← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ تدل على خلاف هذا القول، وموافقة لما قلنا. وكتاب اللَّه البيان الذي يُشفى به من العَمَى، وفيه الدلالة على موضع رسول اللَّه ﷺ من كتاب اللَّه ودينه، واتباعه له، وقيامه بتبيينه عن اللَّه. اختلاف الحديث: (المقدمة) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولا ينسخ كتاب اللَّه إلا لقول اللَّه: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) الآية. وقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) الآية. فأبان أن نسخ القرآن لا يكون إلا بقرأن مثله، وأبان جل ثناؤه أنه فرض على رسوله اتباع أمره، فقال: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) الآية. وشهد له باتباعه، فقال جل ثناؤه: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ) الآية. فأعلم اللَّه خلقه أنه يهديهم إلى صراطه، قال فتُقام سنة رسول اللَّه مع كتاب اللَّه جل ثناؤه، مقام البيان عن اللَّه عدد فرضه كبيان ما أراد بما أنزل عاماً. العامَ أراد به أو الخاص، وما أنزل فرضاً وأدباً وإباحة وإرشاداً إلا أن شيئاً من سنة رسول الله يخالف كتاب اللَّه في حال، لأن اللَّه جل ثناؤه قد أعلم خلقه أن رسوله يهدي إلى صراط مستقيم صراط اللَّه، ولا أن شيئاً من سنن رسول اللَّه ناسخ لكتاب اللَّه، لأنه قد أعلم خلقه أنه إنما ينسخ القرآن بقرآن مثله، والسنة تبع للقرآن.

стр. 37

وقد اختصرت من إبانة السنة عن كتاب اللَّه بعض ما حضرني مما يدل على ما في مثل معناه إن شاء اللَّه، قال اللَّه جل ثناؤه: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) . فدل رسول الله ﷺ على عدد الصلاة، ومواقيتها والعمل بها وفيها، ودل على أنها على العامة الأحرار والمماليك من الرجال والنساء إلا الحُيض، فأبان منها المعاني التي وصفت. وأنها مرفوعة عن الحُيض. . . الخ. أحكام القرآن: (فصل في النسخ) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم. . . وساق النص الوارد سابقاً في كتاب الرسالة. قال الله : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) . سبق تفسيرها في الآية / ٤٣، وانظر الإشارة إلى مواضع كلام الإمام الشَّافِعِي عنها في الآية / ٨٣ من سورة البقرة.

стр. 38

قال الله : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشافعى - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) قرأت - للإمام البيهقي - في كتاب: (المختصر الكبير) فيما رواه أبو إبراهيم المزني، عن الشَّافِعِي ﵀ ألْه قال: أنزل اللَّه على رسوله ﷺ فرض القبلة بمكة، فكان يصلي في ناحية يستقبل منها البيت الحرام وبيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة، استقبل بيت المقدس، مولياً عن البيت الحرام ستة عشر شهراً - وهو يحب: لو قضى اللَّه إليه باستقبال البيت الحرام، لأن فيه مقام أبيه إبراهيم وإسماعيل؛ وهو المثابة للناس والأمن، وإليه الحج، وهو المأمور به: أن يُطهر للطائفين والعاكفين والركع السجود. مع كراهية رسول الله ﷺ لما وافق اليهود، فقال لجبريل ﵇: "لودِدت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها"؛ فأنزل اللَّه : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) الآية. يعني - والله أعلم -: فثم الوجه الذي وجهكم اللَّه إليه، فقال جبريل للنبي ﷺ : (يا محمد أنا عبد مأمور مثلك، لا أملك شيئاً، فسل الله) فسأل النبي ﷺ ربه أن يوجهه إلى البيت الحرام، وصَعِد جبريل إلى السماء، فجعل النبي ﷺ يديم طرفه إلى السماء: رجاء أن يأتيه جبريل ﷺ بما سأل.

стр. 39

فأنزل اللَّه (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إلى قوله: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) . قال الله : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) الأم: باب (دخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرة) قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) إلى قوله: (وَالركعِ السُّجُودِ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: المثابة في كلام العرب: الموضع يثوب الناس إليه. ويثوبون: يعودون إليه بعد الذهاب منه، وقد يقال ثاب إليه: اجتمع إليه. فالمثابة: تجمع الاجتماع. ويثوبون: يجتمعون إليه راجعين بعد ذهابهم منه ومبتدئين. قال ورقة بن نوفل يذكر البيت:

стр. 40

مثاباً لأفناء القبائل كلها ... تخبُّ إليه اليعملات (١) الذوامل وقال خداش بن زهير النصري: فما برحت بكر تثوب وتدعى ... ويلحق منهم أولون وآخِر أحكام القرآن: (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الحج) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: ثم ساق ما ورد في الأم حرفياً. قال الله : (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) الرسالة: باب (بيان فَرَض الله في كتابه اتباع سنة نبيه ﷺ قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وضع اللَّه رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علماً لدينه، بما افترض من طاعته، وحرّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قَرَنَ من الإيمان برسوله مع الإيمان به.

стр. 41

فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذي ما سواه تبع له: (الإيمان بالله ثم برسوله) . فلو آمن عبد به، ولم يؤمن برسوله: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً. حتى يؤمن برسوله معه. وهكذا سنّ رسول الله ﷺ في كل من امتحنه للإيمان. أخبرنا مالك، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم قال: أتيت رسول اللَّه بجارية، فقلت: يا رسول اللَّه، عليُّ رقبة، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ " فقالت: في السماء، "ومن أنا؟ " قالت: أنت رسول اللَّه، قال: "فاعتِقها" الحديث. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ففرض اللَّه على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله، فقال: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) . أحكام القرآن: فصل (فرض الله في كتابه واتباع سنة نبيه ﷺ : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فرض اللَّه تعالى على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله ﷺ فقال في كتابه: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) .

