Полный текст (1 273 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ثم بين رسول الله ﷺ ذلك، على ما أنزل الله ، وبين أن الشهر: تسع وعشرون، يعني: أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين، وذلك أنه قد يكونون يعلمون: أن الشهر يكون ثلاثين، فأعلمهم أنه قد يكون تسعاً وعشرين وأعلمهم، أن ذلك للأهلة.
أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في آيات متفرقة سوى ما مضى:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال رسول الله ﷺ : إن الزمان قد استدار كهيئتة - يوم خلق الله السماوات والأرض - السنة: اثنا عشر شهراً، منها أربع حرم: ثلاث متواليات
(ذو القعدة، ذو الحجة، ومحرم) ، ورجب: شهر مضر، الذي بين جمادى وشعبان.
أحكام القرآن (أيضاً) : فصل (فيمن لا يجب عليه الجهاد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فرض اللَّه الجهاد في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، ثم أكَّد النفير من الجهاد، فقال:
(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) الآية.
ثم ذكر حديث أبي هريرة: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا
لا إله إلا الله.." الحديث.
* * *
قال الله : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في آيات متفرقة، سوى ما مضى:
أخبرنا أبو سفيان بن أبي عمرو قال: حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع
стр. 737
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أكره أن يقال للمُحرّم: صفر؛ ولكن يقال له
المحرم.
وإنما كرهت أن يقال للمحرم: صفر؛ من قِبَل أن أهل الجاهلية كانوا
يعدون، فيقولون صَفَران، للمحرم وصفر، وينسؤون، فيحجون عاماً في الشهر وعاماً في غيره، ويقولون إن أخطانا موضع المحرم في عام، أصبناه في غيره، فأنزل الله : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فلا شهر يُنسأ - أي بعد بيان اللَّه ورسوله -
وسماه رسول الله ﷺ : المُحَرَّم.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّ ا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
الأم: أصل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولما مضت لرسول اللَّه ﷺ مدة من هجرته، أنعم الله تعالى فيها على جماعة باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها، ففرض اللَّه تعالى عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضاً - ثم ذكر عدة آيات منها -:
وقال : (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) إلى: (قَدِيرٌ) الآيتان.
стр. 738
الأم (أيضاً) : الإقرار بالشيء غير الموصوف:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا قال الرجل: لفلان على مال، أو عندي، أو في
يدي، أو قد استهلكت مالاً عظيماً، أو قال عظيماً جداً، أو عظيماً عظيماً، فكل هذا سواء، ويسأل ما أراد، فإن قال: أردت ديناراً، أو درهماً، أو أقل من درهم مما يقع عليه اسم مال، عَرَضٍ أو غيره، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إن قال مالاً صغيراً، أو صغيراً جداً، أو صغيراً صغيراً، من قبل أن جميع ما في الدنيا من متاعها يقع عليه قليل، قال الله ﵎:
(فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) الآية.
الأم (أيضاً) : كيف تفضل فرض الجهاد؟
قال الشَّافِعِي ﵀: وأبان اللَّه في قوله في النفير حين أمرنا بالنفير:
(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وأبان - اللَّه تعالى -، أن لو تخلَّفوا معاً أثموا معاً
بالتخلف، بقوله : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) الآية.
يعني - والله تعالى أعلم -: إلا إن تركتم النفير كلكم عذبتُكم، قال: ففرض الجهاد على ما وصفتُ يخرج المتخلفين من المأثم القائم بالكفاية فيه، ويأثمون معاً إذا تخلفوا معاً.
стр. 739
الرسالة: باب (العلم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه جل ثناؤه:
(مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ)
إلى: (قَدِيرٌ) الآيتان.
قال الشَّافِعِي ﵀: فاحتملت الآيات: أن يكون الجهاد كله، والنفير
خاصة منه، على كل مطيق له، لا يسع أحداً منهم التخلف عنه، كما كانت الصلوات والحج والزكاة، فلم يخرج أحد وجب عليه فرض منها، من أن يؤدي غيره الفرض عن نفسه، لأن عمل أحد في هذا لا يكتب لغيره.
واحتملت: أن يكون معنى فرضها غير معنى فرض الصلوات، وذلك أن
يكون قُصِدَ بالفرض فيها فصد الكفاية، فيكون من قام بالكفاية في جهاد مَن جُوهِد من المشركين مُدركِاً تأدية الفرض، ونافلة الفضل، ومُخرجِاً من تخلَّف من الإثم.
قال الشَّافِعِي رحمه للُه: وهكذا كل ما كان الفرض فيه مقصوداً به قصد الكفاية فيما ينوب، فإذا قام به من المسلمين من فيه الكفاية، خرج من ئخلف عنه من المأثم.
ولو ضيَّعُوه معاً خِفْتُ أن لا يخرج واحد منهم مطيق فيه من المأثم، بل لا
أشك - إن شاء الله - لقوله: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) الآية.
قال: فما معناها؟
قلت: الدلالة عليها: أن تخلفهم عن النفير كافة لا يسعهم.
ونفير بعضهم - إذا كانت في نفيره كفاية - يخرج من تخلف من المأثم
- إن شاء اللَّه -؛ لأنه إذا نفر بعضهم وفع عليهم اسم (النفير) .
стр. 740
قال الله : (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)
وقال : (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ)
الأم: أصل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) الآية.
ثم ذكر قوماً تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ ممن كان
يظهر الإسلام، فقال: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ)
فأبان في هذه الآية أن عليهم الجهاد فيما قرب وبعد، بعد إبانته ذلك في غير مكان.
الأم (أيضاً) : من لا يجب عليه الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: فلما فرض الله تعالى الجهاد دلَّ في كتابه، وعلى
لسان نبيه ﷺ أنه لم يفرض الخروج إلى الجهاد على مملوك أو أنثى بالغ، ولا حر
стр. 741
لم يبلغ، لقول اللَّه : (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا) الآية، وقرأ الربيع الآية، فكان الله حكم أن لا مال للمملوك، ولم يكن مجاهد إلا ويكون عليه للجهاد مؤنة من المال، ولم يكن للمملوك مال.
