أكثر من رواية، فالواجب على العالم الفقيه أن يبحث عن صحة الأقوال والروايات، فإن كثيراً من الأقوال والروايات لا تصح نسبتها إلى الأئمة، وقد قيل: وما آفة الأخبار إلا رواتها.
فإذا وجد الباحث أنه لا تصح نسبة جميع الأقوال أو الروايات في المسألة إلى الإمام فهي روايات باطلة، والإمام في هذه الحال ليس له قول في المسألة، وإن وجد أن بعضها صحيح وبعضها باطل حكمنا بنسبة الصحيح إليه منها دون غيره، يقول الطوفي: "القولان المذكوران إمّا أن يكونا فاسدين أو أحدهما، أو صحيحين، فإن كانا فاسِديْن، أو أحدهما؛ فإمَّا أن يَعلم بالفساد أو لا، فإن علم بفسادهما، فالقولُ بهما حرام، إذ لا قول له في المسألة أصلاً إذ لا يسمع مِن قوله وقول غيره إلا الصحيحُ، دونَ الفاسد،
стр. 57
وكذلك إن كان الفاسدُ أحدَهما، وعلم به، "فلا قولين"، بل هو قولٌ واحد، وإن لم يعلم الفاسِدَ مِن قوليه، سواء كان الفاسِد أحدهما أو كلاهما "فليس عالمًا بِحُكم المسألةِ، فلا قولَ له فيها، فيلزمه التوقفُ أو التخيير"، وكل واحد من التوقف أو التخيير "قولٌ واحد لا قولين" (١).
٢ - التوفيق بين القولين.
إذا كان القولان صحيحين عن الإمام وأمكن الجمع بينهما، بأن يحمل عام كلامه على خاصه، ومطلقه على مقيده، فلا تعارض بين قوليه في مثل هذه الحال، وكل واحد من القولين هو مذهبه (٢).
٣ - ترجيح القول المتأخر.
إذا لم يمكن الجمع بين القولين، وعلم المتأخر منهما فإنه المذهب، لأن المتأخر ينسخ المتقدم، وقد مضى القول في ذلك.
٤ - الترجيح بموافقة أصول المذهب.
إذا كان القولان أو الروايتان عن الإمام صحيحتين، ولم يوجد عن الإمام ما يدل على اختياره، ولم يعلم المتقدم والمتأخر من القولين أو الروايتين، فإن كثيراً من العلماء يجعل مذهب الإمام هو القول الذي وافق أصوله.
يقول الزركشي: "يرجح أحد القولين على الآخر بأمور منها: أن تكون أصول مذهبه موافقة لأحد القولين دون الآخر، فيكون هو المذهب، قاله الماوردي" (٣).
стр. 58
٥ - توجيه المحققين إلى الراجح من المذهب.
عندما قل المجتهدون في المذاهب احتاج المحققون في كل مذهب إلى بيان الراجح والقوي في المذهب الذي عليه الفتوى، ولم يجيزوا لفقهاء المذهب الفتوى بغيره.
قال العلامة قاسم فيما حكاه عنه ابن عابدين: "لم يفقد المجتهدون حتى نظروا في المختلف فيه ورجحوا وصححوا، فعلينا اتباع الراجح والعمل به، كما لو أفتوا به في حياتهم" (١).
ومن قواعد الترجيح ترجيح ما في الكتب المعتمدة على غيرها.
ففي المذهب الحنفي إذا تعارض ما في المدونات الفقهية، فإنهم يوجهون المفتي إلى الإفتاء من الكتب المعتمدة في المذهب، ففي حاشية ابن عابدين: "إذا اختلف التصحيح والفتوى فالعمل بما في المتون أولى" (٢). فيقدمون ما فيها على ما في الفتاوى.
وحذر علماء الحنفية من الفتوى من الكتب الغريبة، والكتب المختصرة كالنهر والكنز والدر المختار أو من الكتب التي لم يطلع على حال مؤلفيها كشرح الكنز لملا مسكين (٣).
ولا شك أن ما في كتب ظاهر الرواية هو العمدة في المذهب الحنفي، وهي الكتب الستة لمحمد، أو الكتب التي جَمَعتْها واختصرتها ككتاب الكافي للحاكم الشهيد وشرحه للسرخسي.
ففي حاشية ابن عابدين: "أن ما خرج عن ظاهر الرواية فهو مرجوع عنه، والمرجوع عنه لم يبق قولاً للمجتهد" (٤).
стр. 59
وإذا اتفق أئمة المذهب على قول، فلا يجوز لمن بعدهم العدول عما أجمعوا عليه (١).
وقدم علماء المذهب قول أبي حنيفة عند الاختلاف على قول غيره من أئمة المذهب وعلمائه، ثم قول أبي يوسف، ثم قول محمد، ثم زفر والحسن ابن زياد (٢).
