وقال: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) . الآية.
فحرم نكاح نسائه من بعده على العالمين، ليس هكذا نساء أحد غيره ﷺ .
* * *
قال الله : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)
الأم: باب (التشهد والصلاة على النبي ﷺ :
قال الشَّافِعِي ﵀: فرض اللَّه الصلاة على رسوله ﷺ فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في
الصلاة، ووجدنا الدلالة عن رسول الله ﷺ ، بما وصفت من أن الصلاة على رسوله ﷺ فرضٌ في الصلاة - واللَّه تعالى أعلم -.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني صفوان بن
سُليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟
يعني: في الصلاة، قال: قولوا "اللهم صل على محمد
стр. 1017
وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم، ثم تسلمون عليَّ" الحديث.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني سعد
ابن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن كعب بن
عجرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الصلاة: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل ابراهبم، وبارك على محمد وآل محمد.
كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: فلما رُوِي أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم التشهد في الصلاة، وروي أن رسول الله ﷺ علمهم كيف يصلون عليه في الصلاة لم يجز - والله تعالى أعلم - أن نقول: التشهد واجب، والصلاة على النبي ﷺ غير
واجبة، والخبر فيهما عن النبي ﷺ زيادة فرض القرآن.
قال الشَّافِعِي ﵀: فعلى كل مسلم وجبت عليه الفرائض، أن يتعلم
التشهد، والصلاة على النبي ﷺ ، ومن صلى صلاة لم يتشهد فيها ولم يصلي
стр. 1018
على النبي ﷺ وهو يحسن التشهد فعليه إعادتها، وإن تشهد ولم يصل على النبي ﷺ أو صلى على النبي ﷺ ولم يتشهد، فعليه الإعادة - حتى يجمعهما جميعاً، وإن كان لا يحسنها على وجههما أتى بما أحسن منهما، ولم يجزه إلا بأن يأتي باسم تشهد وصلاة على النبي ﷺ ، وإذا أحسنهما فأغفلهما، أو عمد تركهما، فسدت صلاته، وعليه الإعادة فيهما جميعاً.
أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات)
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ﵀، أخبرنا أبو سعيد
ابن الأعرابي، أخبرنا الحسن بن محمد الزعفراني.
أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي ﵀ قال: أحبرنا مالك، عن نعيم بن
عبد اللَّه المجمر - أن محمد بن عبد اللَّه بن زيد الأنصاري - وعبد اللَّه بن زيد: هو الذي كان أُرِيَ النداء بالصلاة، أخبره عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: أتانا رسول الله ﷺ في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا اللَّه أن نصلي عليك يا نبي اللَّه؛ فكيف نصلي عليك؟
فسكت النبي ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، فقال رسول الله ﷺ قولوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين. إنك حميد مجيد" الحديث.
ورواه المزني وحرملة عن الشَّافِعِي، وزاد فيه:
"والسلام كما قد علمتم"
وفي هذا إشارة إلى السلام الذي
стр. 1019
في التشهد، على النبي ﷺ ، وذلك في الصلاة، فيشبه: أن تكون الصلاة التي أمر بها ﵊ - أيضاً - في الصلاة؛ واللَّه أعلم.
قال الشَّافِعِي ﵀: في رواية حرملة - والذي أذهب إليه - من هذا -
حديث أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، وإنَّما ذهبت إليه؛ لأني رأيت اللَّه ذكر
ابتداء صلاته على نبيه ﷺ ، وأمر المؤمنين بها، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الآية.
стр. 1020
سورة فاطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا)
الأم: كراهيه الاستمطار بالأنواء:
قال الشَّافِعِي ﵀: وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كان إذا أصبح وقد مُطر الناس قال: مُطرنا بنوء الفتح، ثم قرأ:
(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) الآية.
وبلغني أن عمر بن الخطاب أوجف بشيخ من بني تميم غدا متكئاً على عكازه، وقد مطر الناس فقال: أجاد ما أقرى المِجدَح البارحة، فأنكر عمر قوله: (أجاد ما أقرى المِجدَح) لإضافة المطر إلى المجدح.
