والمزني والبويطي في مذهب الشافعي، فإنهم على ما حكى عنهم يأخذون أصول إمامهم وما بنى عليه في فهم ألفاظ الشريعة ويفرعون المسائل، ويصدرون الفتاوى على مقتضى ذلك، وقد قبل الناس أنظارهم وفتاويهم، وعملوا على مقتضاها، خالفت مذهب إمامهم أو وافقته.
وإنما كان ذلك كذلك لأنهم فهموا مقاصد الشرع في وضع الأحكام، ولولا ذلك لم يحلَّ لهم الإقدام على الاجتهاد والفتوى، ولا حلَّ لمن في زمانهم أو من بعدهم من العلماء أن يقرهم على ذلك، ولا يسكت عن الإنكار عليهم على الخصوص، فلما لم يكن شيء من ذلك دل على أن ما أقدموا عليه من ذلك كانوا خلقاء بالإقدام عليه فيه.
فالاجتهاد منهم وممن كان مثلهم وبلغ في فهم مقاصد الشريعة مبالغهم صحيح لا إشكال فيه، هذا على فرض أنهم لم يبلغوا في كلام العرب مبلغ المجتهدين، فأما إذا بلغوا تلك الرتبة فلا إشكال أيضاً في صحة اجتهادهم على الإطلاق، والله أعلم" (١).
المنهج الذي ينبغي لفقهاء كل مذهب اتباعه
وهذا النهج من الاجتهاد في طلب الحق هو المنهج الذي دلّ أئمة المذاهب أتباعهم عليه، فالأئمة أقاموا مذاهبم في ضوء النصوص من الكتاب والسنة، وقد نهوا من بعدهم عن متابعتهم فيما ذهبوا إليه من غير النظر في مأخذهم وأدلتهم، وحرموا على أتباعهم متابعتهم إذا ظهر لهم من النصوص ما يخالف أقوالهم، وطالبوا أتباعهم بترك أقوالهم إذا كانت النصوص على خلاف ما ذهبوا إليه.
وسار على هذا المنهج العلماء الأعلام في كل مذهب.
يقول الإمام أبو حنيفة فيما رواه عنه صاحبه أبو يوسف: "لا يحلُّ لأحد
стр. 72
أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه" (١)، قال الفلاني: "ومعنى قوله: من أين قلناه: أي ما لم يعلم دليل قولنا وحجته، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يبيح لغيره تقليده فيما يقول بغير دليل" (٢).
وقال الربيع بن سليمان: "سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنته، ودعوا ما قلت" (٣).
وقال الشافعي: "كل مسألة تكلمت فيها بخلاف السنة فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي" (٤).
وقال الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافقهما فاتركوه" (٥).
وقال الإمام أحمد: "من رد الحديث فهو على شفا هلكه" (٦).
وكثير من أتباع الأئمة في عصرهم تركوا مذهب إمامهم في المسائل التى بلغهم فيها عن الرسول ﷺ ما لم يبلغ أئمتهم، هذا الإمام أبو يوسف صاحب أبى حنيفة يسأل الإمام مالك عن صدقة الخضروات، فقال مالك: هذه مباقيل أهل المدينة، لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ﷺ ، ولا أبى بكر ولا عمر ﵄، يعني وهي تنبت الخضروات، فقال أبو يوسف: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي "يعني أبا حنيفة" ما رأيت، لرجع كما رجعت (٧).
стр. 73
كيف ينسب العلماء إلى مذهب إمام من الأئمة إذا خالفوه فيما ذهب إليه
قد يقال: إن انتساب العلماء إلى مذهب إمام من الأئمة يقضي بالتزام مذهبه فيما ذهب إليه، فإن خالفوه فإن مقتضى المخالفة عدم جواز صحة الانتساب إلى ذلك الإمام.
وقد أجاب على هذا الإشكال كثير من أهل العلم، منهم ابن بدران، وفي ذلك يقول: "لا يذهب بك الوهم مما قدمنا إلى أنَّ الذين اختاروا مذهب أحمد وقدموه على غيره من الأئمة، وهم من كبار أصحابه، أنهم اختاروا تقليده على غيره في الفروع، فإن مثل هؤلاء يأبى ذلك مسلكهم فى كتبهم ومصنفاتهم، بل المراد باختيار مذهبه إنما هو السلوك على طريقة أصوله في استنباط الأحكام، وإن شئت قل السلوك في طريق الاجتهاد مسلكه دون مسلك غيره، وأمَّا التقليد فى الفروع، فإنَّه يترفع عنه كل من له ذكاء وفطنة وقدرة على تأليف الدليل ومعرفته، وما التقليد إلا للضعفاء الجامدين الذين لا يفرقون بين الغث والسمين" (١).
وما ذكره ابن بدران فيما نقلناه عنه ليس صحيحاً على إطلاقه فإن من مجتهدي المذهب من خالف إمامه في أصوله التي بنى استدلاله عليها.
يقول ابن عابدين: "المسائل التي قال بها أبو يوسف ونحوه من أصحاب الإمام كثير منها مبني على قواعد لهم خالفوا فيها قواعد الإمام، لأنهم لم يلتزموا قواعده كلها، كما يعرفه من له معرفة بكتب الأصول" (٢).
بل إن كثيراً من الأصول الثانوية المنسوبة إلى كل إمام من الأئمة لم يُنَصَّ
стр. 74
على أغلبها من قبل أئمة المذاهب، ولكنها مستخرجة ومستنبطة من كلام الأئمة، ومن هذه الأصول عند الحنفية: العام قطعي الدلالة كالخاص، ومذهب الصحابي على خلاف العموم مخصص له، والخاص مبين، ولا يلحقه البيان، والزيادة على النص نسخ، "فأمثال هذه القواعد لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة، ولا عن صاحبيه، وإنما أخذها البزدوي وأمثاله بالاستقراء، وليست المحافظة عليها، والجواب عن كل ما يرد عليها، مما يخالفها من فقه متقدميهم، بأولى من المحافظة على أضدادها، والمحافظة عما يرد على تلك الأضداد، وعلى نمطها ألف القرافي قواعده في المذهب المالكي، وعياض، والمقري، وأمثالهم.
وهكذا في مذهب الشافعية والحنابلة ألف أصحابهما على هذا النمط بيان الأصول التي عليها مبنى جلّ المسائل، أخذوها من صنيع الإمام وأصحابه في استنباطهم" (١).
المطلب السادس: القياس على قول الإمام
من ألوان الاجتهاد المذهبي التي سلكها بعض العلماء في كل مذهب القياس على قول الإمام، فإذا وجد عن الإمام قول في مسألة، ثم عرضت مسألة ليس للإمام قول فيها، فهل يجوز أن نقيس ما لم ينص عليه على المنصوص عليه لشبه المسألة الثانية بالأولى؟ وهل نعدُّ في هذه الحال الحكم في المسألة المقيسة مذهباً للإمام؟
اختلف العلماء في هذه المسألة فقد سئل ابن عرفة المالكي: "هل يقال في أقوال الأصحاب إنها من مذهب الإمام؟! فأجاب: "إن كان المستخرج لها عارفا بقواعد إمامه، وأحسن مراعاتها، صح نسبتها للإمام، وجعلها من
стр. 75
مذهبه، وإلا نسبت لقائلها" (١).
ورجح ابن قدامة في روضة الناظر والطوفي في مختصر الروضة جواز ذلك، أي جواز نقل حكم المنصوص عليه إلى المسكوت عنه، وجواز نقل حكم المسألتين المشتبهتين المنصوص على حكمهما إلى الأخرى، ولكنهما اشترطا أن يكون ذلك بعد الجد والبحث إذا كان القائس من أهل النظر والبحث ممن تدرب في النظر وعرف مدارك الأحكام ومأخذها، لأن خفاء الفرق بين المسألتين في هذه الحال ممتنع في العادة (٢).
وممن أجاز ذلك القاضي من الشافعية، ونص كلامه: "يجوز له أن يقيس على نصوص غيره، فينقل من مذهبه، كما يقاس على نص الشارع" (٣).
وذكر الطوفي أن النقل والتخريج وقع في مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية (٤).
