Полный текст (1 273 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما جاء في قول الله : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) :
أخبرنا أبو طاهر (محمد بن محمد الفقيه) حدثنا أبو بكر (محمد بن عمر بن
حفص) الزاهد، حدثنا حمدون السِّمسَار، حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان ابن إبراهيم الكَرْمَاني، حدثنا سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قَتَّة، عن ابن عباس ﵄ في قوله : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) الآية.
قال: شرف لك ولقومك.
* * *
قال الله : (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)
الأم: الخلاف في اليمين مع الشاهد:
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له - أي: للمحاور -: الشهادة على علمه
أولى أن لا يشهد بها حتى يسمعها من المشهود عليه، أو يراها، أو اليمين.
قال - أي: المحاور -: كل لا ينبغي إلا هكذا، وإن الشهادة لأَولاهما أن لا
يشهد منها إلا على ما رأى، أو سمع.
قلتُ: لأن اللَّه حكى عن قوم أنهم قالوا:
(وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)
وقال: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الآية.
قال نعم.
стр. 1052
الأم: (أيضاً) : باب (التحفظ في الشهادة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه : (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يسع شاهداً أن يشهد إلا بما عَلِمَ، والعلم من
ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: منها ما عاينه الشاهد فيشهد بالمعاينة.
الوجه الثاني: ومنها ما سمعه فيشهد ما أثبت سمعاً من المشهود عليه.
الوجه الثالث: ومنها ما تظاهرت به الأخبار مما لا يمكن في أكثره العيان.
وتثبت معرفته في القلوب، فيشهد على هذا الوجه.
стр. 1053
سورة الجاثية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)
الرسالة: باب (ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى:
(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
فأبان الله أن قد فرض على نبيه اتباع أمره، وشهد له بالبلاع عنه وشهد به لنفسه، ونحن نشهد له به تقرباً إلى الله بالإيمان به، وتوسلاً إليه بتصديق كلماته.
* * *
قال الله : (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)
مناقب الشافعى: باب (ما يستدل به على معرفة الشافعى بمعاني أخبار رسول
الله ﷺ :
وقرأت - القول: للبيهقي - في كتاب أبي منصور الحمشاذي، أنبأنا أبو
علي الماسَرْجسِي قال: أخبرنا أبو بكر (أحمد بن مسعود) ، قال: حدثنا يحيى بن أحمد بن أخي حرملة قال: حدثنا عمي قال:
стр. 1054
قال الشَّافِعِي ﵀: يقول : (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) .
وقال رسول الله ﷺ :
"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: إنَّما تأويله - واللَّه أعلم - أن العرب كان من شأنها
أن تذمَّ الدهرَ، وتسبَّه عند المصائب التي تنزل بهم: من موت، أو هدم، أو تلف مال أو غير ذلك، وتسب الليل والنهار - وهما: الجديدان، والفتيان - ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم؛ فيجعلون الليل والنهار اللذين يفعلان ذلك، فقال رسول الله ﷺ :
"لا تسبوا الدهر ... " الحديث.
على أنه الذي يفعل بكم هذه الأشياء؛ فإنكم إن سببتم فاعل هذه الأشياء، فإنما تسبون اللَّه ، فإن اللَّه تعالى فاعل هذه الأشياء.
стр. 1055
سورة الأحقاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ)
الأم: كتاب: (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم مَنَّ اللَّه عليهم بما آتاهم من العلم، وأمرهم
بالاقتصار عليه، وأن لا يتولوا غيره إلا بما علمهم، وقال لنبيه ﷺ : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) .
أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في آيات متفرقة) :
أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع.
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) الآية.
стр. 1056
سورة محمد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ)
الأم: أصل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀:
ولما مضت لرسول اللَّه ﷺ مدة من هجرته، أنعم
الله تعالى فيها على جماعة باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها، ففرض اللَّه تعالى عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضاً، فقال ﵎: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ)
وذكر آيات أخرى في فرضية الجهاد.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه -. الشَّافِعِي - في قسم الفيء والغنيمة والصدقات:
قال الشَّافِعِي ﵀ ا: كل ما حصل - مما غُنِم من أهل دار الحرب -
قُسِمَ كله، إلا الرجال البالغين، فالإمام فيهم بالخيار: بين أن يمنَّ على من رأى
стр. 1057
منهم، أو يقنل، أو بفادكط، أو يسى - وسبيل ما سبى وما أخذ مما فادى، سبيل ما سواه من الغنيمة.
واحتج - في القديم - بقول الله : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) الآية.
وذلك - في بيان اللغة - قبل انقطاع الحرب.
قال الشَّافِعِي ﵀: وكذلك فعل رسول الله ﷺ في أسارى بدر، مَنَّ عليهم، وفداهم، والحرب بينه وبين قريش قائمة، وعرض على ثمامة بن أثال الحنفي وهو يومئذ وقومه - أهل اليمامة - حرب لرسول اللَّه ﷺ - أن يمنَّ عليهم - وبسط الكلام فيه -.