стр. 1021
قال الله : (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا)
الأم: باب (تحريم الصيد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فالبحر المعروف البحر المالح، قيل:
نعم، ويدخل فيه العذب، وذلك معروف عند العرب.
فإن قال: فهل من دليل عليه في كتاب الله؟
قيل: نعم، قال اللَّه :
(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا)
ففي الآية دلالتان:
إحداهما: أن البحر العذب والمالح، وأن صيدهما مذكور ذِكراً واحداً فكل ما
صيد في ماء عذب، أو بحر، قليل أو كثير مما يعيش في الماء للمُحرِم حلال، وحلال اصطياده، وإن كان في الحرم؛ لأن حكمه حكم صيد البحر الحلال للمُحرِم لا يختلف، ومن خوطب بإحلال صيد البحر وطعامه عقل أنه إنما أُحل له ما يعيش في البحر من ذلك، وأنه أحل كل ما يعيش في مائه؛ لأنه صيده وطعامه عندنا: ما ألقى وطفا عليه - واللَّه أعلم - ولا أعلم الآية تحتمل إلا هذا المعنى.
ثانيهما: أو يكون طعامه في دواب تعيش فيه فتؤخذ بالأيدي بغير
تكلُّف، كتكلف صيده، فكان هذا داخلاً في ظاهر جملة الآية - والله أعلم -.
стр. 1022
فإن قال قائل: فهل من خبر يدل على هذا؟
قيل: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء أنه سئل عن صيد الأنهار، وقِلاَت المياه، أليس بصيد البحر؟
قال: بلى، وتلا: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) الحديث.
أخبرنا سعيد، عن ابن جريج أن إنساناً سأل عطاء عن حيتان بركه القرى:
وهي بئر عظيم في الحرم: أتصاد؟
قال: نعم، وَلَوَدَدتُ أن عندنا منه.
الأم (أيضاً) : صيد البحر:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله : ((وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا)) الآية، فكل ما كان فيه صيد، في بئر كان، أو ماء مستنقع أو غيره، فهو بحر، وسواء كان في الحل والحرم، يصاد ويؤكل؛ لأنه مما لم يُمنع بحرمة شيء، وليس صيده إلا ما كان يعيش فيه أكثر عيشه، فأما طائره فإنما يأوي إلى أرض فيه، فهو من صيد البر، إذا أصيب جزي.
стр. 1023
سورة يس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)
الرسالة: الحجة في تثبيت خبر الواحد:
قال الشَّافِعِي ﵀: بعد أن ذكر الآيات الثلاث أعلاه - فظَاهَرَ الحجج
عليهم باثنين، ثم ثالث، وكذا أقام الحجة على الأمم بواحد، وليس الزيادة في التكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد، إذ أعطاه الله ما يباين به الخلق غير النبيين.
أخبرنا مالك، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة، عن عمته زينب
بنت كعب، أن الفُرَيعَة بنت مالك بن سنان أخبرتها: "أنها جاءت إلى النبي ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أغبُدٍ له، حتى إذا كان بطرف القَدُّوم لحقهم، فقتلوه، فسألتُ رسول اللَّه أن أرجع إلى أهلي.
فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، قالت: فقال رسول الله: "نعم".
فانصرفتُ، حتى إذا كنت فى الحجرة أو فى المسجد دعاني، أو أمر بي فدعيت له، فقال: "كيف قلتِ؟ "
فرددت عليه القصة التي ذكرتُ له من شأن زوجي،
стр. 1024
فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله".
قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، فلما كان عثمان أرسل إليَّ، فسألني عن ذلك؛ فأخبرته، فاتَّبعه وقضى به" الحديث.
وعثمان في إمامته وعلمه، يقضي بخبر امرأة بين المهاجرين والأنصار - ثم ذكر خمسة أدلة أخرى من السنة على قبول خبر الواحد، والعمل به -.