وفي حال اتفاق الإمام وصحابيه على قول يكون هذا القول في غاية القوة، وقد اختلف علماء الحنفية فيما إذا اتفق صاحبا أبي حنيفة على قول مخالفين إمام المذهب، فهل يرجح قوله أو قولهما؟ مسألة فيها نزاع (٣).
وكثير من فقهاء الحنفية يجعل الفتوى على قول أبى حنيفة في العبادات، وعلى قول أبى يوسف في القضاء، وعلى قول محمد في ذوي الأرحام، أي توريثهم (٤).
وعلماء الشافعية يلزمون من ليس أهلا للترجيح أن يرجح ما صححه الأكثر والأعلم والأورع، فإن تعارض الأعلم والأورع قدم الأعلم، فإن لم يجد ترجيحاً عن أحد اعتبر صفات الناقلين للقولين والقائلين للوجهين، فما رواه البويطي والربيع المرادي والمزني عن الشافعي مقدم عند أصحابنا على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة (٥).
وقد حدثنا الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي مصحح المذهب الحنبلي ومنقحه عن الطريقة التي سلكها في التعرف على المذهب فقال: "إن كان المذهب ظاهراً أو مشهوراً أو قد اختاره جمهور الأصحاب وجعلوه
стр. 60
منصوراً. فهذا لا إشكال فيه. وإن كان بعض الأصحاب يدعي أن المذهب خلافه.
وإن كان الترجيح مختلفاً بين الأصحاب في مسائل متجاذبة المأخذ، فالاعتماد في معرفة المذهب من ذلك على ما قاله المصنف، والمجد، والشارح، وصاحب الفروع، والقواعد الفقهية، والوجيز، والرعايتين، والنظم، والخلاصة، والشيخ تقي الدين (١)، وابن عبدوس في تذكرته. فإنهم هذبوا كلام المتقدمين، ومهدوا قواعد المذهب بيقين.
فإن اختلفوا فالمذهب: ما قدمه صاحب "الفروع" فيه، في معظم مسائله.
فإن أطلق الخلاف، أو كان من غير المعظم الذي قدمه، فالمذهب: ما اتفق عليه الشيخان -أعني المصنف والمجد- أو وافق أحدهما الآخر في أحد اختياريه.
وهذا ليس على إطلاقه، وإنما هو في الغالب. فإن اختلفا فالمذهب مع من وافقه صاحب القواعد الفقهية، أو الشيخ تقي الدين وإلا فالمصنف، لا سيما إن كان في الكافى، ثم المجد.
وقد قال العلامة ابن رجب في طبقاته في ترجمة ابن المنى: وأهل زماننا ومن قبلهم إنما يرجحون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: الموفق والمجد" انتهى.
فإن لم يكن لهما ولا لأحدهما في ذلك تصحيح، فصاحب القواعد الفقهية، ثم صاحب الوجيز، ثم صاحب الرعايتين. فإن اختلفا فالكبرى، ثم الناظم، ثم صاحب الخلاصة، ثم تذكرة ابن عبدوس، ثم من بعدهم، أذكر من قدم، أو صحيح، أو اختار، إذا ظفرت به. وهذا قليل جداً.
وهذا الذي قلنا من حيث الجملة، وفي الغالب، وإلا فهذا لا يطرد ألبتة.
стр. 61
بل قد يكون المذهب ما قاله أحدهم في مسألة، ويكون المذهب ما قاله الآخر في أخرى، وكذا غيرهم باعتبار النصوص والأدلة والموافق له من الأصحاب.
هذا ما يظهر لي من كلامهم، ويظهر لمن تتبع كلامهم وعرفه، وسننبه على بعض ذلك في أماكنه.
وقد قيل: إن المذهب -فيما إذا اختلف الترجيح- ما قاله الشيخان، ثم المصنف، ثم المجد، ثم الوجيز، ثم الرعايتين.
وقال بعضهم: إذا اختلفا في المحرر والمقنع فالمذهب ما قاله في الكافي (١). وبما قدمناه يظهر لك مدى المعاناة التي يتجشمها علماء كل مذهب في معرفة الراجح من المذهب، ولو اهتموا بالترجيح بقوة الدليل لكان أسهل عليهم من هذا العناء الطويل الذي قد لا يصلون فيه إلى مرداهم.
٦ - التوقف عند عدم القدرة على الترجيح:
إذا وجدنا عن أحد الأئمة في مسألة ما أكثر من قول، ولم نجد ما يدل على أن أحد هذه الأقوال مذهبه، ولم نعرف المتقدم من المتأخر منها، فلا يجوز بأن نجزم بأن واحدا منها مذهبه.