стр. 42

وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) . وقال : (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فذكر اللَّه تعالى الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ . وهذا يشبه ما قال - واللَّه أعلم - بأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة، وذكرَ الله منته على خلقه بئعليمهم الكتاب والحكمة. فلم يجز - واللَّه أعلم - أن تعدّ الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب اللَّه، وأن الله قد افترض طاعة رسول الله ﷺ ، وحتّم على الناس اتباع أمره. فلا يجوز أن يقال لقول: فرض إلا لكتاب الله، ثم سنة رسول الله ﷺ مبينة عن الله ما أراد دليلاً على خاصه وعامِّه، ثم قرن الحكمة بكتابه، فاتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسول الله ﷺ . قال الله : (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) الأم: المرتد عن الإسلام: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ومن اننقل عن الشرك إلى الإيمان، ثم انتقل عن الإيمان إلى الشرك - مِن بالغي الرجال والنساء - استتيب، فإن تاب قُبلَ منه، وإن لم يتب قُتِلَ، قال اللَّه : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) إلى قوله: (هُم فِيهَا خَالِدُون) الآية.

стр. 43

قال الشَّافِعِي: أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف، عن عثمان بن عفان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغبر نفس" الحديث. ومعنى حديث عثمان عن النبي ﷺ : "كفر بعد إيمان " ومعنى من بدَّل: قُتِل، معنى يدل على أن من بدل دينه دين الحق - وهو الإسلام -، لا من بدَّل غير الإسلام، وذلك أن من خرج من غير دين الإسلام إلى غيره من الأديان، فإنما خرج من باطل إلى باطل، ولا يقتل على الخروج من الباطل، إنما يقتل على الخروج من الحق، لأنه لم يكن على الدين الذي أوجب الله عليه الجنة وعلى خلافه النار. إنما كان على دين له النار إن أقام عليه، قال اللَّه جل ثناؤه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) الآية. وقال الله : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) . وقال: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) إلى قوله: (مسْلِمُون) الآية. قال الله : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الكلام. وصحة اعتقاده فيهما) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وفرض اللَّه على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد، وأقرَّ به، فقال في ذلك: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) الآية، وقال:

стр. 44

(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) الآية، فذلك ما فرض الله على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان. قال الله : (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) الرسالة: باب (فرض الصلاة للذي دل الكتاب ثم السنة على من تزول عنه بالعذر وعلى من لا تكتب صلاته بالمعصية) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ووجه اللَّه رسوله للقبلة في الصلاة إلى بيت المقدس، فكانت القبلة التي لا يحل - قبل نسخها - استفبال غيرها، ثم نسخ الله قِبلَة بيت المقدس، ووجهه إلى البيت فلا يحل لأحد استقبال بيت المقدس أبداً لمكتوبة، ولا في أن يستقبل غير البيت الحرام. وقال الشَّافِعِي أيضاً: وكل كان حقاً في وقته، فكان التوجه إلى بيت المقدس - أيام وجه اللَّه إليه نبيه - حقاً، ثم نسخه، فصار الحق في التوجه إلى البيت الحرام أبداً، لا في استقبال غيره في مكتوبة إلا في بعض الخوف - أي: بعض أوجه صلاة الخوف - أو نافلة في سفر، استدلالاً بالكتاب والسنة. وهكذا كل ما نسخ اللَّه - ومعنى (نَسَخَ) : ترك فرضه - كان حقاً في وقته، وتركه حقاً إذا نسخه اللَّه، فيكون من أدرك فرضه مطيعاً به وبتركه، ومن لم يُدركِ فرضه مطيعاً باتباع الفرض الناسخ له.

стр. 45

قال اللَّه لنبيه: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) الآية. فإن قال قائل: فأين الدلالة على أنهم حولوا إلى قبلةِ بعد قبلةِ؟ ففي قول اللَّه: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) . قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح اذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، قد أمِرَ أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" الحديث. وأخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: صلى رسول الله ﷺ ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين. اختلاف الحديث: المقدمة (من أمثلة الكلام على النسخ / نسخ الكتاب بالكتاب) قال الشَّافِعِي ﵀: والناسخ من القرآن؛ الأمر ينزله الله من بعد الأمر يخالفه، كما حول القبلة، قال : (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) الآية،

стр. 46

وقال: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَ) الآية، وأشياء له كثيرة في غير موضع. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) البقرة: ٤٩ ا-.١٥، الآية. عدة أقوال - منها -: وقيل: في تحويلكم عن قبلتكم التي كنتم عليها، إلى غيرها، وهذا أشبه. ما قيل فيها - واللَّه أعلم - لقول اللَّه: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَ) إلى قوله: (مُسْتَقِيمٍ) الآية. فأعلمَ اللَّه نبيه ﷺ : أنه لا حجة عليهم في التحويل، يعني لا يتكلم في ذلك أحد بشيء يريد الحجة، إلا الذين ظلموا منهم. لا أن لهم حجة (أي: الذين ظلموا) ، لأن عليهم (أي: الرسول ومن معه) أن ينصرفوا عن قبلتهم، إلى القبلة التي أمِرُوا بها.

стр. 47

قال الله : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : قال الشَّافِعِي رهه الله تعالى: وفي قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) هِ الآية، لقوله: إلا لنعلم أن قد عَلِمَهم من يتبع الرسول، وعِلْمُ الله كان - قبل اتباعهم وبعده - سواء. وقد قال المسلمون: فكيف بما مضى من صلاتنا، ومن مضى منا؟ فأعلمهم الله: أن صلاتهم إيمان فقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُم) الآية. مناقب الشافعى: باب (ما يؤثر عنه في الإيمان) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وسمَّى - الله - الطهور والصلوات إيماناً في كتابه، وذلك حين صرف الله تعالى وجه نبيه ﷺ من الصلاة إلى بيت المقدس، وأمره بالصلاة إلى الكعبة.