وقال الشيخ عبد الحليم والد شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقله عنه ابن بدران: اختلف أصحابنا في إضافة المذهب إليه من جهة القياس على قوله، فذهب الخلال وأبو بكر عبد العزيز إلى أنه لا يجوز ذلك، ونصره الحلواني، وذهب الأثرم والخرقي وابن حامد إلى جواز ذلك.
وقال الشيخ مجد الدين ابن تيمية: "إذا نص الإمام على مسألة، وكانت الأخرى تشبهها شبها يجوز أن يخفى على مجتهد، لم يجز أن تجعل الأخرى مذهبه بذلك، هذا هو قول أبي الخطاب، فأما ما لا يخفى على بعض المجتهدين، فلا يفرق الإمام بينهما، وهذا في ظاهره متناقض، فيحمل على
стр. 76
مسألتين يتردد فيهما هل هما مما يخفى الشبه بينهما على بعض المجتهدين أو لا يخفى".
وقد ذكر المجد ابن تيمية في المسألة بعد هذه: أنه لو قال: الشفعة لجار الدار، ولا شفعة في الدكان، فلا ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى، فأما إذا لم يصرح في الأخرى بحكم، فالظاهر حملها على نظيرها، وهذا يقتضي القياس على قوله إذا لم يصرح بالمعرفة، وإنما تكون هذه فيما يخفى على بعض المجتهدين، وإذا لم يصرح في الأخرى بحكم، فالظاهر حملها على نظيرتها.
وقال ابن حمدان: ما قيس على كلامه فهو مذهبه، وقيل: لا، وقيل: إن جاز تخصيص العلة، وإلا فهو مذهبه، وقال أيضا: إن نص عليها أو أومأ إليها، أو علل الأصل بها، فهو مذهبه، وإلا فلا، إلا أن تشهد أقواله أو أفعاله أو أحواله للعلة المستنبطة بالصحة والتعيين.
قال ابن حمدان: فعلى قوله: إن ما قيس على كلامه مذهبه. وقال أيضا: إن أفتى في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين جاز نقل الحكم وتخريجه من كل واحدة إلى الأخرى. وقيل: لا يجوز كما لو فرق هو بينهما، أو قرب الزمن، واختار أيضا إنْ علم التاريخ ولم يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له جاز نقل الثانية إلى الأولى في الأقيس ولا عكس، إلا أن يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهباً له مع معرفة التاريخ، وإن جهل التاريخ جاز نقل أقربهما من كتاب أو سنة أو إجماع أو أثر أو قواعد الإمام ونحو ذلك إلى الأخرى في الأقيس، ولا عكس إلا أن يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهباً له مع معرفة التاريخ أولى لجواز كونها الأخيرة دون الراجحة (١).
وبين شيخ الإسلام ابن تيمية: أن "النقل نوعان: أحدهما: أن ينقل ما
стр. 77
سمع أو رأى، والثاني: ما ينقل باجتهاد واستنباط.
وقول القائل: مذهب فلان كذا، أو مذهب أهل السنة كذا، قد يكون نسب إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله، وإن لم يكن فلان قال ذلك، ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرا، ألا ترى أن كثيرا من المصنفين يقولون: مذهب الشافعي أو غيره كذا، ويكون منصوصه بخلافه، وعذرهم في ذلك أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول، فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط، لا من جهة النص" (١).
تحقيق القول في المسألة:
نقلت في الفقرة السابقة أقوال العلماء واختلافهم في القياس على قول إمام المذهب، وجعل الحكم في المسألة المقيسة مذهباً للإمام، ومن خلال النظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما ورد عنهم فيها، تبين في التفصيل التالي:
١ - إذا نص الإمام على حكم في مسألة، وبين علة الحكم ما هي، ثمَّ وجد أصحابه وعلماء مذهبه تلك العلة في مسائل أخر، فمذهبه في تلك المسائل كمذهبه في المسألة المنصوص عليها، لأنَّ الحكم يتبع علته، فيوجد حيث وجدت (٢).
وقد مثل الشيخ محمد الأمن الشنقيطي لهذا بإيجاب المالكية الزكاة في التين، مع أنَّ مالكاً لم يذكر في التين زكاة، وإنما ألحقوا التين بالثمار التي يجب فيها الزكاة، لأنَّ علة الزكاة في الثمار عند مالك هي: "الاقتيات والادخار".
فلما كان الاقتيات والادخار موجوداً في التين جعل بعض أصحاب مالك الزكاة فيه كالزبيب بمقتضى علته المذكورة، ولذا قال ابن عبد البر: أظن مالكاً
стр. 78
ما كان يعلم أن التين ييبس ويقتات ويدخر، ولو كان يعلم ذلك لجعله كالزبيب، ولما عدّه مع الفواكة التي لا تيبس، ولا تدخر كالرمان والفرسك (١).
٢ - ومن القياس الصحيح الذي يصح أن يجعل الحكم فيه منسوباً إلى الإمام جواب الإمام بأصل يندرج تحته مسائل، خرج جوابه على بعضها، فإنه يجوز أن ينسب إليه بقية المسائل بطريق القياس.
أما أن يقاس على مسائل لا شبه لها في أصوله، ولا يوجد عنه أصل منصوص عليه يبنى عليه. فغير جائز (٢).
٣ - إذا علم أن دين المسألة المنصوصة وغير المنصوصة فرقاً لم يجز القياس، يقول الزركشي:
"ولا يجوز التخريج حيث أمكن الفرق، كما قال ابن كج لا يجوز على الصحيح، ثم لا يجوز أن ينسب للشافعي ما يتخرّج على قوله فيجعل قولاً له على الأصح، بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب، ولاحتمال أن يكون بينهما فرق فلا يضاف إليه مع قياس الاحتمال" (٣).
ومما يدلُّ على عدم الجواز أن الفرق بين المسألتين قد يكون خفياً، فما يدرينا أن الإمام لو عرضت عليه المسألتان لا يجد فرقاً بينهما، وقد رأينا من أهل العلم والاجتهاد من تعرض عليه مسألتان مشتبهتان فلا يجد فرقاً بينهما، وتعرضان على آخر، فيجد بينهما فرقاً.
ومن الأمثلة على ذلك: "ما نص عليه الإمام أحمد أن الرجل إذا شهد الجنازة، فرأى فيها منكراً لا يقدر على إزالته أنه لا يرجع، ونص على أنه إذا دعي إلى وليمة عُرس، فرأى فيها منكراً لا يقدر على إزالته أنه يرجع، وقد
стр. 79
سأل ابن القيم شيخه ابن تيمية عن الفرق بينهما، فاستنتج فرقاً لطيفاً، فقال: لأن الحق في الجنازة للميت، فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر، والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه من الإجابة" (١).
٤ - فإن لم ينص الإمام على العلة، ولم يعرف الفرق، فالذي يترجح لديَّ أنه لا يجوز القياس، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قولاً جعله العلماء قاعدة، قال "لا ينسب لساكت قول" (٢).
٥ - وإذا نصَّ إمام المذهب على مسألتين بحكمين مختلفين لم يجز أن ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى، ويخرجه قولا له فيها، فيصير له فيها قولان، بل هذا أولى بالمنع، لأنه إذا لم يجز نقل حكم المنصوص عليه إلى المسكوت عنه الذي لم ينص عليه بنفي ولا إثبات، فأولى أن لا ينقله إلى منصوص عليه بنقيض الحكم، لأنا في الأول نكون قولناه ما لم يقله مع أنه لو قال في المسألة المسكوت عنها لجاز أن يقول كما قوّلناه فيها، وفي الثانية قولناه نقيض ما قال، فلا يتصور موافقته لنا فيها الآن بحال (٣).
وقد ذكر المرداوي أن صحيح مذهب الحنابلة أن هذا النوع من التخريج لا يعد مذهباً للإمام، وإنما يكون القول المخرج وجهاً لمن خرجه (٤).
٦ - رام بعض الفقهاء أن يقيس على مفهوم قول الإمام، وفعله، وتقريره، وخالفهم في هذا غيرهم، والحق أن ما لم ينص عليه الإمام لا يجوز أن يقاس عليه بحال.