* * *
قال الله : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ)
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما جاء في قدوم الشَّافِعِي ﵀ مصر وتصنيفه بها
الكتب) :
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: أنباني أبو عمرو (عثمان بن أحمد بن
السَّمَّاك) شفاهاً، أن أبا محمد بن الشَّافِعِي أخبرهم في كتابه، قال سمعت أبي
(محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع) يقول:
سمعت محمد بن إدريس الشَّافِعِي ﵀ بقول: لا ينبل قرشي بمكة، ولا
يظهر ذكره حتى يخرج منها؛ وذلك أن النبي ﷺ ، لم يظهر أمره حتى خرج من مكة، ولا يكاد يجود شعر القرشي؛ وذلك أن اللَّه جل ذكره، قال لنبيه ﷺ : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ) الآية.
ولا يكاد يجود خط القرشي؛ وذلك أن النبي ﷺ كان أميًّا.
стр. 1025
سورة الصافات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ)
الأم: اللعان:
قال الشَّافِعِي ﵀: (وقال غيره) سنة رسول اللَّه ﷺ وجهان:
أحدهما: ما تبين مما في كتاب الله، المبين عن معنى ما أراد الله يحَملِه خاصاً وعاماً.
والآخر: ما ألهمه اللَّه من الحكمة، وإلهام الأنبياء وحي، ولعل من حجة من
قال هذا القول أن يقول: قال الله فيما يحكي عن إبراهيم ﵊: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) الآية.
فقال غير واحد من أهل التفسير: رؤيا الأنبياء وحي، لقول ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) الآية.
ومعرفته أن رؤياه أمرٌ، أُمِرَ به.
стр. 1026
فائدة:
جاء في كتاب - (تهذيب تاريخ دمشق) : رُوِي عن نوح بن حبيب قال:
سعت الشَّافِعِي ﵀ يقول كلاماً ما سمعت قط أحسن منه، سمعته -
أى: الشَّافِعِي - يقول: قال إبراهيم خليل الله لولده، وقت ما قص عليه ما رأى: ماذا ترى؛ أى: ماذا تشير به؟
قال ذلك ليستخرج من هذه اللفظة، ذكر التفويض.
والصبر، والتسليم، والانقياد لأمر اللَّه، لا لمؤامرته له مع أمر الله، فقال: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: والتفويض: هو الصبر والتسليم، هو الصبر
والانفباد، هو ملاك الصبر، فجمع له الذبيح - أي: إسماعيل ﵇ جميع ما ابتغاه في هذه اللفظة اليسيرة.
* * *
قال الله : (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)
الأم: قَسْم النساء إذا حضر السفر:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد ذكر اللَّه القرعة في كتابه في موضعين، فكان ذكرها موافقاً ما جاء عن النبي ﷺ :
١ - قال الله ﵎: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) .
стр. 1027
٢ - وقال: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقف الفلك بالذين ركب معهم يونس عليه
السلام، فقالوا: إنما وقف لراكب فيه لا نعرفه، فيقرع فأيكم خرج سهمه ألقي، فخرج سهم يونس علبه السلام فألْقِيَ، فالتقمه الحوت، كما قال ﵎، ثم تداركه بعفوه جل وعز.
الأم (أيضاً) : كتاب (القرعة) :
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال اللَّه تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) .
وقال اللَّه : (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فأصل القرعة في كتاب اللَّه في قصة المقترعين على مريم، والمقارعي يونس مجتمعة، فلا تكون القرعة - واللَّه أعلم - إلا بين قوم مستوين في الحجة.
стр. 1028
سورة ص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ)
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما جاء في حسن مناظرة الشَّافِعِي وغلبته بالعلم
والبيان. .) :
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: أنباني أبو أحمد (بكر بن محمد بن حمدان
الصيرفي) بمرو، شفاهاً، وأكثر ظني أن صالحاً بن محمد الحافظ جزرة، حدثهم
قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
كان الشَّافِعِي ﵀ يقول: إذا ناظره إنسان في مسألة عدا منها إلى
غيرها، نفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد.
فإذا أكثر عليه قال: مثلك مثل معلم كان بالمدينة يعلم الصبيان القرآن من كراسة، فأملى على صبي: (بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ) فقال: بسؤال، ثم لم يدر ما بعده، فمرَّ رجل فقام إليه فقال: - أصلحك اللَّه - بسؤال نعجتك أو بعجتك؛ فقال له الرجل: يا أبا عبد اللَّه، افرغ من سؤال ثم سل عما هو بعده، إنما هو - ويحك - بسؤال نعجتك.