وإذا صرح الإمام في مسألة ما بأن فيها قولين، ولم يذكره أي هذين القولين مذهبه، فإن أطلق القولين، بأن قال: في هذه المسألة قولان، ولم يقل في فيها قولان، فيحمل قوله على أن لأهل العلم في هذه المسألة قولين، لا أن له هو فيها قولين (٢).
أما إذا صرح بنسبة القولين إليه، ولم يذكر أيهما مذهبه، فالصحيح أنه ليس له في هذه المسألة مذهب، وفي هذا يقول إمام الحرمين فيما نقله عنه
стр. 62
الزركشي: "وعندي أنه حيث نص على قولين في موضع واحد، فليس له فيها مذهب، وإنما ذكر القولين لتردده فيهما، وعدم اختياره لأحدهما" (١).
وأحسن ما يعتذر عن الإمام في مثل هذه الحال أنه تعارض عنده الدليلان، أي دليلا القولين في المسألة، فقال بمقتضاهما، أي أطلق القول لذلك على شريطة الترجيح (٢).
المطلب الثالث: التخير من الأقوال والوجوه بالتشهي والهوى
رأينا كيف كثرت الاجتهادات في كل مذهب وتعددت، وكيف أن المجتهدين في كل مذهب كانوا يفتون بما ترجح دليله عندهم، أما غيرهم فعليهم الفتوى بالراجح من المذهب.
وقد كثر في كل مذهب من يتخير من أقوال إمام المذهب وأقوال أصحابه وعلماء مذهبه بما يحب ويشتهي من غير مرجح، ولا عمل بالقول الراجح.
وقد سنن المحققون في كل مذهب حملة كبيرة على هذا الصنف من المنتسبين إلى المذاهب، ووسموهم باتباع الهوى والعمل بالدين بما يشتهون.
يقول ابن القيم: "إذا اعتدل عند المفتي قولان، ولم يترجح له أحدهما على الآخر. . . فالأظهر أنه يتوقف، ولا يفتيه بشيء، حتى يتبين له الراجح منهما، لأن أحدهما خطأ، فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب، وليس له أن يخيره بين الخطأ والصواب، وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمران خطأ وصواب، ولم يتبين له أحدهما، لم يكن له أن يقدم على أحدهما، ولا يخيره، وكما لو استشاره في أمر، فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح لم يكن له أن يشير بأحدهما ولا يخيره،
стр. 63
وكما لو تعارض عنده طريقان مهلكة وموصلة، ولم يتبين له طريق الصواب لم يكن له الإقدام ولا التخيير، فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف، والله أعلم" (١).
ويقول النووي رحمه الله تعالى: "ليس للمفتي، ولا للعامل المنتسب إلى مذهب الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة القولين أو الوجهين أن يعمل بما شاء منهما، بغير نظر، بل عليه في القولين العمل بآخرهما إن علمه، وإلا فبالذي رجحه الشافعي" (٢).
وقال ابن عابدين: "لا يجوز للمفتي أو العامل أن يفتي أو يعمل بما شاء من القولين أو الوجهين من غير نظر" (٣).
وعللوا ذلك أن الحكم بأحد القولين أو الوجهين من غير نظر اتباع للهوى، وهو حرام (٤).
وحكى ابن عابدين عن العلامة قاسم قوله: "إن الحكم بما هو مرجوح خلاف الإجماع، وأن المرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العلم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع" (٥).
وقد أدى إفتاء المفتي بما شاء من الأقوال من غير نظر إلى القول الراجح إلى التلاعب بدين الله، وفي ذلك يقول الشاطبي:
"صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال، اتباعاً لغرضه وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق، ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلاً عن زماننا، كما وجد فيه تتبع
стр. 64
رُخص المذاهب اتباعاً للغرض والشهوة" (١).
وضرب الشاطبي مثلاً بما حكاه عياض في المدارك قال موسى بن معاوية: "كنت عند البهلول ابن راشد إذ أتاه ابن فلان، فقال له بهلول: ما أقدمك؟ قال: نازلة، رجل حبسه السلطان فأخفيته، وحلفت بالطلاق ثلاثاً ما أخفيته، قال له البهلول: مالك يقول: إنه يحنث في زوجته، فقال السائل: وأنا قد سمعته يقوله، وإنما أردت غير هذا، فقال: ما عندي غير ما تسمع.
قال: فتردد إليه ثلاثاً كل ذلك يقول له البهلول قوله الأول، فلما كان في الثالثة أو الرابعة قال: يا ابن فلان ما أنصفتم الناس، إذا أتوكم في نوازلهم قلتم: قال مالك، قال مالك، فإن نزلت بكم النوازل طلبتم لها الرُّخص، الحسن يقول: لا حِنْثَ عليه في يمينه، فقال السائل: الله أكبر، قلدّها الحسن، أو كما قال" (٢).
