← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قلنا: توارث الناس بالحِلْف والنصرة، ثم توارثوا بالإسلام والهجرة، ثم نسخ ذلك، فنزل قول اللَّه : (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) الآية. على معنى ما فرض اللَّه عز ذكره، وسن رسوله ﷺ ، لا مطلقاً هكذا. ألا ترى أن الزوج يرث أكثر مما يرث ذوو الأرحام، ولا رحم له، أو لا ترى أن ابن العم البعيد يرث المال كله، ولا يرثه الخال، والخال أقرب رحماً منه، فإنما معناها - أي: الآية - على ما وصفت لك من أنها: على ما فرض اللَّه لهم، وسن رسول الله ﷺ . وأنتم تقولون: إن الناس يتوارثون بالرحم، وتقولون خلافه في موضع آخر!. تزعمون: أن الرجل إذا مات وترك أخواله ومواليه، فمالُه لمواليه دون أخواله، فقد منعت ذوي الأرحام الذين قد تعطيهم في حال، وأعطيت المولى الذي لا رحم له المال!. الرسالة: باب (الاختلاف) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال - أي المحاور - فأقولُ: لك ذلك، لقول الله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) الآية. فقلتُ له: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) الآية، نزلت، بأن الناس توارثوا بالحِلف، ثم توارثوا بالإسلام والهجرة، فكان المهاجر يرث المهاجر، ولا يرثه من ورثته من لم يكن مهاجراً، وهو أقرب إليه ممن ورثه، فنزلت: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ) الآية، على ما فُرضَ لهم.

стр. 702

قال: فاذكر الدليل على ذلك؟ قلت: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) الآية، على ما فُرضِ لهم، ألا ترى أن مِن ذوي الأرحام من يرث، ومنهم من لا يرث؛ وأن الزوج يكون أكثر ميراثاً من أكثر ذوي الأرحام ميراثاً؛ وأنك لو كنت إنما تورِّث بالرحم كانت رحم البنت من الأب كرحم الابن؛ وكان ذوو الأرحام يرثون معاً؛ ويكونون أحق من الزوج الذي لا رحم له؟! ولو كانت الآية كما وصفت، كنت قد خالفتها فيما ذكرنا، في أن يَترُك أخته ومواليه، فنعطي أخته النصف، ومواليه النصف، وليسوا بذوي أرحام، ولا مفروض لهم في كتاب اللَّه فرض منصوص.

стр. 703

سورة التوبة قال الله : (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) وقال : (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) الأم: تبديل أهل الجزية دينهم قال الشَّافِعِي ﵀: فإن كان له مال - أي: الكتابي - بالحجاز، قيل: وكل به ولم يترك يقيم إلا ثلاثاً، وإن كان له - مال - بغير الحجاز، لم يترك يقيم في بلاد الإسلام إلا بقدر ما يجمع ماله، فإن أبطأ، فأكثر ما يؤجل إلى الخروج من بلاد الإسلام أربعة أشهر؛ لأنه أكثر مدة جعلها اللَّه لغير الذميين من المشركين، وأكثر مدة جعلها رسول الله ﷺ لهم، قال اللَّه ﵎: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قرأ الربيع إلى: (غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) فأجلهم النبي ﷺ ما أجلهم اللَّه من أربعة أشهر. الأم (أيضاً) جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه: قال الشَّافِعِي ﵀: وعاهد رسول الله ﷺ قوماً من المشركين، فأنزل اللَّه عليه: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الآية.

стр. 704

الأم (أيضاً) : مهادنه من يقوى على قتاله قال الشَّافِعِي ﵀: لما قوي أهل الاسلام أنزل اللَّه على رسوله ﷺ مرجعه من تبوك: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) الآية - وما بعد -، فأرسل بهذه الآيات مع علي بن أبي طالب ﵁ فقرأها على الناس في الموسم، وكان فرضاً أن لا يعطى لأحد مدة بعد هذه الآيات إلا أربعة أشهر؛ لأنها الغاية التي فرضها الله) . قال: وجعل النبي ﷺ لصفوان بن أمية بعد فتح مكة بسنين أربعة أشهر، لم أعلمه زاد أحداً - بعد أن قوي المسلمون - على أربعة أشهر. الأم (أيضاً) : باب (دية أهل الذمة) : قال الشَّافِعِي ﵀: المستأمن يقئله المسلم لا تفتله به - الخطاب: للمحاور - وله عهد هو به حرام الدم والمال، فلو لم يُلزمك حجة إلا هذا لزمتك. قال: ويقال لهذا معاهد؟ قلنا: نعم؛ لعهد الأمان، وهذا مُؤمَّن، قال فيُدل على هذا بكتاب أو سنة؟ قلنا: نعم، قال : (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) الآية، إلى قوله: (غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) الآية، فجعل لهم عهداً إلى مدة، ولم يكونوا أمناء بجزية، كانوا أمناء بعهد، ووصفهم باسم العهد، وبعث رسول اللَّه ﷺ علياً ﵁ بأن من كان عنده من النبي ﷺ عهد، فعهده إلى مدته، قال: ما كنا نذهب إلا أن العهد عهد الأبد، قلنا: فقد أوجدناك العهد إلى مدة في كتاب اللَّه وسنة رسول الله ﷺ .