стр. 48

وكان المسلمون قد صلّوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً فقالوا: يا رسول الله، أرأيت صلاتنا التى كنا نصليها إلى بيت المقدس، ما حالها وحالنا؟ فأنزل اللَّه تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) الآية. فسمَّى الصلاة إيماناً، فمن لقي ربه حافظاً لصلواته، حافظاً لجوارحه، مؤدياً بكل جارحة من جوارحه ما أمر اللَّه به وفرض عليها لقي اللَّه مستكمل الإيمان من أهل الجنة، ومن كان لشيء منها تاركاً متعمداً مما أمر اللَّه به لقي اللَّه ناقص الإيمان. وفيما حُكِي عن المزني، عن الشَّافِعِي رحمهما اللَّه أنه قال: قوله : (إِلاً لِنَعلَمَ مَن يَتبعُ اَلرسُولَ) الآية، وعِلمُ اللَّه، كان قبل اتباعهم وبعده، سواء. قال الله : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الأم: من كتاب جماع العلم (التكليف بالاجتهاد في التأخِّي لما أمر بطلبه) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وشطره: قصده، وذلك تلقاؤه، قال: أجل.

стр. 49

قلت (أي: الشَّافِعِي) وقال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الآية. وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) الآية. وخلق الجبال والأرض، وجعل المسجد الحرام حيث وَضَعَه من أرضه، فكلّف خلقه التوجه إليه: ١ - فمنهم من يرى البيت فلا يسعه إلا الصواب بالقصد إليه. ٢ - ومنهم من يغيب عنه، وتنأى داره عن موضعه، فيتوجه إليه بالاستدلال بالنجوم، والشمس والقمر، والرياح، والجبال، والمهاب، كل هذا قد يستعمل في بعض الحالات ويدل فيها ويستغني بعضها عن بعض. قال: هذا كما وصفتَ، ولكن على إحاطة أنت من أن تكون إذا توجهت أصبت؟ قلت: أما على إحاطةٍ من أني إذا توجهت أصبت ما أكلف، وإن لم أكلف أكثر من هذا فنعم. قال: أفعلى إحاطةٍ أنت من صواب البيت بتوجهك؟ قلتُ: أفهذا شيء كلفت الإحاطة في أصله البيت؛ وإنَّما كُلفت الاجتهاد. قال: فما كُلفت؟ ، قلتُ: التوجه شطر المسجد الحرام، فقد جئت بالتكليف، وليس يعلم الإحاطة بصواب موضع البيت آدمي إلا بعيان، فأمّا ما غاب عنه من عينه فلا يحيط به آدمي. قال: فنقول: أصبت؛، قلتُ: نعم، على معنى ما قلتَ أصبتُ ما أمِزتُ به. فقال: ما يصح في هذا الجواب أبداً غير ما أجبتَ به، وإن من قال: كلفت الإحاطة بأن أصيب، لزعم أنه لا يصلي إلا أن

стр. 50

يحيط بأن يصيب أبداً. وإن القرآن ليدل كما وصفت على أنه إنما أمر بالتوجه إلى المسجد الحرام. والتوجه: هو التأخِّي والاجتهاد، لا الإحاطة. الأم (أيضاً) : من فصل (الإقرار والاجتهاد والحكم بالظاهر) وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: فأين هذا؟ قيل: مثل الكعبة من رآها صلى إليها، ومن غاب عنها توجه إليها بالدلائل عليها، لأنها الأصل، فإن صلّى غائباً عنها برأي نفسه بغير اجتهاد بالدلائل عليها كان مخطئاً، وكانت عليه الإعادة. وكذلك الاجتهاد فمن اجتهد على الكتاب والسنة فذلك. ومن اجتهد على غير الكتاب والسنة كان مخطئاً. .. ولا يجوز أن يعمل ذلك برأي نفسه على غير أصل، كما إذا كان الكتاب والسنة موجودين، فآمره يترك الدلائل وآمره يجتهد برأيه! وهذا خلاف كتاب اللَّه لقوله تعالى: وَحَيثُ مَا كُنتُز فَوُّلواً وُجُوهَكُثم شَظرَهُ و) الآية. الرسالة: باب (فرض الصلاة الذي دلَّ الكتاب ثم السنة على من تَزول عنه بالعذر وعلى من لا تكتب صلاته بالمعصية) : قال الشَّافِعِي ﵀: ووجه اللَّه رسوله للقبلة في الصلاة إلى بيت المقدس، فكانت القبلة التي لا يحل - قبل نسخها - استقبال غيرها.

стр. 51

اختلاف الحديث: المقدمة: قال الشَّافِعِي ﵀: والناسخ من القرآن الأمر ينزله اللَّه من بعد الأمر يخالفه، كما حَول القبلة، فقال : (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) . أحكام القرآن: من فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) الآية، يقال: يجدون - فيما نزل عليهم - أن النبي الأمِّي من ولد إسماعيل بن إبراهبم علبهم السلام. يخرج من الحرم، وتعود قبلته وصلاته مخرجه. (يعني الحرم) . الزاهر باب (القبلة) : ذكر الشَّافِعِي ﵀: قول اللَّه : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية. وقوله: (فَوَل وَجهَكَ) ، أي: أقبل بوجهك، فوجِّه وجهك. وكذلك قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) الآية، أي: مستقبلها.

