Полный текст (1 094 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
يُشَارِكهُ فِي الْمصر غَيره) لم يشْتَرط هَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ.
شرنبلالية.
مطلب: إِذا عرف باللقب واشتهر بِهِ لَا يلْزم ذكر أَبِيه وجده حَيْثُ لم يشْتَهر بهما
قَوْله: (فَالْمُعْتَبر التَّعْرِيف لَا تَكْثِير الْحُرُوف) قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَالْحَاصِل أَن الْمُعْتَبر حُصُول الْمعرفَة وارتفاع الالتباس بِأَيّ وَجه كَانَ.
وَقَالَ فِي أثْنَاء الْفَصْل السَّابِع فِي تَحْدِيد الْعقار ودعواه مَا نَصه: كَمَا لَو كَانَ الرجل مَعْرُوفا مَشْهُورا باسمه أَو بلقبه لَا بِأَبِيهِ وجده يَكْتَفِي بِذكر مَا اشْتهر بِهِ، وجهالة أَبِيه وجده لَا تضر التَّعْرِيف، بل ذكره وَعَدَمه سَوَاء لعدم معرفَة النَّاس بِهِ اه وَنَحْوه فِي نور الْعين.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِلَقَبِهِ) وَكَذَا بِصِفَتِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الحامدية، فِيمَن شهد أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُتِلَتْ فِي سُوقِ كَذَا يَوْم كَذَا وَقْتِ كَذَا قَتَلَهَا فُلَانٌ تُقْبَلُ بِلَا بَيَانِ اسْمِهَا وَأَبِيهَا حَيْثُ كَانَتْ مَعْرُوفَةً لَمْ يُشَارِكْهَا فِي ذَلِك غَيرهَا.
قَالَ فِي الاشباه: وتكفي النِّسْبَة إِلَى الزَّوْج لَان الْمَقْصُود الاعلام، وَفِي العَبْد اسْمه وَاسم مَوْلَاهُ وَأبي مَوْلَاهُ، وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَار على الِاسْم إِلَّا أَن يكون مَشْهُورا.
قَوْلُهُ: (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) أَيْ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ.
قَوْله: (وَلَا يسْأَل عَن شَاهد) أَي عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى: أَي لَا يجب على الْحَاكِم أَن يسْأَل عَن الشَّاهِد، بل يجوز لَهُ الِاقْتِصَار على ظَاهر الْعَدَالَة فِي الْمُسلم.
قَوْله: (بِلَا طعن من الْخصم) قَالَ الرَّمْلِيّ: وَلَو بِالْجرْحِ الْمُجَرّد، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْله فِيمَا يَأْتِي: وَلَا يسمع القَاضِي الشَّهَادَة على جرح مُجَرّد لَان عدم سماعهَا لعدم دُخُوله تَحت الحكم، وَإِلَّا فَالْخَبَر عَن فسق الشُّهُود يَمْنَعُ الْقَاضِيَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَالْحُكْمِ بِهَا، فالطعن بِهِ مسموع مِنْهُ قبل التَّزْكِيَة، وسيظهر من مسَائِل الطعْن، وَالله تَعَالَى أعلم اه.
قَوْله: (إِلَّا فِي حد وقود) أَي فَإِنَّهُ يسْأَل عَنْهُم للاحتيال فِي إِسْقَاطهَا فيستقصى، ولان الشُّبْهَة فِيهَا دارئة.
وَالْحَاصِل: أَنه إِن طعن الْخصم سَأَلَ عَنْهُم فِي الْكُلِّ، وَإِلَّا سَأَلَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَفِي
غَيْرِهَا مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ.
وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي هَذَا الزَّمَان.
بَحر عَن الْهِدَايَة.
قَوْله: (وَعِنْدَهُمَا يسْأَل فِي الْكل) أَيْ وُجُوبًا، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ عِنْدَهُمَا كَمَا أوضحه فِي الْبَحْر: أَي فيأثم بِتَرْكِهِ وَلَا يبطل الحكم اه.
حموي.
قَالَ فِي الْمُحِيط البرهاني: لَو قضى بِالْحَدِّ بِبَيِّنَة ثمَّ ظهر أَنهم فساق بعد مَا رجم فَإِنَّهُ لَا ضَمَان على القَاضِي لانه لم يظْهر الْخَطَأ بِيَقِين اه.
وَهَذَا يدل على أَن القَاضِي لَو قضى فِي الْحُدُود قبل السُّؤَال بِظَاهِر الْعَدَالَة فَإِنَّهُ يَصح وَإِن كَانَ آثِما، فَقَوله فِي الْهِدَايَة: يشْتَرط الِاسْتِقْصَاء مَعْنَاهُ يجب، وَمعنى قَول الامام يقْتَصر الْحَاكِم يجوز اقْتِصَاره لَا أَنه يجب اقْتِصَاره اه.
فرع: فِي الْمُلْتَقط صَبِيٌّ احْتَلَمَ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ مَا لَمْ أسأَل عَنهُ، وَلَا بُد أَن يَتَأَتَّى بَعْدَ الْبُلُوغِ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِ أهل محلته ومسجده أَنه صَالح أَو غَيره اه.
قَوْله: (إِن جهل بحالهم بَحر) وَعبارَته: وَمحل السُّؤَال على قَوْلهمَا عِنْدَ جَهْلِ الْقَاضِي بِحَالِهِمْ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ: الْقَاضِي إذَا
стр. 492
عَرَفَ الشُّهُودَ بِجَرْحٍ أَوْ عَدَالَةٍ لَا يَسْأَلُ عَنْهُم اه.
قَوْله: (سرا) بِأَن يبْعَث الرقعة وَيُقَال لَهَا المستورة لسترها عَن أعين النَّاس إِلَى الْمُزَكي، وَيكْتب فِي ذَلِك الْبيَاض نسب الشَّاهِد وحليته ومسجده الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، ثمَّ يكْتب الْمُزَكي الَّذِي بعث القَاضِي إِلَيْهِ عَدَالَته، بِأَن يكْتب: هُوَ عدل جَائِز الشَّهَادَة، وَإِن لم يعرفهُ بشئ كتب: هُوَ مَسْتُور، وَمن عرفه بفسق لم يُصَرح بِهِ بل يسكت تَحَرُّزًا عَن هتك السّتْر، أَو يكْتب الله تَعَالَى أعلم بِهِ، إِلَّا إِذا عدله غَيره وَخَافَ أَنه إِن لم يُصَرح بِهِ يقْضِي بِشَهَادَتِهِ يُصَرح بِهِ.
كَذَا فِي البناية.
وَفَائِدَة السِّرّ أَن الْمُزَكي إِذا جرح الشَّاهِد يَقُول القَاضِي للْمُدَّعِي هَات شَاهدا آخر وَلَا يَقُول إِنَّه مَجْرُوح.
وَفِي هَذَا صِيَانة عَن هتك حُرْمَة الْمُسلم وصيانة حَال الْمُزَكي.
وَلَو تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل، قَالَ الْعَلامَة قَاسم: إِذا جرح وَاحِد وَعدل وَاحِد فعندهما الْجرْح أولى، لَان مَذْهَبهمَا أَن الْجرْح وَالتَّعْدِيل بثبت بقول وَاحِد كَمَا لَو كَانَ فِي كل جَانب اثْنَان.
مطلب: لَو جرحه وَاحِد وعدله اثْنَان فالتعديل، وَإِن جرحه اثْنَان وعدله عشرَة فالجرح وَعند مُحَمَّد تتَوَقَّف الشَّهَادَة حَتَّى يجرحه وَاحِد أَو يعدله فَيثبت الْجرْح أَو التَّعْدِيل، فَإِن جرحه
وَاحِد وعدله اثْنَان فالتعديل أولى بالاجماع، وَإِن جرحه اثْنَان وعدله عشرَة فالجرح أولى، فَلَو قَالَ الْمُدَّعِي بعد الْجرْح أَنا أجئ بِقوم صالحين يعدلونهم.
قَالَ فِي الْعُيُون قبل ذَلِك: وَفِي النَّوَادِر أَنه لَا يقبل، وَهُوَ اخْتِيَار ظهير الدّين.
وعَلى قَول من يقبل إِذا جَاءَ بِقوم ثِقَة يعدلونهم فَالْقَاضِي يسْأَل الجارحين فلعلهم جرحوا بِمَا لَا يكون جرحا عِنْد القَاضِي لَا يلْتَفت إِلَى جرحهم، وَهَذَا ألطف الاقاويل، وَبِه جزم فِي الْخَانِية.
وَكَذَا لَو عدل الْمُزَكي الشُّهُود سرا وَطعن الشُّهُود عَلَيْهِ وَقَالَ القَاضِي سل عَنْهُم فلَانا وَفُلَانًا وسمى قوما يصلحون.
مطلب: لَو عدل شَاهد وَقضي وَمضى مُدَّة وَشهد فِي أُخْرَى وَلَو عدل شَاهد فِي قَضِيَّة وَقضى بِهِ ثمَّ شهد فِي أُخْرَى: إِن بَعدت الْمدَّة أُعِيد التَّعْدِيل، وَإِلَّا لَا.
وَفِي الظَّهِيرِيَّة: القَاضِي إِذا عرف أَحدهمَا بِالْعَدَالَةِ فَسَأَلَهُ عَن صَاحبه فعدله قَالَ نصير لَا يقبل، وَلابْن سَلمَة قَولَانِ.
مطلب: إِذا ردَّتْ الشَّهَادَة لعِلَّة ثمَّ زَالَت تِلْكَ الْعلَّة وَفِي الْبَزَّازِيَّة: من ردَّتْ شَهَادَته فِي حَادِثَة لَعَلَّه ثمَّ زَالَت الْعلَّة فَشهد لم تقبل إِلَّا فِي أَرْبَعَة: الصَّبِي، وَالْعَبْد، وَالْكَافِر على الْمُسلم، والاعمى إِذا شهد وأفردت فَزَالَ الْمَانِع فَشَهِدُوا يقبل، وَقد جمعهَا الْعَلامَة الْمَقْدِسِي فِي قَوْله: إِن زَالَت الْعلَّة فِي شهاده ردَّتْ فَلَا تقبل فِي الاعاده فِي غير مَا أَرْبَعَة فِي الْعد أعمى وَكَافِر صبي عبد مطلب: يفرق بَين الْمَرْدُود بتهمة أَو لشُبْهَة وَفِي الْبَحْر: يفرق بَين الْمَرْدُود لتهمة وَبَين المرود لشُبْهَة، فَالثَّانِي يقبل عِنْد زَوَالهَا، بِخِلَاف الاول فَإِنَّهُ لَا يقبل مُطلقًا إِلَيْهِ أَشَارَ فِي النَّوَازِل.
وَذَلِكَ كأجير الوحد لَا تقبل شَهَادَته مَا دَامَت الاجارة قَائِمَة، فَإِذا انْقَضتْ قبلت.
قَوْله: (وعلنا) بِفَتْح اللَّام مصدر علن الامر: ظهر وانتشر.
وَفِي الْمِصْبَاح: علن الامر علونا من بَاب قعد: ظهر وانتشر فَهُوَ عالن، وعلن علنا من بَاب تَعب لُغَة، فَهُوَ علن
стр. 493
وعلين، وَالِاسْم الْعَلَانِيَة، بِأَن يجمع بَين الْمُزَكي وَالشَّاهِد الَّذِي زَكَّاهُ وَيَقُول للمزكي هَذَا هُوَ الَّذِي
زكيته.
حموي.
قَالَ فِي الْبَحْر: لَو زكى من فِي السِّرّ علنا يجوز عندنَا، والخصاف شَرط تغايرهما.
كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّة.
وَلَو قَالَ الْمُؤلف: ثمَّ علنا ليُفِيد أَنه لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَزْكِيَةِ السِّرِّ عَلَى الْعَلَانِيَة لَكَانَ أولى، لِمَا فِي الْمُلْتَقَطِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا أَقْبَلُ تَزْكِيَةَ الْعَلَانِيَةِ حَتَّى يُزَكَّى فِي السِّرِّ اه.
وَشَمل سُؤال القَاضِي عَن الشَّاهِد الاصلي والفرعي فَيسْأَل عَن الْكل.
كَذَا عَن أبي يُوسُف.
وَعَن مُحَمَّد: يسْأَل عَن الاولين، فَإِن زكيا سَأَلَ عَن الآخرين.
كَذَا فِي الْمُلْتَقط.
تَنْبِيه: لَا تجوز التَّزْكِيَة إِلَّا أَن تعرفه أَنْت أَو وصف لَك أَو عرفت أَن القَاضِي زَكَّاهُ أَو زكى عِنْده.
وَقَالَ مُحَمَّد: كم من رجل أقبل شَهَادَته وَلَا أقبل تعديله، يَعْنِي أَن الشَّهَادَة على الظَّوَاهِر وَلَا كَذَلِك التَّعْدِيل، كَذَا فِي الْمُلْتَقط.
مطلب: يشْتَرط فِي التَّزْكِيَة شُرُوط فَيشْتَرط لجوازها شُرُوط: الاول أَن تكون الشَّهَادَة عِنْد قَاض عدل عَالم.
الثَّانِي أَن تعرفه وتختبره بشركة أَو مُعَاملَة أَو سفر.
الثَّالِث أَن تعرف أَنه ملازم للْجَمَاعَة.
الرَّابِع أَن يكون مَعْرُوفا بِصِحَّة الْمُعَامَلَة فِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم.
الْخَامِس أَن يكون مُؤديا للامانة.
السَّادِس أَن يكون صَدُوق اللِّسَان.
السَّابِع اجْتِنَاب الْكَبَائِر.
الثَّامِن أَن تعلم مِنْهُ اجْتِنَاب الاصرار على الصَّغَائِر وَمَا يخل بالمروءة.
وَالْكل فِي شرح أدب الْقَضَاء للخصاب.
وَفِي النَّوَازِل: من قَالَ لَا أَدْرِي أَنا مُؤمن أَو غير مُؤمن لَا تعدله وَلَا تصل خَلفه.
مطلب: عرف فسق الشَّاهِد فَغَاب ثمَّ قدم وَفِي الْبَزَّازِيَّة: عرف فسق الشَّاهِد فَغَاب غيبَة مُنْقَطِعَة ثمَّ قدم، وَلَا يدْرِي مِنْهُ إِلَّا الصّلاح لَا يجرحه الْمعدل وَلَا يعدله.
مطلب: لَو كَانَ مَعْرُوفا بالصلاح فَغَاب ثمَّ عَاد فَهُوَ على عَدَالَته وَلَو كَانَ مَعْرُوفا بالصلاح فَغَاب غيبَة مُنْقَطِعَة ثمَّ حضر فَهُوَ على الْعَدَالَة.
والشاهدان لَو عدلا بعد مَا تابا يقْضى بِشَهَادَتِهِمَا، وَكَذَا لَو غابا ثمَّ عدلا، وَلَو خرسا أَو عميا لَا يقْضى.
تَابَ الْفَاسِق لَا
يعدله كَمَا تَابَ، بل لَا بُد من مُضِيّ زمَان يَقع فِي الْقلب صدقه فِي التَّوْبَة اه.
بَحر.
وَفِيه: وَشَمل إِطْلَاقه مَا إِذا كَانَ الشَّاهِد غَرِيبا، فَإِن كَانَ وَلَا يجد معدلا فَإِنَّهُ يكْتب إِلَى قَاضِي بَلَده ليخبره عَن حَاله أَو إِلَى أهل بلدته ليعرف حَاله، وَكَذَا غَرِيب نزل بَين ظهراني قوم لَا يعدله حَتَّى تبعد الْمدَّة وَيظْهر حَاله للْقَوْم.
وَكَانَ الامام الثَّانِي يَقُول: إِن الْمدَّة سِتَّة أشهر ثمَّ رَجَعَ إِلَى سنة، وَمُحَمّد لم يقدره بل على مَا يَقع فِي الْقُلُوب الوثوق، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى اه مُلَخصا.
قَوْلُهُ: (بِهِ يُفْتَى) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَعِنْدَهُمَا يَسْأَلُ فِي الْكُلِّ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِن طعن الْخصم سَأَلَ عَنْهُم فِي الْكل إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ قَرِيبا، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ سِرًّا وَعَلَنًا لِئَلَّا يُوهِمَ خِلَافَ الْمُرَادِ فَإِنَّهُ سَيَنْقُلُ أَنَّ الْفَتْوَى الِاكْتِفَاءُ بِالسِّرِّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْكَمَالِ فِي مَتْنِهِ.
وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ مَا فِي الْكَنْزِ خِلَافُ الْمُفْتَى بِهِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْعَلَانِيَةِ خِلَافُ الْمُفْتَى بِهِ بَلْ فِي الْبَحْرِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَزْكِيَةِ السِّرّ على الْعَلَانِيَة إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ آنِفا، فَتنبه.
стр. 494
أَقُول: وَعمل قُضَاة زَمَاننَا الْآن على تَزْكِيَة السِّرّ وَالْعَلَانِيَة لوُرُود الامر السلطاني بذلك.
قَوْله: (لانهما كَانَا فِي الْقرن الرَّابِع) بعد تغير أَحْوَال النَّاس، فظهرت الْخِيَانَة وَالْكذب.
وَأَبُو حنيفَة كَانَ فِي الْقرن الثَّالِث وهم نَاس شهد لَهُم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح، فَقَالَ ﵊ خير الْقُرُون قَرْني الَّذِي أَنا فِيهِ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ يفشو الْكَذِب حَتَّى يحلف الرجل قبل أَن يسْتَحْلف، وَيشْهد قبل أَن يستشهد اه.
زَيْلَعِيّ.
وَهَذَا بِنَاء على أَن الْقرن خَمْسُونَ سنة كَمَا نَقله الاخضري فِي شرح السّلم اه.
ح.
وَقَالَ ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ: يُطلق الْقرن على مُدَّة من الزَّمَان.
وَاخْتلفُوا فِي تحديدها من عشرَة أَعْوَام إِلَى مائَة وَعشْرين، لَكِن لم أر من صرح بالسبعين وَلَا بِمِائَة وَعشرَة، وَمَا عدا ذَلِك فقد قَالَ بِهِ قَائِل اه.
مطلب: تَارِيخ وَفَاة أَئِمَّتنَا الثَّلَاثَة وَذكروا أَن الامام مَاتَ سنة ١٥٠ مائَة وَخمسين، وَأَبُو يُوسُف سنة ١٨٢ مائَة واثنتين وَثَمَانِينَ،
وَمُحَمّد سنة ١٨٧ مائَة وَسبع وَثَمَانِينَ.
فَإِن قلت: هلا قَالَ الشَّارِح فِي الْقرن الثَّالِث عوضا عَن قَوْله فِي الْقرن الرَّابِع لانهم أدركوا أَبَا حنيفَة وَهُوَ من التَّابِعين الَّذين هم أهل الْقرن الثَّانِي، كَمَا أَن الصَّحَابَة هم أهل الْقرن الاول؟ فيجاب: إِن الَّذين كَانُوا يتحاكمون إِلَى الصاحبين هم أهل الْقرن الرَّابِع وهم مَا بعد أَتبَاع التَّابِعين.
قَوْله: (سراجية) عبارتها كَمَا فِي الْبَحْر: أَو الْفَتْوَى على أَنه يسْأَل فِي السِّرّ.
وَقد تركت التَّزْكِيَة فِي الْعَلَانِيَة فِي زَمَاننَا كي لَا يخدع الْمُزَكي أَو يخوف اه.
وَقد كَانَت الْعَلَانِيَة وَحدهَا فِي الصَّدْر الاول.
ويروى عَن مُحَمَّد تَزْكِيَة الْعَلَانِيَة بلَاء وفتنة اه.
قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: وتزكية السِّرّ أحدثها شُرَيْح، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُضْمرَات وَغَيره.
وَيشكل مَا فِي الِاخْتِيَار أَنه يسْأَل سرا وَعَلَانِيَة وَعَلِيهِ الْفَتْوَى اه.
قلت: يُمكن إرجاعه إِلَى قَوْله يسْأَل: أَي لَا يَكْتَفِي بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَة، فَهُوَ تَرْجِيح لقولهما.
تَأمل.