الأم (أيضاً) : كيف تفضل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وأبان اللَّه في قوله في النفير حين أمرنا بالنفير:
(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) الآية، وقال : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) .
قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يغزُ رسول الله ﷺ غزاة علمتها إلا تخلف عنه فيها بشر، فغزا بدراً وتخلف عنه رجال معروفون، وكذلك تخلف عنه عام الفتح وغيره من غزواته ﷺ ، وقال في غزوة تبوك، وفي تجهزه للجمع للروم:
"ليخرج من كل رجلين رجل، فيخلف الباقي الغازي، في أهله وماله" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: وبعث رسول الله ﷺ جيوشاً وسرايا، تخلف عنها بنفسه مع حرصه ﷺ على الجهاد على ما ذكرت.
стр. 742
قال الله : (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)
إلى قوله: (وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ)
الأم: من ليس للإمام أن يغزو به بحال:
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم غزا - أي: رسول الله ﷺ - غزوة تبوك، فشهدها معه قوم، منهم نفروا به ليلة العقبة ليقتلوه؛ فوقاه اللَّه شرهم، وتخلف آخرون منهم فيمن بحضرته ثم أنزل الله في غزاة تبوك أو منصرفه عنها - ولم يكن في تبوك قتال - من أخبارهم، فقال: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فأظهر اللَّه لرسوله ﷺ أسرارهم، وخبر السمَّاعين لهم، وابتغاءهم أن يفتنوا من معه بالكذب، والإرجاف، والتخذيل
لهم، فأخبره أنه كره انبعاثهم فثبطهم إذا كانوا على هذه
стр. 743
النية، كان فيها ما دل على أن الله أمر أن يمنع من عُرفِ بما عرفوا به من أن يغزو مع المسلمين؛ لأنه ضرر عليهم.
* * *
قال الله : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِي مٌ (٦٠)
الأم: كتاب (قَسْم الصدقات) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الآية.
فأحكم اللَّه فرض الصدقات في كتابه، ثم أكدها فقال:
(فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وليس لأحد أن يفسئمها على غير ما قسمها الله عليه، ذلك ما كانت الأصناف موجودة؛ لأنه إنما يُعطَى من وُجد.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا أخذت الصدقة من قوم قسمت على من
معهم في دارهم، من أهل هذه السُّهمان، ولم تخرج من جيرانهم إلى أحد حتى
لا يبقى منهم أحد يستحقها.
стр. 744
الأم (أيضاً) باب (جماع قسم المال من الوالي وربِّ المال)
قال الشَّافِعِي ﵀: وجميع ما أخذ من مسلم، من صدقة فطر، وخمس
ركاز، وزكاة معدن، وصدقة ماشية، وزكاة مال، وعشر زرع، وأي أصناف الصدقات أخذ من مسلم، فقَسمُه واحد على الآية التي في برآءة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآية.
لا يختلف، وسواء قليله وكثيره على ما وصفتُ.
الأم (أيضاً) : قَسم الصدقات الثاني:
قال الشَّافِعِي ﵀: واسم ما أخذ من الزكاة صدقة، وقد سماها اللَّه
تعالى في القسم صدقة، فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآية.
نقول: إذا جاء المصدق، يعني: الذي يأخذ الماشية، وتقول: إذا جاء الساعي، وإذا جاء العامل.
قال الشَّافِعِي رحمه الة: قال رسول الله ﷺ :
"ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقةْ، ولا فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، ولا فيما دون خمس أواق من الوَرِق صدق" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: والأغلب على أفواه العامة، أن في التمر العشر.
وفي الماشية الصدقة، وفي الورِق الزكاة وقد سمى رسول اللَّه ﷺ هذا كله صدقة.
والعرب تقول له: صدقة وزكاة ومعناهما عندهم معنى واحد.
стр. 745
فما أخذ من مسلم من صدقة ماله. . . - مهما كان نوعه ومسماه - مما
وجب عليه في ماله، في كتاب، أو سنة، أو أمر أجمع عليه عوام المسلمين فمعناه واحد أنه زكاة، والزكاة صدقة، وقسمه واحد لا يختلف كما قَسَمَه الله.
الصدقات: ما فرض اللَّه على المسلمين فهي طهور.
الأم (أيضاً) : باب (الولاء والحِلف)
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)
فلم يختلف المسلمون أنها لا تكون إلا لمن سمى اللَّه، وأن في قول الله
﵎ معنيين:
أحدهما: أنها لمن سُمِّيت له.
والآخر: أنها لا تكون لغيرهم بحال.
وكذلك قول النبي ﷺ :
"إنما الولاء لمن أعتق" الحديث.
* * *
قال الله : (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)
الأم: المرتد عن الإسلام
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي قول الله آمنوا، ثم كفروا، ثم أظهروا الرجوع
عنه، قال الله تبارك اسمه: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ)
стр. 746
فحقن بما أظهروا من الحَلِفِ - ما قالوا كلمة
الكفر - دماءهم بما أظهروا.
الأم (أيضاً) : باب (ما يحرم به الدم من الإسلام) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل ثناؤه: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ)
فأخبر بكفرهم، وجحدهم
الكفر، وكذب سرائرهم لمجحدهم، وذكر كفرهم في غير آية، وسماهم بالنفاق إذ أظهروا الإيمان، وكانوا على غيره.
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أظهره - أي: الإيمان - قوم من المناففين، فأخبر
الله نبيه عنهم أن ما يخفون خلاف ما يعلنون، فقال: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ) الآية، مع ما ذكر اللَّه سبحانه به المنافقين، فلم يجعل لنبيه قتلهم إذا أظهروا الإيمان، ولم يمنعهم رسول الله ﷺ مناكحة المسلمين ولا موارثتهم.
