← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 918

تكملة حاشية ابن عابدين = قرة عيون الأخيار تكملة رد المحتار - ط الفكر

نجل ابن عابدين

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

لرب المَال وَلَيْسَ الامر هُنَا كَذَلِك. قَوْله: (لَا مُضَارَبَة) عطف على بضَاعَة الْمُسَلط عَلَيْهِ الْمَنْفِيّ من عَامله، فَالْمَعْنى لَا يَنْتَفِي الْفساد بدفعها مُضَارَبَة بل تفْسد، لَان نفي النَّفْي إِثْبَات وَقد تبع الْمُؤلف، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهُ مُضَارَبَةً تَفْسُدُ الْأُولَى مَعَ أَن الَّذِي يفْسد هُوَ الثَّانِيَةُ لَا الْأُولَى كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَتَقْيِيدُهُ بِالْبِضَاعَةِ اتِّفَاقِيٌّ، لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى رَبِّ الْمَالِ مُضَارَبَةً لَا تبطل الاولى بل الثَّانِيَة، لَان الْمُضَاربَة بِهِ تَنْعَقِدُ شَرِكَةً عَلَى مَالِ رَبِّ الْمَالِ وَعَمَلِ الْمضَارب وَلَا مَال هُنَا، فَلَو حوزناه يُؤَدِّي إلَى قَلْبِ الْمَوْضُوعِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ بَقِيَ عَمَلُ رَبِّ الْمَالِ بِأَمْرِ الْمُضَارِبِ فَلَا تبطل الاولى كَمَا تقدم عَن الْهِدَايَةِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهَا بِضَاعَةٌ وَإِنْ سُمِّيَتْ مُضَارَبَةً لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِضَاعَةِ هُنَا الِاسْتِعَانَةُ، لِأَنَّ الْإِبْضَاعَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَتَأَتَّى هُنَا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لِلْمُبْضِعِ وَالْعَمَلُ مِنْ الْآخَرِ وَلَا رِبْحَ لِلْعَامِلِ، وَفُهِمَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ جَوَازُ الابضاع كالاجنبي بالاولى، وَمَا وَقع فِي الدُّرَر من أَنه لَا تبطل بِالدفع إِلَى الْمَالِك بضَاعَة أَو مُضَارَبَة فَإِنَّهُ مَحْمُول على مَا ذكرنَا من عدم صِحَة الْمُضَاربَة الثَّانِيَة وإبقاء الاولى. قَوْله: (لما مر) أَي من أَن الشئ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَخَذَهُ) مُحْتَرَزُ قَوْله يدْفع. قَوْله: (أَي الْمَالِك الخ) قَالَ فِي الْمَبْسُوط: وَالْحَاصِل أَن كل تصرف صَار مُسْتَحقّا للْمُضَارب على وَجه لَا يملك رب المَال مَنعه فَرب المَال فِي ذَلِك يكون معينا لَهُ سَوَاء بَاشرهُ بأَمْره أَو بِغَيْر أمره وكل تصرف يتَمَكَّن رب المَال أَن يمْنَع الْمضَارب مِنْهُ فَرب المَال فِي ذَلِك التَّصَرُّف عَامل لنَفسِهِ إِلَّا أَن يكون بِأَمْر الْمضَارب فَحِينَئِذٍ يكون معينا لَهُ. اهـ. منح. قَالَ الرَّمْلِيّ فِي حَاشِيَته عَلَيْهَا: قَوْله وَإِن صَار عرضا الخ، أَقُول: اسْتُفِيدَ من ذَلِك جَوَاز بيع المَال عرُوض الْمُضَاربَة وَهِي وَاقعَة الْفَتْوَى. اهـ. قلت: وينطق بِهِ الْحَاصِل الَّذِي ذكره صَاحب الْمنح لَان هَذَا التَّصَرُّف صَار مُسْتَحقّا للْمُضَارب على وَجه لَا يملك رب المَال مَنعه، فَرب المَال معينا لَهُ بَاشرهُ بأَمْره أَو بِغَيْر أمره، فَإِن بَاشرهُ حَتَّى صَار نَقْدا كَانَ تصرفه بعد ذَلِك لنَفسِهِ، ولتكن على ذكر مِمَّا تقدم أَن النَّقْد إِذا لم يكن من جنس رَأس مَال الْمُضَاربَة يملك الْمضَارب تبديله من جنس رأ س مَال الْمُضَاربَة، فَلَو بدله الْمَالِك كَانَ معينا للْمُضَارب وَلَو بِغَيْر أمره. أما لَو اشْترى الْمَالِك بِنَقْد لَيْسَ من جنس رَأس مَال الْمُضَاربَة هَل يكون ذَلِك للمضاربة أم لنَفسِهِ. يحرر. قَوْله: (ثمَّ إِن بَاعَ بِعرْض) أَي مَا صَار عرضا. قَوْله: (وَإِن بِنَقْد بطلت) قَالَ فِي الْمنح: فَلَو بَاعَ الْعُرُوضَ بِنَقْدٍ ثُمَّ اشْتَرَى عُرُوضًا كَانَ لِلْمُضَارِبِ حِصَّتُهُ مِنْ رِبْحِ الْعُرُوضِ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا بَاعَ الْعُرُوضَ وَصَارَ الْمَالُ نَقْدًا فِي يَدِهِ كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْمُضَارَبَةِ فَشِرَاؤُهُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ بَاعَ الْعرُوض بعروض مِثْلِهَا أَوْ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ وَرَبِحَ كَانَ بَينهمَا على مَا شرطا، لَان رب المَال لَا يتَمَكَّن من نقض الْمُضَاربَة مَا دَامَ المَال عرُوضا اهـ. وَنَقله ط عَن حَاشِيَة الْمَكِّيّ. قَوْله: (لما مر) من أَنه عَامل لنَفسِهِ. قَوْله: (وَإِذا سَافر) أطلق السّفر، فَشَمَلَ السّفر للتِّجَارَة ولطلب الدُّيُون فَيرجع بِمَا أنْفق بِطَلَبِهِ، إِلَّا إِذا زَاد على الدّين فَلَا يرجع بِالزِّيَادَةِ، كَمَا صرح بِهِ فِي الْمُحِيط، وَأطلق عمله فِي الْمصر فَشَمَلَ عمله للتِّجَارَة ولاقتضاء الدُّيُون، وَلَا رُجُوع لَهُ فِي مَاله فِيمَا أنفقهُ فِي الْخُصُومَة كَمَا فِي الْمُحِيط.

стр. 1017

كَذَا فِي الْبَحْر. قَوْلُهُ: وَلَوْ يَوْمًا لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي وُجُوبِ النَّفَقَة حبس نَفسه لاجلها، فَعلم أَن المُرَاد من السّفر هُنَا أَن لَا يُمكنهُ أَن يبيت فِي منزله، وَإِن خرج من الْمصر وَأمكنهُ أَن يعود إِلَيْهِ فِي لَيْلَة فَهُوَ فِي الْمصر لَا نَفَقَة لَهُ. منح. ثمَّ نقل عَن السِّرَاجِيَّة: وَإِذا خرج بنية السّفر قل أَو كثر فنفقته فِي مَال الْمُضَاربَة، إِلَّا إِذا كَانَ يَغْدُو إِلَى بعض نواحي الْمصر اهـ. قَوْله: (فطعامه) وَلَو فَاكِهَة. حموي. أَي مُعْتَادَة وَاللَّحم كَمَا كَانَ يَأْكُل، كَذَا وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف: وَإِنَّمَا لَا تلْزم نَفَقَة غلْمَان الْمَالِك لَان نَفَقَتهم كَنَفَقَة نَفسه، وَهُوَ لَو سَافر مَعَه ليعينه على الْعَمَل فِي مَال الْمُضَاربَة لم يسْتَوْجب نَفَقَة فِي مَال الْمُضَاربَة بِهَذَا السَّبَب، فَكَذَا نَفَقَة غلمانه ودوابه، بِخِلَاف غلْمَان الْمضَارب ودوابه اهـ. مَبْسُوط ط. قَوْله: (وركوبه) أَي فِي الطَّرِيق. شمني. وَكَذَا فرش نَومه. ملتقى وبحر عَن الْمُحِيط. قَوْله: (بِفَتْح الرَّاء) وَيجوز أَن يكون بِالضَّمِّ على أَنه مصدر أُرِيد بِهِ اسْم الْمَفْعُول وَهُوَ الْجَارِي على الالسنة مكي عَن الشلبي، وَكَذَا أُجْرَة خادمه وعلف دَابَّته. وَأما نَفَقَة عبيد الْمَالِك ودوابه لَو سَافر بهم الْمضَارب فعلى الْمَالِك لَا فِي مَال الْمُضَاربَة، وَلَو أنْفق عَلَيْهِم الْمَالِك نَفسه من الْمُضَاربَة كَانَ استردادا لرأس المَال لَا من الرِّبْح اهـ. ط عَن الْحَمَوِيّ. قَوْله: (وَلَو بكرَاء) هَذَا يُفِيد أَن لَهُ أَن يَشْتَرِي دَابَّة للرُّكُوب، فَإِن لم يشتر واكترى لزمَه الْكِرَاء فَلَو قَالَ أَو كراؤه كَانَ أوضح ط. قَوْله: (وَكَانَ مَا يَحْتَاجهُ عَادَة) قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَمن مُؤْنَته الْوَاجِبَة فِيهِ غسل ثِيَابه وَأُجْرَة من يَخْدمه والدهن فِي مَوضِع يحْتَاج إِلَيْهِ كالحجاز وَأُجْرَة الْحمام والحلاق وقص الشَّارِب كل ذَلِك من مَال الْمُضَاربَة، لَان الْعَادة جرت بهَا، ولان نظافة الْبدن وَالثيَاب يُوجب كَثْرَة من يعامله، لَان صَاحب الْوَسخ يعدونه النَّاس من المفاليس فيجتنبون مُعَامَلَته فيطلق لَهُ كل ذَلِك بِالْمَعْرُوفِ، حَتَّى إِذا زَاد يضمن، وَلَو رَجَعَ إِلَى بَلَده وَفِي يَده شئ من النَّفَقَة رده إِلَى مَال الْمُضَاربَة كالحاج عَن الْغَيْر إِذا بَقِي شئ فِي يَده رده على المحجوج عَنهُ أَو على الْوَرَثَة وكالغازي إِذا خرج من دَار الْحَرْب يرد إِلَى الْغَنِيمَة مَا مَعَه من النَّفَقَة، وكالامة إِذا بوأها الْمولى منزلا مَعَ الزَّوْج ثمَّ أخرجهَا إِلَى الْخدمَة وَقد بَقِي شئ من النَّفَقَة فِي يَدهَا استردها الْمولى. وَعَن الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن الدَّوَاء أَيْضا يكون فِي مَال الْمُضَاربَة لانه لَا إصْلَاح دونه وتمكنه من الْعَمَل وَصَارَ كَالنَّفَقَةِ. وَجه الظَّاهِر أَن النَّفَقَة مَعْلُوم وُقُوعهَا وَالْحَاجة إِلَى الدَّوَاء من الْعَوَارِض فَكَانَ موهوما فَلَا يجب كَمَا فِي حق الْمَرْأَة. وَفِي النِّهَايَة: الشَّرِيك إِذا سَافر بِمَال الشّركَة فنفقته فِي ذَلِك المَال، رُوِيَ ذَلِك عَن مُحَمَّد. قَالَ فِي التاترخانية نقلا عَن الْخَانِية: قَالَ مُحَمَّد: هَذَا اسْتِحْسَان اهـ: أَيْ وُجُوبُ نَفَقَتِهِ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ، وَحَيْثُ علمت أَنه اسْتِحْسَان فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ إلَّا فِي مَسَائِلَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا. ذكره الْخَيْر الرَّمْلِيّ. وَذكر فِي الْكَافِي بَعْدَمَا ذكر وجوب النَّفَقَة للْمُضَارب فَقَالَ: بِخِلَاف الشَّرِيك لانه لم يجر التعارف أَن الشَّرِيك الْعَالم ينْفق عَن نَفسه من مَال الشَّرِيك الآخر اهـ. قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة نقلا عَن الْبَزَّازِيَّة: وَكَذَا لَهُ الخضاب وَأكل الْفَاكِهَة كعادة التُّجَّار اهـ. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) فَإِن جَاوز الْمَعْرُوف ضمن الْفضل كَمَا سَيَأْتِي. قَوْله: (فِي مَالهَا) سَوَاء كَانَ المَال قَلِيلا أَو كثيرا. حموي. لَان النَّفَقَة تجب جَزَاء الاحتباس كَنَفَقَة القَاضِي وَالْمَرْأَة وَالْمُضَارب فِي الْمصر سَاكن بالسكن الاصلي، وَإِذا سَافر صَار مَحْبُوسًا بالمضاربة فَيسْتَحق النَّفَقَة قيد بالمضارب لَان الاجير وَالْوَكِيل والمستبضع لَا نَفَقَة لَهُم

стр. 1018

مُطلقًا، لَان الاجير يسْتَحق الْبَدَل لَا محَالة وَالْوَكِيل والمستبضع متبرعان، وَكَذَا الشَّرِيك إِذا سَافر بِمَال الشّركَة لَا نَفَقَة لَهُ ظَاهر الرِّوَايَة، وَفِي الِاسْتِحْسَان: لَهُ النَّفَقَة كَمَا علمت، وَسَيَأْتِي. قَوْله: (لَا فَاسِدَة) كَنَفَقَة الْمضَارب فِيهَا من مَال نَفسه. منح. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَجِيرٌ) أَيْ فِي الْفَاسِدَةِ. قَوْلُهُ: (كمستبضع ووكيل) فهما متبرعان. وَفِي الاتقاني: لَا نَفَقَة للمستبضع فِي مَال البضاعة لانه مُتَطَوّع فِيهَا إِلَّا أَن يكون أذن لَهُ فِيهَا اهـ. قَوْله: (وَفِي الاخير خلاف) قَالَ فِي الْمنح: وَكَذَا الشَّرِيك إِذا سَافر بِمَال الشّركَة لَا نَفَقَة لَهُ لانه لم يجز التعارف بِهِ. ذكره النَّسَفِيّ فِي كافيه. وَصرح فِي النِّهَايَة بِوُجُوبِهَا فِي مَال الشّركَة اهـ. وَكَأَنَّهُ حبس نَفسه للمالين فَتكون النَّفَقَة على قدرهما، وَقدمنَا قَرِيبا أَن الْوُجُوب اسْتِحْسَان وَأَن الْعَمَل عَلَيْهِ هُنَا. لَكِن فِي ابْن ملك مَا يُفِيد أَن الْمُعْتَمد عدم الْوُجُوب فَإِنَّهُ نقل الْوُجُوب رِوَايَة عَن مُحَمَّد فَقَط. فَالْحَاصِل: أَن الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى الْوُجُوب لَا سِيمَا وَقد أفتى بِهِ فِي الحامدية وَأقرهُ سَيِّدي المرحوم الْوَالِد فِي تنقيحه على أَن الْعرف الْآن عَلَيْهِ فاغتنمه. قَوْله: (وَإِن عمل فِي الْمصر الخ) لانه لم يحبس نَفسه لاجل الْمُضَاربَة بل هُوَ سَاكن بالسكن الاصلي كَمَا قدمْنَاهُ قَرِيبا. قَوْله: (كدوائه على الظَّاهِر) أَي ظَاهر الرِّوَايَة: يَعْنِي إِذا مرض كَانَ دواؤه من مَاله مُطلقًا: أَي فِي السّفر والحضر، لانه قد يمرض وَقد لَا يمرض فَلَا يكون من جملَة النَّفَقَة برهَان وَغَيره. وَعَن أبي حنيفَة أَن الدَّوَاء فِي مَال الْمُضَاربَة لانه لاصلاح بدن، وَكَذَلِكَ النورة والدهن فِي قَوْلهمَا خلافًا لمُحَمد فِي الدّهن. وَفِي سري الدّين عَن الْمَبْسُوط: الْحجامَة والكحل كالدواء اهـ. قَوْله: (فَلهُ النَّفَقَة) فَلَوْ أَخَذَ مَالًا بِالْكُوفَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ قَدِمَ الْكُوفَةَ مُسَافِرًا فَلَا نَفَقَةَ فِي الْمَالِ مَا دَامَ فِي الْكُوفَةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا مُسَافِرًا فَلَهُ النَّفَقَةُ حَتَّى يَأْتِيَ الْبَصْرَة لانه خُرُوج لِأَجْلِ الْمَالِ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْ الْمَالِ مَا دَامَ بِالْبَصْرَةِ، لِأَنَّ الْبَصْرَةَ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ لَهُ فَكَانَتْ إقَامَتُهُ فِيهِ لِأَجْلِ الْوَطَنِ لَا لِأَجْلِ الْمَالِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ الْمَالِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ الْكُوفَةَ، لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الْبَصْرَةِ لِأَجْلِ الْمَالِ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ أَيْضًا مَا أَقَامَ بِالْكُوفَةِ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْبَصْرَةِ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ كَانَ وَطن إِقَامَة وَأَنه يُبطلهُ بِالسَّفرِ الخ. قَوْله: (مَا لم يَأْخُذ مَالا) هَذِه الْعبارَة تفِيد أَنه إِذا أَخذ مَالا غير مَال الْمُضَاربَة بِأَن تَركه فِي بَلَده وسافر بِمَال آخر وَأقَام بِالْكُوفَةِ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَة لَهُ بِدَلِيل الْمُقَابلَة وَالتَّعْلِيل، وَلَيْسَ الامر كَذَلِك، وَكَأَنَّهُ فهم ذَلِك من قَوْله الْمنح: فَلَوْ أَخَذَ مَالًا بِالْكُوفَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ قَدِمَ الْكُوفَةَ مُسَافِرًا فَلَا نَفَقَةَ لَهُ. اهـ. وَالْمَقْصُود من هَذِه الْعبارَة هُوَ مَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمِصْرٍ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ دَارًا فَلَهُ النَّفَقَةُ، إلَّا إذَا كَانَ قَدْ أَخَذَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مَا دَامَ فِيهِ، وَيدل لَهُ مَا فِي الْمَبْسُوط: وَلَو دفع المَال إِلَيْهِ مُضَارَبَة وهما بِالْكُوفَةِ وَلَيْسَت الْكُوفَة بوطن للْمُضَارب لم ينْفق على نَفسه من المَال مَا دَامَ بِالْكُوفَةِ، لَان إِقَامَته فِيهَا لَيست للمضاربة فَلَا يسْتَوْجب النَّفَقَة مَا لم يخرج مِنْهَا، فَإِن خرج مِنْهَا إِلَى وَطنه ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فِي تِجَارَة أنْفق فِي الْكُوفَة من مَال الْمُضَاربَة، لَان وَطنه بهَا كَانَ مستعارا وَقد انْتقض بِالسَّفرِ فرجوعه بعد ذَلِك إِلَى الْكُوفَة وذهابه إِلَى مصر آخر سَوَاء. مكي. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَلَوْ أَخَذَ مَالًا بِالْكُوفَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ قَدِمَ الْكُوفَةَ مُسَافِرًا فَلَا نَفَقَةَ لَهُ

стр. 1019

فِي المَال مَا دَامَ بِالْكُوفَةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا مُسَافِرًا فَلَهُ النَّفَقَةُ حَتَّى يَأْتِيَ الْبَصْرَةَ لِأَنَّ خُرُوجُهُ لِأَجْلِ الْمَالِ وَلَا يُنْفِقُ مِنْ الْمَالِ مَا دَامَ بِالْبَصْرَةِ، لِأَنَّ الْبَصْرَة وَطن أُصَلِّي لَهُ فَكَانَ إقَامَتُهُ فِيهِ لِأَجْلِ الْوَطَنِ لَا لِأَجْلِ الْمَالِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ الْمَالِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ الْكُوفَةَ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الْبَصْرَةِ لِأَجْلِ الْمَالِ وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ أَيْضًا مَا أَقَامَ بِالْكُوفَةِ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْبَصْرَةِ، لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ كَانَ وَطَنَ إقَامَةٍ وَأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالسَّفَرِ، فَإِذَا عَادَ إلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُ بهَا وَطن فَكَأَن إقَامَتُهُ فِيهَا لِأَجْلِ الْمَالِ. كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ اهـ وَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنه لَو كَانَ لَهُ وَطن فِي الْكُوفَة أَيْضًا لَيْسَ لَهُ الْإِنْفَاقُ إلَّا فِي الطَّرِيقِ، وَرَأَيْت التَّصْرِيح بِهِ فِي التاترخانية من الْخَامِس. وَالْحَاصِل: أَنه إِذا أَخَذَ مَالًا بِالْكُوفَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ قدم الْكُوفَة مُسَافِرًا قبل ذَلِك فَلَا نَفَقَة لَهُ مَا دَامَ بهَا حَتَّى يرتحل عَنْهَا، وَعَلِيهِ فَلَا يخفى مِمَّا فِي كَلَام الشَّارِح من الايجاز الملحق بالالغاز. أَقُول: وَحقّ الْعبارَة هَكَذَا: مَا لم يَأْخُذ مَالهَا فِيهِ لانه لم يحبس بِهِ، ويفيد بمفهومه أَنه إِذا احْتبسَ بِأَن سَافر من الْبَلدة الَّتِي أَخذ المَال فِيهَا ثمَّ عَاد بِالْمَالِ إِلَيْهَا كَانَ لَهُ النَّفَقَة لانه احْتبسَ بِهِ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: (أَوْ خَلَطَ إلَخْ) أَوْ بِعُرْفٍ شَائِعٍ كَمَا قدمنَا أَنه لَا يضمن بِهِ. قَوْله: (بِإِذن) أَي تصير شَرِكَةَ مِلْكٍ فَلَا تُنَافِي الْمُضَارَبَةَ وَنَظِيرُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا نِصْفُهَا قَرْضٌ وَنِصْفُهَا مُضَارَبَةٌ صَحَّ وَلِكُلِّ نِصْفٍ حُكْمُ نَفْسِهِ اهـ. مَعَ أَن المَال مشترط شَرِكَةَ مِلْكٍ فَلَمْ يَضْمَنْ الْمُضَارَبَةَ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْكَافِي مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّرِيكِ نَفَقَةٌ، فَافْهَمْ. قَوْله: (أَو بمالين لِرجلَيْنِ) هَذَا مَخْصُوص بِأَن لَا يكون المَال الآخر بضَاعَة. قَالَ فِي الْمُحِيط البرهاني: وَلَو كَانَ أَحدهمَا بضَاعَة فنفقته فِي الْمُضَارَبَةِ، إلَّا أَنْ يَتَفَرَّغَ لِلْعَمَلِ فِي الْبِضَاعَةِ فَفِي مَاله إِلَّا أَن يَأْذَن لَهُ المستبضع بِالنَّفَقَةِ مِنْهَا لانه مُتَبَرّع. تاترخانية فِي الْخَامِس عشر فِيهَا من الْعَتَّابِيَّةِ: وَلَوْ رَجَعَ الْمُضَارِبُ مِنْ سَفَرِهِ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الرَّقِيقِ، وَكَذَا بَعْدَ النَّهْيِ، وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ يَنْهَاهُ وَقَدْ صَارَ الْمَالُ نَقْدًا لَمْ يُنْفِقْ فِي رُجُوعِهِ اهـ. قَوْله: (رد مَا بَقِي) أَي لَو ميز مَالا للنَّفَقَة فأنفق بعضه وَبَقِي مِنْهُ شئ حِين قدم مصره رد مَا بَقِي إِلَى الْمُضَاربَة لَان الِاسْتِحْقَاق أَمر يَنْتَهِي بانتهاء السّفر. رَحْمَتي عَن ابْن ملك. وَالظَّاهِر أَنه يرد مَا زَاد عَنهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ للنَّفَقَة من كسْوَة وَطَعَام عِنْد انْتِهَاء السّفر. قَوْله: (وَلَو أنْفق من مَاله) أَو اسْتَدَانَ على الْمُضَاربَة للنَّفَقَة. بَحر. وَهَذَا يُفِيد أَن قَوْلهم لَا يملك الِاسْتِدَانَة مُقَيّد بِغَيْر النَّفَقَة. قَوْله: (لَهُ ذَلِك) وَكَذَا لَو اسْتَدَانَ على الْمُضَاربَة للنَّفَقَة، لَان التَّدْبِير فِي الانفاق إِلَيْهِ كالوصي إِذا أنْفق من مَال نَفسه على الصَّغِير اهـ. قَوْله: (وَلَو هلك) أَي مَال الْمُضَاربَة قبل أَن يرجع. قَوْله: (لم يرجع على الْمَالِك) لفَوَات مَحل النَّفَقَة. بَحر. قَوْله: (وَيَأْخُذ الخ) أَي أَن الْمَالِك يَأْخُذ المَال الَّذِي أنفقهُ الْمضَارب من رَأس المَال من المَال الَّذِي جَاءَ بِهِ الْمضَارب، فَإِذا استوفى رب المَال رَأس مَاله الَّذِي دَفعه إِلَى الْمضَارب بِمَا اشْترى بِهِ البضاعة وَمَا أنفقهُ وَفضل شئ اقتسماه، وَإِن لم يظْهر ربح فَلَا شئ على الْمضَارب عوضا عَمَّا أنفقهُ على نَفسه. قَوْله: (من رَأس المَال) مُتَعَلق بأنفق.

