← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الكتاب: تفسير الإمام الشافعي المؤلف: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: ٢٠٤هـ) جمع وتحقيق ودراسة: د. أحمد بن مصطفى الفرَّان (رسالة دكتوراه) الناشر: دار التدمرية - المملكة العربية السعودية الطبعة الأولى: ١٤٢٧ - ٢٠٠٦ م عدد الأجزاء: ٣ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] أعده للشاملة: أبو إبراهيم حسانين * * * * * * * * * * * * * * تنبيه وقع محقق الكتاب في وهْمٍ تبعاً للعلامة أحمد محمد شاكر (محقق كتاب الرسالة للإمام الشَّافِعِي) زاعماً أن الإمام الشَّافِعِي ﵀ قد أخطأ في آية قرآنية ونحن نذكر كلامه والرد عليه إن شاء الله تعالى قال محقق الكتاب ما نصه: قلت: أشرنا في تفسير الآية / ١٣٦ من سورة النساء إلى أن الشَّافِعِي ﵀ ذكر هذه الآية دليلاً على أن اللَّه قرن الإيمان به بالإيمان برسوله، وهنا كلام رائع لمحقق كتاب الرسالة، يستحسن أن ننقله كاملاً بحرفيته كما ورد في تعليقه على هذه الفقرة / ٢٣٧ إذ يقول ﵀: والعصمة لله ولكتابه ولأنبيائه، وقد أبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، كما قال بعض الأئمة من السلف. فإن الشَّافِعِي ﵀: ذكر هذه الآية محتجاً بها على أن الله قرن الإيمان برسوله محمد ﷺ مع الإيمان به، وقد جاء ذلك في آيات كثيرة من القرآن، منها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) . ومنها: قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) . ومنها: قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) . ولكن الآية التي ذكرها الشَّافِعِي هنا ليست في موضع الدلالة على ما يريد. لأن الأمر فيها بالإيمان بالله وبرسله كافة. ووجه الخطأ من الشَّافِعِي ﵀: أنه ذكر الآية بلفظ: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) بإفراد لفظ الرسول وهكذا كتبت في أصل الربيع، وطبعت في الطبعات الثلاثة من الرسالة، وهو خلاف التلاوة، وقد خُيِّل إلي بادئ ذي بدء أن تكون هناك قراءة بالإفراد، وإن كانت - إذا وجدت - لا تفيد في الاحتجاج لما يريد؛ لأن سياق الكلام في شأن عيسى ﵇، فلو كان اللفظ: (وَرَسُوله) لكان المراد به عيسى، ولكني لم أجد آية قراءة في هذا الحرف من الآية بالإفراد. لا في القراءات العشر، ولا في غيرها من الأربع، ولا في القراءات الأخرى التي يسمونها: (القراءات الشاذة) . ومن عجب أن يبقى هذا الخطأ في الرسالة، وقد مضى على تأليفها أكثر من ألف ومائة وخمسون سنة، وكانت في أيدي العلماء هذه القرون الطوال. وليس هو من خطأ في الكتابة من الناسخين، بل هو خطأ علمي، انتقل فيه ذهن المؤلف الإمام، من آية إلى آية أخرى حين التأليف: ثم لا ينبه عليه أحد! أولا يلتفت إليه أحد! وقد مكث أصل الربيع من الرسالة بين يدي عشرات من العلماء الكبار. والأئمة الحفاظ، نحواً من أربعة قرون إلى ما بعد سنة ٦٥٠ هـ يتداولونه بينهم قراءة وإقراء ونسخاً ومقابلة، كما هو ثابت في السماعات الكثيرة المسجلة مع الأصل، وفيها سماعات لعلماء أعلام، ورجال من الرجالات الأفذاذ، وكلهم دخل عليه هذا الخطأ، وفاته أن يتدبر موضعه فيصححه. ومرد ذلك كله - فيما نرى واللَّه أعلم -: إلى الثقة ثم إلى التقليد، فما كان ليخطر ببال واحد منهم أن الشَّافِعِي، وهو إمام الأئمة، وحجة هذه الأمة يخطئ في تلاوة آية من القرآن، ثم يخطئ في وجه الاستدلال بها، والموضوع أصله من بديهيات الإسلام، وحجج القرآن فيه متوافرة، وآياته متلوة محفوظة، ولذلك لم يكلف واحد منهم نفسه عناء المراجعة، ولم يفكر في صدر الآية التي أتى بها الشَّافِعِي للاحتجاج، تقليداً له وَثِقَة به، حتى يرى إن كان موضعها موضع الكلام في شأن نبينا ﷺ أو في شأن غيره من الرسل ﵈. ونقول هنا: ما قال الشَّافِعِي ﵀ فيما مضى من الرسالة في الفقرة / ١٣٦: (وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، واللَّه يغفر لنا ولهم) . انتهى كلام محقق الكتاب. أقول: اتهام الإمام الشَّافِعِي ﵀ بالخطأ في آية قرآنية ومتابعة فقهاء الشَّافِعِية له فيه قروناً عديدة في غاية البعد البعيد، وهذا قد يرد في حقِّنا وحقِّ أشباهنا أما الشَّافِعِي فهيهات ثم هيهات؟؟!!! إنه الشَّافِعِي. ويكفي في رد هذا الوهْم قول الربيع بن سليمان ﵀ قرأت: (كتاب الرسالة المصرية) على الشَّافِعِي نيفاً وثلاثين مرة، فما من مرة إلا كان يصححه. ثم قال الشَّافِعِي في آخره: أبى الله أن يكون كتاب صحيح غير كتابه، يدل على ذلك قول الله ﵎: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) الآية. انتهى كلام الربيع. وكان الأليق بالمحقق أن لا يجزم بتخطئة الإمام ﵀ وفقهاء مذهبه والاكتفاء بردِّ هذا الخطأ إلى الناسخ كما هو حال أكثر المخطوطات. والإمام الشَّافِعِي ﵀ لم يفسر القرآن، والآيات التي جمعها المحقق - جزاه الله خيراً - ذكرها الإمام مختصرة وغير مرتبة على ترتيب المصحف الشريف حتى يصح هذا الاتهام. ولعل الآية التي تكلم فيها إمامُنا الشَّافِعِي ﵀ هي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) . والله أعلم وأحكم.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القسم الثاني قسم التفسير والتحقيق ويتضمن: جَمْعَ ما أُثر عن الإمام الشَّافِعِي - يرحمه الله تعالى - من تفسير لآيات القرآن الكريم مرتبة وفقَ ترتيب السور في المصحف الشريف * * * * * * * * * * * * *