مناقب الشَّافِعِي (باب (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الإيمان)
قال الشَّافِعِي ﵀: وفرض - اللَّه - على اليدين: أن لا يبطش بهما إلى
ما حرم اللَّه تعالى، وأن يبطش بهما إلى ما أمر اللَّه من الصدقة، وصلة الرحم، والجهاد في سبيل اللَّه، والطهور للصلوات، فقال في ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)
إلى آخر الآية، وقال: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) الآية؛ لأن الضرب، والحرب، وصلة الرحم، والصدقة من علاجها.
стр. 1058
قال الله : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بمعاني أخبار رسول
الله ﷺ :
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي قال: أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب قال:
حدثنا العباس بن يوسف الشكلي قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشَّافِعِي يقول في معنى قول النبي ﷺ ، لعلي بن أبي طالب، ﵁: "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه" الحديث.
يعني بذلك ولاء الإسلام، وذلك قول اللَّه تعالى:
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) .
وأما قول عمر بن الخطاب لعلي ﵄:
"أصبحت مولى كل مؤمن" الحديث.
يقول: ولي كل مسلم.
стр. 1059
قال الله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)
الرسالة: باب (كيف البيان؟) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ومنه: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في
طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم، فإنه يقول ﵎: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) الآية.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)
الأم: الإقرار والاجتهاد والحكم بالظاهر:
قال الشَّافِعِي ﵀: فأخبر النبي ﷺ أن الاجتهاد بعد أن لا يكون كتاب الله ولا سنة رسوله، ولقول اللَّه : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الآية.
وما لم أعلم فيه مخالفاً من أهل العلم، ثم ذلك موجود في قوله ﷺ
"إذا اجتهد"؛ لأن الاجتهاد ليس بعين قائمة، وإنما هو شيء يحدثه من قبل نفسه، فإذا كان هذا هكذا فكتاب اللَّه، والسنة، والإجماع أولى - به - من رأي نفسه.
стр. 1060
ومن قال الاجتهاد أولى خالف الكتاب والسنة برأيه، ثم هو مثل القِبلَة التي من لثمهد مكة في موضع يمكنه رؤية البيت بالمعاينة، لم يجز له غير معاينتها، ومن غاب عنها توجه إليها باجتهاده.
فإن قيل: فما الحجة في أنه ليس للحاكم أن يجتهد على
غير كتاب ولا سنة، وقد قال رسول الله ﷺ :
"إذا اجتهد الحاكم".
وقال معاذ ﵁: (أجتهد رأيي" الحديث.
ورضي بذلك رسول الله ﷺ - بأبي هو
وأمي -، ولم يقل رسول الله ﷺ إذا اجتهد على الكتاب والسنة؟
قيل: لقول الله (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الآية.
فجعل الناس تبعاً لهما، ثم لم يهملهم - ثم ذكر أدلة أخرى -.
стр. 1061
سورة الفتح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)
قال الله : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)
الأم: المهادنة على النظر للمسلمين:
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قامت الحرب بين رسول الله ﷺ وقريش، ثم أغارت سراياه على أهل نجد، حتى توقى الناس لقاء رسول الله ﷺ خوفاً
للحرب دونه من سراياه، وإعداد من يعدُّ له من عدوه بنجد، فمنعت منه قريش أهل تهامة، ومنع أهل نجد منه أهل نجد المشرق، ثم اعتمر رسول الله ﷺ عمرة الحديبية في ألف وأربعمائة، فسمعت به قريش فجمعت له، وجدَّت على منعه.
ولهم جموع أكثر ممن خرج فيه رسول الله ﷺ فتداعوا الصلح، فهادنهم رسول اللَّه ﷺ إلى مدة، ولم يهادنهم على الأبد؛ لأن قتالهم حتى يسلموا فرض إذا قوي
عليهم، وكانت الهدنة بينه وبينهم عشر سنين، ونزل عليه في سفره في أمرهم: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) الآية.
стр. 1062
قال ابن شهاب: فما كان في الإسلام فتح أعظم منه، كانت الحرب قد
أحرجت الناس، فلما أمنوا لم يتكلم في الإسلام أحد يعقل إلا قَبِلَهُ، فلقد أسلم في سنين من تلك الهدنة أكثر ممن أسلم قبل ذلك.
ثم نقض بعض قريش، ولم ينكر عليه غيره إنكاراً يعتد به عليه، ولم يعتزل
داره، فغزاهم رسول الله ﷺ عام الفتح مخفياً لوجهه ليصيب منهم غِرَّة.
الأم (أيضاً) : جماع الهدنة على أن يردَّ الإمام من جاء بلده مسلماً أو مشركاً: قال الشَّافِعِي ﵀: ذكر عدد من أهل العلم بالمغازي: أن رسول اللَّه
ﷺ هادن قريشاً عام الحديبية على أن يأمن بعضهم بعضاً، وأن من جاء قريشاً من المسلمين مرتداً لم يردوه عليه، ومن جاء إلى النبي ﷺ بالمدينة منهم رده عليهم، ولم يعطهم أن يرد عليهم من خرج منهم مسلماً إلى غير المدينة في بلاد
الإسلام والشرك، وإن كان قادراً عليه، ولم يذكر أحد منهم أنه أعطاهم في مسلم غير أهل مكة شيئاً من هذا الشرط، وذكروا أنه أنزل عليه في مهادنتهم: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) الآية.
فقال بعض المفسرين: قضينا لك قضاء مبيناً.
فتم الصلح بين النبي ﷺ وبين أهل مكة على هذا.