стр. 1029
قال الله : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)
الأم: باب (في الأقضية) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فأعلمَ اللَّه نبيه ﷺ أن فرضاً عليه، وعلى من قبله، والناس، إذا حكموا أن يحكموا بالعدل، والعدل: اتباع حكمه المنزَّل.
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) الآية.
وليس يؤمر أحد أن يحكم بحق، إلا وقد علم الحق، ولا يكون الحق معلوماً إلا عن اللَّه نصاً أو دلالة، فقد جعل اللَّه الحق في كتابه، ثم سنة نبيه ﷺ .
стр. 1030
ترتيب مسند الشَّافِعِي في سجود التلاوة:
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا ابن عيينة، عن عبدة، عن زرِّ بن حُبَيش، عن
ابن مسعود ﵁: "أنه كان لا يسجد في سورة (ص) ويقول إنَّما هي توبة نبي " الحديث.
أخبرنا ابن عيينة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄:
عن النبي ﷺ أنه سجدها: يعنى في (ص) الحديث.
* * *
قال الله : (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)
الأم: من قال لامرأته أنت طالق إن خرجت إلا بإذني:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة سوط.
فجمعها فضربه بها، فإن كان يحيط العلم أنه إذا ضربه بها ماسته كلها، فقد برَّ.
وإن كان يحيط العلم أنها لا تماسه كلها لم يبر، وإن كان العلم مغيباً قد
تماسه ولا تماسه، فضرب بها ضربة، لم يحنث في الحكم، ويحنث في الورع، فإن قال قائل: فما الحجة في هذا؟
قيل: معقول أنه إذا ماسته أنه ضاربه بها مجموعة.
أو غير مجموعة، وقد قال اللَّه : (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)
стр. 1031
الآية؛ وضرب رسول الله ﷺ رجلاً نضواً (١) في الزنا، بأثكال النخل، وهذا شيء مجموع غير أنه إذا ضربه بها ماسته.
стр. 1032
سورة الزمر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)
الرسالة: باب (البيان الخامس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال ﵎: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)
الآية، فهذا عام لا خاص فيه، فكل شيء: من سماء، وأرض، وذي روح.
وشجر وغير ذلك، فالله خلقه.
* * *
قال الله : (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)
الأم: فيمن تجب عليه الصلاة:
قال الشَّافِعِي ﵀: ومن غلب على عقله بعارض مرض، أي مرض
كان، ارتفع عنه الفرض في قوله تعالى: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)
стр. 1033
وقوله: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الآية.
وإن كان معقولاً لا يخاطب بالأمر، والنهي إلا من عقلهما.
* * *
قال الله : (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يؤثر عنه - الشافعى - من الإيمان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وفرض اللَّه على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما
حرّم اللَّه، وأن يغضي عما نهى اللَّه عنه، فقال: (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) .
فذلك ما فرض الله جل ذكره على السمع، من التنزيه عما لا يحل له.
وهو عمله، وهو من الإيمان.
* * *
قال الله : (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)
الرسالة: باب (البيان الخامس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه سبحانه: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الآية.
стр. 1034
قال الشَّافِعِي ﵀: فأقام - اللَّه حجته بأن كتابه عربي، في كل آية ذكرناها.
* * *
قال الله : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)
الرسالة: باب (البيان الخامس) :
انظر تفسير الآية / ٥ من سورة الزمر فتفسيرهما واحد، ولا حاجة للتكرار.
* * *
قال الله : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)
الأم: باب (المرتد الكبير)
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي ﵀ قال: وقال تعالى:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .
