← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

يجب عليه بالعود النقمة - وقد تكون النقمة - بوجوه: في الدنيا المال، وفي الآخرة النار. قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل فما قول اللَّه : (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) . قيل: اللَّه أعلم بمعنى ما أراد، فأما عطاء بن أبي رباح ﵀ فيذهب إلى: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) الآية، في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام بعد التحريم لقتل الصيد مرة، فينتقم اللَّه منه. أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء في قول اللَّه : (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) الآية، قال: عفا اللَّه عما كان في الجاهلية، قلتْ وقوله: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) الآية. قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم اللَّه منه، وعليه في ذلك كفارة. قال: وإن عمد فعليه الكفارة؟ قلت له: هل في العود من حد يُعلم؟ قال: لا. قلت: أفترى حقاً على الإمام أن يعاقبه فيه. قال: لا، ذنب أذنبه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، ويفتدى. قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يعاقبه الإمام فيه؛ لأن هذا ذنب جعلت عقوبته فديته، إلا أن يزعم أنَّه يأتي ذلك عامداً مستخِفَّاً.

стр. 597

قال الله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) الأم: باب (تحريم الصيد) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: والبحر اسم جامع، فكل ما كثر ماؤه واتسع قيل هذا بحر، فإن قال قائل: فالبحر المعروف: البحر هو المالح. قيل: نعم، ويدخل فيه العذب، وذلك معروف عند العرب. الأم (أيضاً) : باب (قتل الصيد خطأ) : قال الشَّافِعِي ﵀: الصيد كله ممنوع في كتاب اللَّه تعالى، قال اللَّه : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. فلما كان الصيد محرماً كله في الإحرام، وكأن اللَّه حكم في شيء منه بعدلِ بالغ الكعبة، كان كذلك كل ممنوع من الصيد في الإحرام لايتفرق، كما لم يفرق المسلمون بين الغرم في الممنوع من الناس والأموال في العمد والخطأ.

стр. 598

الأم (أيضاً) : فدية الطائر يصيبه المحرم: قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فكيف تفدي الطائر ولا مثل له من النعم؟ قيل: فَدَيْتُه بالاستدلال بالكتاب، ثم الآثار، ثم القياس، والمعقول. فإن قال فأين الاستدلال بالكتاب؟ قيل: قال اللَّه : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. فدخل الصيد المأكول كله في التحريم، ووجدت اللَّه أمر فيما له مثل منه أن يفدى بمثله، فلما كان الطائر لا مثل له من النعم، وكان محرماً، ووجدت رسول اللَّه ﷺ يقضي بقضاء في الزرع بضمانه، والمسلمون يقضون فيما كان محرماً أن يُتلف بقيمته، فقضيت في الصيد من الطائر بقيمته بأنه محرم في الكتاب، وقياساً على السنة والإجماع. الأم (أيضاً) : صيد البحر: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) الآية. فكل ما كان فيه صيد، في بئر كان أو ماء مستنقع أو غيره، فهو بحر، وسواء كان في الحل والحرم يصاد ويؤكل؛ لأنَّه مما لم يمنع بحرمة شيء، وليس صيده إلا ما كان يعيش فيه أكثر عيشه، فأما طائره فإنما يأوي إلى أرض فيه، فهو من صيد البر إذا أصيب جُزِيَ. الأم (أيضاً) : ما حرم بدلالة النص: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. فذكر جل ثناؤه

стр. 599

إباحة صيد البحر للمحرم، ومتاعاً له يعني: طعاماً - واللَّه أعلم -. ثم حرم صيد البر، فأشبه أن يكون إنما حَرم عليه بالإحرام ما كان كله مباحاً له قبل الإحرام. الأم (أيضاً) : ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. فكان شيئان حلالين، فأثبت تحليل أحدهما (وهو صيد البحر وطعامه) ، وطعامه مالحه، وكل ما فيه متاع لهم يستمتعون بكله، وحَرَّم عليهم صيد البر، أن يستمتعوا بأكله في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، واللَّه لا يحرم عليهم من صيد البر في الإحرام إلا ما كان حلالاً لهم قبل الإحرام - واللَّه أعلم -. الأم (أيضاً) : باب (في الحج) : قال الشَّافِعِي ﵀: ولا بأس بأن يصيد المحرم جميع ما كان معاشه في الماء من السمك وغيره، قال الله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. فقال بعض أهل العلم بالتفسير: طعامه: كل ما كان فيه وهو يشبه ما قال - واللَّه تعالى أعلم -. الأم (أيضاً) : لغو اليمين: قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه قد جعل الكفارات في عمد المأثم فقال تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.

стр. 600

الأم (أيضاً) : باب (قتل الصيد خطأ) : قال الشَّافِعِي ﵀: الصيد في الإحرام ممنوع بقول اللَّه : (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. وكان لله فيه حكم فيما قتل منه عمداً بجزاء مثله، وكان المنع بالكتاب مطلقاً عامًّا على جميع الصيد. مختصر المزني: كتاب (الصيد والذبائح) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل ثناؤه: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) الآية. وهذا عموم، فمن خصَّ منه شيئاً فالمخصوص لا يجوز عند أهل العلم إلا بسنة، أو إجماع الذين لا يجهلون ما أراد اللَّه. مختصر المزني (أيضاً) : باب (ما يأكل المحرم من الصيد) : قال الشَّافِعِي ﵀: فإن عرض في نفس امرئ من قول اللَّه: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. قيل له: إن الله جل ثناؤه منع المحرم من قتل الصيد فقال (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) وقال في الآية الأخرى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ) الآية. فاحتمل أن يصيدوا صيد البحر، وأن يأكلوه إن لم يصيدوه، وأن يكون ذلك طعامه، ثم لم يختلف الناس في أن للمحرم أن يصيد صيد البحر ويأكل طعامه، وقال في سياقها: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية، فاحتمل ألا تقتلوا صيد البر مادمتم حرماً، وأشبه ذلك ظاهر القرآن - واللَّه أعلم -.

