Полный текст (1 273 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وجه عن أبي هريرة - وليس بالمشهور المعروف [من] الرجال - فقبلناه نحن وأنت، وخالفنا المكيون، واحتجوا بقول اللَّه :
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الآية.
وقوله: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الآية.
وبقول عائشة ﵂، وابن عباس ﵄، وعبيد بن عمير، فزعمنا أن الرواية الواحدة تثبت بها الحجة، ولا حجة
في تأويل، ولا حديث عن غير النبي ﷺ مع حديث النبي ﷺ ، قال: أما ما وصفت
فكما وصفت، قلت: فإذا جاء مثل هذا فلِمَ لم تجعله حجة؟
الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى في الآية الأخرى:
(إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الآية.
فلما أباح في حال الضرورة ما حرَم جملة، أيكون لي
إباحة ذلك في غير حال الضرورة، فيكون التحريم فيه منسوخاً والإباحة قائمة؟ قال: لا.
قلنا: وئقول له: التحريم بحالة، والإباحة على الشرط، فمتى لم يكن
الشرط فلا تحل؟
قال: نعم.
* * *
قال الله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه في الصيد والذبائح وفي الطعام والشراب:
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع بن
سليمان قال:
стр. 632
قال الشَّافِعِي ﵀: حرُّم المشركون على أنفسهم - من أموالهم -
أشياء، أبان اللَّه أنها ليست حراماً بتحريمهم، وذلك مثلُ: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كانوا يتركونها في الإبل والغنم كالعتق، فيحرمون ألبانها، ولحومها، ومِلْكَها وقد فسرته في غير هذا الوضع.
ثم ذكر البيهقي الاستدلال في حاشيته بحديث ابن المسيب، وكلامه في
تفسير ذلك، وحديث الجشمي، وأثر ابن عباس التعلق بذلك، وبآية: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا) الآية.
* * *
قال الله : (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)
الأم: قتل الوِلدَان:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) الآية.
كان بعض العرب تقتل الإناث من ولدها صغاراً، خوف العيلة عليهم والعار بهم، فلما نهى اللَّه عز ذكره عن ذلك من أولاد المشركين، دل على تثبيت النهي عن قتل أطفال المشركين في دار الحرب، وكذلك دلت عليه السنة مع ما دلَّ عليه الكتاب، من تحريم القتل بغير حق.
стр. 633
قال الله : (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)
الأم: ما حرّم المشركون على أنفسهم:
قال الشَّافِعِي ﵀: حرّم الشركون على أنفسهم من أموالهم أشياء.
أبان اللَّه أنها ليست حراماً بتحريمهم.
وقد ذكرتُ بعض ما ذكر اللَّه تعالى منها، وذلك مثل: البحيرة والسائبة
والوصيلة والحام، كانوا يتركونها في الإبل والغنم كالعتق، فيحرمون ألبانها
ولحومها وملكها، وقد فسرته في غير هذا الموضع، فقال ﵎:
(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية
وقال اللَّه وهو يذكر ما حَرَّموا:
(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ)
إلى قوله (حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الآية.
(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) الآية، وأعلمهم أنه لم يحرم عليهم ما حرموا بتحريمهم وقال:
(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)
يعني - واللَّه أعلم -: من الميتة.
стр. 634
قال الله : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)
الأم: ما حرم المشركون على أنفسهم:
قال الشَّافِعِي ﵀: حرّم المشركون على أنفسهم من أموالهم أشياء.
أبان الله أنها ليست حراماً بتحريمهم. .، فقال:
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) .
الأم (أيضاً) : قتل الوِلدَان:
قال الشَّافِعِي ﵀: كان بعض العرب تقتل الإناث من ولدها صغاراً
خوف العيلة عليهم، والعار بهم، فلما نهى الله عز ذكره عن ذلك من أولاد
المشركين، دلَّ على تثبيت النهي عن قنل أطفال المشركين في دار الحرب، وكذلك دلت عليه السنة مع ما دل عليه الكتاب من تحريم القتل بغير حق، قال اللَّه :
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) الآية.
وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي معاوية (عمرو النخعي) قال: سمعت
أبا عمرو الشيباني يقول: سمعت ابن مسعود ﵁ يقول سألت النبي ﷺ أي
стр. 635
الكبائر أكبر؟ فقال: "أيُّ تجعل لله نِدًّا وهو خلقك"
قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك" الحديث.
* * *
قال الله : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)
الأم: باب (الوقت الذي تؤخذ فيه الصدقة مما أخرجت الأرض) :
قال الشَّافِعِي ﵀: إذا بلغ ما أخرجت الأرض ما يكون فيه الزكاة، أخذت صدقته، ولم ينتظر بها حول، لقول اللَّه :
(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الآية.
ولم يجعل له وقتاً إلا الحصاد، واحتمل قول اللَّه :
(يَوْمَ حَصَادِهِ) إذا صلح بعد الحصاد، واحتمل يوم يحصد، وإن لم يَصلُح، فدلت سنة رسول الله ﷺ على أن تؤخذ
بعد ما يجفُّ، لا يوم يحصد النخل والعنب، والأخذ منهما زبيباً وتمراً، فكان كذلك كل ما يصلح بجفوف ودرس مما فيه الزكاة مما أخرجت الأرض.
وهكذا زكاة ما أخرج من الأرض من مَعدِن، لا يؤخذ حتى يصلح فيصير
ذهباً أو فضة، ويؤخذ يوم يصلح.
قال الشَّافِعِي ﵀: وزكاة الركاز يوم يؤخذ؛ لأنه صالح بحاله، لا
يحتاج إلى إصلاح، وكله مما أخرجت الأرض.