стр. 1035
قال الشَّافِعِي ﵀: يشبه - والله أعلم - أن يكون إذا حقن الدم
بالإيمان، ثم أباحه بالخروج منه، أن يكون حكمه حكم الذي لم يزل كافراً
محارباً، وأكبر منه؛ لأنه قد خرج من الذي حقن به دمه، ورجع إلى الذي أبيح الدم فيه والمال، والمرتد به أكبر حكماً من الذي لم يزل مشركاً؛ لأن اللَّه أحبط بالشرك بعد الإيمان كل عمل صالح قدَّم - المشرك - قبل شركه، وأن اللَّه جل ثناؤه كَفَّر عمَّن لم يزل مشركاً ما كان قبله، وأن رسول الله ﷺ أبان أن من لم يزل مشركاً، ثم أسلم كُفِّر عنه ما كان قبل الشرك، وقال لرجل كان يقدم خيراً في الشرك:
"أسلمت على ما سبق لك من خير" الحديث.
стр. 1036
سورة غافر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)
الأم: كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فأعلم عباده، مع ما أقام عليهم من الحجة، بان
ليس كمثله أحد في شيء، أن علمه بالسر والعلانية واحد، فقال عز وعلا: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) الآية.
مع آيات أخر من الكتاب.
الأم: باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: إن الله حكم على عباده حُكمين.
حكماً فيما بينهم وبينه: أن أثابهم وعاقبهم على ما أسروا، كما فعل بهم فيما أعلنوا، وأعلمهم إقامة الحجة للحجة عليهم، وبينها لهم أنه عَلِم سرائرهم، وعَلِم علانيتهم فقال: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) .
وقال: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) الآية.
و خلق - خَلْقُه لا يعلمون إلا ما شاء وحجب
علم السرائر عن عباده.
стр. 1037
سورة فصلت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)
الأم: سجود القرآن:
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا هشيم عن شعبة، عن عاصم، عن
زر، عن علي ﵁ قال: عزائم السجود (الم (١) تَنْزِيلٌ)
و (حم (١) تَنْزِيلٌ) ، و (النجم) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)
ولسنا ولا إياهم - أي: المحاوَرِين - نقول بهذا، نقول في القرآن عدد سجود مثل هذه. ..
* * *
قال الله : (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ)
الأم: كتاب (العيدين) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا من لا أتهم، أخبرنا العلاء بن راشد، عن
عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ -
стр. 1038
على ركبتيه وقال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" الحديث.
قال ابن عباس ﵄ في كتاب اللَّه:
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) الآية.
أخبرنا من لا أتهم قال: أخبرني صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا تسبوا الريح، وعوذوا بالله من شرها" الحديث.
* * *
قال الله : (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)
الأم: كتاب (صلاة الكسوف) :
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال اللَّه تبارك تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) .
стр. 1039
قال الشَّافِعِي ﵀: فذكر الله الآيات، ولم يذكر معها سجوداً إلا مع الشمس والقمر، وأمر بأن لا يُسجَد لهما، وأمر بأن يُسجَد له، فاحتمل أمره أن يُسجد له عند ذكر الشمس والقمر، بأن يأمر بالصلاة عند حادث في الشمس والقمر، واحتمل أن يكون إنَّما نهي عن السجود لهما، كما نهي عن عبادة ما سواه، فدلت سنة رسول الله ﷺ على أن يصلى لله عند كسوف الشمس والقمر
فأشبه ذلك معنيين:
أحدهما: أن يصلى عند كسوفهما لا يختلفان في ذلك، وأن لا يؤمر عند كل آية كانت في غيرهما بالصلاة، كما أمر بها عندهما؛ لأن الله ﵎ لم يذكر في شيء من الآيات صلاة، والصلاة في كل حال طاعة لله ﵎، وغبطة لمن صلاها.
قال الشَّافِعِي ﵀: فيُصلى عند كسوف الشمس والقمر صلاة جماعة.
ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات غيرها.
* * *
قال الله : (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وأنزل الله عليه كتابه فقال: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) .
فنقلهم من الكفر والعَمَى، إلى الضياء والهدى، وبين فيه ما أحل منًّا بالتوسعة على خلقه،
стр. 1040
وما حرّم: لما هو أعلم به من حظهم في الكف عنه في الآخرة والأولى. وابتلى طاعتهم بأن تعبدهم بقول وعمل، وإمساك عن محارم حماهُمُوها، وأثابهم على طاعته من الخلود في جنته، والنجاة من نعمته: ما عظمت به نعمتُه جل ثناؤه وأعلمهم ما أوجب على أهل معصيته من خلاف ما أوجب لأهل طاعته..