وذكر الشاطبي أن أحمد بن عبد البر حكى أن قاضياً من قضاة قُرْطبة كان كثير الاتباع ليحيى بن يحيى، لا يعدل عن رأيه إذا اختلف عليه الفقهاء، فوقعت قضية تفرد فيها يحيى، وخالف جميع أهل الشورى، فأرجأ القاضي القضاء فيها حياء من جماعتهم، وردفته قضية أخرى كتب بها إلى يحيى، فصَرَفَ يحيى رسوله، وقال له: لا أشير عليه بشيء إذ توقف على القضاء لفلان بما أشرتُ عليه.
فلما انصرف إليه رسوله وعرفه بقوله قلق منه، وركب من فوره إلى يحيى، وقال له: لم أظن أن الأمر وقع منك هذا الموقع، وسوف أقضى له غداً إن شاء الله، فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقا؟ قال: نعم.
قال له: فالآن هيجت غيظي، فإني ظننت إذ خالفني أصحابي أنك توقفْت مستخيراً الله متخيراً في الأقوال، فأما إذ صرت تتبع الهوى، وتقضي برضا
стр. 65
مخلوق ضعيف، فلا خير فيما تجيء به، ولا في إن رضيته منك، فاستعف من ذلك فإنه أستر لك، وإلا رفعت في عزلك، فرفع يستعفي فعزل.
وقصة محمد بن يحيى بن لبابة أخي الشيخ ابن لبابة مشهورة، ذكرها عياض، وكانت مما غَضَّ من منصبه، وذلك أنه عزل عن قضاء ألبيرة لرفع أهلها عليه، ثم عزل عن الشورى لأشياء نقمت عليه، وسجل بسخطته للقاضي حبيب بن زياد، وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه بيته، وأن لا يفتي أحداً، فأقام على ذلك وقتاً.
ثم إن الناصر احتاج إلى شراء مجشر (١) من أحباس المرضَى بقرطبة بعدوة النهر، فشكا إلى القاضي ابن بقي أمره وضرورته إليه لمقابلته منزهه، وتأذيه برؤيتهم أوان تطلعه من علاليه، فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي فيه، وهو أولى أن يحاط بحرمة الحبس، فقال له: فتكلم مع الفقهاء فيه، وعرفهم رغبتي، وما أجزله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم أن يجدوا لي في ذلك رخصة، فتكلم ابن بقي معهم، فلم يجعلوا إليه سبيلاً، فغضب الناصر عليهم، وأمر الوزراء بالتوجُه فيهم إلى القصر وتوبيخهم، فجرت لكنهم وبين الوزراء مكالمة، ولم يصل الناصر معهم إلى مقصوده.
وبلغ ابن لبابة هذا الخبر، فرفع إلى الناصر يغض من أصحابه الفقهاء، ويقول: إنهم حجَّروا عليه واسعاً، ولو كان حاضر لأفتاه بجواز المعاوضة، وتقلدها وناظر أصحابه فيها، فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر لإعادة محمد ابن لبابة إلى الشورى على حالته الأولى، ثم أمر القاضي بإعادة المشورة في المسألة، فاجتمع القاضي والفقهاء، وجاء ابن لبابة آخرهم، وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التي جمعهم لأجلها ورغبة المعاوضة فيها، فقال جميعهم بقولهم الأول من المنع من تغيير الحبس عن وجهه، وابن لبابة ساكت، فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا أبا عبد الله؟
стр. 66
قال: أما قول إمامنا مالك بن أنس فالذي قاله أصحابنا الفقهاء، وأما أهل العراق فإنهم لا يجيزون الحبس أصلاً، وهم علماء أعلام يهتدي بهم أكثر الأمة، وإذا كان بأمير المؤمنين في الحاجة إلى هذا المجشر ما به فما ينبغي أن يردّ عنه، وله في السُّنة فسحة، وأنا أقول فيه يقول أهل العراق، وأتقلد ذلك رأياه.
فقال له الفقهاء: سبحان الله، تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا ومضوا عليه، واعتقدناه بعدهم، وأفتينا به لا نحيد عنه بوجه، وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأثمة آبائه؟
فقال لهم محمد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم، ألم تنزل بأحد منكم ملمة بلغت بكم أن أخذتم فيها يقول غير مالك في خاصة أنفسكم، وأرخصتم لأنفسكم، قالوا: بلى، قال: أمير المؤمنين أولى بذلك، فخذوا به مآخذكم، وتعلقوا يقول من يوافقه من العلماء، فكلهم قدوة فسكتوا.