стр. 601

ثم دلت السنة على أن تحريم الله صيد البر في حالين: أن يقتله رجل، وأمر في ذلك الموضع بأن يفديه، وألا يأكله إذا أمر بصيده. فكان أولى المعاني بكتاب اللَّه ما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ ، وأولى المعاني بنا ألا تكون الأحاديث مختلفة؛ لأن علينا في ذلك تصديق خبر أهل الصدق ما أمكن تصديقه، وخاص السنة إنما هو خبر خاصة لا عامة. مختصر المزني (أيضاً) : باب (ما يحل للمحرم قتله) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه جل وعز: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية. فدل على أن الصيد الذي حُرِّم عليهم ما كان لهم قبل الإحرام حلالاً، لأنه لا يشبه أن يحرّم في الإحرام خاصة إلا ما كان مباحاً قبله. * * * قال الله : (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) الأم: مبتدأ التنزيل والفرض على النبي ﷺ ثم على الناس: قال الشَّافِعِي ﵀: ففرض الله عليه - على نبيه ﷺ إبلاغهم، وعبادته، ولم يفرض عليه قتالهم، وأبان ذلك في غير آية من كتابه، ولم يأمره بعزلتهم، وأنزل عليه - آيات في ذلك منها - قوله: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) مع أشياء كثيرة ذكرت في القرآن في غير موضع في مثل هذا المعنى.

стр. 602

قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) الأم: اللعان: قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً، من سأل عن شيء لم يُحَرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته" الحديث. وأخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثل معناه، قال الله : (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) إلى قوله: (بِهَا كَافِرِينَ) الآيتان. قال الشَّافِعِي ﵀: كانت المسائل فيها فيما لم ينزل - إذا كان الوحي ينزل - بمكروه، لما ذكرت من قول الله ﵎، ثم قول رسوله ﷺ ، وغيره فيما في معناه.

стр. 603

وفي معناه: كراهية لكم أن تسألوا عما لم يحرّم، فإن حرَّمه الله في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ حُرِّم أبداً، إلا أن ينسخ الله تحريمه في كتابه، أو ينسخ على لسان رسوله ﷺ سُنَّة بسُنة. * * * قال الله : (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) الأم: ما حرم المشركون على أنفسهم: قال الشَّافِعِي ﵀: حرّم المشركون على أنفسهم من أموالهم أشياء، أبان الله أنها ليست حراماً بتحريمهم، وقد ذكرتُ بعض ما ذكر اللَّه تعالى، منها، وذلك مثل: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، كانوا يتركونها في الإبل والغنم كالعتق، فيحرمون ألبانها ولحومها ومِلكَها، وقد فسرته في غير هذا الموضع، فقال ﵎: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية. الأم (أيضاً) : الخلاف في الصدقات المحرمات قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية. فهذه الحُبُسُ التي كان أهل الجاهلية يحبسونها، فأبطل

стр. 604

الله شروطهم فيها، وأبطلها رسول الله ﷺ بإبطال اللَّه إياها، وهي: أن الرجل كان يقول إذا نتج فحل إبله، ثم ألقح فأنتج منه، هو حام، أي: حمى ظهره، فيُحرّم ركوبه، ويجعل ذلك شبيهاً بالعتق له، ويقول في البحيرة والوصيلة على معنى يوافق بعض هذا، ويقول لعبده: أنت حر سائبة، لا يكون لي ولاؤك، ولا علي عَقَلُك. قال: فهل قيل في السائبة غير هذا؟ فقلت: نعم، قيل: إنه أيضاً في البهائم: قد سيَّبتك. قال الشَّافِعِي ﵀: فلما كان العتق لا يقع على البهائم، ردَّ رسول الله ﷺ ملك البحيرة والوصيلة والحام إلى مالكه، وأثبت العتق وجعل الولاء لمن أعتق السائبة، وحكم له بمثل حكم النسب، ولم يحبس أهل الجاهلية - علمته - داراً ولا أرضاً تبرراً بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام. الأم (أيضاً) : باب (المواريث) : قال الشَّافِعِي ﵀: كان أهل الجاهلية يُبحرون البحيرة، وُيسيبون السائبة، وُيوصلون الوصيلة، وُيعفون الحام، وهذه من الإبل والغنم، فكانوا يقولون في الحام: إذا ضرب في إبل الرجل عشر سنين، وقيل: نتج له عشرة (حام) ، أي: حمى ظهره فلا يحلُّ أن يركب. ويقولون في الوصيلة: هي من الغنم إذا وصلت بطوناً توماً، ونتج نتاجها، فكانوا يمنعونها مما يفعلون بغيرها مثلها.

стр. 605

وُيسيِّبون السائبة، فيقولون: قد أعتقناك سائبة، ولا ولاء لنا عليك، ولا ميراث يرجع منك ليكون أكمل لتبررنا فيك، فأنزل الله : (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية. فردَّ اللَّه، ثم رسوله ﷺ الغنم إلى مالكها إذا كان العتق لا يقع على غير الآدميين، وكذلك لو أنَّه أعتق بعيره، لم يمنع بالعتق منه، إذا حكم اللَّه أن يُرَد إليه ذلك، ويبطل الشرط فيه، فكذلك أبطل الشروط في السائبة، ورده إلى ولاء من أعتقه، مع الجملة التي وصفنا لك. الأم (أيضاً) : الخلاف (في الولاء) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له - أي: للمحاور - قال اللَّه ﵎: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية. قال وما معنى هذا؟ قلت: سمعت من أرضى من أهل العلم يزعم أن الرجل كان يعتق عبده في الجاهلية سائبة فيقول: لا أرثه، ويفعل في الوصيلة من الإبل، والحام أن لا يركب، فقال الله (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية. على معنى ما جعلتم، فأبطل شروطهم فيها، وقضى أن الولاء لمن أعتق. ورد البحيرة، والوصيلة، والحام إلى ملك مالكها؛ إذا كان العتق في حكم الإسلام أن لا يقع على البهائم. الأم (أيضاً) : البحيرة والوصيلة والسائبة والحام: أخبرنا الربيع بن سليمان ﵀ قال:

стр. 606

قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية. فلم يحتمل إلا ما جعل اللَّه ذلك نافذاً على ما جعلتموه، وهذا إبطال ما جعلوا منه على غير طاعة الله . قال الشَّافِعِي ﵀: كانوا يبحرون البحيرة، ويسيبون السائبة، ويوصلون الوصيلة، ويحمون الحام، على غير معان، سُمِعت كثيراً من طوائف العرب. .. فكان مما حكوا مجتمعين على حكايته أن قالوا: البحيرة: الناقة تنتج بطوناً. فيشق مالكها أذنها، ويخلِّي سبيلها، ويحلب لبنها في البطحاء، ولا يستجيزون الانتفاع بلبنها، ثم زاد بعضهم على بعض، فقال بعضهم: تنتج خمسة بطون فتبحر، وقال بعضهم: وذلك إذا كانت تلك البطون كلها إناثاً. والسائبة: العبد يعتقه الرجل عند الحادث مثل البرء من المرض أو غيره من وجوه الشكر، أو أن يبتدئ عتقه فيقول: قد أعتقتك سائبة. يعنى سيبتك: فلا تعود إليَّ ولا ليَ الانتفاع بولائك، كما لا يعود إليَّ الانتفاع بملكك. وزاد بعضهم فقال: السائبة وجهان هذا أحدهما، والسائبة أيضا يكون من وجه آخر: وهو البعير ينجح عليه صاحبه الحاجة، أو يبتدئ الحاجة أن يسيبه فلا يكون عليه سبيل. قال الشَّافِعِي ﵀: ورأيت مذهبهم في هذا كله فيما صنعوا أنَّه كالعتق. قال: والوصيلة: الشاة تنتج الأبطن، فإذا ولدت آخر بعد الأبطن التي وقتوا لها، قيل: وصلت أخاها، وزاد بعضهم تنتج الأبطن الخمسة عَناقين عناقين في

стр. 607

كل بطن، فيقال: هذه وصلية تصل كل ذي بطن بأخ له معه. وزاد بعضهم فقال: قد يوصلونها في ثلاثة أبطن، ويوصلونها في خمسة، وفي سبعة. قال: والحام: الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين، فيُخفى، ويقال: قد حمى هذا ظهره، فلا ينتفعون من ظهره بشيء. وزاد بعضهم فقال: يكون لهم من صلبه، وما أنتج مما خرج من صلبه عشر من الإبل، فيقال: قد حمى هذا ظهره. قال الشَّافِعِي ﵀: وأهل العلم من العرب أعلم بهذا ممن لقيت من أهل التفسير. .. وكان فعلهم يجمع أموراً منها أمر واحد: ير في الأخلاق، وطاعة لله في منفعته، ثم شرطوا في ذلك الشيء شرطاً ليس من البر، فأنفذ البِر، ورُد الشرط الذي ليس من البر، وهو: أنَّ أحدهم كان يعتق عبده سائبة، ومعنى يعتق سائبة: هو أن يقول: أنت حر سائبة، فكما أخرجتك من ملكي وملكتك نفسك، فصار ملكك لا يرجع إليَّ بحال أبداً، فلا يرجع إليَّ ولاؤك، كما لا يرجع إليَّ ملكك، فكان العتق جائزاً في كتاب اللَّه بدأ فيه، ثم في سُنَّة رسول الله ﷺ ، ثم عند عوام المسلمين، وكان الشرط بأن العتق سائبة لا يثبت ولاؤه لمعتقه شرطاً مبطلاً في كتاب اللَّه ﵎ بقوله : (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية - واللَّه تعالى أعلم - لأنَّا بينا أن قول اللَّه جل وعلا: (وَلَا سَائِبَةٍ) لا يحتمل إلا معنيين: أحدهما: أن العبد إذا أعتق سائبة لم يكن براً، كما لم تكن البحيرة والوصيلة والحام على ما جعل مالكها من تبحيرها وتوصيلها وحماية ظهورها. فلما أبطل اللَّه جل ذكره شرط مالكها فيها، كانت على أصل ملك مالكها قبل أن يقول مالكها ما قال.

стр. 608

الأم (أيضاً) : الخلاف في السائبة والكافر يعتق المؤمن: قال الشَّافِعِي ﵀: ومن مختصر ما يدخل عليه في قول الله : (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ) الآية. أنه لابد بحكم اللَّه ﵎ أن يبطل أمر السائبة كله، أو بعض أمره دون بعض؛ لأن اللَّه ﵎ قد ذكره مبطلاً مع ما أبطل قبله وبعده من البحيرة والوصيلة والحام. فإن قال: يبطل أمر السائبة كله فلا يجعل عتقه عتقاً، كما لا تجعل البحيرة والوصيلة والحام خارجة عن ملك مالكيها، فهذا قول قد يحتمله سياق الآية. ولكن اللَّه قد فرق بين إخراج الآدميين من ملك مالكيهم، وإخراج البهائم، فأجزنا العتق في السائبة بما أجاز الله ﵎ من العتق، وأمر به منه، ولما أجزنا العتق في السائبة كنا مضطرين إلى أن نعلم أن الذي أبطل الله من السائبة التسييب، وهو: إخراج العتق للسائبة ولاء السائبة من يديه، فلما أبطله الله ﵎ كان ولاؤه للمعتق - بنص كتاب الله في رده ثم سنة نبي اللَّه ﷺ في أن الولاء للمعتق - مع دلائل الآي في كتاب اللَّه ، فيما يُنسب فيه أصل الولاء إلى من أعتقهم. الأم (أيضاً) : تفر - البحيرة والسائبة والوصيلة والحام: قال الشَّافِعِي ﵀: ولما قال الله : (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية. فكان في قول الله ْ (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ) دلالة على ما جعل اللَّه، لا على ما جعلتم، وكان دليلاً على أن قضاء اللَّه جل وعز ألا ينفذ ما جعلتم، وكانت البحيرة والوصيلة والحام من البهائم التي لا يقع عليها عتق، وكان مالكها أخرجها من ملكه إلى غير ملك آدمي مثله، وكانت