الأم (أيضاً) : باب (الديات) :
قال الشَّافِعِي ﵀: روى عطاء، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعدد
من الحجازين، أن عمر ﵁ فرض الدية اثني عشر ألف درهم، ولم أعلم بالحجاز
стр. 747
أحداً خالف فيه عن الحجازين، ولا عن عثمان بن عفان ﵁، وممن قال الدية اثنا عشر ألف درهم ابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة ﵃ أجمعين
ولا أعلم بالحجاز أحداً خالف في ذلك قديماً ولا حديثاً، ولقد روى عكرمة عن النبي ﷺ أنه قضى بالدية اثني عشر ألف درهم، وزعم عكرمة أنه نزل فيه: (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) فزعم محمد بن الحسن عن عمر حديثين مختلفين، قال في أحدهما: فرض الدية عشرة آلاف درهم، وقال في الآخر: اثني عشر ألف درهم. ..
* * *
قال الله : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)
الأم: المرتد عن الإسلام:
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي سنة رسول الله ﷺ في المنافقين دلالة على أمور منها:
١ - لا يقتل من أظهر التوبة، من كفر بعد إيمان.
٢ - ومنها أنه حقن دماءهم وقد رجعوا إلى غير يهودية، ولا نصرانية، ولا
مجوسية، ولا دين يُظهرون، إنَّما أظهروا الإسلام، وأسرُّوا الكفر.
стр. 748
٣ - فأقرهم رسول الله ﷺ في الظاهر على أحكام المسلمين:
أ - فناكحوا المسلمين ووارثوهم.
ب - وأسهم لمن شهد الحرب منهم.
ج - وتركوا في مساجد المسلمين.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا رَجعَ عن الإيمان أبداً أشد ولا أبين كفراً ممن
أخبر الله عن كفره بعد إيمانه.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال جل ثناؤه: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) الآية.
* * *
قال الله : (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
إلى: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)
الأم: أصل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم ذكر الله تعالى قوماً تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ ممن كان يظهر الإسلام. . . قال الله :
(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) الآية.
стр. 749
قرأ الربيع الآية، وقال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) .
وقال: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
مع ما ذكر به فرض الجهاد، وأوجب على المتخلف عنه.
الأم (أيضاً) : من ليس للإمام أن يغزو به بحال.
قال الشَّافِعِي ﵀: فاظهر الله لرسوله أسرارهم وخبر السمَّاعين لهم، وابتغاءهم أن يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتنزيل لهم فأخبره أنه كره انبعاثهم - أي: المنافقين - فثبطهم إذ كانوا على هذه النية، كان فيها ما دل على أن الله أمر أن يمنع من عُرف بما عُرفوا به من أن يغزو مع المسلمين؛ لأنه ضرر عليهم، ثم زاد في تكيد بيان ذلك بقوله: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) قرأ الربيع إلى: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) الآيات - وبسط الكلام في الموضوع -.
* * *
قال الله : (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)
الأم: المرتد عن الإسلام:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فإن اللَّه قال:
(وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) إلى قوله: (فَاسِقُونَ) الآية، فإن صلاة رسول اللَّه ﷺ -
стр. 750
مخالفة صلاة المسلمين سواه، لأنا نرجو أن لا يصلي على أحد إلا صلى الله
عليه ورحمه.
فإن قال قائل: ما دل على الفرق بين صلاة رسول الله ﷺ إذ نهي عنهم.
وصلاة المسلمين غيره، فإن رسول الله ﷺ انتهى عن الصلاة عليهم بنهي الله له.
ولم ينه اللَّه ورسوله ﷺ عنها، ولا عن مواريثهم.
فإن قال قائل: فإن ترك قتلهم جعل لرسول اللَّه ﷺ خاصة، فذلك يدخل عليه فيما سواه من الأحكام، فيقال: فيمن ترك ﵊ قتله، أو قَتْلُه جُعل هذا له خاصة، وليس هذا لأحد، إلا بأن تأتي دلالة على أن أمراً جُعِلَ خاصة لرسول الله ﷺ ، وإلا ما صُنع عام على الناس الاقتداء به في مثله، إلا ما بين هو ﷺ أنه خاص، أو كانت عليه دلالة خبر.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد عاشروا - أي: المنافقين - أبا بكر وعمر
وعثمان ﵃ أئمة الهدى، وهم يعرفون بعضهم، فلم يقتلوا منهم
أحداً ولم يمنعوه حكم الإسلام في الظاهر، إذ كانوا يظهرون الإسلام وكان عمر ﵁ يمر بحذيفة بن اليمان ﵁ إذا مات ميت، فإن أشار عليه أن اجلس، جلس واستدل على أنه منافق، ولم يمنع من الصلاة عليه مسلماً، وإنَّما يجلس عمر ﵁ عن الصلاة عليه، أن الجلوس عن الصلاة عليه مباح له في غير المنافق، إذا كان لهم من يصلي عليهم سواه.
стр. 751
الأم (أيضاً) : تكلف الحجة على قالل القول الأول، وعلى من قال أقبل إظهار التوبة إذا كان رجع إلى دين يظهره ولا أقبل ذلك إذا رجع إلى دين لا يظهره:
قال الشَّافِعِي ﵀: ومنهم - أي: من المنافقين - من عَرَّف - اللَّه النبي ﷺ عليه.
أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أسامة بن زيد ﵁، قال: "شهدت من نفاق عبد الله بن أبي، ثلاثة مجالس" الحديث.
فإن قال قائل: فقد قال الله لرسول اللَّه ﷺ : (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) إلى قوله: (وَهُمْ كَافِرُونَ) الآيتان.