стр. 80
المبحث الخامس المصطلحات التي تحكي المذهب والاختلاف فيه وتبين قوة الاختلاف وضعفه
هناك مصطلحات يطلقها الفقهاء في كل مذهب، ولا بد لطالب العلم من التعرف على هذه المصطلحات، حتى يفقه عن فقهاء المذهب مرادهم، وحتى لا يقع في الخطأ لعدم معرفته بمصطلحات المذهب التي يعبرون بها عن مذاهبهم، وليس مرادنا في هذا المبحث أن نعرض لكل المصطلحات في المذاهب المختلفة، وإنما مرادنا ذكر المصطلحات التي يستعملها الفقهاء لذكر المذهب أو التي تبين الراجح منه والمشهور أو التي تحكي اجتهادات فقهاء المذهب، وتبين القوي والضعيف من ذلك كله.
وهذه المصطلحات متقاربة في المذاهب كلها، والسبب في ذلك أنهم لم ينقلوها عن معانيها المرادة بها لغة إلى معنى اصطلاحي خاص بل قصدوا منها معانيها اللغوية.
وسنعرض لأهم هذه المصطلحات، فمن ذلك:
١ - النص:
يرد في كتب المذاهب قولهم: نص عليه، أو المنصوص عليه، ومرادهم من ذلك أن إمام المذهب نص على هذا القول بعبارة صريحة واضحة، ومعنى النص أو المنصوص عليه الصريح في معناه (١).
٢ - الأقوال والروايات:
يريدون بالأقوال والروايات ما صدر عن إمام المذهب من اجتهادات، وقد يكون للإمام في المسألة قول واحد، أو قولان، أو أكثر من ذلك.
وأقوال الإمام تؤخذ من مروياته وفتاويه وأماليه وتأليفه.
стр. 81
ومما ينبغي أن ينبه إليه أن فقهاء الشافعية يستعملون الأقوال بينما يستعمل فقهاء المذاهب الأخرى: الروايات، والسر في ذلك أن الشافعي دون غالب فقهه بنفسه، بينما أئمة المذاهب الآخرون روي عنهم فقههم بطريق النقل (١).
٣ - الوجوه:
الوجوه: هي الآراء التي استنبطها أصحاب الشافعي المنتسبون إليه من الأصول العامة للمذهب بتخريجها على ضوء القواعد التي رسمها لهم الإمام الشافعي، وبعبارة أخرى هي: ما أدى إليه اجتهادهم على ضوء قواعد المذهب، ولا يخرج عن نطاق المذهب (٢).
ويقول النووي: "الأوجه لأصحاب الشافعي المنتسبين إلى مذهبه، يخرجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها، وإن لم يأخذوه من أصله" (٣).
وليس هذا التعريف للوجوه قصراً على مذهب الشافعي، بل عام في المذاهب كلها، وفي ذلك يقول محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي: "الوجه في اصطلاح الفقهاء: الحكم المنقول في المسألة لبعض أصحاب الإمام المجتهدين فيه، ممن رآه فمن بعدهم، جارياً على قواعد الإمام، فيقال: وجه في مذهب أحمد، والإمام الشافعي، أو نحوهما، وربما كان مخالفاً لقواعد الإمام إذا عضده الدليل" (٤).
وخلاصة القول أن الأقوال والروايات هي لإمام المذهب، والأوجه لأصحاب الإمام (٥).
стр. 82
٤ - الطرق:
" الطرق -كما يقول النووي- اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم مثلاً في المسألة قولان، أو وجهان، ويقول الآخر: لا يجوز قولا واحداً، أو وجهاً واحداً، أو يقول أحدهما: في المسألة تفصيل، ويقول الآخر فيها خلاف مطلق.
وقد يستعملون الوجهين في موضع الطريقين وعكسه" (١).
٥ - المذهب:
يريد فقهاء المذهب بالمذهب القول الراجح المفتى به عندهم، وقد يكون قول الإمام أو قول أصحابه (٢).
٦ - التخريج:
بحثنا هذا الموضوع في المبحث السابق، وهو القياس على قول الإمام، والمراد بالتخريج: بناء فرع على أصل بجامع مشترك، وقد يكون التخريج من القواعد الكلية للإمام، أو الشرع، أو العقل.
يقول الطوفي: التخريج يكونُ من القواعد الكلية للإمام، أو الشرع، أو العقل، لأن حاصله أنه بناءُ فرع على أصل بجامع مشترك، كتخريجنا على قاعدة تفريق الصفقة فروعاً كثيرة، وعلى قاعدة تكليف ما لا يُطاق أيضاً فروعاً كثيرة في أصول الفقه وفروعه، كما ذكرنا في غير هذا الكتاب (٣).
الفرق بين التخريج وبن النقل والتخريج:
كثيراً ما يقع في كلام الفقهاء: في هذه المسألة قولان بالنقل والتخريج،
стр. 83
ويقولون أيضاً: يتخرَّج أن لكون كذا، وتتخرج هذه المسألة على مسألة كذا، أو في هذه المسألة تخريج، فيقال: ما الفرق بين التخريج، وبين النقل والتخريج؟
والجواب: أن النقل والتخريج يكون من نصِّ الإمام بأن ينقل عن محل إلى غيره بالجامع المشترك (بين محلين) والتخريج يكونُ من قواعده الكلية.
مثاله: قولنا: لا يصح التيمم لفرض قبل وقته، ولا لنفل في وقت المنع منه، ويبطلُ التيممُ بخروج الوقت، ولا يصلي به حتى يحدث، ويتخرج خلاف ذلك كله بناءً على أن التيمم يرفعُ الحدثَ؛ وهو قاعدة (من قواعد) التيمم، وإن كان مرجوعاً عنه عندنا، وقولنا: إذا وجد المتيممُ الماء في الصلاة خرج فتطهر وابتدأها، ويتخرجُ أن يتطهر ويبني بناء على من سبقهُ الحدثُ في الصلاة هل يستأنف أو يبني.
وقولنا: من أتلف لذمي خمراً أو خنزيراً، لم يضمنه، ويتخرجُ أن يضمن الذمي خمر الذمي بناءً على أنها مال لهم (١).
ويقول الشربيني معرفاً النقل والتخريج: "التخريج أن يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولم يظهر ما يصلح للفرق بينهما، فينقل الأصحاب جوابه في كل صورة إلى الأخرى، فيحصل في كل صورة منهما قولان: منصوص ومخرج، المنصوص في هذه المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، فيقال: فيهما قولان بالنقل والتخريج.
والغالب في مثل هذا عدم إطباق الأصحاب على التخريج، بل منهم من يخرج، ومنهم من يبدي فرقاً بين الصورتين" (٢).
стр. 84
وعلى ذلك فإن التخريج أعم من النقل والتخريج، لأن التخريج يكون من القواعد الكلية.
وأما النقلُ والتخريج، فهو مختصُّ بنصوص الإمام (١).
٧ - الصحيح والضعيف والأصح والأظهر والأقوى ونحو ذلك:
يستعمل الفقهاء في كل مذهب ألفاظاً كثيرة تحكي الخلاف في المذهب، وتبين الصحيح والضعيف فيه، أو ما هو أصح وأظهر.
وهذه الألفاظ علامات تدل المفتي على ما يفتي به، ولذا فإن علماء الحنفية يسمونها برسم المفتي.
وقد وضعت هذه الألفاظ لأهل التقليد من أتباع المذهب بعد أنَّ قل المجتهدون، وكثر المقلدون، واحتاجوا في فتاويهم أن يفتوا بالقول الصحيح أو الراجح الذي عليه الفتوى في كل مذهب من المذاهب (٢).
ومن هذه الألفاظ قولهم في حكاية الاختلاف: فيه قولان، أو روايتان، أو وجهان، ويريدون بمثل ذلك حكاية الخلاف فحسب، وليس مرادهم الترجيح بهذه الألفاظ (٣).
وإذا أرادوا بيان صحيح القول أو الرواية أو الوجه أو ضعيفها أطلقوا لفظ الصحيح والضعيف.
وإذا كان في المذهب روايتان أو قولان أو وجهان صحيحان أحدهما أصح من الآخر، قالوا في بيان أقواهما: الأصح والأظهر (٤).
فالأصح والأظهر صيغتا تفضيل، تدل كل واحدة منهما على الصحة
стр. 85
والظهور، مع رجحان صحة أحدهما أو ظهوره (١).
