Полный текст (1 273 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قال الله : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في التفسير (في آيات متفرقة سوى ما مضى) :
قال البيهقي ﵀:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله (عَلَيكُم أَنفُسَكم) الآية.
قال: هذا مثل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) الآية.
ومثل قوله : (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) الآية.
ومثل هذا في القرآن على ألفاظ.
* * *
قال الله : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)
стр. 247
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال الله ﵎: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) الآية.
وقال اللَّه تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وذكر اللَّه البيع في غير موضع من كتابه، بما يدل
على إباحته، فاحتمل إحلال اللَّه البيع، معنيين:
أحدهما: أن يكون أحلّ كلّ بيع تبايعه المتبايعان، جائزي الأمر فيما
تبايعاه عن تراض منهما، وهذا أظهر معانيه.
والثاني: أن يكون اللَّه أحل البيع إذا كان مما لم ينه عنه رسول الله ﷺ .
المبيَِّن عن اللَّه معنى ما أراد، فيكون هذا من الجمل التي أحكم اللَّه فرضها بكتابه، وبيَّن كيف هي على لسان نبيه، أو من العام الذي أراد به الخاص، فبيَّن رسول اللَّه ﷺ ما أريد بإحلاله منه وما حرّم، أو يكون داخلاً فيهما، أو من العام
الذي أباحه إلاّ ما حرُم على لسان نبيه ﷺ منه، وما في معناه.
قال الشَّافِعِي ﵀: فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين.
الجائزي الأمر فيما تبايعا إلا ما نهى رسول الله ﷺ منها، وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله ﷺ محرّم بإذنه، داخل في المعنى المنهي عنه، وما فارق
ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب اللَّه.
الأم (أيضاً) : باب في: (بيع العروض) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية.
وقال: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .
стр. 248
فكلُّ بيع كان عن تراضٍ من المتبايعين جائز من الزيادة.
في جميع البيوع، إلا بيعاً حرُّمه رسول الله ﷺ إلا الذهب والوَرقِ يداً بيد، والمأكول، والمشروب في معنى المأكول، فكل ما أكل الآدميون وشربوا، فلا يجوز أن يباع منه شيء من صنفه إلا مثلاً بمثل، إن كان وزناً فوزن، وإن كان كيلاً
فكيل، يداً بيد، وسواء في ذلك الذهب والوَرقِ وجميع المأكول، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع بينهما.
الأم (أيضاً) : باب (الشهادة في البيوع) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن الذي يشبه - والله أعلم وإياه أسال التوفيق
- أن يكون دلالة، لا حتماً، يخرج من ترْكِ الإشْهَاد، فإن قال: ما دلَّ على ما وصفت؟
قيل: قال اللَّه : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية، فذكر أن
البيع حلال، ولم يذكر معه بينة.
الأم (أيضاً) : (الغصب) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية، فلم أعلم أحداً من المسلمين، خالف
في لأنَّه لا يكون على أحد أن يملك شيئاً إلَّا أن يشاء أن يملكه إلا الميراث، فإن اللَّه نقل مِلْكَ الأحياء، إذا ماتوا إلى أمن، ورُّثهم إياه، شاؤوا أو أبوا، ألا ترى أن الرجل لو أوصيَ له، أو وُهبَ له، أو تصدق عليه، أو ملك شيئاً، لم يكن عليه أن يملكه إلا أن يشاء، ولم أعلم أحداً من المسلمين اختلفوا، في ألَّا
стр. 249
يخرج ملك المالك المسلم من يديه إلا بإخراجه إياه هو نفسه، ببيع، أو هبة، أو غير ذلك، أو عتق، أو دين لزمه، فيباع في ماله، وكل هذا فعله لا فعل غيره.
الأم (أيضاً) : كراء الأرض البيضاء:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو تكارى الأرض بالثمرة دون الأرض والشجر.
فإن كانت الثمرة قد حل بيعها، جاز الكراء بها، وإن كانت لم يحل بيعها، ل
يحل الكراء بها، قال اللَّه ﵎: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) الآية.
وقال : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية، فكانت الآيتان مطلقتين على إحلال البيع كله، إلا أن تكون دلالة من رسول الله ﷺ ، أو
في إجماع المسلمين، الذين لا يمكن أن يجهلوا معنى ما أراد اللَّه، تخص تحريم بيع دون بيع، فنصير إلى قول النبي ﷺ فيه؛ لأنه المبين عن الله معنى ما أراد الله خاصَاً وعاماً، ووجدنا الدلالة عن النبي ﷺ بتحريم شيئين:
أحدهما: التفاضل في النفد.
والآخر: النسيئة كلها.
الرسالة: ما أبان الله لخدقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه:
قال الشَّافِعِي ﵀ ومنهم من قال -: لم يُسن سُنةُّ قط إلَّا ولها أصل
في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها، على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سنَّ من البيوع وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال:
стр. 250
(لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) الآية.
وقال: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية، فما أحل وحَرم فإنَّما بَين فيه عن الله، كما بيَّن الصلاة.
ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة اللَّه، فأثبتت سنته بفرض الله.
ومنهم من قال: ألقي في رُوعه كل ما سَن، وسنته الحكمة: الذي ألقي
في رُوعه عن اللَّه، فكان ما ألقي في رُوعه سُنته.
الرسالة (أيضاً) : ابتداء الناسخ والمنسوخ:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: هل تنسخ السنة بالقرآن؟
قيل: لو نسخت السنة بالقرآن، كانت للنبي ﷺ فيه سنة، تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتى تقوم الحجة على الناس، بأن الشيء يُنسخ بمثله.
فإن قال قائل: ما الدليل على ما تقول؟
قلت: فما وصفت من موضعه
من الإبانة عن اللَّه معنى ما أراد بفرائضه، خاصاً وعاماً، مما وصفت في كتابي
هذا.
وأنه لا يقول أبداً بشيء إلا بحكم اللَّه، ولو نسخ اللَّه مما قال حكماً لَسَن
رسول اللَّه فيما نسخه سُنة، ولو جاز أن يقال: قد سنَّ رسول الله ﷺ ثم نسَخ - اللَّه - سنته بالقرآن، ولا يؤثر عن رسول اللَّه السنة الناسخة، جاز أن يقال فيما حَرم رسول الله ﷺ من البيوع كلها؛ قد يحتمل أن يكون حرَّمها قبل أن ينزل
عليه: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية.