قيل فهذا يبين ما قلنا، وخلاف ما قال من خالفنا، فأما أمره أن لا
يصلي عليهم، فإن صلاته بأبي هو وأمي - مخالفة صلاة غيره، وأرجو أن
يكون قضى إذ أمَرَهُ بترك الصلاة على المنافقين أن لا يصلي على أحد إلا غفر
له، وقضى أن لا يغفر للمقيم على شرك، فنهاه عن الصلاة على من لا يُغفَر له.
* * *
قال الله : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)
стр. 752
إلى: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
الأم: من له عذر بالضعف والمرض والزمانه في ترك الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله في الجهاد:
(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) الآية.
وقال: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: وقيل: الأعرج المقعد، والأغلب أنه الأعرج في
الرِّجْل الواحدة، وقيل نزلت في أن لا حرج أن لا يجاهدوا.
وهو أشبه ما قالوا، وغير محتمل غيره، وهم داخلون في حد الضعفاء.
وغيره خارجين من فرض الحج ولا الصلاة، ولا الصوم، ولا الحدود، ولا
يحتمل - واللَّه تعالى أعلم - أن يكون أريد بهذه الآية، إلا وضع الحرج في الجهاد دون غيره من الفرائض.
قال الشَّافِعِي ﵀: الغزو غزوان:
стр. 753
١ - غزو يبعد عن المغازي: وهو ما بلغ مسيرة ليلتين فاصدتين، حيث
تقصر الصلاة، وتقدم مواقيت الحج من مكة.
٢ - وغزو يقرب: وهو ما كان دون ليلتين مما لا تقصر فيه الصلاة، وما هو
أقرب من - أقرب - المواقيت إلى مكة.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا كان الغزو البعيد، لم يلزم القوي السالم البدن كله، إذا لم يجد مركباً وسلاحاً ونففة، ويدع لمن تلزمه نفقته، قُوته، إذن فَدْر ما يرى أنه يلبث - في غزوة -، وإن وجد بعض هذا دون بعض فهو ممن لا يجد ما ينفق.
قال الشَّافِعِي ﵀: نزل: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا) الآية.
مختصر المزني: باب (من له عذر بالضعف والضرر والزَّمَانة والعذر بترك
الجهاد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: بعد أن ذكر ما ورد في الأم الفقرة السابقة.
قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدِّين، وبإذن أبويه؛ لشفقتهما ورقتهما
عليه، إذا كانا مسلمين، وإن كانا على غير دينه، فإنما يجاهد أهل دينهما، فلا طاعة لهما عليه، قد جاهد ابن عتبة بن ربيعة مع النبي ﷺ ، ولست أشك في كراهية أبيه لجهاده مع النبي ﷺ ، وجاهد عبد الله بن عبد اللَّه بن أبي مع النبي ﷺ ، وأبوه متخلف عن النبي ﷺ ب (أحد) يخذِّل من أطاعه.
قال الشَّافِعِي رحمه لله: ومن غزا ممن له عذر، أو حدث له بعد الخروج عذر، كان عليه الرجوع ما لم يلتق الزحفان، أو يكون في موضع يُخاف إن رجع أن يتلف.
стр. 754
قال الله : (قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ)
الأم: من قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا حلف أن لا يكلم رجلاً فأرسل إليه رسولاً، أو
كتب إليه كتاباً فالورع أن يحنث، ولا يبين لي أن يحنث؛ لأن الرسول والكتاب غير الكلام، وإن كان يكون كلاماً في حال، ومن حنَّثهُ ذهب إلى أن اللَّه قال:
(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) .
وقال: إن اللَّه يقول في المنافقين:
(قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) الآية.
وإنما نبأهم بأخبارهم بالوحي الذي ينزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ ويخبرهم النبي ﷺ بوحي اللَّه.
ومن قال: لا يحنث، قال: إن كلام الآدميين لا يشبه كلام اللَّه تعالى، كلام
الآدميين بالمواجهة؛ ألا ترى لو هجر رجل رجلاً كانت الهجرة محرمة عليه فوق ثلاث، فكتب إليه، أو أرسل إليه - وهو يقدر على كلامه - لم يخرجه هذا من هجرته التي يأثم بها.
стр. 755
قال الله : (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ)
الأم ٤ كتاب (إبطال الاستحسان)
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى في المناففين: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) الآية.
فأمر بقبول ما أظهروا، ولم يجعل لنبيه ﷺ أن
يحكم عليهم خلاف حكم الإيمان، وكذلك حَكمَ نبيه ﷺ على من بعدهم بحكم الإيمان، وهم يُعرفون، أو بعضهم بأعيانهم، منهم من تقوم عليه البينة بقول الكفر، ومنهم من عليه الدلالة في أفعاله، فإذا أظهروا التوبة منه، والقول بالإيمان، حقنت دماؤهم وجمعهم ذكر الإسلام.
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) الآية، مع ما ذكر به المناففين، فلم يجعل لنبيه ﷺ قتلهم، إذا أظهروا الإيمان، ولم يمنعهم رسول الله ﷺ مناكحة المسلمين ولا موارثتهم.
* * *
قال الله : (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)
أحكام القرآن: الإذن بالهجرة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وذكر اللَّه أهل الهجرة، فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) الآية.
стр. 756
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أذن اللَّه لرسوله ﷺ بالهجرة منها، فهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ولم يحرم في هذا، على من بقي بمكة، المقام بها - وهي دار
شرك - وإن قلُّوا، بأن يفتنوا، ولم يأذن لهم بالجهاد.
* * *
قال الله : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)
الأم: كتاب: (الزكاة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه لنبيه ﷺ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية.
وإنما أمَره أن يأخذ منهم ما أوجب عليهم، وذكر
الله ﵎ الزكاة في غير موضع من كتابه سوى ما وصفت منها، فأبان الله فرض الزكاة في كتابه، ثم أبان على لسان نبيه ﷺ في أي المال الزكاة، فأبان في المال الذي فيه الزكاة أن منه ما تسقط عنه الزكاة، ومنه ما تثبت عليه، وأن
من الأموال ما لا زكاة فيه.