وإذا أطلق علماء مذهب من المذاهب في مسألة ما قولهم: (المذهب أو على المذهب) فيريدون به الراجح في حكاية المذهب (٢)، وإذا قالوا الأشهر فهو القول أو الوجه الذي يزيد شهرة على القول الآخر لشهرة ناقله، أو مكانته عن المنقول عنه، أو اتفاق الكل على أنه منقول منه.
ويريدون بالمشهور القول أو الوجه الذي اشتهر بحيث يكون مقابله رأياً غريباً.
ومن العلامات للفتوى عند الحنفية قولهم: "وعليه الفتوى، وبه يفتي، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه العمل، وهو الصحيح، وهو الأصح، وهو الأظهر، وهو المختار في زماننا، وفتوى مشايخنا، وهو الأشبه، وهو الأوجه" (٣).
ومنها عند الحنابلة: الصحيح، والأصح، والظاهرة والأظهر، والمشهور، والأشهر، والأقوى، والأقيس (٤).
والغزالي ومتقدمو فقهاء الشافعية يستخدمون الألفاظ الدالة على الصحيح والأصح والراجح من المذهب في معانيها اللغوية (٥)، أما النووي فإن له بعض الاصطلاحات الخاصة، ذكرها في مقدمة كتاب الروضة.
فقد بين في مقدمة ذلك الكتاب أنه إذا قال في مسألة على قول أو وجه، فالصحيح في تلك المسألة خلاف ذلك القول أو الوجه.
стр. 86
وإذا قال (على الصحيح أو الأصح) فهو الوجه المختار عنده، والوجه كما علمنا الآراء التي استنبطها علماء الشافعية من الأصول العامة للمذهب.
وإذا قال: (على الأظهر أو المشهور) فإنه يريد بذلك القول الراجح من تولي الشافعي أو أقواله.
فإذا أراد بيان أقوى الطريقين أو الطرق قال: (على المذهب) كما بين النووي أن قوله (على الصحيح أو المشهور) يدل على ضعف الخلاف، فإذا قوي الخلاف قال: (على الأصح أو الأظهر) (١).
والغزالي في مدوناته الفقهية يطلق: (الأظهر والأصح) على الراجح من المذهب قولاً أو وجهاً (٢).
وفقهاء المالكية يريدون بالراجح عند إطلاقهم له ما قوي دليله المعتمد عندهم في المشهور: ما أكثر قائله، وقيل: ما قوي دليله (٣).
والمشهور عند المالكية يقابله الغريب، والصحيح يقابله الضعيف، والأظهر فيه إشعار أن مقابله فيه ظهور، لأنه اسم تفضيل، والأصح يشعر بصحة مقابله، ذكره الشيخ العدوي على الخرشي (٤).
стр. 87
الفصل الثاني الأئمة الأربعة ومذاهبهم
المبحث الأول الإمام أبو حنيفة
المطلب الأول: نسبه وعصره
هو النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي، كان خزَّازا يبيع الخز، وكان جده زوطي من أهل كابل مملوكا لبني تيم الله بن ثعلبة، فأعتق، وولد أبوه ثابت على الإسلام، وقيل: هو من الأحرار، وما وقع عليه رقٌّ قط، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته.
ولد أبو حنيفة سنة ثمانين، ومات ببغداد سنة خمسين ومائة، ودفن بمقابر الخيزران، وقبره معروف ببغداد (١).
قال فيه الذهبي: "الإمام، فقيه الملّة، عالم العراق،. . . ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة، ولم يثبت له حرف عن واحد منهم" (٢).
قال فيه ابن كثير: "الإمام أبو حنيفة النعمان. .. فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد الأركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبوعة، وهو أقدمهم وفاة؛ لأنه أدرك عصر الصحابة" (٣).
стр. 88
وأبو حنيفة من أتباع التابعين، ولا شك أنه أدرك زمن بعض الصحابة، منهم أنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي في المدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدا منهم، ويزعم أصحابه أنه لقي جماعة من الصحابة، وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل، كما في ابن خلكان. وقال الذهبي في (الكاشف) تبعا للخطيب في تاريخ بغداد: إنه رأى أنس بن مالك، ونحوه للسيوطي (١)، والذي جزم به الخطيب التبريزي في الإكمال: أنه لم يلق أحدا من الصحابة الأربعة الذين كانوا في أيامه، ولم يأخذ عنهم (٢).
المطلب الثاني: شيوخه وتلامذته
روى أبو حنيفة عن جماعة من التابعين منهم: الحكم، وحماد بن أبي سليمان، وسلمة بن كهيل، وعامر الشعبي، وعكرمة، وعطاء، وقتادة، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو إسحاق السبيعي (٣).
وأشهر تلامذة أبى حنيفة الذين نشروا مذهبه أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم ابن سعد الأنصاري، الشهير بالقاضي أبي يوسف "١١٣ - ١٨٢ هـ"، مولده ووفاته بالكوفة، تفقه على أبي حنيفة، ورحل إلى المدينة، واجتمع بالإمام مالك، وأخذ عنه العلم، ورجع عن كثير من أقواله بعد اطلاعه على علم أهل الحجاز. تولى القضاء في الدولة العباسية، وكان له أثر كبير في نشر المذهب الحنفي، ألف كثيراً من الكتب، ولم يبق منها إلا كتاب (الرد على سير الأوزاعي)، وكتاب (الخراج) الذي كتبه بتكليف من هارون الرشيد.
стр. 89
ومن تلامذته: محمد بن الحسن الشيباني، ولد بواسط عام ١٣٢ هـ، وتوفي بالري عام ١٨٩ هـ، أدرك أبا حنيفة، وتتلمذ عليه فترة قصيرة، ودرس على أبي يوسف، ورحل إلى المدينة، ومكث بها مدة، وتفقه على الإمام مالك، وأخذ عنه الحديث، وهو الذي دوَّن فقه المذهب الحنفي ونشره.
ومن تلامذته أيضا: زفر بن الهذيل (١١٠ - ١٥٨ هـ)، والحسن بن زياد اللؤلؤي (١٣٣ - ٢٠٤ هـ).
وروى عنه جماعة غير من سبق ذكرهم، منهم ابنه حماد، وإبراهيم بن طهمان، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد بن عمر القاضي، والحسن ابن زياد اللؤلؤي، وحمزة الزيات، وداود الطائي، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، وهشيم، ووكيع (١).
المطلب الثالث: فقهه وثناء العلماء عليه
قال ابن المبارك: "ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة" (٢).
وقال يحيى بن سعيد القطان: "لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة" (٣).
وقال ابن المبارك: "ما رأيت أورع من أبي حنيفة" (٤).
وقال الشافعي: "قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجة" (٥).
стр. 90
وقال الشافعي: "من أراد أن يتبحر في الفقه، فهو عيال على أبي حنيفة" (١).
وقال سفيان الثوري: "كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه" (٢).
وقال فيه الذهبي: "عني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك" (٣).
المطلب الرابع: ورعه وزهده
أراده حكام بني أمية أن يتولى القضاء بالكوفة، فرفض ذلك، فضربه والي الكوفة ابن هبيرة مائة جلدة في عشرة أيام، كل يوم عشرة، فلما رأى إصراره على الرفض خلى سبيله، وعندما تولت الدولة العباسية مقاليد الحكم نقله أبو جعفر من الكوفة إلى بغداد، وأمره أن يتولى القضاء فأبى، فحلف عيه ليفعلن، وحلف أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الأيمان بينهما، فحبسه المنصور، ومات في الحبس (٤).
وطلب منه حكام بني أمية أن يكون حاكما على بيت المال فأبى، فضرب في ذلك عشرين سوطا (٥).
قال عبد الله بن المبارك فيه: "أتذكرون رجلا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها، ففرَّ منها! " (٦).
وقال شريك بن عبد الله النخعي: "كان أبو حنيفة طويل الصمت، دائم
стр. 91
الفكر، قليل المحادثة للناس" (١)، "وكان كثير الصلاة، يقوم الليل، ويكثر من قراءة القرآن" (٢).