стр. 705

الأم (أيضاً) : المهادنة على النظر للمسلمين: قال الشَّافِعِي ﵀: فأحبّ للإمام إذا نزك بالمسلمين نازلة - وأرجو أن لا ينزلها الله بهم إن شاء الله تعالى - مهادنة، يكون النظر لهم فيها، ولا يهادن إلا إلى مدة، ولا يجاوز بالمدة مدة أهل الحديبية، فإن كانت بالمسلمين قوة، قاتلوا المشركين بعد انقضاء المدة، فان لم يقو الإمام فلا بأس أن يجدد مدة مثلها، أو دونها، ولا يجاوزها من قِبَل أن القوة للمسلمين، والضعف لعدوهم، قد يحدث في أقل منها، وإن هادنهم إلى أكثر منها فمنتقضه؛ لأن أصل الفرض قتال - المشركين حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية - أهل الجزية -، فإن الله أذن بالهدنة فقال: (إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الآية. وقال ﵎: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ) ، فلما لم يبلغ رسول الله ﷺ بمدة أكثر من مدة الحديبية، لم يجز أن يهادن إلا على النظر للمسلمين، ولا تُجاوَز. * * * قال الله : (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) قال الله : (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) الأم: مهادنة من يقوى على قتاله: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا سأل قوم من المشركين مهادنة، فللإمام مهادنتهم على النظر للمسلمين، رجاء أن يسلموا، أو يعطوا الجزية بلا مؤونة،

стр. 706

وليس له مهادنتهم إذا لم يكن في ذلك نظر، وليس له مهادنتهم على النظر على غير الجزية أكثر من أربعة أشهر، لقوله : (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) إلى قوله: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) الآية، وما بعدها. الأم (أيضاً) : ما أحدث أهل الذمة الموادَعون مما لا يكون نقضاً: قال الشَّافِعِي ﵀: وأمر الله تعالى في الذين لم يخونوا: أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم بقوله: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) الآية. الأم (أيضاً) : المهادنة على النظر للمسلمين: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله ﵎: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ) فلما لم يبلغ رسول الله ﷺ بمدة أكثر من مدة الحديبية، لم يجز أن يهادن إلا على النظر للمسلمين، ولا تُجَاوَز.

стр. 707

قال الله : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) الأم: الحكم في السا حر والساحرة: قال الشَّافِعِي ﵀: حقن اللَّه الدماء، ومنع الأموال إلا بحقها - بالإيمان بالله ورسوله، أو عهد من المؤمنين بالله ورسوله لأهل الكتاب، وأباح دماء البالغين من الرجال بالامتناع من الإيمان إذا لم يكن لهم عهد، قال اللَّه تبارك وتعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . قال الشَّافِعِي ﵀: والذي أراد الله أن يُقتلوا حتى يتوبوا، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة: أهل الأوثان من العرب وغيرهم الذين لا كتاب لهم. الأم (أيضاً) : الأصل فيمن تؤخذ الجزية منه ومن لا تؤخذ: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - الله تعالى - في قوم كان بينه ﷺ وبينهم شيء: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ)

стр. 708

مع نظائر لها في القرآن - وجاءت السنة بما جاء به القرآن -. أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله فقد عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بحقها، وحسابهم على الله " الحديث. أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب، أن عمر ﵁ قال - أي: لأبي بكر ﵁ أليس قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بحقها، وحسابهم على الله". قال أبو بكر ﵁: هذا من حقها، لو منعوني عقالاً مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: يعني: من منع الصدقة ولم يرتد. الأم (أيضاً) : كتاب (الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: الحكم في قتال المشركين حكمان، فمن غزا منهم أهل الأوثان، ومن عبد ما استحسن من غير أهل الكتاب من كانوا، فليس له أن يأخذ منهم الجزية، ويقاتلهم إذا قوى عليهم حتى يقتلهم، أو يسلموا

стр. 709

وذلك لقول اللَّه : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) الآيتين، ولقول رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى بقولوا لا إله إلا الله، فإذا مالوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بحقها، وحسابهم على الله" الحديث. الأم (أيضاً) : الخلاف فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذ: قال الشَّافِعِي ﵀: فقال - أي: المحاور - ففي المشركين الذين ئؤخذ منهم الجزية حكم واحد أو حكمان؟ قيل: بل حكمان. قال: وهل يشبه هذا شيء؟ قلنا: نعم، حكم اللَّه جل ثناؤه فيمن قُتِل من أهل الكتاب وغيرهم. قال: فإنا نزعم أن غير المجوس ممن لا تحل ذبيحته ولا نساؤه، قياساً على المجوس. قلنا: فأين ذهبت عن قول اللَّه : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) إلى: (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) الآية، وقال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله." الحديث. فإن زعمت أنها والحديث منسوخان بقوله : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) . وبقول رسول الله ﷺ : "سُنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب" الحديث؛ قلنا: فإذا زعمت ذلك، دخل عليك أن تكون العرب ممن يعطون الجزية، وإن لم يكونوا أهل كتاب. قال: فإن قلت لا يصلح أن تعطِي العرب الجزية. قلنا: أوَ ليسوا

стр. 710

داخلين في اسم ألشرك؛ قال: بلى، ولكن لم أعلم النبي ﷺ أخذ منهم جزية. قلنا: أفعلمت أن النبي ﷺ أخذ الجزية من غير كتابي أو مجوسي؟ قال: لا. قلنا: فكيف جعلت غير الكتابيين من المشركين قياساً على المجوس. الأم (أيضاً) : باب (المرتد الكبير) : أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي قال: قال اللَّه ﵎: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) إلى قوله: (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) الآية. أخبرنا الثقة، عن حماد بن زيد، عن يحمى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وإن من سنة رسول الله ﷺ فيمن ظفر به من رجال المشركين أنه قتل بعضهم، ومَنَّ على بعضهم، وفادى ببعض، وأخذ الفدية من بعض، فلم يختلف المسلمون أنه: لا يحلُّ أن يفادى بمرتد بعد إيمانه، ولا يُمَنُّ عليه، ولا تأخذ منه فدية، ولا يترك بحال، حتى يسلم أو يقتل - واللَّه أعلم -. الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: وأباح - اللَّه تعالى - دماء أهل الكفر من خلقه فقال: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) الآية، وحرَّم دماءهم إن أظهروا