الأم (أيضاً) باب (الزكاة في أموال اليتامى) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي تول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) إن كل مالك تام الملك من حر له مال فيه زكاة، سواء في أن
عليه فرض الزكاة، بالغاً كان أو صحيحاً أو معتوهاً أو صبياً؛ لأن كلاً مالك ما
стр. 757
يملك صاحبه، وكذلك يجب في ملكه ما يجب في ملك صاحبه، وكان مستغنياً بما وصفت، من أن على الصبي والمعتوه الزكاة.
الأم (أيضاً) : كتاب (ما يقول المصدق إذا أخذ الصدقة لمن يأخذها منه)
أخبرنا الربيع ﵀ قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) الآية.
والصلاة عليهم الدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم.
قال الشَّافِعِي ﵀: فحق على الوالي إذا أخذ صدقة امرئ، أن يدعو
له، وأحبّ إليّ أن يقول: (آجرك اللَّه فيما أعطيت، وجعلها لك طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت) ، وما دعا له به أجزأه إن شاء اللَّه.
الأم (أيضاً) : باب (جماع فرض الزكاة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه لنبيه ﷺ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية.
ففرض اللَّه على من له مال تجب فيه الزكاة، أن
يؤدي الزكاة إلى من جعلت له، وفرض على مَن وَلِيَ الأمر أن يؤديها إلى
الوالي إذا لم يؤدها، وعلى الوالي إذا أداها أن لا يأخذها منه؛ لأنه سماها زكاة
واحدة، لا زكاتين، وفرض الزكاة مما أحكم اللَّه ، وفرضه في كتابه، ثم على لسان نبيه ﷺ وبين في أي المال الزكاة، وفي أي المال تسقط، وكم من الوقت
стр. 758
الذي إذا بلغه حلت فيه الزكاة، لماذا لم يبلغه لم تكن فيه زكاة، ومواقيت الزكاة، وما قدرها، فمنها خمس، ومنها عشر، ومنها نصف العشر، ومنها ربع العشر، ومنها بعدد يختلف.
الأم (أيضاً) : قسم الصدقات الثاني:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله لنبيه ﷺ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)
ففي هذه الآية دلالة على ما وصفت، من أن ليس لأهل الأموال منع ما جعل الله عليهم، ولا لمن وليهم ترك ذلك لهم، ولا عليهم.
أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، قال: لم يبلغنا أن أبا بكر وعمر
﵄ أخذا الصدقة مُثناة، ولكن كانا يبعثان عليها في الخصب
والجدب، والسِّمن والعجف، ولا يُضمنانها أهلها، ولا يؤخرانها عن كل عام؛ لأن أخذها في كل عام سُنة من رسول الله ﷺ .
قال الشَّافِعِي ﵀: ولم نعلم رسول الله ﷺ أخرها عامًّا لا يأخذها فيه.
وقال أبو بكر الصديق ﵁:
"لو مئعوئي عَناقا مما أعطوا رسول الله ﷺ
لقاتلتهم عليها، لا تفرقوا بين ما جمع الله" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: هذا إنما هو فيما أخذ من المسلمين خاصة؛ لأن
الزكاة والطهور إنما هو للمسلمين، والدعاء بالأجر والبركة، وإذا أخذ - أي:
стр. 759
الوالي - صدقة مسلم دعا له بالأجر والبركة كما قال اللَّه تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)
أي ادع لهم، فما أخذ من مسلم فهو زكاة، والزكاة الصدقة، والصدقة
زكاة وطهور، أمرهما ومعناهما واحد.
الأم (أيضاً) : باب (صدقة الثمر) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قول اللَّه : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)
يدل على أنه إذا كان في المال صدقة، والشرط من الصدقة، فإنما يؤخذ منه لا من غيره، فبهذا أقول، وبهذا اخترت القول الأول من أن البيع لازم فيما لا صدقة فيه، وغير لازم فيما فيه الصدقة.
الأم (أيضاً) : كراء الأرض البيضاء
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن الله جل ذكره خاطب المؤمنين بأن قال لنبيه ﷺ :
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)
وخاطبهم بأن قال: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)
فلما كان الزرع مالاً من مال المسلم، والحصاد حصاد مسلم، تجب فيه الزكاة، وجب عليه ما كان لا يملك رقبة الأرض.
الأم (أيضاً) : قَسم الفيء:
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: أصل قَسم ما يقوم به الولاة من جُمَلِ المال ثلاثة
وجوه:
أحدها: ما جعله اللَّه ﵎ طهوراً لأهل دينه، قال اللَّه لنبيه ﷺ -
стр. 760
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية.
فكل ما أوجب اللَّه على مسلم في ماله بلا جناية جناها هو، ولا غيره ممن يعقل عنه، ولا شيء لزمه من كفارة.
ولا شيء ألزمه نفسه لأحدٍ، ولا نفقة لزمته لوالد أو ولد أو مملوك أو زوجة، أو ما كان في معنى هذا فهو صدقة، طهور له، وذلك مثل صدقة الأموال كلها عينيها، وحوليِّها، وماشيتها، وما وجب في مال مسلم من زكاة، أو وجه من وجوه الصدقة في كتاب، أو سنة، أو أثر أجمع عليه المسلمون وقَسم هذا كله واحد لا يختلف في كتاب اللَّه عز ذكره.
الأم (أيضاً) : سن تفريق القسم:
قال الشَّافِعِي ﵀: وفلت - أي: للمحاور - وقد قال اللَّه تعالى:
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية.
وقال النبي ﷺ :
"فيما سُقيَ بالسماء العشر" الحديث.
فلم يُخَصَّ مالٌ دون مالٍ: في كتاب الله ، ولا
في هذا الحديث.