стр. 636
الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في الخلاف في التفليس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد يجدان تأويلاً من قول اللَّه : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الآية، ولم يذكر قليلاً ولا كثيراً.
ومن قول النبي ﷺ :
فيما سُقيَ بالسماء العشر وفيما سُقيَ بالدالية نصف العشر" الحديث.
قال - أي المحاور - أجل.
الأم (أيضاً) : كراء الأرض البيضاء:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن اللَّه جلَ ذكره خاطب المؤمنين بأن قال لنبيه ﷺ :
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية.
وخاطبهم بأن قال: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الآية.
فلما كان الزرع مالاً من مال المسلم، والحصاد حصاد مسلم تجب فيه الزكاة.
مختصر المزني: باب (صدقة الزرع) :
قال الشَّافِعِي ﵀: في قول الله ﵎: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزرع، فما جمع أن يزرعه
الآدميون، وييبس، ويدخر، ويقتات، مأكولاً خبزاً أو سويقاً أو طبيخاً ففيه
стр. 637
الصدقة، وروي أن رسول الله ﷺ أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والذرة، وهذا مما يزرع ويقتات.
الرسالة: في الزكاة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الآية.
فسن رسول الله ﷺ أن يؤخذ مما فيه زكاة من نبات الأرض، الغِراس وغيره.
على حكم اللَّه جل ثناؤه، يوم يحصد، لا وقت له غيره.
وسن في الركاز الخمس، فدلَّ على أنه يوم يوجد، لا في وقت غيره.
أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال:
"وفي الركاز الخُمُس" الحديث.
ولولا دلالة السنة كان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في
جميعها، لا في بعضها دون بعض.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي ﵀ في الزكاة:
قال الشَّافِعِي ﵀: في أثناء كلامه في باب زكاة التجارة - في قول اللَّه (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الآية.
وهذا دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزرع، وإنما قصد: إسقاط الزكاة عن حنطة حصلت في يده من غير زراعة.
стр. 638
قال الله : (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)
وقال الله : (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ)
الأم: ما حرم المشركون على أنفسهم:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) الآية والآيتين بعدها، فأعلمهم جلُ ثناؤه، أنه لا يحرم
عليهم ما حرموا..
وأعلمهم أنه لم يحرّم عليهم ما حرّموا.
الأم (أيضاً) : باب (دواب الصيد التي لم تسمَّ) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قال الله تعالى:
(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) الآية.
فلا أعلم مخالفاً أنه عنى: الإبل والبقر والغنم والضأن
وهي الأزواج الثمانية.
стр. 639
قال اللَّه تعالى: (مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ) الآية.
وقال: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) الآية.
فهي بهيمة الأنعام وهي الأزواج الثمانية، وهي الإنسية التي منها الضحايا
والبُدن التي يذبح المحرِم، ولا يكون ذلك من غيرها من الوحش.
* * *
قال الله : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)
الأم: كتاب (الأطعمة وليس في التراجم، وترجم فيه ما يحل ويحرم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أصل ما يحل أكله من البهائم والدواب والطير
شيئان، ثم يتفرقان فيكون منها شيء محرم نصاً في سنة رسول الله ﷺ ، وشيء محرم في جملة كتاب اللَّه ، خارج من الطيبات ومن بهيمة الأنعام، فإن الله يقول:
(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) الآية، ويقول: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)
فإن ذهب ذاهب إلى أن اللَّه يقول: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الآية.
فأهل التفسير، أو من سمعت منه منهم
стр. 640
يقول: في قول اللَّه : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية، يعني: مما كنتم تأكلون، فإن العرب كانت تحرم أشياء على أنها من الخبائث، وتحل أشياء على أنها من الطيبات، فأحِلَّت لهم الطيبات عندهم إلا ما استثني منها، وحرمت عليهم الخبائث عندهم، قال اللَّه : (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل ما دل على ما وصفتَ؟
قيل لا يجوز في تفسير الآي إلا ما وصفت من أن تكون الخبائث معروفة عند من خوطب بها، والطيبات كذلك، إما في لسانها، وإما في خبر يُلزمُها، ولو ذهب ذاهب إلى أن يقول: كل ما حرم، حرام بعينه، وما لم يُنص بتحريم فهو حلال، أحل أكل العَذِرَة والدود وشرب البول؛ لأن هذا لم ينص فيكون محرماً، ولكنه داخل في معنى الخبائث التي حرموا، فحرمت عليهم بتحريمهم، وكان هذا في شر من حال الميتة والدم المحرمين؛ لأنهما نجسان، ينجسان ما ماسا، وقد كانت الميتة قبل الموت غير نجسة، فالبول والعذرة اللذان لم يكونا قط إلا نجسين أولى أن يحرما، أن يؤكلا أو يشربا، وإذا كان هذا هكذا ففيه كفاية، مع أن ثَمَّ دلالة بسنة رسول الله ﷺ فلما أمر رسول الله ﷺ بقتل الغراب والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، دلَّ هذا على تحريم ممل ما أمر بفتله في الإحرام، ولا كان هذا من الطائر والدواب كما وصفت، دل هذا على أن أنظر إلى كل ما كانت العرب تأكله فيكون حلالاً، وإلى ما لم تكن العرب تأكله، فيكون حراماً، فلم تكن العرب تأكل كلباً ولا ذئباً ولا أسداً ولا نمراً، وتأكل الضبع، فالضبع حلال، ويجزيها المحرم بخبر عن النبي ﷺ أنها صيد وتؤكل، ولم تكن تأكل الفأرة ولا العقارب ولا الحيات ولا الحِدَأ ولا الغربان، فجاءت السنة موافقة للقرآن
стр. 641
بتحريم ما حرموا، وإحلال ما أحلوا، وإباحة أن يقتل في الإحرام ما كان غير
حلال أن يؤكل، ثم هذا أصله.