стр. 1020

قَالَ فِي الْبَحْر: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمضَارب لَهُ أَن ينْفق على نَفسه من مَال الْمُضَاربَة قبل الرِّبْح اهـ. قيد بِالنَّفَقَةِ لانه لَو كَانَ فِي المَال دين غَيرهَا قدم إيفاؤه على رَأس المَال كَمَا فِي الْمنح. وَفِي الْبَحْر أَيْضا: وَأطلق الْمضَارب ليُفِيد أَنه لَا فرق بَين الْمضَارب ومضاربه إِذا كَانَ أذن لَهُ فِي الْمُضَاربَة وَإِلَّا فَلَا نَفَقَة للثَّانِي. قَوْله: (إِن كَانَ ثمَّة ربح) الاوضح أَن يَقُول: من الرِّبْح إِن كَانَ ثمَّة ربح. قَوْله: (وَإِن لم يظْهر ربح فَلَا شئ عَلَيْهِ) أَي على الْمضَارب عوضا عَمَّا أنفقهُ على نَفسه. وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ لَهُ أَلْفًا مَثَلًا فَأَنْفَقَ الْمُضَارِبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مِائَةً وَرَبِحَ مِائَةً يَأْخُذُ الْمَالِكُ الْمِائَةَ الرِّبْحَ بَدَلَ الْمِائَةِ الَّتِي أَنْفَقَهَا الْمُضَارِبُ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَالِكُ جَمِيعَ رَأْسِ مَالِهِ، فَلَوْ كَانَ الرِّبْحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِائَتَيْنِ يَأْخُذُ مِائَةً بَدَلَ النَّفَقَةِ وَيَقْتَسِمَانِ الْمِائَة الثَّانِيَة بَينهمَا على مَا شرطاه فَتكون النَّفَقَة مصروفة إِلَى الرِّبْح وَلَا تكون مصروفة رَأس المَال، لَان رَأس المَال أصل وَالرِّبْح تبع فَلَا يسلم لَهما التبع حَتَّى يسلم لرب المَال الاصل. عَيْني. قَوْله: (حسب مَا أنْفق الخ) وَفِي الْكَافِي: شرى بِالْمَالِ ثيابًا وَهُوَ ألف واستقرض مائَة للْحَمْل رابح بِأَلف وَمِائَة عِنْد الامام وَعِنْدَهُمَا على مائَة فَقَط، وَلَو بَاعهَا بِأَلفَيْنِ قسم على أحد عشر جُزْءا سهم لَهُ وَالْعشرَة للمضاربة. قَوْلُهُ: (مِنْ الْحُمْلَانِ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَالْحُمْلَانُ بِالضَّمِّ الْحِمْلُ مَصْدَرُ حَمَلَهُ، وَالْحُمْلَانُ أَيْضًا أَجْرُ مَا يُحْمَلُ اهـ. وَهُوَ الْمُرَادُ ط. قَوْله: (وَأُجْرَة السمسار) هُوَ تكْرَار مَعَ مَا تقدم فِي الْمَتْن. قَوْله: (وَكَذَا يَضُمُّ إلَى رَأْسِ الْمَالِ مَا يُوجِبُ زِيَادَة) لانها بِالزِّيَادَةِ عَن الثّمن صَارَت كَالثّمنِ. زَيْلَعِيّ وَهُوَ مستغني عَنهُ بِمَا قبله ط. قَوْله: (حَقِيقَة) كالصبغ والخياطة وَكِسْوَة الْمَبِيع وَغَيره. قَوْله: (أَو حكما) كالقصارة وَحمل الطَّعَام وسوق الْغنم وَسقي الزَّرْع وَغَيره. قَوْله: (وَهَذَا هُوَ الاصل نِهَايَة) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا مر فِي بَاب الْمُرَابَحَة بقوله: وَضَابِطُهُ كُلُّ مَا يَزِيدُ فِي الْمَبِيعِ أَوْ فِي قِيمَته يضم، وَاعْتمد الْعَيْنِيّ عَادَة التُّجَّار بِالضَّمِّ، فَإِذا جرت الْعَادة بِضَم ذَلِك يضم. قَوْله: (على نَفسه) أَي فِي السّفر فِي الاقامة أولى. قَوْله: (لعدم الزِّيَادَة وَالْعَادَة) لما كَانَ فِي عبارَة الْمنح مَا يشْعر بِأَن بعض النَّفَقَة تكون سبا لزِيَادَة الثّمن لَكِن لم تجر الْعَادة بضَمهَا، وَهَذَا الْبَحْث يتَعَلَّق بِبَاب الْمُرَابَحَة وَقد تقدم تَحْقِيقه، وعَلى كل فَهُوَ تكْرَار مَعَ مَا فِي الْمَتْن، والاولى التَّمْثِيل بِمَا يَأْخُذهُ العشار. قَوْله: (بزا) قَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ: الْبَزُّ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ثِيَابُ الْكَتَّانِ أَوْ الْقُطْنِ لَا ثِيَابُ الصُّوفِ أَو الْخَزّ. منح عَن الْمغرب. وَقيل هُوَ مَتَاع الْبَيْت. ذكره مِسْكين. قَوْله: (أَي ثيابًا) أطلقهُ إِشَارَة إِلَى أَن الحكم غير مُقَيّد بِحَقِيقَة الْبَز الَّتِي هِيَ الْكَتَّان أَو الْقطن أَو مَتَاع الْبَيْت. قَوْله: (فضاعا) أَي

стр. 1021

الالفان هلكا فِي يَده من غير تَقْصِير مِنْهُ برهَان. قَوْله: (غرم الْمضَارب ربعهما) لَان المَال لما صَار أَلفَيْنِ ظهر الرِّبْح فِي المَال وَهُوَ ألف وَكَانَ بَينهمَا نِصْفَيْنِ فَيُصِيب الْمضَارب مِنْهُ خَمْسمِائَة، فَإِذا اشْترى بالالفين عبدا صَار مُشْتَركا بَينهمَا فربعه للْمُضَارب وَثَلَاثَة أَرْبَاعه لرب المَال، ثمَّ إِذا ضَاعَ الالفان قبل النَّقْد كَانَ عَلَيْهِمَا ضَمَان العَبْد على قدر ملكهمَا فِي العَبْد، فربعه على الْمضَارب وَهُوَ خَمْسمِائَة وَثَلَاثَة أَرْبَاعه على رب المَال وَهُوَ ألف وَخَمْسمِائة. منح. وَهُوَ مُشكل لَان مَال الْمُضَاربَة فِي يَده أَمَانَة وَمَا شراه إِنَّمَا شراه للمضاربة أَلا يرى أَنه بعد اقتسام الرِّبْح قبل فسخ الْمُضَاربَة لَو وَقع خسران يسْتَردّ مِنْهُ الرِّبْح، فَعلمنَا أَن الرِّبْح لم يملكهُ بِمُجَرَّد حُصُوله وَلم يَقع الشِّرَاء لَهُ، فَلْيتَأَمَّل وَجهه. قَوْله: (وَغرم الْمَالِك الْبَاقِي) وَلَكِنْ الْأَلْفَانِ يَجِبَانِ جَمِيعًا لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُضَارِبِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُضَارِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، لِأَنَّ الْمُضَارِبَ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ وَأَحْكَامُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَيْهِ. أَتْقَانِيٌّ. قَوْلُهُ: (لِكَوْنِهِ مَضْمُونا) عِلّة. لقَوْله: خَارِجا عَن الْمُضَاربَة أَيْ بَيْنَ الضَّمَانِ الْمَفْهُومِ مِنْ مَضْمُونٍ وَبَيْنَ الامانة. قَوْله: (وَبَاقِيه لَهَا) لِأَنَّ ضَمَانَ رَبِّ الْمَالِ لَا يُنَافِي الْمُضَاربَة. قَوْله: (وَلَو بيع العَبْد) أَي وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا. قَوْله: (فحصتها ثَلَاثَة آلَاف) ثمن ثَلَاثَة أَربَاع العَبْد. قوبه: (لِأَنَّ رُبْعَهُ) أَيْ رُبْعَ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِلْمُضَارِبِ كَمَا تقدم قَوْلُهُ: (بَيْنَهُمَا) أَيْ وَالْأَلْفُ يَخْتَصُّ بِهَا الْمُضَارِبُ كَمَا مر. قَوْله: (وَلَوْ شَرَى مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ عَبْدًا) أَيْ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَالثَّمَنُ وَالْقِيمَةُ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لانه لَو كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ بِأَنْ اشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ عَبْدًا بِأَلْفٍ قِيمَتُهُ أَلْفَانِ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ الْمُضَارِبِ بِأَلْفَيْنِ بعد مَا عَمِلَ الْمُضَارِبُ فِي أَلْفِ الْمُضَارَبَةِ وَرَبِحَ فِيهَا ألفا فَإِنَّهُ يَبِيعهُ مُرَابحَة على ألف وَخَمْسمِائة حِصَّة الْمضَارب: أما لَو كَانَ مَال الْمُضَاربَة أَلفَيْنِ فَهِيَ كالمسألة الاولى وَكَذَا إِذا كَانَ فِي قيمَة الْمَبِيع فضل دُونَ الثَّمَنِ بِأَنْ كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فَاشْتَرَاهُ رَبُّ الْمَالِ بِأَلْفٍ وَبَاعَهُ مِنْ الْمضَارب بِأَلف يَبِيعهُ الْمضَارب مُرَابحَة عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَكَذَا عَكْسُهُ بِأَنْ شَرَى عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ مِنْهُ بِأَلْفٍ. فَالْمَسْأَلَةُ رُبَاعِيَّةٌ: قِسْمَانِ لَا يُرَابِحُ فِيهِمَا إلَّا عَلَى مَا اشْترى رَبُّ الْمَالِ، وَهُمَا إذَا كَانَ لَا فَضْلَ فيهمَا أَو لَا فضل فِي قيمَة الْمَبِيع فَقَط. وقسمان يرابح عَلَيْهِ وعَلى حِصَّة الْمضَارب، وهما إِذا كَانَ فيهمَا فضل أَو فِي قيمَة الْمَبِيع فَقَط، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ رَبَّ الْمَالِ، فَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبَ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي. وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ. قَوْله: (شراه رب المَال بِنصفِهِ) صفة عبد. قَوْله: (رابح بِنصفِهِ) جَوَاب شراه، أَي فَلَا يجوز أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة على ألف لَان بَيْعه من الْمضَارب كَبَيْعِهِ من نَفسه لانه وَكيله فَيكون بيع مَاله بِمَالِه فَيكون كَالْمَعْدُومِ وَهُوَ لَا يجوز. وَفِي حَاشِيَة الشلبي: لَان عقد الْمُرَابَحَة عقد أَمَانَة فَيجب تنزيهه عَن الْخِيَانَة وَعَن شُبْهَة الْخِيَانَة، وَالْعقد الاول وَقع لرب المَال وَالثَّانِي كَذَلِك، لَان شِرَاء الْمضَارب لَا يخرج عَن ملك رب المَال إِلَّا أَنه صَحَّ العقد لزِيَادَة فَائِدَة وَهِي ثُبُوت الْيَد وَالتَّصَرُّف للْمُضَارب فَبَقيَ شُبْهَة عدم وُقُوع العقد الثَّانِي فبيعه

стр. 1022

مُرَابحَة على الثّمن الاول وَذَلِكَ خَمْسمِائَة. قَوْلُهُ: (وَكَذَا عَكْسُهُ) وَهُوَ مَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ الْمُضَارِبَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا بِأَنْ شَرَى رَبُّ الْمَالِ بِأَلْفٍ عَبْدًا شَرَاهُ الْمُضَارِبُ بِنِصْفِهِ وَرَأْسُ المَال ألف فَإِنَّهُ يرابح بِنصفِهِ: أَي يَبِيعهُ مُرَابحَة على خَمْسمِائَة، لَان البيع الْجَارِي بَينهمَا كَالْمَعْدُومِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ كَالثَّمَنِ لَا فَضْلَ فِيهِمَا، وَمِثْلُهُ لَوْ الْفَضْلُ فِي الْقِيمَةِ فَقَطْ. أَمَّا لَوْ كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ أَوْ فِي الثَّمَنِ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُرَابِحُ عَلَى مَا اشْتَرَى بِهِ الْمُضَارِبُ وَحِصَّة الْمضَارب، وَبِه علم أَنه الْمَسْأَلَةَ رُبَاعِيَّةٌ أَيْضًا. وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ عُلِمَ جَوَازُ شِرَاءِ الْمَالِكِ مِنْ الْمُضَارِبِ وَعَكسه) أما شِرَاء الْمَالِك من الْمضَارب مَال الْمُضَاربَة فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مَال الْمَالِك لكنه لَا يملك التَّصَرُّف فِيهِ بعد صَيْرُورَته عرضا، وَصِحَّة العقد تحْتَمل حُصُول الثَّمَرَة وَقد حصلت بِملكه التَّصَرُّف. وَأما شِرَاء الْمضَارب من رب المَال فَهُوَ صَحِيح، لَان مَا شراه لَا يملك فِيهِ الْعين وَلَا التَّصَرُّف، وَهُوَ وَإِن شراه للْمَالِك لانه وَكيل عَنهُ، لَكِن فِي شِرَائِهِ فَائِدَة وَهُوَ حُصُول الرِّبْح لَهُ. وَفِيه فَائِدَة للْمَالِك أَيْضا لانه رُبمَا يعجز عَن بَيْعه بِنَفسِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَرَى) أَيْ مَنْ مَعَهُ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ كَمَا قُيِّدَ بِهِ فِي الْكَنْزِ. قَوْلُهُ: (لِخُرُوجِهِ عَن الْمُضَاربَة بِالْفِدَاءِ) لَان الْفِدَاء مُؤنَة الْملك فيتقدر بِقَدرِهِ، فَإِذا فدياه خرج العَبْد كُله عَن الْمُضَاربَة. أما نصيب الْمضَارب فَإِنَّهُ صَار مَضْمُونا عَلَيْهِ. وَأما نصيب رب المَال فبقضاء القَاضِي بانقسام الْفِدَاء عَلَيْهِمَا، لَان قَضَاءَهُ بِالْفِدَاءِ يتَضَمَّن قسْمَة العَبْد بَينهمَا لَان الْخطاب بِالْفِدَاءِ يُوجب سَلامَة المفدي وَلَا سَلامَة إِلَّا بِالْقِسْمَةِ. زَيْلَعِيّ. قَالَ فِي الْبَحْر: لَان الْفِدَاء مُؤنَة الْملك وَقد كَانَ الْملك بَينهمَا أَربَاعًا لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْمَالُ عَيْنًا وَاحِدًا ظَهَرَ الرِّبْحُ وَهُوَ أَلْفٌ بَيْنَهُمَا وَأَلْفٌ لِرَبِّ الْمَالِ، فَإِذَا فَدَيَاهُ خَرَجَ عَنْ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمُضَارِبِ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَنَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ صَارَ لَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالْفِدَاءِ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا خَرَجَ عَنْهَا بِالدَّفْعِ أَوْ بِالْفِدَاءِ غَرِمَا عَلَى قدر ملكهمَا. اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ حَيْثُ لَا يخرج هُنَاكَ مَا خَصَّ رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْمُضَارَبَةِ، وَهُنَا يخرج لَان الْوَاجِب هُنَا ضَمَانُ التِّجَارَةِ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْمُضَارَبَةَ، وَهُنَا ضَمَانُ الْجِنَايَةِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ فِي شئ فَلَا يَبْقَى عَلَى الْمُضَارَبَةِ. كِفَايَةٌ. قَوْلُهُ: (كَمَا مَرَّ) أَيْ قَرِيبًا مِنْ أَنَّ ضَمَانَ الْمُضَارِبِ يُنَافِي الْمُضَاربَة. قَوْلُهُ: (وَلَوْ اخْتَارَ الْمَالِكُ الدَّفْعَ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: قُيِّدَ بِقَوْلِهِ قِيمَتُهُ أَلْفَانِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا فَتَدْبِيرُ الْجِنَايَةِ إلَى رَبِّ الْمَالِ، لِأَنَّ الرَّقَبَةَ عَلَى مِلْكِهِ لَا مِلْكَ لِلْمُضَارِبِ فِيهَا، فَإِنْ اخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ الدَّفْعَ وَالْمُضَارِبُ الْفِدَاءَ مَعَ ذَلِكَ فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَسْتَبْقِي بِالْفِدَاءِ مَالَ الْمُضَارَبَةِ وَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الرِّبْحَ يُتَوَهَّمُ. كَذَا فِي الْإِيضَاحِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. وَلَا يَخْفَى أَن الرِّبْح فِي مَسْأَلَة المُصَنّف مُحَقَّقٌ، بِخِلَافِ هَذِهِ فَقَدْ عَلَّلَ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْخِيَارِ لِكَوْنِ الْعَبْدِ مُشْتَرَكًا، يدل عَلَيْهِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَيَكُونُ الْخِيَارُ لَهُمَا جَمِيعًا إِن شَاءَ فديا وَإِن شَاءَ دفعا، فَتَأمل. اهـ.

стр. 1023

أَقُول: لَكِن صدر عبارَة الْبَحْر يُنَافِي آخرهَا، وَلَعَلَّهُمَا قَولَانِ: الاول: أَن الْخِيَار لرب المَال لَان العَبْد ملكه وَحده. وَالثَّانِي: أَن الْخِيَار للمضاربة لتوهم الرِّبْح ولاستبقاء الْمُضَاربَة. ثمَّ لَا تنَافِي بَين قَوْله هُنَا لاستبقاء الْمُضَاربَة وَقَول الشَّارِح فِيمَا مر أَنه يخرج عَن الْمُضَاربَة بِالْفِدَاءِ لَان مَا مر فِيهِ للْمُضَارب ربح فضمن قدر ربحه من الْفِدَاء وَالضَّمان يُنَافِي الْمُضَاربَة، بِخِلَاف مَا هُنَا. تَأمل. وَفِي الْبَحْر قَالَ: ثمَّ اعْلَم أَن العَبْد مُشْتَرك فِي الْمُضَاربَة إِذْ جنى خطأ لَا يدْفع بهَا حَتَّى يحضر الْمضَارب وَرب المَال، سَوَاء كَانَ الارش مثل قيمَة العَبْد أَو أقل أَو أَكثر، وَكَذَا لَو كَانَت قِيمَته ألفا لَا غير لَا يدْفع إِلَّا بحضرتهما، لَان الْمضَارب لَهُ فِيهِ حق ملك حَتَّى لَيْسَ لرب المَال أَن يَأْخُذهُ ويمنعه من بَيْعه كالمرهون إِذا جنى خطأ لَا يدْفع إِلَّا بِحَضْرَة الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن. وَالْحَاصِل: أَنه يشْتَرط حَضْرَة رب المَال وَالْمُضَارب للدَّفْع دون الْفِدَاء، إِلَّا إِذا أَبى الْمضَارب الدّفع وَالْفِدَاء وَقِيمَته مثل رَأس المَال فلرب المَال دَفعه لتعنته، فَإِن كَانَ أَحدهمَا غَائِبا وَقِيمَة العَبْد ألف دِرْهَم فَفَدَاهُ الْحَاضِر كَانَ مُتَطَوعا لانه أدّى دين غَيره بِغَيْر أمره وَهُوَ غير مُضْطَر فِيهِ، فَإِنَّهُ لَو أَقَامَ بَيِّنَة على الشّركَة لَا يُطَالب بِحِصَّة صَاحبه لَا بِالدفع وَلَا بِالْفِدَاءِ. كَذَا فِي النِّهَايَة. وَذكر قاضيخان أَن الْمضَارب لَيْسَ لَهُ الدّفع وَالْفِدَاء وَحده لانه لَيْسَ من أَحْكَام الْمُضَاربَة، فَلِذَا كَانَ إِلَيْهِمَا. اهـ. قَالَ الْمَقْدِسِي: وَلَو اخْتَار الْمضَارب وَحده الدفاع دفع حِصَّته وَالْمَالِك مُخَيّر فِي الْبَاقِي بَين الدّفع وَالْفِدَاء اهـ. قَوْله: (اشْترى) أَي الْمضَارب. قَوْله: (ثمَّ وَثمّ) فِيهِ حذف الْمَعْطُوف وَدخُول العاطف على مثله. حموي. قَوْله: (وَرَأس المَال جَمِيع مَا دفع) يَعْنِي لَا يكون للْمُضَارب شئ من الرِّبْح حَتَّى يصل رب المَال إِلَى جَمِيع مَا أوصله الْمضَارب على أَنه ثمن. أما إِذا أَرَادَ الْمضَارب أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة لَا يرابح إِلَّا على ألف كَمَا تقدم اهـ شلبي. قَوْله: (بِخِلَاف الْوَكِيل) إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ، ثمَّ هلك بعد الشِّرَاء فَإِنَّهُ لَا يرجع إِلَّا مرّة لانه أمكن جعله مُسْتَوْفيا لَان الْوكَالَة تجامع الضَّمَان كَالْغَاصِبِ إِذا وكل بِبيع الْمَغْصُوب ثمَّ فِي الْوكَالَة فِي هَذِه الصُّورَة يرجع مرّة. وَفِيمَا إِذا اشْترى ثمَّ دفع الْمُوكل إِلَيْهِ المَال فَهَلَك بعده لَا يرجع لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَجعل مُسْتَوْفيا بِالْقَبْضِ بعده. أما الْمَدْفُوع إِلَيْهِ قبل الشِّرَاء أَمَانَة فِي يَده وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْأَمَانَةِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفيا فَإِذا هلك يرجع عَلَيْهِ مرّة ثمَّ لَا يرجع لوُقُوع الِاسْتِيفَاء. بَحر. وَالْحَاصِل: أَن الْوَكِيل إِذا قبض الثّمن بعد الشِّرَاء ثمَّ هلك فَإِنَّهُ لَا يرجع لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَجعل مُسْتَوْفيا بِالْقَبْضِ بعده. وَأما لَو دفع إِلَيْهِ قبل الشِّرَاء فَهَلَك بعد الشِّرَاء يرجع مرّة، لَان الْمَدْفُوع إِلَيْهِ قبل أَمَانَة فِي يَده وَهُوَ قَائِم على الامانة بعده، فَإِذا هلك يرجع عَلَيْهِ مرّة ثمَّ لَا يرجع لوُقُوع الِاسْتِيفَاء. أَفَادَهُ المُصَنّف. قَوْله: (لِأَنَّ يَدَهُ ثَانِيًا يَدُ اسْتِيفَاءٍ لَا أَمَانَةٍ) بَيَانُهُ أَنَّ الْمَالَ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ أَمَانَةٌ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ، فَكُلُّ مَا قَبَضَ يكون أَمَانَة وَقبض الْوَكِيل ثَانِيًا اسْتِيفَاء لَان وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ مِثْلُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ للْبَائِع، فَإِذا قَبضه

стр. 1024

صَار مُسْتَوْفيا لَهُ فَصَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَيَهْلَكُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الشِّرَاءِ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ أَصْلًا، لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَجُعِلَ مُسْتَوْفِيًا بِالْقَبْضِ بَعْدَهُ، إذْ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ قَبْلَهُ أَمَانَةٌ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْأَمَانَةِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا، فَإِذَا هَلَكَ يَرْجِعُ مَرَّةً فَقَطْ لِمَا قُلْنَا. قَوْله: (مَعَه) أَي الْمضَارب. قَوْله: (فَالْقَوْل للْمُضَارب) وَقَالَ زفر: القَوْل لرب المَال، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة أَولا، لَان الْمضَارب يَدعِي الرِّبْح وَالشَّرِكَة فِيهِ وَرب المَال يُنكره. فَالْقَوْل قَول الْمُنكر. ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ: القَوْل قَول الْمضَارب، وَهُوَ قَوْلهمَا بِأَن حَاصِل اخْتِلَافهمَا فِي الْمَقْبُوض فَالْقَوْل قَول الْقَابِض فِي مِقْدَار الْمَقْبُوض وَلَو ضمنيا اعْتِبَارا بِمَا لَو أنكرهُ أصلا فَإِن القَوْل لَهُ. قَوْله: (لَان القَوْل فِي مِقْدَار الْمَقْبُوض للقابض) لانه أَحَق بِمَعْرِِفَة مِقْدَار الْمَقْبُوض. قَوْله: (أَمينا) أَي كَالْمُودعِ. قَوْله: (أَو ضمنيا) كَالْغَاصِبِ. قَوْله: (كَمَا لَو أنكرهُ) أَي الْقَبْض أصلا فَالْقَوْل قَوْله. قَوْله: (وَلَو كَانَ الِاخْتِلَاف مَعَ ذَلِك) أَي مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الْمَقْبُوض الِاخْتِلَاف فِي مِقْدَار الرِّبْح، بِأَن قَالَ المَال رب رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَانِ وَشَرَطْتُ لَكَ ثُلُثَ الرِّبْحِ وَقَالَ الْمُضَارِبُ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفٌ وَشَرَطْتَ لِي نصف الرِّبْح كَانَ القَوْل للْمُضَارب فِي قدر رَأس المَال لانه الْقَابِض، وَالْقَوْل لرب المَال فِي مِقْدَار الرِّبْح لانه الْمُنكر للزِّيَادَة، وَهُوَ لَو أنكر اسْتِحْقَاق الرِّبْح عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِأَن ادّعى البضاعة قبل مِنْهُ، فَكَذَا فِي إِنْكَاره الزِّيَادَة. ذكره الزَّيْلَعِيّ. قَوْلُهُ: (فَقَطْ) لَا فِي رَأْسِ الْمَالِ، بَلْ القَوْل فِيهِ للْمُضَارب لانه الْقَابِض كَمَا علمت. قَوْله: (لانه يُسْتَفَاد من جِهَته) أَي من جِهَة رب المَال من حَيْثُ إِن الرِّبْح نَمَاء ملكه. قَوْله: (وَإِن أقاماها الخ) أَي لِأَنَّ بَيِّنَةَ رَبِّ الْمَالِ فِي زِيَادَةِ رَأْسِ المَال أَكثر إِثْبَاتًا، ولان بَيِّنَة الْمُضَارِبِ فِي زِيَادَةِ الرِّبْحِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا وَمِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الصِّفَةِ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ ادَّعَى الْمُضَارَبَةَ وَادَّعَى مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ أَنَّهَا عِنَانٌ وَلَهُ فِي الْمَالِ كَذَا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى، لِأَنَّهَا أَثَبَتَتْ حِصَّةً من المَال وأثبتت الصّفة. أَقُول: لَكِن قد يُقَال: إِن كلتا الْبَيِّنَتَيْنِ أَثْبَتَت حِصَّة وَصفَة وتزيد بَيِّنَة رب المَال بِأَنَّهُ خَارج إِلَّا أَن يُقَال: إِن الصّفة الَّتِي أثبتتها بَيِّنَة الْقَابِض أقوى، لَان شركَة الْعَنَان أقوى من الْمُضَاربَة، فَلْيتَأَمَّل. قَوْله: (فِي الْمِقْدَار) أَي مِقْدَار الْمَقْبُوض. قَوْله: (لانه لَو كَانَ فِي الصّفة) أَي صفة الدّفع هَل هُوَ مُضَارَبَة أَو بضَاعَة؟ وَقَالَ الْمَالِك بضَاعَة وَلم أجعَل لَك من الرِّبْح شَيْئا، وَقَالَ من فِي يَده المَال مُضَارَبَة وَجعلت لي نصف الرِّبْح فَالْقَوْل لرب المَال، لَان الْعَامِل يَدعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاق أجر على عمله وَهُوَ يُنكر وَالْقَوْل للْمُنكر، وَكَانَ الاولى تَقْدِيم هَذِه الْمَسْأَلَة على الْمَسْأَلَة السَّابِقَة فَيَقُول: قيد بِكَوْنِهِ فِي مِقْدَار الْمَقْبُوض، لانه لَو كَانَ فِي مِقْدَار الرِّبْح أَيْضا أَو فِي الصّفة فَالْقَوْل لرب المَال. قَالَ الْعَلامَة الرحمتي: وَقَوله لانه لَو كَانَ فِي الصّفة لَيْسَ على إِطْلَاقه، لانه لَو ادّعى الْمَالِك

стр. 1025

الْقَرْض والقابض الْمُضَاربَة أَو البضاعة أَو الْوَدِيعَة كَانَ القَوْل للقابض كَمَا سَيَأْتِي متْنا. قَوْله: (فَقَالَ) أَي الْمضَارب. قَوْله: (وَقَالَ الْمَالِك) الاولى ذُو الْيَد. قَوْله: (فَالْقَوْل للْمَالِك) لانه مُنكر، ولان الْمضَارب يَدعِي عَلَيْهِ تَقْوِيم عَمَلِهِ أَوْ شَرْطًا مِنْ جِهَتِهِ أَوْ يَدَّعِي الشّركَة فِي الرِّبْح وَهُوَ يُنكر. ذكره ابْن الْكَمَال. قَوْله: (وَلَو قَالَ الْمضَارب) الاولى وَاضع الْيَد لَان الْمَسْأَلَتَيْنِ الاوليين اتفقَا فيهمَا على عدم الْمُضَاربَة. قَوْله: (هِيَ قرض) أَي وَجَمِيع الرِّبْح لي. قَوْله: (أَو وَدِيعَة) إِنَّمَا كَانَ القَوْل لَهُ وَإِن كَانَ الرِّبْح لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شئ لما ذكره الْمُؤلف من أَنه يَدعِي عَلَيْهِ التَّمْلِيك وَهُوَ يُنكر. قَوْله: (وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الْمضَارب) سَوَاء أَقَامَهَا وَحده أَو مَعَ رب المَال، لانها تثبت أمرا زَائِدا وَهُوَ التَّمْلِيك بالقرض. قَوْله: (لانه يَدعِي عَلَيْهِ التَّمْلِيك) أَي تمْلِيك بعض الرِّبْح فِيمَا إِذا ادّعى الْمُضَاربَة وتمليك عين المَال فِيمَا إِذا ادّعى الْقَرْض، لَان الْمُسْتَقْرض يملكهُ وَلذَا كَانَ ربحه لَهُ. قَوْله: (لانه يُنكر الضَّمَان) أَي وَرب المَال يَدعِيهِ وَالْقَوْل للْمُنكر، فقد خرجت هَذِه عَن قَاعِدَة الِاخْتِلَاف فِي الْوَصْف لهَذِهِ الْعلَّة لانها أَكثر إِثْبَاتًا لانها تثبت عَلَيْهِ ضَمَان الْبَدَل ط. قَوْله: (فَبَيِّنَةُ رَبِّ الْمَالِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا) لانه يَدعِي عَلَيْهِ الضَّمَان بالقرض، وَهَذَا معنى قَوْله لانها أَكثر إِثْبَاتًا وَهَذَا ظَاهر فِيمَا إِذا ادّعى الْمَالِك الْقَرْض لانها تثبت الضَّمَان على الْمُسْتَقْرض. أما لَو ادّعى الْقَابِض الْقَرْض فَيَنْبَغِي أَن تكون الْبَيِّنَة لَهُ، لَان بَينته أَكثر إِثْبَاتًا وَهُوَ تملك المَال الْمَقْبُوض، وَكَذَا لَو ادّعى الْمُضَاربَة لانها تثبت استحقاقا فِي الرِّبْح. تَأمل. وَالْحَاصِل: أَن القَوْل لمُدعِي الْمُضَاربَة فِي الْوَجْهَيْنِ وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة مدعي الْقَرْض فيهمَا على مَا ذكر. وَفِي الْبَدَائِع قَالَ: دفعت لي ألفا مُضَارَبَة فَهَلَكت فَقَالَ الْمقر لَهُ لَا بل غصبتها مني: فَإِن الْهَلَاك قبل التَّصَرُّف فَلَا ضَمَان، وَإِن بعده يضمن: يَعْنِي لَان التَّصَرُّف فِي مَال الْغَيْر سَبَب لوُجُوب الضَّمَان فِي الاصل فَكَانَ دَعْوَى الاذن دَعْوَى الْبَرَاءَة عَن الضَّمَان فَلَا يثبت إِلَّا بِحجَّة. وَالظَّاهِر أَن هَذَا لَا يجْرِي فِيمَا نَحن فِيهِ لانه أقرّ بِالْقَبْضِ الْمُبِيح للتَّصَرُّف. قَوْله: (وَأما الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع) هَذَا مُقَابل قَوْله الْمَار: (لانه لَو كَانَ فِي الصّفة) وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يُؤَخر هَذَا إِلَى قَوْله: (وَلَو ادّعى كل نوعا) لَان الِاخْتِلَاف فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص لَيْسَ من الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع بل من الصّفة فَلَا يتم التَّفْرِيع الْآتِي عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله: (فَإِن ادّعى الْمضَارب الخ) . قَالَ فِي الْبَدَائِع: فَإِن اخْتلفَا فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الْعُمُوم بِأَن ادّعى أَحدهمَا الْمُضَاربَة فِي جَمِيع التِّجَارَات أَو فِي عُمُوم الامكنة أَو مَعَ عُمُوم الاشخاص، لَان قَول من يَدعِي الْعُمُوم يُوَافق الْمَقْصُود بِالْعقدِ، إِذْ الْمَقْصُود هُوَ الرِّبْح وَهنا الْمَقْصُود بِالْعُمُومِ أوفر، وَكَذَا لَو اخْتلفَا فِي الاطلاق وَالتَّقْيِيد فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الاطلاق، حَتَّى لَو قَالَ رب المَال أَذِنت لَك أَن تتجر فِي الْحِنْطَة دون مَا سواهَا، وَقَالَ الْمضَارب مَا سميت لي تِجَارَة بِعَينهَا فَالْقَوْل قَول الْمضَارب مَعَ يَمِينه، لَان الاطلاق أقرب إِلَى الْمَقْصُود بِالْعقدِ على مَا بَينا.