стр. 52

وقال أبو العباس (أحمد بن يحيى) : التولية هاهنا: إقبال، وقد تكون (التولية) إدباراً كقولك: وَلِّ عني وجهك، أي: أدبر عني بوجهك، وقد ولى: إذا أدبر. وأما قوله تعالى: (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية، فشطره: تلقاؤه وجهته ونحوه. وأصل الشطر: النحو، وقول الناس: فلان شاطِر معناه: قد أخذ في نحو غير الاستواء. ويقال: هؤلاء قوم يشاطروننا، أي: دُورُهم تقابل دورنا، كما تقول: هم يناحوننا، أي: نحن ننحُو نحوهم، وينحون نحونا. وشطر كل شيء: نصفه. قال الله : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) الأم: كتاب جماع العلم: باب (حكاية من رد خبر الخاصة) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فرض الله على الناس التوجه في القبلة إلى المسجد الحرام، فقال سبحانه: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إلى قوله: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) . ثم قال: أفرأيت إذا سافرنا واختلفنا في القبلة، فكان الأغلب على أنها في جهة، والأغلب على غيري في جهة، ما الفرض علينا؟. فإن قلتَ: الكعبةُ فهي وإن كانت ظاهرة في موضعها فهي مغيبة عمن نأوا عنها، فعليهم أن يطلبوا التوجه لها غاية جَهدهم على ما أمكنهم، وغلب بالدلالات في قلوبهم. فإذا فعلوا وسعهم الاختلاف، وكان كل مؤدياً للفرض عليه، لأن الفرض عليه الاجتهاد في طلب الحق المغيب عنه.

стр. 53

الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإن قال قائل: أرأيت ما لم يمض فيه كتاب. ولا سنة، ولا يوجد الناس اجتمعوا عليه، فأمرت بأن يؤخذ به قياساً على كتاب الله أو سنة، أيقال لهذا: قُبِلَ عن اللَّه؟ قيل: نعم، قبلت جملته عن اللَّه. فإن قيل: ما جملته؟ قيل: الاجتهاد فيه على الكتاب والسنة. فإن قيل: أفيوجد في الكتاب دليل على ما وصفت؟ قيل: نعم، نسخ الله قبلة بيت المقدس وفرض على الناس التوجه إلى البيت، فكان على من رأى البيت أن يتوجه إليه بالعيان. وفرض اللَّه على من غاب عنه البيت، أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام. لأن البيت في المسجد الحرام، فكان المحيط بأنه أصاب البيت بالمعاينة، والمتوجه قَصد البيت ممن غاب عنه قابلين عن اللَّه معاً التوجه إليه. وأحدهما على الإحاطة، والآخر متوجِّة بدلالة، فهو على إحاطة من صواب جملة ما كُلف، وعلى غير إحاطة كإحاطة الذي يرى البيت من صواب البيت، ولم يكلف الإحاطة. قال الله : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) الأم: باب (استقبال القبلة) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فنصب الله لهم البيت والمسجد. فكانوا إذا رأوه فعليهم استقبال البيت، لأن رسول الله ﷺ صلى مُسْتَقْبِلَه، والناس معه

стр. 54

حوله من كل جهة، ودلهم بالعلامات التي خَلَقَ لهم، والعقول التي ركب فيهم على قصد البيت الحرام، وقصد المسجد الحرام، وهو: قصد البيت الحرام. فالفرض على كل مصل فريضةً، أو نافلةً، أو على جنازة، أو ساجد لشكر، أو سجود قرآن، أن يتحرى استقبال البيت إلا في حالين: أرخص اللَّه تعالى فيهما سأذكرهما إن شاء الله تعالى. الأم (أيضاً) : باب (كيف استقبال البيت) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: واستقبال البيت وجهان: أولاً: فكل من كان يقدر على رؤية البيت ممن بمكة في مسجدها، أو منزل منها، أو سهل، أو جبل، فلا تجزيه صلاته حتى يصيب استقبال البيت؛ لأنه يدرك صواب استقباله بمعاينته. ثانياً: وإن كان أعمى وسعه أن يستقبل به غيره البيت، ولم يكن له أن يصلي وهو لا يرى البيت بغير أن يستقبله به غيره، فإن كان في حال لا يجد أحداً يستقبله به، صلى وأعاد الصلاة؛ لأنه على غير علم، من أنه أصاب استقبال القبلة، إذا غاب عنه بالدلائل التي جعلها الله، من النجوم، والشمس، والقمر، والرياح وغيرها، مما يستدل به أهل الخبرة على التوجه إلى البيت.

стр. 55

الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قيل فبم يتوجه إلى البيت؟ قيل: قال اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) وقال: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) . وكانت العلامات جبالاً يعرفون مواضعها من الأرض، وشمساً، وقمراً، ونجماً مما يعرفون من الفَلَكِ، ورياحاً يعرفون مهابها على الهواء، تدل على قصد البيت الحرام، فجعل عليهم طلب الدلائل على شطر المسجد الحرام فقال: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) الآية. وكان معقولاً عن اللَّه أن يأمرهم بتولية وجوههم شطره، بطلب الدلائل عليه، لا بما استحسنوا، ولا بما سنح في قلوبهم، ولا خطر على أوهامهم بلا دلالة جعلها اللَّه لهم، لأنه قضى ألَّا يتركهم سدى، وكان معقولاً عنه لأنَّه إذا أمرهم أن يتوجهوا شطره، وغيب عنهم عينه، أن لم يجعل لهم أن يتوجهوا حيث شاؤوا لا قاصدين له بطلب الدلالة عليه. الرسالة: باب (كيف البيان؟) : وقال سبحانه: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) الآية.