الأم (أيضاً) : ما حرّم المشركون على أنفسهم:
قال الشَّافِعِي ﵀: وأعلمهم - اللَّه تعالى - أنه لم يحرم عليهم ما حرموا
بتحريمهم، وقال: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)
يعني - واللَّه أعلم -: من الميتة ويقال: أنزل في ذلك:
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الآية.
وهذا يشبه ما قيل، يعني: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية.
أي: من بهيمة الأنعام إلا ميتة أو دماً مسفوحاً منها وهي حية، أو ذبيحة كافر، وذكر تحريم الخنزير معها، وقد قيل: ما كنتم تأكلون إلا كذا.
الأم (أيضاً) : تفريع ما يحل ويحرم:
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي قول الله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الآية.
وقوله: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)
وما أشبه هذه الآيات، أن يكون أباح كل مأكول لم ينزل
تحريمه في كتابه نصاً، واحتمل كل مأكول من ذوات الأرواح، لم ينزل تحريمه
بعينه نصاً، أو تحريمه على لسان نبيه ﷺ .
стр. 642
الأم (أيضاً) : سنَّ تفريق القَسْم:
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له - أي: للمحاور -: قال اللَّه : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الآية.
وقد قال ابن عباس ﵄، وعائشة ﵂، وعبيد بن عمير ﵁: لا بأس بأكل سوى ما سمى الله أنه حرام واحتجوا بالقرآن، وهم كما تعلم في العلم والفضل.
وروى أبو إدريس عن النبي ﷺ :
"أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع" الحديث.
ووافقه الزهري فيما يقول، قال: كل ذي ناب من السباع
حرام، والنبي ﷺ أعلم بمعنى ما أراد الله .
وذكره؛ ومن خالف شيئاً مما رُوي عن النبي ﷺ فليس في قوله حجة، ولو علم الذي قال قولاً يخالف ما روي عن النبي ﷺ : أن النبي ﷺ قاله رجع إليه.
وقد يعزب عن الطويل الصحبة السنة، ويعلمها بعيد الدار، قليل الصحبة.
الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قلت - أي: للمحاور -: فنسمعك في أحكام
منصوصة في القرآن قد أحدثت فيها أشياء ليست منصوصة في القرآن، وقلت لبعض من يقول هذا القول: قد قال اللَّه لنبيه ﷺ :
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) الآية، وقال في غير آية مثل هذا المعنى، فلم زعمت أن كل ذي ناب من السباع حرام، وليس هو مما سمى
стр. 643
الله منصوصاً محرماً؛ قال: قاله رسول الله ﷺ ، فقلت له: ابن شهاب رواه وهو يضعِّفه ويقول: لم أسمعه حتى جئت الشام، قال وإن كان لم بسمعه حتى جاء الشام، فقد أحاله على ثقة من أهل الشام، قلنا: ولا توهِنَه بتوهين من رواه.
وخلافه ظاهر الكتاب عندك، وابن عباس ﵄ مع علمه بكتاب اللَّه وعائشة أم المؤمنين مع علمها به وبرسول اللَّه ﷺ وعبيد بن عمير مع سِنِّه وعلمه يبيحون كل ذي ناب من السباع، قال: ليس في إباحتهم كل ذي ناب من
السباع، ولا في إباحة أمثالهم حجة، إذ كان رسول الله ﷺ يحرمه، وقد تخفى عليهم السنة، يعلمها من هو أبعد داراً، وأقل للنبي ﷺ صحبة وبه علماً منهم.
ولا يكون ردهم حجة حين يُروى عن النبي ﷺ خلافه. قلنا: وتراهم يخفى ذلك عليهم؛ وسممعه رجل من أهل الشام؟
قال: نعم، قد خفي على عمر والمهاجرين والأنصار، ما حفظ الضحاك بن سفيان ﵀ وهو من أهل البادية، وحمل بن مالك وهو من أهل البادية.
قلنا: فتحريم كل ذي ناب من السباع مختلَف فيه.
قال: وإن اختلف فيه، إذا ثبت عن النبي ﷺ من طريق صحيح، فرسول اللَّه ﷺ أعلم بمعنى ما أراد اللَّه، وليس في أحد مع رسول الله ﷺ من حجة، ولا في خلاف مخالف، ما وَهَّنَ حديث رسول الله ﷺ -ثم يتابع النقاش في مسائل أخرى -.
الأم (أيضاً) : باب الخلاف في اليمين مع الشاهد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقول اللَّه :
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا)
فحرمنا نحن وأنت - أي: للمحاور -: كل ذي ناب من السباع بالسنة
وكان رسول الله ﷺ المبين - عن الله معنى ما أراد خاصاً وعاماً؛ فكذلك
اليمين مع الشاهد تلزمك حيث لزمك هذا.
стр. 644
الرسالة: في محرمات الطعام:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه لنبيه ﷺ :
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الآية، فاحتملت الآية معنيين:
أحدهما: أن لا يحرم على طاعم أبداً إلا ما استثنى اللَّه، وهذا المعنى الذي
إذا وجه رجل مخاطباً به كان الذي يسبق إليه أنه لا يحرم غيرُ ما سمى اللَّه محرماً، وما كان هكذا فهو الذي يقول له: أظهر المعاني وأعمها وأغلبها، والذي لو احتملت الآية معنى سواه كان هو المعنى الذي يلزم أهل العلم القولُ به، إلا أن ئاتي سنة النبي ﷺ تدل على معنى غيره، مما تحتمله الآية فيقول: هذا معنى ما أراد اللَّه ﵎، ولا يقال بخاص في كتاب اللَّه ولا سنة إلا بدلالة فيهما، أو في واحد منهما.
ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها
ذلك الخاص؛ فأما ما لم تكن محتملة له، فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية.
ويحتمل قول اللَّه: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ)
من شيء سئل عنه رسول الله ﷺ دون غيره.
ثانيهما: ويحتمل ما كنتم تأكلون، وهذا أولى معانيه استدلالاً بالسنة
عليه، دون غيره.
أخبرنا سفيان، عن أبي شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة:
أن النبي ﷺ :
"نهى عن كل ذي ناب من السباع" الحديث.
стр. 645
أخبرنا مالك، عن إسماعيل عن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان
الحضرمي، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل كل ذي ناب من السباع حرام" الحديث.
الرسالة (أيضاً) : باب العلل في الأحاديث:
قال الشَّافِعِي ﵀: وذكرت له تحريم النبي ﷺ كل ذي ناب من السباع، وقد قال اللَّه: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) إلى نهاية الآية، ثم سمى ما حَرَّم.
فقال فما معنى هذا؟
قلنا: معناه: قل لا أجد فيما أوحي محرماً مما كنتم
تأكلون إلا أن تكون ميتة وما ذكر بعدها؛ فأما ما تركتم أنكم لم تعدوه من
الطيبات، فلم يُحرم عليكم مما كنتم تستحلون إلا ما سمى اللَّه، ودلت السنة
على أنه حرم عليكم منه ما كنتم تحرمون، لقول اللَّه:
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) .
اختلاف الحديث: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وعلى آخرين من أهل الفقه، أحلوا كل ذي روح لم
ينزل تحريمه في القرآن لقول الله: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) الآية.
وقالوا: قال
стр. 646
بما عاقلنا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من هو أعلم به من أبي ثعلبة، فحرمنا كل ذي ناب من السباع بخبر من ثقة، عن أبي ثعلبة عن النبي ﷺ .
قال: نعم هذه حجتنا وكفى بها حجة، ولا حجة في أحد مع رسول اللَّه، ولا في أحد ردَّ حديث رسول اللَّه بلا حديث مثله عن رسول اللَّه، وقد يخفى على العالم برسول اللَّه الشيء من سنته يعلمه من ليس مثله في العلم؛ وهؤلاء وإن أخذوا ببعض الحديث، فقد سلكوا في ترك تحريم كل ذي ناب من السباع، وترك المسح على الخفين، طريق من ردَّ الحديث كله؛ لأنهم إذا استعملوا بعض الحديث وتركوا بعضه لا مخالف له عن النبي ﷺ ، فقد عطلوا من الحديث ما استعملوا مثله، ولا حجة لهم بتوهين الحديث إذا ذهبوا إلى أنه يخالف ظاهر القرآن وعمومه، إذا
احتمل القرآن أن يكون خاصاً، وقولهم لمن قال بالحديث في المسح على الخفين، وتحريم كل ذي ناب من السباع وغيره، إذا كان القرآن محتملاً لأن يكون عاماً يراد به الخاص، خالفت القرآن ظلم! قال: نعم..
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت - أي: للمحاور -: لو جاز أن يكون رسول
الله سنَّ، فتلزمنا سنته، ثم نسخ اللَّه سنته بالقرآن، ولا يحدث النبي ﷺ مع القرآن سنة تدل على أن سنته الأولى منسوخة، ألا يجوز أن يقال: وإنما حرم كل ذي ناب من السباع قبل نزول:
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الآية.
فلا بأس بأكل كل ذي روح ما خلا الآدميين.
السنة المأثورة: باب في (أكل لحوم الخيل والبغال والحمير) :
حدثنا المزني قال:
стр. 647
حدثنا الشَّافِعِي، أخبرنا سفيان بن عيينه، أخبرنا عمرو بن دينار قال: قلت
لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن النبي ﷺ
"نهى عن لحوم الحمر الأهلية"
قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري، عندنا عن النبي ﷺ ولكن أبى ذلك البحر - يعني ابن عباس ﵄ وقرأ: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الآية.
* * *
قال الله : (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)
الأم: باب (ذبائح بني إسرائيل) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله : (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) إلى قوله: (لَصَادِقُونَ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: الحوايا: ما حوى الطعام والشراب في البطن.
فلم يزل ما حرم الله تعالى على بني إسرائيل - اليهود خاصة، وغيرهم
عامة - محرماً من حين حرمه حتى بعث اللَّه ﷻ محمداً ﷺ ، ففرض الإيمان به، وأمر باتباع رسوله ﷺ ، وطاعة أمره، وأعلم خَلقَه أن طاعتَه طاعتُه.
وأن دينه الإسلام الذي نسخ به كل دين كان قبله.
стр. 648
قال الله : (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)
الأم: ما حَرَّمَ المشركون على أنفسهم:
قال الشَّافِعِي ﵀: حرَّم المشركون على أنفسهم من أموالهم أشياء أبان
الله أنها ليست حراماً بتحريمهم وقد ذكرتُ بعض ما ذكر اللَّه منها، وذلك مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ..
ويقال: نزلت فيهم: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) الآية.
فردَّ إليهم ما أخرجوا من البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحام، وأعلمهم أنه لم يحرم عليهم ما حزموا بتحريمهم.
* * *
قال الله : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَ هَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)
стр. 649
الأم: قتل الوِلْدان:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه لنبيه ﷺ : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الآية.