стр. 251
الرسالة (أيضاً) : الفرض المنصوص الذي دلَّت السنة على أئه إنَّما أراد به
الخاصن:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية.
ونهى رسول الله ﷺ عن بيوع تراضى بها المتبايعان فحُرِّمت، مثل الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثلِ، ومثل الذهب بالوَرِق، وأحدهما نقد، والآخر نسيئة، وما كان في معنى هذا، مما ليس في التبايع به مخاطرةْ، ولا أمر يجهله البائع ولا المشتري.
فدلَّت السنة على أنَّ اللَّه جل ثناؤه أراد بإحلال البيع ما لم يُحَرِّم منه، دونَ
ما حَرم على لسان نبيه ﷺ .
ثم كانت لرسول اللَّه ﷺ في البيوع سوى هذا سنناً، منها: العبد يباع وقد دلس البائعُ المشتري بعيب، فللمشتري رده، وله الخراج بضمانه.
ومنها: أن من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترط البتاع.
ومنها: من باع نخلاً قد أُبِّرت، فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، لزم
الناسَ الأخذ بها، بما ألزمهم اللَّه من الانتهاء إلى أمره.
الرسالة (أيضاً) : باب (العلل في الأحاديث) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وذكرتُ له قول اللَّه تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية، وقوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) الآية، ثم حرم رسول الله ﷺ بيوعاً، منها:
стр. 252
الدنانير بالدراهم إلى أجل وغيرها، فحرَّمها المسلمون بتحريم رسول الله ﷺ .
فليس هذا ولا غيره خلافاً لكتاب اللَّه.
قال: فَحُذَ لي معنى هذا بأجمع منه وأخصر.
فقلت له: لا كان في كتاب اللَّه دلالة على أن اللَّه قد وضع رسوله موضع
الإبانة عنه، وفرض على خلقه اتباع أمره فقال: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية، فإنَّما يعني: أحل اللَّه البيع إذا كان على غير ما نهى الله عنه في كتابه أو على لسان نبيه ﷺ .
وقال الشَّافِعِي ﵀: وأن يقال في البيوع التي حرم رسول الله ﷺ
إنما حرمها قبل التنزيل فلما أنزلت: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية.
كانت حلالاً.
والربا: أن يكون للرجل على الرجل الدَّين فَيَحِل فيقول: أتقضي أم تربي؟
فيؤخرُ عنه ويزيده في ماله، وأشباهٌ لهذا كثيرة.
فمن قال هذا، كان مُعطلاً لعامة سنن رسول الله ﷺ وهذا القول جهل ممن قاله. قال: أجل.
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي ﵀ بتفسير
القرآن ومعانيه، وسبب نزوله) :
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: حدثنا أبو العباس بن يعقوب قال: أنبأنا
الربيع بن سليمان قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)
الآية، فإنما يعني: أحل اللَّه البيع إذا كان على غير ما نهى الله عنه في كتاَبه، أو على لسان نبيه ﷺ .
стр. 253
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)
وقال الله : (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ)
الأم: الحكم بين أهل الجزية:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎ في المشركين بعد إسلامهم: (اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
وقال: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) الآية.
فلم يأمرهم برد ما بقي من الربا، وأمرهم بأن لا يأخذوا ما لم يقبضوا منه.
ورجعوا إلى رؤوس أموالهم، وأنفذ رسول الله ﷺ نكاح المشرك بما كان قبل حكمه وإسلامهم وكان مقتضياً، ورد ما جاوز أربعاً من النساء؛ لأنَّهن بواق، فتجاوز عما مضى كله في حكم اللَّه ، وحكم رسوله ﷺ .
الأم (أيضاً) : الحربي يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إلى قوله: (تُظْلَمُونَ) الآيتان.
فعفا رسول الله ﷺ عما قبضوا من الربا، فلم يأمرهم برده، وأبطل ما أدرك حكم الإسلام من الربا، ما لم يَقبِضوه، فأمرهم بتركه، وردهم إلى رؤوس أموالهم التي كانت حلالاً لهم، فجمع حكم اللَّه، ثم حكم رسول الله ﷺ في الربا.
أن عفا عما فات، وأبطل ما أدرك الإسلام، فكذلك حكم رسول الله ﷺ في
стр. 254
النكاح، كانت العقدة فيه ثابتة فعفاها، وكثر من أربعة نسوة مدركات في
الإسلام، فلم يعفهن.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا الثقة (وأحسبه ابن علية) ، عن معمر، عن
ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له رسول الله ﷺ : "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" الحديث.
الأم (أيضاً) : في قطع الشجر وحرق المنازل:
قال الشَّافِعِي ﵀: أربى أهل الجاهلية في الجاهلية، ثم سألوا رسول اللَّه
ﷺ فأنزل اللَّه ﵎: (اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
وقال في سياق الآية: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) الآيتان، فلم يبطل
عنهم رؤوس أموالهم إذا لم يتقابضوا، وقد كانوا مُقرِّين بها، ومستيقنين في
الفضل فيها، فأهدر رسول الله ﷺ لهم ما أصابوا، من دم أو مال؛ لأنَّه كان على وجه الغصب، لا على وجه الإقرار به.
الأم (أيضاً) : الصداق:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإن كان الصداق محرّماً، مثل: الخمر وما أشبهه، فلم تقبضه فلها مهر مثلها، وإن قبضته بعد ما أسلم أحد الزوجين فلها مهر مثلها، وليس لمسلم أن يعطي خمراً، ولا لمسلم أن يأخذه، وإن قبضته وهما مشركان فقد
стр. 255
مضى، وليس لها غيره؛ لأن الله يقول: (اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) الآية، فأبطل ما أدرك الإسلام، ولم يأمرهم برد ما كان قبله من الربا، فإن كان أرطال خمر، فأخذت نصفه في الشرك وبقي نصفه، أخذت منه نصف صداق مثلها.
الأم (أيضاً) : البَحيرة والوصيلة والسائبة والحام:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: أفتوجدني في كتاب الله في غير هذا بياناً؛ لأن الشرط إذا بطل في شيء، أخرجه إنسان من ماله بغير عتق بني آدم، ورجع إلى أصل مُلكه؟
قيل: نعم. قال الله عز ذكره: (اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)
وقال : (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) الآيتان، وفي الإجماع: أن من باع بيعاً فاسداً فالبائع على أصل
ملكه، لا يخرج من ملكه إلَّا والبيع فيه صحيح، والمرأة تنكح نكاحاً فاسداً، هي على ما كانت عليه، لا زوج لها.