стр. 56

قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فدلهم جل ثناؤه إذا غابوا عن عين المسجد الحرام على صواب الاجتهاد، مما فرض عليهم منه، بالعقول التي ركب فيهم، المميزة بين الأشياء وأضادها، والعلامات التي نصب لهم دون عين المسجد الحرام الذي أمرهم بالتوجه شطره. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ففرض عليهم الاجتهاد بالتوجه شطر المسجد الحرام، مما دلهم عليه مما وصفت، فكانوا ما كانوا مجتهدين غير مزايلين أمره جل ثناؤه، ولم يجعل لهم إذا غاب عنهم عين المسجد الحرام أن يصلوا حيث شاؤوا. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : قال الشَّافِعِي ﵀: وفي قوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) الآية. قيل في ذلك - واللَّه أعلم -: لا تستقبلوا المسجد الحرام من المدينة إلا وأنتم مستدبرون بيت المقدس، وإن جئتم من جهة نجد اليمن - فكنتم تستقبلون البيت الحرام، وبيت المقدس - استقبلتم المسجد الحرام، لا أنَّ إرادتكم (قصدكم وجهتكم) بيت المقدس، وإن استقبلتموه باستقبال المسجد الحرام، ولا أنتم كذلك تستقبلون ما دونه ووراءه، لا إرادة أن يكون قبلة، ولكن جهة قبلة.

стр. 57

وقيل: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) الآية، في استقبال قبلة غيركم. قال الشَّافِعِي ﵀: فلما حول اللَّه رسوله ﷺ إلى المسجد الحرام صلى رسول اللَّه ﷺ أكثر صلاته مما يلي الباب من جهة وجه الكعبة، وقد صلّى من ورائها والناس معه مصطفين بالكعبة مستقبليها كلها، مستدبرين ما ورائها من المسجد الحرام. قال الشَّافِعِي ﵀: وقوله : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية، فشطره وتلقاؤه وجهته: واحد في كلام العرب. واستدل عليه ببعض ما في كتاب الرسالة. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال الله ﵎: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) الآية. ففرض عليهم حيث ما كانوا: أن يولوا وجوههم شطره. وشطره: جهته في كلام العرب. إذا قلت: أقصد شطر كذا، معروف أنك تقول: أقصد قصد عين كذا، يعني: قصد نفس كذا: وكذلك (تلقاؤه وجهته) أي: استقبل تلقاءه وجهته، وكلها بمعنى واحد، وإن كانت بألفاظ مختلفة.

стр. 58

قال خُفَاف بن ندْبَة: ألا من مبلغ عَمْراً رسولاً ... وما تغني الرسالة ُ شطرَ عمرو وقال ساعدة بن جُؤَية: أقول لأم زنباع أقيمي ... صدورَ العيسِ شطرَ بني تميم وقال لقيط الأيادي: وقد أظلكم من شطر ثغركم ... هول له ظُلَم تغشاكم قطعاً وقال الشاعر: إن العسيرَ بها داة مُخامِرُها ... فشطرها بصرُ العينينِ مَحْسُورُ قال الشَّافِعِي ﵀: يريد تلقاءها بصرُ العينين ونحوها: تلقاء جهتها. وهذا كله - مع غيره من أشعارهم - يبين أن شطر الشيء: قَصْد عين الشيء، إذا كان معايناً: فبالصواب (أي: التصويب إليه) ، وإن كان مغيَّباً فبالاجتهاد والتوجُّه إليه، وذلك أكثر ما يمكنه فيه. قال الشَّافِعِي ﵀: وقيل: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) الآية. في استقبال قبلة غيركم، وقيل في تحويلكم عن قبلتكم التي كنتم عليها إلى غيرها - وهذا أشبه ما قيل فيها والله أعلم -.

стр. 59

قال الله : (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) الرسالة: بيان فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال جل ثناؤه: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) . فذكر اللَّه الكتاب (وهو القرآن) وذكر الحكمة. فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول اللَّه. وهذا يشبه ما قال - واللَّه أعلم -؛ لأن القرآن ذكر وأتبِعَتْهُ الحكمة، وذكر اللَّه مَنَّهُ على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز - واللَّه أعلم - أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله ﷺ . وذلك أنها مقرونة مع كتاب اللَّه، وأن اللَّه افترض طاعة رسوله، وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فرضٌ إلا لكتاب اللَّه ثم سنة رسوله. لما وصفنا من أن اللَّه جعل الإيمان برسوله مقروناً بالإيمان به. وسنة رسول اللَّه مبينة عن اللَّه معنى ما أراد دليلاً على خاصّه وعامّه. ثم قَرَنَ الحكمة بها بكتابه فاتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحدٍ من خلقه غيرِ رسوله.

стр. 60

قال الله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في آيات متفرقة) : أخبرنا أبو عبد الرحمن (محمد بن الحسين السُّلمي) ، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت جعفر بن أحمد الخلاطي، يقول: سمعت الربيع ابن سليمان يقول: سئل الشَّافِعِي عن قول الله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) . قال الشَّافِعِي ﵀: الخوف: خوف العدو. والجوع: جوع شهر رمضان. ونقص من الأموال: الزكوات. والأنفس: الأمراض. والثمرات: الصدقات. وبشر الصابرين: على أدائها. قال الله : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الأم: باب (تقديم الوضوء ومتابعته) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قول اللَّه : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية. فبدأ رسول الله ﷺ بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله

стр. 61

به" الحديث، ولم أعلم خلافاً أنه لو بدأ بالمروة ألغى طوافاً حتى يكون بدؤه بالصفا، وكما قلنا في الجمار (أي: رمي الحجار) إن بدأ بالآخرة (أي: رمي جمرة العقبة) قبل الأولى (أي: الجمرة الصغرى) ، أعاد حتى تكون بعدها، وإن بدأ الطواف بالصفا والمروة قبل الطواف بالبيت أعاد. مختصر المزني: باب (سنة الوضوء) : بعد أن ذكر حكم من صلى بوضوء على غير ولاء (أي: قدم عضواً على عضو) ، رجع فبنى على الولاء من وضوئه، وأعاد الصلاة، واحتج بقول الله : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية، فبدأ رسول الله ﷺ بالصفا وقال: نبدأ بما بدأ الله به" الحديث. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعانى في الطهارات والصلوات) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وتوضأ رسول الله ﷺ كما أمر اللَّه، وبدأ بما بدأ اللَّه به، فأشبه - واللَّه أعلم - أن يكون على المتوضئ في الوضوء شيئان: ١ - أن يبدأ بما بدأ اللَّه ثم رسوله ﷺ به منه. ٢ - ويأتي على إكمال ما أمِر به.