قَالَه سَيِّدي الْوَالِد.
قَوْله: (لثُبُوت الْحُرِّيَّة بِالدَّار دُرَر) وَنَحْوه فِي الْهِدَايَة، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ: وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بقول هُوَ عَدْلٌ، لِأَنَّ الْمَحْدُودَ فِي قَذْفٍ بَعْدَ التَّوْبَة عدل غير جَائِز الشَّهَادَة، وَكَذَا الاب إِذا شهد لِابْنِهِ فَلَا بُد من زِيَادَة جَائِز الشَّهَادَة كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّة وَيَنْبَغِي تَرْجِيحه اه.
وَفِي الْبَزَّازِيَّة: يَنْبَغِي أَن يعدل قطعا وَلَا يَقُول هم عِنْدِي عدُول لاخبار الثِّقَات بِهِ، وَلَو قَالَ لَا أعلم مِنْهُم إِلَّا خيرا فَهُوَ تَعْدِيل فِي الاصح.
قَوْلُهُ: (الْحُرِّيَّةُ) مُخَالِفٌ لِمَا نُقِلَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ عَنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ مِنْ أَنَّ النَّاسَ أَحْرَارٌ، إلَّا فِي الشَّهَادَةِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَمَا لَا يَخْفَى.
فَلْيُتَأَمَّلْ.
يَعْقُوبِيَّةٌ.
لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ بِالرِّقِّ كَمَا قَيَّدَهُ الْقَدُورِيّ.
قَوْله: (فَهُوَ) أَي لفظ عدل بعبارته: أَي بمنطوقه فِيهِ أَنه لَا يكون كَذَلِك إِلَّا إِذا كَانَت الْحُرِّيَّة تفهم منطوقا من الْعدْل، وَلَا يُطلق على العَبْد عدل مَعَ أَنه لَيْسَ كَذَلِك ط.
قَوْله: (بعبارته) أَي
стр. 495
بمنطوقه وَهُوَ مَا سيق الْكَلَام لَهُ.
قَوْله: (وبدلالته) هُوَ الحكم الَّذِي يُسَاوِي الْمَنْطُوق لَكِن لم يسق النَّص إِلَيْهِ، وَهُوَ يُفِيد أَن الْمَحْدُود فِي الْقَذْف لَا يكون عدلا وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلذَا اخْتَار السَّرخسِيّ عدم
الِاكْتِفَاء بقوله هُوَ عدل كَمَا قدمْنَاهُ آنِفا.
وَقد جعل الْحلَبِي مرجع الضَّمِير فِي
قَوْله: (فَهُوَ بعبارته) إِلَى الْأَصْلُ فِيمَنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ الْحُرِّيَّةُ بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة الْمُسَمّى بِدلَالَة النَّص، فَإِنَّهُ بمنطوقه جَوَاب عَن النَّقْض بِالْعَبدِ الْوَارِد على قَول الْمُزَكي هُوَ عدل فَقَط، وبدلالته الَّذِي هُوَ مَفْهُوم الْمُوَافقَة جَوَاب عَن النَّقْص بالمحدود فِي الْقَذْف الْوَارِد على عبارَة الْمُزَكي السَّابِقَة، وَإِنَّمَا دلّ بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَدَمُ الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ أَيْضًا فَهُوَ مُسَاوٍ اه.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْدِيلُ) أَيْ التَّزْكِيَةُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْخَصْمِ) أَي الْمُدعى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعِي بالاولى كتعديل الشَّاهِد نَفسه، وَأطْلقهُ فَشَمَلَ مَاذَا عَدَّلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَيَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الدَّعْوَى لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ كَذِبٌ فِي إنْكَارِهِ وَقْتَ التَّعْدِيلِ وَكَانَ الْفِسْقُ الطَّارِئُ عَلَى الْمُعَدَّلِ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَالْمُقَارِنِ.
بَحْرٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصح) أَي لم يَصح مزكيا، لَان فِي زَعْمِ الْمُدَّعِي وَشُهُودِهِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَاذِبٌ فِي الانكار ومبطل فِي الاصرار، وَتَزْكِيَةَ الْكَاذِبِ الْفَاسِقِ لَا تَصِحُّ، هَذَا عِنْدَ الامام رَحمَه الله تَعَالَى.
وَعِنْدَهُمَا: يَصح إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ بِأَنْ كَانَ عَدْلًا، لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ آخر إِلَيْهِ.
دُرَر.
وَمفَاده أَنه لَو كَانَ مقرا يَصح.
قَالَ فِي منية الْمُفْتِي: الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِذا كَانَ ساكتا غير جَاحد للحق فَقَالَ هم عدُول يقبل بالِاتِّفَاقِ، فَإِن جحد وَقَالَ هم عدُول لَكِن أخطؤوا أَو نسوا فَفِي صِحَة التَّعْدِيل ووايتان اه.
وَهَذَا مَوْضُوع الْمَسْأَلَة.
وَفِي شرح أدب الْقَضَاء للصدر الشَّهِيد أَن يكون مقرا بقوله صدقُوا فِيمَا شهدُوا بِهِ عَليّ، وَبِقَوْلِهِ هم عدُول فِيمَا شهدُوا بِهِ عَليّ أطلقهُ وَقَيده.
فِي الْبَزَّازِيَّة: بِمَا إِذا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يرجع إِلَيْهِ فِي التَّعْدِيل، فَإِن كَانَ صَحَّ قَوْله.
مطلب: جرح الشَّاهِد نَفسه مَقْبُول قَالَ فِي الْبَحْر: وَأما جرح الشَّاهِد نَفسه فمقبول لكنه يَأْثَم بذلك حَيْثُ كَانَ صَادِقا فِي شَهَادَته لما فِيهِ من إبِْطَال حق الْمُدَّعِي.
مطلب: تَعْدِيل أحد الشَّاهِدين صَاحبه وتعديل أحد الشَّاهِدين صَاحبه
فِيهِ اخْتِلَاف.
قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّة: شَاهِدَانِ شهد الرجل وَالْقَاضِي يعرف أَحدهمَا بِالْعَدَالَةِ وَلَا يعرف الآخر فعدله الَّذِي عرفه القَاضِي بِالْعَدَالَةِ.
قَالَ نصير رَحمَه الله تَعَالَى: لَا يقبل القَاضِي تعديله.
وَلابْن سَلمَة فِيهِ قَولَانِ: وَعَن أبي بكر الْبَلْخِي فِي ثَلَاثَة شهدُوا وَالْقَاضِي يعرف اثْنَيْنِ مِنْهُم بِالْعَدَالَةِ وَلَا يعرف الثَّالِث فَإِن القَاضِي يقبل تعديلهما لَو شهد هَذَا الثَّالِث شَهَادَة
стр. 496
أُخْرَى، وَلَا يقبل تعديلهما فِي الشَّهَادَة الاولى وَهُوَ كَمَا قَالَ نصير رَحمَه الله تَعَالَى.
قَوْله: (وَلَا تنس مَا مر عَنْ الْأَشْبَاهِ) أَيْ قُبَيْلَ التَّحْكِيمِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَمَرَ قُضَاتَهُ بِتَحْلِيفِ الشُّهُودِ وَجَبَ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَنْصَحُوهُ وَيَقُولُوا لَهُ لَا تُكَلِّفْ قُضَاتَك إلَى أَمْرٍ يَلْزَمُ مِنْهُ سُخْطُك إِن خالفوك أَو سخط الْخَالِق إِذا وافقوك اه ح.
وَأَقُول: وَعبارَة الْبَحْر بعد مَا ذكر عبارَة القلانسي من أَن مُخْتَار ابْن أبي ليلى استحلاف الشُّهُود.
قَالَ قلت: وَلَا يُضعفهُ مَا فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة كالخلاصية وَالْبَزَّازِيَّة من أَنه لَا يَمِين على الشَّاهِد لانه عِنْد ظُهُور عَدَالَته وَالْكَلَام عِنْد خفائها، خُصُوصا فِي زَمَاننَا أَن الشَّاهِد مَجْهُول الْحَال، وَكَذَا الْمُزَكي غَالِبا والمجهول لَا يعرف الْمَجْهُول، لَكِن قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي بعد مَا ذكر مَا فِي التَّهْذِيب للقلانسي: لَا يخفى أَنه مُخَالف لما فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة.
وَلَا يُقَال: يجب الْعَمَل بِهِ لَان الشَّاهِد مَجْهُول كالمزكي غَالِبا والمجهول لَا يعرف الْمَجْهُول.
لانا نقُول: الامر كَذَلِك، لَكِن قَالَ الْفَقِيه: لَو استقصى مثل ذَلِك لضاق الامر وَلَا يُوجد مُؤمن بِغَيْر عيب كَمَا قيل: وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا كفى الْمَرْء نبْلًا أَن تعد معايبه أَقُول: لَكِن صدر الامر السلطاني أَنه إِذا ألح الْخصم على القَاضِي بِأَن يحلف الشُّهُود قبل الحكم لتقوية الشَّهَادَة وَرَأى الْحَاكِم لُزُوم ذَلِك فَلهُ إجَابَته كَمَا فِي مَادَّة ١٧٢٧ من الْمجلة.
لَطِيفَة فِي الْمُلْتَقط عَن غَسَّان بن مُحَمَّد الْمروزِي قَالَ: قدمت الْكُوفَة قَاضِيا فَوجدت فِيهَا مائَة وَعشْرين عدلا فطلبت أسرارهم فرددتهم إِلَى سِتَّة ثمَّ أسقطت أَرْبَعَة، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك استعفيت واعتزلت.
تَنْبِيه: قَالَ إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد حفيد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى، وَهُوَ من جملَة الائمة.
أَخذ عَن أبي يُوسُف وزاحمه فِي الْعلم، وَلَو عمر لفاق الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين، لكنه مَاتَ شَابًّا رَحمَه الله تَعَالَى: أَرْبَعَة من الشُّهُود لَا أسأَل عَنْهُم.
شَاهد غَرِيب: وَهُوَ أَن يجْتَمع الْخُصُوم بِبَاب القَاضِي وَمِنْهُم شخص يَدعِي الغربة والعزم على السّفر وفوت الرفاق بِالتَّأْخِيرِ وَطلب تَقْدِيمه لذَلِك: أَي بِلَا قرعَة كَمَا فِي الْبَحْر، فَلَا يقبل إِلَّا بِشَاهِدين على ذَلِك، وَلَا يحْتَاج إِلَى تزكيتهما لتحَقّق الْفَوات بطول الْمدَّة بالتزكية.
الثَّانِيَة: الْعَدْوى، وَهِي مَا لَو سمى شخصا بَينه وَبَين الْمصر أَكثر من يَوْم وَله عَلَيْهِ دَعْوَى لَا يُرْسل القَاضِي خَلفه حَتَّى يُقيم بَيِّنَة بِالْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَا يشْتَرط تعديلها.
وَنقل عَن مُحَمَّد أَنه اشْترط تَعْدِيل هذَيْن لما فِيهِ من الالزام على الْغَيْر، وكل مَا كَانَ كَذَلِك سَبيله التَّعْدِيل، وَإِلَيْهِ مَال الْحلْوانِي وَقَالَ: إِنَّه روى عَن الامام.
الثَّالِثَة: شَاهد رد الطينة، وَهُوَ مَا لَو ادّعى على شخص لَيْسَ بحاضر مَعَه بِحَق وَذكر أَنه امْتنع من الْحُضُور مَعَه أعطَاهُ القَاضِي طِينَة أَو خَاتمًا وَقَالَ أره إِيَّاه وادعه إِلَيّ وَأشْهد عَلَيْهِ، فَإِن أرَاهُ ذَلِك وَقَالَ لَا أحضر وَشهد عِنْد القَاضِي بذلك مستوران لَا يسْأَل عَنْهُمَا.
قَالُوا: وَفِيمَا نقل عَن مُحَمَّد إِشَارَة إِلَى تعديلهما حَيْثُ قيد بِمَا فِيهِ إِلْزَام على الْغَيْر.
وَقَالَ الصَّدْر الشَّهِيد: إِن عدم التَّعْدِيل أنظر للنَّاس وَبِه نَأْخُذ لخوف اختفاء الْخصم مَخَافَة الْعقُوبَة، فَإِذا شَهدا كتب إِلَى الْوَالِي فِي إِحْضَاره.
стр. 497
الرَّابِعَة: شَاهد تَعْدِيل الْعَلَانِيَة لَا يشْتَرط تزكيته ظَاهرا بعد يؤال القَاضِي عَن الشُّهُود الْمَطْلُوب تعديلهم فِي السِّرّ مِمَّن يَثِق بِهِ من أمنائه وَأخْبرهُ بِعَدَالَتِهِمْ، وَلَا بُد من الْمُغَايرَة بَين شُهُود السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَإِنَّمَا لم تشْتَرط عدالتهم لانها للِاحْتِيَاط إِجَابَة للْمُدَّعِي إِلَى مَا طلب اه.
ذكر الْعَلامَة عبد الْبر فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة، وَمثله فِي شرحها لمصنفها.
وَذكر فِي الْبَحْر أَن ذَلِك فِي شَهَادَة الْعَلَانِيَة مَحْمُول على أَن مزكيها مَعْرُوف الْعَدَالَة لنقل الاجماع على أَن تزكيه الْعَلَانِيَة كَالشَّهَادَةِ، أَو هُوَ مَحْمُول عَن مَا إِذا تقدّمت التَّزْكِيَة سرا، وَلَئِن كَانَ مَا ذكره الْعَلامَة عبد الْبر عَن الامام إِسْمَاعِيل مرَادا فَهُوَ ضَعِيف لنقل الاجماع
على أَن تَزْكِيَة الْعَلَانِيَة كَالشَّهَادَةِ اه.
قَوْله: (بِمَا سمع) أَي إِن كَانَ من المسموعات، وَقَوله: أَو رأى أَي إِن كَانَ من المرئيات، وَقد يكون الشئ مسموعا ومرئيا باعتبارين، وَأَشَارَ بقوله: بِمَا سمع إِلَى أَنه لَا بُد من علم الشَّاهِد بِمَا يشْهد بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي النَّوَازِل عَن رجل ادّعى على وَرَثَة ميت مَالا فالامر بِإِثْبَات ذَلِك فأحضر شَاهِدين شَهدا أَن الْمُتَوفَّى قد أَخذ من هَذَا الْمُدَّعِي منديلا فِيهِ دَرَاهِم وَلم يعلمَا كم وَزنهَا هَل تجوز شَهَادَتهمَا، وَهل يجوز للشاهدين أَن يشهدَا بذلك؟ قَالَ: إِن كَانَ الشُّهُود وقفُوا على تِلْكَ الصرة وفهموا أَنَّهَا دَرَاهِم وحرزوها فِيمَا يَقع عَلَيْهِ يقينهم من مقدارها شهدُوا بذلك، وَيَنْبَغِي أَن يعتبروا جودتها فَإِنَّهَا قد تكون ستوقة، فَإِذا فعلوا ذَلِك جَازَت شَهَادَتهم اه.
وَفِي خزانَة الاكمل: رجل فِي يَده دِرْهَمَانِ كَبِير وصغير فَأقر بِأَحَدِهِمَا لرجل فشهدا أَنه أقرّ بِأَحَدِهِمَا وَلَا نَدْرِي بِأَيِّهِمَا أقرّ فَإِنَّهُ يُؤمر بِتَسْلِيم الصَّغِير اه.
قَوْله: (فِي مثل البيع) إِن عقداه بِإِيجَاب وَقبُول كَانَ من المسموعات، وَإِن بتعاط كَانَ من المرئيات: وَفِيهِ يَشْهَدُونَ بِالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، وَلَوْ شَهِدُوا بِالْبَيْعِ جَازَ.
بَحر عَن الْبَزَّازِيَّة.
قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ بَاعَ أَوْ أَقَرَّ لانه عاين السَّبَب فَوَجَبَ عَلَيْهِ الشَّهَادَة كَمَا عَايَنَ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِالْعَقْدِ ظَاهر، وَإِنْ كَانَ بِالتَّعَاطِي فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَقَدْ وُجِدَ.
وَقِيلَ: لَا يَشْهَدُونَ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ عَلَى الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ لانه بيع حكمي لَا حَقِيقِيّ اه.
فِي الْبَحْر عَنْ الْخُلَاصَةِ: رَجُلٌ حَضَرَ بَيْعًا ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَى الشَّهَادَةِ لِلْمُشْتَرِي، يَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ بِسَبَبِ الشِّرَاء وَلَا يشْهد لَهُ بِالْملكِ الْمُطلق، لَان الْملك الْمُطلق ملك من الاصل وَالْملك بِالشِّرَاءِ حَادث اه.
وَانْظُر مَا قدمْنَاهُ فِي شَتَّى الْقَضَاء وَمَا سَنذكرُهُ فِي بَاب الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (والاقرار) هُوَ بِاللِّسَانِ من المسموعات بِأَنْ يَسْمَعَ قَوْلَ الْمُقِرِّ لِفُلَانٍ عَلَى كَذَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِالْكِتَابَةِ) فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ مَا مُلَخَّصُهُ: إذَا كَتَبَ إقْرَارَهُ بَيْنَ يَدَيْ الشُّهُودِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا لَا يَكُونُ إقْرَارًا فَلَا تَحِلُّ الشَّهَادَةُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مُصَدَّرًا مَرْسُومًا، وَإِنْ لِغَائِبٍ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَلامَة لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَكُونُ لِلتَّجْرِبَةِ.
وَفِي حَقِّ الْأَخْرَسِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُعَنْوَنًا مُصَدَّرًا وَإِنْ لم يكن الْغَائِبِ.
وَإِنْ كَتَبَ
وَقَرَأَ عِنْدَ الشُّهُودِ مُطْلَقًا أَوْ قَرَأَهُ غَيْرُهُ وَقَالَ الْكَاتِبُ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهِ أَو كتبه عِنْدهم وَقَالَ: اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِيهِ وَعَلمُوا بِهِ كَانَ إقْرَارًا وَإِلَّا فَلَا، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا هُنَا خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، لَكِنْ جزم بِهِ فِي الْفَتْح وَغَيره، وَأفْتى بِهِ الشَّيْخ سراج الدّين قَارِئ الْهِدَايَة، إِذا كَانَ على رسم الصكوك واعترف بِأَنَّهُ خطه أَو شهدُوا عَلَيْهِ بِهِ وَقد شاهدوا كِتَابَته وَعرفُوا مَا كتبه أَو قَرَأَهُ عَلَيْهِم.
هَذَا حَاصِل مَا أجَاب بِهِ فِي
стр. 498
موضِعين من فَتَاوَاهُ، وَسَيَأْتِي قَرِيبا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِك.
قَوْله: (وَحكم الْحَاكِم) يكون من المسموع إِن كَانَ بالْقَوْل، وَيكون من المرئيات إِن كَانَ فعلا.
قَوْله: (وَالْغَصْب وَالْقَتْل) من المرئيات.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ) لَوْ قَالَ بدله وَلَو قَالَ: لَا تشهد عَليّ لَكَانَ أَفْوَدَ، لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ لَا تَشْهَدْ عَلَيَّ بِمَا سَمِعْتَ تَسَعُهُ الشَّهَادَةُ اه.
فَيُعْلَمُ حُكْمُ مَا إذَا سَكَتَ بِالْأَوْلَى.
بَحْرٌ.
وَفِيهِ: وَإِذَا سَكَتَ يَشْهَدُ بِمَا علم، وَلَا يَقُول: أشهدني لانه كذب.
وَفِي النَّوَازِل: سُئِلَ مُحَمَّد بن مقَاتل عَن شَرِيكَيْنِ يتحاسبان وَعِنْدَهُمَا قوم فَقَالَا: لَا تشهدوا علينا بِمَا تسمعونه منا ثمَّ أقرّ أَحدهمَا لصَاحبه بشرَاء أَو بَاعَ شَيْئا فَطلب الْمقر لَهُ بعد ذَلِك مِنْهُم الشَّهَادَة، قَالَ: يَنْبَغِي لَهُم أَن يشْهدُوا بذلك، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن سِيرِين.