أحكام القرآن: فصل: (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في آيات متفرقة)
أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع:
стр. 1063
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال اللَّه لنبيه ﷺ :
(قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) .
ثم أنزل اللَّه على نبيه ﷺ : أن غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يعني - واللَّه أعلم -: ما تقدم
من ذنبه قبل الوحي وما تأخر: أن يعصمه فلا يذنب، يعلم اللَّه ما يفعل به من رضاه وأنه أول شافع وأول مشفع يوم القيامة وسيد الخلائق.
وسمعت أبا عبد اللَّه محمد بن إبراهيم بن عبد أن الكَرْماني يقول: سمعت
أبا الحسن محمد بن أبي إسماعيل العلوي (ببخاراء) .
يقول: سمعت أحمد بن محمد بن حسان المصري (بمكة) يقول: سمعت المزني يقول: سئل الشَّافِعِي عن قول اللَّه : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) الآيتان.
قال: معناه، (مَا تَقَدَّمَ) : من ذنب أبيك آدم وهبته لك.
(وَمَا تَأَخَّرَ) : من ذنوب أمتك، أدخلهم الجنة بشفاعتك.
قال الشيخ ﵀: وهذا قول مستظرف، والذي وضعه الشَّافِعِي - في
تصنيفه - أصح الروايتين، وأشبه بظاهر الرواية - واللَّه أعلم -.
стр. 1064
قال الله : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)
الرسالة: باب (ما أمر الله من طاعة رسول الله) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله جل ثناره: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) .
فأعلمهم أن بيعتهم رسوله بيعته، وكذلك أعلمهم أن طاعتهم طاعته.
* * *
قال الله : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)
الأم: باب (الإحصار بالعدو) :
قال الشَّافِعِي ﵀: والحديبية: موضع من الأرض منه ما هو في الحل.
ومنه ما هو في الحرم، فإنما نحر الهدى عندنا في الحل، وفيه مسجد رسول الله ﷺ -
стр. 1065
الذي بويع فيه تحت الشجرة، فأنزل الله : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) الآية.
فبهذا كله نقول: فنقول من أحصر بعدو حل حيث يُحبس، في حل كان أو حرم، ونحر أو ذبح هدياً، وأقل ما يذبح شاة.
* * *
قال الله : (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
الأم: حال المسلمين يقاتلون العدو وفيهم أطفالهم:
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا حصر المسلمون عدوهم، فقام العدو
على سورهم معهم أطفال المسلمين يتترسون بهم، قال: يردونهم بالنبل
والمنجنيق، يعمدون بذلك أهل الحرب، ولا يتعمدون بذلك أطفال المسلمين.
قال الأوزاعي ﵀: يكف المسلمون عن رميهم، فإن برز أحد منهم
رموه، فإن اللَّه يقول: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
حتى فرغ من الآية، فكيف يرمي المسلمون من لا يرمون من المشركين.
قال أبو يوسف ﵀: تأول الأوزاعي هذه الآية في غير - موضعها -.
ولو كان يحرم رمى المشركين وقتالهم إذا كان معهم أطفال المسلمين لحرم ذلك
أيضاً منهم إذا كان معهم أطفالهم ونساؤهم، فقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والأطفال والصبيان، وفد حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، وأهل خيبر، وقريظة، والنضير، وأجلب المسلمون عليهم - فيما بلغنا - أشد ما قدروا
стр. 1066
عليه، وبلغنا أنه نصب على أهل الطائف المنجنيق.
فلو كان يجب على المسلمين الكفُّ عن المشركين إذا كان في ميدانهم الأطفال لنهى رسول الله ﷺ عن قتلهم
ولم يقاتلوا. ..
قال الشَّافِعِي ﵀: أما ما احتج به من قتل المشركين وفيهم الأطفال
والنساء والرهبان، ومن نهي عن قتله، فإن رسول الله ﷺ أغار على بني المصطلق غازين في نعَمِهِم، وسئل عن أهل الدار يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم.
فقال: هم منهم، يعني ﷺ : أن الدار مباحة؛ لأنها دار شرك، وقتال المشركين مباحٌ.
الأم (أيضاً) : الإحصار:
قال الشَّافِعِي ﵀: الإحصار الذي ذكره اللَّه ﵎ فقال:
(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) .
نزلت يوم الحديبية، وأحصر النبي ﷺ بعدو، ونحر ﵊ في الحل، وفد قيل نحر في
الحرم، وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل، وبعضها في الحرم؛ لأن الله يقول: (وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ)
والحرام كله محله عند أهل العلم، فحيثما أحصر الرجل، قريباً كان أو بعيداً، بعدو حائل - مسلم أو كافر - وقد أحرم، ذبح شاة وحل، ولا قضاء عليه، إلا أن يكون حَجُّه حجة الإسلام فيحجها، وهكذا السلطان إن حبسه في سجن أو غيره، وهكذا العبد يحرم بغير إذن سيده، وكذلك المرأة تحرم بغير إذن زوجها؛
стр. 1067
لأن لهما أن يحبساهما، وليس هذا للوالد على الولد، ولا للولي على المولى
عليه.
ولو تأنى الذي أحصر رجاء أن يُخلَّى، كان أحبَّ إليَّ. ..