فقال للقاضي: أنهِ إلى أمير المؤمنين فُتياي.
فكتب القاضي إلى أمير المؤمنين بصورة المجلس، وبقي مع أصحابه بمكانهم إلى أن أتى الجواب بأن يأخذ له بفتيا محمد بن يحيى بن لبابة، وينفذ ذلك، ويعوض المرضى من هذا المجشر بأملاك ثمينة عجيبة، وكانت عظيمة القدر جداً تزيد أضعافاً على المجشر (١).
إن هذا المنهج الذي ذكر له الشاطبي هذه الأمثلة مرفوض لا يقبل بحال، لأن مردّ الاختيار بين الأقوال إلى الهوى، وقد نهى رب العزة عن اتباع الهوى ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) ومتى رد المرء أموره إلى الهوى فإنه يكون قد اتخذ الهوى إلهاً معبوداً ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٣).
стр. 67
إلا أن الذي يلفت النظر في المسألة أن الفقهاء أتباع المذهب الواحد قلما يخلو واحد منهم من الأخذ بالقول المرجوح، وبقول غير إمام مذهبه في ملمة ألمت به في خاصة نفسه، وهذا يقودنا إلى أن التخير بين الأقوال والأخذ برخص المذاهب سببه في بعض الأحيان شعور أتباع المذهب بما يسببه الأخذ بالمذهب أو بالراجح فيه من حرج وعنت.
لقد تبين من خلال التطبيق أن في المعتمد من المذهب ما تضيق الحياة به، ولذا فإن الناس يتهربون من اتباع مذهبهم في تلك المسألة، ولكن علماء المذهب يأخذون بزمام الأمر، ويلزمون الناس باتباع المذهب، وقد استشرت هذه المشكلة، وكانت أحد أسباب الخروج عن الشريعة الإسلامية والأخذ بالقوانين الغربية.
إن في كل مذهب حق كثير وخير كثير، ولكن ليس كل ما فيه حق، ولا يحيط كل واحد من المذاهب بالأحكام الشريعة، فالكمال من خاصة الشريعة وحدها.
لقد كان الواجب على العلماء أن يستفيدوا من فقه جميع الأئمة وأصحابهم وأتباعهم، وما توصلوا إليه من علم، على أن تبقى دراسة الكتاب والسنة هي الأصل الذي تدور عليه الدراسة والفقه، وفى دائرتهما ينمو الفقه ويمتد، وفي ضوئهما تصوب الأخطاء، ويصحح المسار، ويتبين للعلماء أحكام ما يجد من النوازل والكائنات.
والقاعدة الذهبية في هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١)
стр. 68
المطلب الرابع: نماذج من جهود مصححي المذهب
نبغ في كل مذهب جملة من أهل العلم والتحقيق كان لهم دور كبير في تحقيق المذهب وتصحيحه، ومن الأعلام في هذا الباب الإمام النووي رحمه الله تعالى، وقد شرح المهذب لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، وهو من الكتب المعتمدة في مذهب الشافعية في كتابه المجموع، وقد حدثنا النووي في مقدمة المجموع عن الجهد الذي قام به في تصحيح المذهب فقال:
"واعلم أن كتب المذهب فيها اختلاف شديد بين الأصحاب، بحيث لا يحصل للمطالع وثوق بكون ما قاله مصنف منهم هو المذهب، حتى يطالع معظم كتب المذهب المشهورة، فلهذا لا أترك قولاً ولا وجهاً ولا نقلاً ولو كان ضعيفاً أو واهياً إلا ذكرته إذا وجدته إن شاء الله تعالى، مع بيان رجحان ما كان راجحاً، وتضعيف ما كان ضعيفاً، وتزييف ما كان زائفاً، والمبالغة في تغليط قائله، ولو كان من الأكابر، وإنما أقصد بذلك التحذير من الاغترار به.
وأحرص على تتبع كتب الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين إلى زماني من المبسوطات والمختصرات، وكذلك نصوص الإمام الشافعي صاحب المذهب ﵁، فأنقلها من نفس كتبه المتيسرة عندي، كالأم والمختصر والبويطي، وما نقله المفتون المعتمدون من الأصحاب، وكذلك أتتبع فتاوى الأصحاب، ومتفرقات كلامهم في الأصول والطبقات، وشروحهم للحديث وغيرها، وحيث أنقل حكماً أو قولاً أو وجهاً أو طريقاً أو لفظة لغة أو اسم رجل أو حاله أو ضبط لفظة أو غير ذلك وهو من المشهور اقتصر على ذكره من غير تعيين قائليه لكثرتهم، إلا أن أضطر إلى بيان قائليه لغرض مهم، فأذكر جماعة منهم، ثم أقول: وغيرهم، وحيث كان ما أنقله غريباً أضيفه إلى قائله في الغالب، وقد أذهل عنه في بعض المواطن؛ وحيث أقول: الذي عليه الجمهور كذا، أو الذي عليه المعظم، أو قال الجمهور أو المعظم أو الأكثرون كذا، ثم أنقل عن جماعة خلاف ذلك فهو كما أذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 69
ولا يهولنك كثرة من أذكره في بعض المواضع خلاف الجمهور، أو خلاف المشهور أو الأكثرين ونحو ذلك فإني إنما أترك تسمية الأكثرين لعظم كثرتهم، كراهة لزيادة التطويل" (١).