стр. 62

وشبهه بقول اللَّه : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية، فبدأ رسول اللَّه ﷺ بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله به" الحديث. آداب الشَّافِعِي ومناقبه: ما روى الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشَّافِعِي من الآثار والمسائل: أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو محمد، أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال سمعت أبي بقول: أدخل الشَّافِعِي عليهم (يعني: أصحاب أبي حنيفة) : إذا بدأ المتوضئ بعضو دون عضو فقال: قال الله : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية، فقالوا (يعني: أصحاب أبي حنفية) : إذا بدأ بالمروة قبل الصفا يعيد ذلك الشوط. مناقب الشَّافِعِي: ما يستدل به على فقه الشَّافِعِي، وتقدمه فيه، وحسن استنباطه: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي قال: أخبرنا عبد الرحمن يعني: بن محمد قال: أخبرني عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل في كتابه، قال سمعت أبي يقول:. . . ثم ساق الحديث بتمامه. قلت: أخذ الشَّافِعِي بمسألة ترتيب أعمال الوضوء، من ترتيب أعمال الوضوء الوارد في الآية، وقياسه على بداية السعي بين الصفا والمروة من سياق النظم (القرآني) كذلك، ومن السنة بقول النبي ﷺ وفعله، وذلك عندما دنا من الصفا في حَجِّه قرأ آية: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية، وقال: "ابدؤوا بما بدأ الله بذكره".

стр. 63

ثم بدأ سعيه بالصفا فرقِيَ عليه. وهو مذهب الجمهور (الشَّافِعِي، ومالك، وأحمد، وأصحاب أبي حنيفة، وعطاء في رواية عنه) . قال الله : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) الأم: كتاب (صلاة الكسوف) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فذكر اللَّه الآيات، ولم يذكر معها سجوداً إلا مع الشمس والقمر، وأمر بألَّا يُسجد لهما، وأمر بأن يُسجد له، فاحتمل أمره أن يَسجد له عند ذكر الشمس والقمر، بأن يأمر بالصلاة عند حادث في الشمس والقمر، واحتُمل أن يكون إنما نهى عن السجود لهما، كما نهى عن عبادة ما سواه، فدلّت سنة رسول الله ﷺ على أن يُصلَّى لله عند كسوف الشمس والقمر، فأشبه ذلك معنيين: أحدهما: أن يُصلَّى عند كسوفهما لا يختلفان في ذلك. وثانيهما: ألَّا يؤمر عند كل آية كانت في غيرهما بالصلاة، كما أمر بها عندهما، لأن اللَّه ﵎ لم يذكر في شيء من الآيات صلاة، والصلاة في كل حال طاعة لله ﵎، وغبطة لمن صلاها.

стр. 64

قال الشَّافِعِي ﵀: فيصفى عند كسوف الشمس والقمر صلاة جماعة. ولا يُفعل ذلك في شيء من الآيات غيرها. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : وقد نقل فيه ما ورد في الأم حرفياً. مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في دلائل التوحيد) : أورد البيهقي في مناقبه قصة الحوار بين الشَّافِعِي ﵀ وبشر المريسي، فقال له بشر: أخبرني ما الدليل على أن اللَّه تعالى واحد؟ فقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: يا بشر، ما تدرك من لسان الخواص فأكلمك على لسانهم؛ إلا أنه لابد لي من أن أجيبك على مقدارك من حيث أنت. الدليل عليه به، ومنه وإليه: واختلاف الأصوات من المصوِّت إذا وكان المحرك واحداً: دليل على أنه واحد. - وعدم الضد في الكلام على الدوام: دليل على أن اللَّه واحد. - وأربع نيران مختلفات في جسد واحد، متفقات الدوام على تركيبه في استقامة الشكل: دليل على أنه واحد.

стр. 65

- وأربع طبائع مختلفات في الخافقين أضداد غير أشكال، مُؤَلِّفات على إصلاح الأحوال: دليل على أنه واحد. قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) . كل ذلك: دليل على أن اللَّه واحد لا شريك له. أعلام النبلاء: قال الشَّافِعِي ﵀: بعد مناظرة لتلميذه المزني رحمه اللَّه تعالى: ارجع إلى الله، وإلى قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية. فاستدِلَّ بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف عِلْمَ ما لم يبلغه عقلك. قال - المزني -: فتبت. قال الله : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) الأم: فصل (ما يحل بالضرورة) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال اللَّه تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) الآية.