قال الشَّافِعِي: كان بعض العرب تقتل الإناث من ولدها صغاراً خوف
العَيلة عليهم، والعار بهم، فلما نهى اللَّه عز ذكره عن ذلك من أولاد المشركين، دل على تثبيت النهي عن قتل أطقال المشركين في دار الحرب، وكذلك دلت عليه السنة، مع ما دل عليه الكتاب من تحريم القتل بغير حق.
الأم (أيضاً) : كتاب (جراح العمد) - أصل تحريم القتل من القرآن:
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي رمه الله: قال اللَّه ﵎:
(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ) الآية.
قلت: ذكر الإمام الشَّافِعِي تتمة هذه الآية الواردة أعلاه، للدلالة على
أصل تحريم القتل من القرآن كما أشير إلى هذا في العنوان -.
стр. 650
قال الله : (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)
الأم: باب (ما يجب على المرء من القيام بشهادته) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: والذي أحفظ عن كل من سمعت منه من أهل
العلم في هذه الآية وغيرها - أنه في الشاهد، وقد لزمته الشهادة، وأن فرضاً
عليه أن يقوم بها على والديه وولده، والقريب والبعيد، وللبغيض (القريب
والبعيد) ، ولا يكتم عن أحدٍ، ولا يحابي بها، ولا يمنعها أحداً.
* * *
قال الله : (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)
الزاهر باب (الوصية) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو قال رجل لفلان ضِغف ما يُصِيب ولدي
أعطيته مثله مرتين.
стр. 651
فإن قال ضعفين فإن كان يصيب مائة أعطيته ثلاثمائة، فأكون قد أضعفت
المائة التي تصيبه مرة ثم مرة.
فائدة: قال أبو منصور الأزهري: ذهب الشَّافِعِي ﵀ بمعنى الضعف
إلى التضعيف، وهذا هو المعروف عند الناس..
ثم استشهد بقول أبي إسحاق النحوي الذي قسم الضعف في كلام العرب
إلى ضربين:
أحدهما: المثل.
والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء، ثم استدل على القول الآخر
بهذه الآية: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) الآية.
والضعف عند عوام الناس أنه مثلان فما فوقهما.
* * *
قال الله : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
مختصرالمزني: باب (البكاء على الميت) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وأرَخص في البكاء بلا ندب ولا نياحة، لما في النوح
من تجديد الحزن، ومنع الصبر، وعظيم الإثم.
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، وذكر ذلك ابن
عباس ﵄ لعائشة ﵂ فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ إن الله ليعذب الميت ببكاء أحد عليه ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه.
стр. 652
قال الشَّافِعِي ﵀: وقالت عائشة ﵂: حسبكم القرآن:
(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الآية.
وقال ابن عباس ﵄ عن ذلك:
الله أضحك وأبكى.
قال الشَّافِعِي ﵀: ماروت عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أشبه بدلالة الكتاب والسنة؛ قال اللَّه :
(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الآية.
قال ابن أبي مليكة: (فو اللَّه ما قال ابن عمر من شيء) الحديث.
اختلاف الحديث: باب (في بكاء الحي على الميت) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وما روت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أشبه أن يكون محفوظاً عنه ﷺ بدلالة الكتاب ثم السنة.
فإن قيل: فأين دلالة الكتاب؟
قيل: في قوله : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الآية.
(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)
وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .
وقوله: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) .
قال الشَّافِعِي ﵀: وعَمرَةُ أحفظ عن عائشة ﵂، ومن ابن
أبي مليكة، وحديثها أشبه الحديثين أن يكون محفوظاً، فإن كان الحديث على غير ما روى ابن أبي مليكة من قول النبي ﷺ :
"إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها" الحديث،
стр. 653
فهو واضح لا يحتاج إلى تفسير، لأنها تعذب بالكفر، وهؤلاء
يبكون، ولا يدرون ما هي فيه. ..
فإن قبل أين دلالة السنة؟
قيل: قال رسول الله ﷺ لرجل:
"ابنك هذا؟
قال: نعم. قال: "أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه" الحديث.
فأعلم رسول الله ﷺ مثل ما أعلم اللَّه: من أن جناية كل امرئ عليه، كما عمله له، لا لغيره ولا عليه.
стр. 654
سورة الأعراف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا)
الأم: باب (ميراث الجد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلنا إذا وَرث الجد مع الإخوة قاسمهم، ما كانت
القاسمة خيراً له من الثلث، فإذا كان الثلث خيراً له منها أعطِيه، وهذا قول زيد ابن ثابت، وعنه قبلنا أكثر الفرائض، وقد رُوِيَ هذا القول عن عمر وعثمان أنهما قالا فيه مثل زيد بن ثابت ﵃، وقد روي هذا أيضاً عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وهو قول الأكثر من فقهاء البلدان، وقد خالفنا بعض الناس في ذلك فقال: الجد: أب، وقد اختلف فيه أصحاب النبي ﷺ .
فقال أبو بكر، وعائشة، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عتبة، وعبد اللَّه بن الزبير، ﵃: إنه أب إذا كان معه الإخوة طرحوا، وكان المال للجد دونهم.
وقد زعمنا نحن وأنت أن أصحاب النبي ﷺ إذا اختلفوا لم نَصِر إلى قول واحد منهم دون قول الآخر؛ إلا بالتثبت مع الحجة البينة عليه، وموافقته للسنة، وهكذا نقول وإلى الحجة ذهبنا في قول زيد بن ثابت ومن قال قوله.