الأم (أيضاً) : كتاب (قتال أهل البغي، وأهل الردة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قاتل أهل الامتناع بالصدقة، وقتلوا، ثم
قهروا، فلم يَقُدْ منهم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكلا هذين متأول.
стр. 761
١ - أما أهل الامتناع فقالوا: قد فرض الله علينا: أن نؤديها إلى رسوله
كأنهم ذهبوا إلى قول اللَّه لرسوله ﷺ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)
وقالوا: لا نعلمه يجب علينا أن نؤديها إلى غير رسول الله ﷺ .
٢ - وأما أهل البغي فشهدوا على من بغوا عليه بالضلال، ورأوا أن جهاده
حق، فلم يكن على واحد من الفريقين - أهل الامتناع وأهل البغي - عند
تقضى الحرب قصاص عندنا - واللَّه تعالى أعلم -.
الأم (أيضاً) : (ما جاء في أمر النكاح) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ويحتمل أن يكون الأمر بالنكاح حتماً، وفي كل
الحتم من اللَّه الرشد، فيجتمع الحتم والرشد.
وقال بعض أهل العلم: الأمر كله على الإباحة والدلالة على الرشد، حتى
توجد الدلالة من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع على أنه - إنما - أريد بالأمر الحتم، فيكون فرضاً لا يحل تركه، كقول الله : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)
وأشباه هذا في كتاب اللَّه كثير.
الأم (أيضاً) : باب (الزكاة) :
قال الربيع ﵀:
стр. 762
آخر قول الشَّافِعِي ﵀: إذا كان في يديه ألف، وعليه ألف، فعليه
الزكاة.
قال الربيع: من قِبَل أن الذي في يديه إن تلف كان منه، وإن شاء وهبها.
وإن شاء تصدق بها، فلما كانت في جميع أحكامها مالاً من ماله، وقد قال الله (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية، كانت فيها الزكاة.
الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في الصدقات) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى المازني.
عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال:
"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة" الحديث، فأخذنا نحن وأنتم بهذا، وخالفنا فيه بعض الناس فقال: قال اللَّه ﵎ لنبيه ﷺ :
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية.
وقال النبي ﷺ :
"فيما سقت السماء العشر" الحديث.
لم يخصص اللَّه مالاً دون مال، ولم يخصص رسول الله ﷺ في هذا الحديث مالاً دون مال، فهذا الحديث يوافق كتاب الله، والقياس عليه.
وقال - أي صاحب هذا الرأي -: لا يكون مال فيه صدقة، وآخر لا
صدقة فيه، وكل ما أخرجت الأرض من شيء وإن حزمة - من - بقل ففيه
العشر، فكانت حجتنا عليه: أن رسول الله ﷺ المبين عن اللَّه معنى ما أراد، إذ
стр. 763
أبان ما يؤخذ منه من الأموال دون ما لم يرد، و - أن - الحديث عن رسول الله ﷺ :
"فيما سقت السماء" جملة، والمفسر يدل على الجملة.
الرسالة: في الزكاة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
فكان مخرج الآية عامًّا على الأموال.
وكان يحتمل أن ثكون على بعض الأموال دون بعض، فدلت السنة على
أن الزكاة في بعض الأموال دون بعض.
فلما كان المال أصنافاً: منه الماشية، فأخذ رسول الله ﷺ من الإبل والغنم، وأمر - فيما بلغنا - بالأخذ من البقر خاصة، دون الماشية سواها، ثم أخذ منها بعدد مختلف، كما قضى اللَّه على لسان نبيه ﷺ وكان للناس ماشية من خيل وحُمُر
وبغال وغيرها، فلما لم يأخذ رسول الله ﷺ منها شيئاً، وسن أن ليس في الخيل صدقة، استدللنا على أن الصدقة فيما أخذ منه، وأمر بالأخذ منه دون غيره.
وكان للناس زرع وغراس، فأخذ رسول الله ﷺ من النخل والعنب الزكاة بخرصٍ، غيرُ مختلف ما أخذ منهما، وأخذ منهما معاً العُشر إذا سقيا بسماء أو عين، ونصف العشر إذا سقيا بغرْبٍ وقد أخذ بعض أهل العلم من الزيتون قياساً على النخل والعنب، ولم يزل للناس غِراس غير النخل والعنب والزيتون
стр. 764
كثير، من الجوز واللوز والتين وغيره، فلما لم يأخذ الرسول ﷺ منه ثميئاً، ولم يأمر بالأخذ منه، استدللنا على أن فرض الله الصدقة فيما كان من غراس في بعض الغراس دون بعض.
وزرع الناس الحنطة والشعير والذرة، وأصنافاً سواها، فحفظنا
عن رسول الله ﷺ الأخذ من الحنطة والشعير والذرة وأخذ من قَبلَنا من الدُّخن، والسُّلت، والعَلَس، والأرز وكل ما ئبَّته الناس وجعلوه قوتاً، خبزاً، وعصيدة، وسويقاً، وأذماً مثل: الحِفص والقطاني فهي تصلح خبزاً، وسويقاً، وأدْماً، اتباعاً لمن مضى، وقياساً على ما ثبت أن رسول الله ﷺ أخذ منه الصدقة.
وكان في معنى ما أخذ النبي ﷺ ؛ بأن الناس نبَّتوه ليقتاتوه.
وكان للناس نبات غيره، فلم يأخذ رسول الله ﷺ ، ولا من بعد رسول الله ﷺ
علمناه، ولم يكن في معنى ما أخذ منه، وذلك مثل: الثُّفَّاء، والأسبيوش.
والكسبرة، وحب العصفر وما أشبهه، فلم تكن فيه زكاة، فدل ذلك على
أن الزكاة في بعض الزرع دون بعض.
وفرض رسول الله ﷺ في الوَرِقِ صدقة.