стр. 711

الإسلام. . . فجعل حينئذ دماء المشركين مباحة، وقتالهم حتماً وفرضاً عليهم إن لم يظهروا الإيمان. مختصر المزني: المقدمة: قال الشَّافِعِي ﵀: وقد اختصرت من تمثيل ما يدل الكتاب على أنه نزل من الأحكام عاماً، أريد به العام. في كتاب غير هذا، وهو الظاهر من علم القرآن، وكتبت معه غيره مما أنزل عام يُراد به الخاص، وكتبت في هذا الكتاب مما نزل عام الظاهر ما دل الكتاب على أن اللَّه أراد به الخاص؛ لإبانة الحجة على من تأول ما رأيناه، مخالفاً فيه طريق من رضينا مذهبه من أهل العلم بالكتاب والسنة، من ذلك قال اللَّه جل ثناؤه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) فهذا من العام الذي دل الله على أنه إنما أراد به الخاص. . .، لأن كل أهل الشرك صنفان: صنف أهل الكتاب، وصنف غير أهل الكتاب، ولهذا نظائر في القرآن، وفي السنة مثل هذا. * * * قال الله : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) الأم: المهادنة على النظر للمسلمين: قال الشَّافِعِي ﵀: ومن جاء من المشركين يريد الإسلام، فحق على الإمام أن يؤمِّنه حتى يتلو عليه كتاب اللَّه ، ويدعوه إلى الإسلام بالمعنى الذي

стр. 712

يرجو أن يدخل اللَّه به عليه الإسلام، لقول اللَّه لنبيه ﷺ : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: ومن قلت ينبذ إليه، أبلغه مأمنه. وإبلاغه مأمنه: أن يمنعه من المسلمين والمعاهدين، ما كان في بلاد الإسلام، أو حيث يتصل ببلاد الإسلام، وسواء قرب ذلك أم بعد. قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أبلغه مأمنه: يعني - واللَّه تعالى أعلم - منك. أو ممن يقتله، على دينك، - أو - ممن يطيعك، لا أمانة من غيرك، من عدوك وعدوه، الذي لا يأمنه، ولا يطيعك. الأم (أيضاً) : الصلح على الاختلاف في بلاد المسلمين: قال الشَّافِعِي ﵀: فأما الرسل، ومن ارتاد الإسلام فلا يمنعون الحجاز؛ لأن اللَّه يقول لنبيه ﷺ : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) الآية. وإن أراد أحد من الرسل الإمامَ وهو بالحرم. فعلى الإمام أن يخرج إليه، ولا يدخله الحرم إلا أن يكون يغني الإمام فيه الرسالة والجواب فيكتفى بهما، فلا يترك يدخل الحرم بحال. الأم (أيضاً) في المرتد: قال الشَّافِعِي ﵀: وإنما أمر اللَّه نبيه ﵊ فقال: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)

стр. 713

ولم أعلم أمر بذلك في أحد من أهل الإسلام. فإن قال قائل: فلم لا تجعل ذلك في أهل الإسلام الممتنعين كما تجعله في المشركين الممتنعين؟ قيل: لما وصفنا من سقوط ما أصاب المشرك في شركه، وامتناعه من دم أو مال عنه، وثبوت ما أصاب المسلم في امتناعه مع إسلامه، فإن الحدود إنَّما هي على المؤمنين لا على المشركين. الأم (أيضاً) : باب (ديه أهل الذمة) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) الآية، فجعل له العهد إلى سماع كلام اللَّه، وبلوغ مأمنه، والعهد الذي وصفتَ على الأبد، إنما هو إلى مدة، إلى العاهد نفسه ما استقام بها كانت له، فإذا نزع عنها كان مُحَارباً حلال الدم والمال. مختصر المزني: باب (الجزية على أهل الكتاب والضيافة وما لهم وما عليهم) : قال الشَّافِعِي ﵀: وليس للإمام أن يصالح أحداً منهم على أن يسكن الحجاز بحال، ولا يبين أن يُحرِّم أن يمرَّ ذِمِّي بالحجاز ماراً لا يقيم بها كثر من ثلاث ليالٍ وذلك مقام المسافر؛ لاحتمال أمر النبي ﷺ بإجلائهم عنها، أن لا يسكنوها، ولا بأس أن يدخلها الرسل لقول الله تعالى. (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ) الآية، ولولا أن عمر ﵁ أجل من قدم المدينة منهم

стр. 714

تاجراً ثلاثة أيام، لا يقيم فيها بعد ثلاث؛ لرأيت أن لا يُصالحوا، على أن لا يدخلوها بحال، ولا يُتركوا يدخلونها إلا بصلح، كما كان عمر ﵁ يأخذ من أموالهم إذا دخلوا المدينة ولا يترك أهل الحرب يدخلون بلاد الإسلام تجاراً، فإن دخلوا بغير أمان، ولا رسالة غُنموا. قال الشَّافِعِي ﵀: ويؤخذ منهم، ما أخذ عمر من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر اتباعاً له على ما أخذ. .. ولولا أن عمر ﵁ أخذه منهم ما أخذناه، ولم يبلغنا أنه أخذ من أحد في سَنَةِ إلا مرة. مناقب الشافعى: باب (ما يؤثر عن الشَّافِعِي في أسماء الله وصفات ذاته، وأن القرآن كلام الله، وكلامه من صفات ذاته) : أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن محمد الفقيه، قال: أخبرنا أبو جعفر الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو يحيى الساجي (إجازة) قال: سمعت أبا سعيد المصري يقول: سمعت محمد بن إدريس الشَّافِعِي يقول: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت عبد الله بن محمد بن علي بن زياد يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت الرببع يقول: لما كلَّم الشَّافِعِي ﵀ حفص الفرد. فقال حفص: القرآن مخلوق. قال الشَّافِعِي: كفرت بالله العظيم.