الأم (أيضاً) : ما قتل أهل دار الحرب من المسلمين فأصابوا من أموالهم:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه ﵎: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)
الآية، ولم يأمرهم برد ما مضى منه، وقتل وحشي ﵁ حمزة ﵁، فأسلم فلم يُقَدْ منه، ولم يتبع له بعقل، ولم يؤمر له بكفارة، لطرح الإسلام ما فات في الشرك. ..
ودلت السنة عن رسول الله ﷺ على أنَّه يُطرح عنهم ما بينهم وبين اللَّه - عز ذكره - والعباد.
وقال رسول الله ﷺ : "الإيمان يجبُّ ما كان قبله" الحديث.
стр. 256
قال الله : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)
الأم: التفليس:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) الآية، وقال رسول الله ﷺ :
"مَطلُ الغي ظُفمً" الحديث.
فلم يجعل على ذي دين سبيلاً في العسرة حتى تكون الميسرة، ولم يجعل رسول
الله ﷺ مَطْله ظلماً إلا بالغنى، فإذا كان معسراً فهو ليس ممن عليه سبيل إلا أن يوسر، وإذا لم يكن عليه سبيل فلا سبيل على إجارته؛ لأن إجارته عمل بدنه.
وإذا لم يكن على بدنه سبيل، وإنما السبيل على ماله، لم يكن إلى استعماله سبيل، وكذلك لا يحبس؛ لأنَّه لا سبيل عليه في حاله هذه.
الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في حبس المفلس) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولا يؤخذ الحر في دين عليه إذا لم يوجد له
شيء، ولا يحبس إذا عرف أن لا شيء له؛ لأن الله يقول:
(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) الآية.
стр. 257
مختصر المزني: باب (جواز حبس من عليه الدين) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا ثبت عليه الدين، ييع ما ظهر له، ودُفِع، ولم
يحبس، وإن لم يظهر، حُبس، وبيع ما قُدر عليه من ماله، فإن ذكر عُسره، قُبلتْ منه البيّنة، لقول اللَّه : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) الآية، وأحلّفه مع ذلك بالله، وأخليه، ومنعت غرماءه من لزومه، حتى تقوم بيّنة أن قد أفاد مالاً.
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)
الأم: باب (بيع الآجال) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فلا يجوز البيع إلى العطاء، ولا إلى الحصاد.
ولا إلى الجداد؛ لأن ذلك يتقدم ويتأخر، وإنَّما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية.
стр. 258
الأم (أيضاً) : باب (الشهادة في البيوم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال في آية الدين: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ) الآية، والدين تبايع، وقد أمر فيه بالإشهاد، فبين المعنى الذي أمر له به، فدلَّ ما بين اللَّه في الدين، على أن اللَّه إنَّما أمر به على النظر والاحتياط، لا على الحتم، قلتُ: قال اللَّه تعالى:
(إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية.
الأم (أيضاً) : باب (السلف والمراد به السْلم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) إلى قوله:
(وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) الآية، فلما أمر اللَّه بالكتاب ثم رخص في الإشهاد إن كانوا على سفر، ولم يجدوا كاتباً احتمل أن يكون فرضاً، واحتمل أن يكون دلالة، فلما قال اللَّه جل ثناؤه: (فَرِهَانٌ مقبُوضَة) الآية.
والرهن غير الكتاب والشهادة، ثم قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) الآية، دلَّ كتاب اللَّه على أن أمره بالكتاب، ثم الشهود، ثم الرهن إرشاداً؛ لا فرضاً عليهم؛ لأن قوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) الآية، إباحة لأنْ يأمن بعضهم بعضاً، فيدع الكتاب والشهود والرهن.
стр. 259
قال الشَّافِعِي ﵀: وأحِبُّ الكتاب والشهود؛ لأنَّه إرشاد من الله.
ونظر للبائع والمشتري،. . . إلى أن قال: ومن تركه - الكتاب والشهود - فقد ترك حزماً وأمراً لم أحبّ تركه، من غير أن أزعم أنَّه محرم عليه بما وصفت من الآية بعدها.
وقال الشَّافِعِي ﵀: وقول اللَّه تعالى: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية، يحتمل كل دين، ويحتمل السلف خاصة، وقد ذهب فيه ابن
عباس ﵄ إلى أنَّه في السلف.
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عن أبي حسان
الأعرج، عن ابن عباس ﵄ قال: أشهد أن السلف المضمون إلى
أجل مسمى، قد أحلّه اللَّه تعالى في كتابه، وأذن فيه، ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإن كان كما قال ابن عباس في السلف، قلنا به في
كل دين قياساً عليه؛ لأنَّه في معناه، والسلف جائز في سنة رسول الله ﷺ ، والآثار، وما لا يختلف فيه أهل العلم علمته.
الأم (أيضاً) : باب (الشهادة في الدين) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُهُ) الآية والتي بعدها، وقال في سياقها: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .
стр. 260
وذكر اللَّه شهود الدَّين فذكر فيهم النساء، وكان الدَّين أخذ مال من الشهود عليه، والأمر على ما فرق اللَّه بينه من الأحكام في الشهادات، أن ينظر كل ما شهد به على أحد، فكان لا يؤخذ منه بالشهادة نفسها مال، وكان إنَّما يلزم بها حق غير مال، أو شهد به
رجل، وكان لا يستحق به مالاً لنفسه، إنما يستحق به غير مال، مثل: الوصية والوكالة والقصاص والحد وما أشبهه، فلا يجوز فيه إلا شهادة الرجال، لا يجوز فيه امرأة، وينظر كل ما شهد به مما أخذ به المشهود له من المشهود عليه مالاً فتجوز فيه شهادة النساء مع الرجال؛ لأنه معنى الموضع الذي أجازهن اللَّه فيه، فيجوز قياساً لا يختلف هذا القول، فلا يجوز غيره - واللَّه تعالى أعلم -.