стр. 1026

وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد: القَوْل قَول رب المَال فِي الْفَصْلَيْنِ: فَإِن قَامَت لَهما بَيِّنَة فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة من يَدعِي الْخُصُوص فِي دَعْوَى الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَفِي دَعْوَى الاطلاق وَالتَّقْيِيد بَيِّنَة من يَدعِي التَّقْيِيد لانها تثبت زِيَادَة قيد وَبَيِّنَة الاطلاق ساكتة. وَلَو اتفقَا على الْخُصُوص لكنهما اخْتلفَا فِي ذَلِك الْخَاص بِأَن قَالَ رب المَال دفعت المَال إِلَيْك مُضَارَبَة فِي الْبر وَقَالَ الْمضَارب فِي الطَّعَام فَالْقَوْل قَول رب المَال اتِّفَاقًا، لانه لَا يُمكن التَّرْجِيح هُنَا بِالْمَقْصُودِ من العقد لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ذَلِك فترجع بالاذن، وَأَنه يُسْتَفَاد من رب المَال، فَإِن أَقَامَا الْبَيِّنَة فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الْمضَارب، لَان بَينته مثبتة وَبَيِّنَة رب المَال نَافِيَة، لانه لَا يحْتَاج إِلَى الاثبات وَالْمُضَارب يحْتَاج لَهُ لدفع الضَّمَان عَن نَفسه، فَالْبَيِّنَة المثبتة للزِّيَادَة أولى. كَذَا فِي الْحَوَاشِي الحموية. قَوْله: فَإِن ادّعى الْمضَارب الْعُمُوم أَي فِي أَنْوَاع التِّجَارَات. قَوْله: (أَو الاطلاق) بِأَن قَالَ أطلقت لي فِي السّفر برا وبحرا. قَوْله: (وَادّعى الْمَالِك الْخُصُوص) أَي بِنَوْع من التِّجَارَة. وَالْمُنَاسِب أَو التَّقْيِيد لتحسن الْمُقَابلَة بِأَن قَالَ قيدت لَك السّفر بِالْبرِّ. قَوْله: (فَالْقَوْل للْمُضَارب) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ، إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الِاسْتِرْبَاحُ وَالْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ يُنَاسِبَانِهِ. وَهَذَا إذَا تَنَازَعَا بَعْدَ تَصَرُّفِ الْمُضَارِبِ، فَلَوْ قَبْلَهُ فَالْقَوْلُ لِلْمَالِكِ، كَمَا إذَا ادَّعَى الْمَالِكُ بَعْدَ التَّصَرُّفِ الْعُمُوم وَالْمُضَارب الْخُصُوص فَالْقَوْل للْمَالِك. در منتقى. وَمثله فِي الْخَانِية وَغَايَة الْبَيَان والزيلعي وَالْبَحْر وَغَيرهمَا، وَحَكَى ابْنُ وَهْبَانَ فِي نَظْمِهِ قَوْلَيْنِ. وَفِي مَجْمُوعَةِ الْأَنْقِرْوِيِّ عَنْ مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ: لَوْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ قَرْضٌ وَالْقَابِضُ مُضَارَبَةٌ، فَإِنْ بَعْدَمَا تَصَرَّفَ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَتُهُ أَيْضًا وَالْمُضَارِبُ ضَامِنٌ، وَإِنْ قَبْلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ: أَيْ الْقَابِضِ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ كَانَ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْقَرْضُ لِإِنْكَارِ الْقَابِضِ اهـ. وَنَقَلَ فِيهَا عَن الذَّخِيرَة من الرَّابِع مِثْلَهُ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ الْقَوْلِ لِمَنْ عَنْ غَانِمٍ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ الْوَجِيزِ، وَبِمِثْلِهِ أَفْتَى عَلِيٌّ أَفَنْدِي مُفْتِي الْمَمَالِكِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَكَذَا قَالَ فِي فَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ: الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ. وَيُمْكِنُ أَن يُقَال: إِن مَا فِي الْخَانِية وَالْمُصَنّف وَمَا قدمْنَاهُ عَن الدَّار الْمُنْتَقى فِيمَا إذَا كَانَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِاتِّحَادِ الْحَادِثَةِ وَالْحُكْمِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ، كَذَا فِي مَجْمُوعَة منلا عَليّ مُلَخصا. قَوْله: (وَلَو ادّعى كل نوعا) بِأَن قَالَ أَحدهمَا فِي بز وَقَالَ الْآخَرُ فِي بُرٍّ. قَوْلُهُ: (فَالْقَوْلُ لِلْمَالِكِ) لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْخُصُوصِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ من يُسْتَفَاد من جِهَته الاذن وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الْمضَارب لِحَاجَتِهِ إِلَى نفي الضَّمَان وَعدم حَاجته إِلَى الْبَيِّنَة. ذكره الزَّيْلَعِيّ. قَوْله: (وَالْبَيِّنَة للْمُضَارب فيقيمها على صِحَة تصرفه) يَعْنِي أَنَّ الْبَيِّنَةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ لَا عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ حَتَّى تَكُونَ على النَّفْي فَلَا تقبل. قَوْله: (وَلَو وقتت الْبَيِّنَتَانِ) بِأَن قَالَ ر ب المَال أدّيت إلَيْكَ مُضَارَبَةً أَنْ تَعْمَلَ فِي بَزٍّ فِي رَمَضَانَ وَقَالَ الْمُضَارِبُ دَفَعْتَ إلَيَّ لِأَعْمَلَ فِي طَعَامٍ فِي شَوَّالٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ. قَوْلُهُ: (قُضِيَ بالمتأخرة) لَان آخر الشَّرْطَيْنِ ينْقض الاول. عناية. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يُوَقِّتَا أَوْ وقتت إِحْدَاهمَا دون الاخرى. قَوْله: (فَبَيِّنَة الْمَالِك) لانه يتَعَذَّر الْقَضَاء بهما مَعًا للاستحالة، وعَلى التَّعَاقُب لعدم الشَّهَادَة على ذَلِك،

стр. 1027

وَإِذا تعذر بهما الْقَضَاء فَبَيِّنَة رب المَال أولى لانها تثبت مَا لَيْسَ بِثَابِت. أَفَادَهُ الاكمل. وَهَذَا يُنَافِي مَا قدمه من أَن الْبَيِّنَة للْمُضَارب إِذْ هُوَ عِنْد تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِلَّا فَهِيَ لمن أَقَامَهَا، إِلَّا أَن يحمل على أَن الْبَيِّنَة أَقَامَهَا الْمضَارب فَقَط وَهُوَ بعيد، لانه إِذا انْفَرد كل بِإِقَامَة الْبَيِّنَة قبلت مِنْهُ فَلَا وَجه للتخصيص. وَحَاصِله: أَنه لم يظْهر وَجه مَا ذكره لَان الْمَفْهُوم من تَصْوِير صَاحب الدُّرَر والعزمية أَنَّهُمَا اتفقَا على الْمُضَاربَة وَاخْتلفَا فِي الْوَقْت وَأَقَامَا بَيِّنَة وأرخت الْبَيِّنَتَانِ يقْضِي بالمتأخرة فَلَا يُقَال: وَإِلَّا لانهما إِذا لم يوقتا لَا حَاجَة إِلَيْهِمَا بعد الِاتِّفَاق على الْمُضَاربَة، إِلَّا أَن يُقَال: إِلَّا أَن الِاخْتِلَاف فِي التَّوْقِيت مَبْنِيّ على الِاخْتِلَاف فِي النَّوْع، لَكِن الْمَفْهُوم خِلَافه. قَالَ خير الدّين الرَّمْلِيّ: وَجهه أَن الْمضَارب بقوله مَا سميت لي تِجَارَة بِعَينهَا يَدعِي التَّعْمِيم وَهُوَ أصل فِي الْمُضَاربَة فَالْقَوْل قَول من يَدعِيهِ وَرب المَال بِدَعْوَاهُ النَّوْع ادّعى التَّخْصِيص وَهُوَ خلاف الاصل فِيهَا، وَالْبَيِّنَة للاثبات والاثبات على من خَالف الاصل. وَأَقُول: على هَذَا الِاخْتِلَاف بَين الْوَكِيل وَالْمُوكل فِي ذَلِك على الْعَكْس. تَأمل. قَالَ فِي الْبَحْر فِي الْوكَالَة: أَمرتك بالاتجار فِي الْبر وَادّعى الاطلاق فَالْقَوْل للْمُضَارب لادعائه عُمُومه. وَعَن الْحسن عَن الامام أَنه لرب المَال، لَان الاذن يُسْتَفَاد مِنْهُ، وَإِن برهنا فَإِن نَص شُهُود الْعَامِل أَنه أعطَاهُ مُضَارَبَة فِي كل تِجَارَة فَهُوَ أولى لاثباته الزِّيَادَة لفظا وَمعنى، وَإِن لم ينصوا على هَذَا الْحَرْف فلرب المَال. اهـ. قَوْله: (جَازَ) فَيكون عاقدا من الْجَانِبَيْنِ كَمَا فِي النِّكَاح وَهبة الاب من طِفْله. قَوْلُهُ: (وَقَيَّدَهُ الطَّرَسُوسِيُّ) أَيْ بَحْثًا مِنْهُ. وَرَدَّهُ ابْنُ وَهْبَانَ بِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِهِمْ بِرَأْيِهِ مَعَ قيام الدَّلِيل على الاطلاق. واستطهر ابْنُ الشِّحْنَةِ مَا قَالَهُ الطَّرَسُوسِيُّ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ: أَي وَيكون هَذَا التَّقْيِيد مُرَاد من أطلق ليحصل بِهِ نفي التُّهْمَة، لَكِنْ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَخْذُ مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَة فَهَذَا يُفِيد الْمَنْع مُطلقًا. قَوْله: (بِأَنْ لَا يَجْعَلَ الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الرِّبْحِ أَكثر مِمَّا يَجْعَل لامثاله) بِأَن كَانَ الْغَيْر يَجْعَل للْيَتِيم النّصْف مِنْهُ فَجعل الْوَصِيّ الثُّلُث لَهُ. قَوْله: (وَتَمَامه فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة) أَي لِابْنِ الشّحْنَة، لانه إِذا أطلق شرح الْوَهْبَانِيَّة ينْصَرف إِلَيْهِ، كَمَا إِذا أطلق شرح الْكَنْز ينْصَرف للشَّارِح الزَّيْلَعِيّ، وَكَذَا شرح الْوِقَايَة للشَّارِح الشمني، وَشرح الْهِدَايَة لصَاحب فتح الْقَدِير، وَشرح الْقَدُورِيّ للجوهرة كَمَا هُوَ مُقْتَضى كَلَامهم. وَعبارَة ابْن الشّحْنَة: حَيْثُ قَالَ بعد الَّذِي ذكره الشَّارِح: حَتَّى لَو كَانَ النَّاس يَعْتَقِدُونَ الْمُضَاربَة بِالنِّصْفِ حَتَّى عقدهَا هُوَ لنَفسِهِ فِي مَال الصَّغِير بِالثُّلثِ لَا يجوز لَهُ ذَلِك، وَقَالَ: إِنَّه مَا زَاد ذَلِك إِلَّا دفعا لما توهمه عبارَة الذَّخِيرَة من الْجَوَاز للتَّعْلِيل بالاستنماء وَعدم الِاسْتِحْقَاق فِي مَال الصَّغِير، وَإِنَّمَا هُوَ من الرِّبْح الْحَاصِل بِعَمَل الْمضَارب، وَقَالَ إِنَّه لم يقف على هَذَا التَّقْيِيد فِي كَلَام الاصحاب، وَلكنه يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك نظرا للصَّبِيّ. وتعجب المُصَنّف من تَقْيِيده بِمَا أطلقهُ الْمَشَايِخ بِرَأْيهِ مَعَ قيام الدَّلِيل على الاطلاق لانه نفع صرف، ووثوق الْوَصِيّ بِنَفسِهِ لَيْسَ كوثوقه بِغَيْرِهِ، نعم لَو جعله من بَاب الدّيانَة والمروءة لَكَانَ حسنا، لَكِن لَو عقد بِأَقَلّ صَحَّ اهـ.

стр. 1028

قلت: الاظهر عِنْدِي مَا قَالَه الطرسوسي، لَان تصرف الْوَصِيّ إِنَّمَا هُوَ بِالْولَايَةِ النظرية وَلَا نظر للصَّبِيّ فِي الْمُضَاربَة فِي مَال بِأَقَلّ مِمَّا يَفْعَله أَمْثَال الْوَصِيّ من الثِّقَات، بل النّظر فِيهِ لجَانب الْوَصِيّ فَإِنَّهُ يحصل لنَفسِهِ ربحا بِهِ يتَعَذَّر حُصُوله بِدُونِ مَال الْيَتِيم مَعَ الحيف على الْيَتِيم وَإِن كَانَ مصلحَة من حَيْثُ إِنَّه يحصل الرِّبْح فِي الْجُمْلَة، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: يَكْفِي حُصُول الْمصلحَة فِي الْجُمْلَة وَإِن أمكن مَا هُوَ أولى مِنْهَا اهـ. قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيّ بعد نقل مَا عَن الطرسوسي: ونازعه المُصَنّف وارتضى الشَّارِح ذَلِك الْقَيْد نظرا للصَّغِير بحثا مِنْهُ انْتهى. أَقُول: وَلَا تنس مَا قدمْنَاهُ عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ عَن الْمُلْتَقط. قَوْله: (وفيهَا) أَي الْوَهْبَانِيَّة. قَوْله: (مَاتَ الْمضَارب الخ) وَكَذَا الْمُودع وَالْمُسْتَعِير وكل من كَانَ المَال فِي يَده أَمَانَة إِذا مَاتَ قبل الْبَيَان وَلَا تعرف الامانة بِعَينهَا فَإِنَّهُ يكون عَلَيْهِ دينا فِي تركته، لانه صَار بالتجهيل مُسْتَهْلكا للوديعة: أَي مثلا وَلَا يصدق ورثته على الْهَلَاك وَالتَّسْلِيم إِلَى رب المَال، وَلَو عين الْمَيِّت فِي حَال الْحَيَاة أَو علم ذَلِك يكون ذَلِك أَمَانَة فِي يَد وَصِيّه أَو وَارثه كَمَا كَانَ فِي يَده، ويصدقون على الْهَلَاك وَالدَّفْع إِلَى صَاحبه كَمَا يصدق الْمَيِّت حَال حَيَاته انْتهى. وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي الْوَدِيعَة. قَوْله: (عَاد دينا فِي تركته) أَي لانه صَار بالتجهيل مُسْتَهْلكا كَمَا علمت، وَأَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ قَائِلًا: وَبِهِ أَفْتَى قَارِئ الْهِدَايَة. قَوْله: (لَكِن صرح فِي مجمع الْفَتَاوَى) نقل فِي الْمنح عَنهُ مَا نَصه: قَالَ الشَّيْخ الامام الاجل: وَكَانَ شَيخنَا يَقُول: الْجَواب فِي زَمَاننَا بِخِلَاف هَذَا، وَلَا ضَمَان على الْمضَارب فِيمَا يعْطى من مَال الْمُضَاربَة لسلطان طمع فِيهِ وَقصد أَخذه بطرِيق الْغَصْب، وَكَذَا الْوَصِيّ إِذا صانع فِي مَال الْيَتِيم لانهما يقصدان الاصلاح بِهَذِهِ المصانعة، فَلَو لم يفعل أَخذ المصانع جَمِيع المَال فَدفع الْبَعْض لاحراز مَا بَقِي من جملَة الْحِفْظ فِي زَمَاننَا، والامين فِيمَا يرجع إِلَى الْحِفْظ لَا يكون ضَامِنا، أما فِي زمانهم فَكَانَت الْقُوَّة لسلاطين الْعدْل. انْتهى مُخْتَصرا. وَيُؤْخَذ من هَذَا أَنه إِذا دفع من مَال نَفسه يكون مُتَبَرعا فيضيع عَلَيْهِ مَا دفع إِلَّا إِذا أشهد عِنْد الدّفع أَنه يرجع وَيُحَرر. قَالَ الرحمتي: لَا يضمن فِي زَمَاننَا لغَلَبَة أهل الظُّلم والرشوة إِذا كَانَت لدفع الضَّرَر عَن نَفسه وَعَن رب المَال كَانَت جَائِزَة للدافع مَأْذُونا فِيهَا عَادَة من الْمَالِك وَإِن حرمت على الْآخِذ انْتهى. قَوْله: (لانهما يقصدان الاصلاح) أَي فِي هَذِه الرِّشْوَة فَدفع الْبَعْض لاحراز مَا بَقِي من جملَة الْحِفْظ والامين فِيمَا يرجع للْحِفْظ لَا يكون ضَامِنا، منح. قَوْله: (وسيجئ آخر الْوَدِيعَة) وَنَصه: إِذا هدد وَخَافَ تلف نَفسه أَو عضوه أَو خشِي أَخذ مَاله كُله فَلَا ضَمَان، وَفِيمَا سوى ذَلِك يضمن، فَتَأمل. وَسَيَأْتِي الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْله: (وَفِيه لَو شرى الخ) نَقله فِي الْمنح بأبسط من هَذَا حَيْثُ قَالَ: وَفِيه أَيْضا: إِذا اشْترى الْمضَارب بِالْمَالِ مَتَاعا فَقَالَ الْمضَارب أَنَا أَمْسِكُهُ حَتَّى أَجِدَ رِبْحًا كَثِيرًا وَأَرَادَ رب المَال بَيْعه فَهَذَا على وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون فِي مَال الْمُضَاربَة فضل بِأَن كَانَ رَأس المَال

стр. 1029

ألفا فَاشْترى بِهِ مَتَاعا يُسَاوِي أَلفَيْنِ، أَو لم يكن فِي المَال فضل بِأَن كَانَ رَأس المَال ألفا وَاشْترى بِهِ مَتَاعا يُسَاوِي ألفا، فَفِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَا يكون للْمُضَارب حق إمْسَاك الْمَتَاع من غير رضَا رب المَال إِلَّا أَن يُعْطي رب المَال رَأس المَال، إِن لم يكن فِيهِ فضل وَرَأس المَال وحصته من الرِّبْح إِن كَانَ فِيهِ فضل فَحِينَئِذٍ لَهُ حق إِمْسَاكه، وَإِن لم يُعْط ذَلِك وَلم يكن لَهُ حق إِمْسَاكه هَل يجْبر على البيع، إِن كَانَ فِي المَال فضل يجْبر الْمضَارب على بَيْعه لانه سلم لَهُ بدل عمله فَيجْبر على الْعَمَل، إِلَّا أَن يَقُول لرب المَال أُعْطِيك رَأس المَال وحصتك من الرِّبْح إِن كَانَ فِي الْمَتَاع فضل أَو يَقُول أُعْطِيك رَأس المَال إِن لم يكن فضل فَإِن اخْتَار ذَلِك فَحِينَئِذٍ لَا يجْبر على البيع وَيجْبر رب المَال على قبُول ذَلِك نظرا من الْجَانِبَيْنِ، وَإِن لم يكن فِي المَال فضل لَا يجْبر على البيع وَيُقَال لرب المَال الْمَتَاع كُله خَالص ملكك، فإمَّا أَن تَأْخُذهُ بِرَأْس مَالك أَو تبيعه حَتَّى تصل إِلَى رَأس مَالك. انْتهى من مُضَارَبَة الذَّخِيرَة وَالْمُحِيط. وَالْحَاصِل: أَن الْكَلَامُ هُنَا فِي مَوْضِعَيْنِ: الْأَوَّلُ حَقُّ إمْسَاكِ الْمُضَارِبِ الْمَتَاعَ مِنْ غَيْرِ رِضَا رَبِّ الْمَالِ. وَالثَّانِي إجْبَارُ الْمُضَارِبِ عَلَى الْبَيْعِ حَيْثُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْإِمْسَاكِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ لَا إلَّا أَنْ يُعْطِيَ لِرَبِّ الْمَالِ رَأْسَ الْمَالِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَرْبَحْ أَوْ مَعَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ فَحِينَئِذٍ لَهُ حَقُّ الْإِمْسَاكِ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ إجْبَارُهُ عَلَى الْبَيْعِ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أُجْبِرَ عَلَى الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ للْمَالِك رَأس مَاله مَعَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ لَا يُجْبَرُ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ لِلْمَالِكِ رَأْسَ مَالِهِ أَوْ يَدْفَعَ لَهُ الْمَتَاعَ بِرَأْسِ مَالِهِ. هَذَا حَاصِلُ مَا فَهِمْتُهُ مِنْ عِبَارَةِ الْمِنَحِ عَنْ الذَّخِيرَةِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ معقدة كَمَا سَمِعت، وَقَدْ رَاجَعْتُ عِبَارَةَ الذَّخِيرَةِ فَوَجَدْتهَا كَمَا فِي الْمنح ونقلها فِي الْهِنْدِيَّة عَن الْمُحِيط، وَمثله فِي الْفَتَاوَى العطائية. وَبَقِيَ مَا إذَا أَرَادَ الْمَالِكُ أَنْ يُمْسِكَ الْمَتَاع والضارب يُرِيدَ بَيْعَهُ وَهُوَ حَادِثَةُ الْفَتْوَى وَيُعْلَمُ جَوَابُهَا مِمَّا مَرَّ قُبَيْلَ الْفَصْلِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَهُ وَعَلِمَ بِهِ وَالْمَالُ عُرُوضٌ بَاعَهَا وَإِنْ نَهَاهُ الْمَالِكُ وَلَا يَمْلِكُ الْمَالِكُ فَسْخَهَا وَلَا تَخْصِيصَ الْإِذْنِ لِأَنَّهُ عَزْلٌ مِنْ وَجْهٍ. قَوْلُهُ: (كَمَا مر) الَّذِي مر تَعْلِيل لغير هَذَا، وَهُوَ أَنه يجْبر على قَضَاء الدّين إِن كَانَ فِي المَال ربح. قَوْله: يضمن حِصَّةَ الْهِبَةِ لِأَنَّ هِبَةَ الْمَشَاعِ الَّذِي يَقْبَلُ الْقِسْمَة غير صَحِيحَة فَتكون فِي ضَمَانه. قَوْله: (وَهِي تملك بِالْقَبْضِ على الْمُفْتى بِهِ) قَالَ السائحاني أَقُولُ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ وَالضَّمَانِ اهـ. وَنَصّ عَلَيْهِ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ حَيْثُ قَالَ رامز الْفَتَاوَى الْفَضْلِيِّ: الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى، ثُمَّ إذَا هَلَكَتْ أَفْتَيْت بِالرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ هِبَةً فَاسِدَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ إذْ الْفَاسِدَةُ مَضْمُونَةٌ، فَإِذَا كَانَتْ مَضْمُونَةً بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْهَلَاك كَانَت مُسْتَحقَّة الرَّد قبل الْهَلَاك. اهـ. فَتنبه. قَوْله: (وأودعه عشرا) بعده بَيت مُتَوَقف عَلَيْهِ وَهُوَ:

стр. 1030

لَهُ سَبْعَة قَالُوا وَنصفا إِذا نَوَت لَهُ الْخَمْسَة الاخرى وَفِي الشَّرْع ينشر قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيّ: صورتهَا رجل دفع لغيره عشرَة دَرَاهِم وَقَالَ خَمْسَة مِنْهَا هبة لَك وَخَمْسَة وَدِيعَة عنْدك فاستهلك الْقَابِض مِنْهَا خَمْسَة وَهَلَكت الْخَمْسَة الْبَاقِيَة ضمن سَبْعَة وَنصفا، لَان الْخَمْسَة الْمَوْهُوبَة مَضْمُونَة على الْقَابِض لانها هبة مشَاع يحْتَمل الْقِسْمَة وَهِي فَاسِدَة، والخمسة الَّتِي استهلكها نصفهَا من الْهِبَة وَنِصْفهَا من الامانة فَيضمن هَذِه الْخَمْسَة والخمسة الَّتِي ضَاعَت نصفهَا من الْهِبَة فَيضمن نصفهَا فَصَارَ الْمَضْمُون سَبْعَة وَنصفا. قلت: وَهَذَا على غير الصَّحِيح، لَان الْهِبَة الْفَاسِدَة تملك بِالْقَبْضِ وَقد سلطه الْمَالِك عَلَيْهَا فَلَا ضَمَان فِيهَا، وَكَذَلِكَ لَا ضَمَان فِي الْوَدِيعَة، لما فِي الْبَزَّازِيَّةِ: دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا نِصْفُهَا هِبَةٌ وَنِصْفُهَا مُضَارَبَة فَهَلَكت يضمن حِصَّة الْهِبَة لَا حِصَّة الْمُضَاربَة لانها أَمَانَة. وَقَوله يضمن حِصَّة الْهِبَة لَا حِصَّة الْمُضَاربَة إِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة عدم الْملك وَهُوَ خلاف الْمُفْتى بِهِ، أما على الْمُفْتى بِهِ، فَلَا ضَمَان مُطلقًا لَا فِي الْوَدِيعَة وَلَا فِي الْهِبَة الْفَاسِدَة لانه ملكهَا بِالْقَبْضِ فَلِذَا قَالَ الشَّارِح وَبِه يضعف قَول الْوَهْبَانِيَّة اهـ ح بِتَصَرُّف وَإِصْلَاح من شرح الْعَلامَة عبد الْبر. وَيضمن دِرْهَمَيْنِ وَنصفا من الامانة الَّتِي استهلكها ط. أَقُول: قَوْله وَكَذَلِكَ لَا ضَمَان فِي الْوَدِيعَة الخ فِيهِ أَن فرض مَسْأَلَة الْوَهْبَانِيَّة فِي الِاسْتِهْلَاك وَمَا اسْتشْهد بِهِ فِي الْهَلَاك فَيَنْبَغِي أَن يضمن دِرْهَمَيْنِ وَنصفا بِنَاء على الْمُفْتى بِهِ، لَان الْخَمْسَة الَّتِي استهلكها نصفهَا من الْهِبَة فَلَا يضمن وَنِصْفهَا من الامانة فَيضمن، وَأما الْخَمْسَة الَّتِي ضَاعَت فَلَا يضمن شَيْئا مِنْهَا. تَأمل. فُرُوعٌ: سُئِلَ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُضَارِبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَكَانَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ مَعْرُوفًا فَهَلْ يَكُونُ رَبُّ الْمَالِ أَحَقَّ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ؟ الْجَوَابُ نَعَمْ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ حَامِدِيَّةٌ. وَفِيهَا عَنْ قَارِئِ الْهِدَايَة من بَاب الْقَضَاء فِي فَتَاوِيهِ: إذَا ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ خِيَانَةً فِي قَدْرٍ مَعْلُومٍ وَأَنْكَرَ حَلَفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مِقْدَارًا فَكَذَا الْحُكْمُ، لَكِنْ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مِقْدَارَ مَا خَانَ فِيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي مِقْدَارِهِ مَعَ يَمِينه لَان نُكُوله كالاقرار بشئ مَجْهُولٍ، وَالْبَيَانُ فِي مِقْدَارِهِ إلَى الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ خَصْمُهُ بَيِّنَةً عَلَى أَكثر اهـ. كل مَا جَازَ للْمُضَارب فِي الْمُضَاربَة الصَّحِيحَة من شِرَاء أَو بيع أَو إِجَارَة أَو بضَاعَة أَو غير ذَلِك فَهُوَ جَائِز لَهُ فِي الْمُضَاربَة الْفَاسِدَة، وَلَا ضَمَان على الْمضَارب، وَكَذَلِكَ لَو قَالَ اعْمَلْ بِرَأْيِك جَازَ لَهُ مَا يجوز لَهُ فِي الْمُضَاربَة الصَّحِيحَة كَذَا فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة. رجلَانِ دفعا إِلَى رجل ألف دِرْهَم مُضَارَبَة بِالنِّصْفِ ونهياه عَن الشّركَة فانشق الْكيس الَّذِي فِيهِ الدَّرَاهِم وَاخْتَلَطَ بِدَرَاهِم الْمضَارب من غير فعله فَلهُ أَن يَشْتَرِي بذلك وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَالشَّرِكَة بَينهمَا ثَابِتَة، وَلَيْسَ لَهُ أَن يخص نَفسه بِبيع شئ من ذَلِك الْمَتَاع وَلَا يَشْتَرِي بِثمنِهِ شَيْئا لنَفسِهِ دون صَاحبه، وَلَكِن لَو كَانَ قبل أَن يَشْتَرِي بِالْمَالِ شَيْئا اشْترى للمضاربة مَتَاعا بِأَلف دِرْهَم وَأشْهد ثمَّ نقدها من المَال ثمَّ اشْترى لنَفسِهِ مَتَاعا بِأَلف دِرْهَم ونقدها من المَال فَهَذَا جَائِز. كَذَا فِي الْمُحِيط. هندية. لَو كَانَ رب المَال ملك العَبْد بِغَيْر شئ فَبَاعَهُ من الْمضَارب بِأَلف الْمُضَاربَة لم يَبِعْهُ مُرَابحَة حَتَّى يبين أَنه اشْتَرَاهُ من رب المَال. هندية عَن الْمَبْسُوط.