وَأما الْحسن الْبَصْرِيّ وَالْحسن بن زِيَاد فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ: لَا يشْهدُونَ بِهِ.
قَالَ الْفَقِيه: وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: يَنْبَغِي لَهُم أَن يشْهدُوا وَبِه نَأْخُذ اه ثمَّ قَالَ بعده: قَالَ الْفَقِيه: إِن كَانَ يخَاف على نَفسه أَنه إِذا أقرّ بشئ صدق وَادّعى أَن شَرِيكه قبض لَا يصدقهُ يَقُول للمتوسط: اجْعَل كَأَن هَذَا المَال على غَيْرِي وَأَنا أعبر عَنهُ ثمَّ يَقُول: قبض كَذَا وَكَذَا فيبين الْجَمِيع من غير أَن يضيف إِلَى نَفسه كي لَا يصير حجَّة عَلَيْهِ اه.
قَوْله: (وَلَو مختفيا يرى وَجه الْمقر ويفهمه) وَإِن لم يروه وسمعوا كَلَامه لَا يحل لَهُم الشَّهَادَة إِلَّا إِذا دخل بَيْتا فَرَأى رجلا فِيهِ وَحده فَخرج وَجلسَ على بَابه وَلَيْسَ لَهُ مَسْلَك غَيره فَسمع إِقْرَاره من الْبَاب من غير رُؤْيَة وَجهه حل لَهُ أَن يشْهد بِمَا أقرّ.
كَذَا ذكره الْخصاف.
وَفِي الْعُيُون: رجل خبأ قوما لرجل ثمَّ سَأَلَهُ عَن شئ فَأقر وهم يسمعُونَ كَلَامه ويرونه وَهُوَ لَا يراهم جَازَت شَهَادَتهم، وَإِن لم يروه وسمعوا كَلَامه لَا تحل لَهُم الشَّهَادَة اه.
بَحر.
قَوْله: (لَكِن لَو
فسر) بِأَن قَالَ: إِنِّي شَاهد على المحتجب.
قَوْله: (لَا تقبل) إِذْ لَيْسَ من ضَرُورَة جَوَاز الشَّهَادَة الْقبُول عِنْد التَّفْسِير، فَإِن الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ تقبل فِي بعض الْحَوَادِث، لَكِن إِذا صرح لَا تقبل ط.
قَوْله: (أَو يرى شَخْصَهَا) فِي الْمُلْتَقَطِ: إذَا سَمِعَ صَوْتَ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَرَ شَخْصَهَا فَشَهِدَ اثْنَانِ عِنْدَهُ أَنَّهَا فُلَانَةُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا، وَإِنْ رَأَى شَخْصَهَا وَأَقَرَّتْ عِنْدَهُ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا اه.
بَحر مِنْ أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ.
وَاحْتَرَزَ بِرُؤْيَةِ شَخْصِهَا عَنْ رُؤْيَةِ وَجْهِهَا.
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: حَسَرَتْ عَنْ وَجْهِهَا وَقَالَتْ أَنَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَهَبْتُ لِزَوْجِي مَهْرِي فَلَا يَحْتَاجُ الشُّهُودُ إلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ مَا دَامَتْ حَيَّةً، إذْ يُمْكِنُ الشَّاهِدَ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا، فَإِنْ مَاتَتْ فَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الشُّهُود إِلَى شَهَادَة عَدْلَيْنِ بنسبها.
وَقَالَ قبله: لَو أخبر الشَّاهِد عَدْلَانِ أَن هَذِه المقرة فُلَانَة بنت فلَان يَكْفِي هَذَا للشَّهَادَة على الِاسْم وَالنّسب عِنْدهمَا، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى، أَلا ترى أَنَّهُمَا لَو شَهدا عِنْد القَاضِي يقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَالْقَضَاء فَوق الشَّهَادَة فَتجوز الشَّهَادَة بإخبارهما بِالطَّرِيقِ الاولى، فَإِن عرفهَا باسمهما ونسبها عَدْلَانِ يَنْبَغِي للعدلين أَن يشْهد الْفَرْع على شَهَادَتهمَا فَيشْهد عِنْد القَاضِي عَلَيْهَا بِالِاسْمِ وَالنّسب وبالحق أَصَالَة اه.
وَفِيه: وَلَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِمَا بِإِخْبَار الْمُتَعَاقدين باسمهما ونسبهما لعلهما تسميا وانتسبا باسم غَيرهمَا وَنسبه يُريدَان أَن يزورا على الشُّهُود ليخرجا الْمَبِيع من يَد مَالِكه، فَلَو اعْتمد على قَوْلهمَا نفذ تزويرهما وَبَطل أَمْلَاك النَّاس.
стр. 499
مطلب: مَا يغْفل النَّاس عَنهُ كثيرا من الشَّهَادَة على الْمُتَعَاقدين باسمهما ونسبهما بأخبارهما وَهَذَا فصل غفل عَنهُ كثير من النَّاس، فَإِنَّهُمَا يسمعُونَ لفظ الشِّرَاء وَالْبيع والاقرار والتقابض من رجلَيْنِ لَا يعرفونهما، ثمَّ إِذا اسْتشْهدُوا بعد موت صَاحب البيع شهدُوا على ذَلِك الِاسْم وَالنّسب وَلَا علم لَهُم بذلك، فَيجب أَن يحْتَرز عَن مثل ذَلِك.
وَطَرِيق علم الشُّهُود بِالنّسَبِ أَن يشْهد عِنْدهم جمَاعَة لَا يتصرر تواطؤهم على الْكَذِب عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى، وَعِنْدَهُمَا: شَهَادَة رجلَيْنِ كَاف كَمَا فِي سَائِر الْحُقُوق.
أَقُول: يحصل للْقَاضِي الْعلم بِالنّسَبِ بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ، فَيَنْبَغِي أَن يحصل للشُّهُود أَيْضا بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ كَمَا هُوَ قَوْلهمَا اه.
وَقيد بِرُؤْيَة الشَّخْص لانه لَا يشْتَرط رُؤْيَة الْوَجْه لصِحَّة الشَّهَادَة على المنتقبة كَمَا قَالَ بِهِ بعض مَشَايِخنَا عِنْد التَّعْرِيف.
شرنبلالية وَإِلَى هَذَا مَال خُوَاهَر زَاده.
وَبَعْضهمْ قَالَ: لَا يَصح التَّحَمُّل عَلَيْهَا بِدُونِ رُؤْيَة وَجههَا، ذكره سري الدّين.
قَالَ أَبُو السُّعُود: فَتحصل مِنْهُ أَن الْفَتْوَى على عدم اشْتِرَاط رُؤْيَة وَجه الْمَرْأَة.
أَقُول: وَلَا يخفى أَن هَذَا كُله عِنْد عدم مَعْرفَته لَهَا، أما إِذا عرفهَا فَيشْهد عَلَيْهَا بِدُونِ رُؤْيَة وَجههَا، وَلَكِن هَذَا ظَاهر إِذا رأى وَجههَا ثمَّ تنقبت فَشهد على إِقْرَارهَا مثلا فِي حَال تنقبها فَهَذَا لَا شكّ أَنه لَا يحْتَاج إِلَى تَعْرِيف من غَيره، إِذْ تَعْرِيف غَيره حِينَئِذٍ لَا يزِيد على مَعْرفَته.
وَأما إِذا كَانَت متنقبة وَكَانَ يعرفهَا قبل فعرفها بصوتها وهيئتها وَلم ير وَجههَا وَقت التنقب أَو الاقرار فَهَل يَكْفِي ذَلِك؟ ظَاهر إِطْلَاقهم أَنه لَا يَكْفِي.
فَفِي الْعمادِيَّة قَالُوا: لَا يَصح التَّحَمُّل بِدُونِ رُؤْيَة وَجههَا: وَبِه يُفْتِي شمس الاسلام الاوزجندي وظهير الدّين المرغيناني اه، وَلم يفصل بَين مَا إِذا عرفهَا بصوتها أَو لَا.
وَفِي البيري على الاشباه: لَا يجوز أَن يشْهد على من سَمعه من وَرَاء حَائِط أَو من فَوق الْبَيْت وَهُوَ لَا يرَاهُ وَإِن عرف كَلَامه، لَان الْكَلَام يشبه بعضه بَعْضًا كَمَا فِي التاترخانية.
وَفِي منية الْمُفْتِي: أقرَّت من وَرَاء حجاب لَا يجوز أَن يشْهد على إِقْرَارهَا إِلَّا إِذا رأى شخصها، وَلم يشْتَرط فِي النَّوَادِر رُؤْيَة وَجههَا انْتهى.
وَانْظُر كَلَام الْفَتْح فَإِنَّهُ يُفِيد ذَلِك أَيْضا.
قَوْله: (وَعَلِيهِ الْفَتْوَى) مُقَابِله مَا تقدم قَرِيبا من أَنه لَا بُد من شَهَادَة جمَاعَة.
ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي سُلَيْمَانَ فَدَخَلَ ابْن لمُحَمد بْنِ الْحَسَنِ فَسَأَلَهُ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ مَتَى تَجُوزُ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا؟ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّهَا فُلَانَةُ.
وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُوكَ يَقُولَانِ: يَجُوزُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، لانه أيسر على النَّاس انْتهى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمَا كَمَا احْتَاجَا لِلِاسْمِ وَالنَّسَبِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَقْتَ التَّحَمُّلِ يَحْتَاجَانِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ إلَى مَنْ يَشْهَدُ أَنَّ صَاحِبَةَ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ هَذِهِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّعْرِيفُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ
شَهَادَتُهُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا أَوْ لَهَا.
سَائِحَانِيٌّ بِزِيَادَةٍ من الْبَحْر وَغَيره.
قَوْله: (لَان عِنْد الاداء) كَذَا وَقع فِي الْمنح، وَفِيه حذف اسْم إِن وَهُوَ ضمير الشَّأْن وَالْجُمْلَة بعْدهَا خَبَرهَا.
قَوْله:
стр. 500
(فَيَضُرُّهُ) أَيْ يَضُرُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بُغْضُهُ لِلْفَقِيهِ.
قَوْله: (ظَاهِرَة) معنى دَالَّة فعداه بعلى.
قَوْله: (على أَنَّهُمَا كخط كَاتب وَاحِد) لفظ على معنى فِي أَو مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره تدل، والاولى حذف الْكَاف من كخط كَمَا هُوَ فِي الْمنح، وَهُوَ كَذَلِك فِي بعض النّسخ.
قَوْله: (لَا يحكم عَلَيْهِ بِالْمَالِ) لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ هَذَا خطي وَأَنا حررته لكنه لَيْسَ عَليّ هَذَا المَال وثمة لَا يجب، فَكَذَا هُنَا.
منح.
قَوْله: (خَانِية) عبارتها من الشَّهَادَات: رجل كتب صك وَصِيَّة وَقَالَ للشُّهُود اشْهَدُوا بِمَا فِيهِ وَلم يقْرَأ وَصيته عَلَيْهِم.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا يجوز للشُّهُود أَن يشْهدُوا بِمَا فِيهِ.
وَقَالَ بَعضهم: وسعهم أَن يشْهدُوا، وَالصَّحِيح أَنه لَا يسعهم، وَإِنَّمَا يحل لَهُم أَن يشْهدُوا بِأحد معَان ثَلَاثَة: إِمَّا أَن يقْرَأ الْكتاب عَلَيْهِم وَكتبه غَيره، أَو قرئَ الْكتاب عَلَيْهِ بَين يَدي الشُّهُود فَيَقُول هُوَ لَهُم اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِيهِ، أَو يكْتب هُوَ بَين يَدي الشَّاهِد وَيعلم بِمَا فِيهِ وَيَقُول اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِيهِ.
قَالَ أَبُو عَليّ النَّسَفِيّ: هَذَا إِن لم يكن الْكتاب مَكْتُوبًا على الرسوم، فَإِن كَانَ مَكْتُوبًا على الرَّسْم وَكتب بَين يَدي الشُّهُود وَالشَّاهِد يعلم مَا فِي الْكتاب وَسعه أَن يشْهد، وَإِن لم يقل لَهُ اشْهَدْ عَليّ بِمَا فِيهِ، هَكَذَا رُوِيَ عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي النَّوَادِر اه.
وَتَمَامه فِيهَا.
قَوْله: (وَاعْتَمدهُ فِي الاشباه) قَالَ فِي أَحْكَام الْكِتَابَة: مِنْهَا: وَذكر القَاضِي ادّعى عَلَيْهِ مَال وَأَخْرَجَ خَطًّا وَقَالَ إنَّهُ خَطُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذَا المَال فَأنْكر أَن يكون خَطَّهُ فَاسْتُكْتِبَ فَكَتَبَ وَكَانَ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ مُشَابَهَةٌ ظَاهِرَة دَالَّة على أَنَّهُمَا خطّ كات وَاحِدٍ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ هَذَا خطي وَأَنا حررته لَكِن لَيْسَ عَليّ هَذَا المَال وثمة لَا يجب.
كَذَا هُنَا.
قَوْله: (لَكِن فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة الخ) هَذَا قَول القَاضِي النَّسَفِيّ، والعامة على خِلَافه كَمَا فِي الْبَحْر، وَنَصه: قَالَ القَاضِي النَّسَفِيّ: إِن كتب مصدرا مرسوما وَعلم الشَّاهِد حل لَهُ الشَّهَادَة على إِقْرَاره كَمَا لَو أقرّ كَذَلِك وَإِن لم يقل اشْهَدْ عَليّ بِهِ، وعَلى هَذَا إِذا كتب للْغَائِب على وَجه الرسَالَة، أما بعد ذَلِك فلك عَليّ كَذَا يكون إِقْرَارا لَان الْكتاب من الْغَائِب كالخطاب من الْحَاضِر فَيكون متكلما، وَالْعَامَّةُ عَلَى خِلَافِهِ
لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَكُونُ للتجربة اه.
قَوْله: (وفتاوى قَارِئ الْهِدَايَة وعبارتها) سُئِلَ: إذَا كَتَبَ شَخْصٌ وَرَقَةً بِخَطِّهِ أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ لِشَخْصٍ كَذَا ثُمَّ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ فَجَحَدَ الْمَبْلَغَ وَاعْتَرَفَ بِخَطِّهِ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ.
أجَاب إِذا كتب على رَسُول الصُّكُوكِ يَلْزَمُ الْمَالُ، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ يَقُولُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ: إنَّ فِي ذِمَّتِهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ إقْرَارٌ يُلْزَمُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ اه.
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ نَحْوَهُ بِقَوْلِهِ: إذَا كَتَبَ إقْرَارَهُ عَلَى الرَّسْمِ الْمُتَعَارَفِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فَيَسَعُ مَنْ شَاهَدَ كِتَابَتَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ إذَا جَحَدَهُ إذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ مَا كَتَبَ أَوْ قَرَأَهُ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ خَطُّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَاهِدُوا كِتَابَتَهُ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ اه.
стр. 501
وَحَاصِلُ الْجَوَابَيْنِ: أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ خَطُّهُ أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إذَا عَايَنُوا كِتَابَته أَو قَرَأَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا إذَا كَانَ مُعَنْوَنًا.
ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا فِي الْمَتْنِ.
نَعَمْ يُخَالِفُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ هَذَا خطي وَأَنا حررته لَكِن لَيْسَ عَليّ هَذَا الْمَالُ وَثَمَّةَ لَا يَجِبُ، كَذَا هُنَا.
وَقَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَنْوَنًا، لَكِنْ هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي النَّسَفِيِّ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْعَامَّة.
قَوْله: (فراجع ذَلِك) أَرَادَ بذلك أَن يبين أَن الْمَسْأَلَة الَّتِي أفتى بهَا قَارِئ الْهِدَايَة غير مَسْأَلَة قاضيخان، فَإِن مَا فِي قاضيخان هُوَ الَّذِي ذكره المُصَنّف كَمَا وقفت عَلَيْهِ.
وَالَّذِي أفتى بِهِ قَارِئ الْهِدَايَة هُوَ مَا فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة والملتقط كَمَا علمت.
أَقُول: وَالْحَاصِل أَنه اضْطربَ كَلَامهم فِي مَسْأَلَة الْعَمَل بالخط، وَلَعَلَّه مَبْنِيّ على اخْتِلَاف الرِّوَايَة أَو أَن فِيهِ قَوْلَيْنِ كَمَا يشْعر بِهِ التَّعْبِير بِلَفْظ قَالُوا كَمَا قدمْنَاهُ، وَالَّذِي قدمْنَاهُ عَن الْبَحْر يُفِيد أَن عَامَّة عُلَمَائِنَا على عدم الْعلم بالخط، وَأَشَارَ الْعَلامَة البيري إِلَى أَن قَوْلهم لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْخَطِّ وَلَا يَعْمَلُ بِمَكْتُوبِ الْوَقْفِ الَّذِي عَلَيْهِ خُطُوطُ الْقُضَاةِ الْمَاضِينَ إلَخْ يسْتَثْنى مِنْهُ مَا وجده القَاضِي فِي أَيدي الْقُضَاة الماضين وَله رسوم فِي دواوينهم، وَيُشِير إِلَيْهِ مَا قَالَه فِي الاسعاف من أَن ذَلِك اسْتِحْسَان، وَاسْتثنى أَيْضا فِي الاشباه تبعا لما فِي قاضيخان وَالْبَزَّازِيَّة وَغَيرهمَا خطّ السمسار والبياع والصراف، وَجزم بِهِ فِي
الْبَحْر وَكَذَا فِي الْوَهْبَانِيَّة، وحققه ابْن الشّحْنَة وَكَذَا الشُّرُنْبُلَالِيّ فِي شرحها، وَأفْتى بِهِ المُصَنّف وَنسبه الْعَلامَة البيري إِلَى غَالب الْكتب، قَالَ: حَتَّى الْمُجْتَبى حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا خَطُّ الْبَيَّاعِ وَالصَّرَّافِ وَالسِّمْسَارِ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِن لم يكن معنونا ظَاهرا بَين النَّاس وَكَذَلِكَ مَا يَكْتُبُ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِلْعُرْفِ اه.
وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: صَرَّافٌ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ مَعْلُومٍ وَخَطُّهُ مَعْلُومٌ بَيْنَ التُّجَّارِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ ثُمَّ مَاتَ فَجَاءَ غَرِيمٌ يَطْلُبُ الْمَالَ مِنْ الْوَرَثَةِ وَعَرَضَ خَطَّ الْمَيِّتِ بِحَيْثُ عَرَفَ النَّاسُ خَطَّهُ حُكِمَ بِذَلِكَ فِي تَرِكَتِهِ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّهُ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بَيْنَ النَّاسِ بِمِثْلِهِ حُجَّةً اه مَا قَالَه البيري.
ثمَّ قَالَ بعده، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ: وَالْبِنَاءُ عَلَى الْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَاجِبٌ، فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ الْبَيَّاعُ: وَجَدْتُ فِي يار كاري (١) أَي دفتر بخطي أَو كتبت يار كاري بِيَدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ هَذَا إِقْرَارا ملزما إِيَّاه.
قلت: وَيُزَادُ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ بِمُوجب الْعرف لَا بِمُجَرَّد الْخط، وَالله تَعَالَى أعلم، وَأقرهُ الشَّارِح فِي بَاب كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْأَشْبَاهِ لَا يَعْمَلُ بِالْخَطِّ إلَّا فِي مَسْأَلَة كتاب الامان، وَيلْحق بِهِ البراءات ودفتر بياع وصراف وسمسارا الخ.
مطلب فِي الْعَمَل بالدفاتر السُّلْطَانِيَّة وَكتب سَيِّدي نقلا عَن الْمُحَقِّقُ هِبَةُ اللَّهِ الْبَعْلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الاشباه مَا نَصه: تَنْبِيه: مثل البراءات السُّلْطَانِيَّة الدفتر الخاقاني المعنون بالطرة السُّلْطَانِيَّة فَإِنَّهُ يعْمل بِهِ، وللشارح رِسَالَة فِي ذَلِك * стр. 502
حاصلها بعد أَن نقل ماهنا من أَنه يعْمل بِكِتَاب الامان.