ومن خالف هذا الأصل ترك عندي ما ينبغي أن يلزمه من معنى القرآن، ولا أعلم لأحد خالفه حجة فيه بقياس، ولا خبر لازم، وفي قول الله : (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) الآية، دلالة على أن لا تجوز شهادة النساء حيث نجيزهن إلا مع رجل، ولا يجوز منهن إلا امرأتان فصاعداً؛ لأن اللَّه لم يسم منهن أقل من اثنتين، ولم يأمر بهن اللَّه إلا مع رجل.
الأم (أيضاً) : باب (ما على من دُعيَ يشهد بشهادة قبل أن يسألَها) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) إلى قوله: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) الآية.
стр. 261
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قول اللَّه : (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) الآية، دلالة على: أن عليه فيما علمه الله من الكتاب حقاً في منفعة المسلمين، ويحتمل ذلك الحق أن يكون كلما دُعي لحق كتبه لا بد، ويحتمل أن يكون عليه وعلى من هو في مثل حاله، أن يقوم منهم من يكفي حتى لا تكون الحقوق معطلة، لا يوجد لها في الابتداء من يقوم بكفايتها، والشهادة عليها
فيكون فرضاً لازماً على الكفاية، فإذا قام بها من يكفي، أخرج من يتخلف من المأثم، والفضل للكافي على المتخلف، فإذا لم يقم به كان حرج جميع من دُعي إليه، فتخلف بلا عذر.
فلما احتمل هذين المعنيين معاً، وكان في سياق الآية: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) الآية، كان فيها كالدليل على: أنَّه نهى الشهداء المدعوون كلفم أن
يابوا، قال: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) الآية، فأشبه أن يكون يُحرج من ترك ذلك ضراراً، وفرض القيام بها في الابتداء على الكفاية، وهذا يشبه والله تعالى أعلم ما وصفت من الجهاد، والجنائز، ورد السلام، وقد حفظت عن بعض أهل العلم قريباً من هذا المعنى، ولم أحفظ خلافه عن أحد أذكره منهم.
الأم (أيضاً) : باب (الحجر على البالغين) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: الحجر على البالغين في آيتين من كتاب الله
. وهما: قول الله ﵎: (فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية.
стр. 262
قال الشَّافِعِي ﵀: وإنَّما خاطب اللَّه بفرائضه البالغين من الرجال والنساء، وجعل الإقرار له، فكان موجوداً في كتاب اللَّه ، أن أمر اللَّه تعالى الذي عليه الحق، أن يمل هو، وأن إملاءه: إقراره.
وهذا يدل على جواز الإقرار على من أقر به، ولا يأمر - والله أعلم -
أحداً أن يمل ليقر إلا البالغ، وذلك أن إقرار غير البالغ، وصمته، وإنكاره سواء عند أهل العلم، فيما حفظت عنهم، ولا أعلمهم اختلفوا فيه.
ثم قال في المرء الذي عليه الحق أن يملَّ: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية.
وأثبت الولاية على السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل هو، وأمر
وليه بالإملاء عليه، لأنَّه أقامه فيما لا غناء عنه من ماله مقامه.
قال الشَّافِعِي ﵀: قد قيل: والذي لا يستطيع أن يمل يحتمل أن يكون
المغلوب على عقله، وهو أشبه معانيه - والله أعلم -.
والآية الأخرى: قول الله ﵎: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وهكذا قلنا: نحن وهم في كل أمر يكمل بأمرين، أو
أمور، فإذا نقص واحد لم يقبل، فزعمنا أن شرط الله تعالى:
(مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية: عدلان، حران، مسلمان، فلو كان الرجلان حرين، مسلمين غير عدلين، أو عدلين غير حرين، أو عدلين حرين غير مسلمين، لم تجز شهادتهما حتى يستكملا الثلاث.
стр. 263
الأم (أيضاً) : تفريع ما يمنع من أهل الذمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فكيف لا تجيز شهادة - أهل الذمة
- بعضهم على بعض، وفي ذلك إبطال الحكم عنهم؟
قيل: قال اللَّه : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)
وقال: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية، فلم يكونوا من رجالنا، ولا ممن نرضى من الشهداء، فلما وصف الشهود منا، دلَّ على أنَّه لا يجوز أن نقضي بشهادة شهود من غيرنا، لم يجز أن نقبل شهادة غير مسلم، أما إبطال حقوقهم فلم نبطلها، إلا إذا لم يأتنا ما يجوز فيه.
الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدعَى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: والذي جاء عنه - عن رسول الله ﷺ من اليمين مع الشاهد، ليس يخالف حكم الكتاب.
قال: ومن أين؟
قلنا: قال الله : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)
الآية، فكان هذا محتملاً أن يكون: دلالة من اللَّه على ما تتم به شهادة.
الأم (أيضاً) : شهادة النساء:
قال الشَّافِعِي ﵀: لا تجوز شهادة النساء إلا في موضعين:
стр. 264
الموضع الأول: في مال يجب للرجل على الرجل، فلا يجوز من
شهادتهن شيء، وإن كثرن، إلا ومعهن رجل شاهد، ولا يجوز منهن أقل من
اثنتين مع الرجل فصاعداً، ولا نجيز اثنتين ويحلف معهما؛ لأن شرط الله الذي أجازهما فيه مع شاهد، يشهد بمثل شهادتهما لغيره، قال الله : (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الآية.
أما الموضع الثاني: حيث لا يرى الرجل من عورات النساء، فإنهن يجزن
فيه منفردات، ولا يجوز منهن أقلّ من أربع إذا انفردن، قياساً على حكم الله
﵎ فيهن؛ لأنه جعل اثنتين تقومان مع الرجل مقام الرجل، وجعل
الشهادة شاهدين أو شاهداً وامرأتين.
فإن انفردن فمقام شاهدين أربع، وهكذا كان عطاء يقول: أخبرنا مسلم.
عن ابن جريج، عن عطاء.
الأم (أيضاً) : الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية.
وليس الفاسق واحداً من هذين، فمن قضى بشهادته، فقد خالف حكم اللَّه ، وعليه ردّ قضائه، وردّ شهادة العبد، إنَّما هو تأويل ليس ببئني، واتباع بعض أهل العلم.