стр. 1031

إِذا دفع رجل إِلَى رجل ألف دِرْهَم مُضَارَبَة بِالنِّصْفِ ثمَّ دفع إِلَى آخر ألف دِرْهَم بِالنِّصْفِ فَاشْترى أجد المضاربين عبدا بِخَمْسِمِائَة من الْمُضَاربَة فَبَاعَهُ من الْمضَارب الآخر بِأَلف فَأَرَادَ الثَّانِي أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة يَبِيعهُ على أقل الثمنين، وَلَو بَاعه الاول من الثَّانِي بِأَلفَيْنِ ألف من الْمُضَاربَة وَألف من مَال نَفسه فَإِن الثَّانِي يَبِيعهُ مُرَابحَة على ألف وَمِائَتَيْنِ وَخمسين، لَان الثَّانِي اشْترى نصفه لنَفسِهِ وَقد كَانَ الاول اشْترى ذَلِك النّصْف الثَّانِي بمائتين وَخمسين. كَذَا فِي الْبَدَائِع، وَلَو قَالَ رب المَال اسْتقْرض عَليّ ألفا وَاتبع بهَا على الْمُضَاربَة فَفعل كَانَ ذَلِك على نَفسه، حَتَّى لَو هلك فِي يَده قبل أَن يَدْفَعهُ لرب المَال لزمَه ضَمَانه لَان الامر بالاستقراض بَاطِل. هندية عَن الْحَاوِي. وفيهَا: كل مُضَارَبَة فَاسِدَة لَا نَفَقَة للْمُضَارب فِيهَا على مَال الْمُضَاربَة، فَإِن أنْفق على نَفسه من المَال حسب من أجر مثل عمله وَأخذ بِمَا زَاد إِن كَانَ مَا أنْفق مِنْهُ أَكثر من أجر الْمثل. كَذَا فِي الْمَبْسُوط. لَو قَالَ الْمضَارب لرب المَال دفعت إِلَيْك رَأس المَال وَالَّذِي فِي يَدي ربح ثمَّ قَالَ لم أدفَع وَلكنه هلك فَهُوَ ضَامِن كَذَا فِي الْحَاوِي. الاصل أَن قسْمَة الرِّبْح قبل قبض رب المَال رَأس مَاله مَوْقُوفَة، إِن قبض رَأس المَال صحت الْقِسْمَة، وَإِن لم يقبض بطلت. كَذَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ. وَلَو دفع حَرْبِيّ إِلَى مُسلم مَال الْمُضَاربَة ثمَّ دخل الْمُسلم دَار الْحَرْب بِإِذن رب المَال فَهُوَ على الْمُضَاربَة. كَذَا فِي خزانَة الْمُفْتِينَ. إِذا دفع الْمُسلم إِلَى النَّصْرَانِي مَالا مُضَارَبَة بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِز إِلَّا أَنه مَكْرُوه، فَإِن اتّجر فِي الْخمر وَالْخِنْزِير، فربح جَازَ على الْمُضَاربَة فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَنْبَغِي للْمُسلمِ أَن يتَصَدَّق بِحِصَّتِهِ من الرِّبْح. وَعِنْدَهُمَا: تصرفه فِي الْخمر وَالْخِنْزِير لَا يجوز على الْمُضَاربَة، فَإِن اشْترى ميتَة فنقد فِيهِ مَال الْمُضَاربَة فَهُوَ مُخَالف ضَامِن عِنْدهم جَمِيعًا، وَإِن أربى فَاشْترى دِرْهَمَيْنِ بدرهم كَانَ البيع فَاسِدا وَلَكِن لَا يصير ضَامِنا لمَال الْمُضَاربَة وَالرِّبْح بَينهمَا على الشَّرْط. وَلَا بَأْس بِأَن يَأْخُذ الْمُسلم مَال النَّصْرَانِي مُضَارَبَة وَلَا يكره لَهُ ذَلِك، فَإِن اشْترى بِهِ خمرًا أَو خنزيرا أَو ميتَة وَنقد مَال الْمُضَاربَة فَهُوَ مُخَالف ضَامِن، فَإِن ربح فِي ذَلِك رد الرِّبْح على من أَخذ مِنْهُ إِن كَانَ يعرفهُ، وَإِن كَانَ لَا يعرفهُ تصدق بِهِ، وَلَا يُعْطي رب المَال النَّصْرَانِي مِنْهُ شَيْئا. وَلَو دفع الْمُسلم مَاله مُضَارَبَة إِلَى مُسلم وَنَصْرَانِي جَازَ من غير كَرَاهَة، كَذَا فِي الْمَبْسُوط من بَاب شِرَاء الْمضَارب وهبته. وَالله تَعَالَى أعلم، وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم.

стр. 1032

كتاب الايداع كَانَ الْقيَاس أَن يَقُول كتاب الْوَدِيع بِدُونِ التَّاء، لانه فعيل بِمَعْنى مفعول وَفِيه يَسْتَوِي الْمُذكر والمؤنث، تَقول رجل جريح وَامْرَأَة جريح، وَإِنَّمَا عدل عَن الْقيَاس لانه جعل من عدد الاسماء تدخل عَلَيْهِ التَّاء كالذبيحة والنطيحة فَتكون للنَّقْل لَا للتأنيث. نوح أَفَنْدِي. وَأَصله أوداع وَقعت الْوَاو إِثْر كسرة قلبت يَاء فَصَارَ إِيدَاع اهـ. سري الدّين. وَاعْلَم أَن الْفُقَهَاء يبحثون عَن أَفعَال الْمُكَلف، لَكِن الْفُقَهَاء يعنون بعض الْكتب بهَا كَقَوْلِهِم كتاب النِّكَاح كتاب البيع وَالْهِبَة، وَفِي بَعْضهَا بِمَا يتَعَلَّق بِتِلْكَ الافعال ككتاب الْعَارِية والمأذون وَالْوَجْه فِيهِ غير ظَاهر در. منتقى وَحفظ الامانة يُوجب سَعَادَة الدَّاريْنِ والخيانة توجب الشَّقَاء فيهمَا، قَالَ ﵊ الامانة تجر الْغنى، والخيانة تجر الْفقر. وَرُوِيَ أَنَّ زُلَيْخَا لَمَّا اُبْتُلِيَتْ بِالْفَقْرِ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهَا من الْحزن على يُوسُف ﵇ قَامَت لَهُ تُنَادِي: أَيُّهَا الْمَلِكُ اسْمَعْ كَلَامِي، فَوَقَفَ يُوسُفُ ﵇، فَقَالَتْ: الْأَمَانَةُ أَقَامَتْ الْمَمْلُوكَ مَقَامَ الْمُلُوك، والخيانة أَقَامَت الْمُلُوك مقَام الْمُلُوك، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقيل إِنَّهَا زليخا، فَتَزَوجهَا مرحمة عَلَيْهَا انْتهى. زَيْلَعِيّ والايداع والاستيداع بِمَعْنى. وَفِي الْمغرب يُقَال: أودعت زيدا مَالا واستودعته إِيَّاه: إِذا دَفعته إِلَيْهِ ليَكُون عِنْده فَأَنا مُودع ومستودع بِالْكَسْرِ وَزيد مُودع ومستودع بِالْفَتْح وَالْمَال مُودع ومستودع: أَي وَدِيعَة اهـ. ط بِزِيَادَة. قَوْله: (وَهُوَ الامانة) قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَحكم الْوَدِيعَة الْحِفْظ على الْمُسْتَوْدع وَوُجُوب الاداء عِنْد الطّلب وصيرورة المَال أَمَانَة فِي يَده. وَفِي الْعِنَايَة: وَجه مُنَاسبَة هَذَا الْكتاب لما تقدم قد مر فِي أول الاقرار، وَهُوَ أَن المَال الثَّابِت لَهُ إِن حفظه بِنَفسِهِ فَظَاهر، وَإِن بِغَيْرِهِ فوديعة ثمَّ ذكر بعده الْعَارِية وَالْهِبَة والاجارة للتناسب بالترقي من الادنى إِلَى الاعلى، لَان الْوَدِيعَة أَمَانَة بِلَا تمْلِيك شئ، وَالْعَارِية أَمَانَة مَعَ تمْلِيك الْمَنْفَعَة بِلَا عوض، وَالْهِبَة تمْلِيك عين بِلَا عوض والاجارة تمْلِيك الْمَنْفَعَة بعوض، وَهِي أَعلَى من الْهِبَة لانه عقد لَازم وَاللَّازِم أقوى وَأَعْلَى مِمَّا لَيْسَ بِلَازِم اهـ. أَي فَكَانَ فِي الْكل الترقي من الادنى إِلَى الاعلى: فَأول الْغَيْث قطر ثمَّ ينسكب قَوْله: (من الودع) فالمزيد مُشْتَقّ من الْمُجَرّد. قَالَ فِي الدّرّ الْمُنْتَقى. من ودع ودعا: أَي ترك وَكِلَاهُمَا مُسْتَعْمل فِي الْقُرْآن والْحَدِيث. ذكره ابْن الاثير. فَلَا يَنْبَغِي أَن يحكم بشذوذهما انْتهى. وَفِي الزَّيْلَعِيّ: من الودع، وَهُوَ مُطلق التّرْك، وَمَا ذكره النُّحَاة من أَن الْعَرَب أماتوا مصدر يدع رده قَاضِي زَاده بِأَنَّهُ ﵊ أفْصح الْعَرَب وَقد قَالَ لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجَمَاعَات أَو ليختمن على قُلُوبهم أَو ليكتبن من الغافلين أَي عَن تَركهم إِيَّاهَا، وَالْمرَاد من الْخَتْم فِي الحَدِيث أَن يحدث فِي نُفُوسهم هَيْئَة تمرنهم على عدم نُفُوذ الْحق فِيهَا، كَذَا بِخَط شَيخنَا. وَقَوله: ليختمن بِضَم الْيَاء التَّحْتِيَّة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبفتح الْمِيم أَيْضا. وَقَوله: ليكتبن بِضَم الْيَاء التَّحْتِيَّة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. وبضم الْبَاء الْمُوَحدَة من تَحت. كَذَا السماع من شَيخنَا أبي السُّعُود. وَقَالَ تَعَالَى: * ((٩٣) مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى) * (الضُّحَى: ٣) قرئَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد. قَوْله: (وَشرعا الخ) الانسب بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ أَن

стр. 1033

يَقُول: هُوَ ترك مَاله عِنْد غَيره لحفظه. قَوْله: (كَأَن انفتق) عبر بِهِ لانه لَو فتقه مَالِكه وَتَركه فَلَا ضَمَان على أحد، وَلَو فتقه غَيره فَالضَّمَان على الفاتق. كَذَا ظهر لي وَيُحَرر ط. قَوْله: (فَأَخذه رجل) أما إِذا لم يَأْخُذهُ وَلم يدن مِنْهُ لَا يضمن، منح عَن الْمُحِيط. وَهَذَا يُفِيد أَنه إِذا دنا مِنْهُ لزمَه وَإِن لم يَأْخُذهُ وَالْعلَّة تنافيه. قَوْله: (بغيبة مَالِكه) أما إِذا كَانَ الْمَالِك حَاضرا لم يضمن فِي الْوَجْهَيْنِ. منح أَي فِي الاخذ وَعَدَمه. قَوْله: (ثمَّ تَركه ضمن) مَا ذكره من التَّعْرِيف لَيْسَ خَاصّا بالوديعة بل بشمل اللّقطَة، لانه إِذا رَفعهَا لزمَه حفظهَا، وَمَعَ هَذَا لَا تسمى وَدِيعَة، ثمَّ فِي تَعْرِيفه على مَا ذكره المُصَنّف نظر، لَان الْمَذْكُور فِي المُصَنّف التسليط وَهُوَ فعل الْمَالِك وَهَذَا الْتِزَام وَهُوَ فعل الامين، وَلم يكن بتسليط من الْمَالِك لَا صَرِيحًا وَلَا دلَالَة، وَإِنَّمَا التسليط دلَالَة فِيمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ مَا لَو وضع ثوبا بَين يَدي رجل وَلم يقل شَيْئا، فَتَأمل. وَيقرب من هَذَا مَا ذكره فِي الاشباه فِي فن الحكايات عَن أبي حنيفَة قَالَ: كنت مجتازا فَأَشَارَتْ إِلَيّ امْرَأَة إِلَى شئ مطروح فِي الطَّرِيق فتوهمت أَنَّهَا خرساء وَأَن الشئ لَهَا فَلَمَّا رفعته إِلَيْهَا قَالَت احفظه حَتَّى تسلمه لصَاحبه فَإِنَّهُ لقطَة انْتهى. إِلَّا أَن يُقَال: المُرَاد تسليط الشَّرْع فَإِنَّهُ بالاخذ الْتزم حفظه شرعا. تَأمل. قَوْله: (لانه بِهَذَا الاخذ الْتزم حفظه دلَالَة) عِلّة. ل قَوْله: (ضمن) وَوجه كَونه من التسليط على الْحِفْظ دلَالَة أَن الْمَالِك يجب حفظ مَاله وَيجب المعاونة على حفظه فَكَأَنَّهُ أمره بِالْحِفْظِ، والمؤلف جعل الدّلَالَة من قبل الْمُودع بِالْفَتْح وَهُوَ خلاف الْمَوْضُوع، فَلَو قَالَ لانه بِهَذَا سلطه على حفظه دلَالَة لَكَانَ أليق ط. قَوْله: (والوديعة مَا تتْرك عَن الامين) أَي للْحِفْظ، زَاد البرجندي فَقَط. ليخرج الْعَارِية لانها تتْرك للْحِفْظ وَالِانْتِفَاع، وَإِنَّمَا لم يُقيد بِهِ تبعا لصَاحب الْكَنْز لاعتباره فِي تَعْرِيف الايداع السَّابِق. قَوْله: (وَهِي أخص من الامانة) لَان الامانة اسْم لما هُوَ غير مَضْمُون فَيشْمَل جَمِيعَ الصُّوَرِ الَّتِي لَا ضَمَانَ فِيهَا كَالْعَارِيَّةِ وَالْمُسْتَأْجر وَالْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ فِي يَدِ الْمُوصَى لَهُ بِهَا. والوديعة مَا ودع للْحِفْظ بالايجاب وَالْقَبُول فَكَانَا متغايرين: أَي بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوص. وَالْحكم فِي الْوَدِيعَة أَنه يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ إذَا عَادَ إلَى الْوِفَاقِ وَلَا يبرأ عَن الضَّمَان إِذا عَاد الْوِفَاق فِي الامانة، وَالْفرق بَين الْوَدِيعَة والامانة الْعُمُوم وَالْخُصُوص، فَإِن كل وَدِيعَة أَمَانَة، وَالْعَكْس لَيْسَ كَذَلِك، وَحمل الاعم على الاخص يجوز كَمَا فعله صَاحب الدُّرَر دون عَكسه كَمَا فعله الْقَدُورِيّ، لَان الامانة تَشْمَل مَا إِذا كَانَ من غير قصد، كَمَا إِذا هبت الرّيح فِي ثوب إِنْسَان فألقته فِي حجر غَيره. وَمَا يُقَال من أَن الْوَدِيعَة قد تكون من غير صنع الْمُودع على مَا صرح بِهِ صَاحب الْهِدَايَة فِي آخر بَاب الِاسْتِثْنَاء من كتاب الاقرار فَدفعهُ بِحمْل الْوَدِيعَة ثمَّة على مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ لَا الاصطلاحي، وَمثل هَذَا كثير لَا يخفى على من تدرب. قَوْله: (كَمَا حَقَّقَهُ المُصَنّف وَغَيره) قَالَ المُصَنّف فِي منحه: وَالْفرق بَينهمَا من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن الْوَدِيعَة خَاصَّة بِمَا ذكرنَا والامانة عَامَّة تَشْمَل مَا لَو وَقع فِي يَده شئ من غير قصد، بِأَن هبت الرّيح بِثَوْب إِنْسَان وألقته فِي حجر غَيره وَحكمهَا مُخْتَلف فِي بعض الصُّور، لَان فِي الْوَدِيعَة يبرأ من الضَّمَان بعد الْخلاف إذَا عَادَ إلَى الْوِفَاقِ، وَفِي الْأَمَانَةِ لَا يبرأ عَن الضَّمَان بعد الْخلاف.

стр. 1034

الثَّانِي: إنَّ الْأَمَانَةَ عِلْمٌ لِمَا هُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ فتشمل جَمِيعَ الصُّوَرِ الَّتِي لَا ضَمَانَ فِيهَا كَالْعَارِيَّةِ وَالْمُسْتَأْجر وَالْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ فِي يَدِ الْمُوصَى لَهُ بِهَا، والوديعة مِمَّا وُضِعَ لِلْأَمَانَةِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَكَانَا مُتَغَايِرَيْنِ، وَاخْتَارَهُ صَاحب الْهِدَايَة وَالنِّهَايَة، وَنقل الاول عَن الامام بدر الدّين الْكرْدِي اهـ. وَقد أوسع الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام العلامتان صدر الشَّرِيعَة وقاضي زَاده. قَوْله: (وركنها الايجاب صَرِيحًا) أَي قولا أَو فعلا. قَوْلُهُ: (أَوْ كِنَايَةً) الْمُرَادُ بِهَا مَا قَابَلَ الصَّرِيح مثل كنايات الطَّلَاق لَا البيانية كَمَا نذكرهُ قَرِيبا قَوْله: (كَقَوْلِه لرجل أَعْطِنِي الخ) لَو قَالَ كَقَوْلِه لرجل أَعطيتك بعد قَوْله أَعْطِنِي كَانَ أوضح، لَان الايجاب هُوَ قَوْله أَعطيتك على أَن قَوْله أَعْطِنِي لَيْسَ بِلَازِم فِي التَّصْوِير ط. قَوْله: (لَان الاعطاء يحْتَمل الْهِبَة) أَي وَيحْتَمل الْوَدِيعَة. وَفِيه أَن احْتِمَال الْوَدِيعَة فِي مثل هَذِه الْعبارَة بعيد جدا لُغَة وَعرفا فلماذا عدلوا عَن الْمُتَبَادر إِلَى غَيره. قَوْله: (لَكِن الْوَدِيعَة أدنى) هَذَا التَّعْلِيل ذكره فِي الْبَحْر أَيْضا، وَيُشِير إِلَى أَن المُرَاد بِالْكِنَايَةِ الْكِنَايَة البيانية، وَهِي إِطْلَاق الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم كَقَوْلِه: فلَان طَوِيل النجاد كثير الرماد على مَا عرف فِي فن الْبَيَان، وَلَيْسَ كَذَلِك لعدم انْتِقَاله من اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم وَلَا عَكسه، فَعلمنَا أَن المُرَاد بِالْكِنَايَةِ مَا احتملها وَغَيرهَا كَمَا ذكرنَا، فَلَو قَالَ صَرِيحًا أَو احْتِمَالا لَكَانَ أظهر. تَأمل. قَوْله: (وَلم يقل شَيْئا) فَلَو ذهب وَتَركه ضمن إِذا ضَاعَ فَهَذَا من الايجاب دلَالَة كَمَا أَنه من الْقبُول كَذَلِك، أما لَو قَالَ لَا أَقْبَلُ الْوَدِيعَةَ لَا يَضْمَنُ إذْ الْقَبُولُ عُرْفًا لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الرَّدِّ صَرِيحًا. قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: أَقُولُ دَلَّ هَذَا أَنَّ الْبَقَّارَ لَا يَصِيرُ مُودَعًا فِي بَقَرَةِ مَنْ بَعَثَهَا إلَيْهِ فَقَالَ الْبَقَّارُ لِلرَّسُولِ اذْهَبْ بِهَا إلَى رَبِّهَا فَإِنِّي لَا أَقْبَلُهَا فَذَهَبَ بِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الْبَقَّارُ، وَقَدْ مر خِلَافه. يَقُول الحقير: قَوْلُهُ يَنْبَغِي لَا يَنْبَغِي، إذْ الرَّسُولُ لَمَّا أَتَى بِهَا إلَيْهِ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الرِّسَالَةِ وَصَارَ أَجْنَبِيًّا، فَلَمَّا قَالَ الْبَقَّارُ رُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا صَارَ كَأَنَّهُ رَدَّهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ رَدَّهَا مَعَ أَجْنَبِيٍّ فَلِذَا يَضْمَنُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ. نُورُ الْعَيْنِ، وَتَمَامُهُ فِيهِ. وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ قَالَ لَمْ أَقْبَلْ حَتَّى لم يصر مودعا وَترك الثَّوْب ربه فَذهب فَرَفَعَهُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ يَنْبَغِي أَن يضمن لانه لما ثَبت الْإِيدَاعُ صَارَ غَاصِبًا بِرَفْعِهِ. يَقُولُ الْحَقِيرُ: فِيهِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْغَصْبَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ وَلَمْ تُوجَدْ وَرَفْعُهُ الثَّوْبَ لِقَصْدِ النَّفْعِ لَا للضَّرَر بَلْ تَرْكُ الْمَالِكِ ثَوْبَهُ إيدَاعٌ ثَانٍ وَرَفْعُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ قَبُولٌ ضِمْنًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يضمن، وَالله تَعَالَى أعلم اهـ. وَفِي الْبَحْر عَن الْخُلَاصَة: لَو وضع عِنْدَ قَوْمٍ فَذَهَبُوا وَتَرَكُوهُ ضَمِنُوا إذَا ضَاعَ، وَإِنْ قَامُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ضَمِنَ الْأَخِيرُ لانه تعين للْحِفْظ فَتعين للضَّمَان اهـ. فَكُلٌّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِيهِ غَيْرُ صَرِيحٍ كَمَسْأَلَة الخاني الْآتِيَة قَرِيبا بل بطرِيق الدّلَالَة. أَقُول: لَكِن فِي النَّفس شئ من بحث نور الْعين فِي مَسْأَلَة البقار، وَهُوَ أَن البقار لما لم يقبل الْبَقَرَة لم يصر مودعا قطعا وَالرَّسُول لما أدّى الرسَالَة انْتَهَت يَده الْمَأْذُون بهَا من الْمَالِك وَصَارَ كل مِنْهُمَا أَجْنَبِيّا فِي حق حفظ الْبَقَرَة وَالْبَقَرَة فِي حكم اللّقطَة حِينَئِذٍ، فَإِذا أَمر أَجْنَبِيّا بِرَفْع اللّقطَة وحفظها لِرَبِّهَا

стр. 1035

لَا يضمن. الْآمِر قطعا، فَكَذَا لَا يضمن هُنَا. وَأما تضمين الرَّسُول فَلَا وَجه لَهُ أَيْضا لانه من قبيل من رد الضَّالة لِرَبِّهَا وَهُوَ مَأْذُون بِهِ عَادَة، هَذَا مَا ظهر لي فَليُرَاجع. فَرْعٌ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: لَوْ أَدْخَلَ دَابَّتَهُ دَار غَيره وأخرجها رب الدَّال لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهَا تَضُرُّ بِالدَّارِ، وَلَوْ وَجَدَ دَابَّة فِي مربطه فأخرجها ضمن. قَوْله: (فَهُوَ إِيدَاع) أَي الْوَضع المرقوم إِيدَاع. وَفِي الْفُصُولَيْنِ فِي الْغَصْب: والوديعة إِذا وضع بَين يَدي الْمَالِك بارئ لَا فِي الدّين حَتَّى يَضَعهُ فِي يَده أَو حجره اهـ. فَصَارَ ابْتِدَاء الايداع وانتهاؤه سَوَاء. قَوْله: (أَو دلَالَة كَمَا لَوْ سَكَتَ) أَيْ فَإِنَّهُ قَبُولٌ. وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا فِي الْهِنْدِيَّةِ قَالَ: وَضَعَ شَيْئًا فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ أَمَرَهُ فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى ضَاعَ لَا يَضْمَنُ لِعَدَمِ الْتِزَامِ الْحِفْظِ. وضع عِنْد آخر شَيْئا وَقَالَ احفظه فَضَاعَ لَا يضمن لعدم الْتِزَام الْحِفْظ اهـ. وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَا وَعَدَمِهِ. سائحاني. قَوْله: (دلَالَة) أَي حَالية، وَلَو قَالَ لَا أَقْبَلُ لَا يَكُونُ مُودَعًا لِأَنَّ الدّلَالَة لم تُوجد ذكره المُصَنّف، والاولى مَا فِي شرح الْمُنْتَقى حَيْثُ قَالَ: لَان الدّلَالَة لَا تعَارض الصَّرِيح اهـ. وَمثله فِي كثير من الْكتب. فَظهر من هَذَا سُقُوط مَا فِي الْقنية من أول كتاب الْوَدِيعَة: وضع عِنْده شَيْئا وَقَالَ لَهُ احفظه حَتَّى أرجع فصاح لَا أحفظه وَتَركه صَاحبه صَار مودعا، وَيضمن إِن ترك حفظه فَهُوَ مُشكل لَان فِيهِ تَقْدِيم الدّلَالَة على الصَّرِيح، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ ضَعْهُ فِي الْجَانِب من بَيْتِي إِلَّا أَنِّي لَا ألتزم حفظه حَتَّى يصير مودعا لتعارض الصريحين فتساقط فَبَقيَ وَدِيعَة عِنْده. قَوْله: (بمرأى من الثيابي) وَلَا يكون الحمامي مودعا مَا دَامَ الثيابي حَاضرا، فَإِذا كَانَ غَائِبا فالحمامي مُودع اهـ. بَحر. وَفِيه عَن الْخُلَاصَةِ: لَبِسَ ثَوْبًا فَظَنَّ الثِّيَابِيُّ أَنَّهُ ثَوْبُهُ فَإِذا هُوَ ثوب الْغَيْر ضمن وَهُوَ الاصح اهـ. أَيْ لِأَنَّهُ بِتَرْكِ السُّؤَالِ وَالتَّفَحُّصِ يَكُونُ مُفَرِّطًا فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ عَلَى الْأَمِينِ بَاطِلٌ. أَفَادَهُ أَبُو السُّعُودِ. والثيابي: بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة هُوَ حَافظ الثِّيَاب فِي الْحمام، وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي بِلَادنَا بالناطور. قَالَ فِي الْقَامُوس: مَحْمُود بن عمر الْمُحدث: الثيابي كَانَ يحفظ الثِّيَاب فِي الْحمام اهـ. وَفِي الذَّخِيرَة: رجل دخل الْحمام وَقَالَ لصَاحب الْحمام احفظ الثِّيَاب فَلَمَّا خرج لم يجد ثِيَابه، فَإِن أقرّ صَاحب الْحمام أَن غَيره رَفعهَا وَهُوَ يرَاهُ ويظن أَنه رفع ثِيَاب نَفسه فَهُوَ ضَامِن، لانه ترك الْحِفْظ حَيْثُ لم يمْنَع القاصد وَهُوَ يرَاهُ، وَإِن أقرّ إِنِّي رَأَيْت وَاحِدًا قد رفع ثِيَابك إِلَّا أَنِّي ظَنَنْت أَن الرافع أَنْت فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، لانه لم يصر تَارِكًا للْحِفْظ لما ظن أَن الرافع هُوَ، وَإِن سرق وَهُوَ لَا يعلم بِهِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِن لم يذهب عَن ذَلِك الْموضع وَلم يضيع وَهُوَ قَول الْكل، لَان صَاحب الْحمام مُودع فِي حق الثِّيَاب إِذا لم يشْتَرط لَهُ بِإِزَاءِ حفظه الثِّيَاب أجرا، أما إِذا شَرط لَهُ بِإِزَاءِ حفظ الثِّيَاب أجرا وَقَالَ الاجرة بِإِزَاءِ الِانْتِفَاع بالحمام وَالْحِفْظ فَحِينَئِذٍ يكون على الِاخْتِلَاف، وَإِن دفع الثِّيَاب إِلَى الثيابي وَهُوَ الَّذِي يُقَال بِالْفَارِسِيَّةِ جامه دَار فعلى الِاخْتِلَاف لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِيمَا سرق عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما لانه أجِير مُشْتَرك. رجل دخل الْحمام وَنزع الثِّيَاب بَين يَدي صَاحب الْحمام وَلم يقل بِلِسَانِهِ شَيْئا فَدخل الْحمام ثمَّ خرج وَلم يجد ثِيَابه: إِن لم يكن للحمام ثِيَابِي يضمن صَاحب الْحمام مَا يضمن الْمُودع، وَإِن كَانَ للحمام