стр. 655
قالوا: فإئا نزعم أن الحجة في قول من قال: الجد أب لخصال منها:
أن اللَّه قال: (يَا بَنِي آدَمَ) - بكثر من آية -.
وقال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) ، فأقام الجد في النسب أباً، وأن المسلمين لم يختلفوا في أن لم ينقصوه من السدس. . . - ثم بسط النقاش في ذلك -.
* * *
قال الله : (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ)
الأم: باب (الولاء والحلف) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال عز ذكره: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ)
فنسب إلى آدم المؤمن من ولده والكافر.
ونسب رسول الله ﷺ المسلمين
بأمر اللَّه إلى آبائهم كفاراً كانوا أو مؤمنين، كذلك نسب الموالي إلى ولائهم، وإن كان الموالي مؤمنين، والمُعْتَقون مشركين.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك وسفيان، عن عبد اللَّه بن دينار، عن
ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ :
"نهى عن بيع الولاء وعن هبته" الحديث.
стр. 656
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال أخبرنا محمد بن الحسين، عن يعقوب، عن
عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال:
"الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" الحديث.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشافعى - في التفسير في آيات متفرقة سوى ما مضى:
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي، أخبرنا الحسن بن رشيد (إجازة) ، قال:
قال عبد الرحمن بن أحمد المهدي: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشَّافِعِي ﵀ يقول: من زعم - من أهل العدالة - أنه يرى
الجن، أبطلتُ شهادته، لأن اللَّه ثقول:
(إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) الآية، إلا أن يكون نبياً.
* * *
قال الله : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)
الأم: باب (جماع لبس المصلى) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله
(خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)
فقيل: - واللَّه أعلم - أنه الثياب، وهو يشبه ما قيل.
стр. 657
وقال رسول اللَّه ﷺ :
"لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" الحديث.
فدل على أن ليس لأحد أن يصلي إلا لابساً إذا قَدِرَ على ما يلبس.
وأمر رسول الله ﷺ بغسل دم الحيض من الثوب، والطهارة إنما تكون في الصلاة، فدلَّ على أن على المرء لا يصلي إلا في ثوب طاهر، وإذا أمر رسول الله ﷺ
بتطهير المسجد من نجس؛ لأنه يصلى فيه وعليه، فما يُصلى فيه أولى أن يطهر.
قال الشَّافِعِي ﵀: وكل ما وارى العورة غير نجس أجزأت الصلاة
الأم (أيضاً) : الإحداد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي الثياب زينتان:
إحداهما: جمال الثياب على اللابس التي تجمع الجمال، وتستر العورة.
قال الله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الآية.
فقال بعض أهل العلم بالقرآن: الثياب.
ثانيهما: فالثياب زينة لمن لبسها، وإذا أفردت العرب التزيين على بعض
اللابسين دون بعض، فإنما تقول تزين مَنْ زَيَّنَ الثياب، التي هي الزينة.
بأن يدخل عليها شيء من غيرها، من الصبغ خاصة.
стр. 658
قال الله : (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا)
الزاهر باب (ما يلزم عند الإحرام. .) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وإن تدارك عليه رميان، أي: تتابعا عليه لتفريطِ.
كان في رمي الأول في وقته، يقال: تدارك القوم، واداركوا: إذا تتابعوا. وهو لازم ومتعدٍ، وكذلك أدرك لازم ومتعدِ.
يقال: تداركته واداركته، أي: أدركته، قال اللَّه :
(حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا) الآية، أي تتابعوا.
فائدة: الزاهر (أيضاً) : باب (الوصية) :
قال أبو إسحاق النحوي في قوله :
(فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ)
أي: عذاباَ"مضاعفاً، لأنه الضعف في كلام العرب على ضربين:
أحدهما: المثل.
والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء.
* * *
قال الله : (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا)
стр. 659
وقال الله : (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا)
وقال الله : (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)
الرسالة: الحجة في تثبيت خبر الواحد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - اللَّه تعالى -: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا)
وقال: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) الآية.
وقال: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) الآية.
فأقام جلَّ ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه، وفي الأعلام التي
باينوا بها خلقه سواهم، وكانت الحجة بها ثابتة على من شاهد أمور الأنبياء.
ودلائلهم التي باينوا بها غيرهم، ومن بعدهم، وكان الواحد في ذلك وأكثر منه سواء، تقوم الحجة بالواحد منهم قيامها بالأكثر - ثم بسط الكلام في ذلك -.
стр. 660
قال الله : (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
الرسالة: باب (كيف البيان) ؛:
قال الشَّافِعِي ﵀: والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول، متشعبة
الفروع: فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة، أنها بيان لمن خوطب بها ممن
نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشد تأكيدَ بيانٍ من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب.
قال الشَّافِعِي ﵀: فجماع ما أبان اللَّه لخلقه في كتابه، مما تعبَّدهم به، لما مضى من حكمه جل ثناؤه من وجوه:
منها: ما فرض اللَّه على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في
الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم، قال تعالى:
(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) .
* * *
قال الله : (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)
الرسالة: باب (البيان الأول) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) الآية.
فكان بيناً عند من خوطب بهذه الآية، أن ثلاثين وعشراً أربعون ليلة.
стр. 661
وقوله: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) يحتمل ما احتملت الآية قبلها: من أن تكون
إذا جُمِعَتْ ثلاثون إلى عشر كانت أربعين، وأن تكون زيادة في التبيين.
* * *
قال الله : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
الأم: باب (ذبائح بني إسرائيل) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وأنزل اللَّه فيهم - أي: في أهل الكتاب -: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) إلى قوله: (وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) الآية.