المطلب الخامس: قواعد مذهبه
الإمام أبو حنفية وارث علم مدرسة الكوفة، انتهت إليه زعامتها، وكان فيها إماما. وإذا رجعنا إلى كتاب (الآثار) لمحمد بن الحسن، وجامع عبد الرزاق، ومصنف أبن أبى شيبة، ولخصنا منها أقوال إبراهيم النخعي، فإننا نجد أقوال أبى حنيفة لا تخرج عن أقوال إبراهيم إلا في مواضع يسيرة لم يتكلم عليها إبراهيم، واستنبطها أبو حنيفة (٣)، أما قواعد مذهبه فهي:
١ - اعتماده على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة:
نُقِلَتْ عن الإمام أبى حنيفة أقوال تدلُّ على الأصول التي بنى عليها مذهبه، فمن ذلك أنه قال: آخذ بكتاب الله إذا وجدت فيه الحكم، وإلا فسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول ﷺ أخذت يقول أصحابه، آخذ يقول من شئت منهم، وأدع قول من شئت، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فأمّا إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين، وعطاء، وسعيد بن المسيب، فإني أجتهد كما اجتهدوا (٤).
وقيل لأبي حنيفة: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لكتاب الله، فقيل: إذا كان خبر الرسول ﷺ يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر رسول الله ﷺ ، فقيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة (٥).
стр. 92
خبر الواحد عند أبي حنيفة:
اشترط الإمام أبو حنيفة للأخذ بخبر الواحد شروطاً:
الأوّل: أن لا يخالفه راويه، فإن خالفه فالعمل بما رأى، لا بما روى، لأنّه لا يخالف مرويه إلا وقد اطلع على قادح استند فيه لدليل.
الثاني: أن لا يكون مما تعم به البلوى، فإن عموم البلوى يوجب اشتهاره أو توافره، فإذا رُوي آحاد فهو علة قادحة عنده.
الثالث: أن لا يخالف القياس، وأن يكون راويه فقيها، فإن خالف القياس، ولم يكن راويه فقيها، فالحديث المعارض للقياس لا يقبل إذا عُرفت العلة بنص راجح على الخبر، ووجدت العلة قطعا في الفرع، ويتوقف الإمام أبو حنيفة إذا وجدت العلة ظنا في الفرع، ويقبل الحديث المخالف للقياس إذا لم توجد في الفرع (١).
فإذا توفرت هذه الشروط في خبر الواحد فإنه يأخذ به، ولو كان ضعيف السند، ويقدمه على القياس، ولا يلتفت لسنده الخاص، ولا لكونه على وفق عمل أهل المدينة أو خلافهم، وعلى هذا يحمل كلام ابن القيم في الأعلام: "وأصحاب أبي حنيفة ﵀ مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة "أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس"، وعلى ذلك بنى مذهبه، كما قدَّم حديث القهقهة على القياس والرأي، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعف، وشرط في إقامة الجمعة المصر، والحديث فيه كذلك" (٢).
فإذا لم تتوفر تلك الشروط في الحديث اعتبر الحديث شاذا، وذهب إلى القياس، وترك الحديث، ولو صحيحا، أو عمل به أهل المدينة أجمع.
стр. 93
وقد فعل ذلك في حديث المصُرَّاة، والحديث في الصحيحين: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد حلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر)، فأبو حنيفة يرى أن رد التمر بدل اللبن مخالف للقياس فيما يضمن به المتلف من مثله أو قيمته.
٢ - توسع الإمام أبي حنيفة في القياس:
من قواعد الإمام أبى حنيفة الأخذ بالقياس والتوسع فيه في غير الحدود، والكفارات، والتقديرات الشرعية، والمراد بالقياس هو تخريج المناط، أما تحقيق المناط وتنقيحه، فهما مبذولان للمجتهد وغيره.
والسبب في توسع الإمام أبى حنيفة في القياس أنه أقل من غيره من الأئمة في رواية الحديث؛ لتقدم عهده على عهد بقية الأئمة، ولتشدده في رواية الحديث بسبب فشو الكذب في العراق وكثرة الفتن.
٣ - التوسع في الاستحسان:
من مذهب الإمام أبى حنيفة التوسع في الاستحسان، وقد ثبت عنه أنه قال: أستحسن وأدع القياس، وكذا ثبت عن صاحبه محمد بن الحسن، وذلك أنه إذا وجد أثرا يخالف القياس يترك القياس، ويعمل بالأثر، أو يرجع إلى أصول عامّة، وهو ما يعرف عند الأقدمين بالرأي (١).
٤ - الحيل:
من أصول مذهب أبى حنيفة الحيل، ويسمونه المخارج من المضايق، وهو التحيل على إسقاط حكم شرعي، أو قلبه إلى حكم آخر، وقد عاب سائر العلماء على أبى حنيفة أخذه بالحيل، وردَّ مذهبه في هذا بعض من يقول بالرأي، ورد عليه البخاري كثيرا، وعقد للحيل كتابا في جامعه الصحيح.
стр. 94
المطلب السادس: انتشار مذهب أبي حنيفة
انتشر مذهب أبي حنيفة انتشار واسعاً، يقول ابن خلدون:
"وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصين وبلاد المعجم كلها" (١).
وقد كان لاتصال أبي يوسف بالخلفاء العباسيين، وشدّة نفوذه عندهم، وتنصيبه على ولاية القضاء -الفضل في الانتشار السريع الذي لاقاه المذهب.
وقد مكَّن العثمانيون للمذهب في مختلف الأقطار التي حكموها، ولا يزال إلى اليوم هو المذهب السائد في العراق، وسوريا، ولبنان، والباكستان، والهند، وأفغانستان، وتركيا، وألبانيا، والبلقان، والقوقاز، والصين.
المطلب السابع: تدوين مذهب أبي حنيفة ودواوين مذهب الحنفية
كثيرٌ من طلحة العلم والمنتسبون إلى المذاهب المختلفة يظنون أن كل كتاب ألفه عالم في مذهب من المذاهب يمثل المذهب، فترى الباحث يزعم أن مذهب الشافعية أو الحنفية في المسألة التي يبحثها هو كذا، ويكون هذا الذي ذكره قولاً أو وجهاً ضعيفاً في المذهب، وليس هو المعتمد عند أهل ذلك المذهب، وسبب خطئه أنه رجع إلى غير الكتب المعتمدة في ذلك المذهب، أو رجع إلى كتاب من الكتب التي تحكي أقوال علماء المذهب، ولم يلتفت إلى أن القول الذي نقله قول في المذهب، ولكنه قول غير مرضي عند علماء المذهب.
وقد ذكرنا من قبل أن الإمام أبا حنيفة شاركه في وضع المذهب أربعين رجلاً من أصحابه، إلا أن هذا الديوان الذي سجّل فيه ما اتفق عليه أبو حنيفة وأصحابه لم يصل إلينا.
стр. 95
وقد نقل إلينا أصحاب الإمام أبي حنيفة فقهه، وقام بتدوين ذلك الفقه مدون كتب المذهب محمد بن الحسن الشيباني، فالمدونات الأولى كلها من وضعه وتأليفه، سواء مما رواه بنفسه عن أبي حنيفة أو مما رواه عن أبي يوسف، وقد كان أحيانًا يضع المؤلف، ثمَّ يقوم بعرضه على أبي يوسف.
ونلحظ أن كتب المذهب الأولى التي وضعها محمد بن الحسن لم تجعل المذهب قصرا على قول أبي حنيفة، بل أشركت معه عددًا من أصحابه، وضعت أقوالهم بجانب قوله، فالمذهب في تلك الفترة مجموع تلك الأقوال.
وقد قسَّم علماء الحنفية المسائل الفقهية التي رويت عن أبي حنيفة وأصحابه إلى قسمين: القسم الأول أطلقوا عليه مسائل الأصول، والقسم الثاني: أطلقوا عليه مسائل النوادر.
فمسائل الأصول، وتسمى عندهم أيضاً بظاهر الرواية، هي المسائل التي رويت عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وقد يلحق بهم زفر والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، لكنَّ الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة أو قول بعضهم.
وكتب ظاهر الرواية المسماه بالأصول ستة كتب ألفها جميعًا محمد بن الحسن، وهي: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسير الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير.