стр. 715

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو عبد اللَّه (محمد إبراهيم المؤذن) . عن عبد الواحد بن محمد الأرغياني، عن أبي محمد الزبيري قال: قال رجل للشافعي: أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشَّافِعِي: اللهم لا قال فمخلوق؟ قال الشَّافِعِي: اللهم لا قال: فغير مخلوق؟ قال الشَّافِعِي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؛ فرفع الشَّافِعِي رأسه وقال: ئقِرُّ بأن القرآن كلام اللَّه؟ قال: نعم. قال الشَّافِعِي سبقت في هذه الكلمة، قال اللَّه تعالى ذكره: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) الآية. وقال: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) . قال الشَّافِعِي ﵀ فتقر بأن الله كان وكان كلامه؛ أو كان اللَّه ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان اللَّه، وكان كلامه. قال: فتبسم الشَّافِعِي وقال: يا كوفيون، إنكم لتأتوني بعظيم من القول، إذا كنتم تقرون بأن الله كان قبل القَبل وكان كلامه، فمن أين لكم الكلام: إن الكلام اللَّه، أو سوى الله، أو غير اللَّه، أو دون اللَّه؟ قال: فسكت الرجل وخرج. * * * قال الله : (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) الأم: جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه: قال الشَّافِعِي ﵀: وأنزل اللَّه تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ) الآية. (مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا) الآية.

стр. 716

فإن قال قائل: كيف كان النبي ﷺ صالح أهل الحديبية، ومن صالح من المشركين؟ قيل: كان صلحه لهم طاعة لله، إما عن أمر الله بما صنع نصا، وإما أن يكون اللَّه ﵎ جعل له أن يعقد لمن رأى كا رأى، ثم أنزل قضاءه عليه، فصاروا إلى قضاء اللَّه جل ثناؤه، ونسخ رسول الله ﷺ فعله بفعله، بأمر اللَّه، وكل كان طاعة لله في وقته. فإن قال قائل، وهل لأحد أن يعقد عقداً منسوخاً ثم يفسخه؟ قيل له: ليس له أن يبتدئ عقداً منسوخاً، وإن كان ابتدأه فعليه أن ينقضه، كما ليس له أن يصلي إلى بيت المقدس، ثم يصلي إلى الكعبة؛ لأن قبلة بيت المقدس قد نسخت، ومن صلى إلى بيت المقدس مع رسول الله ﷺ قبل نسخها فهو مطيع لله ، كالطاعة له حين صلى إلى الكعبة. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) الأم: باب (ممر الجنب والمأثمرك على الأرض ومشيهما عليهما) : قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عثمان بن أبي سليمان. أن مشركي قريش حين أتوا المدينة في فداء أسراهم، كانوا يبيتون في المسجد. منهم جببر بن مطعم، قال جُبير: فكنت أسمع قراءة النبي ﷺ " الحديث.

стр. 717

قال الشَّافِعِي ﵀: ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام، فإن اللَّه يقول: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) الآية، فلا ينبغي لمشرك أن يدخل الحرم بحال، وإذا بات المشرك في المساجد غير المسجد الحرام، فكذلك المسلم، فإن ابن عمر يروي أنه كان يبيت في المسجد زمان رسول الله ﷺ وهو أعزب، ومساكين الصفة. الأم (أيضاً) : مسأله: إعطاء الجزية على سكنى بلدٍ ودخوله: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) الآية، قال: فسمعت بعض أهل العلم يقول: المسجد الحرام: الحَرَمُ. قال الشَّافِعِي ﵀: وبلغتي أن رسول الله ﷺ قال: "لا بنبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل الحرم" الحديث، قال: وسمعت عدداً من أهل العلم بالمغازي، يروون أنه كان في رسالة النبي ﷺ "لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا". فإن سأل أحد ممن تؤخذ منه الجزية أن يعطيها، ويجري عليه الحكم، على أن يترك يدخل الحرم بحال، فليس للإمام أن يقبل منه على ذلك شيئاً، ولا أن يدع مشركاً يطأ الحرم بحال من الحالات، طبيباً كان، أو صانعاً بنياناً، أو غيره، لتحريم اللَّه دخول المشركين المسجد الحرام، وبعده تحريم رسول الله ﷺ ذلك، وإن سأل من تؤخذ منه الجزية أن يعطيها، ويجري عليه الحكم، على أن يسكن الحجاز، لم يكن ذلك له، والحجاز (مكة، والمدينة، واليمامة ومخالفيها كلها) ؛ لأن تركهم بسكنى الحجاز منسوخ، وقد كان النبي ﷺ -

стр. 718

استثنى على أهل خيبر حين عاملهم فقال: "أقرُّكم ما أقرَّكم الله) " الحديث. ثم أمر رسول الله ﷺ بإجلائهم من الحجاز. ولا يجوز صلح ذمي على أن يسكن الحجاز بحال. الأم (أيضاً) : أين يكون اللعان؟ : قال الشَّافِعِي ﵀: وإن كان إلزوج مسلماً، والزوجة مشركة، التَعَن الزوج في المسجد، والزوجة في الكنيسة وحيث تعَظّم، وإن شاءت الزوجة المشركة أن تحضر الزوج في المساجد كلها حضرته، إلا أنها لا تدخل المسجد الحرام لقول اللَّه تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) الآية. * * * قال الله : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) الأم: الحكم في الساحر والساحرة: قال الشَّافِعِي ﵀: والذي أراد الله أن يقتلوا حتى يتوبوا، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة - أهل الأوثان من العرب وغيرهم الذين لا كتاب لهم،

стр. 719

فإن قال قائل: ما دلَّ على ذلك؟ قيل له: قال الله : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) . قال الشَّافِعِي ﵀: فمن لم يزل على الشرك مقيماً، لم يحول عنه إلى الإسلام، فالقتل على الرجال دون النساء منهم. الأم (أيضاً) : الأصل فيمن تؤخذ الجزية منه، ومن لا تؤخذ قال الشَّافِعِي ﵀: فأنزل الله على رسوله فرض قتال المشركين - من أهل الكتاب - فقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية. ففرق اللَّه كما شاء - لا معقب لحكمه - بين قتال أهل الأوثان، ففرض أن يُقاتلوا حتى يُسلموا وقتال أهل الكتاب، ففرض أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية، أو أن يسلموا، وفرق اللَّه بين قتالهم. أخبرنا الثقة يحيى بن حسان، عن محمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث سرية أو جيشاً أمَّرَ عليهم - أميراً -، قال: "إذا لقيت عدواً من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو ثلاث خلال - شك علقمة - ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم. وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أجابوك