стр. 265
الأم (أيضاً) : باب (في الدَّين) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)
الآية، وقال: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي نَجيح، عن
مجاهد أنه قال: عدلان، حران، مسلمان. ثم لم أعلم من أهل العلم مخالفاً في أن هذا معنى الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يقبل القاضي شهادة شاهد حتى يعرف
عدله، طعن فيه الخصم، أو لم يطعن، ولا تجوز شهادة الصبيان، بعضهم على بعض في الجراح ولا غيرها، قبل أن يتفرقوا، ولا بعد أن يتفرقوا؛ لأنَّهم ليسوا من شرط الله الذي شرطه في قوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية، وهذا قول ابن عباس ﵄، وخالفه ابن الزبير ﵄ وقال: نجيز شهادتهم إذا لم يتفرقوا.
وقول ابن عباس ﵄ أشبه بالقرآن، والقياس.
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية، وقال (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية، فكان على الحكام، ألَّا يقبلوا إلا
стр. 266
عدلاً في الظاهر، وكانت صفات العدل عندهم معروفة وقد وصفتها في غير هذا الموضع.
وقد يكون في الظاهر عدلاً، وسريرته غير عدل، ولكن الله لم يكلفهم ما لم
يجعل لهم السبيل إلى علمه، ولم يجعل لهم - إذ كان يمكن - إلاّ أن يردوا مَنْ ظَهَرَ منه خلاف العدل عندهم.
وقد يمكن أن يكون الذي ظهر منه خلاف العدل خيراً عند اللَّه ، من الذي ظهر منه العدل، ولكن كُلفوا أن يجتهدوا على ما يعلمون من الظاهر الذي لم يؤتوا أكثر منه.
الأم (أيضاً) : الطعام والشراب:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فهل للحَجْر في القرآن أصل يدلّ
عليه؟
قيل: نعم، - إن شاء اللَّه - قال الله : (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية.
الأم (أيضاً) : باب (السلف والمراد به: السلم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقول الله جلَ ذكره: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) الآية، يحتمل: ما وصفتُ من أن لا يأبى كل شاهد ابتدئ فيُدعى ليشهد.
ويحتمل: أن يكون فرضاً على من حضر الحق، أن يشهد منهم من فيه كفاية
للشهادة، فإذا شهدوا، أخرجوا غيرهم من المأثم، وإن ترك من حضر الشهادة خفت حرجهم، بل لا أشكَ فيه، وهذا أشبه معانيه به - واللَّه تعالى أعلم -.
стр. 267
قال الشَّافِعِي ﵀: فأمّا من سبقت شهادته، بأن أشهِد أو علم حقاً
لمسلم، أو معاهد، فلا يسعه التخلف عن تأدية الشهادة متى طلبت منه في موضع مقطع الحق.
مختصر المزئي: كتاب (الوكالة) :
قال الشَّافِعِي رعه الله: وقال تعالى (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية، ووليه عند
الشَّافِعِي: هو القيم بماله.
مختصر المزني (أيضاً) : باب (الدعوى والبينات) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - سبحانه - في الدين: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الآية، فكان حكمه في الدين يقبل بشاهدين، أو شاهد وامرأتين، ولا يقال لشيء من هذا مختلف، على أن بعضه ناسخ لبعض، ولكن يقال: مختلف على أن كل واحد منه غير صاحبه.
مختصر المزني (أيضاً) : باب الخلاف في هذه الأحاديث:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الآية، فقلت له: لست أعلم في هذه الآية
تحريم أنَّ يجوز أقل من شاهدين بحال.
стр. 268
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشافعى - في القضايا والشهادات:
قال البيهقي ﵀: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس
الأصم، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ) الآية، يحتمل: أن يكون حتماً على من دُعي لكتابِ، فإن
تركه تارك: كان عاصياً.
ويحتمل: أن يكون على من حضر من الكُتَّاب، ألَّا يُعطلوا كتاب حق بين
رجلين، فإذا قام به واحد، أجزأ عنهم.
آداب الشَّافِعِي: ما ذكر من مناظرة الشَّافِعِي لمحمد بن الحسن وغيره:
أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو محمد قال: أخبرني أبي، حدثنا محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: حضرت مجلساً فيه جماعة: فيهم رجل يقال له: سفبان
ابن سَخبَان فقلت ليحيى بن البناء، وكان حاضراً، كيف فِقهُ هذا؟
فقال لي: هو حسن الإشارة بالأصابع، ثم قال لي: تحبُّ أن تسمعه؟
قلت: نعم.
فقال: يا أبا فلان، رأيت شيئاً: أعجَبَ من إخواننا - من أهل المدينة - في
قضاياهم باليمين مع الشاهد؛ إنّ اللَّه أمر بشاهدين، فنص على القضية، ثم قال: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) ثم أكد
стр. 269
ذلك فقال: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) الآية، فبين الله : أنَّه لا تتم الشهادة إلا برجلين، وامرأتين فقالوا: يُقضى برجل واحد ويمين صاحب الحق؟!
فقال: نعم، إنهم يقولون: من هذا ما هو خلاف القرآن.
فقال له يحيى: احتجوا فقالوا: إن رسول الله ﷺ أعلم بمعنى كتاب اللَّه، وقد رووا عنه أنه قضى باليمين مع الشاهد، ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. ..
فقال ابن سخبان: لا يُقبل هذا من الرواة، وهو خلاف القرآن.
آداب الشَّافِعِي (أيضاً) : قول الشَّافِعِي في أصول العلم:
أخبرنا أبو محمد، حدثنا أبي، حدثنا يونس قال:
سمعت الشَّافِعِي ﵀: يعتب على من يقول: لا يقاس المطلق - من
الكتاب - على المنصوص وقال: يلزم من قال هذا: أن يجيز شهادة العبيد
والسفهاء؛ لأن اللَّه قال: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية، فَقَيَّد.
وقال في موضع آخر: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) الآية، فأطْلَق.
ولكن المطلق يقاس على المنصوص، مثل هذا، ولا يجوز إلا العَدلُ.
آداب الشَّافِعِي (أيضاً) : باب (في الأحكام) :
أخبرنا أبو محمد قال: أخبرني أبي قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى قال:
стр. 270
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله : (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) الآية، إنما معناه: أن يُقِر بالحق، ليس معناه: أن يُمِل، وقوله: (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) الآية، هاهنا
ثبتت الولاية، ثم نسخ هذا كلّه، وأخِبرَ: أنه اختيار وليس بفرض، بقوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) الآية.
فائدتان:
الأولى: ومن طريف ما يحكى عن أمّ الشَّافِعِي رحمهما اللَّه من الحذق.