وَنقل جزم ابْن الشّحْنَة وَابْن وهبان بِالْعَمَلِ بدفتر الصراف والبياع والسمسار لِعِلَّةِ أَمْنِ التَّزْوِيرِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَزَّازِيُّ والسرخسي وقاضيخان، وَأَن هَذِهِ الْعِلَّةَ فِي الدَّفَاتِرِ السُّلْطَانِيَّةِ أَوْلَى كَمَا يَعْرِفُهُ مَنْ شَاهَدَ أَحْوَالَ أَهَالِيِهَا حِينَ نَقْلِهَا، إذْ لَا تَحَرُّرَ أَوَّلًا إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ، ثُمَّ بَعْدَ اتِّفَاقِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى نَقْلِ مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ تَسَاهُلٍ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ تُعْرَضُ عَلَى
الْمُعَيَّنِ لِذَلِكَ فَيَضَعُ خَطَّهُ عَلَيْهَا ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَى الْمُتَوَلِّي لِحِفْظِهَا الْمُسَمَّى بِدَفْتَرٍ أَمِينِيٍّ فَيَكْتُبُ عَلَيْهَا ثُمَّ تُعَادُ أُصُولُهَا إلَى أَمْكِنَتِهَا الْمَحْفُوظَةِ بِالْخَتْمِ، فَالْأَمْنُ مِنْ التَّزْوِيرِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ يُعْلِمُ جَمِيعَ أَهْلِ الدَّوْلَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَلَوْ وَجَدَ فِي الدَّفَاتِرِ أَنَّ الْمَكَانَ الْفُلَانِيَّ وَقْفٌ عَلَى الْمَدْرَسَةِ الْفُلَانِيَّةِ مَثَلًا يَعْمَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَبِذَلِكَ يُفْتِي مَشَايِخُ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي بَهْجَةِ عَبْدِ اللَّهِ أَفَنْدِي وَغَيْرِهَا، فَلْيُحْفَظْ اه.
فَالْحَاصِل أَن للدَّار على انْتِفَاء الشُّبْهَة ظَاهرا، وَعَلِيهِ فَمَا يُوجد فِي دفاتر التُّجَّار فِي زَمَاننَا إِذا مَاتَ أحدهم وَقد حرر بِخَطِّهِ مَا عَلَيْهِ فِي دفتره الَّذِي يقرب من الْيَقِين أَنه لَا يكْتب فِيهِ على سَبِيل التجربة والهزل يعْمل بِهِ وَالْعرْف جَار بَينهم بذلك، فَلَو لم يعْمل بِهِ لزم ضيَاع أَمْوَال النَّاس إِذْ غَالب بياعاتهم بِلَا شُهُود، فلهذه الضَّرُورَة جزم بِهِ الْجَمَاعَة المذكورون وأئمة بَلخ كَمَا نَقله فِي الْبَزَّازِيَّة، وَكفى بالامام السَّرخسِيّ وقاضيخان قدوة، وَقد علمت أَن هَذِه الْمَسْأَلَة مُسْتَثْنَاة من قَاعِدَة أَنه لَا يعْمل بالخط، فَلَا يرد مَا مر من أَنه تحل الشَّهَادَة بالخط على مَا عَلَيْهِ الْعَامَّة، وَيدل عَلَيْهِ تَعْلِيلهم بِأَن الْكِتَابَة قد تكون للجربة، فَإِن هَذِه الْعلَّة فِي مَسْأَلَتنَا منتفية، وَاحْتِمَال أَن التَّاجِر يُمكن أَن يكون قد دفع المَال وَأبقى الْكِتَابَة فِي دفتره بعيد جدا، على أَن ذَلِك: الِاحْتِمَال مَوْجُود، وَلَو كَانَ بِالْمَالِ شُهُود فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنه قد أوفى المَال وَلم يعد بِهِ الشُّهُود.
ثمَّ لَا يخفى أَنا حَيْثُ قُلْنَا بِالْعَمَلِ بِمَا فِي الدفتر فَذَاك فِيمَا عَلَيْهِ كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا قدمْنَاهُ عَن خزانَة الاكمل وَغَيرهَا.
أما فِيمَا لَهُ على النَّاس فَلَا يَنْبَغِي القَوْل بِهِ، فَلَو ادّعى بِمَال على آخر مُسْتَندا لدفتر نَفسه لَا يقبل لقُوَّة التُّهْمَة الْكل من التَّنْقِيح لسيدي الْوَالِد مُلَخصا.
وَتَمَامه فِيهِ.
وَانْظُر مَا قدمه فِي كتاب القَاضِي.
قَوْله: (وَلَا يشْهد على شَهَادَة غَيره) وَلَو سَمعه يشْهد غَيره فَإِنَّهُ لَا يَسعهُ أَن يشْهد لانه حمل غَيره ط.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ) أَيْ مَا لَمْ يَقُلْ لَهُ الشَّاهِدُ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَلَو قَالَ الْمُؤلف كَمَا فِي الْهِدَايَة مَا لم يشْهد عَلَيْهَا لَكَانَ أولى من قَوْله عَلَيْهِ لما فِي الخزانة: لَو قَالَ اشْهَدْ عَليّ بِكَذَا أَو أشهد على مَا شهِدت بِهِ كَانَ بَاطِلا وَلَا بُد أَن يَقُول اشْهَدْ على شهادتي إِلَى آخِره اه.
قَوْله: (فَلَو فِيهِ جَازَ) لانها حِينَئِذٍ ملزمة وَالتَّعْلِيل يُفِيد أَن القَاضِي قضى بهَا.
حموي، لَكِن قَالَ سَيِّدي: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد من كَونهَا ملزمة: أَي للْقَاضِي الحكم بهَا، إِذْ لَا يجوز لَهُ تَأْخِير الحكم إِلَّا فِي مَوَاضِع تقدّمت فِي الْقَضَاء كَمَا صرح بِهِ فِي النِّهَايَة وَفتح الْقَدِير وتبعهم الشَّارِح.
أَقُول: وَحِينَئِذٍ لَا يلْزم مَا أَفَادَهُ التَّعْلِيل من قَضَاء القَاضِي بهَا بِالْفِعْلِ.
قَوْله: (وَيُخَالِفهُ تَصْوِيرُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ) حَيْثُ قَالَ: سَمِعَ رَجُلٌ أَدَاء الشَّهَادَة عِنْد القَاضِي لم يسع لَهُ أَن يشْهد على شَهَادَته اه ح.
فَإِن حمل ذَلِك على أَنه قبل الْقَضَاء بِهِ ارْتَفَعت الْمُنَافَاة ط.
أَقُول: وَهُوَ مؤيد لما قُلْنَاهُ آنِفا فِي القولة الَّتِي قبل هَذِه.
قَوْله: (وَقَوْلهمْ) عطف على تَصْوِيره:
стр. 503
أَي وَيُخَالِفهُ قَوْلهم وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ الْإِطْلَاقُ وَعَدَمُ تَقْيِيدِ الِاشْتِرَاطِ بِمَا إِذا كَانَت عِنْد غير القَاضِي.
قَوْله: (لَا بُد من التحميل) مصدر فعل المضعف فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة ح.
قَوْلُهُ: (وَقَبُولِ التَّحْمِيلِ) فَلَوْ أَشْهَدَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ لَا أقبل فَإِنَّهُ لَا يصير شَاهدا، حَتَّى لَو شهد بعد ذَلِك لَا تقبل كَمَا فِي الْقنية، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ، وَلِلْوَكِيلِ أَنْ لَا يَقْبَلَ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا مِنْ أَنَّهُ تَحْمِيلٌ فَلَا يبطل بِالرَّدِّ لَان من حمل غير شَهَادَة لم تبطل بِالرَّدِّ.
بَحر.
قَوْله: (على الاظهر) وَهُوَ قَول الْعَامَّة، لما فِي الْخُلَاصَة معزيا إِلَى الْجَامِع الْكَبِير: لَو حضر الاصيلان ونهيا الْفُرُوع عَن الشَّهَادَة، صَحَّ النَّهْي عِنْد عَامَّة الْمَشَايِخ.
وَقَالَ بَعضهم: لَا يَصح، والاول أظهر اه.
بَحر.
قَالَ ط: وَجه الْمُخَالفَة أَن الاولين لم يوجدا، لَان الشَّاهِد عِنْد القَاضِي لم يحمل السَّامع وَالسَّامِع لم يقبل.
وَقد يُقَال: إِن هَذَا بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة بالحكم نَفسه لكَونهَا بعد الْقَضَاء بهَا.
وَيُقَال فِي الثَّانِي أَيْضا: إِن اشْتِرَاطه قَول مُحَمَّد لَا قَوْلهمَا، فَلْيتَأَمَّل اه.
قَوْله: (وَإِن لم يشهدهما القَاضِي عَلَيْهِ) أَي فَتحمل عبارَة النِّهَايَة السَّابِقَة على أَنه سَمعه فِي مجْلِس القَاضِي وَحكم القَاضِي بِشَهَادَتِهِ فَيشْهد بِحكم القَاضِي إِلَّا بِشَهَادَة الشَّاهِد، لَان الشَّهَادَة على الحكم لَا تحْتَاج إِلَى الاشهاد وَالشَّهَادَة على الشَّهَادَة تحْتَاج إِلَيْهِ بِلَا قيد، كَمَا هُوَ صَرِيح عبارَة صَدْرِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ: سَمِعَ رَجُلٌ أَدَاءَ الشَّهَادَة عِنْد القَاضِي لَا يَسعهُ أَن يشْهد على شَهَادَته.
أَفَادَهُ د.
قَوْله: (وَقَيده أَبُو يُوسُف الخ) فِيهِ تَأمل، فَإِن القَاضِي لَا يجوز لَهُ قَضَاء فِي غير مجْلِس قَضَائِهِ إِذا كَانَ معينا لَهُ، فَلَو كَانَ هَذَا الْخلاف فِيمَا إِذا سمعا القَاضِي يشْهد على قَضَائِهِ لَكَانَ أظهر.
وَفِي حَاشِيَة الشلبي عَن الكاكي: لَو سمع قَاضِيا يشْهد قوما على قَضَائِهِ كَانَ للسامع أَن يشْهد
على قَضَائِهِ بِغَيْر أمره، لَان قَضَاء القَاضِي حجَّة ملزمة، وَمن عاين حجَّة حل لَهُ الشَّهَادَة بهَا، كَمَا لَو عاين الاقرار وَالْبيع اه.
لَكِن قد سبق أَن القَاضِي إِذا حكم فِي غير نوبَة الْقَضَاء وَأَجَازَهُ فِيهَا صَحَّ فَتدبر ط.
قَوْله: (كفى عدل وَاحِد) قيد بِالْعَدْلِ لَان خبر المستور لَا يقبل فِي هَذِه الاشياء وَإِن كَانَ اثْنَيْنِ، وَكَذَا الديانَات كطهارة المَاء ونجاسته وَحل الطَّعَام وحرمته.
وَيقبل خبر الْعدْل أَو المستورين فِي عز الْوَكِيل وَحجر الْمَأْذُون وإخبار الْبكر بإنكاح وَليهَا وإخبار الشَّفِيع بِالْبيعِ وَالْمُسلم الَّذِي لم يُهَاجر.
قَوْله: (فِي اثْنَي عشر مَسْأَلَة) (١) مِنْهَا الاحد عشر الْآتِيَة فِي النّظم قَالَ فِيهَا: وزدت أُخْرَى: يقبل قَول أَمِين القَاضِي إِذا أخبرهُ شَهَادَة شُهُودٍ عَلَى عَيْنٍ تَعَذَّرَ حُضُورُهَا كَمَا فِي دَعْوَى الْقنية.
أشباه.
قَوْله: (مِنْهَا إِخْبَار القَاضِي) من إِضَافَة الْمصدر لمفعوله: أَي إِخْبَار الْعدْل القَاضِي، والاولى حذفه للاستغناء عَنهُ بِمَا نَقله من النّظم، وَمَعْنَاهُ أَن القَاضِي إِذا حبس شخصا فِي مَال عوض عَن مَال وَقد ادّعى أَنه مُعسر فَإِنَّهُ لَا يصدقهُ ويحبسه مُدَّة يَرَاهَا، فَإِذا أخبرهُ عدل بعد هَذِه الْمدَّة بإفلاسه فَإِنَّهُ يقبل خَبره ويطلقه ط.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْمُدَّةِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ حَبَسَهُ الْقَاضِي مُدَّةً يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَقَضَى دَيْنَهُ وَلَمْ يَصْبِرْ على стр. 504
ذل الْحَبْس كَمَا تقدم.
مدنِي.
قَوْله: (أَي تَزْكِيَة السِّرّ) عِنْدهمَا: ورتب مُحَمَّد تزكيته على مَرَاتِب الشَّهَادَة الاربعة الْمُتَقَدّمَة، فالمزكي فِي كل مرتبَة مثل الشَّاهِد.
شرنبلالية: أَي يشْتَرط فِي تَزْكِيَة الزِّنَا أَرْبَعَة ذُكُور، وَفِي غَيره من الْحُدُود وَالْقصاص رجلَانِ، وَفِي غَيرهمَا من الْحُقُوق رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ، وَفِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال امْرَأَة وَاحِدَة ترتيبها على تَرْتِيب الشَّهَادَة لانها كَالشَّهَادَةِ، وَبِه قَالَت الثَّلَاثَة.
وَمحل الِاخْتِلَاف مَا إِذا لم يرض الْخصم بتزكية وَاحِد، فَإِن رَضِي الْخصم بتزكية وَاحِد فزكى جَازَ إِجْمَاعًا.
بَحر عَن الْوَلوالجِيَّة.
قَوْله: (وَأما تَزْكِيَة الْعَلَانِيَة فَشَهَادَةٌ إجْمَاعًا) الْأَحْسَنُ مَا فِي الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: وَقَيَّدْنَا بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَة فَإِنَّهُ يشْتَرط لَهَا جمع مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا لَفْظَ الشَّهَادَةِ إجْمَاعًا، لِأَنَّ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِيهَا أَظْهَرُ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهَا عَلَى مَا قَالَه الْخصاف اه.
وَيشْتَرط فِي الْمُزَكي عَلَانيَة عدم الْعَدَاوَة
للْمُدَّعى عَلَيْهِ، فَلَو زكى أَعدَاء الْمُدعى عَلَيْهِ الشُّهُود لَا تصح التَّزْكِيَة لانها شَهَادَة كَمَا صرح بِهِ فِي التَّنْقِيح.
وَفِي الْبَحْرِ أَيْضًا: وَخَرَجَ مِنْ كَلَامِهِ تَزْكِيَةُ الشَّاهِدِ بِحَدِّ الزِّنَا، فَلَا بُدَّ فِي الْمُزَكِّي فِيهَا من أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وَالْعدَد والاربعة إجْمَاعًا، وَلَمْ أَرَ الْآنَ حُكْمَ تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ بِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ، وَمُقْتَضَى مَا قَالُوهُ اشْتِرَاطُ رَجُلَيْنِ لَهَا اه.
قَالَ الدمياطي: أما قَوْله إِجْمَاعًا فَفِيهِ تَأمل، لانه لم يسْبقهُ خلاف يُقَابل بِهِ الاجماع.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يخْتَار فِي مزكي الشُّهُود من هُوَ أخبر بأحوال النَّاس وَأَكْثَرهم اختلاطا بِالنَّاسِ مَعَ عَدَالَته عَارِفًا بِمَا يكون جرحا وَمَا لَا يكون غير طماع وَلَا فَقير كي لَا يخدع بِالْمَالِ، فَإِن لم يكن فِي جِيرَانه وَلَا أهل سوقه من يَثِق بِهِ اعْتبر تَوَاتر الاخبار، وَخص فِي الْبَزَّازِيَّة السُّؤَال من الاصدقاء اه.
قَوْله: (وترجمة الشَّاهِد) فَيشْتَرط أَن لَا يكون المترجم أعمى عِنْد الامام، وَهَذَا إِذا لم يعرف القَاضِي لغته، فَإِن كَانَ عَارِفًا بِلِسَان الشَّاهِد والخصم لم يجز تَرْجَمَة الْوَاحِد.
والاولى أَن يُقَال: لَا يحْتَاج القَاضِي إِلَى تَرْجَمَة.
وَذكر بَعضهم أَن الاولى كَون القَاضِي عَارِفًا باللغة التركية، واتخاذ المترجم وَقع فِي الْجَاهِلِيَّة والاسلام.
وَلما جَاءَ سلمَان للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ.
وَآله ترْجم يَهُودِيّ كَلَامه فخان فِيهِ، فَنزل جِبْرِيل ﵇ بِحَدِيث طَوِيل، وَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله زيد بن ثَابت أَن يتَعَلَّم العبرانية فَكَانَ يترجم بهَا وَفِي الْمِصْبَاح: ترْجم فلَان كَلَامه: إِذا بَينه وأوضحه، وَترْجم كَلَام غَيره: إِذا عبر عَنهُ بلغَة غير لُغَة الْمُتَكَلّم، وَاسم الْفَاعِل ترجمان بِفَتْح التَّاء وَضم الْجِيم فِي الفصيح، وَقد تضم التَّاء تبعا للجيم وَقد تفتح الْجِيم تبعا للتاء، وَالْجمع تراجم بِكَسْر الْجِيم.
والتزكية: الْمَدْح.
قَالَ فِي الصِّحَاح: زكى نَفسه تَزْكِيَة: مدحها اه.
قَوْله: (والخصم) هُوَ أَعم من الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ.
قَوْله: (من القَاضِي) وَكَذَا من الْمُزَكي إِلَى القَاضِي كَمَا فِي الْفَتْح: أَي فَيَكْفِي الْعدْل الْوَاحِد للتزكية والترجمة والرسالة لانها خبر وَلَيْسَت بِشَهَادَة حَقِيقَة، وَلذَا جوزوا تَزْكِيَة العَبْد وَالْمَرْأَة والاعمى والمحدود فِي الْقَذْف إِذا تَابَ، وَكَذَا تَزْكِيَة من لَا تقبل شَهَادَته لَهُ كتزكية أحد الزَّوْجَيْنِ للْآخر وتزكية الْوَالِد لوَلَده وَبِالْعَكْسِ كَمَا فِي الْعَيْنِيّ وَصدر الشَّرِيعَة.
قَوْله: (وَجَاز تَزْكِيَة عبد) أَي لمَوْلَاهُ.
قَوْله: (ووالد) لوَلَده وَعَكسه وَأحد الزوجي للْآخر.
قَوْله: (فِي تقوم) أَي تقوم الصَّيْد الَّذِي أتْلفه الْمحرم، وَكَذَا فِي متْلف، بِأَن كسر شخص لشخص شَيْئا
стр. 505
فَادّعى أَن قِيمَته مبلغ كَذَا فَأنْكر الْمُدعى عَلَيْهِ أَن يكون ذَلِك الْقدر فَيَكْفِي فِي إِثْبَات قِيمَته قَول االعدل الْوَاحِد.
وَذكر فِي الْبَزَّازِيَّة من خِيَار الْعَيْب أَنه يحْتَاج إِلَى تَقْوِيم عَدْلَيْنِ لمعْرِفَة النُّقْصَان فَيحْتَاج إِلَى الْفرق بَين التقويمين، وَيسْتَثْنى من كَلَامه تَقْوِيم نِصَاب السّرقَة فَلَا بُد فِيهِ من اثْنَيْنِ كَمَا فِي الْعِنَايَة ط.
قَوْله: (وَأرش يقدر أَي فِي نَحْو الشجاج.
قَوْله: (وَالسّلم) بِسُكُون اللَّام للضَّرُورَة بِمَعْنى الْمُسلم فِيهِ ح: أَي إِذا اخْتلفَا فِيهِ بعد إِحْضَاره.
بَحر.
قَوْله: (وإفلاسه) أَي إِذا أخبر القَاضِي عدل بإفلاس الْمَحْبُوس بعد مُضِيّ الْمدَّة أطلقهُ مكتفيا بِهِ.
حموي.
قَوْله: (الارسال) أَي رَسُول القَاضِي للمزكي.
قَوْله: (وَالْعَيْب يظْهر) أَي إِذا اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي إِثْبَات الْعَيْب يَكْتَفِي فِي إثْبَاته بقول عدل، وَيظْهر من الاظهار (١) ضَمِيره إِلَى الْعدْل، وَالْعَيْب مفعول مقدم.