وأخذ المسلمون في الذهب بعده صدقة، إما بخبر عن النبي ﷺ لم يبلغنا، وإما قياساً على أن الذهب والورق نقد الناس الذي اكتنزوه وأجازوه أثماناً على ما تبايعوا به أو أجازوه على ما تبايعوا به في البلدان قبل الإسلام وبعده، وللناس تِبرٌ غيره.
من نحاس وحديد ورصاص، فلما لم بأخذ منه رسول الله ﷺ ، ولا أحد بعده زكاة،
стр. 765
تركناه، اتباعاً بتركه، وأنه لا يجوز أن يقاس بالذهب والوَرِقِ، اللذين هما الثمَن عامًّا في البلدان على غيرهما، لأنه في غير معناهما، لا زكاة فيه، ويصلح أن يُشترَى بالذهب والوَرِقِ غيرهما من التبر إلى أجل معلوم وبوزن معلوم، وكان الياقوت والزبرجد أكثر ثمناً من الذهب والوَرِقِ، فلما لم يأخذ منهما رسول الله ﷺ ولم يأمر
بالأخذ، ولا من بعده علمناه، وكانا مالَ الخاصة، وما لا يُقوم به على أحد في شيء استهلكه الناس؛ لأنه غير نقد، لم يؤخذ منهما.
ثم كان ما نقلت العامة عن رسول الله ﷺ في زكاة الماشية والنقد: أنه أخذها في كل سنة مرة.
* * *
قال الله : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
الأم: باب (الفضل في الصدقلأ) :
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن ابن عجلان، عن سعيد بن يسار.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول:
"والدي نفسي ييده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا، ولا يصعد إلى السماء إلا طيب، إلا كان كأنما يضعها في يد الرحمن، فيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ
стр. 766
حنى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة، وإنها لمثل الجبل العظيم، ثم قرأ:
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) الآية " الحديث.
* * *
قال الله : (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)
الأم: باب (في الاستنجاء) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ويقال: إن قوماً من الأنصار استنجوا بالماء فنزل
فيهم: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) الآية.
وإذا اقتصر المستنجي على الماء دون الحجارة أجزأه؛ لأنه أنقى من الحجارة، وإذا استنجى بالماء فلا عدد في الاستنجاء؛ إلا أن يبلغ من ذلك ما يرى أنه أنقى كل ما هنالك، ولا أحسب ذلك يكون إلا في أكثر من ثلاث مرات، وثلاث فأكثر.
* * *
قال الله : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)
الأم: أصل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولما مضت لرسول اللَّه ﷺ مدة هجرته، أنعم اللَّه تعالى فيها على جماعة باتباعه، حدثت لهم بها مع عون اللَّه قوة بالعدد لم تكن قبلها،
стр. 767
ففرض اللَّه تعالى عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضاً، فقال ﵎:
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) .
أحكام القرآن: فصل (فيمن لا يجب عليه الجهاد) :
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع.
أخبرنا الشَّافِعِي قال: فرض اللَّه تعالى الجهاد في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ .
ثم أكَّد النفير من الجهاد، فقال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) الآية.
* * *
قال الله : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)
الأم: أصل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم ذكر الله تعالى: قوماً تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ ممن كان يظهر الإسلام فقال: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ) .
стр. 768
فأبان في هذه الآية، أن عليهم الجهاد فيما قَرُبَ وبَعُدَ، بعد إبانته ذلك
في غير مكان، في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ)
قرأ الربيع إلى: (أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الآيتان.
الرسالة: باب (ما نزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخله الخصوص) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) الآية.
وهذا في معنى الآية قبلها، وإنما أريد به من أطاق الجهاد من الرجال، وليس
لأحد منهم أن يرغب بنفسه عن نفس النبي ﷺ ، أطاق الجهاد أو لم يطقه، ففي هذه الآية الخصوص والعموم.
مختصر المزني: باب (عطية الرجل لولده) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد حمد اللَّه جل ثناؤه على إعطاء المال والطعام في
وجوه الخير وأمر بهما، ومنها: (وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) الآية.
стр. 769
قال الله : (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)
الأم: من لا يجب عليه الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قال اللَّه تعالى لنبيه ﷺ : (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)
فدل على أنه أراد بذلك الذكور دون الإناث؛ لأن الإناث: المؤمنات، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)
وكل هذا يدل على أنه أراد به الذكور دون الإناث.
الرسالة: باب (العلم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) .
وغزا رسول الله ﷺ وغزا معه من أصحابه
جماعةَ وخلَّف أخرى، حتى تخلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، وأخبرنا
الله أن المسلمين لم يكونوا لينفروا كافة: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)
فأخبر أن النفير على بعضهم دون بعض، وأن التَّفَقُّه إنما هو على بعض
دون بعض.
стр. 770
وكذلك ما عدا الفرض في عُظم الفرائض التي لا يسع جهلها - واللَّه
أعلم - وهكذا كل ما كان الفرض فيه مقصوداً به قصد الكفاية فيما ينوب، فإذا قام به من المسلمين من فيه الكفاية خرج من تخلف عنه مِنَ المأثم.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)
الأم: تفريع فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) الآية.
ففرض الله جهاد المشركين، ثم أبان مَن الذين نبدأ بجهادهم
من المشركين، فأعلمهم أنهم الذين يلون المسلمين، وكان معقولاً في فرض اللَّه جهادهم أن أولاهم بأن يُجاهَد، أقربهم بالمسلمين داراً؛ لأنهم إذا قووا على جهادهم وجهاد غيرهم، كانوا على جهاد من قرب منهم أقوى، وكان من قرب أولى أن يُجاهد من قربه من عورات المسلمين، وأن نكاية من قَرُب أكثر من نكاية من بَعُد.
قال الشَّافِعِي ﵀: فيجب على الخليفة إذا استوت حال العدو، أو
كانت بالمسلمين عليهم قوة، أن يبدأ بأقرب العدو من ديار المسلمين؛ لأنهم
الذين يلونهم، ولا يتناول من خلفهم من طريق المسلمين على عدو دونه، حتى
стр. 771
يحكم أمر العدو دونه، بأن يسلموا، أو يعطوا الجزية - إن كانوا أهل كتاب -.