стр. 609

الأموال لا تملك شيئاً، إنما يملك الآدميون، كان المرء إذا أخرج من ملكة شيئاً إلى غير مالك من الآدميين بعينه أو غير عينه، كمن لم يخرج من ملكه شيئاً. قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا كانت البحيرة والوصيلة والسائبة والحام نذراً، فأبطلها اللَّه ، ففي هذا لغيره دلالة، أن من نذر ما لا طاعة لله فيه لم يبر نذره، ولم يكفره؛ لأن اللَّه ﵎ أبطله ولم يذكر أن عليه فيه كفارة، والسنة عن رسول الله ﷺ قد جاءت بمثل الذي جاء به كتاب اللَّه ﵎. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من ندر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" الحديث. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا ابن عيينة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد، عن أيوب بن أبي تميمة، عن أبي قِلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" الحديث. مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي ﵀ بالجرح والتعديل) : أخبرنا أبو طاهر الفقيه، وأبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق. وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: سمعت محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم يقول:

стр. 610

سمعت الشَّافِعِي ﵀ يقول: قال "مالك ﵀": الحُبُسُ الذي جاء محمد ﷺ بإطلاقه هو الذي في كتاب الله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية. قال محمد بن عبد الله: كلَّم به مالك أبا يوسف عند أمير المؤمنين - هارون الرشيد -. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أحكام القرآن: ما يؤثر عن - الشَّافِعِي - في التفسير في آيات متفرقة سوى ما مضى: قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله : (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الآية، قال: هذا مثل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) ومثل قوله : (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) . ومثل هذا - في القرآن - على ألفاظ. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) وقال الله : (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا)

стр. 611

وقال الله : (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) الأم: تفريع ما يمنع من أهل الذمة: قال الشَّافِعِي ﵀: فإن الله يقول: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) قرأ الربيع إلى: (فَيُقسِمَانِ بِاللَّهِ) الآية، فما معناه؟ قيل: - والله تعالى أعلم -. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو سعيد (معاذ بن موسى الجعفري) عن بُكَير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال بكير، قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قوله ﵎: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية. أن رجلين نصرانيين من أهل دَارِين. أحدهما: تميمي.

стр. 612

والآخر: يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلوم، قد علمه أولياؤه من بين آنيةٍ، وبر، وَرِقةٍ، فمرض القرشي، فجعل وصية إلى الدارَييْنِ فمات، وقبض الداريان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله، وأنكر القوم قلة المال، فقالوا للدرايين إنّ صاحبنا قد خرج ومعه مال أكثر مما أتيتمانا به، فهل باع شيئاً، أو اشترى شيئاً فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا، قالوا: فإنكما خنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى رسول الله ﷺ فأنزل اللَّه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) إلى آخر الآية. فلما نزلت أن يحبسا من بعد الصلاة، أمر النبي ﷺ فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السموات، ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وإنَّا لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً من الدنيا: (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) الآية. فلما حلفا خُلِّي سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت، فأخذوا الدارين فقالا: اشتريناه منه في حياته، وكذبا، فكُلفا البينة، فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل اللَّه : (فَإِنْ عُثِرَ) فيقول فإن أطُّلِعَ: (عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) يعني الداريين، أي كتما حقاً: (فَآخَرَانِ) من أولياء الميت: (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا. وإن الذي نطلب قِبَل الداريين لَحَقٌّ: (وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) هذا قول الشاهدين أولياء الميت: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) يعني الداريين والناس.

стр. 613

قال الشَّافِعِي ﵀: من كان في مثل حال الدارين من الناس، ولا أعلم الآية تحتمل معنى - غير حمله على ما قال، وإن كان لم يُوضح بعضه؛ لأن الرجلين اللذين كشاهدي الوصية، كانا أميني الميت، فيشبه أن يكون: إذا كان شاهدان منكم، أو من غيركم أمينين على ما شهدا عليه، فطلب ورثة الميت أيمانهما، أحْلِفَا بأنهما أمينان، لا في معنى الشهود. فإن قال: فكيف تسمى في هذا الوضع شهادة؟ قيل كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة، وإنما معنى شهادة بينكم، أيمان بينكم إذا كان هذا المعنى - واللَّه تعالى أعلم -. فإن قال قائل فكيف لم تحتمل الشهادة؟ قيل: ولا نعلم المسلمين اختلفوا في أنه ليس على شاهد يمين، قبلت شهادته أو ردت، ولا يجوز أن يكون إجماعهم خلافاَِ لكتاب اللَّه ، ويشبه قول اللَّه ﵎: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) الآية. يوجد - مالٌ - من مال الميت في أيديهما، ولم يذكرا قبل وجوده أنه في أيديهما، فلما وجد ادعيا ابتياعه، فأحلف أولياء الميت على مال الميت، لما ادعيا حين وجد في أيديهما منه، وإنما أحلفوا أن الدارين أقرَّا بأنه مال الميت فصار مالاً من مال الميت بإقرارهما، وادعيا لأنفسهما شراءه، فلم تقبل دعواهما بلا بينة، فاحلف وارثاه على ما ادعيا، وإن كان أبو سعيد لم يبينه في حديثه هذا التبيين فقد جاء بمعناه: قال الشَّافِعِي ﵀: وليس في هذا رد لليمين، إنَّما كانت يمين الدارين على ادعاء الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ما ادعى الداريان مما وجد في أيديهما، وأقرَّا أنه للميت، وأنه صار لهما من قبله، وإنما أجزنا رد اليمين من غير هذه الآية. فإن قال قائل: فإن اللَّه يقول: (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) فذلك - واللَّه تعالى أعلم - أن الإيمان كانت عليهم بدعوى الورثة، أنهم