стр. 1036

ثِيَابِي إِلَّا أَنه لم يكن حَاضرا فَكَذَلِك، وَإِن كَانَ حَاضرا لَا يضمن صَاحب الْحمام، لَان هَذَا استحفاظ إِلَّا إِذا نَص على استحفاظ صَاحب الْحمام، بِأَن قَالَ لَهُ أَيْن أَضَع الثِّيَاب فَيصير صَاحب الْحمام مودعا فَيضمن مَا يضمن الْمُودع. وَفِي التَّجْنِيس: رجل دخل الْحمام وَنزع الثِّيَاب بِمحضر من صَاحب الْحمام ثمَّ خرج فَوجدَ صَاحب الْحمام نَائِما وسرقت ثِيَابه، إِن نَام قَاعِدا أَو مُضْطَجعا بِأَن وضع جنبه على الارض، فَفِي الْوَجْه الاول لَا يضمن، وَفِي الْوَجْه الثَّانِي قَالَ بَعضهم: يضمن. اهـ. وَفِي الْفُصُول الْعمادِيَّة: رجل دخل حَماما وَقَالَ للحمامي أَيْن أَضَع ثِيَابِي فَأَشَارَ الحمامي إِلَى مَوضِع فَوَضعه ثمَّة وَدخل الْحمام ثمَّ خرج رجل وَرفع الثِّيَاب فَلم يمنعهُ الحمامي لما أَنه ظَنّه صَاحب الثَّوْب ضمن الحمامي لانه استحفظه وَقد قصر فِي الْحِفْظ، وَهَذَا قَول ابْن سَلمَة وَأبي نصير الدبوسي. وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم يَقُول: لَا ضَمَان على الحمامي، والاول أصح اهـ. أَقُول: وَهُوَ الْمُوَافق لما مر قَرِيبا عَن الذَّخِيرَة. وَفِي فَتَاوَى الفضلي: امْرَأَة دخلت الْحمام وَدفعت ثِيَابهَا إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي تمسك الثِّيَاب فَلَمَّا خرجت لم تَجِد عِنْدهَا ثوبا من ثِيَابهَا: قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل: إِن كَانَت الْمَرْأَة دخلت أَولا فِي هَذَا الْحمام وَدفعت ثِيَابهَا إِلَى الَّتِي تمسك الثِّيَاب فَلَا ضَمَان على الثيابية فِي قَوْلهم إِذا لم تعلم أَنَّهَا تحفظ الثِّيَاب بِأَجْر، لانها إِذا دخلت أول مرّة وَلم تعلم بذلك وَلم تشْتَرط لَهَا الاجر على الْحِفْظ كَانَ ذَلِك إيداعا، وَالْمُودع لَا يضمن عِنْد الْكل إِلَّا بالتضييع وَإِن كَانَت هَذِه الْمَرْأَة قبل هَذِه الْمَرْأَة قد دخلت الْحمام وَكَانَت تدفع ثِيَابهَا إِلَى هَذِه الممسكة وتعطيها الاجر على حفظ الثِّيَاب فَلَا ضَمَان عَلَيْهَا عِنْد أبي حنيفَة، خلافًا لَهما لانها أجيرة مُشْتَركَة. وَالْمُخْتَار فِي الاجير الْمُشْتَرك قَول أبي حنيفَة، وَقيل هُوَ قَول مُحَمَّد، وَالْفَتْوَى على قَول أبي حنيفَة أَن الثيابي لَا يضمن إِلَّا بِمَا ضمن الْمُودع. وَذكر قاضيخان أَنه يَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عِنْدهمَا على التَّفْصِيل إِن كَانَ الثيابي أجِير الحمامي يَأْخُذ مِنْهُ كل يَوْم أجرا مَعْلُوما بِهَذَا الْعَمَل لَا يكون ضَامِنا عِنْد الْكل بِمَنْزِلَة تلميذ الْقصار وَالْمُودع. اهـ. وَفِي منهوات الانقروي: دخل الْحمام فَوضع الحارس لَهُ الفوطة ليضع ثِيَابه عَلَيْهَا فَنزع أثوابه ووضعها على الفوطة وَدخل واغتسل وَخرج وَلم يجد عمَامَته هَل يضمنهَا الحارس؟ أجَاب: نعم يضمنهَا لانه استحفظ وَقد قصر فِي الْحِفْظ. كَذَا فِي فَتَاوَى ابْن نجيم. وَفِي زَمَاننَا الثيابي أجِير مُشْتَرك بِلَا شُبْهَة، وَالْمُخْتَار فِي الاجير الْمُشْتَرك الضَّمَان بِالنِّصْفِ، فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يُفْتى فِي الثيابي بِضَمَان النّصْف. تَأمل. اهـ. قَوْله: (كَانَ إيداعا) هَذَا من الايجاب وَالْقَبُول دلَالَة. قَوْله: (وَهَذَا) أَي اشْتِرَاط الْقبُول أَيْضا. قَالَ فِي الْمنح: وَمَا ذكرنَا من الايجاب وَالْقَبُول شَرط فِي حَقِّ وُجُوبِ الْحِفْظِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الامانة فتتم بالايجاب اهـ. وَالْمرَاد بِحَق الامانة أَنه لَا يكون مَضْمُونا. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ) قَدْ مَرَّ أَنَّ الْقبُول صَرِيح وَدلَالَة فنفيه هُنَا بِمَعْنَى الرَّدِّ، أَمَّا لَوْ سَكَتَ فَهُوَ قبُول دلَالَة. وَالْحَاصِل: أَن المُرَاد نفي الْقبُول بقسميه فَتَأمل. قَوْله: (وَشَرطهَا كَون المَال قَابلا الخ) فِيهِ

стр. 1037

تسَامح إِذْ المُرَاد إِثْبَات الْيَد بِالْفِعْلِ وَبِه عبر الزَّيْلَعِيّ، وَلَا يَكْفِي قَبُولُ الْإِثْبَاتِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الدُّرَر. بقوله: وَحفظ شئ بِدُونِ إِثْبَات الْيَد عَلَيْهِ محَال اهـ. وَجرى عَلَيْهِ بَعضهم كالحموي والشرنبلالي. وَأجَاب عَنهُ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود بِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد من جعل القابلية شرطا عدم اشْتِرَاط إِثْبَات الْيَد بِالْفِعْلِ، بل المُرَاد الِاحْتِرَاز عَمَّا لَا يقبل ذَلِك بِدَلِيل التَّعْلِيل والتفريع اللَّذين ذكرهمَا الشَّارِح، فَتدبر اه. أَقُول: لَكِن الَّذِي قدمه فِي الدُّرَر يُفِيد كِفَايَة قبُول وضع الْيَد، فَإِن من وضع ثِيَابه بَين يَدي رجل سَاكِت كَانَ إيداعا، وَكَذَلِكَ وضع الثِّيَاب فِي الْحمام وربط الدَّابَّة فِي الخان من أَنه لَيْسَ فِيهِ إِثْبَات الْيَد بِالْفِعْلِ. وَقَوله: وَحفظ الشئ بِدُونِ إِثْبَات الْيَد عَلَيْهِ مَعْنَاهُ بِدُونِ إِمْكَان إِثْبَاتهَا، فَتَأمل. وَعَلِيهِ فَيكون المُرَاد بقبولها إِثْبَات الْيَد وَقت الايداع والطائر وَنَحْوه سَاعَة الايداع غير قَابل لذَلِك. قَوْله: (لم يضمن) الاولى أَن يَقُول: لَا يَصح لانه إِذا وجده بعد وَوضع يَده عَلَيْهِ وَهلك من غير تعد لم يضمن فَتدبر ط. قَالَ فِي الْجَوْهَرَة: أودع صَبيا وَدِيعَة فَهَلَكت مِنْهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ بالاجماع، فَإِن استهلكها: إِن كَانَ مَأْذُونا فِي التِّجَارَة ضمنهَا إِجْمَاعًا، وَإِن كَانَ مَحْجُورا عَلَيْهِ، إِن قبضهَا بِإِذن وليه ضمن أَيْضا إِجْمَاعًا، وَإِن قبضهَا بِغَيْر إِذن وليه لَا ضَمَان عَلَيْهِ عِنْدهمَا لَا فِي الْحَال وَلَا بعد الادراك. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يضمن فِي الْحَال، وَإِن أودعهُ عبدا فَقتله ضمن إِجْمَاعًا. وَالْفرق أَن الصَّبِي من عَادَته تَضْييع الاموال فَإِذا سلمه مَعَ علمه بِهَذِهِ الْعَادة فَكَأَنَّهُ رَضِي بالاتلاف فَلم يكن لَهُ تَضْمِينه، وَلَيْسَ كَذَلِك الْقَتْل لانه لَيْسَ من عَادَة الصّبيان فَيضمنهُ وَيكون قِيمَته على عَاقِلَته، وَإِن جَنَى عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ كَانَ أَرْشُهُ فِي مَال الصَّبِي اهـ. قَالَ الْعَلامَة الْخَيْر الرَّمْلِيّ: أَقُول: يسْتَثْنى مِنْ إيدَاعِ الصَّبِيِّ مَا إذَا أَوْدَعَ صَبِيٌّ مَحْجُورٌ مِثْلَهُ وَهِيَ مِلْكُ غَيْرِهِمَا فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الدَّافِع والاخذ. كَذَا فِي الْفَوَائِد الزينية. وَأَجْمعُوا على أَنه لَو اسْتهْلك مَال الْغَيْر من غير أَن يكون عِنْده وَدِيعَة ضمن فِي الْحَال. كَذَا فِي الْعِنَايَة لانه مَحْجُور عَلَيْهِ فِي الاقوال دون الافعال كَمَا ذكر فِي الْحجر، وَسَيَأْتِي مزِيد تَفْصِيل فِي الْمَسْأَلَة فِي كتاب الْجِنَايَات قبل الْقسَامَة فأسطر فَرَاجعه إِن شِئْت اهـ. قَوْله: (وَلَو عبدا مَحْجُورا ضمن بعد عتقه) أَي لَو بَالغا، فَلَو قاصرا لَا ضَمَان عَلَيْهِ أصلا. أَبُو السُّعُود. وَإِنَّمَا لم يضمن فِي الْحَال لحق مَالِكه فَإِن الْمُودع لما سلطه على الْحِفْظ وَقَبله العَبْد حَقِيقَة أَو حكما كَمَا لَو كَانَ ذَلِك بالتعاطي فَكَانَ من قبيل الاقوال، وَالْعَبْد مَحْجُور عَنْهَا فِي حق سَيّده، فَإِذا عتق ظهر الضَّمَان فِي حَقه لتَمام رَأْيه، وَهَذَا إِذا لم تكن الْوَدِيعَة عبدا، فَلَو أودع صَبيا عبدا فَقتله الصَّبِي ضمن عَاقِلَته سَوَاء قَتله عمدا أَو خطأ، لَان عمده خطأ، وَلَيْسَ مسلطا على الْقَتْل من جَانب الْمولى لَان الْمولى لَا يملك الْقَتْل فَلَا يملك التسليط عَلَيْهِ، فَإِن أودع العَبْد عِنْد عبد مَحْجُور فَقتله خطأ كَانَ من قبيل الافعال وَهُوَ غير مَحْجُور عَنْهَا، وَلم تكن من الاقوال لَان مولى العَبْد لَا يملك تَفْوِيض قَتله للْمُودع، فَكَانَ على مولى العَبْد الْمُودع الْقَاتِل أَن يَدْفَعهُ أَو يفْدِيه كَمَا هُوَ حكم الْخَطَأ، وَإِن قَتله عمدا قتل بِهِ إِلَّا أَن يعْفُو وليه. رَحْمَتي. قَوْله: (وَهِي أَمَانَة) هَذَا من قبيل حمل الْعَام على الْخَاص وَهُوَ جَائِز كالانسان حَيَوَان، وَلَا يجوز عَكسه لَان الْوَدِيعَة عبارَة عَن كَون الشئ أَمَانَة باستحفاظ صَاحبه عِنْد غَيره قصدا، والامانة قد تكون من غير قصد، والوديعة

стр. 1038

خَاصَّة والامانة عَامَّة، والوديعة بِالْعقدِ والامانة أَعم، فتنفرد فِيمَا إِذا هبت الرّيح بِثَوْب إِنْسَان وألقته فِي حجر غَيره، وَتقدم أَنه يبرأ عَن الضَّمَان فِي الْوَدِيعَة إِذا عَاد إِلَى الْوِفَاق، والامانة غَيرهَا لَا يبرأ عَن الضَّمَان بالوفاق ط. وَمثله فِي النِّهَايَة والكفاية. قَالَ يَعْقُوب باشا: وَفِيه كَلَام، وَهُوَ أَنه إِذا اعْتبر فِي إِحْدَاهمَا الْقَصْد وَفِي الاخرى عَدمه كَانَ بَينهمَا تبَاين لَا عُمُوم وخصوص. والاولى أَن يُقَال: والامانة قد تكون بِغَيْر قصد كَمَا لَا يخفى انْتهى. لَكِن يُمكن الْجَواب بِأَن المُرَاد. ب قَوْله: (والامانة مَا يَقع فِي يَده من غير قصد كَونهَا بِلَا اعْتِبَار قصد) ، لَان عدم الْقَصْد مُعْتَبر فِيهَا حَتَّى يلْزم التباين، بل هِيَ أَعم من الْوَدِيعَة لانها تكون بِالْقَصْدِ فَقَط والامانة قد تكون بِالْقَصْدِ بِغَيْر تدبر. وَمَا فِي الْعِنَايَة من أَنه قد ذكرنَا أَن الْوَدِيعَة فِي الِاصْطِلَاح هِيَ التسليط على الْحِفْظ وَذَلِكَ يكون بِالْعقدِ والامانة أَعم من ذَلِك فَإِنَّهَا قد تكون بِغَيْر عقد فِيهِ كَلَام، وَهُوَ أَن الامانة مباينة للوديعة بِهَذَا الْمَعْنى لَا أَنَّهَا أَعم مِنْهَا، لَان التسليط على الْحِفْظ فعل الْمُودع وَهُوَ الْمَعْنى والامانة عين من الاعيان فيكونان متباينين. والاول أَن يَقُول: والوديعة مَا تتْرك عِنْد الامين كَمَا فِي هَذَا الْمُخْتَصر. داماد. قَوْله: (والاداء عِنْد الطّلب) أَي إِلَّا فِي مسَائِل ستأتي: مِنْهَا مَا إِذا كَانَت سَيْفا وَأَرَادَ قتل آخر ظلما كَمَا فِي الدّرّ الْمُنْتَقى. قَوْله: (واستحباب قبُولهَا) قَالَ الشمني: وشرعية الايداع. بقوله تَعَالَى: * (إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الامانات إِلَى أَهلهَا) * (النِّسَاء: ٨٥) وَأَدَاء الامانة لَا يكون إِلَّا بعْدهَا، ولان قبُول الْوَدِيعَة من بَاب الاعانة لَان يحفظها لصَاحِبهَا، وَهِي مَنْدُوبَة لقَوْله تَعَالَى: * (وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى) * (الْمَائِدَة: ٢) وَقَوله صلى الله تَعَالَى عَنهُ وَسلم: وَالله تَعَالَى فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه اهـ. قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَقَالَ ﵊ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وحفظها يُوجب سَعَادَة الدَّاريْنِ، والخيانة توجب الشَّقَاء فيهمَا الخ. وَمن محاسنها اشتمالها على بذل مَنَافِع بدنه وَمَاله فِي إِعَانَة عباد الله واستيجابه الاجر وَالثنَاء. حموي. وَالْحَاصِل: أَنه يبتنى على الايداع أَرْبَعَة أَشْيَاء: كَون الْوَدِيعَة أَمَانَة، وَوُجُوب الْحِفْظ على الْمُودع، وَوُجُوب الاداء عِنْد الطّلب، واستحباب قبُولهَا. قَوْله: (فَلَا تضمن بِالْهَلَاكِ) تَفْرِيع على كَونهَا أَمَانَة. قَوْله: (إِلَّا إِذا كَانَت الْوَدِيعَة بِأَجْرٍ) سَيَأْتِي أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ لَا يَضْمَنُ وَإِن شَرط عَلَيْهِ الضَّمَان، وَبِه يُفْتى. وَأَيْضًا قَول المُصَنّف قَرِيبا وَاشْتِرَاط الضَّمَان على الامين بَاطِل بِهِ يُفْتى، فَكيف يُقَال مَعَ عدم الشَّرْط أَنه يضمن. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: دَفَعَ إلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ وَاسْتَأْجَرَهُ وَشرط عَلَيْهِ الضَّمَان إِذا تلف فَذكر أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِيمَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، لَكِن قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ: صرح الزَّيْلَعِيّ فِي كتاب الاجارة فِي بَاب ضَمَان الاجير الْوَدِيعَة إِذا كَانَت بِأَجْر تكون مَضْمُونَة، وَسَيَأْتِي مثله فِي الشَّرْح، وَمثله فِي النِّهَايَة والكفاية شرح الْهِدَايَة وَكثير من الْكتب اهـ. وعللوه بِأَن الْحِفْظ حِينَئِذٍ مُسْتَحقّ عَلَيْهِ كَمَا قدمنَا. فَأفَاد أَن الاجرة تخرج الْوَدِيعَة عَن كَونهَا أَمَانَة إِلَى الضَّمَان. وَفِي صدر الشَّرِيعَة: إِذا سرق من الاجير الْمُشْتَرك وَالْحَال أَنه لم يقصر فِي الْمُحَافظَة يضمن عِنْدهمَا، كَمَا فِي الْوَدِيعَة الَّتِي تكون بِأَجْر فَإِن الْحِفْظ مُسْتَحقّ عَلَيْهِ. وَأَبُو حنيفَة يَقُول: الاجرة فِي مُقَابلَة الْعَمَل دون الْحِفْظ فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ بِلَا أجر اهـ. فَأفَاد أَن الْوَدِيعَة بِأَجْر مَضْمُونَة اتِّفَاقًا وَبلا أجر غير مَضْمُونَة اتِّفَاقًا، وَأما الاجير الْمُشْتَرك فَيضمن عِنْدهمَا، لَان الاجرة فِي مُقَابلَة الْعَمَل وَالْحِفْظ، وَلَا

стр. 1039

يضمن عِنْده لانها فِي مُقَابلَة الْعَمَل فَقَط، فَحصل الْفرق بَين الْمُودع بِأَجْر والاجير الْمُشْتَرك. قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: وَقد يفرق بِأَنَّهُ هُنَا متسأجر عَلَى الْحِفْظِ قَصْدًا، بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّهُ مُسْتَأْجر على الْعَمَل اهـ. يُؤَيّدهُ مَا سَمِعت وَمَا قدمنَا. وَالْحَاصِل: أَن الاجير الْمُشْتَرك من يعْمل لغيره عملا غير مُؤَقّت وَلَا مَخْصُوص كالحمامي والحارس فَهُوَ مُسْتَأْجر لحفظ الْمَكَان الَّذِي فِيهِ الْمَتَاع فَلم يكن مودعا، بِخِلَاف الْمُودع بِأَجْر فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ احفظ هَذِه الْوَدِيعَة وَلَك من الاجر كَذَا، فينطبق عَلَيْهِ اسْم الْمُودع وَهُوَ تسليط الْغَيْر على حفظ مَاله، فَتَأمل. قَوْله: (معزيا للزيلعي) ذكره فِي ضَمَان الاجير، وَعلل الضَّمَان بِأَن الْحِفْظ وَاجِب عَلَيْهِ مَقْصُودا بِبَدَل اهـ. قَوْله: (سَوَاء أمكن التَّحَرُّز عَنهُ أم لَا) وَلَيْسَ مِنْهُ النسْيَان، كَمَا لَو قَالَ وضعت عِنْدِي فنسيت وَقمت بل يكون مفرطا، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ ضَاعَت وَلَا أَدْرِي كَيفَ ذهبت الْوَدِيعَة من منزلي وَلم يذهب من منزلي شئ فَإِن القَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه، وَلَا يضمن لانه أَمِين اهـ. حموي بِتَصَرُّف ط. قَالَ مؤيد زَاده: إِذا قَالَ ذهبت يقبل قَوْله مَعَ يَمِينه واقعات. قَوْله: (لحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ) قَالَ فِي الْمنح: وَإِنَّمَا كَانَت الْوَدِيعَة أَمَانَة لقَوْله (ص) : لَيْسَ على الْمُسْتَعِير غير الْمغل ضَمَان، وَلَا على الْمُسْتَوْدع غير الْمغل ضَمَان والغلول والاغلال: الْخِيَانَة، إِلَّا أَن الْغلُول فِي الْمغنم خَاصَّة والاغلال عَام، وَهَذَا الحَدِيث مُسْند عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي (ص) اهـ مُلَخصا. ولان شرعيتها لحَاجَة النَّاس إِلَيْهَا، وَلَو ضمنا الْمُودع امْتنع النَّاس عَن قبُولهَا وَفِي ذَلِك تَعْطِيل الْمصَالح. قَوْله: (وَاشْتِرَاط الضَّمَان إِلَخ) وَلَو ضمن تَسْلِيمهَا صَحَّ أَبُو السُّعُود. قَوْله: (كالحمامي) أَي معلم الْحمام الَّذِي يَأْخُذ الاجرة فِي مُقَابلَة انْتِفَاع الدَّاخِل بالحمام، أما مَنْ جَرَى الْعُرْفُ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ فِي مُقَابَلَةِ حفظه شَيْئا وَهُوَ الْمُسَمّى بالناطور فِي زَمَاننَا وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ الشَّارِح الثيابي فَإِنَّهُ يضمن لانه وَدِيعَة بِأُجْرَة كَمَا تقدم، لَكِن الْفَتْوَى على عَدمه وَيَأْتِي تَمَامه. قَوْله: (والخاني) أَي فَإِنَّهُ لَا نفع لَهُ غير الْحِفْظ فَيَنْبَغِي أَن يكون من قبيل الْحَافِظ بالاجر، إِلَّا أَن يُقَال: قد يقْصد الخان لدفع الْحر وَالْبرد وَمنع الدَّابَّة عَن الهروب فَلم يكن مُسْتَأْجر للْحِفْظ. تَأمل. قَوْله: (بَاطِل بِهِ يُفْتى) قَالَ مؤيد زَاده فِي أَنْوَاع الضمانات: اسْتَأْجر رجلا لحفظ خَان أَو حوانيت فَضَاعَ مِنْهَا شئ قيل يضمن عِنْدهمَا لَوْ ضَاعَ مِنْ خَارِجِ الْحُجْرَةِ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ، وَقِيلَ لَا فِي الصَّحِيحِ، وَبِهِ يُفْتَى. وَلَوْ ضَاعَ مِنْ دَاخِلِهَا بِأَنْ نَقَّبَ اللِّصُّ فَلَا يضمن الحارس فِي الاصح وحارس السُّوق على هَذَا الْخلاف، وَاخْتَارَ أَبُو جَعْفَر أَنه يضمن مَا كَانَ خَارج السُّوق لَا دَاخله. جَامع الْفُصُولَيْنِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّة: نقب حَانُوت رجل وَأخذ مَتَاعه لَا يضمن حارس الحوانيت على مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، لَان الامتعة محروسة بأبوابها وحيطانها والحارس يحرس الابواب. وعَلى قَول أبي حنيفَة: لَا يضمن مُطلقًا وَإِن كَانَ المَال فِي يَده لانه أجِير اهـ. وَفِي الْمنية: دفع الثَّوْب إِلَى الحمامي ليحفظه فَضَاعَ لَا يضمن إِجْمَاعًا لانه مُودع لَان مَحل الاجر

стр. 1040

بِإِزَاءِ الِانْتِفَاع بالحمام، إِلَّا أَن يشْتَرط بِإِزَاءِ الِانْتِفَاع بِهِ الْحِفْظ فَحِينَئِذٍ على الْخلاف. وَإِذا دفع إِلَى من يحفظ بِأَجْر كالثيابي فعلى الِاخْتِلَاف. خُلَاصَة وَصدر الشَّرِيعَة. قَوْله: (حفظهَا بِنَفسِهِ) قَالَ فِي الْمنح: وَذَلِكَ بالحرز وباليد. أما الْحِرْز فداره ومنزله وحانوته سَوَاء كَانَ ملكا أَو إِجَارَة أَو عَارِية. قَالَ الرَّمْلِيّ: أَقُول: لَا يخفى أَن لفظ الْحِرْز مشْعر بِاشْتِرَاط كَونه حصينا، حَتَّى لَو لم يكن كَذَلِك بِحَيْثُ يعد الْوَضع فِيهِ تضييعا يضمن ذَلِك كَالدَّارِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا حيطان وَلَا لبيوتها أَبْوَاب. وَقد سُئِلت عَن خياطَة فِي دَار بِهَذِهِ الصّفة خرجت مِنْهَا هِيَ وَزوجهَا لَيْلًا لعرس جارتها فسرقت أَثوَاب النَّاس مِنْهَا فأفتيت بِالضَّمَانِ وَالْحَالة هَذِه، لَان مثل ذَلِك يعد تضييعا. تَأمل اهـ. وَفِي الانقروي من الْوَدِيعَة: سوقي قَامَ من حانوته إِلَى الصَّلَاة وَفِي حانوته ودائع فَضَاعَ شئ مِنْهَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ، لانه غير مضيع لما فِي حانوته لَان جِيرَانه يَحْفَظُونَهُ، إِلَّا أَن يكون هَذَا إيداعا من الْجِيرَان فَيُقَال لَيْسَ للْمُودع أَن يودع، لَكِن هَذَا مُودع لم يضيع. واقعات: فِي الْوَدِيعَة: قَوْله لَيْسَ للْمُودع أَن يودع إِلَخ ذكر الصَّدْر الشَّهِيد مَا يدل على الضَّمَان، فَتَأمل عِنْد الْفَتْوَى. فصولين من الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ. وَفِي الْبَزَّازِيَّة: قَامَ من حانوته إِلَى الصَّلَاة وَفِيه ودائع النَّاس وضاعت لَا ضَمَان، وَإِن أَجْلِس على بَابه ابْنا لَهُ صَغِيرا فَضَاعَ: إِن كَانَ الصَّبِي يعقل الْحِفْظ لَا يضمن، وَإِلَّا يضمن اهـ. وَقَالَ قبيله: وَالْحَاصِل أَن الْعبْرَة للْعُرْف، حَتَّى لَو ترك الْحَانُوت مَفْتُوحًا أَو علق الشبكة على بَابه ونام فَفِي النَّهَار لَيْسَ بتضييع، وَفِي اللَّيْل إِضَاعَة. وَفِي خوارزم: لَا يعد إِضَاعَة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. أَقُول: الَّذِي يظْهر فِي مَسْأَلَة الحانوتي عدم الضَّمَان سَوَاء أَجْلِس صَبيا أَو لَا حَيْثُ جرى عرف أهل السُّوق لانه غير مُودع قصدا بل تَركهَا فِي حرزها مَعَ مَاله فقد حفظهَا بِمَا يحفظ بِهِ مَاله. وَلِهَذَا نقل فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ بعد مَا تقدم رامزا إِلَى فَتَاوَى القَاضِي ظهير الدّين أَنه يبرأ على كل حَال لانه تَركهَا فِي الْحِرْز فَلم يضيع اهـ. وَالْحَاصِل: أَنه يجب حرز كل شئ فِي حرز مثله، بِخِلَاف الْحِرْز فِي السّرقَة فَإِن كل مَا كَانَ حرز النَّوْع فَهُوَ حرز لسَائِر الانواع فَيقطع بِسَرِقَة لؤلؤة من اصطبل، أما هُنَا فَإِن حرز كل شئ بِحَسبِهِ. فَفِي الْبَزَّازِيَّة: لَو قَالَ وَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَقُمْتُ وَنَسِيتُهَا فَضَاعَتْ يَضْمَنُ، وَلَوْ قَالَ وَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيَّ فِي دَار وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا أَنَّ مِمَّا لَا يُحْفَظُ فِي عَرصَة الدَّار كصرة النَّقْدَيْنِ ضمن، وَلَو كَانَت مِمَّا يعد عرصتها حصنا لَهُ لَا يضمن اهـ. وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَعِيَاله) بِالْكَسْرِ جمع عيل بِفَتْح فتشديد وَهُوَ من يقوته، لَكِن المُرَاد هُنَا فِي تَفْسِير من فِي عِيَاله أَن يسكن مَعَه سَوَاء كَانَ فِي نَفَقَته أَو لم يكن، وَالْعبْرَة فِي هَذَا للمساكنة إِلَّا فِي حق الزَّوْجَة وَالْولد الصَّغِير وَالْعَبْد، لَكِن يشْتَرط فِي الْوَلَد الصَّغِير أَن يقدر على الْحِفْظ، فعلى هَذَا التَّفْسِير يَنْبَغِي أَن لَا يضمن بِالدفع إِلَى أَجْنَبِي يسكن مَعَه. ذكره حفيد السعد فِي حَوَاشِي صدر الشَّرِيعَة. وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الْوَلوالجِيَّة: رجل أجر بَيْتا من دَاره إنْسَانا وَدفع الْوَدِيعَة إِلَى هَذَا الْمُسْتَأْجر: إِن كَانَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا غلق على حِدة يضمن لانه لَيْسَ فِي عِيَاله وَلَا بِمَنْزِلَة من فِي عِيَاله، وَإِن لم يكن لكل