وذكر النووي أيضاً أنه بين في كتابه هذا: "ما ذكره الشيرازي وقد اتفق الأصحاب عليه، وما وافقه عليه الجمهور، وما انفرد به أو خالفه فيه المعظم. وهذا النوع قليل جداً، وأبين فيه ما أنكر على المصنف من الأحاديث والأسماء واللغات، والمسائل المشكلات مع جوابه إن كان من المرضيات، وكذلك أبين فيه جملاً مما أنكر على الإمام أبى إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني في مختصره، وعلى الإمام أبي حامد الغزالي في الوسيط، وعلى المصنف في التنبيه، مع الجواب عنه إن أمكن، فإن الحاجة إليها كالحاجة إلى المهذب، والتزم فيه بيان الراجح من القولين، والوجهين والطريقين، والأقوال والأوجه والطرق مما لم يذكره المصنف أو ذكره، ووافقوه عليه أو خالفوه" (٢).
ولم يكتف المؤلف بما سبق ذكره في تصحيح المذهب، بل عمد إلى الأدلة التي استدل بها صاحب المهذب فبين: "صحيحها وضعيفها، ومرفوعها وموقوفها، ومتصلها ومرسلها، ومنقطعها ومعضلها وموضوعها، ومشهورها وغريبها، وشاذها ومنكرها، ومقلوبها ومعللها ومدرجها، وغير ذلك من أقسامها".
ولم يقف عند هذا الحدّ، بل تجاوزه إلى عزو الأحاديث إلى مصادرها وفي هذا يقول: "وإذا كان الحديث في صحيحي البخاري ومسلم أو في أحدهما اقتصرت على إضافته إليهما، ولا أضيفه معهما إلى غيرهما إلا نادراً لغرض في بعض المواطن، لأن ما كان فيهما أو في أحدهما غني عن التقوية بالإضافة إلى ما سواهما، وأما ما ليس في واحد منهما فأضيفه إلى ما تيسر من كتب السنن وغيرهما، أو إلى بعضها؛ فإذا كان في سنن أبي داود
стр. 70
والترمذي والنسائى التي هي تمام أصول الإسلام الخمسة أو في بعضها اقتصرت أيضاً على إضافته إليها، وما خرج عنها أضيفه إلى ما تيسر إن شاء الله تعالى مبيناً صحته أو ضعفه، ومتى كان الحديث ضعيفاً بينت ضعفه، ونبهت على سبب ضعفه إن لم يطل الكلام بوصفه، وإذا كان الحديث الضعيف هو الذي احتج به المصنف أو هو الذي اعتمده أصحابنا صرحت بضعفه، ثم أذكر دليلاً للمذهب من الحديث إن وجدته، وإلا فمن القياس وغيره".
ولولا الإطالة لذكرت جهود محققي المذاهب الأخرى في تصحيح مذاهبهم، ومنهجهم الذي اتبعوه في ذلك، وقد أطال المرداوي محقق المذهب الحنبلي في بيان جهوده ومنهجه في تحقيق المذهب في مقدمة كتابه الإنصاف، وفي خاتمة كتابه، كما بين ابن عابدين مثل ذلك في تحقيقه المذهب الحنفي في كتابه القيم الموسوم بحاشية رد المختار على الدر المختار الشهير بحاشية ابن عابدين.
وفي فقه المالكية يمكنك الرجوع إلى المنهج الذي اتبعه القرافي في تحقيق المذهب في مقدمة كتابه الذخيرة.
المطلب الخامس: اجتهاد علماء المذهب
النوع الثالث من الجهود التي بذلها علماء كل مذهب هو اجتهادهم في معرفة الحق في المسائل التي تعرض عليهم، وبعض تلك المسائل القول فيها قديم، اختلف فيها أهل العلم من قبلهم، وقد يكون لإمامهم فيها قول أو أكثر من قول، فتراهم يجتهدون فيها، ويقررون فيها ما اقتضاه نظرهم في ضوء النصوص من الكتاب والسنة، ووفق القواعد والضوابط التي قعدت في علم الأصول، وهم في ذلك قد يوافقون قول إمامهم، وقد يخالفونه.