стр. 3

سورة الفاتحة قول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) الأم: باب (التعوذ بعد الافتتاح) قال الشَّافِعِي رحمه اللَّه تعالى: قال اللَّه : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) . أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سعد بن عثمان، عن صالح بن أبي صالح: أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعاً صوته: (ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم) ، في المكتوبة، (وإذا فرغ من أم القرآن) . - (أي: قبل السورة التالية) -. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكان ابن عمر ﵄ يتعوذ في نفسه - أي سرًّا -. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأيهما فعل الرجل أجزأه، إن جهر أو أخفى.

стр. 4

وكان بعضهم يتعوذ حين يفتتح قبل أم القرآن، وبذلك أقول. وأحبّ أن يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) . وإذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به، أجزأه. ويقوله في أول ركعة. وقد قيل: إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحَسَن، ولا آمر به في شيء من الصلاة، أمرتُ به في أول ركعة. وإن تركه - (قول: الاستعاذة) - ناسياً أو جاهلاً أو عامداً، لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو. وأكره له تركه عامداً، وأحب إذا تركه في أول ركعة أن يقوله في غيرها (من الركعات) ، وإنَّما منعني أن آمره أن يعيد؛ أن النبي ﷺ علم رجلاً ما يكفيه في الصلاة فقال: "كبر ثم اقرأ بأم القرآن" الحديث قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يُروَ عنه أنه ﷺ أمره بتعوذ ولا افتتاح. فدل على أن افتتاح رسول الله ﷺ اختيار، وأن التعوذ مما لا يفسد الصلاة إن تركه.

стр. 5

مختصر المزني: باب (صفة الصلاة) قال الشَّافِعِي ﵀: بعد قراءة دعاء الاستفتاح - ثم يتعوذ فيقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ثم يقرأ مرتلاً بأم القرآن. .. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) . قال الشَّافِعِي ﵀: وأحبّ أن يقول حين يفتتح قبل أم، القرآن: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) الآية، وأي كلام استعاذ به أجزأه. وقال في الإملاء بهذا الإسناد: ثم يبتدئ، فيتعوذ، ويفول: أعوذ بالسميع العليم، أو يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو: أعوذ بالله أن يحضرون. لقول اللَّه : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) .

стр. 6

قول: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الأم: باب (القراءة بعد التعوذ) أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن أيوب بن أبي تميمة، عن قتادة. عن أنس قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، يستفتحون القراءة بالحمد للهِ رب العالمين. قالَ الشَّافِعِي ﵀: يعني يبدؤون بقراءة أم القرآن قبل ما يُقرأ بعدها - واللَّه تعالى أعلم - لا يعني أنهم يتركون: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . قال الشَّافِعِي ﵀: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الآية السابعة، فإن تركها، أو بعضها، لم تُجْزهِ الركعة التي تركها فيها. قال الشَّافِعِي ﵀: بلغني أن ابن عباس ﵄ كان يقول: إن رسول الله ﷺ كان يفتتح القراءة ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أخبرني أبي، عن سعيد بن جبير: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) الآية

стр. 7

قال: هي أم القرآن. قال أبي: وقرأها على سعيد بن جبير حتى ختمها. ثم قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الآية السابعة. قال سعيد: فقرأها عَلَي ابن عباس كما قرأتها عليك، ثم قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الآية السابعة. قال ابن عباس: (فَدَخرَها لكم، فما أخرجها لأحد قبلكم) . أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا إبراهبم بن محمد قال: حدثني صالح مولى التوأمة: أن أبا هريرة كان يفتتح الصلاة ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره: أن أنس بن مالك أخبره قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التى بعدها حتى قضى تلك القراءة. ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة. فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؛ فلما صلى بعد ذلك قرأ: (بِشمرِ اللهِ الرحمن الرحِهصِ للسورة التى بعد أم القرآن، وكبَّر حين يهوي ساجداً.