стр. 720

فاقبل منهم، وأخبرهم أنهم إن فعلوا، أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما عليهم، وإن اختاروا المقام في دارهم - فأعلمهم - أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله كما يجري على المسلمين، وليس لهم في الفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن لم يجيبوك إلى الإسلام، فادعهم إلى إعطاء الجرية، فإن فعلوا فاقبل منهم ودعهم، فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وليست واحدة من الآيتين ناسخة للأخرى، ولا واحد من الحديثين ناسخاً للآخر ولا مخالفاً له، ولكن أحد الحديثين والآيتين من الكلام الذي مخرجه عام يراد به الخاص، ومن الجمل الذي يدل عليه المفسر. الأم (أيضاً) : من ترفع عنه الجزية: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) . فكان بيناً في الآية - واللَّه تعالى أعلم - أن الذين فرض الله قتالهم حتى يعطوا الجزية، الذين قامت عليهم الحجة بالبلوغ، فتركوا دين اللَّه وأقاموا على ما وجدوا عليه آباءهم من أهل الكتاب، وكان بيناً أن الذين أمر الله بقتالهم عليها الذين فيهم القتال، وهم الرجال البالغون.

стр. 721

قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أبان رسول الله ﷺ مثل معنى كتاب الله فأخذ الجزية من المُحتَلِمِين دون من دونهم، ودون النساء. الأم (أيضاً) : كتاب (الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربى) : قال الشَّافِعِي ﵀: ومن كان من أهل الكتاب من المشركين المحاربين قوتلوا حتى يُسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإذا أعطَوها لم يكن للمسلمين قتلهم ولا إكراههم على غير دينهم، لقول اللَّه : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) الآية. وإذا قوتل أهل الأوثان، وأهل الكتاب، قتلوا وسبيت ذراريهم، ومن لم يبلغ الحلم والمحيض منهم، ونسائهم البوالغ وغير البوالغ، ثم كانوا جميعاً فيئاً، يرفع منهم الخمس، ويقسم الأربعة الأخماس على من أوجف عليهم بالخيل والركاب. الأم (أيضاً) : في الأمان: قال الشَّافِعِي ﵀: وعلى الوالي إذا مات قبل أن يبين، أو قال وهو حيّ: لم أؤمنهم أن يردهم إلى مأمنهم، وينبذ إليهم قال الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية، فحقن اللَّه دماء من لم يدن دين أهل الكتاب من المشركين بالإيمان لا غيره، وحقن دماء من دان دين أهل الكتاب بالإيمان، أو إعطاء الجزية عن يد وهم

стр. 722

صاغرون، والصغار: أن يجري عليهم الحكم - أي: حكم الإسلام - لا أعرف منهم خارجاً من هذا من الرجال. قال الشَّافِعِي ﵀: ويقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. الأم (أيضاً) : ما قتل أهل دار الحرب من المسلمين فأصابوا من أموالهم: قال الشَّافِعِي ﵀: قال : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) . وقال رسول الله ﷺ : "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله." الحديث. يعني: بما أحدثوا بعد الإسلام؛ لأنهم يلزمهم لو كفروا بعد الإسلام القتل والحدود، ولا يلزمهم ما مضى قبله. الأم (أيضاً) : الصَّغَار مع الجزية: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية. فلم يأذن اللَّه في أن تؤخذ الجزية ممن أمر بأخذها منه حتى يعطيها عن يدٍ صاغراً. قال الشَّافِعِي ﵀: وسمعت عدداً من أهل العلم يقولون: الصَّغار: أن يجري عليهم حكم الإسلام.

стр. 723

قال الشَّافِعِي ﵀: وما أشبه ما قالوا بما قالوا لامتناعهم من الإسلام. فإذا جرى عليهم حكمه فقد أصغِروا بما يجري عليهم منه. الأم (أيضاً) : كم الجزية ": قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) الآية. وكان معقولاً أن الجرية شيء يؤخذ في أوقات، وكانت الجزية محتملة للقليل والكثير. قال الشَّافِعِي ﵀: وكان رسول الله ﷺ المبين عن الله معنى ما أراد، فأخذ رسول الله ﷺ جزية أهل اليمين ديناراً في كل سنة، أو قيمته من المعافري، وهي: الثياب. وكذلك رُوي أنه أخذ من أهل أيلة، ومن نصارى مكة ديناراً عن كل إنسان، وأخذ الجزية من أهل نجران فيها كسوة، ولا أدري ما غاية ما أخذ منهم. وقد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين ومن أهل الذمة من أهل نجران، يذكر أن قيمة ما أخذ من كل واحد كثر من دينار، وأخذها من (أُكَيْدِر) ، ومن مجوس البحرين لا أدري كم غاية ما أخذ، ولم أعلم أحداً قط حكى أنه: أخذ من أحد أقل من دينار. أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر ابن عبد العزيز، "أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن أنه على كل إنسان منكم ديناراً كل سنة أو قيمته من المعافري" الحديث. يعني أهل الذمة منهم.

стр. 724

الأم (أيضاً) : الصلح على أموال أهل الذمة: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) فكان معقولاً في الآية، أن تكون الجزية غير جائزة - واللَّه تعالى أعلم - إلا معلوماً، ثم دلت سنة رسول الله ﷺ على مثل معنى ما وصفت من أنها معلوم، فأما ما لم يعلم أقله ولا أكثره، ولا كيف أخد من أخَدهُ، من الولاة له، ولا من أخذت منه من أهل الجزية، فليس في معنى سنة رسول الله ﷺ ، ولا نُوقف على حَدِّه. الأم (أيضاً) : الحكم بين أهل الجزية: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية. فكان الضغَار - واللَّه أعلم - أن يجري عليهم حكم الإسلام، وأذن اللَّه بأخذ الجزية منهم، على أن قد علم شركهم به، واستحلالهم لمحارمه، فلا يكشفوا عن شيء مما استحلوا بينهم، ما لم يكن ضرراً على مسلم أو معاهد أو مستامن غيرهم. . ولا يجوز أن تكون دار الإسلام دار مقام لمن يمتنع من الحكم في حال، لما وصفت من قول اللَّه : (وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية. الأم (أيضاً) : الخلاف فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذ: سبق ذكر هذه الفقرة في تفسير قول الله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) فليرجع إليها هناك.