الأم (أيضاً) : باب (الإحصار بالعدو) :
قال الشَّافِعِي ﵀: والقرآن يدل على أن هدي النبي ﷺ لم يبلغ الحرم.
فإن قال: وأين ذلك؟
قلت: قال اللَّه : (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) الآية.
فإن قال قائل: فإن اللَّه يقول: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ؟
قلت: - الله أعلم بمحله هاهنا يشبه أن يكون إذا أحصر، - تَمَّ - نحره حيث أحصر كما وصفت، ومحله في غير الإحصار الحرم، وهو كلام عربي واسع.
وخالفنا بعض الناس فقال: المحصر بالعدو والمرض سواء، وعليهما
القضاء، ولهما الخروج من الإحرام.
- واحتج قائلاً -: ألا ترى أنها تسمى عمرة القضية وعمرة القصاص.
فقيل لبعض من قال هذا القول؛ إن لسان العرب واسع، فهي تقول:
اقتضيت ما صنع بي، واقتصصت ماصنع بي، فبلغت ما منعت مما يجب لي.
وما لا يجب على أن أبلغه وإن وجب لي.
قال الشَّافِعِي ﵀: والذي نذهب إليه من هذا أنها إنما سميت عمرة
القصاص، وعمرة القضية، أن اللَّه اقتصَّ لرسوله ﷺ فدخل عليهم كما منعوه، لا على أن ذلك وجب عليه.
стр. 1068
الزاهر باب (الاعتكاف) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وأصل الاعتكاف: الإقامة في المسجد والاحتباس.
يقال: عَكَفْتُهُ فعَكَفَ، واعتكف، أي: حبسته فاحتبس.
والعاكف والمعتكف واحد، قال اللَّه :
(وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُو) الآية.
أي: ممنوعاً محبوساً.
* * *
قال الله : (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)
الأم: باب (دخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرة)
قال الشَّافِعِي ﵀: ويحكى أن النبيين كانوا يحجون، فإذا أتوا الحرم
مشوا إعظاماً له ومشوا حفاة، ولم يحك لنا عن أحد من النبيين، ولا الأمم
الخالية، أنه جاء أحد البيت قط إلا حراماً، ولم يدخل رسول الله ﷺ مكة علمناه إلا حراماً إلا في حرب الفتح، فبهذا قلنا: إن سنة الله تعالى في عباده أن لا يدخل الحرم إلا حراماً، وبأن من سمعناه من علمائنا قالوا: فمن نذر أن يأتي البيت يأتيه محرماً بحج أو عمرة.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا أحسبهم قالوه إلا بما وصفت، وأن الله تعالى
ذكر وجه دخول الحرم فقال: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) الآية.
стр. 1069
قال الشَّافِعِي ﵀: فدل على وجه دخوله للنسك وفي الأمن، وعلى
رخصة اللَّه في الحرب وعفوه فيه عن النسك، وأن فيه دلالة على الفرق بين من يدخل مكة وغيرها من البلدان، وذلك أن جميع البلدان تستوي، لأنها لا تدخَل بإحرام، وإن مكة تنفرد بأن من دخلها منتاباً لها لم يدخلها إلا بإحرام.
قال الشَّافِعِي ﵀: إلا أن من أصحابنا من رخص للحطابين، ومن
مدخله إياها لمنافع أهلها، والكسب لنفسه، ورأيت أحسن ما يحمل عليه هذا القول إلى: أن انتياب هؤلاء مكة انتياب كسب لا انتياب تبرر، وأن ذلك متتابع كثير متصل فكانوا بشبهون المقيمين فيها، ولعل حطابيهم كانوا مماليك غير مأذون لهم بالتشاغل بالنسك.
* * *
قال الله : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا)
الأم: كتاب (الجزية) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم اصطفى اللَّه سيدنا محمداً ﷺ من خير آل إبراهيم، وأنزل كتبه قبل إنزاله الفرقان على محمد ﷺ بصفة فضيتله، وفضيلة
من اتبعه به، فقال : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) الآية.
стр. 1070
سورة الحجرات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)
الزاهر باب (الشهيد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: (ويضع ياسرة السرير المُقَدِّمَة) وإن شئت المُقَدَّمَة
فمن قال: المقدِّمة، معناه: المتقدمة.
ومنه قوله : (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)
أي: لا تتقدموا: يقال: قدَّم، وتقدَّم، واستقدَم: بمعنى واحد. ومُقَدِّمة
الجيش: بكسر الدال من هذا.
ومن قال المقدَّمة: أراد التي قُدِّمت.
* * *
قال الله : (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)
الأم: ما جاء في أمر رسول الله ﷺ وأزواجه:
قال الشَّافِعِي ﵀: إن الله ﵎ لِما خص به رسوله من
وحيه، وأبان من فضله من المباينة بينه وبين خلقه؛ بالفرض على خلقه بطاعته
стр. 1071
في غير آية من كتابه - ومنها - وقال: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) الآية.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)
الأم: باب (التثبت في الحكم وغيره) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فأمر اللَّه من يمضي أمره على أحد من عباده، أن
يكون مستبيناً قبل أن يمضيه.