стр. 8

أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الله بن عثمان بن خُئيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه: أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم، فلم يقرأ ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الآية، ولم يكئر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أن يا معاوية سرقت صلاتك! أين: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ؛ وأين التكبير إذا خفضت لماذا رفعت؛ فصلى بهم صلاة أخرى، فقال ذلك فيها الذي عابوا عليه. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرني يحيى بن سليم، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُئيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن معاوية والمهاجرين والأنصار مثله، أو مثل معناه، لا يخالفه، وأحسب هذا الإسناد أخفض من الإسناد الأول. قال الشَّافِعِي ﵀: وفي (الرواية) الأولى، أنه (معاوية) قرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في أم القرآن، ولم يقرأها في السورة التي بعدها، فذلك زيادة حفظها ابن جريج. وقوله: فصلى بهم صلاة أخرى، يحتمل أن يكون أعاد، ويحتمل أن تكون الصلاة التي تليها - والله تعالى أعلم -. أخبرنا الربيع قال:

стр. 9

أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا مسلم بن خالد، وعبد المجيد، عن ابن جريج. عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان لا يدع: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لأم القرآن، وللسورة التي بعدها. قال الشَّافِعِي ﵀: هذا أحبّ إليَّ؛ لأنه حيمئذ مبئدئ قراءة القرآن. قال الشَّافِعِي: وإن أغفل أن يقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقرأ من: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الآية، حتى يختم السورة كان عليه أن يعود فيقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، حتى يأتي على السورة. ولا يجزيه أن يقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بعد قراءة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، ولا بين ظهرانيها، حتى يعود فيقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، ثم يبئدئ أم القرآن، فيكون قد وضع كل حرف منها في موضعه. .. ولو محمد أن يقرأ منها شيئاً ثم يقرأ قبل أن يكملها من القرآن غيرها. كان هذا عملاً قاطعاً لها، وكان عليه أن يستأنفها لا يجزيه غيرها. ولو غفل فقرأ ناسياً من غيرها، لم يكن عليه إعادة ما مضى منها؛ لأنه معفو له عن النسيان في الصلاة إذا أتى على الكمال.

стр. 10

مختصر المزني: باب (صفة الصلاة) قال الشَّافِعِي: ثم بعد قول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) يقراً مرتلا بأم القرآن ويبتدئها ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، أن النبي ﷺ قرأ بأم القرآن وعدَّها - أي: البسملة - آية. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) قال الشَّافِعِي في كتاب البويطي: قال اللَّه جل ثناؤه: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) . الآية. وهي: (الفاتحة) أم القرآن: أولها (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، في آخرين قالوا: أخبرنا أبو العباس محمد ابن يعقوب، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشَّافِعِي، أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني أبي، عن سعيد بن جبير في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) . الآية، قال: هي أم القرآن. قال أبي: (وقرأها عَلَي سعيد بن جبير ﵀ حتى ختمها، ثم قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الآية السابعة) . قال سعيد: وقرأها علي ابن عباس ﵄، كما قرأتها عليك، ثم قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الآية السابعة.

стр. 11

قال ابن عباس: "فَدخرَها (الله) لكم فما أخرجها لأحد قبلكم. قال الشَّافِعِي ﵀: في رواية حرملة عنه: - كان ابن عباس يفعله. يعني: يفتتح القراءة ب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، ويقول: انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن: وكان يقول - ابن عباس -: كان النبي ﷺ لا يعرف ختم السورة حتى تنزل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . ذكر فوائد في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الأولى: قال ابن خالويه: اعلم أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من سورة الحمد، وآية من أوائل كل سورة في مذهب الشَّافِعِي، وليست آية في كل ذلك عند مالك، وعند الباقين هي آية من أول أم الكتاب، وليست آية في غير ذلك وقد ذكرنا - والكلام لابن خالويه - الاحتجاج في ذلك في كتاب شرح أسماء الله جل وعز. فأما القراء السبعة فيثبتون (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . الآية، في أول كل سورة إلا في براءة، ما خلا أبا عمرو وحمزة فإنهما كانا لا يفصلان بين السورتين ب "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . حدثني أبو سعيد الحافظ قال: حدثني أبو بكر النيسابوري قال: سمعت الربيع يقول:

стр. 12

سمعت الشَّافِعِي يقول: أول الحمد: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الآية. وأول البقرة: (الم) الآية. وكل ما ذكرت - والكلام: لابن خالويه - من اختلاف العلماء والقراءة فقد رويت عن رسول الله ﷺ ، والذي صح عندي فمذهب الشَّافِعِي ﵀، وإليه أذهب. الثانية: إن سأل سائل فقال: لم كُسرت الباء في: (بِسْمِ اللَّهِ) ؟ الآية. فالجواب في ذلك: أنهم لما وجدوا الباء حرفاً واحداً، وعملها الجر، ألزموها حركة عملها. الثالثة: وقال الأزهري: (والباء في قوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . معناها الابتداء، أي: أبتدئ باسم اللَّه. ولم يحتج إلى ذكر (بدأت) ، لأن الحال أنبأت أنك مبتدئ.

стр. 13

قول: (أمين) بعد قوده تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) اثم: باب (التأمين عند الفراغ من قراءة أم القرآن) أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب. وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" الحديث. قال ابن شهاب: وكان النبي ﷺ يقول: "آمين،. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا مالك قال: أخبرنا سُمَي (مولى أبي بكر) عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: (غَيرِ المغضُوبِ عَلَيهِم وَلَا الضآِلين، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" الحديث. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: أمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غَفَرَ اللَّه له ما تقدم من ذنبه" الحديث.