أنها شهدت عند قاضي مكة هي وأخرى، مع رجل، فأراد القاضي أن يفرق
بين المرأتين، فقالت له أم الشَّافِعِي رحمهما اللَّه: ليس لك ذلك، لأن اللَّه يقول: (ان تَضِل إِخدَنهُمَا فَتُذَئحِرَ إِخدَنهُمَا اكاخرَى) الآية. فرجع القاضي إليها في ذلك - وقد علق ابن حجر على ذلك بقوله: هذا فرع غريب واستنباط قوي.
الثانية: وقال الأزهري ﵀: وقوله : (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) الآية، فيه قولان:
١ - قال بعضهم: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) الآية، لا يُضارر، أي: لا يكتب إلا الحق، ولا يشهد الشاهد إلا بالحق.
стр. 271
٢ - وقال قوم: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) الآية، أي: لا يُضَارَر ولا يُدعى وهو مشغول، لا يمكنه ترك شغله إلا بضرر يدخل عليه، وكذلك لا يُدعى الشاهد ومجيئه للشهادة يَضُر به.
والأول: أبين، لقوله تعالى: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) الآية.
ومن كذب بالشهادة، وحرَّف الكتاب، فهو أولى بالفسوق ممن دعا كاتباً ليكتب وهو مشغول، أو شاهداً ليشهد وهو مشغول.
* * *
قال الله : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)
الأم: باب (الشهادة في البيوع) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: - بعد آية الدين في السياق - قال الله تعالى:
(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) الآية، فلما أمر إذا لم يجدوا كاتباً بالرهن، ثم أباح
ترك الرهن، وقال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ) الآية، دلَّ على أن الأمر
الأول دلالة على الحظ، لا فرض منه، يعصي من تركه - والله أعلم -.
стр. 272
وقد حُفظ عن النبي ﷺ أنَّه بايع أعرابياً في فرس، فجحد الأعرابي بأمر بعض المنافقين، ولم يكن بينهما بينة، فلو كان هذا حتماً لم يبايع رسول الله ﷺ بلا بينة، وقد حفظت عن عدة لقيتهم مثل معنى قولي، من أنَّه لا يعصي من ترك الإشهاد، وأن البيع لازم، إذا تصادقا، لا ينقضه أن لا تكون بيّنة كما يُنقض
النكاح، لاختلاف حكمها.
الأم (أيضاً) : باب (السلف) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله جلَ ثناؤه: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) الآية.
والرهن غير الكتاب والشهادة، ثم قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) الآية.
دلَّ كتاب الله على أن أمره بالكتاب.
ثم الشهود، ثم الرهن ارشاداً لا فرضاً عليهم؛ لأن قوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) الآية، إباحة لأن يأمن بعضهم بعضاً فيدع
الكتاب والشهود والرهن.
الأم (أيضاً) : كتاب (الرهن الكبير - إباحة الرهن:
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: قال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)
الآية، وقال : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌة) الآية.
стр. 273
قال الشَّافِعِي ﵀: فكان بيناً في الآية، الأمر بالكتاب في الحضر والسفر، وذكر اللَّه تبارك اسمه الرهن إذا كانوا مسافرين، ولم يجدوا كاتباً، فكان معقولاً - والله أعلم فيها - أنهم أمروا بالكتاب والرهن احتياطاً لمالك الحق بالوثيقة، والمملوك عليه بألَّا ينسى ويذكر، لا أنَّه فرض عليهم أن يكتبوا، ولا أن يأخذوا رهناً، لقول الله : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) الآية.
فكان معقولاً أن الوثيقة في الحق في السفر والإعواز غير محرمة، والله أعلم في
الحضر وغير الإعواز، ولا بأس بالرهن في الحق الحالِّ، والدين في الحضر والسفر.
وما قلت من هذا مما لا أعلم فيه خلافاً، وقد رُوي أن رسول الله ﷺ رهن درعه في الحضر عند أبي الشحم اليهودي.
وقيل: في سلف، والسلف حالٌّ.
قال الشَّافِعِي ﵀: فأذن اللَّه جل ثناؤه بالرهن في الدين، والدين حق
لازم، فكل حق مما يملك، أو لزم بوجه من الوجوه جاز الرهن فيه.
الأم (أيضاً) : الرهن الصغير:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أصل أجازة الرهن في كتابه : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) الآية، فالسنة تدلُّ على إجازة الرهن، ولا أعلم مخالفاً في إجازته.
أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن
شهاب، عن سعيد بن المسيب ﵀، أن رسول الله ﷺ قال:
" لا يَغلَقُ الرهنُ، الرهنَ من صاحبه الذي رهنه، له غنمُه وعليه غرمُه" الحديث.
стр. 274
قال الشَّافِعِي ﵀: فالحديث جملة على الرهن، ولم يخص رسول اللَّه ﷺ فيما بلغنا رهناً دون رهن.
واسم الرهن يقع على: ما ظهر هلاكه ومخفي.
ومعنى قول النبي ﷺ واللَّه تعالى أعلم -:
"لا يغلق الرهن بشيء"، أي: إن ذهب لم يذهب بشيء، وإن أراد صاحبه افتكاكه، ولا يغلق في يدي الذي هو في يديه. ..
والرهن للراهن أبداً، حتى يخرجه من ملكه بوجه يصحُّ إخراجه له، والدليل
على هذا قول رسول الله ﷺ : "الرهن من صاحبه الذي رهنه"، ثم بيّنه وأكدّه فقال:
"له غنمه وعليه غرمه"، وغنمه: سلامته وزيادته، وغرمه: عطبه ونقْصه.
الأم (أيضاً) : رهن المشاع:
قال الشَّافِعِي ﵀: لا بأس بأن يرهن الرجل نصف أرضه، ونصف
داره، وسهماً من أسهم من ذلك مشاعاً غير مقسوم، إذا كان الكلّ معلوماً، وكان ما رهن منه معلوماً، ولا فرق بين ذلك وبين البيوع.