* * *
قال الله : (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)
الرسالة: باب (البيان الخامس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فأقام اللَّه سبحانه حجته بأن كتابه عربي، في كل آية
ذكرناها، ثم أكَّد ذلك بأن نفى عنه - جل ثناؤه - كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه:
١ - فقال ﵎: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .
٢ - وقال: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) الآية.
стр. 1041
سورة الشورى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه عز شانه: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)
وأم القرى: مكة، وفيها قومه.
الرسالة (أيضاً) : باب (البيان الخامس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وأولى الناس بالفضل في اللسان، مَن لسانه لسانُ
النبي ﷺ ، ولا يجوز - واللَّه أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعاً لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه.
وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه - منها -: وقال:
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) الآية.
стр. 1042
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)
وأم القرى: مكة، وهي بلده وبلد قومه، فجعلهم في كتابه خاصة.
وأدخلهم مع المنذرين عامة، وقضى أن ينذروا بلسانهم العربي: لسان قومه
منهم خاصة.
أحكام القرآن: فصل: (فيما ذكره الشَّافِعِي ﵀ في التحريض على تعلم
أحكام القرآن) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) الآية.
فأقام حجته بأن كتابه عربي، ثم أكَّد ذلك بأن نفى عنه كل لسان غير لسان العرب.
* * *
قال الله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الإيمان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات.
فهو - الله تعالى - على العرش كما أخبر بلا كيف، بائن من خلقه، غير مُمَاسٍّ من خلقه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الآية.
стр. 1043
قال الله : (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)
الأم: باب (المشاورة) :
انظر تفسير الآية / ١٥٩ من سورة آل عمران فتفسيرهما واحد، ولا حاجة
للتكرار.
* * *
قال الله : (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ)
الأم: من قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني:
انظر تفسير الآية / ٩٤ من سورة التوبة فقد ورد تفسيرهما مع هذه الآية.
ولا حاجة للتكرار.
* * *
قال الله : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)
стр. 1044
وقال : (صِرَاطِ اللَّهِ)
الأم: كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم مَنَّ - اللَّه عليهم بما آتاهم من العلم، وأمرهم بالاقتصار عليه، وأن لا يتولوا غيره إلا بما علَّمهم، وقال لنبيه ﷺ : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) الآية.
الأم (أيضاً) : سهم الفارس والراجل وتفضيل الخيل:
قال الشَّافِعِي ﵀: وكذلك افترض عليه، قال اللَّه : (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) .
ففرض عليه الاستمساك بما أوحي إليه، وشهد له أنه على صراط مستقيم، وكذلك قال:
(وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الآية.
فأخبر - اللَّه - أنه فرض عليه اتباع ما أنزل الله، وشهد له بأنه
هادٍ مهتدٍ، وكذلك يشهد له قوله ﷺ :
"لا يمسكنَّ الناس علي بشيء. . ." الحديث.
فإن اللَّه أحل له أشياء حظرها على غيره.
стр. 1045
الأم (أيضاً) : الإقرار والاجتهاد والحكم بالظاهر:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يؤمر الناس أن يتبعوا إلا كتاب اللَّه أو سنة
رسوله ﷺ ، الذي قد عصمه الله من الخطأ، وبرَّأه منه، فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الآية.
فأما من كان رأيه خطأ أو صواباً فلا يؤمر أحد باتباعه، ومن قال للرجل يجتهد برأيه فيستحسن على غير أصل، فقد أمر
باتباع من يمكن منه الخطأ، وأقامه مقام رسول الله ﷺ الذي فرض اللَّه اتباعه.
فإن كان قائل هذا ممن بعقل ما تكلم به، فتكلم به بعد معرفة هذا، فأرى للإمام أن يمنعه، وإن كان غبياً عُلِّم هذا حتى يرجع.
مختصر المزني: كتاب اختلاف الحديث - المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وشهد - اللَّه تعالى - له باتباعه، فقال جل ثناؤه:
(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ) الآيتان.