стр. 14

قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا فرغ الإمام من قراءة أمّ القرآن، قال: آمين. ورفع بها صوته، ليقتدي به من كان خلفه، فإذا قالها قالوها وأسمعوا أنفسهم. ولا أحب أن بجهروا بها، فإن فعلوا فلا شيء عليهم، وإن تركها الإمام، قالها من خلفه، وأسمعه، لعله يَذكُر فيقولها، ولا يتركونها لتركه. فائدة: قال الشَّافِعِي ﵀: وقول أمين يدل على أنه لا بأس أن يسأل العبد ربه في الصلاة كلها، في الدين والدنيا مع ما يدل من السنن على ذلك. ولو قال مع آمين رب العالين وغير ذلك من ذكر اللَّه كان حسناً لا يقطع الصلاة شيء من ذكر اللَّه. وجاء في الأم (أيضاً) : باب (الجهر بأمين) قال الربيع: سألت الشَّافِعِي عن الإمام إذا قال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) الآية، هل يرفع صوته بآمين؛ قال: نعم، ويرفع بها من خلفه أصواتهم. فقلت: وما الحجة فيما قلت من هذا؟ فقال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن: أنهما أخبراه، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أمن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه" الحديث.

стр. 15

قال ابن شهاب: إن رسول الله ﷺ كان يقول: "أمين". قال الشَّافِعِي: قول رسول الله ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمِّنوا" الحديث، دلالة على أنه أمر الإمام بأن يجهر بأمين؛ لأن من خلفه لا يعرف وقت تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه، - أي: تأمين الإمام -. قال الشَّافِعِي: ولو لم يكن عندنا وعندكم - أي: أهل العراق - علم إلا هذا الحديث الذي ذكرنا عن مالك، انبغى أن نستدل بأن رسول الله ﷺ كان يجهر بأمين، وأنه أمر الإمام أن يجهر بها، فكيف ولم يزل أهل العلم عليه. وروى وائل بن حُجر أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "أمين" يجهر بها صوته، ويحكي مطهُ إياها. وكان أبو هريرة ﵁ يقول للإمام: لا تسبقني بآمين، وكان يُؤذنَ له. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة - ابن الزبير ومن بعده ﵃ يقولون آمين، ومن خلفهم: آمين حتى إن للمسجد لَلَجَّة.

стр. 16

مختصر المزني: باب (صفه الصلاة) قال الشَّافِعِي ﵀:. . . فإذا قال - الإمام -: (وَلَا الضآِلينَ) ، قال: "آمين"، فيرفع بها صوته ليقتدي به من خلفه، لقول النبي ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمِّنوا" الحديث. وبالدلالة عن رسول الله ﷺ أنه بالجهر بها، وأمر الإمام الجهر بها، وليسمع من خلفه أنفسهم - أي: بقول آمين -.

стр. 17

سورة البقرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) الأم: باب (الإشارة إلى المطر) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا من لا أتهم قال: حدثنا سليمان بن عبد اللَّه، عن عروة بن الزبير قال: "إذا رأى أحدكم البرق أو الوَدقَ فلا يشير إليه وليصف ولينعت" الحديث. قال الشَّافِعِي: ولم تزل العرب تكره الإشارة إليه في الرعد. أخبرنا الربيع قال:

стр. 18

أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا الثقة أن مجاهداً كان يقول: الرعد ملك والبرق أجنحة الملك يَسُقْنَ السحاب. قال الشَّافِعِي: ما أشبه ما قال مجاهد بظاهر القرآن!. أخبرنا الثقة عن مجاهد أنه قال: ما سمعت بأحد ذهب البرق ببصره. كأنه ذهب إلى قوله تعالى: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) الآية. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) وبهذا الإسناد: قال الشَّافِعِي: أخبرنا الثقة: أن مجاهداً كان يقول: (الرعد) : ملك. والبرق: أجنحة الملك يَسُقْنَ السحاب) ثم ساق خبر الشَّافِعِي عن مجاهد بنصه كما في الأم. قال الله تعالى (. . . وَقُودُهَا اَلناسُ وَالْحِجَارَةُ . . .) الآية.

стр. 19

الرسالة: باب (بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص) قال الشَّافِعِي ﵀: فدل كتاب الله على أنه إنما وَقُودها بعض الناس لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) . أحكام القرآن: فصل (في معرفة العموم والخصوص) قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله : (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) الآية، فدل كتاب الله على أن وقودها بعض الناس لقوله : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) الآية. قال الله : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) البقرة: ٤٣، الآية الأم: باب (الحكم في تارك الصلاة) أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: من ترك الصلاة المكتوبة ممن دخل في الإسلام، قيل له: لم لا تصلي؟ فإن ذكر نسياناً قلنا: فَصِل إذا ذكرت، وإن

стр. 20

ذكر مرضاً قلنا: فصل كيف أطقت قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً أو مومياً. فإن قال: أنا أطيق الصلاة وأحسنها، ولكن لا أصلي، وإن كانت على فرضاً! قيل له: الصلاة عليك شيء لا يعمله عنك غيرك، ولا تكون إلا بعملك، فإن صليت وإلا استتبناك، فإن تبت وإلا قتلناك؛ فإن الصلاة أعظم من الزكاة. والحجة فيها ما وصفتُ من أن أبا بكر ﵁ قال: "لو منعوني عقالاً مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، لا تفرقوا بين ما جمع الله" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: يذهب - أي: قول أبي بكر ﵁ لا تفرقوا بين ما جمع الله - فيما أرى واللَّه أعلم (القول للشافعي) إلى قول الله ﵎: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) الآية. وأخبرنا أبو بكر ﵁ أنه إنما يقاتلهم على الصلاة والزكاة، وأصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا مَن مَنَع الزكاة؛ إذ كانت فريضة من فرائض اللَّه جل ثناؤه، ونصب دونها أهلها، فلم يقدر على أخذها منهم طائعين، ولم يكونوا مقهورين عليها، فتؤخذ منهم كما تقام عليهم الحدود كارهين. الأم (أيضاً) : باب (زكاة مال اليتيم الثاني) أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: (الزكاة في مال اليتيم كما في مال البالغ لأن الله يقول: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية.