стр. 1041

مِنْهُمَا غلق على حِدة وكل وَاحِد مِنْهُمَا يدْخل على صَاحبه بِغَيْر حشمة لَا يضمن لانه بِمَنْزِلَة من فِي عِيَاله. اهـ. وَفِي الْخُلَاصَة: مُودع غَابَ عَن بَيته وَدفع مفتاحه إِلَى غَيره فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيته لم يجد الْوَدِيعَة لَا يضمن وَيدْفَع الْمِفْتَاح إِلَى غَيره، وبدفع الْمِفْتَاح إِلَى غَيره لم يَجْعَل الْبَيْت فِي يَد غَيره اهـ. ط قَوْله: (أَو حكما) تَفْسِير لمن يسكن مَعَه فِي عِيَاله. قَوْلُهُ: (فَلَوْ دَفَعَهَا) تَفْرِيعٌ عَلَى. قَوْلِهِ: (أَوْ حكما) وَتَفْسِير لَهُ كَمَا تشعر بِهِ عبارَة الْمنح. قَوْله: (الْمُمَيِّزِ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْحِفْظِ. بَحر قَوْله: (وَلَا يسكن مَعهَا) لانها فِي الحكم كَأَنَّهَا فِي مسكن زَوجهَا. قَوْله: (خُلَاصَة) قَالَ فِيهَا: وَفِي النِّهَايَة: لَو دَفعهَا إِلَى وَلَده الصَّغِير أَو زَوجته وهما فِي محلّة وَالزَّوْج يسكن فِي محلّة أُخْرَى لَا يضمن، وَلَو كَانَ لَا يجِئ إِلَيْهِمَا وَلَا ينْفق عَلَيْهِمَا، لَكِن يشْتَرط فِي الصَّغِير أَن يكون قَادِرًا على الْحِفْظ، فَإِن الزَّوْجَة: أَي وَالْولد الصَّغِير وَإِن كَانَا فِي مسكن آخر إِلَّا أَنَّهُمَا فِي الحكم كَأَنَّهُمَا فِي مسكن الزَّوْج والاب اهـ. قَالَ الرَّمْلِيّ: وَقد زَاد صَاحب الْمُجْتَبى العَبْد الَّذِي لم يكن فِي منزله، وكل ذَلِك يرجع إِلَى قَوْلهم يحفظها بِمَا يحفظ بِهِ مَاله، فَتنبه لذَلِك اهـ. قَوْله: (وَقيل يعتبران مَعًا) أَقُول: وَعَلِيهِ فَيدْخل عَبده وَأمته وأجيره الْخَاص كالمشاهرة، بِشَرْط أَن يكون طَعَامه وَكسوته عَلَيْهِ دون الاجير بالمياومة وَولده الْكَبِير إِن كَانَ فِي عِيَاله كَمَا ذكره بَعضهم، فَتَأمل. قَوْله: (عَيْني) نَصه: وَتعْتَبر المساكنة وَحدهَا دون النَّفَقَة، حَتَّى أَن الْمَرْأَة لَو دفعتها إِلَى زَوجهَا لَا تضمن وَإِن لم يكن الزَّوْج فِي عيالها، لَان الْعبْرَة فِي هَذَا الْبَاب للمساكنة دون النَّفَقَة. وَقيل تعْتَبر المساكنة مَعَ النَّفَقَة اهـ. قَوْلُهُ: (ضَمِنَ) أَيْ بِدَفْعِهَا لَهُ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ فِي بَيْتِهِ الَّذِي فِيهِ وَدَائِعُ النَّاسِ وَذهب فَضَاعَت ضمن. بَحر عَن الْخُلَاصَة. قَالَ ط: فَلَا يضمن فِي صُورَتَيْنِ: أما إِذا علم أَمَانَته وَمَا إِذا لم يعلم حَاله أصلا. قَوْله: (الدّفع لمن فِي عِيَالِهِ) الضَّمِيرُ فِي عِيَالِهِ الْأَخِيرِ يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ لِلْعِيَالِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ صَرَّحَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ، وَيصِح أَن يرجع للْمُودع وَبِهِ صَرَّحَ الْمَقْدِسِيَّ. وَفِيهِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَبَوَيْنِ كَوْنُهُمَا فِي عِيَالِهِ، وَبِهِ يُفْتَى. وَلَوْ أَوْدَعَ غَيْرَ عِيَالِهِ وَأَجَازَ الْمَالِكُ خَرَجَ مِنْ الْبَيْنِ، وَلَوْ وَضَعَ فِي حِرْزِ غَيْرِهِ بِلَا اسْتِئْجَار يضمن لَان الْوَضع فِي الْحِرْز وضع فِي يَد من فِي يَده الْحِرْز فَيكون كالتسليم إِلَيْهِ. زَيْلَعِيّ: أَي فَيكون وَدِيعَة وَلَيْسَ للْمُودع أَن يودع. رملي. وَفِي سكوتهم عَن الدّفع لعيال الْمُودع بِكَسْر الدَّال إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يملكهُ. وَنقل الْعَلامَة أَبُو السُّعُود اخْتِلَافا فَقَالَ: وَالرَّدّ إِلَى عِيَال الْمَالِك كالرد إِلَى الْمَالِك فَلَا يكون إيداعا، بِخِلَاف الْغَاصِب إِذا رد إِلَى من فِي عِيَال الْمَالِك فَإِنَّهُ لَا يبرأ. وَفِي الْخُلَاصَة: إِذا رد الْوَدِيعَة إِلَى منزل الْمُودع أَو إِلَى من فِي عِيَاله فَضَاعَت لَا يضمن. وَفِي رِوَايَة الْقَدُورِيّ يضمن، بِخِلَاف الْعَارِية. قَالَ فِي الْبَحْر: وَالْفَتْوَى على الاول، وَهَذَا إِذا دفع إِلَى الْمَرْأَة للْحِفْظ. أما إِذا أخذت لتنفق على نَفسهَا وَهُوَ دفع يضمن اهـ. فعلى مَا ذكر إِذا كَانَ ابْنهَا فِي عيالها وَلم يكن مُتَّهمًا يلْزمهَا الْيَمين أَنَّهَا

стр. 1042

دفعتها لابنها الْمَذْكُور وَيسْأل الْمَدْفُوع إِلَيْهِ مَاذَا صنع وَيجْعَل كَأَنَّهُ نفس الْمُودع، وَيجْرِي الحكم الشَّرْعِيّ فِيهِ. لما فِي فَتَاوَى مؤيد زَاده وصور الْمسَائِل عَن الْفُصُولَيْنِ: أتلفهَا من فِي عِيَال الْمُودع ضمن الْمُتْلف صَغِيرا أَو كَبِيرا لَا الْمُودع اهـ. الْمُودع إِذا قَالَ دفعت الْوَدِيعَة إِلَى ابْني وَأنكر الابْن ثمَّ مَا ت الابْن فورث الاب مَال ابْنه كَانَ ضَمَان الْوَدِيعَة فِي تَرِكَة الابْن خاينة. وَفِي فَتَاوَى قاضيخان: عشرَة أَشْيَاء إِذا ملكهَا إِنْسَان لَيْسَ لَهُ أَن يملك غَيره لَا قبل الْقَبْض وَلَا بعده: الْمُرْتَهن لَا يملك أَن يرْهن، وَالْمُودع لَا يملك الايداع، وَالْوَكِيل بِالْبيعِ لَا يملك أَن يُوكل غَيره، ومستأجر الدَّابَّة أَو الثَّوْب لَا يُؤجر غَيره، وَالْمُسْتَعِير لَا يعير مَا يخْتَلف بِالْمُسْتَعْملِ، والمزارع لَا يدْفع الارض مُزَارعَة إِلَى غَيره وَالْمُضَارب لَا يضارب، والمستبضع لَا يملك الابضاع، وَالْمُودع لَا يملك الايداع اهـ. وَلم يذكر الْعَاشِر فِي الْبَحْر. وَذكره الْخَيْر الرَّمْلِيّ فَقَالَ: الْعَاشِر المساقي لَا يساقي غَيره بِغَيْر إِذن كَمَا فِي السِّرَاجِيَّة وَشرح الْوَهْبَانِيَّة اهـ. وَفِي الْخُلَاصَة: والوديعة لَا تُودَعُ وَلَا تُعَارَ وَلَا تُؤَجَّرُ وَلَا ترهن، وَإِن فعل شَيْئا مِنْهَا ضمن، وَالْمُسْتَأْجر يُؤجر ويعار وَلم يذكر حكم الرَّهْن، وَيَنْبَغِي أَن لَا يرْهن كَمَا هُوَ الصَّحِيح من عبارَة الْخُلَاصَة، وَيَأْتِي بَيَانهَا فِي الْعَارِية موضحا. وَفِي التَّجْرِيد: وَلَيْسَ للْمُرْتَهن أَن يتَصَرَّف بشئ فِي الرَّهْن غير الامساك، لَا يَبِيع وَلَا يُؤجر وَلَا يعير وَلَا يلبس وَلَا يستخدم، فَإِن فعل كَانَ مُتَعَدِّيا وَلَا يبطل الرَّهْن انْتهى. قَوْله: (بِأَن كَانَ لَهُ عِيَال غَيره) أَي غير الْبَعْض الَّذِي نَهَاهُ عَنهُ ضمن بِدَفْعِهِ إِلَى الْمنْهِي عَنهُ، وَإِن لم يكن لَهُ إِلَّا ذَلِك الْبَعْض لَا يضمن بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ. قَوْله: (وَإِلَّا لَا) يَعْنِي مَعَ كَون الْمَدْفُوع إِلَيْهِ أَمينا لانه شَرط جَوَاز الدّفع كَمَا مر. قَوْله: (وَإِن حفظهَا بغيرهم ضمن) أَي لَان صَاحبهَا لم يرض بيد غَيره والايدي تخْتَلف بالامانة، ولان الشئ لَا يتَضَمَّن مثله كالمضارب لَا يضارب. أَبُو السُّعُود. قَالَ الرَّمْلِيّ: إِنَّمَا يضمن إِذا كَانَ بِغَيْر إِذن صَاحبهَا. اهـ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ ادْفَعْهَا لِمَنْ شِئْت يُوَصِّلُهَا إلَيَّ فَدَفَعَهَا إلَى أَمِينٍ فَضَاعَتْ: قِيلَ يَضْمَنُ، وَقيل لَا يضمن: تاترخانية. فرع: آخر حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ فَدَفَعَتْ الْوَدِيعَةَ إلَى جَارَتِهَا فَهَلَكَتْ عِنْدَ الْجَارَةِ. قَالَ الْبَلْخِيّ: إنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهَا عِنْدَ الْوَفَاةِ أَحَدٌ مِمَّنْ يَكُونُ فِي عيالها لَا تضمن، كَمَا لَو وَقع الْحَرِيق فِي مَال الْمُودع لَهُ دَفعهَا لاجنبي خَانِية. قَوْله (وَعَن مُحَمَّد) رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْمُودع إِذا دفع الْوَدِيعَة إِلَى وَكيله وَلَيْسَ فِي عِيَاله أَو دفع إِلَى أَمِين من أمنائه من يَثِق فِي مَاله وَلَيْسَ فِي عِيَاله لَا يضمن، لانه حفظه مثل مَا يحفظ مَاله وَجعله مثله فَلَا يجب عَلَيْهِ أَكثر من ذَلِك. ذكره فِي النِّهَايَة. ثمَّ قَالَ: وَعَلِيهِ الْفَتْوَى، وَعَزاهُ إِلَى التُّمُرْتَاشِيّ، وَهُوَ إِلَى الْحلْوانِي. ثمَّ قَالَ: وعَلى هَذَا لم يشْتَرط فِي التُّحْفَة فِي حفظ الْوَدِيعَة الْعِيَال، فَقَالَ: وَيلْزم الْمُودع حفظه إِذا قبل الْوَدِيعَة على الْوَجْه الَّذِي يحفظ مَاله، وَذكر فِيهِ أَشْيَاء، حَتَّى ذكر أَن لَهُ أَن يحفظ بِشريك الْعَنَان والمفاوضة وَعَبده الْمَأْذُون لَهُ الَّذِي فِي يَده مَاله، وَبِهَذَا يعلم أَن الْعِيَال لَيْسَ

стр. 1043

بِشَرْط فِي حفظ الْوَدِيعَة اهـ. وَسَيَأْتِي ذكره ط. قَوْله: (كوكيله) أَتَى بِالْكَاف لَان أَمِينه كَذَلِك وَإِن لم يكن فِي عِيَاله، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى كَمَا علمت، وَبِه صرح فِي الذَّخِيرَة. وَفِي التاترخانية: وَلَو قَالَ ادْفَعْهَا لِمَنْ شِئْت يُوَصِّلُهَا إلَيَّ فَدَفَعَهَا إلَى أَمِينٍ فَضَاعَتْ، قِيلَ يَضْمَنُ، وَقِيلَ لَا يضمن. قَوْله: (وَاعْتَمدهُ ابْن الْكَمَال) حَيْثُ قَالَ: وَله حفظهَا بِنَفسِهِ وأمينه، لم يقل وَعِيَاله لَان الدّفع إِلَى الْعِيَال إِنَّمَا يجوز بِشَرْط الامانة، وَعند تحَققه لَا حَاجَة إِلَى كَونه عيالا. قَالَ فِي الذَّخِيرَة: لَو دَفعهَا إِلَى أَمِين من أمنائه لَيْسَ فِي عِيَاله يجوز، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى اهـ. قَوْله: (وَأقرهُ المُصَنّف) وَنَقله فِي الْبَحْر وَقَالَ قَبْلَهُ: وَظَاهِرُ الْمُتُونِ أَنَّ كَوْنَ الْغَيْرِ فِي عِيَاله شَرط، وَاخْتَارَهُ فِي الْخُلَاصَة وَقَالَ: والابوان كالاجنبي حَتَّى يشْتَرط كَونهمَا فِي عِيَاله، لَكِن قد علمت مَا قدمْنَاهُ قَرِيبا عَن الْمَقْدِسِي من أَن الْمُفْتى بِهِ عدم اشْتِرَاط كَونهمَا فِي عِيَاله فَلَا تنسه. قَوْله: (إِلَّا إِذا خَافَ الحرق أَو الْغَرق) الحرق بِالسُّكُونِ من النَّار، وبالتحريك من دق الْقصار، وَقد روى فِيهِ السّكُون. مغرب. وَفِي الْمِصْبَاح: الحرق بِفتْحَتَيْنِ اسْم من إحراق النَّار. اهـ وللغرق: بِفتْحَتَيْنِ مصدر غرق فِي المَاء فَهُوَ غريق. مكي وَمثل خوف الْغَرق والحرق خوف اللُّصُوص. وَفِي الْخُلَاصَة: فَإِن دفع لضَرُورَة بِأَن احْتَرَقَ بَيت الْمُودع فَدَفعهَا إِلَى جَاره، وَكَذَا فِيمَا يشبه هَذَا اهـ. إتقاني: أَي فَإِنَّهُ لَا يضمن ط. قَوْله: (وَكَانَ غَالِبا محيطا) لَا حَاجَة إِلَيْهِ لَان فرض الْمَسْأَلَة أَنه خَافَ الحرق أَو الْغَرق وَهُوَ إِنَّمَا يكون عِنْد كَونه غَالِبا. مُحِيط. إِلَّا أَن يُرَاد الْغَالِب الْكثير، وَحِينَئِذٍ فَلَا مُنَافَاة، وَالْمرَاد أَن ذَلِك فِي بَيت الْمُودع. قَالَ الْحَمَوِيّ: لَا بُد أَن يكون غَالِبا مُحِيط بِمَنْزِلَة الْمُودع. وَفِي الْقُهسْتَانِيّ: إِلَّا إِذا خَافَ الحرق: أَي حرقا يُحِيط بِجَمِيعِ محلهَا انْتهى. قَوْله: (فَلَو غير مُحِيط ضمن) إِذْ الْخَوْف مُنْتَفٍ عِنْد عدم الْغَلَبَة والاحاطة فَتَأمل. قَالَه الرَّمْلِيّ. قَالَ فِي الْخُلَاصَة أما إِذا لم يكن محيطا يضمن بِالدفع إِلَى الاجنبي اهـ. قَوْله: (فسلمها إِلَى جَاره) الظَّاهِر أَن أساليب الْكَلَام أَنه لَا يجب أَن يُسَلِّمهَا إِلَى جَاره، حَتَّى لَو تَركهَا فِي دَاره فحرقت لَا يضمن، وليحرر. أَفَادَهُ سري الدّين عَن الْمُجْتَبى، لَكِن فِي الْهِنْدِيَّة عَن التُّمُرْتَاشِيّ أَنه يضمن ط. وَفِي التاترخانية عَنْ التَّتِمَّةِ: وَسُئِلَ حُمَيْدٍ الْوَبَرِيُّ عَنْ مُودَعٍ احْتَرَقَ بَيته وَلم ينْقل الْوَدِيعَةَ إلَى مَكَان آخَرَ إنْ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ فَتَركهَا حَتَّى احترقت ضمن اهـ. وَمثله فِي الْحَاوِي وجامع الْفَتَاوَى. وَمِثْلُهُ مَا لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى أَكَلَهَا الْعُثُّ خلافًا لما يَأْتِي فِي النّظم. قَالَ فِي الْحَاوِي: وَيعرف من هَذَا كثير من الْوَاقِعَات. وَفِي نور الْعين: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي حَرِيقٍ وَقَعَ فِي دَارِ الْمُودَعِ فَدَفَعَهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَضْمَنْ، فَلَوْ خرج من ذَلِك وَلم يستردها ضمن، كَمَا لَو دَفعهَا إِلَى امْرَأَته ثمَّ طَلقهَا وَمَضَت عدتهَا، فَلَو لم يستردها ضمن إِذْ يجب عَلَيْهِ الِاسْتِرْدَاد، ولان الايداع عقد غير لَازم فَكَانَ لبَقَائه حكم الِابْتِدَاء. وَقَالَ قاضيخان: لَا يضمن، إِذْ الْمُودع إِنَّمَا ضمن بِالدفع وَحين دفع كَانَ غير مَضْمُون عَلَيْهِ فَلَا يضمن عَلَيْهِ. يَقُول الحقير: هَذَا الدَّلِيل عليل، إِذْ للبقاء حكم الِابْتِدَاء، فَلَو دفع الْوَدِيعَة إِلَى أَجْنَبِي ابْتِدَاء

стр. 1044

ضمن، فَكَذَا إِذا لم يستردها فِي كلتا الْمَسْأَلَتَيْنِ خُصُوصا فِي مَسْأَلَة الْحَرِيق، فَإِن الثَّابِت بِالضَّرُورَةِ يتَقَدَّر بِقَدرِهَا، فَبعد زَوَال الْحَرِيق ارْتَفَعت الضَّرُورَة فَلم يستردها من الاجنبي فَكَأَنَّهُ أودعها إِيَّاه ابْتِدَاء، فَالصَّوَاب أَن يضمن فِي كلتا الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذكره صَاحب الْمُحِيط. وَالله تَعَالَى أعلم. وَفِي عدَّة الْفَتَاوَى: لَا يضمن بدفعها إِلَى جَاره لضَرُورَة كحريق. قَالَ أَبُو جَعْفَر فِي فَتَاوِيهِ: هَذَا لَو لم يجد بدا من الدّفع إِلَى أَجْنَبِي، أما لَو أمكنه الدّفع إِلَى من فِي عِيَاله ضمن بدفعها إِلَى أَجْنَبِي. قَالَ الامام خُوَاهَر زَاده: هَذَا لَو أحَاط الْحَرِيق بالمنزل وَإِلَّا ضمن بدفعها إِلَى أَجْنَبِي اهـ. وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ: لَا يشْتَرط هَذَا الشَّرْط فِي الْفَتْوَى. تاترخانية فِي الْفَصْل الثَّانِي من الْوَدِيعَة. قَوْله: (إِلَّا إِذا أمكنه الخ) أَي وَقت الحرق وَالْغَرق. قَوْله: (أَو أَلْقَاهَا) أَي أَو ألْقى الْوَدِيعَة فِي السَّفِينَة فَوَقَعت فِي الْبَحْر يضمن، لانها قد تلفت بِفِعْلِهِ، وَإِن كَانَ ذَلِك بالتدحرج لانه مَنْسُوب إِلَيْهِ فَهُوَ كَفِعْلِهِ. وَالظَّاهِر أَن قيد فِي السَّفِينَة سَاقِط من النساخ لوُجُوده فِي الاصل. قَالَ الزَّيْلَعِيّ: هَذَا إِذا لم يُمكنهُ أَن يَدْفَعهَا إِلَى من هُوَ فِي عِيَاله، وَإِن أمكنه أَن يحفظها فِي ذَلِك الْوَقْت بعياله فَدَفعهَا إِلَى الاجنبي يضمن لانه لَا ضَرُورَة فِيهِ، وَكَذَا لَو أَلْقَاهَا فِي سفينة أُخْرَى وَهَلَكت قبل أَن تَسْتَقِر فِيهَا بِأَن وَقعت فِي الْبَحْر ابْتِدَاء بالتدحرج يضمن لَان الاتلاف حصل بِفِعْلِهِ اهـ. قَوْله: (صدق) أَي بِيَمِينِهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِر. أَبُو السُّعُود. قَوْله: (أَي بدار الْمُودع) كَأَن هَذَا من قبيل الاحتباك وَأَصلهَا: أَي الحرق أَو الْغَرق. وَقَوله: (بدار الْمُودع) رَاجع إِلَى الحرق وَحذف من الثَّانِي، أَو سفينته الرَّاجِع إِلَى الْغَرق لدلَالَة كل مَذْكُور على مَا حذف بإزائه، وَهَذَا على مَا نحاه الشَّارِح فِي شَرحه، وَأما على مَا بَينا من أصل عبارَة الزَّيْلَعِيّ فالامر ظَاهر، وَأما جَوْهَر الْمَتْن على أَنه يصدق إِن علم دَفعه لَهَا عِنْد خوف الحرق أَو الْغَرق بِالْبَيِّنَةِ وَهُوَ الَّذِي ذكره الشَّارِح بعد. قَوْله: (وَإِلَّا يعلم الخ) . وَحَاصِله: أَن صَاحب الْمَتْن ذكر أَنه لَا يصدق مدعي الدّفع للحرق أَو الْغَرق إِلَّا بِبَيِّنَة، وَالشَّارِح صرف كَلَامه وَقَالَ: إِن علم ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ على وُقُوعه فِي دَاره وفلكه أغْنى عَن الْبَيِّنَة عَن الدّفع للخوف على نفس الْوَدِيعَة، وَإِن لم تقم الْبَيِّنَة على وُقُوع الحرق وَالْغَرق فِي دَاره وفلكه فَلَا بُد من الْبَيِّنَة على الدّفع لخوف ذَلِك على نفس الْوَدِيعَة، ثمَّ إِن الْغَرق كَمَا يخْشَى مِنْهُ على نفس السَّفِينَة قد يخْشَى مِنْهُ على نفس الدَّار إِذا كَانَت الْبيُوت مُتَّصِلَة بِطرف الْبَحْر أَو النَّهر أَو مجْرى السَّيْل، وَمثل خوف الحرق وَالْغَرق لَو خَافَ فَسَادهَا بخرير أسقفه من كَثْرَة الامطار وَعند وُقُوع النهب فِي دَاره وَدفعهَا إِلَى جَاره عِنْد توهم سلامتها عِنْده. قَوْله: (فَحَصَلَ بَيْنَ كَلَامَيْ الْخُلَاصَةِ وَالْهِدَايَةِ التَّوْفِيقُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق) وَقد ذكر أَيْضا صَاحب الذَّخِيرَة عَن الْمُنْتَقى. قَالَ المُصَنّف: فَإِن ادَّعَاهُ: أَي ادّعى الْمُودع التَّسْلِيم إِلَى جَاره أَو إِلَى فلك آخر صدق إِن علم وُقُوعه بِبَيِّنَة: أَي بَيِّنَة الْمُودع وَإِلَّا لَا: أَي وَإِن لم يعلم لَا يصدق. وَفِي الْهِدَايَة وَشرح الْكَنْز للزيلعي أَنه لَا يصدق على ذَلِك إِلَّا بِبَيِّنَة، لَان تَسْلِيم الْوَدِيعَة إِلَى غَيره يُوجب الضَّمَان، وَدَعوى الضَّرُورَة دَعْوَى مسْقط فَلَا تقبل إِلَّا بِبَيِّنَة، كَمَا إِذا أتلفهَا فِي الصّرْف فِي حَاجته بِإِذن صَاحبهَا.

стр. 1045

وَفِي الْخُلَاصَة: أَنه إِذا علم أَن وَقَعَ الْحَرِيقُ فِي بَيْتِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْهِدَايَةِ عَلَى مَا إذَا لم يعلم وُقُوع الْحَرِيق فِي بَيته وَبِه يحصل التَّوْفِيق، وَالَّذِي أحوجه إِلَى ذَلِك حمل كَلَام صَاحب الْهِدَايَة والزيلعي قَوْلهمَا لَا يصدق على ذَلِك: أَي على تَسْلِيم الْوَدِيعَة، وَلَو حمل لَا يصدق على ذَلِك: أَي على وُقُوع الحرق أَو الْغَرق بِدَلِيل قَوْلهمَا وَدَعوى الضَّرُورَة الخ فَإِن الضَّرُورَة إِنَّمَا هِيَ فِي الحرق وَالْغَرق لَا فِي التَّسْلِيم لَا تحدث مَعَ عبارَة الْخُلَاصَة. تَأمل. قَوْله: (فَلَو لحملها إِلَيْهِ لم يضمن) لَان مُؤنَة الرَّد على الْمَالِك. حموي. وَإِنَّمَا الضَّمَان بِمَنْع التَّخْلِيَة بَينه وَبَين الْوَدِيعَة بعد الطّلب، أما لَو كلفه حملهَا وردهَا إِلَيْهِ فَامْتنعَ عَن ذَلِك لم يضمن لانه لَا يلْزمه سوى التَّخْلِيَة، فَلَو كَانَ طلب الْمُودع بِكَسْر الدَّال بحملها إِلَيْهِ فَامْتنعَ الْمُودع من ذَلِك لم يضمن، هَكَذَا صَرِيح عبارَة ابْن ملك الْمَنْقُول عَنهُ. وَأما مَا وَقع فِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الطّيب فَإِنَّهُ تَحْرِيف. وَالنُّسْخَة الَّتِي كتب عَلَيْهَا فَلَو حملهَا إِلَيْهِ: أَي لَو حمل الْمُودع الْوَدِيعَة إِلَى رَبهَا: يَعْنِي لَو طلب استردادها من الْمُودع فحملها إِلَيْهِ لم يضمن لَان حملهَا إِلَيْهِ يُخرجهُ عَن الْمَنْع. وَفِي الْقُهسْتَانِيّ: لَو استردها فَقَالَ لم أقدر أحضر هَذِه السَّاعَة فَتَركهَا فَهَلَكت لم يضمن لانه بِالتّرْكِ صَار مودعا ابْتِدَاء اهـ. وَعَزاهُ إِلَى الْمُحِيط. وَفِي الْبَحْر: إِن تَركهَا عَن رضَا وَذهب لَا يضمن، وَإِن كَانَ من غير رضَا يضمن. كَذَا فِي الْخُلَاصَة: وَلَو قَالَ لَهُ بعد طلبه اطلبها ثمَّ ادّعى ضياعها: فَإِن قَالَ ضَاعَت بعد الاقرار فَلَا ضَمَان، وَإِلَّا ضمن. قَوْله: (وَلَو حكما كوكيله بِخِلَاف رَسُوله) سوى فِي التَّجْنِيس بَين الْوَكِيل وَالرَّسُول وَقَالَ: إِذا منعهَا عَنْهَا لَا يضمن. وَفِي الْعمادِيَّة ذكر الضَّمَان فِي الْمَنْع من الرَّسُول فَالْمَسْأَلَة ذَات خلاف فيهمَا، واقتصار المُصَنّف على مَا ذكره يدل على اعْتِمَاده، وَقد نَقله الْقُهسْتَانِيّ عَن الْمُضْمرَات. وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْمَالِكُ إذَا طَلَبَ الْوَدِيعَةَ فَقَالَ الْمُودَعُ لَا يمكنني أَن أحضر السَّاعَةَ فَتَرَكَهَا وَذَهَبَ: إنْ تَرَكَهَا عَنْ رِضًا فَهَلَكَتْ لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ فَقَدْ أَنْشَأَ الْوَدِيعَةَ، وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ رِضًا يضمن، وَلَو كَانَ الَّذِي يطْلب الْوَدِيعَة وَكيل الْمَالِك يضمن لانه لَيْسَ إنْشَاء للوديعة، بِخِلَاف الْمَالِك انْتهى. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَضْمَنُ بِعَدَمِ الدَّفْعِ إِلَى وَكيل الْمَالِك كَمَا لَا يخفى، وَهُوَ خلاف مَا تقدم فِي كتاب الْوكَالَة فِي بَاب الْوكَالَة بِالْخُصُومَةِ. وَنَصه: قَالَ إنِّي وَكِيلٌ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ فَصَدَّقَهُ الْمُودَعُ لم يُؤمر بِالدفع إِلَيْهِ على الْمَشْهُور الخ. وَكتب سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى أَن مُقَابل الْمَشْهُور مَا عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد أَنه يُؤمر بِالدفع، فَلَعَلَّ مَا هُنَا على هَذِه الرِّوَايَة. وَفِي مَجْمُوعَة مؤيد زَاده: وَلَو قَالَ إنِّي وَكِيلٌ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ فَصَدَّقَهُ الْمُودَعُ لم يُؤمر بِتَسْلِيم الْوَدِيعَة إِلَيْهِ لانه مَأْمُور بِالْحِفْظِ فَقَط، ثمَّ قَالَ قد جَاءَ رَسُولك فدفعتها إِلَيْهِ وَكذبه الْمَالِك ضمنهَا، وَلَا يرجع بِمَا ضمن على الرَّسُول إِن صدقه فِي كَونه رَسُوله وَلم يشْتَرط عَلَيْهِ الرُّجُوع، وَإِن كذبه وَدفع إِلَيْهِ أَو لم يصدقهُ وَلم يكذبهُ يرجع على الرَّسُول، وَكَذَلِكَ إِن صدقه وَشرط عَلَيْهِ الرُّجُوع كَمَا فِي الْوَجِيز. ثمَّ قَالَ: وَلَو دَفعهَا إِلَى رَسُول الْمُودع فَأنْكر الْمُودع الرسَالَة ضمن اهـ.