стр. 66

قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فيحلّ ما حرّم من مينة ودم ولحم خنزير. وكلّ ما حرم مما يغير العقل من الخمر للمضطر. والمضطر: الرجل يكون بالموضع، لا طعام فيه معه، ولا شيء يسد فورة جوعه من لبن وما أشبهه، ويبلغه الجوع ما يخاف منه الموت أو المرض، وإن لم يخف الموت، أو يضعفْه ويضره، أو يعتل أو يكون ماشياً فيضعفُ عن بلوغ حيث يريد، أو راكباً فيضعف عن ركوب دابته، أو ما في هذا المعنى من الضرر البين، فأيُّ هذا ناله فله أن يأكل من المحرّم. وكذلك يشرب من المحرّم غير المسكر، مثل الماء تقع فيه الميتة وما أشبهه. وأحبَ إليَّ أن يأكل آكله إن أكل، وشاربه إن شرب، أو جمعهما، فعلى ما يقطع عنه الخوف ويبلغ به بعض القوة، ولا يبين أن يحرم عليه أن يشبع ويروى، وإن أجزأه دونه؛ لأن التحريم قد زال عنه بالضرورة. وإذا بلغ الشِّبع والري فليس له مجاوزته، لأن مجاوزته حينئذ إلى الضرر أقرب منه إلى النفع. ومن بلغ إلى الشبع فقد خرج في بلوغه من حد الضرورة، وكذلك الري. ولا بأس أن يتزود معه من الميتة ما اضطر إليه، فإذا وجد الغنى عنه طرحه. ولو تزود معه ميتة فلقي مضطراً أراد شراءها منه، لم يحلّ له ثمنها، إنما حل له منها منع الضرر البين على بدنه لا ثمنها. الأم (أيضاً) : فصل (السفر الذي تقصر في مثله الصلاة بلا خوف) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وسواء في القصر المريض والصحيح، والعبد والحر، والأنثى والذكر إذا سافروا معاً في غير معصية اللَّه تعالى، فأما من سافر

стр. 67

باغياً على مسلم، أو معاهد، أو يقطع طريقاً، أو يفسد في الأرض، أو العبد يخرج آبقاً من سيده، أو الرجل هارباً ليمنع حقاً لزمه، أو ما في مثل هذا المعنى أو غيره من المعصية فليس له أن يقصر، فإن قصر أعاد كل صلاة صلاها؛ لأن القصر رخصة، وإنما جعلت الرخصة لمن لم يكن عاصياً، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) الآية، وهكذا لا يمسح على الخفين، ولا يجمع الصلاة مسافر في معصية، وهكذا لا يصلِّي إلى غير القبلة نافلة، ولا يخفف عمن كان سفره في معصية اللَّه تعالى. مختصر المزني: باب (صلاة المسافر والجمع في السفر) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وليس لأحد سافر في معصية أن يقصر، ولا يمسح مسح المسافر فإن فعل أعاد، ولا تخفيف على من سفره في معصية. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشافعى - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: والقصر لمن خرج في غير معصية: في السنة. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فأما من خرج باغياً على مسلم. . . ثم ساق ما ورد في الأم الفقرة السابقة وزاد البيهقي: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأكره ترك القصر، وأنهى عنه، إذا كان رغبة عن السنة فيه. يعني لمن خرج في غير معصية.

стр. 68

أحكام القرآن: فصل (ما يؤثر عنه في الصيد والذبائح وفي الطعام والشراب) : وقال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) الآية. قال في ذكر ما حُرِّم: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) . فيحل ما حُرِّم من الميتة ولحم الخنزير، وكل ما حُرِّم - مما لا يغير العقل: من الخمر - للمضطر. قال الله : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) اختلاف الحديث: باب (عطية الرجل لولده) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقد حمد اللَّه - جل ثناؤه -، على إعطاء المال والطعام في وجوه الخير وأمر بهما، فقال : (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ) الآية. وقال : (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا) .

стр. 69

الآية، وقال : (وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) الآية، وقال : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) الآية، وقال : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) الآية. فإذا جاز ذلك للأجنبيين وذوي القربى، فلا أقرب من الولد، وذلك أن الرجل إذا أعطى ماله ذا قرابته غير ولده، أو أجنبياً فقد منعه ولده وقطع ملكه عن نفسه، فإذا كان محموداً على هذا كان محموداً أن يعطيه بعض ولده دون بعض، ومَنع بعضهم ما أخرج من ماله أقل من منعهم كلهم. ويستحب له أن يسوِّي بينهم، لئلا يقصّر واحدٌ منهم في برِّه، فإن القرابة تتفُسُ بعضها بعضاً ما لم تنفس البعادة. قال الربيع: يربد البعداء. وقد فضَّل أبو بكر ﵁ عائشة بنِحل، وفضَّل الخليفة عمر ﵁ عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه، وفضل عبد الرحمن بن عوف ﵁ ولد أم كلثوم. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: لو اتصل حديث طاووس، أنه لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده لزعمت أن من وهب هبة - لمن يستثيبه مثله أو لا يستثيبه - وقُبِضَت الهبة لم يكن للواهب أن يرجع في هبته؛ وإن لم يثبه الموهوب له - واللَّه أعلم -.

стр. 70

أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويقال: إن اليهود قالت: البر في استقبال المغرب، وقالت النصارى: البر في استقبال المشرق بكل حال، فأنزل الله) فيهم: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) الآية. يعني - واللَّه أعلم - وأنتم مشركون، لأن البر لا يكتب لمشرك. فلما حوَّل اللَّه رسوله ﷺ إلى المسجد الحرام، صلى رسول الله ﷺ أكثر صلاته مما يلي الباب من وجه الكعبة، وقد صلى من ورائها والناس معه. مطيفين بالكعبة، مستقبليها كلها، مستدبرين ما وراءها من المسجد الحرام. قال الله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الأم: باب (جماع ايجاب القصاص في العمد) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فالقصاص إنما يكون ممن فعل ما فيه القصاص، لا ممن لم يفعله، فاخكَم اللَّه - عز ذكره - فَرض القصاص في كتابه، وأبانت السنة لمن هو؟ وعلى من هو؟. أخبرنا الربيع قال:

стр. 71

أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم أو عن عيسى بن أبي ليلى، عن أبي ليلى قال: قال رسول الله ﷺ : ("من اعتبط مومناً بقتل فهو قَوَدُ يده، إلا أن يرضى ولي المقتول، فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل. الأم (أيضاً) : باب (الحكم في قتل العمد) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويقال: من العلم العام الذي لا اختلاف فيه بين أحد لقيته، فحدثنيه، وبلغني عنه - من علماء العرب - أنها كانت قبل نزول الوحي على رسول الله ﷺ تباين في الفضل، ويكون بينها ما يكون بين الجيران، من قتل العمد والخطأ، فكان بعضها يعرف لبعض الفضل في الديات، حتى تكون دية الرجل الشريف أضعاف دية الرجل دونه، فأخذ بذلك بعض من بين أظْهُرهَا - من غيرها - بأقصد مما كانت تأخذ به، فكانت دية النضيري ضعف دية القُرَظي.