فأعلمَ اللَّه خلقه أنه يهديهم إلى صراطه.
قال الشَّافِعِي ﵀: فتفام سنة رسول اللَّه، مع كتاب الله جل ثناؤه مقام
البيان عن اللَّه عدد فرضه، كبيان ما أراد بما أنزل عامًّا - العام أراد به أو الخاص - وما أنزل فرضاً، وأدباً، وإباحة وإرشاداً، إلا أن شيئاً من سنن رسول اللَّه يخالف كتاب اللَّه في حال؛ لأن اللَّه جل ثناؤه قد أعلم خلقه أن رسوله يهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله، ولا أن شيئاً من سنن رسول اللَّه ناسخ لكتاب اللَّه، لأنه قد أعلم خلقه أنه إنما ينسخ القرآن بقرآن مثله، والسنة تبع للقرآن، وقد اختصرت من إبانة السنة عن كتاب اللَّه بعض ما حضرني، مما يدل على مثل معناه إن شاء الله - ثم ذكر أمثلة على ذلك -.
стр. 1046
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: فليست تنزيل بأحدٍ من أهل دين الله نازلة إلا وفي
كتاب اللَّه الدليل على سبيل الهدى فيها - ثم ذكر آيات تدل على ذلك، ومنها - وقال الله تعالى -: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
الرسالة (أيضاً) : باب (ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى
إليه، وما شهد له به من اتباع ما أُمر به) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وشهد له جل ثناؤه باستمساكه بما أمره به، والهدى
في نفسه، وهداية من اتبعه، فقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: وما سنَّ رسول الله فيما ليس لله فيه حكم.
فبحكم اللَّه سنَّهُ.
وكذلك أخبرنا اللَّه في قوله:
(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ)
الآيتان.
стр. 1047
سورة الزخرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)
الرسالة: باب (البيان الخامس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وأولى الناس بالفضل في اللسان، مَن لسانُه لسانُ
النبي ﷺ ولا يجوز - والله أعلم - أن يكون أهل لسانه اتباعاً لأهل لسان غير لسانه في حرفٍ واحدٍ، بل كل لسانٍ تبَعٌ للسانه وكل أهل دين قَبلَهُ فعليهم اتباع دينه، وقد بين اللَّه في غير آية من كتابه - منها - وقال: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) .
* * *
قال الله : (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)
السنن المأثورة: الدعاء عند ركوب الدابة
أخبرنا أحمد قال: حدثنا المزني قال:
стр. 1048
حدثنا الشَّافِعِي ﵀ عن سفيان قال: قلت لابن عباس رضي اللَّه
عنهما، ما كان أبوك يقول إذا ركب الدابة؟
قال: كان يقول: اللهم إن هذا من رزقك، ومن عطائك، فلك الحمد ربنا على نعمتك: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) الآية.
* * *
قال الله : (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ)
أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في آيات متفرقة) :
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه (بالدَّامغان) ، أخبرنا الفضل
ابن الفضل الكندي، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: سمعت أبا عبد اللَّه
(ابن أخي ابن وهب) يقول:
سمعت الشَّافِعِي وحمه اطُه يقول: الأمَّة على ثلاثة وجوه:
١ - قوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ)
قال: على دِين.
٢ - قوله تعالى: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ)
قال: بعد زمان.
٣ - وقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ)
قال: معلماً.
стр. 1049
قال الله : (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: فذكر الله لنبيه ﷺ جواباً من جواب بعض من عَبَدَ غيره من هذا الصنف، فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) الآية.
أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في آيات متفرقة) :
انظر تفسير الآية / ٢٢ من السورة نفسها (الآية السابقة) فلها متعلق بما ورد
هنا.
* * *
قال الله : (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)
الأم: كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي رحمه للُه: أعلم نبيه بما فرض من اتباع كتابه، فقال: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) الآية.
стр. 1050
الأم (أيضاً) : سهم الفارس والراجل وتفضيل الخيل) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وكذلك افترض - الله - عليه، قال الله :
(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
ففرض عليه الاستمساك بما أوحى إليه، وشهد له أنه على صراط مستقيم.
* * *
قال الله : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد
﵀، في قوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) الآية.