وقال بعض الناس: لا يجوز الرهن إلا مقبوضاً مقسوماً، لا يخالطه غيره، واحتجّ بقول اللَّه ﵎: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فالقبض: اسم جامع، وهو يقع كعان مختلفة، كيفما
كان الشيء معلوماً، أو كان الكلّ معلوماً، والشيء من الكل جزء معلوم من
أجزاء، وسُلِّم حتى لا يكون دونه حائل فهو قبض، فقبض الذهب والفضة
والثياب في مجلس الرجل، والأرض أن يؤتى في مكانها فتسلم، لا تحويها يد ولا يحيط بها جدار، والقبض في كثير من الدور والأرضيين إسلامها بأعْلاَقها،
стр. 275
والعبيد تسليمهم بحضرة القابض، والمشاع من كل أرض وغيرها أن لا يكون
دونه حائل، فهذا كله قبض مختلف يجمعه اسم القبض، وإن تفرق الفعل فيه، غير أنه يجمعه أن يكون مجموع العين، والكل جزء من الكل معروف، ولا حائل دونه، فإذا كان هكذا فهو مقبوض، والذي يكون في البيع قبضاً، يكون في الرهن قبضاً، لا يختلف ذلك.
الأم (أيضاً) : الوديعة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا استودع الرجلُ الرجلَ الوديعة، فاختلفا، فقال
المستودع: دفعتها إليك، وقال المستودع: لم تدفعها، فالقول قول المستودع، ولو كانت المسألة بحالها غير أن المستودعَ قال: أمرتني أن أدفعها إلى فلان فدفعتها.
وقال المستودِع: لم آمرك، فالقول قول المستودِع، وعلى المستودع البينة، وإنَّما فرقنا بينهما أنَّ المدفوع إليه غير المستودع، وقد قال الله : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) الآية.
فالأول: إنَّما ادعى دفعها إلى من اتممنه، والثاني: إنَّما ادعى دفعها إلى غير
المستودِع بأمره، فلما أنكر أنه أمره، أغرم له؛ لأنٌ المدفوع إليه غير الدافع.
الأم (أيضاً) : باب (ما يجب على المرء من القيام بشهادته) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال : (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) الآية.
وقال: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) .
стр. 276
قال الشَّافِعِي ﵀: والذي أحفظ عن كل من سمعت منه، من أهل
العلم في هذه الآيات، أنَّه في الشاهد، وقد لزمته الشهادة، وأن فرضاً عليه أن يقوم بها على والديه، وولده، والقريب، والبعيد، وللبغيض والقريب والبعيد، ولا يكتم عن أحد، ولا يحابي بها، ولا يمنعها أحداً.
ثم تتفرع الشهادات، فيجتمعون ويختلفون، فيما يلزم منها وما لا يلزم، ولهذا كتاب غير هذا.
مختصر المزني: باب (الرهن) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أذن اللَّه جل ثناؤه بالرهن في الدين، والدين حق.
فكذلك كل حق لزم في حين الرهن وما تقدم الرهن، وقال اللَّه ﵎: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) الآية، ولا معنى للرهن حتى يكون مقبوضاً من جائز الأمر، حين رهن، وحين أقبض، وما جاز بيعه، جاز رهنه وقبضه من مشاع وغيره. ..
ولا يجوز - قبض الرهن - إلا معه أو بعده، فأما قبله فلا رهن.
* * *
قال الله : (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
وقال الله : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)
стр. 277
أحكام القرآن: فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في آيات
متفرقة:
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن
أيوب الفارسي المفسر، أخبرنا أبو بكر محمد بن صالح بن الحسن البستاني
(بشيراز) ، أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي:
أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي ﵀، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن
ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، قال عكرمة لابن عباس ﵄: إن ابن عمر ﵄ تلا هذه الآية: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ) الآية، فبكى، ثم قال: والله لئن أخذنا اللَّه بها لنهلِكن.
فقال ابن عباس ﵄: (يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، وقد وجد
المسلمون منها - حين نزلت - ما وجدوا، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) الآية.
من القول والعمل، وكان حديث النفس مما لا يملكه أحد، ولا يقدر عليه أحد.
أحكام القرآن: فصل فيما لا يجب عليه الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: فرض اللَّه قتال غير أهل الكتاب حتى يسلموا، وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وقال: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
فبذا فُرِض على المسلمين ما أطاقوه، فإذا عجزوا عنه، فإنما كُلفوا منه
ما أطاقوه، فلا بأس: أن يكفوا عن قتال الفريقين من المشركين، أو يهادنوهم.
стр. 278
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي، بأصول الكلام.
وصحة اعتقاده فيه) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ) الآية، فذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان.
وهو عمله، وهو رأس الإيمان.
стр. 279
سورة آل عمران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)
الأم: باب (القراءة في الرمعتين الأخيرتين) :
سألت الشَّافِعِي ﵀: أتقرأ خلف الإمام أم القرآن في الركعة
الأخيرة تُسِرُّ؟
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أحبُّ ذلك، وليس بواجب عليه، فقلت: وما
الحجة فيه؟
فقال: أخبرنا مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، أن
عبادة بن نسَي أخبره، أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد اللَّه
الصنابحي أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصلى وراء أبي بكر
المغرب، فقرأ في الركعتين الأوْلَيَين بأم القرآن، وسورة من قصار المفضل، ثم قام في الركعة الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أنْ تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن، وبهذه الآية: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) الآية، الحديث.
стр. 280
فقلت: للشافعي: فإنا نكره هذه، ونقول ليس عليه العمل، لا يقرأ على
إثر أم القرآن في الركعة الثالثة بشيء؟
فقال الشَّافِعِي ﵀: وقال سفيان بن عيينة: لما سمع عمر بن عبد العزيز بهذا عن أبي بكر الصديق قال: إن كنت لعلى غير هذا، حتى سمعت بهذا، فأخذت به، قال: فهل تركتم للعمل عمل أبي بكر، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز؟
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله (ابن عمر) .
أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعاً، في كل ركعة بأم القرآن، وبسورة من القرآن، قال: وكان يقرأ أحياناً بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة الحديث.
* * *
قال الله : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)
الزاهر باب (الوصية)
قال الشَّافِعِي ﵀: ومن المرض المَخُوف: الحمى تدأب صاحبها.
стр. 281
معنى تدأب، أي: تلازم وتغبِط عليه فلا تفارقه، وكل ذي عمل إذا دام
عليه فقد دَأبَ، يَدأبُ، دَأباً، وأدأبَ الرجل السير إذا لم يفتر فيه.
قال الله : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) الآية، أي: تظاهرهم على النبي ﷺ كتظاهر آل فرعون على موسى ﵊، وقيل: عادتهم في كفرهم كعادة آل فرعون.