وسميت بظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه إمّا متواترة، أو مشهورة عنه (١).
وإذا أطلق علماء الحنفية الأصل فإنهم يريدون به كتاب المبسوط لمحمد، سمي بذلك لأنه أول مؤلفاته من كتب ظاهر الرواية الست، ثم صنف بعده
стр. 96
الجامع الصغير، ثم الكبير، ثم الزيادات، وآخرها تصنيفا السير الكبير، وفى ذلك يقول ابن عابدين (١).
واشتهر المبسوط بالأصل وذا. . . لسبقه الستة تصنيفًا كذا
الجامع الصغير بعده فما. . . فيه على الأصل لذا تقدما
وآخر الستة تصنيفًا ورد. . . السير الكبير فهذا المعتمد
وينقل ابن عابدين عن ابن أمير حاج الجلبي في شرحه على (المنية) أن محمدًا قرأ أكثر الكتب على أبي يوسف، إلا ما كان فيه اسم الكبير، فإنه من تصنيف محمد كالمضاربة الكبير، والمزارعة الكبير، والمأذون الكبير، والجامع الكبير، والسير الكبير (٢).
وقال ابن عابدين أيضًا: "كل تأليف لمحمد وصف بالصغير فهو من روايته عن أبي يوسف عن الإمام، وما وصف بالكبير فروايته عن الإمام بلا واسطة" (٣).
ومسائل النوادر هي المسائل المروية عن أصحاب المذهب في غير كتب ظاهر الرواية وبعض هذه الكتب ألفها محمد بن الحسن كالهارونيات، سميت بذلك لأنه أملاها في دولة هارون الرشيد، والكيسانيات نسبة إلى راويها شعيب بن سليمان الكيساني، والرقيات نسبة إلى مدينة الرقَّة، وهي تمثل المسائل التي عرضت على محمد بن الحسن وهو قاضي مدينة الرقة، جمعت في كتاب سمي بالرقيات.
وبعض هذه الكتب ألفها غير محمد بن الحسن، ككتاب المجرد للحسن ابن زياد، وكتاب الأمالي لأبي يوسف.
ويدخل في مسائل النوادر ما روي برواية مفردة، كرواية ابن سماعة،
стр. 97
والمعلى بن منصور، وغيرهما في مسائل معينة (١).
الفتاوي والواقعات: هناك قسم ثالث من المؤلفات يضاف إلى القسمين الأولين عند علماء الحنفية يسمى بالفتاوى والواقعات.
وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها، ولم يجدوا فيها رواية عن أهل المذهب المتقدمين.
وهؤلاء كثيرون، منهم أصحاب أبي يوسف وأصحاب محمد، وجاء بعدهم كثير نسجوا على منوالهم، وموضع معرفتهم كتب طبقات الحنفية (٢).
وقد نظم ابن عابدين هذه الطبقات الثلاث شعرًا فقال (٣):
وكتب ظاهر الروايات أتت … ستا وبالأصول أيضًا سميت
صنفها محمد الشيباني … حرر فيها المذهب النعماني
الجامع الصغير والكبير … والسير الكبير والصغير
ثم الزيادات مع المبسوط … تواترت بالسند المضبوط
كذا له مسائل النوادر … إسنادها في الكتب غير ظاهر
وبعدها مسائل النوازل … خرجها الأشياخ بالدلائل
وقد جمع الحاكم الشهيد كتب ظاهر الرواية الستة في كتاب واحد سماه بكتاب الكافي، وكتاب الكافي -كتاب معتمد في نقل المذهب كما يقوله العلامة إبراهيم البيري فيما نقله عنه ابن عابدين (٤).
стр. 98
وقام بشرح الكافي شمس الأئمة السرخسي المتوفي سنة أربعمائة وتسعين، وهذا الكتاب هو المشهور عند الحنفية بمبسوط السرخسي، وقد نقل ابن عابدين عن العلامة الطرسوسي أنه لا يعمل بما خالف كتاب مبسوط السرخسي، ولا يركن إلا إليه، ولا يعول في الفتوى إلا عليه (١).
وفي الكافي وشرحه يقول ابن عابدين في منظومته (٢):
ويجمع الست (٣) كتاب الكافي … للحاكم الشهيد فهو الكافي
أوّل شروحه الذي كالشمس … مبسوط شمس الأمة السرخسي
معتمد النقول ليس يعمل … بخلفه وليس عنه يعدل
وأنشد بعضهم في مدح المبسوط:
عليك بمبسوط السرخسي إنه … هو البحر والدر الفريد مسائله
ولا تعتمد إلا عليه فإنه … يجاب بإعطاء الرغائب سائله
ومن الكتب المعتمدة في المذهب مختصر الطحاوي، المتوفي سنة ٣٢١ هـ وقد جاء في مقدمة كتابه قوله:
"جمعت في كتابي هذا أصناف الفقه التي لا يسع جهلها، ولا التخلف عن علمها، ونبت الجوابات عنها من قول أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومن قول أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ومن قول محمد بن الحسن الشيباني" (٤)، وقد يختار الطحاوي رأيا مخالفا لأئمة المذهب ويرجحه.
وألف الكرخي عبد الله بن الحسين المتوفى سنة ٣٤٠ هـ، كتابا مختصرا
стр. 99
سمي بمختصر الكرخي، وكتابه أحد الكتب المعتمدة عند المتقدمين في نقل المذهب.
والمتون المعتمدة عند متأخري الحنفية أربعة، هي: الوقاية، ومختصر الفدوري، والكنز، ومنهم من يضيف إليها كتابين آخرين هما: المختار، ومجمع البحرين.
أما كتاب الوقاية، فهو المسمى بـ (وقاية الرواية في مسائل الهداية) للإمام تاج الشريعة محمود بن صدر الشريعة أحمد بن عبيد الله جمال الدين العبادي المحبوبي البخاري المتوفى منة ٦٧٣، أخذ العلم عن أبيه صدر الشريعة الأكبر أحمد، عن أبيه كان عالمًا فاضلاً، وتحريرًا كاملاً، محققًا مدققًا ألف كتاب الوقاية انتخبه من "الهداية" صنفه لأجل ابن ابنه صدر الشريعة عبيد الله ابن مسعود بن تاج الشريعة (١). وقد شرح كتاب الوقاية عبيد الله صدر الشريعة بن مسعود بن محمود تاج الشريعة من تصانيف جده تاج الشريعة، ثم اختصره وسماه (النقاية)، وألف في الأصول متنًا سماه (التنقيح) ثم صنف شرحًا سماه "التوضيح"، مات سنة سبع وأربعين وسبعمائة (٢).
وأما "مختصر القدوري: فهو لأبي الحسين أحمد بن محمد بن جعفر القدوري (بالضم) قال السمعاني في "كتاب الأنساب": كان من أهل بغداد، فقيهًا صدوقًا، انتهت إليه رياسة أصحاب مذهب أبي حنيفة، وارتفع جاهه مات في رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد (٣).
ومن القدوري أكثر المتون استعمالاً وانتشارًا عند الحنفية، وإذا أطلق الكتاب عندهم انصرف إلى هذا المختصر، وقد التزم القدوري في مختصره بذكر الراجح من مختلف ظاهر الرواية.
стр. 100
وأما (كنز الدقائق): فهو لأبي البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، نسبة إلى مدينة "نسف" من بلاد "السغد" في بلاد "ما وراء النهر"، كان إمامًا فاضلًا، عديم النظير في زمانه، فقيد المثيل في الأصول والفروع (١).
وأما (المختار للفتوى) فهو لأبي الفضل مجد الدين عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود الموصلي، كان شيخًا فقيهًا عارفًا بالمذهب، من أفراد الدهر في الفروع والأصول، حافظًا لمسائل مشاهير الفتاوى، ولد بالموصل سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وحصل عند أبيه أبي الثناء محمود مباني العلوم، ورحل إلى دمشق، فأخذ عن جمال الدين الحصيري، ثم رجع إلى بلاده، وتولى القضاء بالكوفة، ثم عزل ورجع إلى بغداد، ورتب الدرس بمشهد أبي حنيفة، ولم يزل يدرس إلى أن مات سنة ثلاث وثمانين وستمائة، صنف (المختار للفتوى) في عنفوان شبابه، ثم شرحه وسماه "الاختيار لتعليل المختار" (٢).