стр. 614

اختانوا، ثم صار الورثة حالفين بإقرارهم، أن هذا كان للميت، وادعائهم شراءه منه، فجاز أن يقال: أن ترد أيمان - بعد أيمانهم - تثنَّى عليهم الأيمان بما يجب عليهم، إن صارت لهم الأيمان، كما يجب على من حلف لهم، وذلك قول الله - والله أعلم -: (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) يحلفان كما أحلفا، وإذا كان هذا كما وصفت فليست هذه الآية بناسخة ولا منسوخة لأمر الله بإشهاد ذوي عدل منكم، ومن نرضى من الشهداء. الأم (أيضاً) : باب (حد الذميين إذا زنوا) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ومن أجاز شهادة أهل الذمة فأعدَلَهم عنده أعظمهم بالله شركاً، أسجدهم للصليب، وألزمهم للكنيسة، فقال قائل: فإن الله يقول حين الوصية: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: والله أعلم بمعنى ما أراد من هذا، وإنَّما يفسر ما احتمل الوجوه ما دلت عليه سنة، أو أثر عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ لا مخالف له، أو أمر اجتمعت عليه عوام الفقهاء، فقد سمعت من يتأول هذه الآية: على من غير قبيلتكم من المسلمين، ويحتج فيها بقول اللَّه : (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) إلى: (الْآثِمِينَ) الآية. فيقول الصلاة للمسلمين، والمسلمون يتأثمون من كتمان الشهادة لله، فأما المشركون فلا صلاة لهم قائمة، ولا يتأثمون من كتمان الشهادة للمسلمين، ولا عليهم.

стр. 615

قال الشَّافِعِي ﵀: وسمعت من يذكر أنها منسوخة بقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) - واللَّه أعلم -. ورأيت مفتي أهل دار الهجرة والسنة يفتون أن لا تجوز شهادة غير المسلمين العدول. قال الشَّافِعِي ﵀: وذلك قولي -. قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت لمن يخالفنا في هذا فيجيز شهادة أهل الذمة ما حجتك في إجازتها؟ فاحتج بقول اللَّه : (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) الآية. قلت له إنما ذكر اللَّه جل ثناؤه هذه الآية في وصية مسلم في السفر، أفتجيزها في وصية مسلم بالسفر؟ قال: لا. قلت: أو تحلفهم إذا شهدوا؟ قال: لا. قلت: ولِمَ وقد تأولت أنها في وصية مسلم؟ قال: لأنها منسوخة، قلت: فإن نسخت فيما أنزلت فيه فلِمَ تثبتها فيما لم تنزل فيه؟ قال الشَّافِعِي ﵀: فإن احتج من يجيز شهادتهم بقول اللَّه : (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) الآية، فقال: من غير أهل دينكم، فكيف لم تجزها فيما ذكرت فيه من الوصية على المسلمين في السفر؟ الأم (أيضاً) : المدّعى والمدَّعَى عليه: قال الشَّافِعِي ﵀: فرجع بعضهم إلى قولنا، فقال: لا تجوز شهادة أهل الذمة. وقال: القرآن يدل على ما قلتم، وأقام أكثرهم على إجازتها، فقلت له: لو لم يكن عليكم حجة فيما ادعيتم في الآيتين إلا إجازة شهادة أهل الذمة كنتم

стр. 616

محجوجين، ليس لكم أن تتألوا على أحد ما قلتم؛ لأنكم خالفتموه، وكنتم أولى بخلافٍ ظاهر ما تأولتم من غيركم. قال: فإنما أجزنا شهادة أهل الذمة بآية أخرى، قلنا: وما هي؟ قال: قول الله : (حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) الآية. فقلت له: أناسخة هذه الآية عندك لـ: (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) أو منسوخة بها؛ قال ليست بناسخة ولا منسوخة، ولكن كل فيما نزل فيه. قلت: فقولك إذاً لا يجوز إلا الأحرار المسلمون ليس كما قلت. قال: فأنت تقول بهذا؟ قلت: لست أقول به، بل سمعت من أرضى يقول فيه غير ما قلت. قال: فإنا نقول هي في المشركين. فقلت: فقل هي في جماعة المشركين أهل الأوثان وغيرهم؛ لأن كلهم مشرك، وأجِزْ شهادة بعضهم لبعض. قال: لا. قلت: ممن قال هي في أهل الكتاب خاصة؟!. قال الشَّافِعِي ﵀: قلت قول الله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية. وقوله: (حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية. فشَرَطَ العدل في هاتين الآيتين. الأم (أيضاً) : باب (اليمين مع الشاهد) : قال الشَّافِعِي ﵀: والحجة فيما وصفتُ من أن يُستحلف الناس فيما بين البيت والمقام، وعلى منبر رسول الله ﷺ ، وبعد العصر قول اللَّه : (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) قال المفسرون: هي صلاة العصر.

стр. 617

الأم (أيضاً) : باب (رد اليمين) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قال اللَّه (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) الآية. وقال اللَّه : (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) فبهذا وما أدركنا عليه أهل العلم ببلدنا يحكونه عن مفتيهم وحكامهم قديماً وحديثاً قلنا: برد اليمين. الأم (أيضاً) : الحكم بين أهل الكتاب: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فلم يختلف المسلمون أن شرط اللَّه في الشهود: المسلمين، الأحرار. العدول، إذا كانت المعاني في الخصومات التي يتنازع فيها الآدميون معينة، وكان فيما تداعوا الدماء والأموال وغير ذلك، لم ينبغ أن يباح ذلك إلا بما شرط اللَّه من البينة، وشَرْطُ الله: المسلمين، أو بسنة رسول الله ﷺ ، أو إجماع من المسلمين. الأم (أيضاً) : باب (شرط الذين تقبل شهادتهم) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية. وقال : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) الآية.