стр. 21

فلم يخص مالاً دون مال، وقال بعض الناس: إذا كانت لليتيم ذهب أو وَرِقٌ فلا زكاة فيها، واحتج أن اللَّه يقول: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) الآية، وذهب إلى أن فرض الزكاة إنما هو على من وجبت عليه الصلاة، وقال: كيف يكون على يتيم صغير فرض الزكاة والصلاة عنه ساقطة، وكذلك أكثر الفرائض؛ ألا ترى أنه يزني ويشرب الخمر فلا يُحد، ويكفر فلا يُقتل. واحتجوا بأن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة. ." ثم ذكر "والصبي حتى يبلغ" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: لبعض من يقول هذا القول: إن كان ما احتججت به على ما احتججت فأنت تارك مواضع الحجة. الأم (أيضاً) : باب (جماع فرض الزكاة) أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: فرض اللَّه الزكاة في غير موضع من كتابه قد كتبناه للشافعي في آخر الزكاة فقال في غير آية من كتابه: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) الآية، يعني أعطوا الزكاة. وقال لنبيه ﷺ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية.

стр. 22

قال الشَّافِعِي ﵀: ففرض اللَّه على من له مال تجب فيه الزكاة أن يؤدي الزكاة إلى من جعلت له، وفرض على من ولي الأمر أن يؤديها، الى الوالي إذا لم يؤدها. وعلى الوالي إذا أداها أن لا يأخذها منه؛ لأنه سماها زكاة واحدة لا زكاتين. وفَرضُ الزكاة مما أحكم اللَّه ، وفرضه في كتابه، ثم على لسان نبيه ﷺ . الأم (أيضاً) : باب (هل تجب العمرة وجوب الحج) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قد يحتمِل قول اللَّه : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية، أن يكون فَرَضَهما معاً، وفرضه إذا كان في موضع واحد يثبت ثبوته في مواضع كثيرة كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) الآية، ثم قال: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) الآية. فذكرها (أي: فرضه الزكاة) مرة مع الصلاة، وأفرد الصلاة مرة أخرى بدونها، فلم يمنع ذلك الزكاة أن تثبت. الأم (أيضاً) : باب (كراء الأرض البيضاء) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال اللَّه : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) . . . الآية، فلو أن امراً أحضر مساكين وأخبرهم أن لهم في ماله دراهم أخرجها بأعيانها من زكاة ماله، فلم يقيضوها، ولم يَحُلْ بينهم وبينها، لم تخرج من أن تكون مضمونة عليه حتى يؤديها، ولو تلفت في يده تلفت من ماله. وكذلك لو تطهر للصلاة وقام يريدها ولا يصليها، لم يخرج من فرضها حتى يصليها.

стр. 23

وجاء في الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في أمر النكاح) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون الأمر بالنكاح في قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) إلى قوله: (يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الآية، والأمر في الكتاب والسنة وكلام الناس يحتمل معاني - منها -: أن يكون الأمر بالنكاح حتماً كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) الآية، فدلّ على أنها حتم. الرسالة: باب (البيان الثالث) قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه ﵎: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) الآية، بعد أن ذكر الآية الكريمة: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية. ثم بين على لسان رسوله عدد ما فرض اللَّه من الصلوات ومواقيتها وسننها، وعدد الزكاة ومواقيتها،. . . وحيث يزول هذا ويثبت، وتختلف سننه وتاتفق، ولهذا أشباه كثيرة في القرآن والسنة. الرسالة (أيضاً) : باب (جمل الفرائض) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر الآية (٤٣ / من سورة البقرة) أحكم اللَّه فرضه في كتابه في الصلاة والزكاة والحج، وبين كيف فرض على لسان نبيه ﷺ .

стр. 24

فأخبر رسول الله ﷺ أن عدد الصلوات المفروضات خمس، وأخبر أن عدد الظهر والعصر والعشاء في الحضر أربع أربع، وعدد المغرب ثلاث، وعدد الصبح ركعتان. وسنَّ فيها كلها قراءة، وسن أن الجهر منها بالقراءة في المغرب والعشاء والصبح، وأن المخافتة بالقراءة في الظهر والعصر. وسنَّ أن الفرض في الدخول في كل صلاة بتكبير، والخروج منها بتسليم. وأنه يؤتى فيها بتكبير ثم قراءة ثم ركوع ثم سجدتين بعد الركوع، وما سوى هذا من حدودها. وسن في صلاة السفر قَصراً كلما كان أربعاً من الصلوات - إن شاء المسافر - وإثبات المغرب والصبح على حالهما في الحضر. وأنها كلها إلى القبلة مساقرأ كان أو مقيماً، إلا في حالي من الخوف واحد؟ وسن أن النوافل في مثل حالها: لا تحِل إلا بطَهور، ولا تجوز إلا بقراءة. وما تجوز به المكتوبات من السجود والركوع واستقبال القبلة في الحضر وفي الأرض وفي السفر، وأن للراكب أن يصلي في النافلة حيث توجهت به دابته، ودلل - الشَّافِعِي - على ذلك بحديث: أخبرنا ابن أبي فُدَيك، عن ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد اللَّه بن سراقة، عن جابر بن عبد اللَّه ﵁: "أن رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار كان يصلي على راحلته متوجهاً قِبَل المشرق.