стр. 725

الأم (أيضاً) : الصلح على الجزية: قال الشَّافِعِي ﵀: وإن قالوا نعطيكموها - أي: الجزية - ولا يجري علينا حكمكم، لم يلزمنا أن نقبلها منهم؛ لأن الله قال: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية. فلم أسمع مخالفاً في أن الصَّغار، أن يعلو حكم الإسلام على حكم الشرك، ويجري عليهم، ولنا أن نأخذ منهم متطوعين وعلى النظر للإسلام وأهله، وإن لم يجرِ عليهم الحكم، كما يكون لنا ترك قتالهم. ولو عرضوا علينا أن يعطونا الجزية، ويجري عليهم الحكم، فاختلفنا نحن وهم في الجزية، فقلنا: لا نقبل إلا كذا، وقالوا: لا نعطيكم إلا كذا، رأيت - والله تعالى أعلم - أن يلزمنا أن نقبل منهم ديناراً ديناراً؛ لأن النبي ﷺ قد أخذه من نصراني بمكة مقهور، ومن ذمة اليمن وهم مقهورون، ولم يلزمنا أن نأخذ منهم أقل منه - والله تعالى أعلم -؛ لأنا لم نجد رسول الله ﷺ ولا أحداً من الأئمة أخذ منهم أقل منه. الأم (أيضاً) : باب (دية أهل الذمة) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية، فوجدت الكفار في حكم الله، ثم حكم رسوله في موضع العبودية للمسلمين: ١ - صنفاً: متى قُدِرَ عليهم تعبدوا، وتؤخذ منهم أموالهم - بأمر الله صدقة يطهرهم الله بها ويزكيهم -، لا يقبل منهم غير ذلك.

стр. 726

٢ - صنفاً: يُصنع ذلك بهم إلا أن يعطوا الجزية: (عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) فإعطاء الجزية - يؤخذ من الكفار صَغاراً - إذا لزمهم، فهو صنف من العبودية، فلا يجوز أن يكون من كان خَوَلاً للمسلمين في حال أو كان خولاً لهم بكل حال، إلا أن يؤدي جزية فيكون كالعبد المُخارج في بعض حالاته كفؤاً للمسلمين. الأم (أيضاً) باب (ما ملكه الناس من الصيد) قال الشَّافِعِي ﵀: فحلال اللَّه تعالى لجميع خلقه، وحرامه عليهم واحد، وكذلك هو في الخمر والخنزير وثمنهما محرمان على النصراني، كهو على المسلم. فإن قال قائل: فلم لا تقول: إن ثمن الخمر والخنزير حلال لأهل الكتاب، وأنت لا تمنعهم من اتخاذه والتبايع به؟ قيل: قد أعلمنا اللَّه أنهم لا يؤمنون به ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله إلى قوله: (وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: فكيف يجوز لأحد عَقَلَ عن اللَّه أن يزعم: أنها لهم حلال، وقد أخبرنا اللَّه تعالى أنهم: لا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله؛ فإن قال قائل: فأنت تقرُّهم عليها؟ قلت: نعم، وعلى الشرك بالله؛ لأن اللَّه أذن لنا أن نقرهم على الشرك به، واستحلالهم شربها (أي: الخمر) وتركهم دين الحق بأن نأخذ منهم الجزية، قوة لأهل دينه، وحجة الله تعالى عليهم قائمة،

стр. 727

لا مخرج لهم منها، ولا عذر لهم فيها حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ويحرِّموا ما حرّم الله ورسوله. مختصر المزني: الوقف من كتاب (الإيلاء من الإملاء على مسائل ابن القاسم، والإملاء على مسائل مالك) : قال الشَّافِعِي ﵀: والذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء إذا حاكم إلينا، وحُكمُ الله تعالى على العباد واحد. قال المزني ﵀: هذا أشبه القولين به؛ لأن تأويل اللَّه عنده: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية، أن تجري عليهم أحكام الإسلام. مختصر المزني (أيضاً) : باب (ما جاء في حد الذميين) : قال الشَّافِعِي ﵀: ولا خيار له - أي: للحاكم إذا تحاكموا إلينا - إذا جاؤوه في حدِّ اللَّه فعليه أن يقيمه لما وصفت من قول اللَّه : (وَهُمْ صَاغِرُونَ) . قال المزني ﵀: هذا أولى قوليه به، كما سبق في الفقرة الماضية. الرسالة: الحجة في تثبيت خبر الواحد قال الشَّافِعِي ﵀: فَقَبِلَ عمر ﵁ خبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ في المجوس، فأخذ منهم - أي: الجزية - وهو يتلو القرآن (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ويقرأ القرآن بقتال

стр. 728

الكافرين حتى يسلموا، وهو لا يعرف فيهم عن النبي ﷺ شيئاً، وهم عنده من الكافرين غير أهل الكتاب، فقبل خبر عبد الرحمن في المجوس عن النبي ﷺ ، فاتَّبعه. اختلاف الحديث: باب (الخلاف فيمن تؤخذ منه الجزية، وفيمن دان دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن) : قال الشَّافِعِي ﵀: فاقول: إن النبي ﷺ أخذ الجزية من المجوس، ورأيت المسلمين لم يختلفوا في أن تؤخذ منهم الجزية، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم. ورُوي هذا عن النبي ﷺ ، وأهل الكتاب تؤكل ذبائحهم، وتنكح نساؤهم، وفي هذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب. قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له: إن المجوس ليسوا بأهل كتاب مشهور عند العامة، باقٍ في أيديهم، فهل من حجة في أن ليسوا بأهل كتاب كالعرب؛ قال: لا، إلا ما وصفت من أن لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم. قلت: فكيف أنكرت أن يكون النبي ﷺ دلَّ على أن قول اللَّه: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) الآية، من دان دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان، وأن يكون إحلال نساء أهل الكتاب، إحلال لنساء بني إسرائيل من دون أهل الكتب سواهم، فيكونون مستوين في الجزية، مختلفين في النساء والذبائح، كما أمر اللَّه بقتال المشركين: (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) الآية. وأمر بقتال أهل الكتاب: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية. فسوَّى بينهم في الشرك، وخالف بينهم في القتال على الشرك. فقال: - أو قال بعض من حضره - ما في هذا ما أنكره عالم.