стр. 618

قال الشَّافِعِي ﵀: وكان الذي يعرفِ من خوطب بهذا أنه أريد به الأحرار، المرضيون، المسلمون من قبل أن رجالنا، ومن نرضاه من أهل ديننا لا المشركون، لقطع اللَّه الولاية بيننا وبينهم بالدين، ورجالنا أحرارنا، والذي نرضى أحرارنا لا مماليكنا، الذين يغلبهم من يملكهم على كثير من أمورهم، وأنا لا نرضى أهل الفسق منا. وأن الرضا إنما يقع على العدل منا، ولا يقع إلا على البالغين؛ لأنه إنما خوطب بالفرائض البالغون دون من لم يبلغ. اختلاف الحديث: باب (الدعوى والبينات) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى في الوصية: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فكان حكمه أن تقبل الوصية باثنين، وكذلك يقبل في الحدود وجميع الحقوق اثنان، في غير الزنا. أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في القضايا والشهادات: قال الشَّافِعِي ﵀: فذكر الله شهود الزنا، وذكر شهود الطلاق والرجعة، وذكر شهود الوصية. يعني: في قوله تعالى: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فلم يذكر معهم امرأة. مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي ﵀ بأصول الفقه) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى حين الوصية: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) وشَرطُ العدل واجتماعهما في أنهما شهادة، يدل على ألَّا تقبل فيها إلا العدول - وبسط الكلام فيه -.

стр. 619

آداب الشَّافِعِي ومناقبه باب (في الأحكام) : قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله - تعالى -: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ) إلى آخر الآية / ١٠٨، معنى الشهادة هاهنا، إنما هي: الحلف، كما قال: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) . وليس: بالشهادة التي تشهد، إنما هي: تداع في حقوق، فليس لها معنى إلا الأيمان على من ادُّعِيَ عليه.

стр. 620

سورة الأنعام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) الرسالة: المقدمة: أخبرنا الربيع ﵀ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، ابن عم رسول الله ﷺ قال الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) . قال الشَّافِعِي ﵀: والحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمةٍ من نعمه إلا بنعمةٍ منه، توجب على مُؤَدِّي ماضي نعمه بأدائها، نعمة حادثة يجب عليه شكره بها، ولا يبلغ الواصفون كُنْه عظمته الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، أحمده حمداً كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.

стр. 621

قال الله : (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) الأم: باب (ما يحرم به الدم من الإسلام) : قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا موافق ما كتبنا قبله من كتاب اللَّه، وسنة نبيه ﷺ وبينٌ أنه: إنما يُحكم على ما ظَهَرَ، وأن اللَّه تعالى ولي ما غاب؛ لأنه عالم بقوله ﷺ : "وحسابهم على الله." الحديث. وكذلك قال اللَّه فيما ذكرنا، وفي غيره، فقال: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) الآية. وقال عمر ﵁ لرجل كان يعرفه بما شاء اللَّه في دينه: (أمؤمن أنت؟) قال: نعم. قال: (إني لأحسبك متعوِّذاَ) قال أما في الإيمان ما أعاذني؟ فقال عمر: بلى. وقال رسول الله ﷺ لله في رجل هو من أهل النار، فخرج أحدهم معه حتى أثخن الذي قال من أهل النار، فآذته الجراح فقتل نفسه، ولم يمنع رسول اللَّه ﷺ ما استقر عنده من نفاقه، وعلم إن كان علمه من اللَّه فيه من حقن دمه بإظهار الإيمان.

стр. 622

قال الله : (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) الأم: مبتدأ التنزيل والفرض على النبي ﷺ ثم على الناس: قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أنزل اللَّه ﵎ بعد هذا في الحال التي فرض فيها عزلة المشركين فقال: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية، مما فرض عليه فقال: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) قرأ الربيع إلى: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) . مناقبِ الشَّافِعِي: باب (ما يؤثر عنه في الإيمان) : قال الشَّافِعِي ﵀: ثم استثنى موضع النسيان - بعد أن ذكر الآية / ١٤٥ من سورة النساء - فقال : (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ) أي: فقعدت معهم: (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .

стр. 623

قال الله : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) الأم: باب (المواريث) : أخبرنا الربيع بن سليمان ﵀ قال: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا) الآية. وقال : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ) فنسب إبراهيم إلى أبيه، وأبوه كافر، ونسب ابن نوح إلى أبيه نوح، وابنه كافر. مختصر المزني: باب (في الولاء) : قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يقطع اختلاف الدين الولاء، كما لا يقطع النسب، قال الله جل ثناؤه: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ) الآية - وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ) الآية. فلم يقطع النسب باختلاف الدين، فكذلك الولاء. ومن أعتق سائبة فهو معتق، وله الولاء. * * * قال الله : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) الزاهر باب (قسم الصدقات) : قال الشَّافِعِي ﵀: خَوَّل اللَّه المسلمين أموال المشركين، أي: غَنَّمهم وأعطاهم إياها.