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما جاء في خروجه إلى اليمن ومقامه بها، تم في حمله
من اليمن إلى هارون) :
قال البيهقي ﵀: واتصل الخبر بالرشيد أن الشَّافِعِي يريد أن يخرج
بأرض اليمن علوياً - وكان الخبر باطلاً - فغضب الرشيد، ثم أرسل إليه
فحمله، وحُمِلَ معه بضعة عشر رجلاً، وذكر الحديث
في إظهار محمد بن الحسن العناية في شأنه، وأنه لم ينفعه ذلك.
стр. 1072
وقتل - الرشيد - منهم تسعة، ثم أُدخِل الشَّافِعِي، فلما واجه الرشيد قال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .
فقال الرشيد: أو ليس الأمر كما قيل فيك؟
فقال: يا أمير المؤمنين، وهل في الأرض علوي إلا وهو يظن أن الناس
عبيد له؟ فكيف أخرج رجلاً يريد أن يجعلني له عبداً، وأغدر بسادات بني عبد مناف وأنا منهم وهم مني؟ فسكن غضب الرشيد.
* * *
قال الله : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) .
الأم: كتاب (قتال أهل البغي وأهل الردة) :
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) .
стр. 1073
قال الشَّافِعِي ﵀: فذكر اللَّه اقتتال الطائفتين. والطائفتان المتنعتان: الجماعتان كل واحدة ممتنع أشد الامتناع، أو أضعف إذا لزمها اسم الامتناع، وسماهم اللَّه تعالى المؤمنين، وأمر بالإصلاح بينهم، فحق على كل أحد دعاء المؤمنين إذا افترقوا وأرادوا القتال، أن لا يُقاتلوا حتى يُدعَوا إلى الصلح.
وبذلك قلت: لا يُبيَّتُ أهل البغي قبل دعائهم؛ لأن على الإمام الدعاء كما أمر الله قبل القتال، وأمر اللَّه بقتال الفئة الباغية، وهي مسماة باسم الإيمان، حتى تفيء إلى أمر اللَّه، فإن فاءت لم يكن لأحد قتالها؛ لأن اللَّه إنما أذن في
قتالها في مدة الامتناع بالبغي إلى أن تفيء.
قال الشَّافِعِي ﵀: والفيء: الرجعة عن القتال بالهزيمة، أو التوبة
وغيرها، وأي حال ترك به القتال فقد فاء.
والفيء: بالرجوع عن القتال، الرجوع عن معصية اللَّه تعالى ذكره إلى طاعته، في الكف عما حرم اللَّه .
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال أبو ذؤيب يعيِّر نفراً من قومه انهزموا عن
رجل من أهله في وقعة فقتل:
لا ينسَأُ اللَّه منا مَعشراً شَهدوا ... يوم الأمَيلِح لا غابوا ولا جَرَحُوا
عَفوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاؤوا وقالوا حبذا الوَضَحُ
قال الشَّافِعِي ﵀: وأمر اللَّه تعالى إن فاؤوا أن يُصلح بينهما بالعدل.
ولم يذكر تباعة في دم ولا مال، وإنما ذكر اللَّه تعالى الصلح آخراً، كما ذكر
الإصلاح بينهم أولاً قبل الإذن بقتالهم: فأشبه هذا - واللَّه تعالى أعلم - أن
تكون التباعات في الجراح والدماء وما فات من الأموال ساقطة بينهم.
стр. 1074
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد يحتمل قول الله :
(فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) الآية.
أن يصلح بينهم بالحكم إذا كانوا قد فعلوا ما فيه حكم
فيعطى بعضهم من بعض ما وجب له لقول الله : (بِالْعَدْلِ) .
والعدل: أخذ الحق لبعض الناس من بعض.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإنما ذهبنا إلى أن القَوَدَ ساقط، والآية تحتمل
المعنيين.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مُطرف بن مازن، عن معمر بن راشد، عن
الزُّهري قال: أدركت الفتنة الأولى أصحاب رسول الله ﷺ فكانت فيها دماء وأموال، فلم يُقتص فيها من دم ولا مال ولا قَرْح أصيب بوجه التأويل، إلا أن يوجد مال رجل بعينه فيدفع إلى صاحبه.
قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا كما قال الزهري عندنا، قد كانت في تلك
الفتنة دماء يُعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأتلفت فيها أموال، ثم صار
الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم، فما علمته اقتص أحد من أحد، ولا غَرِم له مالاً أتلفه، ولا علمت الناس اختلفوا في أن ما حووا في البغي من مال فوجد بعينه فصاحبه أحق به.
قال الشَّافِعِي ﵀: ووجدت قول اللَّه تعالى قال:
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)
فذكر الله قتالهم ولم يذكر القصاص بينهما،
стр. 1075
فأثبتنا القصاص بين المسلمين على ما حكم الله في القصاص، وأزلناه في المتأولين الممتنعين، ورأينا أن المعني بالقصاص من المسلمين هو من لم يكن ممتنعاً متأولاً، فأمضينا الحكمين على ما أمضينا عليه.