قال: يُقال: ممن الرجل؟
فيقال: من العرب، فيقال: من أي العرب؛ فيقال: من قريش.
قال الشَّافِعِي ﵀ وما قال مجاهد من هذا بيْن في الآية، مستغنى عنه
بالتنزيل عن التفسير.
الرسالة (أيضاً) : باب (البيان الخامس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وكان مما عرَّف الله نبيه ﷺ إنعامه أن قال: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) الآية.
فخص قومه بالذكر معه بكتابه.
стр. 1051
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما جاء في قول الله : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) :
أخبرنا أبو طاهر (محمد بن محمد الفقيه) حدثنا أبو بكر (محمد بن عمر بن
حفص) الزاهد، حدثنا حمدون السِّمسَار، حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان ابن إبراهيم الكَرْمَاني، حدثنا سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قَتَّة، عن ابن عباس ﵄ في قوله : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) الآية.
قال: شرف لك ولقومك.
* * *
قال الله : (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)
الأم: الخلاف في اليمين مع الشاهد:
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له - أي: للمحاور -: الشهادة على علمه
أولى أن لا يشهد بها حتى يسمعها من المشهود عليه، أو يراها، أو اليمين.
قال - أي: المحاور -: كل لا ينبغي إلا هكذا، وإن الشهادة لأَولاهما أن لا
يشهد منها إلا على ما رأى، أو سمع.
قلتُ: لأن اللَّه حكى عن قوم أنهم قالوا:
(وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)
وقال: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الآية.
قال نعم.
стр. 1052
الأم: (أيضاً) : باب (التحفظ في الشهادة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه : (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يسع شاهداً أن يشهد إلا بما عَلِمَ، والعلم من
ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: منها ما عاينه الشاهد فيشهد بالمعاينة.
الوجه الثاني: ومنها ما سمعه فيشهد ما أثبت سمعاً من المشهود عليه.
الوجه الثالث: ومنها ما تظاهرت به الأخبار مما لا يمكن في أكثره العيان.
وتثبت معرفته في القلوب، فيشهد على هذا الوجه.
стр. 1053
سورة الجاثية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)
الرسالة: باب (ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى:
(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
فأبان الله أن قد فرض على نبيه اتباع أمره، وشهد له بالبلاع عنه وشهد به لنفسه، ونحن نشهد له به تقرباً إلى الله بالإيمان به، وتوسلاً إليه بتصديق كلماته.
* * *
قال الله : (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)
مناقب الشافعى: باب (ما يستدل به على معرفة الشافعى بمعاني أخبار رسول
الله ﷺ :
وقرأت - القول: للبيهقي - في كتاب أبي منصور الحمشاذي، أنبأنا أبو
علي الماسَرْجسِي قال: أخبرنا أبو بكر (أحمد بن مسعود) ، قال: حدثنا يحيى بن أحمد بن أخي حرملة قال: حدثنا عمي قال:
стр. 1054
قال الشَّافِعِي ﵀: يقول : (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) .
وقال رسول الله ﷺ :
"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: إنَّما تأويله - واللَّه أعلم - أن العرب كان من شأنها
أن تذمَّ الدهرَ، وتسبَّه عند المصائب التي تنزل بهم: من موت، أو هدم، أو تلف مال أو غير ذلك، وتسب الليل والنهار - وهما: الجديدان، والفتيان - ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم؛ فيجعلون الليل والنهار اللذين يفعلان ذلك، فقال رسول الله ﷺ :
"لا تسبوا الدهر ... " الحديث.
على أنه الذي يفعل بكم هذه الأشياء؛ فإنكم إن سببتم فاعل هذه الأشياء، فإنما تسبون اللَّه ، فإن اللَّه تعالى فاعل هذه الأشياء.
стр. 1055
سورة الأحقاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ)
الأم: كتاب: (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم مَنَّ اللَّه عليهم بما آتاهم من العلم، وأمرهم
بالاقتصار عليه، وأن لا يتولوا غيره إلا بما علمهم، وقال لنبيه ﷺ : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) .
أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في آيات متفرقة) :
أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع.
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) الآية.