стр. 729

قال الله : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) قال الله : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) الرسالة: المقدمة: قال الشَّافِعِي ﵀: بعثه - أي: للنبي ﷺ والناس صنفان: أحدهما: أهل كتاب، بذلوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كلذباً صاغوه بالسنتهم، فخلطوه بحقِّ الله الذي أنزل إليهم، فذكر ﵎ لنبيه ﷺ من كفرهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا) إلى قوله: (عَمَّا يُشْرِكُونَ) الآيتان.

стр. 730

قال الله : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) الأم: كتاب الجزية: قال الشَّافِعِي ﵀: وقضى أن أظهر دينه على الأديان فقال : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) . وقد وصفنا بيان كيف يظهره على الدين كله في غير هذا الموضع. الأم (أيضاً) : (إظهار دين النبي ﷺ على الأديان: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) . أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله" الحديث.

стр. 731

قال الشَّافِعِي ﵀: لما أتي كسرى بكتاب رسول الله ﷺ مزَّقه، فقال رسول الله ﷺ : " يمزق ملكه" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب النبي ﷺ ووضعه في مسك، فقال النبي ﷺ : "يثبت ملكه" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: ووعد رسول الله ﷺ الناس فتح فارس والشام. فأغزى أبو بكر ﵁ الشام على ثقة من فتحها؛ لقول رسول الله ﷺ ففتح بعضها. وتم فتحها في زمان عمر ﵁ وفتح العراق وفارس. قال الشَّافِعِي ﵀: فقد أظهر الله دينه الذي بعث به رسوله ﷺ على الأديان؛ بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: ١ - دين أهل الكتاب ٢ - ودين الأميين. فقهر رسول الله ﷺ الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام، وأعطى بعضهم الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه ﷺ وهذا ظهور الدِّين كله. قال الشَّافِعِي ﵀: وقد يقال ليُظهِرن الله دينه على الأديان حتى لا يدان للهِ إلا به، وذلك متى شاء الله ﵎. * * * قال الله : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)

стр. 732

وقال تعالى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) الأم: كتاب (الزكاة) قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) الآيتان. وقال عز ذكره: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: فأبان الله في هاتين الآيتين فرض الزكاة؛ لأنه إنما عاقب على منع ما أوجب، وأبان أن في الذهب والفضة الزكاة.

стр. 733

وقال الشَّافِعِي ﵀: قول الله : (وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني: - واللَّه تعالى أعلم - في سبيله الذي فرض من الزكاة وغيرها. قال الشَّافِعِي ﵀: وأما دفن المال فضرب من إحرازه، وإذا حل إحرازه بشيء حل بالدفن وغيره، وقد جاءت السنة بما يدل على ذلك، ثم لا أعلم فيه مخالفاً، ثم الآثار. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "كل مال يُودَّى زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكل مال لا يُودَّى زكاته فهو كنز، وإن لم يكن مدفوفاً" الحديث. الأم (أيضاً) : باب (غلول الصدقة) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه ﵎: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) إلى قوله: (فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: وسبيل الله - واللَّه أعلم -: ما فرض من الصدقة. أخبرنا الربيع قال:

стр. 734

أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة قال: جامع بن أبي راشد. وعبد الملك بن أعين، سمعا أبا وائل، يخبر عن عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل لا يؤدَِّي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة شجاع أقرع، يفرُّ منه، وهو يتبعه حتى يطوِّقه في عنقه" الحديث. ثم قرأ علينا: (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الآية. * * * قال الله : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) قال الشَّافِعِي ﵀: والبيع إلى الصدر جائز، والصدر: يوم النفر من (منى) . فإن قال وهو ببلد بغير مكة، إلى مخرج الحاج، أو إلى أن يرجع الحاج. فالبيع فاسد؛ لأن هذا غير معلوم، فلا يجوز أن يكون الأجل إلى فعل يحدثه الآدميون؛ لأنهم قد يعجلون السير ويؤخرونه، للعلة التي تحدث، ولا إلى ثمرة الشجرة وحدادها؛ لأنه يختلف في الشهور التي جعلها اللَّه علماً فقال: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) الآية. فإنما يكون الجداد بعد الخريف، وقد أدركت الخريف يقع مختلفاً في شهورنا التي وقت الله لنا، يقع في عام شهراً ثم يعود في شهر بعده، فلا يكون الوقت فيما يخالف شهورنا التي وقت لنا ربنا .

стр. 735

ولا بما يحدثه الآدميون، ولا يكون إلى ما لا عمل للعباد في تقديمه ولا تأخيره، مما جعل اللَّه وقتاً الرسالة: باب (العلم) قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له - أي: للمحاور -: فرض اللَّه الجهاد في كتابه، وعلى لسان نبيه - في عدد من الآيات منها: قال اللَّه تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " الحديث. أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الصيام: قال الشَّافِعِي ﵀: وكانت الأعاجم، تعد الشهور بالأيام، لا بالأهِلَّة وتذهب إلى أن الحساب - إذا عدت الشهور بالأهِلَّة - يختلف، فأبان اللَّه تعالى: أن الأهلة هي: المواقيت للناس والحج، وذكر الشهور، فقال: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ) الآية. فدل على أن الشهور بالأهلة، إذ جعلها المواقيت لا ما ذهبت إليه الأعاجم من العدد بغير الأهلة.