стр. 1046

وَفِي فُصُول الْعِمَادِيّ مَعْزِيًّا إلَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَرَسُولُ الْمُودِعِ إذَا طَلَبَ الْوَدِيعَةَ فَقَالَ لَا أَدْفَعُ إلَّا لِلَّذِي جَاءَ بهَا وَلم يدْفع إِلَى الرَّسُول حَتَّى هلك ضَمِنَ. وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي ظَهِيرِ الدِّينِ هَذِه الْمَسْأَلَة وَأجَاب عَنْهَا نَجْمُ الدِّينِ إنَّهُ يَضْمَنُ. وَفِيهِ نَظَرٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُودِعَ إذَا صَدَّقَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْوَكَالَةِ لَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْوَدِيعَةِ إلَيْهِ، وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ الْمُرْسِلِ وَلَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَزَلَ الْوَكِيلَ قَبْلَ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ رَجَعَ عَنْ الرِّسَالَةِ قَبْلَ عِلْمِ الرَّسُولِ صَحَّ كَذَا فِي فَتَاوَاهُ اه. منح. قَالَ محشيها الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ: ظَاهِرُ مَا فِي الْفُصُولِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ كَمَا هُوَ مَنْقُول عَن التَّجْنِيس، فَهُوَ مُخَالف للخلاصة كَمَا هُوَ ظَاهر، ويتراءى لي التَّوْفِيق بَين الْقَوْلَيْنِ بِأَن يحمل مَا فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ الْوَكِيلُ إنْشَاءَ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ الْمُودَعِ بَعْدَ مَنْعِهِ ليدفع لَهُ وَقت آخر. وَمَا فِي فَتَاوَى القَاضِي ظهير الدّين وَالتَّجْنِيسِ عَلَى مَا إذَا مَنَعَ لِيُؤَدِّيَ إلَى الْمُودع بِنَفسِهِ، وَلذَلِك قَالَ فِي جَوَابِهِ: لَا أَدْفَعُ إلَّا لِلَّذِي جَاءَ بهَا. وَفِي الْخُلَاصَة: مَا هُوَ صَرِيح فِي أَن الْوَكِيل لَو تَركهَا وَذهب عَن رضَا بعد قَول الْمُودع لَا يمكنني أَن أحضرها السَّاعَة: أَي وأدفعها لَك فِي غير هَذِه السَّاعَة، فَإِذا فَارقه فقد أنشأ الايداع لَيْسَ لَهُ ذَلِك، بِخِلَاف قَوْله لَا أدفعها إِلَّا للَّذي جَاءَ بهَا فَإِنَّهُ اسْتِبْقَاء للايداع الاول لَا إنْشَاء إِيدَاع. فَتَأمل. وَلم أر من تعرض لهَذَا التَّوْفِيق، وَالله تَعَالَى هُوَ الْمُوفق انْتهى. فَالْحَاصِل: أَنه إِذا منعهَا عَن الرَّسُول لَا يضمن على ظَاهر الرِّوَايَة كَمَا نَقله عَن الْبَحْر عَن الْخُلَاصَة. وَأما إِذا منعهَا عَن الْوَكِيل فَفِيهِ اخْتِلَاف. فَفِي الْخُلَاصَة والقاعدية وَالْوَجِيز والتاترخانية وَالْحَاوِي الزَّاهدِيّ والمضمرات أَنه يضمن، وَاخْتَارَهُ المُصَنّف فِي منحه، وَتَبعهُ الشَّارِح هُنَا. وَفِي شَرحه على الْمُلْتَقى: فَتعين الْمصير إِلَى مَا عَلَيْهِ الاكثر خُصُوصا والمضمرات شرح الْقَدُورِيّ والشروح مُقَدّمَة. فَفِي مَسْأَلَتنَا منع الْمُودع الْوَدِيعَة من الْوَكِيل ظلما وَلم يقل لَهُ لم أدفعها إِلَّا إِلَى الَّذِي جَاءَ بهَا حَتَّى يكون اسْتِبْقَاء للايداع الاول، لَان قَول الشَّارِح كوكيله يَقْتَضِي الْمَنْع ظلما، وَبِه يظْهر أَن مَا ذكره فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة من الْفرق الْمُتَقَدّم بَين الْوَكِيل وَالرَّسُول مَبْنِيّ على خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي نور الْعين. ثمَّ اعْلَم أَن كَلَام التاترخانية يُفِيد تَفْصِيلًا فِي مَسْأَلَة الْوَكِيل، وَذَلِكَ أَن الْمُودع إِنَّمَا يضمن بِالْمَنْعِ عَن الْوَكِيل إِذا كَانَ تَوْكِيله ثَابتا بالمعاينة أَو بِالْبَيِّنَةِ، أما إِذا كَانَ بِتَصْدِيق الْمُودع فَإِنَّهُ لَا يضمن، وَكَذَا لَو كذبه بالاولى. وَانْظُر هَل يجْرِي على هَذَا التَّفْصِيل فِي مَسْأَلَة الرَّسُول أَيْضا، وَمُقْتَضى مَا نذكرهُ فِي المقولة الْآتِيَة عَن الْخَانِية من قَوْله فجَاء رجل وَبَين تِلْكَ الْعَلامَة فَلم يصدقهُ الْمُودع حَتَّى هَلَكت الْوَدِيعَة لَا ضَمَان أَنه لَو صدقه يضمن فيخالف مَسْأَلَة الْوَكِيل. إِلَّا أَن يُقَال: إِن قَوْله فَلم يصدقهُ لَيْسَ قيدا احترازيا فَلَا مَفْهُوم لَهُ، وَهَذَا إِن حمل على أَنه رَسُول، وَكَذَا إِن حمل على أَنه وَكيل يُخَالف مَا ذكرنَا من التَّفْصِيل. ثمَّ قَالَ فِي الْبَحْر: وَيَنْبَغِي أَن يكون مَحل هَذَا التَّفْصِيل: أَي فِي أصل الْمَسْأَلَة فِيمَا إِذا ترك عَن رضَا وَذهب لَا يضمن، وَفِيمَا إِذا كَانَ عَن غير رضَا يضمن مَا إِذا كَانَ الْمُودع يُمكنهُ وَكَانَ كَاذِبًا فِي قَوْله، أما إِذا كَانَ صَادِقا فَلَا يضمن مُطلقًا لما قُلْنَا انْتهى.

стр. 1047

قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: فِيهِ نظر، لما فِي التَّجْنِيس أَنه لَو طلبَهَا بوكيله أَو رَسُوله فحبسها لَا يضمن فَتَأمل. وَانْظُر إِلَى مَا ذكره بعيده من قَوْله: وَلَو بعلامة مِنْهُ يحْتَج بِأَنَّهُ إِنَّمَا مَنعه ليوصلها إِلَى الاصيل بِنَفسِهِ لتكذيبه إِيَّاه، وَفرع الْخُلَاصَة فِيهِ الْمَنْع للعجز عَن التَّسْلِيم وَالتّرْك والذهاب عَن رضَا إِلَى وَقت آخر، وَفِيه إنْشَاء إِيدَاع بِخِلَاف الاول، حَتَّى لَو كذبه فِي الْفَرْع الَّذِي تفقه فِيهِ مَعَ ذَلِك، وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا لَا يضمن، فَتَأمل. قَوْله: (وَلَو بعلامة مِنْهُ) لامكان إتْيَان غير الرَّسُول بِهَذِهِ الْعَلامَة إِلَّا أَن يبرهن أَنَّهَا لَهُ كَمَا فِي الْخُلَاصَة وَغَيرهَا. قَالَ فِي الْخَانِية: رجل أودع عِنْد إِنْسَان وَدِيعَة وَقَالَ فِي السِّرّ من أخْبرك بعلامة كَذَا وَكَذَا فادفع إِلَيْهِ الْوَدِيعَة، فجَاء رجل وَبَين تِلْكَ الْعَلامَة فَلم يصدقهُ الْمُودع حَتَّى هَلَكت الْوَدِيعَة، قَالَ أَبُو الْقَاسِم: لَا ضَمَان على الْمُودع. اهـ. وَفِي حَاشِيَة جَامع الْفُصُولَيْنِ للخير الرَّمْلِيّ: وَهل يَصح هَذَا التَّوْكِيل وَلَا يضمن الْمُودع بِالدفع أم لَا يَصح لكَون الْوَكِيل مَجْهُولا وَيضمن بِالدفع؟ قَالَ الزَّاهدِيّ فِي حاويه رامزا: فِيهِ تَفْصِيل، لَو كَانَا عِنْد ذَلِك الِاتِّفَاق بمَكَان لَا يُمكن لَاحَدَّ من النَّاس اسْتِمَاع كَلَامهمَا فالدفع لمن جَاءَ إِلَيْهِ بِتِلْكَ الْعَلامَة، وَأما استماعه ذَلِك من أَجْنَبِي فنادر، وَإِن كَانَ عِنْد ذَلِك بمَكَان فِيهِ أحد من النَّاس مِمَّن يفهم اتِّفَاقهمَا على ذَلِك أَو بمَكَان يُمكن فِيهِ لَاحَدَّ اسْتِمَاع اتِّفَاقهمَا إِلَى ذَلِك خُفْيَة وهما لَا يريانه فالوكالة بَاطِلَة وَالدَّفْع مضمن. اهـ. هَذَا مَا نَقله الرَّمْلِيّ. قلت: كثيرا مَا يَقع أَن الْمَالِك بعد اتفاقه مَعَ الْمُودع على ذَلِك يبْعَث رجلا بِتِلْكَ الْعَلامَة فيسمعه آخر فَيَسْبق الاول ويخبر الْمُودع بِتِلْكَ الْعَلامَة. وَقد يُقَال: إِن هَذَا لَا يُنَافِي صِحَة التَّوْكِيل بعد وجود شَرطه الْمُتَقَدّم عِنْد اتِّفَاق الْمَالِك مَعَ الْمُودع: وَالظَّاهِر أَن الْمَالِك إِذا قَالَ لم أذكر الْعَلامَة لهَذَا الرجل الَّذِي جَاءَ وَإِنَّمَا ذكرتها لغيره أَن يكون القَوْل لَهُ لانه مُنكر فَيضمن الْمُودع، فَتَأمل وَالله تَعَالَى أعلم. أَفَادَهُ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى قَوْله: (على الظَّاهِر) أَي ظَاهر الْمَذْهَب، وَهُوَ رَاجع إِلَى الْوَكِيل وَالرَّسُول، وَقَالَ الثَّانِي يضمن كَمَا فِي الْهِنْدِيَّة، وَقد اخْتلفت الْفَتَاوَى فِي هَذَا، وَقد علمت الْمُعْتَمد. قَوْله: (ضمن) إِن ضَاعَت لوُجُود التَّعَدِّي بِمَنْعه لانه صَار غَاصبا، وَهَذَا لانه لما طَالبه لم يكن رَاضِيا بإمساكه بعده فيضمنهما بحبسه عَنهُ. داماد. قَالَ فِي الْبَحْر: وَلَو قَالَ لَهُ بعد طلبه اطلبها غَدا ثمَّ ادّعى ضياعها، فَإِن قَالَ ضَاعَت بعد الاقرار لَا ضَمَان، وَإِلَّا ضمن انْتهى. قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: قَوْله بعد الاقرار: أَي الاقرار ضمنا فِي قَوْله اطلبها غَدا، وَقَوله بعد الاقرار ظرف لضاعت لَا لقَالَ. وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: طَلَبَهَا رَبُّهَا فَقَالَ اُطْلُبْهَا غَدا فَقَالَ فِي الْغَد تلفت، فَلَو قَالَ تلفت قبل قولي اطلبها غَدا ضمن، لَا لَو قَالَ بعده للتناقض فِي الاول لَا الثَّانِي. قَالَ رَبهَا: ادفعها إِلَى قني هَذَا فطلبها فَأبى أَو قَالَ غَدا يضمن اهـ. أَي لانه كَأَنَّهُ وكل قنه بِحَضْرَة الْمُودع وَالْوَكِيل لَا يملك ابْتِدَاء الايداع فِي قَوْله غَدا انْتهى. وَالْمَسْأَلَة فِي الْخَانِية أَيْضا. قَوْله: (بِأَن كَانَ عَاجِزا) أَي عَجزا حسيا كَأَن لَا يَسْتَطِيع الْوُصُول إِلَى مَحل الْوَدِيعَة أَو معنويا، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله أَو خَافَ على نَفسه: أَي من ظَالِم أَن يقْتله أَو دائن أَن يحْبسهُ وَهُوَ غير قَادر على الْوَفَاء أَو كَانَت

стр. 1048

امْرَأَة وخافت من فَاسق أَو خَافَ على مَاله بِأَن كَانَ مَدْفُونا مَعَهُمَا، فَإِذا ظهر اغتصبه مِنْهُ غَاصِب فَامْتنعَ عَن التَّسْلِيم لذَلِك لَا يضمن، لانه لم يكن ظَالِما. قَوْله: (أَو خَافَ على نَفسه أَو مَاله) فِي الْمُحِيط: لَو طلبَهَا أَيَّام الْفِتْنَة فَقَالَ لم أقدر عَلَيْهَا هَذِه السَّاعَة لبعدها أَو لضيق الْوَقْت فَأَغَارُوا على تِلْكَ النَّاحِيَة فَقَالَ أغير عَلَيْهَا لم يضمن، وَالْقَوْل لَهُ: اهـ. قَوْله: (كَطَلَب الظَّالِم) أَي وديعته ليظلم بهَا فَإِنَّهُ بمنعها لَا يكون ظَالِما، حَتَّى لَو ضَاعَت لَا يكون ضَامِنا كمنعه مِنْهُ وَدِيعَة عَبده فَإِنَّهُ بِهِ لَا يكون ظَالِما، لَان الْمولى لَيْسَ لَهُ قبض وَدِيعَة عَبده مَأْذُونا كَانَ أَو مَحْجُورا مَا لم يحضر وَيظْهر أَنه من كَسبه لاحْتِمَال أَنه مَال الْغَيْر، فَإِذا ظهر أَنه للْعَبد بِالْبَيِّنَةِ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذهُ. خُلَاصَة ط. وَإِنَّمَا كَانَ الْمُرَادَ بِالظَّالِمِ هُنَا الْمَالِكُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي طَلَبِهِ هُوَ فَمَا بَعْدَهُ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ: أَعْنِي قَوْله فَلَو كَانَت الْوَدِيعَة سَيْفا إلَخْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِنَحِ لما فِيهِ من الاعانة على الظُّلم. قَوْله: (فَلَو كَانَت) تَفْرِيع على عدم الضَّمَان بِالْمَنْعِ عِنْد طلب الظَّالِم. وَحَاصِله: أَنه لَا يضمن بِطَلَب صَاحب الْوَدِيعَة حَيْثُ كَانَ ظَالِما بِأَن كَانَت الْوَدِيعَة سَيْفا فَطَلَبه ليقْتل بِهِ رجلا مَظْلُوما بِغَيْر حق وَلَو معاهدا أَو امْرَأَة أَو صَبيا، فَلَو مَنعه لَا يضمن لكَون الطَّالِب ظَالِما وَمثل السَّيْف كل مؤذ فِيمَا يظْهر. قَوْله: (ليضْرب بِهِ رجلا) أَي مَظْلُوما وَلَو معاهدا أَو امْرَأَة أَو صَبيا ط. قَوْله: (إِلَى أَن يعلم الخ) فَلَو شكّ فِيمَا ذكر لَا يعد بِمَنْعه ظَالِما فَلَا يضمن بهلاكه. كَذَا يفاد من مَفْهُومه ط. قَوْله: (كَمَا لَو أودعت) أَتَى بِالْكَاف ليُفِيد أَنه مِثَال غير مُخَصص، فَمثله كل مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ فِيمَا يظْهر. قَالَ فِي الاشباه: لَا يجوز للْمُودع الْمَنْع بعد الطّلب إِلَّا فِي مسَائِل: لَو كَانَ سَيْفا ليضْرب بِهِ ظلما، وَلَو كَانَ كتابا فِيهِ إِقْرَار بِمَال الْغَيْر أَو قبض اهـ. قَوْله: (أَي موت الْمُودع) بِفَتْح الدَّال مُجْهِلًا، أَمَّا بِتَجْهِيلِ الْمَالِكِ فَلَا ضَمَانَ، وَالْقَوْلُ لِلْمُودَعِ بِيَمِينِهِ بِلَا شُبْهَةٍ قَالَ الْحَانُوتِيُّ: وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ الزَّائِدُ فِي الرَّهْنِ عَلَى قَدْرِ الدّين اهـ. أَقُول: الظَّاهِر أَنه مِنْهُ لقَولهم: مَا تضمن بِهِ الْوَدِيعَةُ يُضْمَنُ بِهِ الرَّهْنُ، فَإِذَا مَاتَ مُجْهِلًا يَضْمَنُ مَا زَادَ، وَقَدْ أَفْتَيْت بِهِ. رملي مُلَخصا. قَالَ ط: من الْوَدِيعَة الزَّائِد من الرَّهْن على مِقْدَار الدّين فَيضمن بِالْمَوْتِ عَن تجهيل وَتَكون الْوَدِيعَة وَنَحْوهَا كَدين الصِّحَّة فيحاصص رَبهَا الْغُرَمَاء، لَان الْيَد المجهولة عِنْد الْمَوْت تنْقَلب يَد ملك، ولانه لما مَاتَ وَلم يبين صَار بالتجهيل مُسْتَهْلكا لَهَا. اهـ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى الْمُودِعُ أَوْ الْمُضَارِبُ أَوْ الْمُسْتَعِيرُ أَوْ الْمُسْتَبْضِعُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ أَمَانَةً إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَا تعرف الامانة بِعَينهَا فَإِنَّهُ يكون دين عَلَيْهِ فِي تركته، لانه صَار مُسْتَهْلكا الْوَدِيعَة بِالتَّجْهِيلِ، وَمَعْنَى مَوْتِهِ مُجْهِلًا أَنْ لَا يُبَيِّنَ حَالَ الْأَمَانَةِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ. وَقَدْ سُئِلَ عُمَرُ بْنُ نُجَيْمٍ عَمَّا لَوْ قَالَ الْمَرِيضُ عِنْدِي وَرَقَةٌ فِي الْحَانُوتِ لِفُلَانٍ ضَمَّنَهَا دَرَاهِمَ لَا أَعْرِفُ قَدْرَهَا فَمَاتَ وَلَمْ تُوجَدْ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ التَّجْهِيلِ. لِقَوْلِهِ: فِي الْبَدَائِعِ: هُوَ أَن يَمُوت

стр. 1049

قبل الْبَيَان وَلم يعرف الامانة بِعَينهَا اهـ. قَالَ الْحَمَوِيّ: وَفِيه تَأمل. قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: ولينظر مَا وَجه التَّأَمُّل. وَفِي نور الْعين: لَو مَاتَ الْمُودع مجهلا ضمن: يَعْنِي لَو مَاتَ وَلم يبين حَال الْوَدِيعَة، أما إِذا عرفهَا الْوَارِث وَالْمُودع يعلم أَنه يعرف الْمُودع فَمَاتَ لم يضمن، فَلَو قَالَ الْوَارِث أَنا علمتها وَأنكر الطَّالِب، لَو فَسرهَا بِأَن كَانَت كَذَا وَكَذَا وَقد هَلَكت صدق لكَونهَا عِنْده. وَفِي الذَّخِيرَة: قَالَ رَبهَا مَاتَ الْمُودع مجهلا وَقَالَت ورثته كَانَت قَائِمَة يَوْم موت الْمُودع وَمَعْرُوفَةً ثُمَّ هَلَكَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ صُدِّقَ رَبُّهَا هُوَ الصَّحِيحُ، إذْ الْوَدِيعَةُ صَارَتْ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ الْوَرَثَةُ. وَلَوْ قَالَ وَرَثَتُهُ رَدَّهَا فِي حَيَاتِهِ أَوْ تَلِفَتْ فِي حَيَاتِهِ لَا يُصَدَّقُونَ بِلَا بَيِّنَةٍ لِمَوْتِهِ مجهلا فَيقر الضَّمَانُ فِي التَّرِكَةِ، وَلَوْ بَرْهَنُوا أَنَّ الْمُودَعَ قَالَ فِي حَيَاته رَددتهَا يقبل إِذْ الثَّابِت بِبَيِّنَة كَالثَّابِتِ بعيان. اهـ. قَوْله: (إِلَّا إِذا علم) بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وضميره للْمُودع بِالْفَتْح الَّذِي مَاتَ مجهلا، وَإِذَا قَالَ الْوَارِثُ رَدَّهَا فِي حَيَاتِهِ أَوْ تَلِفَتْ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يُصَدَّقْ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَوْ بَرْهَنَ أَنَّ الْمُودَعَ قَالَ فِي حَيَاتِهِ رَددتهَا يقبل. قَالَ الْحَمَوِيّ فِي شَرحه: وَقيد فِي الْخُلَاصَة ضَمَان الْمُودع بِمَوْتِهِ مجهلا بِأَن لَا يعرفهَا الْوَارِث، أما إِذا عرفهَا وَالْمُودع يعلم أَنه يعرف فَمَاتَ وَلم يبين لَا يضمن اهـ. وَذَلِكَ بِأَن سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ عِنْد فلَان علمهَا. قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي تنقيحه فِي جَوَاب سُؤال: وَالَّذِي تحرر من كَلَامهم أَن الْمُودع إِن أوصى بالوديعة فِي مرض مَوته ثمَّ مَاتَ وَلم تُوجد فَلَا ضَمَان فِي تركته، وَإِن لم يوص فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعرفهَا الْوَرَثَة أَو لَا: فَإِن عرفوها وَصدقهمْ صَاحبهَا على الْمعرفَة وَلم تُوجد لَا ضَمَان فِي التَّرِكَة، وَإِن لم يعرفوها وَقت مَوته فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَن تكون مَوْجُودَة أَو لَا، فَإِن كَانَت مَوْجُودَة وَثَبت أَنَّهَا وَدِيعَة إِمَّا بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار الْوَرَثَة أَخذهَا صَاحبهَا وَلَا يتَوَهَّم أَنه فِي هَذِه الْحَالة مَاتَ مجهلا فَصَارَت دينا فيشارك أَصْحَاب الدُّيُون صَاحبهَا، لَان هَذَا عِنْد عدم وجودهَا، أما عِنْد قِيَامهَا فَلَا شكّ أَن صَاحبهَا أَحَق بهَا، فَإِن لم تُوجد فَحِينَئِذٍ هِيَ دين فِي التَّرِكَة وصاحبها كَسَائِر غُرَمَاء الصِّحَّة، وَإِن وجد بَعْضهَا وفقد بَعْضهَا، فَإِن كَانَ مَاتَ مجهلا أَخذ صَاحبهَا الْمَوْجُود وَرجع بالمفقود فِي التَّرِكَة وَإِلَّا أَخذ الْمَوْجُود فَقَط، وَإِن مَاتَ وَصَارَت دينا، فَإِن كَانَت من ذَوَات الامثال وَجب مثلهَا وَإِلَّا فقيمتها، فَعَلَيْك بِحِفْظ هَذَا التَّحْرِير. وَالله أعلم نقل من فَتَاوَى التُّمُرْتَاشِيّ. وَأجَاب قَارِئ الْهِدَايَة عَن سُؤال بقوله: إِذا أَقَامَ الْمُودع بَيِّنَة على الايداع وَقد مَاتَ الْمُودع مجهلا للوديعة وَلم يذكرهَا فِي وَصيته وَلَا ذكر حَالهَا لوَرثَته فضمانها فِي تركته، فَإِن أَقَامَ بَيِّنَة على قيمتهَا أخذت من تركته، وَإِن لم تكن لَهُ بَيِّنَة على قيمتهَا فَالْقَوْل فِيهَا قَول الْوَرَثَة مَعَ يمينهم، وَلَا يقبل قَول الْوَرَثَة إِن مُورثهم ردهَا لانه لَزِمَهُم ضَمَانهَا فَلَا يبرؤن بِمُجَرَّد قَوْلهم من غير بَيِّنَة شَرْعِيَّة على أَن مُورثهم ردهَا. اهـ. وَقَالَ فِي جَوَاب آخر: ادعوا أَن مُورثهم ادّعى قبل مَوته أَنه رده إِلَى مَالِكه أَو أَنه تلف مِنْهُ وَأَقَامُوا بَيِّنَة على أَنه قَالَ ذَلِك فِي حَيَاته تقبل بينتهم، وَكَذَلِكَ إِذا أَقَامُوا بَيِّنَة أَنه حِين مَوته كَانَ المَال الْمَذْكُور قَائِما وَأَن مُورثهم قَالَ هَذَا المَال لفُلَان عِنْدِي وَدِيعَة أَو قرض أَو قَبضته لفُلَان بطرِيق الْوكَالَة أَو

стр. 1050

الرسَالَة لادفعه إِلَيْهِ فادفعوه إِلَيْهِ وَلكنه ضَاعَ بعد ذَلِك من عندنَا لَا ضَمَان عَلَيْهِم وَلَا فِي تركته اهـ. أَقُول: وَفِي قَوْله أَو قرض نظر، إِن حمل على أَن الْمَيِّت استقرضه مِنْهُ لانه دخل فِي ملكه وَصَارَ مطالبا بِبَدَلِهِ، وَإِذا هلك يهْلك عَلَيْهِ بعد قَبضه، إِلَّا أَن يحمل على أَن الْمَالِك كَانَ استقرضه وَوَضعه عِنْد الْمَيِّت أَمَانَة فَلْيتَأَمَّل هَذَا. وَفِي حَاشِيَة الاشباه للبيري عَن منية الْمُفْتِي مَا نَصه: وَارِث الْمُودع بعد مَوته إِذا قَالَ ضَاعَت فِي يَد مورثي: فَإِن كَانَ هَذَا فِي عِيَاله حِين كَانَ مودعا يصدق، وَإِن لم يكن فِي عِيَاله لَا. اهـ. قَوْله: (صدق) يَعْنِي لَو ادّعى الطَّالِب التجهيل بِأَن قَالَ مَاتَ الْمُودع مجهلا وَادّعى الْوَارِث أَنَّهَا كَانَت قَائِمَة يَوْم مَاتَ وَكَانَت مَعْرُوفَة ثمَّ هَلَكت بعد مَوته فَالْقَوْل للطَّالِب فِي الصَّحِيحُ، إذْ الْوَدِيعَةُ صَارَتْ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ فِي الظَّاهِر فَلَا يصدق الْوَارِث كَمَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ وَالْبَزَّازِيَّة كَمَا علمت. قَوْله: (وَمَا لَو كَانَت عِنْده) أَي عِنْد الْمُورث: يَعْنِي أَن الْوَارِث كَالْمُودعِ فَيُقْبَلُ. قَوْلُهُ: (فِي الْهَلَاكِ إذَا فَسَّرَهَا فَهُوَ مثله) ، إِلَّا أَنه خَالفه فِي مَسْأَلَة وَهِي قَوْله الْآتِي إِلَّا فِي مَسْأَلَة وَهِي الخ. قَوْله: (إِلَّا أَنه إِذا مَنعه) أَي الْمُودع السَّارِق: يَعْنِي أَن الْمُودع بعد مَا دلّ السَّارِق على الْوَدِيعَة فجَاء السَّارِق ليأخذها فَمَنعه فَأَخذهَا السَّارِق قهرا لَا يضمن. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: الْمُودَعُ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا دَلَّ السَّارِقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْأَخْذِ حَال الاخذ، فَإِن مَنعه لم يضمن اهـ. إِلَّا إِذا مَنَعَهُ أَيْ الْمُودَعُ السَّارِقَ فَأَخَذَ كَرْهًا. فُصُولَيْنِ. وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: (وَالْمُودَعُ إذَا دَلَّ ضَمِنَ) . قَوْله: (كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمَانَاتِ) وَمِنْهَا: الرَّهْنُ إذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ مُجْهِلًا يَضْمَنُ قِيمَةَ الرَّهْنِ فِي تَرِكَتِهِ كَمَا فِي الانقروي، وَالْمرَاد بِالضَّمَانِ: أَي الزَّائِدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الرَّمْلِيِّ، وَكَذَا الْوَكِيلُ إِذا مَاتَ مجهلا كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا هُنَا، وَبِهِ أَفْتَى الْحَامِدِيُّ بَعْدَ الْخَيْرِيِّ. وَفِي إجَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ: الْمُسْتَأْجِرُ يَضْمَنُ إِذا مَاتَ مجهلا مَا قَبضه اهـ. سائحاني وَمِنْهَا: الْمَأْمُور بِالدفع إِذا مَاتَ مجهلا كَمَا فِي التَّنْقِيح لسيدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِيه الاب إِذا مَاتَ مجهلا يضمن، لَكِن صحّح عدم ضَمَانه إِذْ الاب لَيْسَ أدنى حَالا من الْوَصِيّ بل هُوَ أوفى حَالا من الْوَصِيّ حَيْثُ لَا يضمن إِلَّا إِذا كَانَ الاب مِمَّن يَأْكُل مُهُور الْبَنَات كالفلاحين والاعراب، فَالْقَوْل بتضمينه إِذا مَاتَ مجهلا ظَاهر لانه غَاصِب من أول الامر، لانه إِنَّمَا قبض الْمهْر لنَفسِهِ لَا لبنته، فَلْيَكُن التعويل على هَذَا التَّفْصِيل وَمثله الْجد كَمَا مر اهـ. مُلَخصا. قَوْله: (فَإِنَّهَا تنْقَلب مَضْمُونَة بِالْمَوْتِ عَن تجهيل) وَيكون أُسْوَة الْغُرَمَاء. بيري على الاشباه. قَوْله: (ومفاوض) عطف خَاص وكمرتهن. أنقروي وَتقدم عَنهُ. قَوْله: (إلَّا فِي عَشْرٍ عَلَى مَا فِي الْأَشْبَاهِ) وعَلى مَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيّ على الْوَهْبَانِيَّة تِسْعَة عشر كَمَا تقف عَلَيْهِ. وَفِيه شبه اعْتِرَاض على المُصَنّف حَيْثُ اقْتصر فِي الِاسْتِثْنَاء على ثَلَاثَة والسبعة الْبَاقِيَة ذكرهَا فِي الاشباه صَارَت عشرَة.