قَوْله: (وَصَوْم عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنه يقبل الْعدْل الْوَاحِد فِي الصَّوْم بِلَا عِلّة.
قَوْله: (أَو عِنْد عِلّة) من غيم أَو غُبَار وَنَحْوه على ظَاهر الْمَذْهَب.
قَوْله: (وَمَوْت) أَي موت الْغَائِب.
قَوْله: (إِذْ للشاهدين يُخْبَرُ) أَيْ إذَا شَهِدَ عَدْلٌ عِنْدَ رَجُلَيْنِ عَلَى مَوْتِ رَجُلٍ وَسِعَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى مَوته.
قَوْله: (والتزكية للذِّمِّيّ الخ) وَهل يَكْفِي فِيهِ تَزْكِيَة الْكَافِر الْوَاحِد، يحرر.
حموي.
أَقُول: مُقْتَضى مَا مر فِي تَزْكِيَة السّير أَنَّهَا تقبل لَان الْمُزَكي فِي كل مرتبَة مثل الشَّاهِد، وَحَيْثُ قبل الاصل فالمزكي مثله من بَاب أولى على مَا ظهر لي، فَتَأَمّله.
قَوْله: (بالامانة فِي دينه) بِأَن يكون محافظ على مَا يَعْتَقِدهُ شَرِيعَة على مَا هُوَ الظَّاهِر ط.
قَوْله: (وَلسَانه) بِأَن لم يعْهَد عَلَيْهِ كذب.
قَوْله: (وَيَده) لَعَلَّ المُرَاد بهَا الْمُعَامَلَة، أَو أَن لَا يكون سَارِقا ط.
قَوْله: (وَأَنه صَاحب يقظة) أَي لَيْسَ بمغفل وَلَا معتوه.
قَوْله: (سَأَلُوا عَنهُ عدُول الْمُشْركين) قَالَ أَبُو السُّعُود: من هُنَا يعلم أَن الْعَدَالَة لَا تَسْتَلْزِم الاسلام اه: أَي فِي حق الْكَافِر، والاولى أَن يَقُول: سَأَلَ: أَي القَاضِي.
وَفِي الْبَحْر: يسْأَل: أَي القَاضِي عَن شُهُود الذِّمَّة عدُول الْمُسلمين وَإِلَّا سَأَلَ عَنْهُم عدُول الْكفَّار، كَذَا فِي الْمُحِيط وَالِاخْتِيَار.
قَوْله: (عدل) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
قَوْله: (قبلت شَهَادَته) وَلَا يحْتَاج إِلَى تَعْدِيل جَدِيد بِعْ الاسلام، بِخِلَاف الصَّبِي الَّذِي احْتَلَمَ فَإِنَّهُ لَا يقبل القَاضِي شَهَادَته مَا لم يسْأَل عَنهُ أهل محلته، ويتأنى بِقدر مَا يَقع فِي قُلُوب أهل مَسْجِد، كَمَا فِي الْغَرِيبِ أَنَّهُ صَالِحٌ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا قدمْنَاهُ عَن
الْبَحْر والظهيرية.
قَوْله: (وَلَو سكر الذِّمِّيّ لَا تقبل) لَان السكر من الْمُحرمَات الَّتِي ذكرت فِي الانجيل فَيكون بذلك فَاسِقًا فِي دينه.
قَوْله: (وَلَا يشْهد من رأى خطه стр. 506
إِلَخ) أَي لَا يحل للشَّاهِد إِذا رأى خطه أَن يشْهد حَتَّى يتَذَكَّر، وَكَذَا القَاضِي إِذا وجد فِي ديوانه مَكْتُوبًا شَهَادَة شُهُود وَلَا يتَذَكَّر وَلَا للراوي أَن يروي اعْتِمَادًا على مَا فِي كِتَابه مَا لم يتَذَكَّر، وَهُوَ قَول الامام، فَلَا بُد عِنْده للشَّاهِد من تذكر الْحَادِثَة والتاريخ ومبلغ المَال وَصفته، حَتَّى إِذا لم يتَذَكَّر شَيْئا مِنْهُ وتيقن أَنه خطه وخاتمه لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يشْهد، وَإِن شهد فَهُوَ شَاهد زور.
كَذَا فِي الْخُلَاصَة.
وَلَا يَكْفِي تذكر مجْلِس الشَّهَادَة.
وَفِي الْمُلْتَقط وعَلى الشَّاهِد أَن يشْهد وَإِن لم يعرف مَكَان الشَّهَادَة ووقتها اه.
وَجوز مُحَمَّد للْكُلّ الِاعْتِمَاد على الْكتاب إِذا تَيَقّن أَنه خطه وَإِن لم يتَذَكَّر توسعة على النَّاس.
وَجوزهُ أَبُو يُوسُف للراوي وَالْقَاضِي دون الشَّاهِد.
وَفِي الْخُلَاصَة: أَن أَبَا حنيفَة ضيق فِي الْكل حَتَّى قلت رِوَايَته الاخبار مَعَ كَثْرَة سَمَاعه، فَإِنَّهُ روى أَنه سمع من ألف ومائتي رجل غير أَنه يشْتَرط الْحِفْظ وَقت السماع وَفِي وَقت الرِّوَايَة اه.
وَمحل الْخلاف فِي القَاضِي إِذا وجد قَضَاءَهُ مَكْتُوبًا عِنْده: وَأَجْمعُوا أَن القَاضِي لَا يعْمل بِمَا يجده فِي ديوَان قَاض آخر وَإِن كَانَ مَخْتُومًا.
كَذَا فِي الْخُلَاصَة.
وَقَالَ شمس الائمة الْحلْوانِي: يَنْبَغِي أَن يُفْتِي بقول مُحَمَّد، وَهَكَذَا فِي الاجناس، وَجزم فِي الْبَزَّازِيَّة.
وَفِي المبتغى: من وجد خطه وعرفه وَنسي الشَّهَادَة وَسعه أَن يشْهد إِذا كَانَ فِي حوزه وَبِه نَأْخُذ اه.
وَعَزاهُ فِي الْبَزَّازِيَّة إِلَى النَّوَازِل.
بَحر.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد نَاقِلا عَن الْجَوْهَرَة من أَن عدم حل الشَّهَادَة إِذا رأى خطه وَلم يتَذَكَّر الْحَادِثَة هُوَ قَوْلُهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ.
وَفِي الْهِدَايَةِ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقِيلَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ الشَّهَادَةَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِيمَا إذَا وَجَدَ الْقَاضِي شَهَادَةً فِي دِيوَانِهِ، لِأَنَّ مَا فِي قِمَطْرِهِ تَحْتَ خَتْمِهِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَحَصَلَ لَهُ
الْعِلْمُ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ فِي الصَّكِّ لِأَنَّهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا إذَا ذَكَرَ الْمَجْلِسَ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ أَوْ أَخْبَرَهُ قَوْمٌ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِمْ أَنَّا شَهِدْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ.
كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْبَزْدَوِيِّ: الصَّغِيرُ إذَا اسْتَيْقَنَ أَنه خطه وَعلم أَنه لم يرد فِيهِ شئ بِأَن كَانَ مخبوءا عِنْده أَو علم بِدَلِيلٍ آخَرَ أَنَّهُ لَمْ يُزَدْ فِيهِ لَكِنْ لَا يَحْفَظُ مَا سَمِعَ، فَعِنْدَهُمَا: لَا يَسَعُهُ أَن يشْهد وَعَن أَبِي يُوسُفَ: يَسَعُهُ.
وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ.
وَقَالَ فِي التَّقْوِيمِ: قَوْلُهُمَا هُوَ الصَّحِيح اهـ مَا نَقله سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
ثمَّ إِن الشَّاهِد إِذا اعْتمد على خطه على القَوْل الْمُفْتى بِهِ وَشهد وَقُلْنَا بقبوله فللقاضي أَن يسْأَله هَل شهد عَن علم أَو عَن خطّ إِن قَالَ عَن علم قبله، وَإِن قَالَ عَن الْخط لَا كَمَا فِي الْبَحْر، وَظَاهر كَلَام الْمُؤلف كمسكين أَن الصاحبين متفقان، وَقد علمت مَا قدمْنَاهُ، وَنَحْوه فِي الْعَيْنِيّ والزيلعي.
قَالَ أَبُو السُّعُود: وَيُمكن دفع التَّنَافِي بِأَن عَن الثَّانِي رِوَايَتَيْنِ.
قَوْله: (وجوازه لَو فِي حوزه وَبِه نَأْخُذ) تقدم فِي كِتَابِ الْقَاضِي عَنْ الْخِزَانَةِ أَنَّهُ يَشْهَدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّكُّ فِي يَدِ الشَّاهِدِ، لَان التَّغَيُّر نَادِرٌ وَأَثَرَهُ يَظْهَرُ، فَرَاجِعْهُ.
وَرَجَّحَ فِي الْفَتْحِ مَا ذكره الشَّيْخ وَذكر لَهُ حِكَايَة تؤيده.
قَوْله: (بِمَا لم يعاينه) أَي بِمَا لم يقطع بِهِ جِهَة المعاينة بِالْعينِ أَو بِالسَّمَاعِ.
ط عَن الْكَمَال.
وَمِثَال الثَّانِي الْعُقُود.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي عَشْرَةٍ) كُلُّهَا مَذْكُورَةٌ هُنَا مَتْنًا وَشَرْحًا آخِرُهَا قَوْلُ الْمَتْنِ وَمَنْ فِي يَده شئ الخ ح.
стр. 507
قلت: بل الْعَاشِر قَوْله وشرائطه وَفِي الطَّبَقَاتِ السَّنِيَّةِ لِلتَّمِيمِيِّ فِي تَرْجَمَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ مِنْ نَظْمِهِ: افْهَمْ مَسَائِلَ سِتَّةً واشهد بهامن غَيْرِ رُؤْيَاهَا وَغَيْرِ وُقُوفِ نَسَبٌ وَمَوْتٌ وَالْوِلَادُ وناكح وَولَايَة القَاضِي وأصل وقُوف
قَوْله: (مِنْهَا الْعتْق) ذكر السَّرخسِيّ أَن الشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ فِي الْعتْق لَا تقبل بالاجماع.
وَذكر شَيْخه الْحلْوانِي أَن الْخلاف ثَابت فِيهِ.
فَعَن أبي يُوسُف الْجَوَاز، فَالْمُعْتَمَد عدم الْقبُول فِيهِ كَالَّذي بعده.
وَفِي الْبَحْر: شَرط الْخصاف للقبول فِي الْعتْق عِنْد أبي يُوسُف أَن يكون مَشْهُورا وللعتق أَبَوَانِ أَو ثَلَاثَة فِي الاسلام وَلم يَشْتَرِطه مُحَمَّد فِي الْمَبْسُوط.
وَفِي شرح الْعَلامَة عبد الْبر: التَّاسِعَة: الشَّهَادَة فِي
الْعتْق.
قَالُوا: لَا يحل عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ، ثمَّ نقل عَن الْحلْوانِي مَا تقدم.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي تنقيحه: وَالْعَبْد إِذا ادّعى حريَّة الاصل ثمَّ الْعتْق الْعَارِض تسمع، والتناقض لَا يمْنَع الصِّحَّة.
وَفِي حريَّة الاصل لَا تشْتَرط الدَّعْوَى.
وَفِي الاعتاق الْمُبْتَدَأ تشْتَرط الدَّعْوَى عِنْد أبي حنيفَة: وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِشَرْط.
وَأَجْمعُوا على أَن دَعْوَى الامة لَيْسَ بِشَرْط خُلَاصَة: أَي لانها شَهَادَة بحريّة أمة فَهِيَ شَهَادَة بِحرْمَة الْفرج.
وَتَمَامه فِيهِ.
قَوْله: (وَالْوَلَاء عِنْد الثَّانِي) أَي فِي القَوْل الاخير لَهُ، وَالْقَوْل الاول لَهُ كالامام أَنَّهَا لَا تحل مَا لم يعاين إِعْتَاق الْمولى، وَقَول مُحَمَّد مُضْطَرب، وَالظَّاهِر أَن الْمُعْتَمد قَول الامام لعدم تَصْحِيح قَول الثَّانِي.
على أَن بَعضهم جعل ذَلِك رِوَايَة عَنهُ لَا مذهبا، وَالدَّلِيل للامام كَمَا فِي الزَّيْلَعِيّ أَن الْعتْق يَنْبَنِي على زَوَال الْملك وَلَا بُد فِيهِ من المعاينة، فَكَذَا مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ ط.
قَوْله: (وَالْمهْر على الاصح) أَي من رِوَايَتَيْنِ عَن مُحَمَّد لانه من تَوَابِع النِّكَاح فَكَانَ كَأَصْلِهِ.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَمن ذَلِك الْمهْر، فَظَاهر التَّقْيِيد أَنه لَا تقبل فِيهِ بِهِ، وَلَكِن فِي الْبَزَّازِيَّة والظهيرية والخزانة أَن فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، والاصح الْجَوَاز اه.
وَمثله فِي الْخُلَاصَة والشرنبلالية، فَإِن حمل مَا فِي هَذِه الْكتب على أَن الرِّوَايَتَيْنِ عَن مُحَمَّد فَلَا مُنَافَاة.
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ مِنْ الْخَارِجِينَ مِنْ بَيْنِ جَمَاعَةٍ حَاضِرِينَ فِي بَيْتِ عقد النِّكَاح بِأَن الْمهْر كَذَا تقبل لَا مِمَّن سمع من غَيرهم اه.
قَوْله: (وَالنّسب) سَوَاء جَازَ بَينهمَا النِّكَاح أَو لَا.
بَحر.
فَجَاز أَن يشْهد أَنه فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ من سمع من جمَاعَة لَا يتَصَوَّر تواطؤهم على الْكَذِب عِنْد الامام وَإِن لم يعاين الْولادَة.
وَعِنْدَهُمَا: إِذا أخبرهُ بذلك عَدْلَانِ يَكْفِي، وَالْفَتْوَى على قَوْلهمَا كَمَا فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة عَن الْعمادِيَّة.
وَفِي التاترخانية: عَن الْمُحِيط: وَإِذا قدم عَلَيْهِ رجل من بلد آخر وانتسب إِلَيْهِ وَأقَام مَعَه دهرا لم يَسعهُ أَن يشْهد على نسبه حَتَّى يشْهد لَهُ رجلَانِ من أهل بَلَده عَدْلَانِ أَو يكون النّسَب مَشْهُورا.
وَذكر الْخصاف هَذِه الْمَسْأَلَة وَشرط لجَوَاز الشَّهَادَة شرطين: أَن يشْتَهر الْخَبَر.
وَالثَّانِي أَن يمْكث فيهم سنة، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى نَسَبِهِ حَتَّى يَقع معرفَة ذَلِك فِي قُلُوبهم، وَذَلِكَ بِأَن يُقيم مَعَهم سنة، وَإِن وَقع فِي قلبه معرفَة ذَلِك قبل مُضِيّ السّنة لَا يجوز أَن يشْهد.
روى عَن أبي يُوسُف أَنه قدر ذَلِك بِسِتَّة أشهر.
وَالصَّحِيح أَنه إِذا سمع من أهل بَلَده من رجلَيْنِ عَدْلَيْنِ حل لَهُ أَدَاء
الشَّهَادَة، وَإِلَّا فَلَا، أما إِذا سمع ذَلِك مِمَّن سمع من الْمُدَّعِي لَا يحل لَهُ أَن يشْهد وَإِن اشْتهر ذَلِك فِيمَا بَين النَّاس، لكنه إِن شهد عِنْده جمَاعَة حَتَّى تقع الشُّهْرَة حَقِيقَة وَعرف وَوَقع عِنْده أَنه ثَابت النّسَب من
стр. 508
فلَان أَو شهد عِنْده عَدْلَانِ حَتَّى ثَبت الاشتهار شرعا حل لَهُ أَن يشْهد اه.
وَفِي الْبَحْر عَن الْبَزَّازِيَّة: وَفِي دَعْوَى العمومة لَا بُد أَن يُفَسر أَن عَمه لامه أَو لابيه أَو لَهما، وَيشْتَرط أَن يَقُول هُوَ وَارثه لَا وَارِث لَهُ غَيره، فَإِن برهن على ذَلِك أَو على أَنه أَخُو الْمَيِّت لابويه لَا يعلمُونَ أَن لَهُ وَارِثا غَيره يحكم لَهُ بِالْمَالِ، وَلَا يشْتَرط ذكر الاسماء فِي الاقضية، (١) إِلَى أَن قَالَ: ادّعى على آخر أَنه أَخُوهُ لابيه: إِن ادّعى إِرْثا أَو نَفَقَة وَبرهن يقبل وَيكون قَضَاء على الْغَائِب أَيْضا، حَتَّى لَو حضر الاب وَأنكر لَا تقبل وَلَا يحْتَاج إِلَى إِعَادَة الْبَيِّنَة، لانه لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بِإِثْبَات الْحق على الْغَائِب، وَإِن لم يدع مَالا بل ادّعى الاخوة الْمُجَرَّدَة لَا يقبل، لَان هَذَا فِي الْحَقِيقَة إِثْبَات الْبُنُوَّة على الاب الْمُدعى عَلَيْهِ والخصم فِيهِ هُوَ الاب لَا الاخ، وَكَذَا لَو ادّعى أَنه ابْن ابْنه أَو أَبُو أَبِيه وَالِابْن والاب غَائِب أَو ميت لَا يَصح مَا لم يدع مَالا، فَإِن ادّعى مَالا فَالْحكم على الْحَاضِر وَالْغَائِب جَمِيعًا، بِخِلَاف مَا إِذا ادّعى على رجل أَنه أَبوهُ أَو ابْنه أَو على امْرَأَة أَنَّهَا زَوجته أَو ادَّعَت عَلَيْهِ أَنه زَوجهَا أَو ادّعى العَبْد على عَرَبِيّ أَنه مَوْلَاهُ عتاقة أَو ادّعى عَرَبِيّ على آخر أَنه مُعْتقه أَو ادَّعَت على رجل أَنَّهَا أمته أَو كَانَ الدَّعْوَى فِي وَلَاء الْمُوَالَاة وَأنْكرهُ الْمُدعى عَلَيْهِ فبرهن الْمُدَّعِي على مَا قَالَ يقبل ادّعى بِهِ حَقًا أَو لَا، بِخِلَاف دَعْوَى الاخوة لانه دَعْوَى الْغَيْر، أَلا ترى أَنه لَو أقرّ أَنه أَبوهُ أَو ابْنه أَو زوجه أَو زَوجته صَحَّ أَو بِأَنَّهُ أَخُوهُ لَا لكَونه حمل النّسَب على الْغَيْر.
وَتَمَامه فِيهَا.
وَحَاصِل مَا ينفعنا هُنَا: أَن الشُّهُود إِذا شهدُوا بِنسَب فَإِن القَاضِي لَا يقبلهم وَلَا يحكم بِهِ إِلَّا بعد دَعْوَى مَال إِلَّا فِي الاب وَالِابْن اه.
وَأَرَادَ بِدَعْوَى المَال النَّفَقَة أَو الارث أَو دَعْوَى الِاسْتِحْقَاق فِي الْوَقْف وَالْوَصِيَّة وَنَحْوهَا.
سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
وَقَالَ فِي الْبَحْر: ثمَّ اعْلَم أَن الْقَضَاء بِالنّسَبِ مِمَّا لَا يقبل النَّقْض لكَونه على الكافة كَالنِّكَاحِ وَالْحريَّة وَالْوَلَاء كَمَا فِي الصُّغْرَى، وَقد كتبنَا فِي الْفَوَائِد أَن الْقَضَاء عى الكافة فِي هَذِه الاربعة، لَكِن
يسْتَثْنى من النّسَب مَا فِي الْمُحِيط من بَاب الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ: شَهدا أَن فلَان بن فلَان مَاتَ وَهَذَا ابْن أَخِيه ووارثه قضى بِالنّسَبِ والارث ثمَّ أَقَامَ آخر الْبَيِّنَة أَنه ابْن الْمَيِّت ووارثه ينْقض الاول وَيَقْضِي للثَّانِي، لَان الابْن مقدم على ابْن الاخ.