стр. 736

ثم بين رسول الله ﷺ ذلك، على ما أنزل الله ، وبين أن الشهر: تسع وعشرون، يعني: أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين، وذلك أنه قد يكونون يعلمون: أن الشهر يكون ثلاثين، فأعلمهم أنه قد يكون تسعاً وعشرين وأعلمهم، أن ذلك للأهلة. أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في آيات متفرقة سوى ما مضى: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال رسول الله ﷺ : إن الزمان قد استدار كهيئتة - يوم خلق الله السماوات والأرض - السنة: اثنا عشر شهراً، منها أربع حرم: ثلاث متواليات (ذو القعدة، ذو الحجة، ومحرم) ، ورجب: شهر مضر، الذي بين جمادى وشعبان. أحكام القرآن (أيضاً) : فصل (فيمن لا يجب عليه الجهاد) : قال الشَّافِعِي ﵀: فرض اللَّه الجهاد في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، ثم أكَّد النفير من الجهاد، فقال: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) الآية. ثم ذكر حديث أبي هريرة: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.." الحديث. * * * قال الله : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في آيات متفرقة، سوى ما مضى: أخبرنا أبو سفيان بن أبي عمرو قال: حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع

стр. 737

أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أكره أن يقال للمُحرّم: صفر؛ ولكن يقال له المحرم. وإنما كرهت أن يقال للمحرم: صفر؛ من قِبَل أن أهل الجاهلية كانوا يعدون، فيقولون صَفَران، للمحرم وصفر، وينسؤون، فيحجون عاماً في الشهر وعاماً في غيره، ويقولون إن أخطانا موضع المحرم في عام، أصبناه في غيره، فأنزل الله : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: فلا شهر يُنسأ - أي بعد بيان اللَّه ورسوله - وسماه رسول الله ﷺ : المُحَرَّم. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّ ا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) الأم: أصل فرض الجهاد: قال الشَّافِعِي ﵀: ولما مضت لرسول اللَّه ﷺ مدة من هجرته، أنعم الله تعالى فيها على جماعة باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها، ففرض اللَّه تعالى عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضاً - ثم ذكر عدة آيات منها -: وقال : (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) إلى: (قَدِيرٌ) الآيتان.

стр. 738

الأم (أيضاً) : الإقرار بالشيء غير الموصوف: قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا قال الرجل: لفلان على مال، أو عندي، أو في يدي، أو قد استهلكت مالاً عظيماً، أو قال عظيماً جداً، أو عظيماً عظيماً، فكل هذا سواء، ويسأل ما أراد، فإن قال: أردت ديناراً، أو درهماً، أو أقل من درهم مما يقع عليه اسم مال، عَرَضٍ أو غيره، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إن قال مالاً صغيراً، أو صغيراً جداً، أو صغيراً صغيراً، من قبل أن جميع ما في الدنيا من متاعها يقع عليه قليل، قال الله ﵎: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) الآية. الأم (أيضاً) : كيف تفضل فرض الجهاد؟ قال الشَّافِعِي ﵀: وأبان اللَّه في قوله في النفير حين أمرنا بالنفير: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: وأبان - اللَّه تعالى -، أن لو تخلَّفوا معاً أثموا معاً بالتخلف، بقوله : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) الآية. يعني - والله تعالى أعلم -: إلا إن تركتم النفير كلكم عذبتُكم، قال: ففرض الجهاد على ما وصفتُ يخرج المتخلفين من المأثم القائم بالكفاية فيه، ويأثمون معاً إذا تخلفوا معاً.

стр. 739

الرسالة: باب (العلم) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه جل ثناؤه: (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) إلى: (قَدِيرٌ) الآيتان. قال الشَّافِعِي ﵀: فاحتملت الآيات: أن يكون الجهاد كله، والنفير خاصة منه، على كل مطيق له، لا يسع أحداً منهم التخلف عنه، كما كانت الصلوات والحج والزكاة، فلم يخرج أحد وجب عليه فرض منها، من أن يؤدي غيره الفرض عن نفسه، لأن عمل أحد في هذا لا يكتب لغيره. واحتملت: أن يكون معنى فرضها غير معنى فرض الصلوات، وذلك أن يكون قُصِدَ بالفرض فيها فصد الكفاية، فيكون من قام بالكفاية في جهاد مَن جُوهِد من المشركين مُدركِاً تأدية الفرض، ونافلة الفضل، ومُخرجِاً من تخلَّف من الإثم. قال الشَّافِعِي رحمه للُه: وهكذا كل ما كان الفرض فيه مقصوداً به قصد الكفاية فيما ينوب، فإذا قام به من المسلمين من فيه الكفاية، خرج من ئخلف عنه من المأثم. ولو ضيَّعُوه معاً خِفْتُ أن لا يخرج واحد منهم مطيق فيه من المأثم، بل لا أشك - إن شاء الله - لقوله: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) الآية. قال: فما معناها؟ قلت: الدلالة عليها: أن تخلفهم عن النفير كافة لا يسعهم. ونفير بعضهم - إذا كانت في نفيره كفاية - يخرج من تخلف من المأثم - إن شاء اللَّه -؛ لأنه إذا نفر بعضهم وفع عليهم اسم (النفير) .

стр. 740

قال الله : (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) وقال : (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ) الأم: أصل فرض الجهاد: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) الآية. ثم ذكر قوماً تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ ممن كان يظهر الإسلام، فقال: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ) فأبان في هذه الآية أن عليهم الجهاد فيما قرب وبعد، بعد إبانته ذلك في غير مكان. الأم (أيضاً) : من لا يجب عليه الجهاد: قال الشَّافِعِي ﵀: فلما فرض الله تعالى الجهاد دلَّ في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ أنه لم يفرض الخروج إلى الجهاد على مملوك أو أنثى بالغ، ولا حر
следующие страницы →