стр. 25

وسنَّ رسول الله ﷺ في صلاة الأعياد والاستسقاء سنة الصلوات في عدد الركوع والسجود، وسن في صلاة الكسوف فزاد فيها ركعة (أي: ركوعاً) على ركوع الصلوات فجعل في كل ركعة ركعتين (أي: ركوعين) ودلل على ذلك أيضاً بثلاثة أحاديث، عن أم المؤمنين عائشة ﵂ اثنان، وواحد عن ابن عباس، ثم قال (أي: الشَّافِعِي) واجتمع في حديثهما معاً (أي: عائشة وابن عباس ﵄ على أن صلى صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ركعتين (أي: ركوعين) . وقد استدل الشَّافِعِي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الآية (٤٣ من سورة البقرة) معدّداً ما يجب في مال الرجل أوجبه اللَّه فقال: (فدلّ الكتاب والسنة وما لم يختلف المسلمون فيه: أن هذا كله في مال الرجل بحق وجب عليه للهِ، أو أوجبه اللَّه عليه للآدميين بوجوهٍ لزمته، وأنه لا يُكلف أحد غُرْمَهُ عنه) .

стр. 26

قال الله : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) . الأم: كتاب الذكاة باب (فيه مسائل مما سبق) تتعلق بالذبح قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكل ما كان مأكولاً من طائر أو دابة فأن يذبحَ أحبُّ إلِي وذلك سنته ودلالة الكتاب فيه، والبقر داخلة في ذلك لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) الآية، وحكايته فقال: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) ، الآية. إلا الإبل فقط فإنها تنحر، لأن رسول اللَّه ﷺ نحر بُدنه، فموضع النحر في الاختيار - في السُّنة - في اللَّبَّة، وموضع الذبح في الاختيار - في السُّنة - أسفل من اللحيين، والذكاة في جميع ما ينحر ويذبح ما بين اللَّبَّة والحلق، فأين ذبح من ذلك أجزأه فيه ما يجزيه إذا وضع الذبح في موضعه، وإن نحر ما يُذبح أو ذبح ما يُنحر، كرهتُه له، ولم أحرمه عليه، وذلك أن النحر والذبح ذكاة كله، غير أني أحبّ أن يضع كل شيء من ذلك موضعه لا يعدوه إلى غيره. قال ابن عباس ﵄: (الذكاة في اللَّبَّة والحلق لمن قدر) .

стр. 27

وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب، وزاد عمر: (ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق) . قال الله : (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) الآية الأم: كتاب الزكاة باب (فيه مسائل مما سبق) تتعلق بالذبح قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكل ما كان مأكولاً من طائر أو دابة فإن يذبح أحبّ إلي وذلك سنته ودلالة الكتاب فيه، والبقرة داخلة في ذلك لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) الآية، وحكايته فقال: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) الآية، إلا الإبل فقط، فإنها تنحر. . ثم كمل ما نقلناه في الآية السابقة.

стр. 28

قال الله : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) الأم: باب (الحكم بين أهل الجزية) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولو أوصى أحد من أهل الكتاب - بأن يكتب بثلثه الإنجيل والتوراة لِدَرس، لم تجز الوصية لأن اللَّه قد ذكر تبديلهم منها فقال: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) الآية، وقال: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) الآية. الأم (أيضاً) : باب (حد الذمتين إذا زنوا) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقلت له (أي: للمحاور) أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؛ وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ﷺ أحدثُ الأخبار، تقرؤونه عضاً لم يُشَب؟! ألم يخبركم الله في كتابه أنهم حرفوا كتاب الله تبارك اسمه، وبدلوا وكتبوا الكتاب بأيديهم، وقالوا: (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .. الآية. ألا ينهاكم العلم الذي جاءكم

стр. 29

عن مسألتهم؛ والله ما رأبنا أحداً منهم بسالكم عما أنزل الله إليكم الحديث. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقلت له: أمرنا الله بالحكم بينهم بكتاب الله المنزل على نبيه ﷺ ، وأخبر أنهم قد بدلوا كتابه الذي أنزل، وكتبوا الكتاب بأيديهم فقالوا: (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) الآية. الأم (أيضاً) : باب (الحكم بين أهل الكتاب) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولم يستن رسول الله ﷺ - علمناه - ولا أحد من أصحابه، ولم يجمع المسلمون على إجازة شهادتهم بينهم. . .، فقد أخبرنا اللَّه ﵎ أنهم بدلوا كتاب اللَّه وكتبوا الكتب بأيديهم وقالوا: (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) الآية. مختصر المزني: باب (الحكم في المهادنين والمعاهدين) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولو قال اكتبوا بثلثي (أي: بثلث مالي) التوراة والإنجيل فسخته لتبديلهم، قال اللَّه : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) الآية.

стр. 30

الرسالة: باب (المقدمة) قال الربيع بن سليمان: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إدريس:. . . بعثه والناس صنفان: أحدهما: أهل الكتاب، بدلّوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم. فذكر ﵎ لنبيه من كفرهم فقال: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) . الآية. ثم قال: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) . ثانيهما: وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به اللَّه، ونصبوا بأيديهم حجارة وخُشُباً، وصوراً استحسنوها، ونبذوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألفوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه: فأولئك العرب. وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم ونار وغيره.