стр. 1051

وَعبارَة الاشباه: الْوَصِيُّ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. وَالْأَبُ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا مَالَ ابْنِهِ، وَالْوَارِثُ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا مَا أُودِعَ عِنْدَ مُوَرِّثِهِ، وَإِذَا مَاتَ مُجْهِلًا لِمَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي بَيْتِهِ أَوْ لِمَا وَضَعَهُ مَالِكُهُ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَإِذَا مَاتَ الصَّبِي مجهلا لما أودع عِنْده مَحْجُورا. اهـ مُلَخصا. وَقدمنَا قَرِيبا ذكر الاب وَالْجد فَلَا تنسه، وَمن السَّبْعَة الْبَاقِيَة أحد الْمُتَفَاوضين، وَيَأْتِي للشَّارِح اعْتِمَاد الضَّمَان. وَنَذْكُر تَمَامه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (نَاظر أودع غلات الْوَقْف) عبارَة الدُّرَر قبض وَهِي أولى. تَأمل. وَالَّذِي فِي الاشباه: النَّاظر إِذا مَاتَ مجهلا غلات الْوَقْف، ثمَّ كَلَام المُصَنّف عَام فِي غلات الْمَسْجِد وغلات الْمُسْتَحقّين. أَقُول: هَكَذَا أطلقت الْمَسْأَلَة فِي كثير من الْكتب، وَوَقع فِيهَا كَلَام وَجْهَيْن: الاول: أَن قاضيخان قيد ذَلِك بِمُتَوَلِّي الْمَسْجِدِ إذَا أَخَذَ غَلَّاتِ الْمَسْجِدِ وَمَاتَ من غير بَيَان، أما إِن كَانَتْ الْغَلَّةُ مُسْتَحَقَّةً لِقَوْمٍ بِالشَّرْطِ فَيَضْمَنُ مُطْلَقًا بِدَلِيلِ اتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ وَقفا على أَخَوَيْنِ غَابَ أَحدهمَا وَقبض الْحَاضِر غَلَّتَهَا تِسْعَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ الْحَاضِرُ وَتَرَكَ وَصِيًّا ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ وَطَالَبَ الْوَصِيَّ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْغَلَّةِ. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: إذَا كَانَ الْحَاضِرُ الَّذِي قَبَضَ الْغَلَّةَ هُوَ الْقَيِّمَ على هَذَا الْوَقْف كَانَ للْغَائِب أَن يرجع فِي تَرِكَة الْمَيِّت بِحِصَّتِهِ من الْغلَّة، وَإِن لم يكن هُوَ الْقَيِّمَ إلَّا أَنَّ الْأَخَوَيْنِ آجَرَا جَمِيعًا فَكَذَلِك، وَإِن أجرا لحاضر كَانَتْ الْغَلَّةُ كُلُّهَا لَهُ فِي الْحُكْمِ وَلَا يطيب لَهُ انْتهى كَلَامه. وَهَذَا مُسْتَفَاد من قَوْلهم غلَّة الْوَقْف وَمَا قبض فِي يَد النَّاظر لَيْسَ غلَّة النَّاظر بَلْ هُوَ مَالُ الْمُسْتَحِقِّينَ بِالشَّرْطِ: قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ الْقَوْلِ فِي الْمِلْكِ: وَغَلَّةُ الْوَقْفِ يملكهَا الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَإِن لم يقبل انْتهى. وَيَنْبَغِي أَن يلْحقهُ بغلة الْمَسْجِد مَا إِذا شَرط ترك شئ فِي يَد النَّاظر للعمارة، وَالله أعلم. كَذَا حَرَّره شيخ مَشَايِخنَا منلا عَليّ رَحمَه الله تَعَالَى. الثَّانِي: أَن الامام الطرسوسي فِي أَنْفَع الْوَسَائِل ذكر بحثا أَنه يضمن إِذا طَالبه الْمُسْتَحق وَلم يدْفع لَهُ ثمَّ مَاتَ بِلَا بَيَان، أما إِذا لم يُطَالب: فَإِنْ مَحْمُودًا مَعْرُوفًا بِالْأَمَانَةِ لَا يَضْمَنُ وَإِلَّا ضمن، وَأقرهُ فِي الْبَحْر على تَقْيِيد ضَمَانه بِالطَّلَبِ: أَي فَلَا يضمن بِدُونِهِ. أما بِهِ فَيضمن وَهُوَ ظَاهر. وَبِه أفتى الشَّيْخ إِسْمَاعِيل الحائك، لَكِن ذكر الشَّيْخ صَالح فِي زواهر الْجَوَاهِر أَنه يضمن وَإِن لم يُطَالِبهُ الْمُسْتَحق، لَان لما مَاتَ مجهلا فقد ظلم، وَقَيده بحثا بِمَا إِذا لم يمت فَجْأَة، أما إِذا مَاتَ على غَفلَة لَا يضمن لعدم تمكنه من الْبَيَان، بِخِلَاف مَا إِذا مَاتَ بِمَرَض وَنَحْوه وَأقرهُ الشَّارِح، وَعدم تمكنه من الْبَيَان لَو مَاتَ فَجْأَة إِنَّمَا يظْهر لَو مَاتَ عقب قَبضه الْغلَّة كَمَا يَأْتِي. وَالْحَاصِل: أَن الْمُتَوَلِي إِذا قبض غلَّة الْوَقْف ثمَّ مَاتَ مجهلا بِأَن لم تُوجد فِي تركته وَلم يعلم مَا صنع بهَا لَا يضمنهَا فِي تركته مُطلقًا كَمَا هُوَ الْمُسْتَفَاد من أغلب عباراتهم، وَلَا كَلَام فِي ضَمَانه بعد طلب الْمُسْتَحق وَلَا فِي عدم ضَمَانه لَو كَانَت الْغلَّة لمَسْجِد، وَإِنَّمَا الْكَلَام فِيمَا لَو كَانَت غلَّة وقف لَهَا مستحقون مالكون لَهَا هَل يضمنهَا مُطلقًا على مَا يفهم من تَقْيِيد قاضيخان، أَو إِذا كَانَ غير مَحْمُود وَلَا مَعْرُوف بالامانة كَمَا بَحثه الطرسوسي، أَو إِذا كَانَ مَوته بعد مرض لَا فَجْأَة كَمَا بَحثه فِي الزواهر؟ فَلْيتَأَمَّل، وَهَذَا كُله فِي غلَّة الْوَقْف. أما لَو مَاتَ مجهلا لمَال الْبَدَل: أَي لثمن الارض المستبدلة أَو لعين

стр. 1052

الْوَقْف فَإِن يضمن بِمَوْتِهِ مجهلا بالاولى كَمَا قَالَ الشَّارِح عَن المُصَنّف، وَبِه يعلم أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، فَتنبه. قَوْله: (لِأَنَّ النَّاظِرَ لَوْ مَاتَ مُجْهِلًا لِمَالِ الْبَدَلِ ضمنه) أما لَو علم ضيَاعه لَا يضمن. قَالَ فِي الْبَحْر عَن الْمُحِيط: لَو ضَاعَ الثّمن من المستبدل لَا ضَمَان عَلَيْهِ. اهـ. وَهَذَا صَرِيح فِي جَوَاز الِاسْتِبْدَال بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير، فَلَا يشْتَرط كَون الْبَدَل عقارا، وَهُوَ يُنَافِي مَا قدمه فِي الْوَقْف من اشْتِرَاط كَون الْبَدَل عقارا، أَفَادَهُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ ط. أَقُول: لَكِن قدم الشَّارِح فِي الْوَقْف عَن الاشباه أَنه لَا يَجُوزُ اسْتِبْدَالُ الْعَامِرِ إلَّا فِي أَرْبَعٍ. قلت: لَكِن فِي معروضات الْمُفْتِي أَبُو السُّعُود أَنه فِي سنة ١٥٩ ورد الامر الشريف بِمَنْع استبداله وَأمر بِأَن يصير بِأَمْر السُّلْطَان تبعا لترجيح صدر الشَّرِيعَة اهـ فَلْيحْفَظ اهـ. وَنَقله سَيِّدي الْوَالِد ﵀ تَعَالَى فِي تنقيحه. أَقُول: وَعَلِيهِ الْمعول. قَوْله: (أشباه) قَالَ محشيه الْحَمَوِيّ: الْبَدَل بِالدَّال الْمُهْملَة ثمن أَرض الْوَقْف إِذا بَاعهَا بمسوغ الِاسْتِبْدَال كَمَا صرح بِهِ فِي الْخَانِية، قيد بالتجهيل إِذْ لَو علم ضيَاعه لَا يضمن. قَالَ فِي الذَّخِيرَة: إِن المَال فِي يَد المستبدل أَمَانَة لَا يضمن بضياعه اهـ. وَإِنَّمَا ضمن بِالْمَوْتِ عَن تجهيل لانه الاصل فِي الامانات إِذا حصل الْمَوْت فِيهَا عَن تجهيل، فَافْهَم. وَيُسْتَفَاد من قَوْلهم إِذا مَاتَ مجهلا لمَال الْبَدَل يضمن جَوَاب وَاقعَة الْفَتْوَى، وَهِي أَن الْمولى إِذا مَاتَ مجهلا لعين الْوَقْف كَمَا إِذا كَانَ الْوَقْف دَرَاهِم أَو دَنَانِير على القَوْل بِجَوَازِهِ وَعَلِيهِ عمل الرّوم أَن يكون ضَامِنا، لانه إِذا كَانَ يضمن بتجهيل مَال الْبَدَل فبتجهيل عين الْوَقْف أولى. ذكره المُصَنّف فِي منحه مَعَ زِيَادَة إِيضَاح. قَوْله: (على القَوْل بِجَوَازِهِ) حَيْثُ جرت بِهِ الْعَادة وَعَلِيهِ عمل أهل الرّوم كَمَا علمت. قَوْله: (قَالَه المُصَنّف) أَي فِي منحه. قَوْله: (وَأقرهُ ابْنه) الشَّيْخ صَالح. قَوْله: (وَقيد) أَي صَاحب الزواهر. قَوْله: (مَوته بحثا بِالْفَجْأَةِ) لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْبَيَانِ فَلَمْ يَكُنْ حَابِسًا ظُلْمًا. قُلْت: هَذَا مُسَلَّمٌ لَوْ مَاتَ فَجْأَة عقب الْقَبْض. تَأمل. وَهَذَا رَاجع إِلَى الْمَتْن فِي الْبَحْث فِي غلَّة الْمُسْتَحقّين كَمَا يفِيدهُ كَلَامه الَّذِي رد بِهِ على الطرسوسي لَا إِلَى مَال الْبَدَل وَعين الْوَقْف، حَيْثُ قَالَ: لَكِن يَقُول العَبْد الضَّعِيف: يَنْبَغِي أَن يُقَال: إِذا مَاتَ فَجْأَة على غَفلَة لَا يضمن لعدم تمكنه من بَيَانهَا فَلم يكن حابسا ظلما، وَإِن مَاتَ بِمَرَض وَنَحْوه فَإِنَّهُ يضمن لانه تمكن من بَيَانهَا وَلم يبين وَكَانَ مَانِعا لَهَا ظلما فَيضمن اهـ. وَكَانَ الاولى تَقْدِيم هَذِه الْمَسْأَلَة هُنَاكَ. قَوْله: (ورد مَا بَحثه فِي أَنْفَع الْوَسَائِل) كَمَا سمعته قَرِيبا وَمَا ذكره ابْن المُصَنّف من الرَّد. وَحَاصِل مَا ذكره بحثا تَفْصِيلًا: إِن حصل طلب الْمُسْتَحقّين مِنْهُ المَال وَأخر حَتَّى مَاتَ مجهلا يضمن، وَإِن لم يحصل طلب مِنْهُ وَمَات مجهلا يَنْبَغِي أَن يُقَال أَيْضا: إِن كَانَ مَحْمُودًا بَين النَّاس مَعْرُوفا بالديانة والامانة لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَإِن لم يكن كَذَلِك وَمضى زمَان وَالْمَال فِي يَده وَلم يفرقه وَلم يمنعهُ من

стр. 1053

ذَلِك مَانع شَرْعِي يضمن، وَمَا ذكره الشَّيْخ صَالح ابْن المُصَنّف هُوَ قَوْله. أَقُول: هُوَ لما مَاتَ مجهلا فقد ظلم وَقصر حَيْثُ لم يبين قبل مَوته فَكَانَ حابسا لَهَا ظلما فَيضمن سَوَاء طلب مِنْهُ أَو لَا، وَلَا دخل لكَونه مَحْمُودًا أَو غير مَحْمُود، وَلَو كَانَ مَحْمُودًا لبينها قبل مَوته فِي مَرضه وخلص نَفسه، فالحسن مَا عَلَيْهِ الْمَشَايِخ الاعلام، ثمَّ ذكر بَحثه السَّابِق. قَالَ الْعَلامَة الرَّمْلِيّ: الْعَمَل بإطلاقهم مُتَعَيّن، وَلَا نظر لما قَالَه الطرسوسي، وَيَنْبَغِي أَن يُقَال ذَلِك فِيمَا قَالَ ابْن المُصَنّف فِي زواهر. اهـ. ثمَّ إِن هَذَا من الْمُؤلف خلط مقَام بمقام فَإِنَّهُ لَا خلاف فِي عدم ضَمَانه بِمَوْتِهِ مجهلا غلات الْمَسْجِد، وَأما إِذا مَاتَ مجهلا اسْتِحْقَاق الْمُسْتَحقّين فَفِيهِ اخْتِلَاف الْمَشَايِخ، وَمَا عَلَيْهِ مَشَايِخ الْمَذْهَب أَنه يضمن مُطلقًا خلافًا لتفصيل الطرسوسي. وَالْحَاصِل: أَن بحث الطرسوي وَصَاحب الزواهر فِي غلَّة الْمُسْتَحقّين، وَلَا تنس مَا قدمْنَاهُ قَرِيبا من حَاصِل الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالسَّلَام. قَوْله: (وَمِنْهَا قَاض مَاتَ مجهلا لاموال الْيَتَامَى) قَالَ المُصَنّف فِي شرح تحفة الاقران إِذا خلط الامين بعض أَمْوَال النَّاس بِبَعْض أَو الامانة بِمَالِه فَإِنَّهُ ضَامِن، إِلَّا فِي مسَائِل: لَا يضمن الامين بالخلط القَاضِي إِذا خلط مَاله بِمَال غَيره أَو مَال رجل آخر، وَالْمُتوَلِّيّ إِذا خلط مَال الْوَقْف بِمَال نَفسه وَقيل يضمن. اهـ. وَاعْلَم مَا ذكره المُصَنّف تبع فِيهِ الاشباه من أَن القَاضِي إِذا مَاتَ مجهلا أَمْوَال الْيَتَامَى لَا يضمن، لكنه مُخَالف لما فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من السَّابِع وَالْعِشْرين: لَو وضع قَاض مَال الْيَتِيم فِي بَيْتِهِ وَمَاتَ مُجْهِلًا ضَمِنَ لِأَنَّهُ مُودَعٌ، وَلَو دَفعه القَاضِي إِلَى قوم ثِقَة وَلَا يدْرِي إِلَى من دفع لم يضمن إِذْ الْمُودع غَيره. اهـ. تَأمل. وَفِيه أَيْضا: وَلَا يضمن الْوَصِيّ بِمَوْتِهِ مجهلا، وَلَو خلطاه بِمَالِه ضمن وَضمن الاب بِمَوْتِهِ مجهلا، وَلَو وضع القَاضِي مَال الْيَتِيم فِي بَيْتِهِ وَمَاتَ مُجْهِلًا ضَمِنَ لِأَنَّهُ مُودَعٌ الخ. أَقُول: لَعَلَّ وَجْهَ الضَّمَانِ كَوْنُهَا لَا تَتَخَطَّى الْوَرَثَةَ فالغرم بالغنم، وَيظْهر من هَذَا الْوَصِيَّ إذَا وَضَعَ مَالِ الْيَتِيمِ فِي بَيْتِهِ وَمَاتَ مُجْهِلًا يَضْمَنُ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ قَدْ تَكُونُ مُسْتَمَدَّةً مِنْ الْقَاضِي أَوْ الْأَبِ فَضَمَانُهُ بِالْأَوْلَى. وَفِي الْخَيْرِيَّة: وَفِي الْوَصِيّ قَول بِالضَّمَانِ. وَيَأْتِي تَمام الْكَلَام على ذَلِك قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأَقُول: وَكَذَا الْغَاصِب كَمَا ذكره الْكَمَال فِي فصل الشَّهَادَة على الارث، وَكَذَا الْمُسْتَأْجر كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّة فِي مسَائِل موت أحد الْمُتَعَاقدين أَيْضا. قَوْله: (ولابد مِنْهُ) وَيُؤَيِّدهُ قَول جَامع الْفُصُولَيْنِ: مَاتَ الْمُودع وَلَا تَدْرِي الْوَدِيعَة بِعَينهَا صَارَت دينا فِي مَاله، وَكَذَا كل شئ أَصله أَمَانه وتفصيل الاشباه وَعبارَة الظَّهِيرِيَّة والفصولين. قَوْله: (لانه وَضعهَا فِي بَيته وَمَات مجهلا ضمن) وَقدمنَا وَجهه، وَكَذَا إِذا جن جنونا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، كَذَا فِي شرح البيري معزيا لخزانة الاكمل. أَبُو السُّعُود. لَكِن ذكر قاضيخان عَن إِبْرَاهِيم بن رستم: لَو مَاتَ القَاضِي وَلم يبين مَا عِنْده من مَال الْيَتِيم لَا يضمن. شرنبلالية وَفِي الْبَزَّازِيَّة: إِذا قبض مَاله وَوَضعه فِي منزله وَلَا يدْرِي أَيْن وَضعه وَمَات يضمن إِلَّا إِذا

стр. 1054

قَالَ للْقَاضِي حَال حَيَاته ضَاعَ أَو أنفقته عَلَيْهِ لَا يضمن. اهـ. فَتَأمل. قَوْله: (وَمِنْهَا سُلْطَان أودع الخ) وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون قبل الْقِسْمَة. أَقُول: وَكَذَا إِذا مَاتَ مجهلا أَمْوَال الْيَتِيم عِنْده كَمَا فِي الْعمادِيَّة. قَالَ ط وَمِنْهَا: الْوَصِيُّ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَمَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ وَمِنْهَا: الاب إِذا مَاتَ مجهلا مَال ابْنه. وَمِنْهَا: إِذا مَاتَ الْوَارِث مجهلا مَا أودع عِنْد مُوَرِثه، وَهَذِه لم يعزها صَاحب الاشباه لَاحَدَّ. وَمِنْهَا: إِذا مَاتَ مجهلا مَا ألقته الرّيح فِي بَيته. وَمِنْهَا: إِذا مَاتَ مجهلا لِمَا وَضَعَهُ مَالِكُهُ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَذَا فِي الاشباه. قَالَ السَّيِّد الْحَمَوِيّ: وَالصَّوَاب بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، إذْ يَسْتَحِيل تجهيل مَا لَا يُعلمهُ. وَمِنْهَا: إِذا مَاتَ الصَّبِي مجهلا لما أودع عِنْده مَحْجُورا لانه لم يلْتَزم الْحِفْظ وَهِي السِّتَّة تَمام الْعشْرَة، وَكَذَلِكَ إِذا بلغ ثمَّ مَاتَ إِلَّا أَن يشْهدُوا أَنَّهَا فِي يَده بعد الْبلُوغ لزوَال الْمَانِع وَهُوَ الصِّبَا، وَالْمَعْتُوه كَالصَّبِيِّ فِي ذَلِك. وَذكر البيري أَنه إِذا مَاتَ الصَّبِي بعد الْبلُوغ وَلم يدر مَتى هَلَكت الْوَدِيعَة وَلم يعلم كَيفَ حَالهَا لم يُوجب القَاضِي ضمانا فِي مَاله بِالْعقدِ الْمَوْقُوف حَتَّى يُقيم الْمُدعى بَيِّنَة يشْهدُونَ أَنهم رأوها فِي يَده بعد الْبلُوغ اهـ. قَوْله: (وَلَيْسَ مِنْهَا مَسْأَلَة أحد الْمُتَفَاوضين) ذكر مُحَمَّد فِي كتاب شركَة الاصل مَسْأَلَة رَابِعَة، وَهِي أَن أحد الْمُتَفَاوضين إِذا مَاتَ وَلم يبين المَال الَّذِي كَانَ فِي يَده لم يضمن نصيب شَرِيكه كَمَا فِي المنبع نقلا عَن تَهْذِيب الْوَاقِعَات للحسام الشَّهِيد. وَهَكَذَا فِي الْوَلوالجِيَّة. وَلَكِن فِي فَتَاوَى قاضيخان: وَأما أحد الْمُتَفَاوضين إِذا كَانَ المَال عِنْده وَلم يبين حَال المَال الَّذِي كَانَ عِنْده فَمَاتَ، ذكر بعض الْفُقَهَاء أَنه لَا يضمن وأحاله إِلَى شركَة الاصل وَذَلِكَ غلط، بل الصَّحِيح أَنه يضمن نصيب صَاحبه انْتهى. والعلامة الْكَمَال بن الْهمام قَالَ فِي كتاب الشّركَة: الامين إِذا مَاتَ مجهلا يضمن إِلَّا فِي ثَلَاث، وَجعل عدم ضَمَان المفاوض مِنْهَا، ثمَّ صرح فِي كتاب الْوَقْف بِأَن الْمُسْتَثْنى ثَلَاث وَسكت عَن ضَمَان المفاوض وَأورد بدله غَيره فليوفق. أَقُول: من الله التَّوْفِيق، وغايته الْحمل على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ. وَلَكِن بِدَفْعِهِ تغليط قاضيخان عدم الضَّمَان ويصحح ضَمَان نصيب صَاحبه، وَيدل عَلَيْهِ مَا نَصه فِي الْقنية: مَاتَ أحد الْمُتَفَاوضين وَمَالُ الشَّرِكَةِ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ بَلْ مَاتَ مُجَهِّلًا يَضْمَنُ، كَمَا لَوْ مَاتَ مجهلا للعين انْتهى. فَظهر أَن هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَأَن مَا ذكره الْمُحَقق الْكَمَال ضَعِيف. قَالَ المُصَنّف تبعا للبحر: وَأما أحد الْمُتَفَاوضين إِذا كَانَ المَال عِنْده وَلم يبين حَال المَال الَّذِي كَانَ عِنْده فَمَاتَ ذكر بعض الْفُقَهَاء أَنه لَا يضمن وأحاله إِلَى شركَة الاصل وَذَلِكَ غلط، بل الصَّحِيح أَنه يضمن نصيب صَاحبه، كَذَا فِي الْخَانِية من الْوَقْف. وَبِه يَتَّضِح أَن مَا فِي الْفَتْح وَبَعض الْفَتَاوَى ضَعِيف وَأَن الشَّرِيك يكون ضَامِنا بِالْمَوْتِ عَن تجهيل عنانا أَو مُفَاوَضَة وَمَال الْمُضَاربَة مثل الشّركَة إِذا مَاتَ الْمضَارب مجهلا لمَال الْمُضَاربَة أَو للْمُشْتَرِي بمالها. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة من النَّوْع الْخَامِس عشر فِي أَنْوَاع الدَّعَاوَى مَا نَصه: وَفِي دَعْوَى مَال الشّركَة

стр. 1055

بِسَبَب الْمَوْت مجهلا لَا بُد أَن يبين أَنه مَاتَ مجهلا لمَال الشّركَة، وَأما المُشْتَرِي بمالها وَمَال الشّركَة مَضْمُون بِالْمثلِ وَالْمُشْتَرِي بمالها مَضْمُون بِالْقيمَةِ وَمثله مَال الْمُضَاربَة إِذا مَاتَ الْمضَارب مجهلا بِمَال الْمُضَاربَة أَو للْمُشْتَرِي بمالها وَهَذَا صَرِيح فِي الضَّمَان فَإِذا أقرّ فِي مَرضه أَنه ربح ألفا ثمَّ مَاتَ من غير بَيَان لَا ضَمَان، إِلَّا إِذا أقرّ بوصولها إِلَيْهِ كَمَا فِي قاضيخان من كتاب الْمُضَاربَة. قَوْله: (لما نَقله المُصَنّف هُنَا وَفِي الشّركَة) وَنَقله صَاحب الْبَحْر فِي الشّركَة قَوْله: (أَنه يضمن نصيب شَرِيكه) عنانا أَو مُفَاوَضَة، وَمَال الْمُضَاربَة مثل مَال الشّركَة إِذا مَاتَ الْمضَارب مجهلا كَمَا علمت. قَوْله: (وَأقرهُ محشوها) أَي أقرّ الصَّوَاب. محشو الاشباه. قَوْله: (فَبَقيَ الْمُسْتَثْنى تِسْعَة) أَي بِخُرُوج الشَّرِيك من الْعشْرَة وَهِي الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي المُصَنّف والستة الْمَذْكُورَة فِي الاشباه. قَوْله: (وَزَادَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ عَلَى الْعَشَرَةِ) أَي بِزِيَادَة مَسْأَلَة أحد الْمُتَفَاوضين على مَا تقدم. قَوْله: (الْجد) قلت: يفهم من ذكر الاب، فَإِن أَحْكَامه أَحْكَامه إِلَّا فِيمَا اسْتثْنى وَهَذِه لَيست مِنْهَا، وَقدمنَا ذكرهمَا. قَوْله: (ووصيه ووصي القَاضِي) هما داخلان فِي الْوَصِيّ فِي كَلَام الاشباه فَلَا وَجه لزِيَادَة مَا ذكر، إلَّا أَنْ يُقَالَ: حَمَلَهُ عَلَى وَصِيِّ الْأَبِ لبَيَان التَّفْصِيل للايضاح، فَتَأمل. قَوْله: (وَسِتَّة من المحجورين) أَي وَالسَّابِع وَهُوَ الصَّبِي الْمَحْجُور عَلَيْهِ مَذْكُور هُنَا. قلت: هِيَ تعلم من ذكر الصَّبِي ط: أَي لَو أودع عِنْدهم وماتوا مجهلين فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم والستة من المحجورين وهم مَا عدا الصُّغْرَى، وَإِنَّمَا أَسْقَطَهُ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْأَشْبَاهِ، وَمُرَادُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فِي الْأَشْبَاهِ، فَافْهَمْ. قَوْلُهُ: (لَان الْحجر يَشْمَل سَبْعَة) أَي وَقد قدمنَا مَا لَو كَانَ الْمُودع صَبيا وَهِي من الصُّور الَّتِي ذكرهَا فِي الاشباه وَلم يذكرهَا شَارحنَا هُنَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي الْحجر لصِغَر مَسْأَلَة الصغر مِنْ الْعَشَرَةِ الَّتِي فِي الْأَشْبَاهِ إلَّا أَنْ يَقُول: عَدَّهَا هُنَا بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ: (وَإِنْ بَلَغَ ثُمَّ مَاتَ لَا يضمن) . تَأمل. أَو يُقَال: إِن مُرَاده مُجَرّد المحجورين سَبْعَة وَأَن مُرَاده سِتَّة مِنْهُم مَا عدا الصغر لانه مَذْكُور فِي الاشباه، وَلذَلِك قَالَ: وَسِتَّة من المحجورين. قَوْله: (ورق) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّة لَو أَن عبدا مَحْجُورا عَلَيْهِ أودعهُ رجل مَالا ثمَّ أعْتقهُ الْوَلِيّ ثمَّ مَاتَ وَلم يبين الْوَدِيعَة فالوديعة دين فِي مَاله سَوَاء شهد الشُّهُود بِقِيَام الْوَدِيعَة بعد الْعتْق أم لَا، وَإِن مَاتَ وَهُوَ عبد فَلَا شئ على مَوْلَاهُ، إِلَّا أَن تعرف الْوَدِيعَة فَترد على صَاحبهَا. اهـ. قَوْلُهُ: (وَدَيْنٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْيَاءِ. قَوْلُهُ: (وَالْمَعْتُوه كصبي) قَالَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ: أَوْدَعَ صَبِيًّا مَحْجُورًا يَعْقِلُ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَاتَ قَبْلَ بُلُوغه مجهلا لَا يجب الضَّمَان انْتهى. وَلَعَلَّه قصد بكاف التَّشْبِيهِ الْإِشَارَةَ إلَى مَا يَأْتِي عَنْ الْوَجِيزِ تَأمل. وَعلل فِي الْوَجِيز شرح الْجَامِع الْكَبِير عدم ضَمَانه بِأَنَّهُ لم يلْتَزم الْحِفْظ، ثمَّ قَالَ: وَإِن بلغ ثمَّ مَاتَ فَكَذَلِك إِلَّا أَن يشْهدُوا أَنَّهَا فِي يَده بعد الْبلُوغ لزوَال الْمَانِع وَهُوَ الصِّبَا. وَالْمَعْتُوه كَالصَّبِيِّ فِي ذَلِك، فَإِن كَانَ مَأْذُونا لَهما فِي ذَلِك ثمَّ مَاتَا قبل الْبلُوغ والافاقة ضمنا اهـ. وَبِه تتضح عبارَة الشَّارِح. قَوْله: (وَإِن بلغ) أَي الصَّبِي وَمثله إِذا أَفَاق الْمَعْتُوه كَمَا يُؤْخَذ مِمَّا
следующие страницы →