وقلت له - أي: للمحاور -: علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ولي
قتال المتأولين، فلم يقصص من دم ولا مال أصيب في التأويل، وقَتَلَه ابن ملجم متأولاً، فأمر بحبسه، وقال لولده: إن قتلتم فلا تمثلوا، ورأى له القتل، وقتله الحسن بن علي ﵄، وفي الناس بقية من أصحاب رسول الله ﷺ لا نعلم أحداً أنكر قتله ولا عابه ولا خالفه في أن يقتل؛ إذ لم يكن له جماعة يمتنع
بمثلها، ولم يَقُد علي وأبو بكر ﵄ قبله ولي من قتلتهُ الجماعة الممتنع بمثلها على التأويل كما وصفنا، ولا على الكفر.
قال الشَّافِعِي ﵀: والآية تدل على أنه إنما أبيح قتالهم في حال.
وليس في ذلك إباحة أموالهم، ولا شيء منها، وأما قطاع الطريق، ومن قتل على غير تأويل فسواء جاعة كانوا أو وحداناً يقتلون حداً وبالقصاص بحكم الله في القتلة، وفي المحاربين.
الأم (أيضاً) : باب (الحال التي لا يحل فيها دماء أهل البغي) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا دُعِي أهل البغي، فامتنعوا من الإجابة فقوتلوا، فالسيرة فيهم مخالفة للسيرة في أهل الشرك، وذلك بأن الله حرَّم ثم رسوله دماء المسلمين، إلا بما بيَّن الله ﵎ ثم رسوله ﷺ ، فإنما أبيح قتال أهل البغي ما
كانوا يقاتلون، وهم لا يكونون مقاتلين أبداً إلا مقبلين، ممتنعين، مريدين، فمتى زايلوا هذه المعاني فقد خرجوا من الحال التي أبيح بها قتالهم، وهم لا يخرجون منها أبداً، إلا إلى أن تكون دماؤهم محرمة كهي قبل يحدثون، وذلك بيِّنٌ عندي في كتاب
стр. 1076
الله ، قال اللَّه ﵎: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا قاتلت المرأة، أو العبد مع أهل البغي.
والغلام المراهق، فهم مثلهم يقاتلون مقبلين، ويتركون مولين.
قال الشَّافِعِي ﵀: ويختلفون في الأسارى، فلو أسِر البالغ من الرجال
الأحرار، فحُبسَ ليبايع رجوت أن يسع ولا يحبس مملوك، ولا غير بالغ من
الأحرار، ولا امرأة لتبايع، وإنما يبايع النساء على الإسلام، فأما على الطاعة: فهن لا جهاد عليهن، وكيف يبايعن والبيعة على المسلمين المولودين في الإسلام، إنما هي على الجهاد.
أماً إذا انقضت الحرب فلا أرى أن يُحبس أسيرهم، ولو قال أهل البغي:
أنظرونا ننظر في أمرنا، لم أرَ بأساً أن ينظروا.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو قالوا: أنظرونا مدة، رأيت أن يجتهد الإمام فيه.
الأم (أيضاً) : الخلاف في قتال أهل البغي:
قال الشَّافِعِي ﵀: فقال - أي: المحاور - فكيف يجوز قتلهم مقبلين.
ولا يجوز مدبرين؟
قلت: بما قلنا من أن اللَّه إنَّما أذن بقتالهم إذا كانوا باغين، قال الله ﵎: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) الآية، وإنَّما يُقاتل من يُقاتِل، فأما من لا يقاتل، فإنما يقال: اقتلوه، لا فقاتلوه، ولو كان فيما احتججت به من هذا حجة كانت عليك، لأنك تقول: لا تقتلون مدبراً ولا أسيراً ولا جريحاً إذا انهزم عسكرهم، ولم تكن لهم فئة.
قال: قلته اتباعاً لعلي بن أبي طالب ﵁.
стр. 1077
الزاهر باب (قتال أهل البغي)
دْكر الشَّافِعِي ﵀: - في المختصر - قول اللَّه : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)
إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الآية.
قال - اللَّه تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ) ثم قال: (اقْتَتَلُوا) ولم يقل: اقتتلتا.
ولو قاله لكان جائزاً؛ لأن كل طائفة منهما جماعة.
وقول اللَّه تعالى: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى) الآية، أي: اعتدت
وجارت.
والبغي: الظلم. والباغية: التي تعدل عن الحق، وما عليه أئمة المسلمين
وجماعتهم: يقال: بغى الجرح: إذا ترامى في الفساد.
وبغت المرأة: إذا فجرت.
والبَغِيُّ: الفاجرة.
وقوله -: (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) الآية، أي: ترجع إلى أمر الله تعالى.
وقوله تعالى: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الآية، أي: اعدلوا.
يقال: أقسط فهو مقسط: إذا عدل. وقسط فهو قاسط: إذا جار.
* * *
قال الله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
الأم: من لا قصاص بينه لاختلاف الدينين:
قال الشَّافِعِي ﵀: جعل - اللَّه تعالى - الأخوة بين المؤمنين - بابتداء
الآية - فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الآية، وقطع ذلك بين المؤمنين والكافرين، ودلَّت سنة رسول الله ﷺ على مثل ظاهر الآية.
стр. 1078
الأم (أيضاً) : شهادة أهل العصبية:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)
الآية، وقال رسول الله ﷺ :
"وكونوا عباد الله إخواناً" الحديث.
فإذا صار رجل إلى خلاف أمر الله ﵎ اسمه، وأمر رسول الله ﷺ بلا سبب يعذر به يخرج به من العصبية، كان مقيماً على معصية لا تأويل فيها، ولا اختلاف بين المسلمين فيها، ومن أقام على مثل هذا كان حقيقاً أن يكون مردود الشهادة.