стр. 31

أحكام القرآن: فصل (فيمن لا يجب عليه الجهاد) ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ، إلَى أَنْ قَالَ: أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ: وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ؟ ، أَلَمْ يُخْبِرْكُمْ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا كِتَابَ اللَّهِ وَبَدَّلُوا، وَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ؟. أَلَا يَنْهَاكُمْ الْعِلْمُ الَّذِي جَاءَكُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ ، وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ. قال الله (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) الأم: (الحكم في تارك الصلاة) الأم: (أيضاً) باب (زكاة مال اليتيم) الأم: (أيضاً) باب (جماع فرض الزكاة)

стр. 32

الأم (أيضاً) : باب (هل تجب العمرة وجوب الحج) الأم (أيضاً) : باب (كراء الأرض البيضاء) الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في أمر النكاح) الرسالة: باب (البيان الثالث) الرسالة (أيضاً) : باب (جمل الفرائض) مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الكلام وصحة اعتقاده فيها) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وفرض اللَّه على اللسان: القول والتعبير عن القلب بما عقد وأقرُّ به، فقال في ذلك: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) الآية. وقال: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) الآية، فذلك ما فرض اللَّه على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان.

стр. 33

قال الله : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) . الرسالة: باب (ابتداء الناسخ والمنسوخ) قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم، (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) الآية. وأنزل عليهم الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة، وفرض فيه فرائض) أثبتها، وأخرى نسخها رحمة لخلقه، بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمة. وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم: جنته، والنجاة من عذابه. فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ. فله الحمد على نعمه. وأبان اللَّه لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب، بمثل ما نزل نصاً، ومفسرة معنى ما أنزل اللَّه منه جُملاً. وقال الشَّافِعِي ﵀: وفي كتاب الله دلالة عليه، قال : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) الآية. فأخبر اللَّه أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله. وقال : (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) الآية، وهكذا سنة رسول الله ﷺ لا ينسخها إلا سنة

стр. 34

لرسول الله ولو أحدث الله لرسوله في أمر سنَّ فيه: غير ما سنَّ رسول الله ﷺ : لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها. وهذا مذكور في سنته ﷺ . فإن قال قائل: فقد وجدنا الدلالة على أن القرآن ينسخ القرآن لأنه لا مثل للقرآن فأوجدنا ذلك في السنة؟. قال الشَّافِعِي: فيما وصفت من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله ﷺ : دليل على أن سنة رسول الله ﷺ إنما قبلت عن الله فمن اتبعها فبكتاب الله تبعها ولا نجد خبرا ألزمه الله خلقه نصا بينا: إلا كتابه ثم سنة نبيه. فإذا كانت السنة كما وصفت لا شبه لها من قول خلق من خلق الله-: لم يجز أن ينسخها إلا مثلها ولا مثل لها غير سنة رسول لأن الله لم يجعل لآدمي بعده ما جعل له بل فرض على خلقه اتباعه فألزمهم أمره فالخلق كلهم له تبع ولا يكون للتابع أن يخالف ما فرض عليه اتباعه ومن وجب عليه اتباع سنة رسول الله لم يكن له خلافها ولم يقم مقام أن ينسخ شيئا منها. فإن قال: أفيحتمل أن تكون له سنة مأثورة قد نسخت ولا تؤثر السنة التي نسختها؟. فلا يحتمل هذا وكيف يحتمل أن يؤثر ما وضع فرضه ويترك ما يلزم فرضه؟! ولو جاز هذا خرج عامة السنن من أيدي الناس بأن يقولوا: لعلها منسوخة!! وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض. كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة. وكل منسوخ في كتاب وسنة هكذا. فإن قال قائل هل تنسخ السنة بالقرآن

стр. 35

قال الشَّافِعِي: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله. فإن قال: ما الدليل على ما تقول؟ قال الشَّافِعِي: فما وصفت من موضعه من الإبانة عن الله معنى ما أراد بفرائضه، خاصاً وعاماً، مما وصفتُ في كتابي هذا، وأنه لا يقول أبداً لشيء إلا بحكم الله. ولو نسخ الله مما قال حكماً لسنَّ رسول الله ﷺ فيما نسخه سنة. ولو جاز أن يقال: قد سنَّ رسول الله ﷺ ثم نسخ سنته بالقرآن ولا يؤثر عن رسول الله ﷺ السنة الناسخة: جاز أن يقال: فيما حرَّم رسول الله ﷺ من البيوع كلها: قد يحتمل أن يكون حَرمها قبل أن يُنزل عليه (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) الآية، وفيمن رَجَمَ من الزناة: قد يحتمل أن يكون الرجم منسوخاً؛ لقول الله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية، وفي المسح على الخفين: نسخت آية الوضوء المسح. وجاز أن يقال: لا يدرأ عن سارق سرق من غير حرز، وسرقته أقل من ربع دينار؛ لقول اللَّه تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) الآية. لأن اسم السرقة يلزم من سرق قليلاً وكثيراً، ومن حرز ومن غير حرز، ولجاز ردُّ كل حديث عن رسول اللَّه بأن يقال: لم يقله، إذا لم يجده مثل التنزيل، وجاز رد السنن بهذين الوجهين، فتُركت كل سنة معها كتاب جملة تحتمل سنته أن توافقه، وهي لا تكون أبداً إلا موافقة له، إذا احتمل اللفظ فيما روي عنه خلاف اللفظ في التنزيل بوجه، أو احتمل أن يكون في اللفظ عنه كثر مما في اللفظ في التنزيل، وإن كان محتمِلاً أن يخالفه من وجه.