وَلَا تنَافِي بَين الاول وَالثَّانِي لجَوَاز أَن يكون لَهُ ابْن وَابْن أَخ فينقض الْقَضَاء فِي حق الْمِيرَاث لَا فِي حق النّسَب (٢) حَتَّى يبْقى الاول وَابْن عَم لَهُ حَتَّى يَرث مِنْهُ إِذا مَاتَ وَلم يتْرك وَارِثا آخر أقرب مِنْهُ، فَإِن أَقَامَ آخر الْبَيِّنَة أَن الْمَيِّت فلَان بن فلَان وَنسبه إِلَى أَب آخر غير الاب الَّذِي نسبه إِلَى الاول فَإِنَّهُ ينظر، إِن ادّعى ابْن أَخِيه لَا ينْقض الْقَضَاء الاول لانه لما أثبت نَفسه من الاول خرج عَن أَن يكون محلا لاثباته فِي إِنْسَان آخر، وَلَيْسَ فِي الْبَيِّنَة الثَّانِيَة زِيَادَة إِثْبَات إِلَى آخر مَا ذكره.
وَالْمرَاد بقوله من يَثِق بِهِ غير الْخصم، إِذْ لَو أخبرهُ رجل أَنه فلَان بن فلَان لَا يَسعهُ أَن يعْتَمد على стр. 509
خَبره وَيشْهد بِنَفسِهِ، لانه لَو جَازَ لَهُ ذَلِك جَازَ للْقَاضِي الْقَضَاء بقوله.
كَذَا فِي خزانَة الْمُفْتِينَ.
وَشرط فِيهَا للقبول فِي النّسَب أَن يُخبرهُ عَدْلَانِ من غير استشهاد الرجل، فَإِن أَقَامَ الرجل شَاهِدين عِنْده على نسبه لَا يَسعهُ أَن يشْهد اه.
قَوْله: (وَالْمَوْت) فَإِذا سمع من النَّاس أَن فلَانا مَاتَ وَسعه أَن يشْهد على ذَلِك وَإِن لم يعاين الْمَوْت، وللزوجة أَن تعْمل بِالسَّمَاعِ.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة: قَالَ رجل لامْرَأَة: سَمِعت أَن زَوجك مَاتَ لَهَا أَن تتَزَوَّج إِن كَانَ الْمخبر عدلا اه.
وَلَو شهد رجل بِالْمَوْتِ وَآخر بِالْحَيَاةِ فالمرأة تَأْخُذ بقول من كَانَ عدلا مِنْهُمَا، سَوَاء كَانَ الْعدْل أخبر بِالْحَيَاةِ أَو الْمَوْت، وَلَو كَانَ كِلَاهُمَا عَدْلَيْنِ تَأْخُذ بقول من يخبر بِالْمَوْتِ إِن لم يؤرخا، فَإِن أرخا وَتَأَخر تَارِيخ شَهَادَة الْحَيَاة فَهِيَ أولى كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّة وَغَيرهَا.
وَفِي الْمُحِيط: لَو جَاءَ خبر موت إِنْسَان فصنعوا لَهُ مَا يصنع على الْمَيِّت لم يَسعهُ أَن يخبر بِمَوْتِهِ حَتَّى يُخبرهُ ثِقَة أَنه عاين مَوته، لَان المصائب قد تتقدم على الْمَوْت إِمَّا خطأ أَو غَلطا أَو حِيلَة لقسمة المَال اه.
وَلَو قَالَ الْمخبر إِنَّا دفناه وَشَهِدْنَا جنَازَته تقبل لانها تكون شَهَادَة على الْمَوْت، لَكِن قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من الْفَصْل الثَّانِي عشر: لَو أخْبرهَا عدل أَن زَوجهَا مَاتَ أَو طَلقهَا ثَلَاثًا فلهَا التَّزَوُّج، وَلَو أخْبرهَا فَاسق تحرت.
وَفِي إِخْبَار العَبْد بِمَوْتِهِ إِنَّمَا يعْتَمد على خَبره لَو قَالَ عاينته مَيتا أَو شهِدت جنَازَته لَا لَو قَالَ أَخْبرنِي مخبر بِهِ اه.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة: وَلَو أخبر وَاحِد بِمَوْت الْغَائِب وَاثْنَانِ بحياته، وَإِن كَانَ الْمخبر عاين الْمَوْت أَو شهد جنَازَته وَعدل لَهَا أَن تتَزَوَّج، هَذَا إِذا لم يؤرخا أَو أرخا وَكَانَ تَارِيخ الْمَوْت آخرا، وَإِن كَانَ تَارِيخ الْحَيَاة آخرا فشاهد الْحَيَاة أولى.
وَفِي وَصَايَا عِصَام: شَهدا بِأَن زَوجهَا فلَانا مَاتَ أَو قتل وَآخر على الْحَيَاة فالموت أولى اه.
قَالَ فِي الْبَحْر.
وَظَاهر إِطْلَاقه فِي الْمَوْت أَنه لَا فرق فِي الْمَوْت بَين أَن يكون مَشْهُورا أَو لَا، وَقَيده فِي الْمِعْرَاج معزيا إِلَى رشيد الدّين فِي فَتَاوَاهُ بِأَن يكون عَالما أَو من الْعمَّال.
أما إِذا كَانَ تَاجِرًا أَو مثله فَإِنَّهَا لَا تجوز إِلَّا بالمعاينة اه.
قَالَ الْعَلامَة عبد الْبر: وَلَا نظفر بِهَذِهِ الرِّوَايَة فِي شئ من الْكتب فِي غير فَتَاوَاهُ اه.
وَمثله فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ.
قَالَ ط: فَكَأَنَّهُ لم يسلم لَهُ هَذَا الْقَيْد لانه لم يسْتَند إِلَى نَص اه.
فَتَأمل.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي التَّنْقِيح عازيا لصور الْمسَائِل: وَالنّسب وَالنِّكَاح يُخَالف الْمَوْت، فَإِنَّهُ لَو أخبرهُ بِالْمَوْتِ رجل أَو امْرَأَة حل لَهُ أَن يشْهد، وَفِي غَيره لَا بُد من إِخْبَار عَدْلَيْنِ.
وَأما فِي الْمَوْت فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْعدْل وَلَو أُنْثَى، هُوَ الْمُخْتَار، إِلَّا أَن يكون الْمخبر مِنْهُمَا كوارث وموصى لَهُ، كَمَا فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة شرح الْمُلْتَقى للعلائي من الشَّهَادَة: شهد أَنه شهد: أَي حضر دفن زيد أَو صلى عَلَيْهِ فَهُوَ مُعَاينَة، حَتَّى لَو فسر للْقَاضِي يقبله إِذْ لَا يدْفن إِلَّا الْمَيِّت وَلَا يُصَلِّي إِلَّا عَلَيْهِ دُرَر آخر الشَّهَادَات اه.
وَالْقَتْل كالموت فيترتب عَلَيْهِ أَحْكَامه من جَوَاز اعْتِدَاد الْمَرْأَة إِذا أخْبرت بقتْله كموته للتزوج كَمَا نبه عَلَيْهِ العلامتان صَاحب الْبَحْر والمقدسي لَا من جِهَة ترَتّب الْقصاص.
قَوْله: (وَالنِّكَاح) فَلِمَنْ سمع بِهِ من جمع عِنْد الامام وعدلين عِنْدهمَا أَن يشْهد بِهِ.
قُهُسْتَانِيّ.
وَفِي الْقنية: نِكَاح حَضَره رجلَانِ ثمَّ أخبر أَحدهمَا جمَاعَة أَن فلَانا تزوج فُلَانَة بِإِذن وَليهَا والآن
يجْحَد هَذَا الشَّاهِد يجوز للسامعين أَن يشْهدُوا على ذَلِك: وَفِي الْعمادِيَّة: وَكَذَا تجوز الشَّهَادَة بالشهرة والتسامع فِي النِّكَاح، حَتَّى لَو رأى رجلا يدْخل على امْرَأَة وَسمع من النَّاس أَن فُلَانَة زَوْجَة فلَان
стр. 510
وَسعه أَن يشْهد أَنَّهَا زَوجته وَإِن لم يعاين عقد النِّكَاح اه.
وَيشْهد من رأى رجلا وَامْرَأَة بَينهمَا انبساط الازواج أَنَّهَا عرسه اه.
دُرَر.
وَفِي الْخُلَاصَة: إِذا شهد تعريسه وزفافه أَو أخبرهُ بذلك عَدْلَانِ حل لَهُ أَن يشْهد أَنَّهَا امْرَأَته.
قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: الشُّهْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادٍ وَيَقَع فِي قلبه أَن الامر كَذَلِك، وَمثله فِي الظَّهِيرِيَّة.
قَوْله: (وَالدُّخُول بِزَوْجَتِهِ) فَإِنَّهَا تقبل بِالسَّمَاعِ.
ذكر فِي الْخُلَاصَة خلافًا فِي الدُّخُول، فَفِي فَوَائِد أستاذنا ظهير الدّين: لَا يجوز لَهُم أَن يشْهدُوا على الدُّخُول بالمنكوحة بِالتَّسَامُعِ، وَلَو أَرَادَ أَن يثبق الدُّخُول يثبت الْخلْوَة الصَّحِيحَة اه.
لَكِن أَفَادَ الْعَلامَة عبد الْبر أَنَّهَا تقبل بِالسَّمَاعِ، وَيَتَرَتَّب على قبُولهَا أَحْكَام كالعدة وَالْمهْر وَالنّسب اه.
قَوْله: (وَولَايَة القَاضِي) أَي كَونه قَاضِيا فِي نَاحيَة كَذَا، فَإِنَّهُ لم سَمعه من النَّاس جَازَ أَن يشْهد بِهِ، قُهُسْتَانِيّ.
وَإِن لم يعاين تَقْلِيد الامام اه.
عبد الْبر.
وَفِي الْبَحْر وَظَاهر مَا فِي الْمِعْرَاج أَن الامير كَالْقَاضِي فيزاد الامرة اه.
وَصرح بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّة حَيْثُ قَالَ: وَكَذَا يجوز الشَّهَادَة على أَنه قَاضِي بلد كَذَا أَو وَالِي بلد كَذَا وَإِن لم يعاين التَّقْلِيد والمنشور اه.
وَصرح بِهِ فِي الْخُلَاصَة أَيْضا: قَالَ فِي الْبَحْر: وَكَذَا إِذا رأى شخصا جَالِسا مجْلِس الحكم يفصل الْخُصُومَات جَازَ لَهُ أَن يشْهد على أَنه قَاض.
مطلب: إِذا لم يكن الْوَقْف قَدِيما لَا بُد من ذكر واقفه فِي الشَّهَادَة عَلَيْهِ
قَوْله: (وأصل الْوَقْف) بِأَن يشْهد أَن هَذَا وقف على مَوضِع أَو جمَاعَة كَذَا، وَهل ذكر الْمصرف شَرط؟ فِي الْكَافِي عَن المرغياني نعم.
وَفِي الخزانة: لَا يشْتَرط على الْمُخْتَار إِن كَانَ وَقفا قَائِما ينْصَرف إِلَى الْفُقَرَاء.
وَذكر الشَّيْخ ظهير الدّين المرغيناني: إِذا لم يكن الْوَقْف قَدِيما لَا بُد من ذكر واقفه ط.
وَفِي فَتَاوَى قَارِئ الْهِدَايَة: صُورَة الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ على أصل الْوَقْف أَن يشْهدُوا أَن فلَانا وَقفه على الْفُقَرَاء أَو على الْقُرَّاء أَو على أَوْلَاده من غير أَن يتَعَرَّضُوا إِنَّه شَرط فِي وَقفه كَذَا وَكَذَا، فَإِن شهدُوا على شَرط
الْوَاقِف وَأَنه قَالَ للجهة الْفُلَانِيَّة كَذَا وللجهة الْفُلَانِيَّة كَذَا فَلَا تسمع بِالتَّسَامُعِ على شُرُوط الْوَاقِف، لَان الَّذِي يشْتَهر إِنَّمَا هُوَ أصل الْوَقْف وَأَنه على الْجِهَة الْفُلَانِيَّة، أما الشُّرُوط فَلَا تشتهر فَلَا تجوز الشَّهَادَة على الشُّرُوط بِالتَّسَامُعِ اه.
وَتقدم فِي الْوَقْف أَنه تقبل الشَّهَادَة فِيهِ من غير بَيَان الْوَاقِف لَو قَدِيما عِنْد أبي يُوسُف وَأَن الْفَتْوَى عَلَيْهِ، فَرَاجعه.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لنَفس الْوَقْف.
أما الدَّعْوَى بِهِ بِأَن ادّعى أَن هَذِه الارض وقف وَقَفَهَا فُلَانٌ عَلَيَّ وَذُو الْيَدِ يَجْحَدُ وَيَقُولُ هِيَ ملكي فَيشْتَرط بَيَان الْوَاقِف وَأَنه وَقفه وَهُوَ يملكهُ.
قَوْله: (قيل وشرائطه على الْمُخْتَار) قَالَ الطَّحْطَاوِيّ: وَلَا وَجه لذكر قيل فَإِنَّهُمَا قَولَانِ مصصحان.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَفِي الْفُصُول الْعمادِيَّة من الْعَاشِر: الْمُخْتَار أَن لَا تقبل الشَّهَادَة بالشهرة على شَرَائِط الْوَقْف اه.
وَفِي الْمُجْتَبى: الْمُخْتَار أَن تقبل على شَرَائِط الْوَقْف اه.
وَاعْتَمدهُ فِي الْمِعْرَاج، وَأقرهُ الشُّرُنْبُلَالِيّ وَعَزاهُ إِلَى الْعَلامَة قَاسم، وَقواهُ فِي الْفَتْح بقوله: وَأَنت إِذا عرفت قَوْلهم فِي الاوقاف الَّذِي انْقَطع ثُبُوتهَا وَلم يعرف لَهَا مصارف وشرائط أَنه يسْلك بهَا مَا كَانَت فِي دواوين الْقُضَاة لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنْ تَحْسِينِ مَا فِي الْمُجْتَبَى، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الثُّبُوتِ بِالتَّسَامُعِ اه.
أَيْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّسَامُعِ هِيَ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يُعَايِنْهُ وَالْعَمَلُ بِمَا فِي دَوَاوِينِ الْقُضَاةِ عَمَلٌ بِمَا لَمْ يُعَايِنْ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُمْ الْمَجْهُولَةُ شَرَائِطُهُ وَمَصَارِفُهُ
стр. 511
يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا لَمْ يُجْهَلْ مِنْهَا يُعْمَلُ بِمَا عُلِمَ مِنْهَا، وَذَلِكَ الْعِلْمُ قَدْ لَا يَكُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْوَاقِفِ بَلْ بِالتَّصَرُّفِ الْقَدِيمِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ وَقْفٍ مَشْهُورٍ اشْتَبَهَتْ مَصَارِفُهُ وَقَدْرُ مَا يُصْرَفُ إلَى مُسْتَحَقِّيهِ قَالَ: يُنْظَرُ إلَى الْمَعْهُودِ مِنْ حَالِهِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الزَّمَانِ مِنْ أَنَّ قِوَامَهُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ فِيهِ وَإِلَى مَنْ يَصْرِفُونَهُ، فَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَى مُوَافَقَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَهُوَ الْمَظْنُونُ بِحَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ اه.
فَهَذَا عَيْنُ الثُّبُوتِ بِالتَّسَامُعِ.
وَفِي الْخَيْرِيَّة: إِذا كَانَ لِلْوَقْفِ كِتَابٌ فِي دِيوَانِ الْقُضَاةِ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِنَا بِالسِّجِلِّ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمْ اُتُّبِعَ مَا فِيهِ اسْتِحْسَانًا إذَا تَنَازَعَ أَهْلُهُ فِيهِ، وَإِلَّا يُنْظَرُ إلَى الْمَعْهُودِ مِنْ حَالِهِ فِيمَا سبق من الزَّمَان من أَن قوامه كَيفَ كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الْحَالُ فِيمَا سَبَقَ رَجَعْنَا إلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ بِالْبُرْهَانِ
حَقًّا حُكِمَ لَهُ بِهِ اه.
لَكِنْ قَوْلُهُمْ الْمَجْهُولَةُ شَرَائِطُهُ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَوْ عُلِمَتْ وَلَوْ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَعْهُودِ مِنْ حَالِهِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ تَصَرُّفِ الْقُوَّامِ لَا يُرْجَعُ إلَى مَا فِي سِجِلِّ الْقُضَاةِ، وَهَذَا عَكْسُ مَا فِي الْخَيْرِيَّةِ، فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ.
أَقُول: ثمَّ إِن المُرَاد من الشَّرَائِط والجهات كَمَا وَقع فِي عبارَة الاسعاف وأوضحه الرَّمْلِيّ أَن يَقُول: إنَّ قَدْرًا مِنْ الْغَلَّةِ لِكَذَا ثُمَّ يُصْرَفُ الْفَاضِل إِلَى كَذَا بعد بَيَان الْجِهَة، وَلَيْسَ معنى الشُّرُوط أَن يبين الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لانه لَا بُد مِنْهُ فِي إِثْبَات أصل الْوُقُوف كَمَا تقدم آنِفا.
قَالَ الرَّمْلِيّ: وَالْمرَاد بِأَصْل الْوَقْف أَن هَذِه الضَّيْعَة وقف على كَذَا، فبيان الْمصرف دَاخل فِي أصل الْوَقْف.
أما الشَّرَائِط فَلَا يحل فِيهَا الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ، وَهُوَ معنى قَوْله فِي فتح الْقَدِير: وَلَيْسَ فِي معنى الشُّرُوط أَن يبين الْمَوْقُوف عَلَيْهِ اه.
وَيَأْتِي تَمام الْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْبَحْر: ومسأل الشَّهَادَة بِالْوَقْفِ أصلا وشروطا لم تذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَأَنَّهَا قاسها الْمَشَايِخ على الْمَوْت.
وَقد اخْتلف فِيهَا الْمَشَايِخ: بَعضهم قَالَ يحل وَبَعْضهمْ قَالَ لَا يحل، وَبَعْضهمْ فصل كَمَا سبق، وَلَكِن نقل الشلبي عَن شرح الْمجمع للْمُصَنف فِي كتاب الْوَقْف أَن قبُول الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ فِي أصل الْوَقْف قَول مُحَمَّد، وَبِه أَخذ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث وَهُوَ الْمُخْتَار اه.
قَوْله: (فِي بَابه) أَي بَاب الْوَقْف فِي فصل يُرَاعى شَرط الْوَاقِف، وَتقدم هُنَاكَ تَحْقِيقه فِي الْحَاشِيَة، فَرَاجعه.
قَوْله: (هُوَ كل مَا تعلق بِهِ صِحَّته) كَأَن يكون مُنجزا مُسلما مجعولا آخِره لجِهَة لَا تَنْقَطِع وَنَحْو ذَلِك مِمَّا ذكر فِي شُرُوط صِحَّته.
قَالَ المُصَنّف فِي الْوَقْف: وَبَيَان الْمصرف من أَصله: أَي لتوقف صِحَة الْوَقْف عَلَيْهِ: أَي فَتقبل شَهَادَة على الْمصرف بِالتَّسَامُعِ كَأَصْلِهِ، وَكَوْنُهُ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى مَسْجِدِ كَذَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ، بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ صَرْفِ غَلَّتِهِ لِزَيْدٍ أَوْ لِلذُّرِّيَّةِ فَهُوَ مِنْ الشَّرَائِطِ لَا من الاصل.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد: وَلَعَلَّه هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِاشْتِرَاطِ التَّصْرِيحِ فِي الْوَقْفِ بِذِكْرِ جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَتَقَدَّمَ تَرْجِيحُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّصْرِيحِ بِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ لَازِمٍ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْأَوْلَى لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا فِي الْإِسْعَافِ
وَالْخَانِيَّةِ: لَا تجوز الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّرَائِطِ وَالْجِهَاتِ بِالتَّسَامُعِ اه.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجِهَاتِ هِيَ بَيَانُ الْمَصَارِفِ، فَقَدْ سَاوَى بَينهمَا وَبَيْنَ الشَّرَائِطِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا الْجِهَاتُ الَّتِي لَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَيْهَا.