يقول الشاطبي في هذا اللون من الاجتهاد: "إلى هذا النوع يرجع الاجتهاد المنسوب إلى أصحاب الأئمة المجتهدين كابن القاسم وأشهب في مذهب مالك، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة،
стр. 71
والمزني والبويطي في مذهب الشافعي، فإنهم على ما حكى عنهم يأخذون أصول إمامهم وما بنى عليه في فهم ألفاظ الشريعة ويفرعون المسائل، ويصدرون الفتاوى على مقتضى ذلك، وقد قبل الناس أنظارهم وفتاويهم، وعملوا على مقتضاها، خالفت مذهب إمامهم أو وافقته.
وإنما كان ذلك كذلك لأنهم فهموا مقاصد الشرع في وضع الأحكام، ولولا ذلك لم يحلَّ لهم الإقدام على الاجتهاد والفتوى، ولا حلَّ لمن في زمانهم أو من بعدهم من العلماء أن يقرهم على ذلك، ولا يسكت عن الإنكار عليهم على الخصوص، فلما لم يكن شيء من ذلك دل على أن ما أقدموا عليه من ذلك كانوا خلقاء بالإقدام عليه فيه.
فالاجتهاد منهم وممن كان مثلهم وبلغ في فهم مقاصد الشريعة مبالغهم صحيح لا إشكال فيه، هذا على فرض أنهم لم يبلغوا في كلام العرب مبلغ المجتهدين، فأما إذا بلغوا تلك الرتبة فلا إشكال أيضاً في صحة اجتهادهم على الإطلاق، والله أعلم" (١).
المنهج الذي ينبغي لفقهاء كل مذهب اتباعه
وهذا النهج من الاجتهاد في طلب الحق هو المنهج الذي دلّ أئمة المذاهب أتباعهم عليه، فالأئمة أقاموا مذاهبم في ضوء النصوص من الكتاب والسنة، وقد نهوا من بعدهم عن متابعتهم فيما ذهبوا إليه من غير النظر في مأخذهم وأدلتهم، وحرموا على أتباعهم متابعتهم إذا ظهر لهم من النصوص ما يخالف أقوالهم، وطالبوا أتباعهم بترك أقوالهم إذا كانت النصوص على خلاف ما ذهبوا إليه.
وسار على هذا المنهج العلماء الأعلام في كل مذهب.
يقول الإمام أبو حنيفة فيما رواه عنه صاحبه أبو يوسف: "لا يحلُّ لأحد
стр. 72
أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه" (١)، قال الفلاني: "ومعنى قوله: من أين قلناه: أي ما لم يعلم دليل قولنا وحجته، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يبيح لغيره تقليده فيما يقول بغير دليل" (٢).
وقال الربيع بن سليمان: "سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنته، ودعوا ما قلت" (٣).
وقال الشافعي: "كل مسألة تكلمت فيها بخلاف السنة فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي" (٤).
وقال الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافقهما فاتركوه" (٥).
وقال الإمام أحمد: "من رد الحديث فهو على شفا هلكه" (٦).
وكثير من أتباع الأئمة في عصرهم تركوا مذهب إمامهم في المسائل التى بلغهم فيها عن الرسول ﷺ ما لم يبلغ أئمتهم، هذا الإمام أبو يوسف صاحب أبى حنيفة يسأل الإمام مالك عن صدقة الخضروات، فقال مالك: هذه مباقيل أهل المدينة، لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ﷺ ، ولا أبى بكر ولا عمر ﵄، يعني وهي تنبت الخضروات، فقال أبو يوسف: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي "يعني أبا حنيفة" ما رأيت، لرجع كما رجعت (٧).
стр. 73
كيف ينسب العلماء إلى مذهب إمام من الأئمة إذا خالفوه فيما ذهب إليه
قد يقال: إن انتساب العلماء إلى مذهب إمام من الأئمة يقضي بالتزام مذهبه فيما ذهب إليه، فإن خالفوه فإن مقتضى المخالفة عدم جواز صحة الانتساب إلى ذلك الإمام.
وقد أجاب على هذا الإشكال كثير من أهل العلم، منهم ابن بدران، وفي ذلك يقول: "لا يذهب بك الوهم مما قدمنا إلى أنَّ الذين اختاروا مذهب أحمد وقدموه على غيره من الأئمة، وهم من كبار أصحابه، أنهم اختاروا تقليده على غيره في الفروع، فإن مثل هؤلاء يأبى ذلك مسلكهم فى كتبهم ومصنفاتهم، بل المراد باختيار مذهبه إنما هو السلوك على طريقة أصوله في استنباط الأحكام، وإن شئت قل السلوك في طريق الاجتهاد مسلكه دون مسلك غيره، وأمَّا التقليد فى الفروع، فإنَّه يترفع عنه كل من له ذكاء وفطنة وقدرة على تأليف الدليل ومعرفته، وما التقليد إلا للضعفاء الجامدين الذين لا يفرقون بين الغث والسمين" (١).