* * *
قال الله : (وَلَا تَجَسَّسُوا)
الأم: باب (الوصية للوارث) :
قال الشَّافِعِي ﵀ اً وقال رسول الله ﷺ :
"أيها الناس قد آنَ لكم أن تنتهوا عن محارم الله تعالى، فمن أصاب منكم من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" الحديث.
فأخبرهم أنه لا يكشفهم عما لا يبدون من أنفسهم، وأنهم إذا أبدوا ما فيه الحق عليهم
стр. 1079
أخذوا بدْلك، وبذلك أمر اللَّه تعالى ذكره فقال: (وَلَا تَجَسَّسُوا) الآية، وبذلك أوصى رسول الله ﷺ .
الأم (أيضاً) : اللعان:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا للإمام إذا رمى رجل رجلاً بزنا أو حد أن
يبعث إليه، ويسأله عن ذلك؛ لأن اللَّه يقول:
(وَلَا تَجَسَّسُوا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإن شبه على أحد أن النبي ﷺ بعث أنيساً إلى امرأة رجل فقال: "فإن اعترفت فارجمها" الحديث.
فتلك امرأة ذكر أبو الزاني بها أنها زنت، فكان يلزمه ﷺ أن يسأل، فإن أقرَّت حُدَّت، وسقط الحد عن قاذفها.
وإن أنكرت حُدَّ قاذفها.
* * *
قال الله : (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
الأم: باب (تقويم الناس في الديوان على منازلهم) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
الآية، وروي عن الزهري، أن النبي ﷺ عرَّف عام حنين على كل عشرة عَريِفاً.
قال الشَّافِعِي ﵀: وجعل النبي ﷺ للمهاجرين شعاراً، وللأوس شعاراً، وللخزرج شعاراً، وعقد النبي ﷺ الألوية عام الفتح، فعقد للقبائل قبيلة
стр. 1080
قبيلة، حتى جعل في القبيلة ألوية كل لواء لأهله، وكل هذا ليتعارف الناس في الحرب وغيرها، وتخف المؤنة عليهم باجتماعهم.
قال الشَّافِعِي ﵀: وأخبرنا غير واحد من أهل العلم من قبائل قريش.
أن عمر بن الخطاب لما كثر المال في زمانه، أجمع على تدوين الديوان، فاستشار فقال بمن ترون أبدأُ؛ فقال له رجل ابدأ بالأقرب فالأقرب بك، قال: ذكرتموني أبداً بالأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ ، فبدأ ببني هاشم، - ثم فصَّل في هذا الموضوع -.
الأم (أيضاً) : باب (حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها)
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الآية.
فكل نفس مخلوقة من ذكر وأنثى، فهذا عام يراد به العام، وفيه الخصوص، وقال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الآية.
فالتقوى وخلافها لا تكون إلا للبالغين غير المغلوبين على عقولهم.
الرسالة: باب (ما أنزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العام والخصوص)
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الآية.
فأما
стр. 1081
العموم منها ففي قول اللَّه: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) الآية، فكل نفس خوطبت بهذا في زمان رسول الله ﷺ وقبله وبعده، مخلوقة من ذكر وأنثى، وكلها شعوب وقبائل.
والخاص منها في قول اللَّه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الآية.
لأن التقوى إنما تكون على من عَقَلَها، وكان من أهلها من البالغين من بني آدم، دون المخلوقين من الدوابّ سواهم، ودون المغلوبين على عقولهم منهم، والأطفال الذين لم يبلغوا وَعُقِلَ التقوى منهم، فلا يجوز أن يوصف بالتقوى وخلافها إلا من عقلها، وكان من أهلها، أو خالفها فكان من غير أهلها.
والكتاب يدل على ما وصفت، وفي السنة دلالة عليها قال رسول الله ﷺ :
رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى
يُفيق" الحديث.
الزاهر باب (الغنيمة والفيء) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) الآية.
أما الشعوب والقبائل فقد تقدم تفسيرها.
والمعنى: إنا خلقناكم من آدم وحواء، وكلكم بنو أب وأم واحدة، إليها ترجعون في أنسابكم.
стр. 1082
ثم قال: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) الآية، يقول: لم نجعلكم
كذلك لتتفاخروا بآبائكم الذين مضوا في الشعوب والقبائل، وإنَّما جعلناكم
كذلك لتعارفوا.
أي: ليعرف بعضكم بعضاً، وقرابته منكم وتوارثكم بتلك
القرابة، ولما لكم في معرفة القبائل من المصالح في معاقلكم.
ثم قال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الآية.
أي: إن أرفعكم منزلة عند اللَّه أتقاكم، وفي هذه الآية نهي عن التفاخر بالنسب، وحضٌّ على معرفته ليستعان به على حيازة المواريث، ومعرفة العواقل في الديات - واللَّه أعلم -.
* * *
قال الله : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)
الأم: تكلف الحجة على قائل القول الأول، وعلى من قال: أقبل إظهار التوبة إذا كان رجع إلى دين يظهره. . .:
قال الشَّافِعِي ﵀: وأخبر اللَّه عن قوم من الأعراب: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)
فأعلم أنه لم يدخل الإيمان في قلوبهم وأنهم أظهروه، وحقن به دماءهم.