وأحِبُّ له: إن لم يرد تناول عدو وراءهم، ولم يُطِل على المسلمين عدو، أن يبدأ بأقربهم من المسلمين؛ لأنهم أولى باسم الذين يلون المسلمين، وإن كان كل يلي طائفة من المسلمين فلا أحبُّ أن يبدأ بقتال طائفة ئلي قوماً من المسلمين دون آخرين، وإن كانت أقرب منهم من الأخرى إلى قوم غيرهم، فإن اختلف حال العدو، فكان بعضهم أنكى من بعض أو أخوف من بعض، فليبدأ الإمام بالعدو الأخوف، أو الأنكى، ولا بأس أن يفعل - ذلك -، وإن كانت داره أبعد - إن شاء اللَّه تعالى - حتى ما يخاف ممن بدأ به، مما لا يخاف من غيره مثله، وتكون هذه بمنزلة ضرورة؛ لأنه يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها، وقد بلغ النبي ﷺ عن الحارث بن أبي ضرار أنه يجمع له، فأغار النبي ﷺ عليه وقربه عدو
أقرب منه، وبلغه أن خالد بن أبي سفيان بن نُبيح يجمع له، فأرسل ابن أنيس
فقتله، وقربه عدو أقرب.
قال الشَّافِعِي ﵀: وهذه منزلة لا يتباين فيها حال العدو كما
وصفت، والواجب أن يكون أول ما يُبْدَأ به سد أطراف المسلمين بالرجال، وإن قدر على الحصون والخنادق وكل أمر، دفع العدو قبل انتياب العدو في
ديارهم؛ حتى لا يبقى للمسلمين طرف إلا وفيه من يقوم بحرب من يليه من
المشركين، وإن قدر على أن يكون فيه أكثر فَعَل، ويكون القائم بولايتهم أهل الأمانة والعقل والنصيحة للمسلمين، والعلم بالحرب والنجدة، والأناة والرفق، والإقدام في موضعه، وقلة البطش والعجلة.
стр. 772
قال الله : (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الكلام وصحة اعتقاده فيها) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله جل ذكره: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)
وقال: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) .
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو كان هذا الإيمان كله واحداً لا نقصان فيه ولا
زيادة، لم يكن لأحدٍ فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل، ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله في الجنة، وبالنقصان من الإيمان دخل المُفرِّطُون النار.
قال الشَّافِعِي ﵀: إن الله جل وعز، سَابَق بين عباده كما سُوبِق بين
الخيل يوم الزهان، ثم انهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل امرئ على درجة سَبقِه، لا يُنقصه فيها حقه، ولا يُقَدَّم مسبوق على سابق، ولا مفضول على فاضل، وبذلك فُضل أول هذه الأمة على آخرها، ولو لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه، للحق أخر هذه الأمة بأولها.
стр. 773
قال أحمد بن حنبل ﵀: قد رأيت هذا الجواب عن الإيمان
(لابن عبيد) أبسط من هذا، فإن صحت الحكايتان فيحتمل أن يكون
(أبو عبيد) أخذه عن الشَّافِعِي، ثم زاد في البيان، ويحتمل أن يوافق قولٌ قولاً - والله أعلم -.
* * *
قال الله : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: فكان خيرتهُ ﷺ المصطفى لوحيه، المنتخبُ لرسالته، المفضُّلُ على جميع خلقه، بفتح رحمته، وختم نبوته، وأعمُّ ما أرسل به مرسل قبله، المرفوعُ ذِكرُهُ مع ذِكر في الأولى، والشافع المشفع في الآخرة، أفضلُ خلقه نفْساً، وأجمعُهم لكل خُلُق رضيه في دين ودنيا، وخيرُهم نسباً وداراً، محمد عبده ورسوله، وعرَّفنا وخَلْقَه نِعَمَهُ الخاصةَ، العامةَ النفع في الدين والدنيا.
فقال: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) .
الرسالة (أيضاً) : باب (البيان الخامس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وعرفنا نِعَمَهُ - أي: على رسوله ﷺ بما خَصنا به من مكانه، فقال: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) .
стр. 774
سورة يونس
قال الله : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في آيات متفرقة سوى ما مضى:
قال الشَّافِعِي ﵀: واستنبطت البارحة آيتين - فما أشتهي
باستنباطهما الدنيا وما فيها -: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)
وفي كتاب اللَّه، هذا كثير: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فَتُعَطَّلُ الشفعاء إلا بإذن اللَّه.
* * *
قال الله : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)
الأم: باب (الصوم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه وضع نبيه ﷺ من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه، فالفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقول فيما أنزل
стр. 775
الله عليه إلا بما أنزل عليه، وأنه لا يخالف كتاب اللَّه، وأنه بيَّن عن اللَّه عز وعلا معنى ما أراد الله، وبيان ذلك في كتاب اللَّه : قال اللَّه ﵎: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن
المطلب بن حنطب، أن رسول الله ﷺ قال:
"ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه" الحديث.
الرسالة: ابتداء الناسخ والمنسوخ:
قال الشَّافِعِي ﵀: وأبان اللَّه لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب
بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنَّما هي للكتاب بمثل ما نزل نصاً، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملاً، قال الله :
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) .
فأخبر اللَّه أنه فرض على نبيه اتباع ما يوحى إليه، ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه.
وفي قوله تعالى: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي) الآية.
بيان ما وصفت، من أنه لا ينسخ كتاب اللَّه إلا كتابه، كما كان المبتدئ لفرضه، فهو المزيل المثبت لما شاء منه - جل ثناؤه - ولا يكون ذلك لأحد من خلقه.
следующие страницы →