стр. 72

وكان الشريف من العرب إذا قتل، يجاوز قاتله إلى من لم يقتله من أشراف القبيلة التي قتله أحدها، وربما لم يرضوا إلا بعددٍ يقتلونهم، فقتل بعض غِني شأسَ بن زهير فجمع عليهم أبوه زهير بن جَذِيمة، فقالوا له - أو بعض من نُدب عنهم -: سل في قتل شأس. فقال: إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها، قالوا: وما هي؟ قال: تحيون لي شأساً! أو تملؤون ردائي من نجوم السماء! أو تدفعون إلي غنياً بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت منه عوضاً!. وقَتَل كليب واثل: فاقتتلوا دهراً طويلاً، واعتزلهم بعضهم، فأصابوا ابناً له يقال له: بُجَيْر، فأتاهم فقال: قد عرفتم عزلتي، فبجير بكليب - وهو أعز العرب -، وكفوا عن الحرب فقالوا: بحير بشسع (نعل) كليب، فقاتلهم وكان معتزلاً. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال إنه نزل في ذلك وغيره مما كانوا يحكمون به في الجاهلية - هذا الحكم الذي أحكيه كله بعد هذا - وحَكَمَ اللَّه تبارك وتعالى بالعدل، فسوّى في الحكم بين عباده، الشريف منهم والوضيع: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) .

стр. 73

فقال: إن الإسلام نزل وبعض العرب يطلب بعضاً بدماء وجراح، فنزل فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) إلى قوله تعالى: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية، والآية التي بعدها. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بُكَير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال معاذ: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن نفَر، حفظ معاذ منهم؛ مجاهداً، والحسن، والضحاك بن مزاحم، قال: في قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية. قال: "كان كتب على أهل التوراة أنه من قتل نفساً بغير نفس حق له أن يقاد بها، ولا يعفى عنه، ولا تقبل منه الدية، وفرض على أهل الإنجيل أنه يعفى عنه، ولا يقتل. ورخص لأمة محمد ﷺ إن شاء قتل، وإن شاء أخد الدية، وإن شاء عفا، فذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية " الحديث. يقول: الدية تخفيف من الله إذ جعل الدية، ولا يَقتُل. ثم قال: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الآية. يقول: من قَتَلَ بعد أخذه الدية فله عذاب أليم. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا سفيان بن عيينة: قال حدثنا عمرو بن دينار: قال سمعت مجاهداً يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) .

стр. 74

قال: العفو أن تقبل الدية في العمد (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية. مما كتب على من كان قبلكم (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما قاله ابن عباس في هذا كما قال - واللَّه سبحانه أعلم -. وكذلك ما قال مقاتل؛ لأن اللَّه إذ ذكَرَ القصاصَ، ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية، لم يجز - واللَّه أعلم - أن يقال: إن عُفِيَ بأن صُولِح على أخذ الدية؛ لأن العفو ترك حق بلا عوض، فلم يجز إلا أن يكون إن عُفِيَ عن القتل، فإذا عفا لم يكن إليه سبيل. وصار للعافي - عن - القتل مال في مال القاتل، وهو دية قتيله فيتبعه بمعروف، ويؤدي إليه القاتل بإحسان، فلو كان إذا عفا عن القاتل لم يكن له شيء، لم يكن للعافي يتبعه، ولا على القاتل شيء يؤديه بإحسان. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقد جاءت السنة مع بيان القرآن في مثل معنى القرآن. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله

стр. 75

حرّم مكة ولم يُحرمها الناس، فلا يحل لمن كان يومن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجراً، فإن ارتخصَ أحدٌ فقال: أحِلَّت لرسول الله ﷺ فإن الله أحلها لي، ولم يحلها لله للناس، وإنَّما أحلت لي ساعة من النهار، ثم هي حرام كحرمتها بالأمس، ثم إنكم يا خزاعة قد قتلتم هدا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقلُه: فمن قتَلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه بين خِيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخدوا العقل" الحديث. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية، إنها في الحيين اللذين وصف مقاتل بن حيان وغيره، ممن حكيت قوله في غير هذا الموضع. ثم أدبها أن يُقتل الحر بالحر إذا قتلَه، والأنثى بالأنثى إذا قتلتها، ولا يُقتل غيرُ قاتلها إبطالاً؛ لأن يجاوز القاتل إلى غيره، إذا كان المقتول أفضل من القاتل، - كما وصفت - ليس أنه لا يُقتل ذكر بالأنثى، إذا كانا حُرين مسلمين، ولا أنه لا يقتل حر بعبد من هذه الجهة، إنما يترك قتْله من جهة غيرها، دهاذا كانت هكذا أشبه أن تكون لا تدل على ألا يكون يُقتل اثنان بواحد، إذا كانا قاتِلَين. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهي عامة في أن الله - عزّ ذكره - أوجب القصاص بها إذا تكافأ دمان، وإنما يتكافآن بالحرية والإسلام، وعلى كل ما وصفت من عموم الآية وخصوص بما دلالة من كتاب أو سنة أو إجماع. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى،: فأيما رجل قتل قتيلاً فَوَلي المقتول بالخيار. إن شاء قتل القاتل، وإن شاء أخذ منه الدية، وإن شاء عفا عنه بلا دية.
следующие страницы →