стр. 512
وَفِي التاترخانية: وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بالاستفاضة من غير الدَّعْوَى، وَتقبل الشَّهَادَة الْوَقْف وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنُوا وَجْهًا وَيَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ اه.
وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَلَو ذكر الْوَاقِفَ لَا الْمَصْرِفَ تُقْبَلُ لَوْ قَدِيمًا وَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ اه.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ لُزُومِهِ فِي الشَّهَادَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ بَيَانُ الْمَصْرِفِ مِنْ أَصْلِهِ، فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ كَمَا سَمِعْت نَقْلَهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْإِسْعَافِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إذَا كَانَ الْمَصْرِفُ جِهَةَ مَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، أَمَّا لَوْ كَانَ لِلْفُقَرَاءِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ بِالتَّسَامُعِ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ على مُجَرّد الْوَقْف، فَإِن ثَبَتَ الْوَقْفُ بِالتَّسَامُعِ يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ بِدُونِ ذكرهم كَمَا علم من عبارَة التاترخانية والفصولين.
وَقد ذكر الْخَيْر الرَّمْلِيّ تَوْفِيقًا آخَرَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبَيْنَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْإِسْعَافِ وَالْخَانِيَّةِ، بِحَمْلِ جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ ثَابِتًا عَلَى جِهَةٍ، بِأَنْ اُدُّعِيَ عَلَى ذِي يَدٍ يَتَصَرَّفُ بِالْمِلْكِ بِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ كَذَا فَشَهِدُوا بِالسَّمَاعِ لِلضَّرُورَةِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، لِأَنَّ أَصْلَ جَوَازِ الشَّهَادَةِ فِيهِ بِالسَّمَاعِ لِلضَّرُورَةِ وَالْحُكْمُ يَدُور مَعَ علته وَجَازَت إِذا قَدَّمَ.
قَالَ: وَقَدْ رَأَيْت شَيْخَنَا الْحَانُوتِيَّ أَجَابَ بذلك اه مُلَخصا.
قَوْله: (وَإِلَّا) أَي وَإِلَّا تتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَّته كذكر الْجِهَات من إِمَام ومؤذن أَو تأبيد، فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِيهِ فِي رِوَايَة عَن الثَّانِي، وَعَلَيْهَا الافتاء كَمَا تقدم آنِفا.
قَوْله: (بذلك) أَي بِالتَّسَامُعِ، وَإِنَّمَا جَازَت الشَّهَادَة فِي هَذِه الْمَوَاضِع مَعَ عدم المعاينة إِذا أخبرهُ بهَا من يَثِق بِهِ اسْتِحْسَانًا دفعا للْحَرج وتعطيل الاحكام إِذْ لَا يحضرها إِلَّا الْخَواص، فَالنِّكَاح لَا يحضرهُ كل أحد، وَالدُّخُول لَا يقف عَلَيْهِ أحد، وَكَذَا الْمَوْت لَا يعاينه كل أحد وَسبب النّسَب الْولادَة وَلَا يحضرها إِلَّا الْقَابِلَة.
وَسبب الْقَضَاء التَّقْلِيد وَلَا يعاين ذَلِك إِلَّا الْوَزير وَنَحْوه من الْخَواص، وَكَذَا الْوَقْف تتَعَلَّق بِهِ، وَكَذَا بِمَا مر أَحْكَام تبقى على مر الدهور، فَلَو لم يقبل فِيهَا التسامع أدّى إِلَى الْحَرج وتعطيل الاحكام.
وَتَمَامه فِي الْحَمَوِيّ
ط.
قَوْله: (مَنْ يَثِقُ الشَّاهِدُ بِهِ مِنْ خَبَرِ جَمَاعَةٍ) قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: الشَّهَادَة بالشهرة فِي النّسَب وَغَيره بطرِيق الشُّهْرَة الْحَقِيقِيَّة أَو الْحكمِيَّة.
فالحقيقية أَن يشْتَهر وَيسمع من قوم كثيرين لَا يتَصَوَّر تواطؤهم على الْكَذِب، وَلَا يشْتَرط فِي هَذَا الْعَدَالَة بل يشْتَرط التَّوَاتُر.
والحكمية أَن يشْهد عِنْده عَدْلَانِ من الرِّجَال أَو رجل وَامْرَأَتَانِ بِلَفْظ الشَّهَادَة، لَكِن الشُّهْرَة فِي الثَّلَاثَة الاول: يَعْنِي النّسَب وَالنِّكَاح وَالْقَضَاء لَا تثبت إِلَّا بِخَبَر جمَاعَة لَا يتَوَهَّم تواطؤهم على الْكَذِب أَو خبر عَدْلَيْنِ بِلَفْظ الشَّهَادَة وَفِي بَاب الْمَوْت بِخَبَر الْعدْل الْوَاحِد وَإِن لم يكن بِلَفْظ الشَّهَادَة.
كَذَا فِي بَاب النّسَب من شَهَادَات خُوَاهَر زَاده وَكَذَا ذكر عَدَالَة الْمخبر فِي الْمَوْت صَاحب الْمُخْتَصر.
شرنبلالية.
وَفِي الزَّيْلَعِيّ: وَلَا يشْتَرط فِي الْمَوْت لفظ الشَّهَادَة لانه لَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد فَكَذَا لفظ الشَّهَادَة.
وَفِي شَهَادَة الْوَاحِد بِخَبَر الْمَوْت قَولَانِ مصححان.
وَوجه الْقبُول أَن الْمَوْت قد يتَّفق فِي مَوضِع لَا يكون فِيهِ إِلَّا وَاحِد، فَلَو قُلْنَا إِنَّه لَا تسمع الشَّهَادَة إِلَّا بِعَدَد لضاعت الْحُقُوق ط.
قَوْله: (لَا يتَصَوَّر تواطؤهم على الْكَذِب) هَذَا هُوَ الْمُتَوَاتر عِنْد الاصوليين، فَإِنَّهُ كَمَا فِي الْمنَار: الَّذِي رَوَاهُ قوم لَا يُحْصى عَددهمْ وَلَا يتَوَهَّم تواطؤهم على الْكَذِب.
قَالَ شَارِحه: وَلَا يشْتَرط فِي التَّوَاتُر عدد معِين خلافًا للْبَعْض.
قَوْله: (بِلَا شَرط عَدَالَة) أَي لَا يشْتَرط الْعَدَالَة والاسلام فِي المخبرين حَتَّى لَو أخبر جمع غير مَحْصُورين من
стр. 513
كفار بَلْدَة بِمَوْت ملكهم حصل لنا الْيَقِين كَمَا فِي شرح الْمنَار.
قَوْله: (أَو شَهَادَة عَدْلَيْنِ) بِالْجَرِّ عطف على خبر جاعة: يَعْنِي وَمَنْ فِي حُكْمِهِمَا وَهُوَ عَدْلٌ وَعَدْلَتَانِ كَمَا فِي الْمُلْتَقى: يَعْنِي أَن الشُّهْرَة لَهَا طَرِيقَانِ: حَقِيقِيّ وَهُوَ بالمتواتر، وحكمي وَهُوَ مَا كَانَ بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ، فقد ذكر ظهير الدّين أَن الاشتهار بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ بِلَفْظ الشَّهَادَة بِدُونِ اشتهار وَيَقَع فِي قلبه أَن الامر كَذَلِك، وَقد تقدم عَن الصُّغْرَى.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي الْمَوْتِ) قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: شهد أَن أَبَاهُ مَاتَ وَتَركه مِيرَاثًا لَهُ إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا الْمَوْتَ لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمِلْكٍ لِلْمَيِّتِ بِسَمَاعٍ فَلم تجز اه.
قَوْله: (فَيَكْفِي الْعدْل) أَي بِالنِّسْبَةِ للشَّهَادَة.
وَأما الْقَضَاء فَلَا بُد فِيهِ من شَهَادَة اثْنَيْنِ، لقَولهم: وَفِي الْمَوْت مَسْأَلَة عَجِيبَة، هِيَ إِذا لم يعاين الْمَوْت إِلَّا وَاحِد، وَلَو شهد عِنْد القَاضِي لَا يقْضِي بِشَهَادَتِهِ وَحده مَاذَا يصنع؟ قَالُوا: يخبر
بذلك عدلا مثله، وَإِذا سمع مِنْهُ حل لَهُ أَن يشْهد على مَوته فَيشْهد هُوَ مَعَ ذَلِك الشَّاهِد فَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا اه.
وَلَا بُد أَن يذكر ذَلِك الْمخبر أَنه شهد مَوته أَو جنَازَته وَدَفنه حَتَّى يشْهد الآخر مَعَه كَمَا قدمْنَاهُ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَة: وَلَا يشْتَرط أَن يتَلَفَّظ الْمخبر بِالْمَوْتِ بِلَفْظ الشَّهَادَة عِنْد من يشْهد.
أما الَّذِي يشْهد عِنْد القَاضِي يتَلَفَّظ الشَّهَادَة.
وَأما الْفُصُول الثَّلَاثَة الَّتِي يشْتَرط فِيهَا شَهَادَة العدلين يَنْبَغِي أَن يشْهد عِنْده بِلَفْظ الشَّهَادَة.
قَالَ أستاذنا ظهير الدّين فِي الاقضية: وَهَذَا اخْتِيَار الصَّدْر الامام الشَّهِيد برهَان الائمة.
وَفِي مُخْتَصر الْقَدُورِيّ: إِنَّمَا تجوز الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ إِذا أخبرهُ من يَثِق بِهِ، فَهَذَا يدل على أَن لفظ الشَّهَادَة لَيْسَ بِشَرْط اه.
وَفِي شرح ابْن الشّحْنَة: وَالْجَوَاب فِي الْقَضَاء وَالنِّكَاح نَظِير الْجَواب فِي النّسَب، فقد فرقوا جَمِيعًا بَين الْمَوْت والاشياء الثَّلَاثَة فاكتفوا بِخَبَر الْوَاحِد فِي الْمَوْت دونهَا.
وَالْفرق أَن الْمَوْت قد يتَّفق فِي مَوضِع لَا يكون فِيهِ إِلَّا وَاحِد، بِخِلَاف الثَّلَاثَة لَان الْغَالِب كَونهَا بَين جمَاعَة.
وَمن الْمَشَايِخ من لم يفرق.
وَتَمَامه فِيهِ.
وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَالصَّحِيح أَن الْمَوْت كَنِكَاح وَغَيره لَا يَكْتَفِي فِيهِ بِشَهَادَة الْوَاحِد، وَمن الْمَشَايِخ من قَالَ لَا فرق بَين الْمَوْت وَالثَّلَاثَة، وَإِنَّمَا اخْتلف الْجَواب لاخْتِلَاف الْمَوْضُوع، مَوْضُوع مَسْأَلَة الْمَوْت إِذا أخبرهُ وَاحِد عدل وَلم يذكر الْعدْل فِي الثَّلَاثَة، فَلَو كَانَ الْمخبر فِي الثَّلَاثَة عدلا أَيْضا حل لَهُم أَن يشْهدُوا، ثمَّ فِي الثَّلَاثَة إِذا ثَبت الشُّهْرَة عِنْدهَا بِخَبَر عَدْلَيْنِ يجب الاخبار بِلَفْظ الشَّهَادَة، وَفِي الْمَوْت لما ثَبت بِخَبَر الْوَاحِد بالاجماع لَا يجب بل يَكْتَفِي بِمُجَرَّد الاخبار.
قَوْله: (وَلَو أُنْثَى) قَالَ الْعَلامَة عبد الْبر: إِنَّهَا تجوز إِذا سمع من مَحْدُود فِي قذف أَو النسوان أَو العبيد إِذا كَانَ الصدْق ظَاهرا، وَلَا يجوز من الصّبيان إِلَّا إِذا كَانَ مُمَيّزا كَلَامه مُعْتَبر اه.
قَوْله: (وَهُوَ الْمُخْتَار) لانه قد يتَحَقَّق فِي مَوضِع لَيْسَ فِيهِ إِلَّا وَاحِدَة.
بِخِلَاف غَيره.
عَيْني.
قَوْله: (وَقَيده شَارِح الْوَهْبَانِيَّة) عبد الْبر نقلا عَن السّير الْكَبِير.
قَوْله: (كوارث وموصى لَهُ) كَمَا قدمْنَاهُ.
قَوْله: (وَمن فِي يَده شئ) نَقْدا كَانَ أَو عرضا أَو عقارا، وَقد تقدم أَن هَذِه تَمام الْعشْرَة، لَكِن فِي عدهَا من الْعشْرَة نظر.
ذكره فِي الْبَحْر وَالْفَتْح، وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبا
إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (سوى رَقِيق) يعم العَبْد والامة.
قَوْلُهُ: (عُلِمَ رِقُّهُ) صَوَابُهُ لَمْ يُعْلَمْ رِقُّهُ كَمَا
стр. 514
هُوَ ظَاهر لمن تَأمل.
مدنِي.
قَالَ ط: إِلَّا وَجه لهَذِهِ الْجُمْلَة، وَالَّذِي أوقعه: أَي الشَّارِح فِي ذكرهَا عبارَة الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَنَصهَا: قَوْله سوى الرَّقِيق الْمعبر: يَعْنِي إِذا لم يعرف أَنه رَقِيق لَا يشْهد بِهِ بمعاينة الْيَد، وَفِي غير الْمعبر شهد برقه اه: أَي بمعاينة الْيَد، وَمرَاده أَن الَّذِي يعبر عَن نَفسه لَا يشْهد برقه بمعاينة الْيَد إِلَّا إِذا علم رقّه لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنى لم يفده الْمُؤلف، فَلَو قَالَ سوى رَقِيق يعبر عَن نَفسه وَلم يعلم رقّه ثمَّ يَأْتِي بمفومه لاصاب.
فَالْحَاصِل: أَن الْمَعْنى فِيهِ أَنه لَا يجوز لَهُ أَن يشْهد فِي رَقِيق لم يعلم رقّه ويعبر عَن نَفسه إِذا رَآهُ فِي يَد غَيره أَنه ملكه، لَان للرقيق يدا على نَفسه تدفع يَد الْغَيْر عَنهُ فانعدم دَلِيل الْملك، حَتَّى إِذا ادّعى أَنه حر الاصل كَانَ القَوْل قَوْله، وَلَا يُمكن أَن يعْتَبر فِيهِ التَّصَرُّف وَهُوَ الِاسْتِخْدَام، لَان الْحر يستخدم طَائِعا كَالْعَبْدِ، إِلَّا إِذا علم رقّه أَو كَانَ صَغِيرا لَا يعبر عَن نَفسه فَإِنَّهُ كالمتاع لَا يَد لَهُ، فَلهُ أَن يشْهد فِيهِ لذِي الْيَد أَنه ملكه، وَهَذَا هُوَ المُرَاد كَمَا يظْهر من عبارَة الْبَحْر وَغَيرهَا، لَكِن الَّذِي أوقع الشَّارِح مَا نَقَلْنَاهُ.
قَوْله: (ويعبر عَن نَفسه) أَي سَوَاء كَانَ بَالغا أَو غير بَالغ وَهَذَا تَفْسِير للكبير الْوَاقِع فِي عبارتهم سَوَاء كَانَ ذكرا أَو أُنْثَى كَمَا فِي النِّهَايَة.
وَالْوَجْه فِيهِ أَن لَهما: أَي العَبْد والامة الكبيرين يدا على أَنفسهمَا تدفع يَد الْغَيْر عَنْهُمَا فانعدم دَلِيل الْملك، حَتَّى لَو ادّعَيَا الْحُرِّيَّة الاصلية يكون القَوْل قَوْلهمَا.
وَعَن أبي حنيفَة أَنه يحل لَهُ أَن يشْهد فيهمَا أَيْضا اعْتِبَارا بالثياب، وَالْفرق مَا بَيناهُ، وَإِن كَانَا صغيرين لَا يعبران عَن أَنفسهمَا كالمتاع لَا يَد لَهما فَلهُ أَن يَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخبرهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ لغيره كَمَا فِي الْبَحْر.
قَوْله: (فلك أَن تشهد بِهِ) أخرج المُصَنّف عَن مُرَاده وَإِن كَانَ الحكم ظَاهرا، وَإِنَّمَا جَازَت الشَّهَادَة بالشئ لواضع الْيَد لَان الْيَد أقْصَى مَا يسْتَدلّ بِهِ على الْملك إِذْ هِيَ مرجع الدّلَالَة فِي الاسباب كلهَا فكيتفي بهَا.
صورته رجل رأى عينا فِي يَد إِنْسَان ثمَّ رأى تِلْكَ الْعين فِي يَد آخر والاول يَدعِي الْملك يَسعهُ أَن يشْهد أَنَّهَا للْمُدَّعِي ط.
قَوْله: (أَنه لَهُ) أَي لمن فِي يَده بِلَا مُنَازع.
قَوْله: (إِن وَقع فِي قَلْبك ذَلِك) أَي
إِذا شهد بذلك قبلك وَصدقه، وَأسْندَ هَذَا الْقَيْد فِي الظَّهِيرِيَّة إِلَى الصاحبين.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَعَن أبي يُوسُف أَنه يشْتَرط مَعَ ذَلِك أَن يَقع فِي قلبه أَنه قَالُوا لَهُ: يَعْنِي الْمَشَايِخ، وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا تَفْسِيرا لاطلاق مُحَمَّد فِي الرِّوَايَة.
قَالَ فِي فتح الْقَدِير: قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد: وَبِه نَأْخُذ، فَهُوَ قَوْلهم جَمِيعًا اه.
قَالَ الرَّازِيّ: هَذَا قَوْلهم جَمِيعًا إِذْ الاصل فِي حل الشَّهَادَة الْيَقِين، فَعِنْدَ تعذره يُصَار إِلَى مَا يشْهد لَهُ الْقلب، لَان كَون الْيَد مسوغا بِسَبَب إفادتها ظن الْملك، فَإِذا لم يَقع فِي الْقلب ذَلِك الظَّن لم يفد مُجَرّد الْيَد، وَلِهَذَا قَالُوا: إذَا رَأَى إنْسَانٌ دُرَّةً ثَمِينَةً فِي يَدِ كَنَاسٍ أَوْ كِتَابًا فِي يَدِ جَاهِلٍ لَيْسَ فِي آبَائِهِ من هُوَ أهل لَهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ لَهُ، فَعُرِفَ أَن مُجَرّد الْيَد لَا يَكْفِي.
شرنبلالية.
وَيشْتَرط أَن لَا يُخبرهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهَا لغيره، فَلَو أخبرهُ لم تجز الشَّهَادَة بِالْملكِ خُلَاصَة، بِخِلَاف مَا إِذا شهد بِهِ عدل وَاحِد، لَان شَهَادَة الْوَاحِد لَا تزيل مَا كَانَ فِي قَلْبك أَنه للاول، فَلَا يحل لَك أَن تمْتَنع عَن الشَّهَادَة إِلَّا أَن يَقع فِي قَلْبك أَن هَذَا الْوَاحِد صَادِق، فَحِينَئِذٍ لَا يحل لَك أَن تشهد أَنه للاول اه.
شلبي.
فِي الْحَاشِيَة عَن الْخَانِية: وكما جَازَ لَهُ أَن يشْهد أَنه ملك بِوَضْع الْيَد جَازَ لَهُ شِرَاؤُهُ إِن لم يكن رَآهُ قبله فِي يَد غَيره، فَإِن كَانَ وَأخْبرهُ بانتقال الْملك إِلَيْهِ أَو بِالْوكَالَةِ مِنْهُ حل الشِّرَاء، وَإِلَّا لَا، كَمَا إِذا رأى جَارِيَة فِي يَد إِنْسَان ثمَّ رَآهَا فِي بَلْدَة أُخْرَى وَقَالَت أَنا حرَّة الاصل لَا يحل لَهُ أَن ينْكِحهَا اه.