* * *
قال الله : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)
الأم: ما جاء في أمرالنكاح:
قال الشَّافِعِي ﵀: والرجل يدخل في بعض أمره في معنى الأيامى.
الذين على الأولياء أن ينكحوهن، إذا كان مولى بالغاً يحتاج إلى النكاح، ويقدر بالمال، فعلى وليه إنكاحه، فلو كانت الآية، والسنة في المرأة خاصة، لزم ذلك عندي الرجل، لأن معنى الذي أريد به نكاح المرأة العفاف، لما خلق فيها من الشهوة وخوف الفتنة، وذلك في الرجل مذكور في الكتاب، لقول اللَّه :
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) الآية.
وقال الشَّافِعِي ﵀: ومن لم تتق نفسه، ولم يحتج إلى النكاح من الرجال
والنساء، بأن لم تخلق فيه الشهوة التي جعلت في كثر الخلق، فإن اللَّه يقول :
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) الآية، أو بعارض أذهب الشهوة
стр. 282
(من كبر أو غيره) ، فلا أرى بأساً أن يدع النكاح، بل أحِبُّ ذلك، وأن يتخلى لعبادة الله.
* * *
قال الله (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما جاء في خروجه إلى اليمن ومقامه بها، ثم في حمله
من اليمن إلى هارون، وما جرى بينه وبين محمد بن الحسن من المناظرة.
رحمهما الله)
وقد روي في أخبار دخول الشَّافِعِي ﵀ على الرشيد ﵀، أنه دعا
عند دخوله - أي الشَّافِعِي - عليه - أي على الرشيد - بدعاء سأله عنه
الفضل بن الربيع فعلمَهُ إيَّاه، وهو أنه قرأ أولاً: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) الآيتان.
ثم قال: وأنا أشهد بما شهد اللَّه به، وأستودع اللَّه هذه الشهادة، وهذه
الشهادة وديعة لي عند اللَّه يؤدِّيها إليَّ يوم القيامة، اللهم إني أعوذ بنور قدسك، وعظمة طهارتك، وبركة جلالك، من كل آفة وعاهة، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير، اللهم أنت غياثي فبك أغوث، وأنت
стр. 283
ملاذي فبك ألوذ، وأنت عياذي فبك أعوذ، يا من ذلَّت له رقاب الجبابرة.
وخضعت له أعناق الفراعنة، أعوذ بك من خزيك، ومن كشف سترك، ومن نسيان ذكرك، والانصراف عن شكرك، أنا في حرزك في ليلي ونهاري، ونومي وقراري، وضعفي وأسفاري، وحياتي ومماتي، ذكرك شعاري، وثناؤك دثاري، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، تشريفاً لعظمتك، وتكريماً لسبحات وجهك، أجرني من خزيك، ومن شرِّ عبادك، واضرب على سرادقات حفظك، وأدخلني في حفظ عنايتك، وجُد عليَّ منك بخير يا أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم، والصلاة على النبي المرتضى محمد وآله وسلم كثيراً.
* * *
قال الله : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)
الأم: باب ذبائح بني إسرائيل:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فلم يزل ما حرّم اللَّه تعالى على بني إسرائيل -
اليهود خاصة، وغيرهم عامة - محرماً حيث حرَّمه حتى بعث اللَّه ﷻ
محمداً ﷺ ، ففرض الإيمان به، وأمر بإتباع رسوله ﷺ ، وطاعة أمره، وأعلم خلقه:
أن طاعتَه، طاعتُه، وأن دين الإسلام الذي نسخ به كل دين كان قبله، وجعل من
стр. 284
أدركه، وعلم دينه، فلم يتبعه كافراً به، فقال: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)
فكان هذا بالقرآن.
* * *
قال الله : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)
الأم: الوصية التي صدوت من الشَّافِعِي ﵁:
قال الربيع بن سليمان: هذا كتاب كتبه محمد بن إدريس بن العباس
الشَّافِعِي في شعبان سنة ثلاث ومائتين، وأشهد اللَّه عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكفى به جل ثناؤه شهيداً، ثم من سمعه أنه شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله لم يزل يدين بذلك، وبه يدين حتى يتوفاه اللَّه ويبعثه عليه إن شاء اللَّه، وأنه يوصي نفسه، وجماعة من سمع وصيته، بإحلال ما أحل اللَّه في كتابه، ثم على لسان نبيه ﷺ ، وتحريم ما حرم اللَّه في
الكتاب، ثم في السنة، وألا يجاوز من ذلك إلى غيره، وأن مجاوزته ترك رضا اللَّه، وترك ما خالف الكتاب والسنة، وهما من المحدثات، والمحافظة على أداء فرائض اللَّه في القول، والعمل، والكفِّ عن محارمه خوفاً لله، وكثرة ذكر الوقوف بين يديه: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) الآية.
وأن تنزل الدنيا حيث أنزلها اللَّه،
стр. 285
فإنه لم يجعلها دار مقام إلا مقام مدة عاجلة الانقطاع، وإنما جعلها دار عمل، وجعل الآخرة دار قرار وجزاء فيها بما عمل في الدنيا من خير أو شر، إن لم يعف اللَّه جل ثناؤه. . . الخ.
وقال البيهقي ﵀ في نهاية ذكر هذه الوصية: ولم يغير - أي الشَّافِعِي
- وصيته هذه.
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وَوَعَظَهُمْ - القرآن الكريم - بِالْإِخْبَارِ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِمَّنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَأَطْوَلَ أَعْمَارًا، وَأَحْمَدَ آثَارًا، فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فِي حَيَاةِ دُنْيَاهُمْ، فَأَذَاقَهُمْ عِنْدَ نُزُولِ قَضَائِهِ مَنَايَاهُمْ دُونَ آمَالِهِمْ وَنَزَلَتْ بِهِمْ عُقُوبَتُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ؛ لِيَعْتَبِرُوا فِي آنِفِ الْأَوَانِ، وَيَتَفَهَّمُوا بِجَلِيَّةِ التِّبْيَانِ، وَيَنْتَبِهُوا قَبْلَ رَيْنِ الْغَفْلَةِ وَيَعْمَلُوا قَبْلَ انْقِطَاعِ الْمُدَّةِ، حِينَ لَا يُعْتَبُ مُذْنِبٌ، وَلَا تُؤْخَذُ فِدْيَةٌ وَ (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) الآية.
следующие страницы →