وما ذكره ابن بدران فيما نقلناه عنه ليس صحيحاً على إطلاقه فإن من مجتهدي المذهب من خالف إمامه في أصوله التي بنى استدلاله عليها.
يقول ابن عابدين: "المسائل التي قال بها أبو يوسف ونحوه من أصحاب الإمام كثير منها مبني على قواعد لهم خالفوا فيها قواعد الإمام، لأنهم لم يلتزموا قواعده كلها، كما يعرفه من له معرفة بكتب الأصول" (٢).
بل إن كثيراً من الأصول الثانوية المنسوبة إلى كل إمام من الأئمة لم يُنَصَّ
стр. 74
على أغلبها من قبل أئمة المذاهب، ولكنها مستخرجة ومستنبطة من كلام الأئمة، ومن هذه الأصول عند الحنفية: العام قطعي الدلالة كالخاص، ومذهب الصحابي على خلاف العموم مخصص له، والخاص مبين، ولا يلحقه البيان، والزيادة على النص نسخ، "فأمثال هذه القواعد لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة، ولا عن صاحبيه، وإنما أخذها البزدوي وأمثاله بالاستقراء، وليست المحافظة عليها، والجواب عن كل ما يرد عليها، مما يخالفها من فقه متقدميهم، بأولى من المحافظة على أضدادها، والمحافظة عما يرد على تلك الأضداد، وعلى نمطها ألف القرافي قواعده في المذهب المالكي، وعياض، والمقري، وأمثالهم.
وهكذا في مذهب الشافعية والحنابلة ألف أصحابهما على هذا النمط بيان الأصول التي عليها مبنى جلّ المسائل، أخذوها من صنيع الإمام وأصحابه في استنباطهم" (١).
المطلب السادس: القياس على قول الإمام
من ألوان الاجتهاد المذهبي التي سلكها بعض العلماء في كل مذهب القياس على قول الإمام، فإذا وجد عن الإمام قول في مسألة، ثم عرضت مسألة ليس للإمام قول فيها، فهل يجوز أن نقيس ما لم ينص عليه على المنصوص عليه لشبه المسألة الثانية بالأولى؟ وهل نعدُّ في هذه الحال الحكم في المسألة المقيسة مذهباً للإمام؟
اختلف العلماء في هذه المسألة فقد سئل ابن عرفة المالكي: "هل يقال في أقوال الأصحاب إنها من مذهب الإمام؟! فأجاب: "إن كان المستخرج لها عارفا بقواعد إمامه، وأحسن مراعاتها، صح نسبتها للإمام، وجعلها من
стр. 75
مذهبه، وإلا نسبت لقائلها" (١).
ورجح ابن قدامة في روضة الناظر والطوفي في مختصر الروضة جواز ذلك، أي جواز نقل حكم المنصوص عليه إلى المسكوت عنه، وجواز نقل حكم المسألتين المشتبهتين المنصوص على حكمهما إلى الأخرى، ولكنهما اشترطا أن يكون ذلك بعد الجد والبحث إذا كان القائس من أهل النظر والبحث ممن تدرب في النظر وعرف مدارك الأحكام ومأخذها، لأن خفاء الفرق بين المسألتين في هذه الحال ممتنع في العادة (٢).
وممن أجاز ذلك القاضي من الشافعية، ونص كلامه: "يجوز له أن يقيس على نصوص غيره، فينقل من مذهبه، كما يقاس على نص الشارع" (٣).
وذكر الطوفي أن النقل والتخريج وقع في مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية (٤).
وقال الشيخ عبد الحليم والد شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقله عنه ابن بدران: اختلف أصحابنا في إضافة المذهب إليه من جهة القياس على قوله، فذهب الخلال وأبو بكر عبد العزيز إلى أنه لا يجوز ذلك، ونصره الحلواني، وذهب الأثرم والخرقي وابن حامد إلى جواز ذلك.
وقال الشيخ مجد الدين ابن تيمية: "إذا نص الإمام على مسألة، وكانت الأخرى تشبهها شبها يجوز أن يخفى على مجتهد، لم يجز أن تجعل الأخرى مذهبه بذلك، هذا هو قول أبي الخطاب، فأما ما لا يخفى على بعض المجتهدين، فلا يفرق الإمام بينهما، وهذا في ظاهره متناقض، فيحمل على