وأما (مجمع البحرين): فهو لمظفر الدين أحمد بن علي بن ثعلب الساعاتي البعلبكي أصلاً والبغدادي منشأ، وأبوه هو الذي عمل الساعات المشهورة ببغداد، واشتهر بعلم النحو والهيئة وعمل الساعات، وابنه هذا نشأ ببغداد، وبلغ رتبة الكمال، وصار إمام العصر في العلوم الشرعية، كان ثقة حافظًا متقنًا، أقر له شيوخ زمانه بأنه فارس جواد في ميدانه، أخذ العلم عن تاج الدين علي، عن ظهير الدين صاحب (الفتاوى الظهيرية)، عن قاضيخان.
وكانت وفاته سنة أربع وتسعين وستمائة (٣).
وقد ألف إبراهيم جلبي المتوفى سنة (٩٥٦ هـ) مؤلفًا سماه ملتقى
стр. 101
الأبحر، جمع فيه بين مسائل متون (القدوري، والمختار، والكنز، والوقاية) وأضاف إليه ما يحتاج إليه من مسائل مجمع البحرين، ونبذه من الهداية وقد وضع ابن عابدين حاشية قيمة على كتاب (رد المحتار على الدر المختار) اشتهرت باسم حاشية ابن عابدين.
أما كتب (الواقعات) عند الحنفية فهي مسائل استنبطها المتأخرون من أصحاب محمد وأصحاب أصحابه فمن بعدهم، وأول كتاب جمع فيه كتاب الله الفقيه أبو الليث السمرقندي المعروف بإمام الهدى، وجمع فيه فتاوى المتأخرين المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه: كمحمد بن مقاتل الرازي، ومحمد بن سلمة، ونصير بن يحيى، وذكر فيها اختياراته أيضًا. ثم جمع المشايخ فيه كتبًا: كمجموع النوازل والواقعات، للناطفي والصدر الشهيد، ثم جمع من بعدهم من المشايخ هذه الطبقات في فتاواهم غير ممتازة، كما في "جامع قاضيخان"، "وكتاب الخلاصة" وغيرها من الفتاوى (١).
الكتب التي عنيت بأدلة الأحكام وكتب الفقه المقارن.
كثير من المؤلفات الفقهية الحنفية عنيت بتحقيق المذهب وبيان القول الصحيح أو الراجح فيه، من غير التفات إلى أدلة الأحكام، بل إن بعض المؤلفات تعمد إلى كتب الفقه التي تذكر الأحكام بأدلتها فتختصرها بحذف تلك الأدلة. إلا أن بعض المدونات اعتنت بذكر الأدلة، وبيان طرق الاستدلال، ووجه دلالة الأدلة على الأحكام، ومن هذه المؤلفات (بدائع الصنائع) للكاساني، و (فتح القدير) لابن الهمام، و (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب) لعلي بن زكريا الأنصاري الخزرجي.
واتجه آخرون في مدوناتهم إلى تناول أدلة الأحكام من الكتاب والسنة فيما عرف بعد ذلك بآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، مثل (أحكام القرآن)
стр. 102
للجصاص، و (أحاديث الأحكام) لأحمد بن محمود الغزنوي.
واتجهت بعض جهود علماء الحنفية، إلى تحقيق أدلة الفقه الحنفي وبيان مدى صحتها، ومن أشهر هذه المؤلفات كتاب (نصب الراية) للحافظ الزيلعي، خرج به أحاديث كتاب الهداية.
ولكثير من علماء الحنفية جهود مشكورة بذلت لخدمة السنة النبوية مثل (شرح كتاب معاني الآثار)، وكتاب (مشكل الآثار) وهما للطحاوي، و (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) للعيني.
واتجهت بعض كتب الحنفية إلى عرض أقوال أئمة المذاهب وفقهاء الأمصار بجانب فقه الحنفية، ومنها كتاب (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب)، وللإمام محمد بن الحسن الشيباني كتاب (الموطأ) ذكر فيه روايته لهذا المؤلف عن الإمام مالك بن أنس، وذكر فيه مذهب الحنفية سواءً أكان موافقا لما نقله عن مالك أو مخالفا.
وألف القاضي أبو يوسف كتاب: (اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى) وللطحاوي كتاب: (اختلاف الفقهاء)، وعرض الدبوسي لاختلاف الفقهاء في كتابه (تأسيس النظر).
المطلب الثامن: بعض مصطلحات الفقه الحنفي
إذا ورد لفظ (الأئمة الأربعة)، في كتب الفقه الحنفي فيريدون بهم أئمة المذاهب الذين لهم أتباع وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
لهاذا قالوا: (أئمتنا الثلاثة) أرادوا بهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.
وإذا أطلقوا (الشيخين) أرادوا بهما أبا حنيفة وأبا يوسف.
ويريدون (بالطرفين) أبا حنيفة ومحمد.
و (بالصاحبين) أبا يوسف ومحمدا.
стр. 103
ويريدون (بالصدر الأول) عند إطلاقهم إياه أهل القرون الثلاثة من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
و (السلف) عندهم فقهاء الحنفية إلى محمد بن الحسن.
ومرادهم (بالخلف) من بعد محمد إلى شمس الأئمة الحلواني المتوفى ٤٥٦ هـ، والمتأخرون من بعد شمس الأئمة إلى حافظ الدين البخاري المتوفى سنة ٦٩٣ هـ.
وإذا أطلقوا (الأستاذ) أرادوا به عبد الله بن محمد بن يعقوب السُّبذموني المتوفى سنة ٣٤٠ هـ.
و (برهان الإسلام) رضي الدين السرخسي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ.
ويطلقون (برهان الأئمة) على عبد العزيز بن عمر بن مازه، وقد يطلقون عليه المصدر الكبير.
و (تاج الشريعة) عندهم محمود بن أحمد بن عبد الله بن إبراهيم المتوفى سنة ٦٧٣ هـ.
وإذا أطلق (صدر الشريعة) عندهم عنوا به عبد الله بن مسعود بن تاج الشريعة المتوفى سنة ٧٤٧ هـ، ويسمى بصدر الشريعة الأصغر أو الثاني.
أما (صدر الشريعة الأكبر) أو (الأول) فهو أحمد بن جمال بن عبد الله المحبوبي والد تاج الشريعة.
و (شمس الأئمة) هو السرخسي المتوفى سنة ٤٨٣ هـ عند الإطلاق، وإذا أطلقوه على غيره ذكروه مقيدا به، فيقولون: شمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردي.
و (صدر الإسلام) عندهم طاهر ابن صاحب الذخيرة برهان الدين محمود ابن المصدر السعيد.
و (فخر الإسلام) هو على بن محمد بن البزدوي.
стр. 104
المبحث الثاني الإمام مالك بن أنس
المطلب الأول: نسبه وعصره
هو أبو عبد الله: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، من بني حمير بن سبأ الأكبر، ثمَّ من بني يشجب بن قحطان (١).
ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة، ومات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة، وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة (٢).
قال فيه الخطيب التبريزي: "هو شيخ العلماء، وأستاذ الأئمة" (٣) كان بيت الإمام مالك بيت علم، فجده الأعلى أبو عامر صحابي جليل، شهد المشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ خلا بدرا، وقيل: إنه تابعي مخضرم، وجده الأسفل مالك من كبار علماء التابعين، وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان إلى قبره ليلا، وعم الإمام وهو أبو سهيل: نافع بن مالك بن أبي عامر من جلة علماء التابعين وسادتهم، روى عنه في (الموطأ)، وربما روى مالك عن أبيه عن جده في غير (الموطأ) (٤).
تبحر الإمام مالك في رواية الحديث وضبطه، والتفقه في الكتاب والسنة، وتلقى علم سلفه من الصحابة والتابعين، فكان إماما في الحديث، إماما في الفقه.
стр. 105
المطلب الثاني: شيوخه وتلاميذه
الإمام مالك من علماء أتباع التابعين أخذ العلم عن محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونافع مولى عبد الله بن عمر، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة بن الزبير، وإسماعيل ابن أبي حكيم، وزيد بن أسلم، وسعيد ابن أبي سعيد المقبري، ومخرمة بن سليمان، وربيعة ابن أبي عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن القاسم، وخلق كثير غيرهم (١).