стр. 624

قال أبو إسحاق النحوي: في قول اللَّه : (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ) الآية. قال: خوَّله: أعطاه ذلك تفضلاً منه. وكل من أعطي شيئاً على غير جزاء فقد: خُول. ويقال لخدم الرجل: خَوَلُه، لأنهم من عطاء اللَّه تعالى. قال الشَّافِعِي ﵀: والغارمون صنفان: صنف دانوا في مصلحة معاشهم، وصنف: دانوا في صلاح ذات البين. دانوا، أي: استدانوا، ويقال للذي ركبه الدين: دائن ومديون. وصلاح ذات البين: صلاح حالة الوصل بعد المباينة. والبَيْنُ: يكون - (فُرْقَة) ويكون (وَصْلاً) . وهو هاهنا بمعنى الوصل، ومنه قوله : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) الآية، أي: تقطُّع وصلكم. * * * كلا قال الله : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) الأم: باب (استقبال القبلة) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال اللَّه (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الآية، فنصب اللَّه لهم البيت والمسجد، فكانوا

стр. 625

إذا رأوه فعليهم استقبال البيت؛ لأن رسول الله ﷺ صلُّى مستقبله، والناس معه حوله من كل جهة، ودلهم بالعلامات التي خلق لهم، والعقول التي ركب فيهم على قصد البيت الحرام، وقصد المسجد الحرام، وهو قصد: البيت الحرام. الأم (أيضاً) : باب (حكاية قول الطائفة التي ردَّت الأخبار كلها) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الآية. وسخر لكم النجوم والليل والنهار والشمس والقمر، وخلق الجبال والأرض، وجعل المسجد الحرام حيث وضعه من أرضه فكلَّف خلقه التوجه إليه، فمنهم من يرى البيت فلا يسعه إلا الصواب بالقصد إليه، ومنهم من يغيب عنه وتنأى داره عن موضعه، فيتوجه إليه بالاستدلال بالنجوم والشمس والقمر والرياح والجبال والمهاب. .. الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قيل فبم يُتوجه إلى البيت؟ قيل: قال اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الآية. وكانت العلامات جبالاً يعرفون مواضعها من الأرض، وشمساً وقمراً ونجماً مما يعرفون من الفلك، ورياحاً يعرفون مهابها على الهواء تدل على قصد البيت الحرام.

стр. 626

الرسالة: باب (كيف البيان؟) : قال الشَّافِعِي ﵀: فقال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الآية. وقال: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) . فكانت العلامات: جبالاً وليلاً ونهاراً، فيها أرواح معروفة الأسماء، وإن كانت مختلفة المهابِّ، وشمس وقمر ونجوم معروفة المطالع والمغارب والمواضع من الفَلَك. ففرض عليهم الاجتهاد بالتوجه شطر المسجد الحرام، مما دلهم عليه مما وصفت، فكانوا ما كانوا مجتهدين غير مزايلين أمره جل ثناؤه. * * * قال الله : (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) الرسالة: باب (بيان ما نزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخله الخصوص) : قال الشَّافِعِي ﵀ لّعالى: وقال اللَّه ﵎: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ، فكل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك: فالله خالقه، وكل دابة فعلى اللَّه رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها.

стр. 627

قال الله : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) الأم (أيضاً) : الإقرار والاجتهاد والحكم بالظاهر قال الشَّافِعِي ﵀: ولقول الله : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) ففرض علينا اتباع رسوله، فإذا كان الكتاب والسنة هما الأصلان اللذان افترض اللَّه لا مخالف فيهما وهما عينان. الأم (أيضاً) : باب (الصوم) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه لنبيه ﷺ : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) وقال مثل ذلك في غير آية. الرسالة: باب (ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوده اتباع ما أوحى إليه) : وقال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) . اختلاف الحديث: المقدمة: قال الشَّافِعِي ﵀: وأبان جل ثناؤه أنه فرض على رسوله اتباع أمره فقال: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) .

стр. 628

قال الله : (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) الأم: مبتدأ التنزيل والفرض على النبي ﷺ ثم على الناس: قال الشَّافِعِي ﵀: وأمرهم الله بأن لا يسبوا أندادهم فقال : (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) الآية مع ما يشبهها. * * * قال الله : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) الأم: أكل الضبع: قال الشَّافِعِي ﵀: ولحوم الضباع تباع عندنا بمكة بين الصفا والمروة. لا أحفظ عن أحد من أصحابنا خلافاً في إحلالها، وفي مسألة ابن أبي عمار جابراً، أصيد هي؟ قال: نعم. وسألته: أتؤكل؟ قال: نعم. وسألته أسمعته من النبي ﷺ ؟ قال: نعم. فهذا دليل على أن الصيد الذي نهى اللَّه تعالى المُحرِم عن قتله ما كان يحل أكله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه، لا عبثاً بقتله، ومثل ذلك في حديث علي ﵁.

стр. 629

ولذلك أشباه في القرآن، منها قول اللَّه : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) . أنه إنما يعني مما أحل اللَّه كله، لأنه لو ذبح ما حرم اللَّه عليه، وذكر اسم اللَّه عليه، لم يحل الذبيحة ذكر اسم الله عليه. * * * قال الله : (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) الأم: ما يحل بالضرورة: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه فيما حُرِّم ولم يَحِلُّ بالذكاة: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الآية. وقال: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) . وقال في ذكر ما حرم: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . قال الشَّافِعِي ﵀: فيحل ما حُرِّم من ميتة ودم ولحم خنزير وكل ما حرم مما لا يغير العقل من الخمر للمضطر. . .

стр. 630

الأم (أيضاً) : تفريع ما يَحل ويُحرُم: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) فاحتمل قول الله ﵎: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) إحلالها دون ما سواها، واحتمل إحلالها بغير حظر ما سواها، واحتمل قول الله ﵎: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الآية، - وما أشبه هؤلاء الآيات - أن يكون أباح كل مأكول لم ينزل تحريمه في كتابه نصاً، واحتمل كل مأكول من ذوات الأرواح لم ينزل تحريمه بعينه نصاً أو تحريمه على لسان نبيه ﷺ ، فيحرم بنص الكتاب، وتحليل الكتاب، بأمر اللَّه بالانتهاء إلى أمر نبيه ﷺ فيكون إنما حرم بالكتاب في الوجهين. فلما احتمل أمر هذه المعاني، كان أولاها بنا: الاستدلال على ما يحل ويحرم بكتاب اللَّه، ثم سنة تعرب عن كتاب اللَّه، أو أمر أجمع المسلمون عليه، فإنه لا يمكن في اجتماعهم أن يجهلوا لله حراماً ولا حلالاً إنما يمكن في بعضهم، وأما في عامتهم فلا، وقد وضعنا هذا مواضعه على التصنيف. الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في الخلاف في التفليس) : قال الشَّافِعِي ﵀: قلنا: وحديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ : "نهى عن كل كل ذي ناب من السباع" الحديث - لا يروى عن غيره علمته، إلا من