فقيل - واللَّه أعلم -: أوزارهم، وما مُنِعُوا (بما أحدثوا) قَبْلَ ما شُرع من دين محمد ﷺ ، فلم يبق خلق
يعقل، منذ بعث اللَّه تعالى محمداً ﷺ كتابي، ولا وثني، ولا حي ذو روح - من جن ولا إنس - بلغته دعوة محمد ﷺ إلا قامت عليه حجة اللَّه باتباع دينه،
стр. 662
وكان مؤمناً باتباعه، وكافراً بترك اتباعه، ولزم كل امرئ منهم آمن به أو كفر، تحريم ما حرم الله على لسان نبيه ﷺ ، كان مباحاً قبله في شيء من الملل.
الأم (أيضاً) : ما يحرم من جهةٍ ما لا تأكل العرب:
قال الشَّافِعِي ﵀: أصل التحريم، نص كتاب أو سنة، أو جملة كتاب
أو سنة أو إجماع، قال الله ﵎: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) الآية.
وإنما تكون الطيبات والخبائث عند الآكلين كانوا لها، وهم: العرب الذين سألوا عن هذا، ونزلت فيهم الأحكام، وكانوا يكرهون من خبيث المآكل ما لا يكرهها غيرهم.
الأم (أيضاً) : ما حُرِّم بدلالة النص:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎:
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) الآية.
فيقال: يحل لهم الطيبات عندهم، ويحرم عليهم الخبائث
عندهم.
стр. 663
الأم (أيضاً) : كتاب الأطعمه وليس في التراجم، وترجم فيه ما يحل ويحرم:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن العرب كانت تحرم أشياء على أنها من
الخبائث، وتحل أشياء على أنها من الطيبات، فأحلت لهم الطيبات عندهم، إلا ما استُثنى منها، وحرمت عليهم الخبائث عندهم، قال الله :
(وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) الآية.
الرسالة: باب (العلل في الأحاديث) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فأما ما تركتم أنكم لم تعدوه من الطيبات، فلم
يُحرّم عليكم مما كنتم تستحلون إلا ما سمى الله، ودلَّت السنة على أنه حَرَّم
عليكم منه ما كنتم تحرمون، لقول الله: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) الآية.
* * *
قال الله : (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
الرسالة: بيان فرض الله في كتابه باتباع سنة نبيه ﷺ :
قال الشَّافِعِي ﵀: وضع اللَّه رسوله من دينه وفرضه وكتابه، الموضع
الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علماً لدينه، بما افترض من طاعته، وحَرَّم من
стр. 664
معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال
﵎: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) الآية.
قلت: وقع الاستدلال بالآية السابقة من الإمام الشَّافِعِي ﵀ هفوة.
فالآية هنا وردت تفيد الإيمان بالله ورسله كافة، بينما المقصود قَرْنُ الإيمان باللَّه مع الإيمان برسوله محمد ﷺ وقد جاءت آيات كثيرة تفيد المطلوب، منها قوله
تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) .
وهذه الآية هي التي تناسب الاستدلال بها هنا - واللَّه أعلم -.
* * *
قال الله : (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)
الأم: باب (حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) الآية.
دلَّ على أن العادين فيه أهلها دونها.
стр. 665
الرسالة: باب (الصنف الذي يُبين سياقُهُ معناه) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) إلى آخر الآية، فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) الآية، دل على أنه إنما أراد أهل القرية؛ لأن القرية لا تكون عادية، ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون.
* * *
قال الله : (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)
قال الله : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في التفسير في آيات متفرقة:
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ في كتاب (المستدرك) ، أخبرنا أبو العباس محمد
ابن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان.
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀: أخبرني يحيى بن سُليم، أخبرنا ابن جُريج، عن
عِكرمة، قال: دخلت على ابن عباس ﵄ وهو يقرأ في المصحف -
стр. 666
قبل أن يذهب بصره - وهو يبكي؛ فقلت ما يبكيك يا أبا عباس؟
جعلني الله فداك.
فقال: هل تعرف (أيلَةَ) ؟
قلت: وما (أيلة) ؟ قال: قرية كان بها ناس من اليهود، فحرّم اللَّه عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم
شرعاً - بيض سِمان: كأمثال المخاض، بأفنياتهم وأبنياتهم، فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها، ولم يدركوها إلا في مشقة ومؤنة شديدة، فقال بعضهم - أو من قال ذلك منهم -، لعلنا لو أخذناها يوم السبت، وأكلناها في غير يوم السبت، ففعل ذلك أهل بيت منهم: فأخذوا فشووا، فوجد جيرانهم ريح الشوي، فقالوا: واللَّه ما نرى إلا أصاب بني فلان شيء، فأخذها آخرون، حتى فشا ذلك فيهم فكثر، فافترقوا فرقاً ثلائاً:
فرقة: مملت. وفرقة: نهت. وفرقة قالت:
(لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) الآية.
فقالت الفرقة التي نهت: إنا نحذركم غضب الله وعقابه، أن يصيببهم اللَّه بخسف، أو قذف، أو ببعض ما عنده من العذاب، والله
لا نباَيتُكم في مكان، وأنتم فيه.
قال: فخرجوا من البيوت فغدوا عليهم من الغد، فضربوا باب البيوت، فلم يجبهم أحد، فأتوا بسُلَّم، فأسندوه إلى البيوت، ثم رقى منهم راق على السور، فقال: يا عباد الله قردة، والله لها أذناب، تعاوى ثلاث مرات، ثم نزل من السور ففتح البيوت، فدخل الناس عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولم يعرف الإنس أنسابها من القرود.