وأخذ العلم عنه خلق كثير لا يحصون كثرة منهم: الشافعي، ومحمد ابن إبراهيم بن دينار، وأبو هشام المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عبد الله عبد العزيز ابن أبي حازم، وعثمان بن عيسى بن كنانة، ومعن بن عيسى القزاز، وعبد الله بن موسى القعنبي، وعبد الله بن وهب، وأصبغ بن الفرج، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده (٢)، وهؤلاء مشايخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة الحديث (٣).
والناظر في سيرة الإمام مالك يجد عجبا، فقد رحل إليه طلبة العلم من أقطار المعمورة، وتتلمذ عليه علماء الإسلام، حتى أقرانه ومشايخه كانوا يأخذون عنه بعد أن سطع نجمه، أمثال سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعي. يقول الإمام مالك: "قل من كتبت عنه العلم، ما مات حتى يجيئني ويستفتيني" (٤).
وقد ذهب عدد كبير من العلماء إلى أن الإمام مالك هو الذي أراده الرسول ﷺ بقوله: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون
стр. 106
أحدا أعلم من عالم المدينة). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (١).
المطلب الثالث: ثناء العلماء عليه
قال الشافعي: "مالك حجّة الله تعالى على خلقه" (٢).
وقال أيضا: "إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنَّ عليَّ من مالك" (٣).
ومن كلام ابن مهْديّ فيه: "ما رأيت أحدا أتمَّ عقلا، ولا أشدّ تقوى من مالك" (٤).
وقال يحيى بن سعيد القطان: "ما في القوم أصح حديثا من مالك" (٥).
وقال البخاري: "أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر" (٦).
وقال أبو داود: "أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه، ثم مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة" (٧).
وقد أجمع أشياخه وأقرانه فمن بعدهم على أنّه إمام في الحديث موثوق بصدق روايته، طبقت مناقبه وفضائله الآفاق.
стр. 107
المطلب الرابع: فقهه وصلابته في دينه
كان الإمام مالك من أشدّ الناس تركا لشذوذ العلم، وأشدهم انتقادا للرجال، وأقلهم تكلفا، وأتقنهم حفظًا، عارفا بتفسير الغريب من الحديث، وقد فتح بموطئه الباب للمؤلفين من علماء الإسلام، وعلمهم كيفية التأليف والتصنيف وحسن التبويب، فاستحسن طريقه كل من أتى يعده، فسلكوه، فهو إمام كل مؤلف، وقدوة كل مصنف.
وكان الإمام مالك مبالغا في تعظيم العلم والدين، حتى كان إذا أراد أن يُحدِّثَ توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، واستعمل الطيب، وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثمَّ حدّث، فقيل له في ذلك، فقال: "أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ " (١).
وكان صلبا في دينه، لم تغرّه الدنيا، ولم يرهبه السلطان، رُوي عن الإمام مالك أنّه قال: "دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف إلينا، حتى يسمع صبياننا منك "الموطأ"، قال: أعزَّ الله أمير المؤمنين، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أعززتموه عزَّ، وإن ذللتموه ذلَّ، والعلمُ يُؤْتى ولا يأتي، فقال: صدقت، أخرجوا إلى المسجد، حتى تسمعوا مع الناس" (٢).
وقد أراده الرشيد على الخروج معه إلى العراق فأبي، وأراده أن يحمل الناس على كتابه (الموطأ)، فأبي، وبين له أن (الموطأ) لم يجمع علم الرسول ﷺ ، ذلك أن علمه تفرق في الأمصار بتفرق الصحابة (٣).
وقد امتحن الإمام وجلد في عهد الدولة العباسية بسبب فتواه بعدم وقوع
стр. 108
طلاق المكره، وقد كانوا يُكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة (١)، فرأى الحكام أن الفتوى تنقض البيعه، وتهون الثورة.
وقيل: إن امتحانه كان بسبب رفضه ولاية القضاء، مما يدل على أنّه لا يتعاون مع ولاة الأمر.
المطلب الخامس: قواعد مذهب الإمام مالك
ورث الإمام مالك -رحمه الله تعالى- علم أهل الحجاز عامة والمدينة خاصة، يقول ابن تيمية ﵀: "لا ريب عند أحد أن مالكا ﵁ أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه، كان له من المكانة عند أهل الإسلام -الخاص منهم والعام- ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام (٢) ".
وقال أيضًا: "يقال: إن مالكا أخذ جلَّ (الموطأ) عن ربيعة، وربيعة عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب عن عمر، وعمر محدّث" (٣).
وقال ابن المديني: "كان مالك يذهب إلى قول سليمان بن يسار، وسليمان ابن يسار يذهب إلى قول عمر بن الخطاب (٤) ".
والإمام مالك لم يدوِّن أصول مذهبه وقواعده في الاستنباط ومناهجه في الاجتهاد، وإن كان قد صرح ببعضها، وأشار إلى بعض آخر.
وجماع أصول مذهب مالك، بناء على ما صرح به، أو أشار إليه، أو استنبطه فقهاء مذهبه من الفروع المنقولة عنه، والآراء المدونة في موطئه هي: الكتاب، السنة، الإجماع، إجماع أهل المدينة، القياس، قول الصحابي،
стр. 109
المصلحة المرسلة، العرف والعادات، سدّ الذرائع، الاستحسان، الاستصحاب (١).
وقد كان الإمام مالك يردد قول عمر بن عبد العزيز ويفقه الناس به: "سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله تعالى، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد بعد هؤلاء تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، فمن اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا".
فالدين يؤخذ من كتاب الله وسنة رسول الله، وما قال به الخلفاء الراشدون، وما رواه الصحابة وأهل العلم والتقى من علماء المدينة، ومنهج مالك واضح لمن درس كتاب (الموطأ) وقد سبق أن ذكرنا تفسير الإمام مالك للمصطلحات التي حواها موطؤه.
المطلب السادس: تحقيق القول في عمل أهل المدينة
احتدم الجدل بين الإمام مالك ﵀ وأتباع مذهبه، وبين كثير من العلماء والأئمة في عمل أهل المدينة، فذهب الإمام مالك -رحمه الله تعالى- إلى أنه "إذا أجمع أهل المدينة على شيء صار إجماعًا مقطوعًا عليه، وإن خالفهم فيه غيرهم" (٢)، وهم يذهبون في هذا إلى تقديم عمل أهل المدينة المجمع عليه على القياس وأخبار الآحاد الصحيحة (٣)، ومن طالع كتاب الإمام الليث بن سعد ﵀ علم أن العلماء لم يتقولوا على الإمام مالك، وأن مذهبه اعتبار عملهم حجة ودليلاً.
стр. 110
والعلماء الأعلام يعرفون لأهل المدينة فضلهم وتقدمهم على غيرهم، ففي القرون الثلاثة التي أثنى عليها الرسول ﷺ كان مذهب أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن، فكانوا يتأسون بأثر رسول الله ﷺ أكثر من سائر الأمصار، وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية (١).
ومما يدل على فضل أهل المدينة في الأعصار الثلاثة أن المدينة خلت من الباع في تلك الأعصار، فلم يخرج منها بدعة في أصول الدين البتة كما خرج من سائر الأمصار. . .، فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال، والنسك الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النَّصْبُ والقدر، وأما التجهم فقد ظهر من ناحية خراسان، وهو شر الباع. . ." أما المدينة فكانت سليمة من ظهور البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك، فكان عندهم مهانا مذموما. . . (٢).
وتحقيق القول في هذه المسألة أن من عمل أهل المدينة ما هو حجة باتفاق العلماء، ومنها ما هو حجة باتفاق أكثرهم، ومنها ما هو حجة عند بعضهم، ومنها ما ليس بحجة عند جمهورهم، فهذه أربع مراتب:
المرتبة الأولى: ما كان عملهم حجة باتفاق العلماء:
وهو ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، فلعلماء المدينة في هذا من السبق والتقدم ما ليس لغيرهم، فالأحاديث النبوية المدنية هي أشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث أهل الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ومالك عن هشام