стр. 631

وجه عن أبي هريرة - وليس بالمشهور المعروف [من] الرجال - فقبلناه نحن وأنت، وخالفنا المكيون، واحتجوا بقول اللَّه : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الآية. وقوله: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الآية. وبقول عائشة ﵂، وابن عباس ﵄، وعبيد بن عمير، فزعمنا أن الرواية الواحدة تثبت بها الحجة، ولا حجة في تأويل، ولا حديث عن غير النبي ﷺ مع حديث النبي ﷺ ، قال: أما ما وصفت فكما وصفت، قلت: فإذا جاء مثل هذا فلِمَ لم تجعله حجة؟ الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى في الآية الأخرى: (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الآية. فلما أباح في حال الضرورة ما حرَم جملة، أيكون لي إباحة ذلك في غير حال الضرورة، فيكون التحريم فيه منسوخاً والإباحة قائمة؟ قال: لا. قلنا: وئقول له: التحريم بحالة، والإباحة على الشرط، فمتى لم يكن الشرط فلا تحل؟ قال: نعم. * * * قال الله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) أحكام القرآن: ما يؤثر عنه في الصيد والذبائح وفي الطعام والشراب: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع بن سليمان قال:

стр. 632

قال الشَّافِعِي ﵀: حرُّم المشركون على أنفسهم - من أموالهم - أشياء، أبان اللَّه أنها ليست حراماً بتحريمهم، وذلك مثلُ: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كانوا يتركونها في الإبل والغنم كالعتق، فيحرمون ألبانها، ولحومها، ومِلْكَها وقد فسرته في غير هذا الوضع. ثم ذكر البيهقي الاستدلال في حاشيته بحديث ابن المسيب، وكلامه في تفسير ذلك، وحديث الجشمي، وأثر ابن عباس التعلق بذلك، وبآية: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا) الآية. * * * قال الله : (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) الأم: قتل الوِلدَان: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) الآية. كان بعض العرب تقتل الإناث من ولدها صغاراً، خوف العيلة عليهم والعار بهم، فلما نهى اللَّه عز ذكره عن ذلك من أولاد المشركين، دل على تثبيت النهي عن قتل أطفال المشركين في دار الحرب، وكذلك دلت عليه السنة مع ما دلَّ عليه الكتاب، من تحريم القتل بغير حق.

стр. 633

قال الله : (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) الأم: ما حرّم المشركون على أنفسهم: قال الشَّافِعِي ﵀: حرّم الشركون على أنفسهم من أموالهم أشياء. أبان اللَّه أنها ليست حراماً بتحريمهم. وقد ذكرتُ بعض ما ذكر اللَّه تعالى منها، وذلك مثل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كانوا يتركونها في الإبل والغنم كالعتق، فيحرمون ألبانها ولحومها وملكها، وقد فسرته في غير هذا الموضع، فقال ﵎: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) الآية وقال اللَّه وهو يذكر ما حَرَّموا: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ) إلى قوله (حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الآية. (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) الآية، وأعلمهم أنه لم يحرم عليهم ما حرموا بتحريمهم وقال: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) يعني - واللَّه أعلم -: من الميتة.

стр. 634

قال الله : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) الأم: ما حرم المشركون على أنفسهم: قال الشَّافِعِي ﵀: حرّم المشركون على أنفسهم من أموالهم أشياء. أبان الله أنها ليست حراماً بتحريمهم. .، فقال: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) . الأم (أيضاً) : قتل الوِلدَان: قال الشَّافِعِي ﵀: كان بعض العرب تقتل الإناث من ولدها صغاراً خوف العيلة عليهم، والعار بهم، فلما نهى الله عز ذكره عن ذلك من أولاد المشركين، دلَّ على تثبيت النهي عن قنل أطفال المشركين في دار الحرب، وكذلك دلت عليه السنة مع ما دل عليه الكتاب من تحريم القتل بغير حق، قال اللَّه : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) الآية. وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي معاوية (عمرو النخعي) قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: سمعت ابن مسعود ﵁ يقول سألت النبي ﷺ أي

стр. 635

الكبائر أكبر؟ فقال: "أيُّ تجعل لله نِدًّا وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك" الحديث. * * * قال الله : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الأم: باب (الوقت الذي تؤخذ فيه الصدقة مما أخرجت الأرض) : قال الشَّافِعِي ﵀: إذا بلغ ما أخرجت الأرض ما يكون فيه الزكاة، أخذت صدقته، ولم ينتظر بها حول، لقول اللَّه : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الآية. ولم يجعل له وقتاً إلا الحصاد، واحتمل قول اللَّه : (يَوْمَ حَصَادِهِ) إذا صلح بعد الحصاد، واحتمل يوم يحصد، وإن لم يَصلُح، فدلت سنة رسول الله ﷺ على أن تؤخذ بعد ما يجفُّ، لا يوم يحصد النخل والعنب، والأخذ منهما زبيباً وتمراً، فكان كذلك كل ما يصلح بجفوف ودرس مما فيه الزكاة مما أخرجت الأرض. وهكذا زكاة ما أخرج من الأرض من مَعدِن، لا يؤخذ حتى يصلح فيصير ذهباً أو فضة، ويؤخذ يوم يصلح. قال الشَّافِعِي ﵀: وزكاة الركاز يوم يؤخذ؛ لأنه صالح بحاله، لا يحتاج إلى إصلاح، وكله مما أخرجت الأرض.
следующие страницы →