стр. 36

وكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ تدل على خلاف هذا القول، وموافقة لما قلنا. وكتاب اللَّه البيان الذي يُشفى به من العَمَى، وفيه الدلالة على موضع رسول اللَّه ﷺ من كتاب اللَّه ودينه، واتباعه له، وقيامه بتبيينه عن اللَّه. اختلاف الحديث: (المقدمة) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولا ينسخ كتاب اللَّه إلا لقول اللَّه: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) الآية. وقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) الآية. فأبان أن نسخ القرآن لا يكون إلا بقرأن مثله، وأبان جل ثناؤه أنه فرض على رسوله اتباع أمره، فقال: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) الآية. وشهد له باتباعه، فقال جل ثناؤه: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ) الآية. فأعلم اللَّه خلقه أنه يهديهم إلى صراطه، قال فتُقام سنة رسول اللَّه مع كتاب اللَّه جل ثناؤه، مقام البيان عن اللَّه عدد فرضه كبيان ما أراد بما أنزل عاماً. العامَ أراد به أو الخاص، وما أنزل فرضاً وأدباً وإباحة وإرشاداً إلا أن شيئاً من سنة رسول الله يخالف كتاب اللَّه في حال، لأن اللَّه جل ثناؤه قد أعلم خلقه أن رسوله يهدي إلى صراط مستقيم صراط اللَّه، ولا أن شيئاً من سنن رسول اللَّه ناسخ لكتاب اللَّه، لأنه قد أعلم خلقه أنه إنما ينسخ القرآن بقرآن مثله، والسنة تبع للقرآن.

стр. 37

وقد اختصرت من إبانة السنة عن كتاب اللَّه بعض ما حضرني مما يدل على ما في مثل معناه إن شاء اللَّه، قال اللَّه جل ثناؤه: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) . فدل رسول الله ﷺ على عدد الصلاة، ومواقيتها والعمل بها وفيها، ودل على أنها على العامة الأحرار والمماليك من الرجال والنساء إلا الحُيض، فأبان منها المعاني التي وصفت. وأنها مرفوعة عن الحُيض. . . الخ. أحكام القرآن: (فصل في النسخ) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم. . . وساق النص الوارد سابقاً في كتاب الرسالة. قال الله : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) . سبق تفسيرها في الآية / ٤٣، وانظر الإشارة إلى مواضع كلام الإمام الشَّافِعِي عنها في الآية / ٨٣ من سورة البقرة.

стр. 38

قال الله : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشافعى - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) قرأت - للإمام البيهقي - في كتاب: (المختصر الكبير) فيما رواه أبو إبراهيم المزني، عن الشَّافِعِي ﵀ ألْه قال: أنزل اللَّه على رسوله ﷺ فرض القبلة بمكة، فكان يصلي في ناحية يستقبل منها البيت الحرام وبيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة، استقبل بيت المقدس، مولياً عن البيت الحرام ستة عشر شهراً - وهو يحب: لو قضى اللَّه إليه باستقبال البيت الحرام، لأن فيه مقام أبيه إبراهيم وإسماعيل؛ وهو المثابة للناس والأمن، وإليه الحج، وهو المأمور به: أن يُطهر للطائفين والعاكفين والركع السجود. مع كراهية رسول الله ﷺ لما وافق اليهود، فقال لجبريل ﵇: "لودِدت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها"؛ فأنزل اللَّه : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) الآية. يعني - والله أعلم -: فثم الوجه الذي وجهكم اللَّه إليه، فقال جبريل للنبي ﷺ : (يا محمد أنا عبد مأمور مثلك، لا أملك شيئاً، فسل الله) فسأل النبي ﷺ ربه أن يوجهه إلى البيت الحرام، وصَعِد جبريل إلى السماء، فجعل النبي ﷺ يديم طرفه إلى السماء: رجاء أن يأتيه جبريل ﷺ بما سأل.

стр. 39

فأنزل اللَّه (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إلى قوله: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) . قال الله : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) الأم: باب (دخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرة) قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) إلى قوله: (وَالركعِ السُّجُودِ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: المثابة في كلام العرب: الموضع يثوب الناس إليه. ويثوبون: يعودون إليه بعد الذهاب منه، وقد يقال ثاب إليه: اجتمع إليه. فالمثابة: تجمع الاجتماع. ويثوبون: يجتمعون إليه راجعين بعد ذهابهم منه ومبتدئين. قال ورقة بن نوفل يذكر البيت:

стр. 40

مثاباً لأفناء القبائل كلها ... تخبُّ إليه اليعملات (١) الذوامل وقال خداش بن زهير النصري: فما برحت بكر تثوب وتدعى ... ويلحق منهم أولون وآخِر أحكام القرآن: (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الحج) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: ثم ساق ما ورد في الأم حرفياً. قال الله : (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) الرسالة: باب (بيان فَرَض الله في كتابه اتباع سنة نبيه ﷺ قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وضع اللَّه رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علماً لدينه، بما افترض من طاعته، وحرّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قَرَنَ من الإيمان برسوله مع الإيمان به.
следующие страницы →