قال مجاهد ﵀: في قوله: (أَسْلَمْنَا قال: أسلمنا مخافة القتل والسِّباء.
стр. 1083
الأم (أيضاً) كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أطلع اللَّه رسوله على قوم يُظهرون الإسلام
وُيسرون غيره، ولم يجعل له أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام، ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا، فقال لنبيه ﷺ : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: أسلمنا يعني: أسلمنا بالقول بالإيمان مخافة القتل
والسباء، ثم أخبر أنه يجزيهم إن أطاعوا اللَّه ورسوله، يعني: إن أحدثوا طاعة
رسوله) ﷺ .
стр. 1084
سورة ق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)
الأم: القراءة في الخطبة:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني عبد اللَّه
ابن أبي بكر، عن حبيب بن عبد الرحمن بن إساف، عن أم هشام بنت حارثة
ابن النعمان، أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ بـ:
(ق) وهو يخطب على المنبر يوم الجمعة، وأنها لم تحفظها إلا من رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو على المنبر.
من كثرة ما كان النبي ﷺ يقرأ بها يوم الجمعة على المنبر.
الأم (أيضاً) : القراءة في العيدين:
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن ضمرة بن سعيد
المازني، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان رسول الله ﷺ -
стр. 1085
يقرأ به: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) الآية، و (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فأحبُّ أن يقرأ في العيدين، في الركعة الأولى ب: (ق) وفي الركعة الثانية بـ: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)
وكذلك أحب أن يقرأ في الاستسقاء، وإن قرأ في الركعة الثانية من الاستسقاء: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا) الآية، أحببتُ ذلك.
الأم (أيضاً) : باب (القراءة في العيدين والجمعة) :
سألت الشَّافِعِي باي شيء تحب أن يُقرأ في العيدين فقال: بـ: (ق) .
و (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: بعد إيراد حدبث أبي واقد الليثي -: فقلت - أي:
قال الربيع بن سليمان - للشافعي فإنا لا نبالي بأي سورة قرأ.
فقال - الشَّافِعِي ﵀: ولم لا تبالون وهذه روايتكم عن النبي ﷺ ؛ فقلت:
لأنه يجزيه. . . إلى أن قال: ينبغي أن تستحبوا ما صنع رسول الله ﷺ بكل حال.
* * *
قال الله : (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا)
الأم: البروز للمطر:
قال الشَّافِعِي ﵀: بلغنا أن النبي ﷺ كان يَتَمَطر في أول مطرة حتى يصيب جسده.
وروي عن ابن عباس ﵄ أن السماء أمطرت، فقال
стр. 1086
لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر، فقال أبو الجوزاء لابن عباسٍ ﵄: لم تفعل هذا يرحمك اللَّه؛ فقال: أما تقرأ كتاب اللَّه: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا) الآية.
فأحبُّ أن تصيب البركة فراشي ورحلي.
أخبرنا إبراهيم، عن ابن حرملة، عن ابن المسيب ﵀، أنه رآه في
المسجد، ومطرت السماء، وهو في السقاية، فخرج إلى رحبة المسجد، ثم كشف عن ظهره للمطر حتى أصابه، ثم رجع إلى مجلسه.
* * *
قال الله : (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)
مختصرالمزني: باب (القراءة في الصلاة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان، عن زياد بن علاقة، عن عمه، قال:
سمعت النبي ﷺ في الصبح يقرأ: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: يعني بـ: (ق) الحديث.
* * *
قال الله : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)
الأم: كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فأعلم - اللَّه تعالى - عباده مع ما أقام عليهم من
الحجة، بأن ليس كمثله أحد في شيء، أن علمه بالسر والعلائنة واحد، فقال
стр. 1087
تعالى ذكره: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) الآية.
стр. 1088
سورة الذاريات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)
الأم: القول في الإنصات عند رؤية السحاب والمطر:
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرني من لا أتهم قال: حدثنا العلاء بن راشد.
عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: ما هبت ريح إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال:
"اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها
رياحاً ولا تجعلها ريحاً" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: قال ابن عباس ﵄ في كتاب الله : (إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) الآية.
وذكر آيات أخرى في هذا الباب.
* * *
قال الله : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)
الأم: كتاب الجزية:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
стр. 1089
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال الله ﵎: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: خلق الله تعالى الخلق لعبادته.
стр. 1090
سورة الطور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)
الأم: باب (تفريع حج الصبي والمملوك) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فما الحجة أن للصبي حجاً، ولم
يكتب عليه فرضه؟
قيل: إن اللَّه بفضل نعمته أناب الناس على الأعمال
أضعافها، ومَن على المؤمنين بأن ألحقَ بهم ذرياتهم، ووفر عليهم أعمالهم.
فقال: (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) الآية.
فلما مَنَّ على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل، كان أن من عليهم بأن بكتب لهم عمل البر في الحج، وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى - ثم ذكر دليلاً حديث المرأة التي رفعت للنبي ﷺ صبياً - فقالت: يا رسول ألهذا حج؟
قال ﷺ : "نعم، ولَكِ أجر " الحديث -.
следующие страницы →