قال: فيأتي القرد إلى نسيبه وقريبه من الإنس، فيحتك
стр. 667
به، ويلصق، ويقول الإنسان: أنت فلان؛ فيشير برأسه، أي: نعم، ويبكي. وتأتي القردة إلى نسيبها وقريبها من الإنس، فيقول لها الإنسان: أنت فلانة؟ فتشير برأسها، أي: نعم، وتبكي، فيقول لها الإنسان انا حذرناكم غضب اللَّه وعقابه، أن يصيبكم بخسف، أو مسخ، أو ببعض ما عنده من العذاب.
قال ابن عباس ﵄: واسمَع، اللَّه يقول: فـ (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) الآية.
فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة.
قال ابن عباس ﵄: فكم قد رأينا من منكر، لم ننه عنه!
قال عكرمة: ألا ترى (جعلني الله فداك) أنهم أنكروا وكرهوا، حين قالوا: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) ؟! الآية، فأعجبه قولي ذلك، وأمر لي ببردين غليظين، فكسانيهما.
* * *
قال الله : (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)
الزاهر باب في (الردة والكفر وألفاظهما) :
قال الشَّافِعِي ﵀ في المخنصر -: (ولا يُسبى للمرتدين ذرِّية) يعني:
صغار أولادهم، واختلف أهل اللغة في تسميتهم (ذرية) ، فقال بعضهم: أصلها:
стр. 668
ذرمِية - بالميم - فترك فيها الميم. أصلها: فُعْلِية من الذَّر؛ لأن اللَّه تعالى
أخرج الخلق من صلب آدم كالذر: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) الآية.
وقال بعض النحويين (ذُرِّيَّة) كان في الأصل: ذرُّوْرَه على وزن فُعلوله.
ولكن التصنيف لما كثر أبدلوا من الراء الأخيرة ياء فصارت ذروية، ثم أدغمت الواو في الياء فصارت (ذُرِّيَّة) .
* * *
قال الله : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)
الأم: الخلاف (أي: في توزيع الفيء) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا من أهل العلم أنه: لما قُدِمَ على عمر بن
الخطاب ﵁ بما أصيب بالعراق، قال له صاحب بيت المال: ألا أدخله بيت المال؟
قال: لا وربِّ الكعبة لا يُؤوى تحت سقف بيت حتى أقسمه، فأمر به فوضع في المسجد، ووضعت عليه الأنطاع، وحرسه رجال المهاجرين والأنصار، فلما أصبح غدا مع العباس بن عبد الطلب، وعبد الرحمن بن عوف، أخذ بيد أحدهما، أو أحدهما أخذ بيده، فلما رأوه كشطوا الأنطاع عن الأموال، فرأى منظراً لم يُرَ مثله، رأى الذهب فيه، والياقوت، والزبرجد، واللؤلؤ يتلألاً، فبكى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له أحدهما: واللَّه ما هو بيوم بكاء، ولكنه يوم شكر
стр. 669
وسرور. فقال: إني والله ما ذهبتُ حيث ذهبتَ، ولكنه واللَّه ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بأسهم بينهم، ثم أقبل على القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن كون مستدرجاً، فإني أسمعك تقول: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) الآية.
ثم قال: أين سراقة بن جعشم؛ فأوتي به أشعر الذراعين دقيقهما، فأعطاه سواري كسرى فقال: البسهما، ففعل، فقال - قل -:
الله أكبر، فقال: اللَّه أكبر، ثم قال: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابي من بنى مُدلج، وجعل يقلب بعض ذلك بعصا، ثم قال: إن الذي أدى هذا لأمين، فقال له رجل: أنا أخبرك، أنت أمين الله، وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله ، فإذا رتعت رتعوا قال: صدقت، ثم فرَّقه.
قال الشَّافِعِي ﵀: "وإنما ألبسهما سراقة؛ لأن النبي ﷺ قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: "كأني بك وقد لبست سواري كسرى" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يجعل له إلا سوارين.
الزاهر باب (الغنيمة والفيء) :
فائدة: قال الأزهري ﵀: ولما حُمِل إلى عمر ﵁ كنوز كسرى، فنظر إليهم فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فإني أسمعك تقول:
стр. 670
(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) الآية، قيل في تفسير قوله تعالى:
(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) أي: سنأخذهم قليلاً قليلاً ولا نباغتهم.
وأصله - من دَرج الغلام يَدْرُج: إذا مشى قليلاً قليلاً أول ما يمشي.
* * *
قال الله : (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)
الأم: ما جاء في أمر النكاح:
قال الشَّافِعِي ﵀: والرجل يدخل في بعض أمره في معنى الأيامى.
الذين على الأولياء أن ينكحوهن؛ إذا كان مولى بالغاً يحتاج إلى النكاح، ويقدر بالمال، فعلى وليه إنكاحه، فلو كانت الآية، والسنة في المرأة خاصة، لزم ذلك عندي الرجل؛ لأن معنى الذي أريد به نكاح المرأة العفاف لما خُلق فيها من الشهوة، وخوف الفتنة، وذلك في الرجل، مذكور في الكتاب لقول اللَّه :
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: إذا كان الرجل ولي نفسه والمرأة، أحببتُ لكل واحد
منهما النكاح، إذا كان ممن تتوق نفسه إليه؛ لأن اللَّه أمر به، ورضيه، وندب إليه، وجعل فيه أسباب منافع، قال: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) الآية.
الأم (أيضاً) : ما يجوز للأسير في ماله إذا أراد الوصية:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال القاسم بن محمد، وابن المسيب: عطية الحامل جائزة.
следующие страницы →