وَأفَاد المُصَنّف بعبارته أَنه
стр. 515
عاين الْيَد وواضعا ليد، فَلَو لم يعاينهما وَإِنَّمَا سمع أَن لفُلَان كَذَا فَلَا يجوز لَهُ الشَّهَادَة لانه مجازفة، كَمَا لَو عاين الْمَالِك لَا الْملك لانه لم يحصل لَهُ الْعلم بالمحدود.
تَنْبِيه: نقل الصَّدْر حسام الدّين فِي شرح أدب القَاضِي أَنه إِن عاين الْملك دون الْمَالِك، بِأَن عاين محدودا ينْسب إِلَى فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ وَهُوَ لم يعاينه بِوَجْهِهِ وَلَا يعرفهُ بِنَفسِهِ الْقيَاس أَن لَا تحل.
وَفِي الِاسْتِحْسَان: تحل لَان النّسَب مِمَّا يثبت بِالتَّسَامُعِ والشهرة فَيصير الْمَالِك مَعْرُوفا بِالتَّسَامُعِ وَالْملك مَعْرُوف فترتفع الْجَهَالَة، وَكَذَا إِذا أدْرك الْملك وَلم يعاين الْملك، وَالْمَالِك امْرَأَة لَا يَرَاهَا الرِّجَال وَلَا تخرج، فَإِن كَانَ ذَلِك مَشْهُورا عِنْد الْعَوام وَالنَّاس فالشهادة على ذَلِك جَائِزَة، يُرِيد بِهِ إِذا عاين الْملك وَوَقع فِي قلبه أَن الامر كَمَا اشْتهر، وَهَذَا قَاصِر على هَذِه الصُّورَة.
ذكره عبد الْبر.
وَلم يسمع مثل هَذَا لضاعت
حُقُوق النَّاس لَان فيهم المحجوب وَلَا يبرز أصلا وَلَا يتَصَوَّر أَن يرَاهُ متصرفا فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا إِثْبَات الْملك بِالتَّسَامُعِ وَإِنَّمَا هُوَ إِثْبَات النّسَب بِالتَّسَامُعِ وَفِي ضمنه إِثْبَات الْملك بِهِ وَهُوَ لَا يمْتَنع إثْبَاته قصدا.
عَيْني تبعا للزيلعي.
وَعَزاهُ فِي الْبَحْر إِلَى النِّهَايَة، وَهَذَا هُوَ النَّص، وَقد بحث فِيهِ الْكَمَال بِأَن مُجَرّد ثُبُوت نسبه بِالشَّهَادَةِ عِنْد القَاضِي لم يُوجب ثبوب ملكه لتِلْك الضَّيْعَة لَوْلَا الشَّهَادَة بِهِ، وَكَذَا الْمَقْصُود لَيْسَ إِثْبَات النّسَب بل الْملك فِي الضَّيْعَة اه.
وَفِي الْبَزَّازِيَّة: شهد أَن فلَان بن فلَان مَاتَ وَترك هَذِه الدَّار مِيرَاثا وَلم يدركا الْمَيِّت فشهادتهما بَاطِلَة، لانهما شَهدا بِملك لم يعاينا سَببه وَلَا رآياه فِي يَد الْمُدَّعِي، وَلَو شهد دَابَّة تتبع دَابَّة وترضع مِنْهَا لَهُ أَن يشْهد بِالْملكِ والنتاج اه ط.
وَفِي الْبَحْر: وَلَو رَآهُ على حمَار يَوْمًا لم يشْهد أَنه لَهُ لاحْتِمَال أَنه رَكبه بالعارية، وَلَو رَآهُ على حمَار خمسين يَوْمًا أَو أَكثر وَوَقع فِي قلبه أَنه لَو وَسعه أَن يشْهد أَنه لَهُ، لَان الظَّاهِر أَن الانسان لَا يركب دَابَّة مُدَّة كَثْرَة إِلَّا الْملك اه.
قَوْله: (أَي إِذا ادَّعَاهُ الْمَالِك) أَشَارَ بِهِ إلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الزَّيْلَعِيِّ مُتَابعًا لصَاحب الْبَحْر.
وَقد ذكره مجيبا بِهِ عَن التَّنَافِي الْوَاقِع بَين قَول من قَالَ إِنَّه يقْضِي بمعاينة وضع الْيَد كَمَا فِي الْخُلَاصَة وَالْبَزَّازِيَّة، وَبَين قَول الشَّارِح أَن القَاضِي لَا يجوز لَهُ أَن يحكم بِسَمَاع نَفسه وَلَو تَوَاتر عِنْده وَلَا بِرُؤْيَة نَفسه فِي يَد إِنْسَان، فَحمل صَاحب الْبَحْر كَلَام الاولين على مَا إِذا حصلت دَعْوَى وَكَلَام الشَّارِح على مَا إِذا لم تحصل دَعْوَى.
ورده الْمَقْدِسِي وَحمل كَلَام الشَّارِح على أَن القَاضِي لَا يقْضِي قَضَاء محكما مبرما، بِحَيْثُ لَو ادّعى الْخصم لَا يقبل مِنْهُ، فَلَا يُنَافِي أَنه يقْضِي قَضَاء ترك، بِمَعْنى أَنه يتْرك فِي يَد ذِي الْيَد مَا دَامَ خَصمه لَا حجَّة لَهُ، وَقد صرح بذلك الشَّارِح أول كَلَامه.
وَأما حمله على مَا إِذا لم تحصل دَعْوَى فَغير صَحِيح، لَان الْقَضَاء بِغَيْر دَعْوَى لَا يَقع أصلا فَلَا يتَوَهَّم إِرَادَته.
قَالَ السَّيِّد أَبُو السُّعُود: وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكَلُّف لَان الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا، فَمَا فِي الزَّيْلَعِيّ يبتنى على قَول الْمُتَأَخِّرين من أَن القَاضِي لَيْسَ لَهُ أَن يقْضِي بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الْمُفْتى بِهِ.
وَمَا فِي الْخُلَاصَة وَالْبَزَّازِيَّة يبتنى على مُقَابِله.
قَالَ فِي الْحَوَاشِي السعدية: وَلَا يتَوَهَّم الْمُخَالفَة بَين مَا ذكر الزَّيْلَعِيّ وَمَا فِي النِّهَايَة، فَإِن مَا فِي شرح الْكَنْز هُوَ مَا إِذا رأى القَاضِي قبل حَال الْقَضَاء ثمَّ رأى حَال قَضَائِهِ فِي يَد
غَيره كَمَا لَا يخفى اه.
قَوْله: (وَإِن فسر الشَّاهِد الخ) أَي فِيمَا يشْهد فِيهِ بِالتَّسَامُعِ.
وَقَالُوا: يَنْبَغِي
стр. 516
للشَّاهِد بِهِ أَن يُطلق الشَّهَادَة وَلَا يُفَسِّرهَا.
حموي.
قَوْله: (بِالتَّسَامُعِ أَو بمعاينة الْيَد) أَي بِأَن يَقُول أشهد لِأَنِّي رَأَيْتُهُ فِي يَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْملاك وَالشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ كَمَا يذكرهَا الشَّارِح أَن يَقُول الشَّاهِد أشهد بِالتَّسَامُعِ.
قَوْله: (إِلَّا فِي الْوَقْف) لما تقدم من أَنَّهُ يُفْتِي بِكُلِّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، كَمَا أَشَارَ إلَى وَجهه فِي الدُّرَر بقوله: حفظا للاوقاف الْقَدِيمَة عَن الِاسْتِهْلَاك.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ أَنَّهُ تُقْبَلُ وَإِنْ صَرَّحَا بِالتَّسَامُعِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ رُبَّمَا يَكُونُ سِنُّهُ عِشْرِينَ سَنَةً وَتَارِيخُ الْوَقْفِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَتَيَقَّنُ الْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ لَا بالعيان، فَإِذن لَا فَرْقَ بَيْنَ السُّكُوتِ وَالْإِفْصَاحِ أَشَارَ إلَيْهِ ظهير الدّين المرغياني، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فَإِنَّهُمَا إِذا صرحا بِهِ لَا تقبل اه: أَيْ بِخِلَافِ غَيْرِ الْوَقْفِ مِنْ الْخَمْسَةِ الْمَارَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ فِيهَا بِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّسَامُعِ فَيُفَرق بَيْنَ السُّكُوتِ وَالْإِفْصَاحِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَشَايِخَ رَجَّحُوا اسْتِثْنَاءَ الْوَقْفِ مِنْهَا لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ حِفْظُ الْأَوْقَافِ الْقَدِيمَةِ عَنْ الضَّيَاعِ، وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالتَّسَامُعِ فِيهِ لَا يزدْ على الافصاح بِهِ، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
قَوْله: (على الاصح) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُتُونِ مِنْ الشَّهَادَاتِ.
فَفِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ: وَلَا يَشْهَدُ بِمَا لَمْ يُعَايِنْ إلَّا النَّسَبَ وَالْمَوْتَ وَالنِّكَاحَ وَالدُّخُولَ وَوِلَايَةَ القَاضِي وأصل الْوَقْف، فَلهُ أَن يشْهد بهَا إِذْ أَخْبَرَهُ بِهَا مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَمَنْ فِي يَده شئ سوء الرَّقِيق لَك أَن تشهد أَنه لَهُ، وَإِن فسر للْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْيَدِ لَا تُقْبَلُ.
قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَإِنْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يشْهد بِالتَّسَامُعِ فِي مَوضِع يجوز بالتسمع أَوْ فَسَّرَ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ بِمُعَايَنَةِ الْيَد، يَعْنِي بِرُؤْيَة فِي يَدِهِ لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَزِيدُ عِلْمًا بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يحكم الخ، وَمثله فِي الزَّيْلَعِيّ.
مَبْسُوط.
وَفِي شَهَادَاتِ الْخَيْرِيَّةِ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَقْفِ بِالسَّمَاعِ فِيهَا خلاف، والمتون طاطبة قَدْ أَطْلَقَتْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إذَا فَسَّرَ أَنَّهُ يشْهد بِالسَّمَاعِ لَا تقبل، وَبِه صرح قاضيخان وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا اه.
وَمِثْلُهُ فِي فَتَاوَى
شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ أَفَنْدِي مُفْتِي الرُّومِ اه مُلَخصا من مَجْمُوعَة ملا عَليّ التركماني.
أَقُول: وَلَا تنس مَا قدمْنَاهُ آنِفا من التَّصْحِيح فِي الْوَقْف حفظا لَهُ عَن الِاسْتِهْلَاك.
قَوْله: (بل فِي العزمية) أَي حَاشِيَة عزمي زَاده على الدُّرَر، وَنَقله المُصَنّف عَن الْخُلَاصَة وَالْبَزَّازِيَّة.
قَوْله: (معنى التَّفْسِير) أَي الَّذِي ترد بِهِ الشَّهَادَة فِي غير الْوَقْف وَالْمَوْت.
قَوْله: (وَلكنه اشْتهر عندنَا) أَفَادَ الْعَلامَة نوح فِي كتاب الْوَقْف أَن الشُّهْرَة للشئ بِكَوْنِهِ مَشْهُورا مَعْرُوفا اه.
وَهَذَا يَقْتَضِي شهرته عِنْد كل النَّاس أَو جلهم.
وَأما السماع من النَّاس الَّذِي وَقع فِي الْعبارَة الاولى لَا يُفِيد ذَلِك، لَان كَقَوْل الشَّاهِد أَنا أشهد بِالسَّمَاعِ، وَفَسرهُ فِي الدُّرَر بِأَن يَقُولُوا عِنْد القَاضِي نشْهد بِالتَّسَامُعِ.
وَفِي شَهَادَاتِ الْخَيْرِيَّةِ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَقْفِ بِالسَّمَاعِ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ بِهِ لِأَنِّي سَمِعْته مِنْ النَّاسِ أَوْ بِسَبَبِ أَنِّي سَمِعْته مِنْ النَّاس وَنَحْوه اه.
وَفسّر الشَّارِح الشُّهْرَة بِالسَّمَاعِ فَأفَاد أَنَّهُمَا شئ وَاحِد كَمَا نبه عَلَيْهِ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله
стр. 517
تَعَالَى.
وَفِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي: الشَّهَادَةُ بِالشُّهْرَةِ أَنْ يَدعِي الْمُتَوَلِي أَن هَذِه الضَّيْعَة وف عَلَى كَذَا مَشْهُورٌ وَيَشْهَدُ الشُّهُودُ بِذَلِكَ.
وَالشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ أَن يَقُول الشَّاهِد أشهد بِالتَّسَامُعِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَآلَ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَادَّة، فَافْهَم.
أَفَادَهُ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
قَوْله: (جَازَت فِي الْكُلِّ) أَيْ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ كَمَا فِي الْخَانِية.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد: أَقُولُ: بَقِيَ لَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّسَامُعِ، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْيَنَابِيعِ أَنَّهُ مِنْهُ اه.
وَعبارَة الْبَحْر: وَفِي الْيَنَابِيع: تَفْسِيره أَن يَقُول فِي النِّكَاح لم أحضر العقد، وَفِي غَيره أَخْبرنِي من أَثِق بِهِ أَو سَمِعت وَنَحْوه.
وَحَاصِل مَا يُقَال أَنه إِن أطلقا بِأَن يَقُولَا نشْهد على موت رجل فَإِنَّهُ يقبل، وَإِن قَالَا لَمْ نُعَايِنْ مَوْتَهُ وَإِنَّمَا سَمِعْنَا مِنْ النَّاس: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْتُهُ مَشْهُورًا فَلَا تُقْبَلُ بِلَا خلاف، وَإِن كَانَ مَشْهُور اذكر فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ تُقْبَلُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تقبل، وَبِه أَخذ الصَّدْر الشَّهِيد.
وَفِي الغياثية: هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ قَالَا نَشْهَدُ أَنَّهُ مَاتَ لانه أخبرنَا من شهد مَوته مِمَّن نثق بِهِ جَازَت.
وَقَالَ بَعضهم: لَا يجوز كَمَا فِي
الحامدية.
قَوْله: (وَصَححهُ شَارِح الْوَهْبَانِيَّة) أَي الْعَلامَة عبد الْبر فِي شَرحه عَلَيْهَا، وَقد نظم جَمِيع مَا تجوز بِهِ الشَّهَادَة بالشهرة والتسامع بقوله: وَقد جوزوها فِي النِّكَاح بسمعه وَإِن بَينا ردَّتْ وَتقبل أظهر كَذَا نسب ثمَّ الطَّرِيق سَمَاعه من الْجمع مَا كذب لَهُم يتَصَوَّر وأفتوا بِمَا قَالَا بعدلين يكْتَفى قَضَاء وَفِي موت كفى الْعدْل يخبر وَقيل لكل والمصحح أَن ذاكما مر والاخبار فِيهِ مُؤثر وَفِي غَيره فَالشَّرْط لفظ شَهَادَة بِهِ أَخذ الصَّدْر الشَّهِيد الْمصدر وَإِن أطلقا سمعا وَنفى عيانه ترد إِذا مَا الْمَوْت لم يَك يشهر وَأطلق بعض (١) ردهَا ثمَّ صححو اقبولا إِذا قَالَ الموثق يخبر وَبَعض يقلبها بِالسَّمَاعِ بِمَوْت من غَدا غير مَشْهُور وَلَا بُد ينظر وَقد جوزوها فِي الدُّخُول ورجحوا جَوَاز الْمهْر ثمَّ فِي الْوَقْف يذكر خلاف شُيُوخ وَالصَّحِيح جَوَازهَا على الاصل دون الشَّرْط فِيمَا يحرر وجوزها الثَّانِي أخيرا على الولا وَفِي الْعتْق بعض قَالَ وَالْبَعْض يُنكر وَفِي الْملك محدودا ويعزى لمَالِك وَلم يدر عينا إِذْ الامر أشهر ويعزى إِلَى الْخصاف فِي ذَا جَوَازهَا وَمن دائن والخصم حَيّ وموسر فضمير بَينا لشاهدي التسامع أَي بَينا أَن شَهَادَتهمَا بِالتَّسَامُعِ ردَّتْ: أَي الشَّهَادَة وَضمير تقبل أَيْضا لَهَا، وَقَوْلِي أظهر إِشَارَة إِلَى تَصْحِيح الْقبُول، وَضمير سَمَاعه لمن يشْهد، وَضمير أفتوا للمشايخ، وَضمير قَالَا للصاحبين، وَالْمرَاد بِكُل كل الْمسَائِل الْمُتَقَدّمَة، والاشارة بذا إِلَى الْمَوْت كَمَا مر فِي أَنه لَا بُد * (عامش) * (١)
قَوْله: (وَأطلق بعض إِلَخ) هَكَذَا بالاصل وَلَعَلَّه وَأطلق بعض ردهَا ثمَّ صححوا، وَقَوله وَبَعض يقبلهَا هَكَذَا بالاصل أَيْضا وَهُوَ غير مُسْتَقِيم الْوَزْن فاليحرر
стр. 518
من إِخْبَار عَدْلَيْنِ، وَضمير فِيهِ للْمَوْت وَترد للشَّهَادَة، وَضمير قَالَ للشَّاهِد، وَالله تَعَالَى أعلم.
قَالَ فِي الْقنية بعد أَن رقم لنجم الائمة البُخَارِيّ وَالْقَاضِي البديع: تقبل شَهَادَة الْمَدْيُون لرب الدّين.
وَفِي الْمُحِيط: وَلَا تقبل شَهَادَة رب الدّين لمديونه إِذا كَانَ مُفلسًا.
وشمس الائمة الْحلْوانِي ووالد صَاحب الْمُحِيط قَالَ: تقبل وَإِن كَانَ مُفلسًا.
وَفِي شرح الْجَامِع للعتابي: لَا تقبل بعد الْمَوْت لتَعلق حَقه بِالتَّرِكَةِ، وَكَذَا الْمُوصى لَهُ بِأَلف مُرْسلَة أَو شئ بِعَيْنِه لانه يزْدَاد بِهِ مَحل الْوَصِيَّة أَو سَلامَة عينه، ثمَّ رمز لقاضيخان وَقَالَ: إِنَّه يجوز شَهَادَته للحي دون الْمَيِّت، هَذَا خُلَاصَة مَا فِي الْقنية، وَقد ذكر فِيهَا فِي مَوضِع بعد أَن رقم لبرهان الدّين صَاحب الْمُحِيط: ادّعى الْكَفِيل عَلَيْهَا الْكفَالَة فأنكرت تقبل شَهَادَة البَائِع بكفالتها كرب الدّين إِذا شهد لمديونه.
وَحَاصِله الْقبُول إِذا كَانَ مُوسِرًا حَيا.
وَالْقَوْلَان فِي الْمُفلس وَعدم الْقبُول بعد الْمَوْت قولا وَاحِدًا لتَعلق حَقه بِالتَّرِكَةِ كالموصى لَهُ، لَكِن رَأَيْت فِي جَامع الْفَتَاوَى لحافظ الدّين البزازي تَقْيِيد الْجَوَاز بِمَا إِذا شهد بِمَا سوى جنس حَقه، وَهَذَا لَا إِشْعَار للنظم بِهِ كَمَا لَا إِشْعَار بالاختلاف فِي صُورَة الْمُفلس، بل مَفْهُوم عدم الْقبُول فِي انعدام الْحَيَاة واليسار.
وَالله تَعَالَى أعلم اه.
نقل الطَّحْطَاوِيّ عَن الْحَمَوِيّ أَن مَنْ صَارَ خَصْمًا فِي حَادِثَةٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَته فِيهَا، وَمن كَانَ بعرضية أَن ينْتَصب خصما وَلم ينْتَصب تقبل، وَشَهَادَة أجِير الوحد لاستاذه لَا تجوز فِي تِجَارَته وَغَيرهَا وَإِن كَانَ عدلا وَإِن كَانَ أجِير مياومة أَو مشاهرة أَو مسانهة اسْتِحْسَانًا، وَلَو مَضَت الاجارة وَأعَاد شَهَادَته تقبل، بِخِلَاف الاجير الْمُشْتَرك حَيْثُ تقبل شَهَادَته لانه غير مَمْلُوك لَا رَقَبَة وَلَا مَنْفَعَة، وَتجوز شَهَادَة الدَّائِن لمديونه وَلَو مُفلسًا بِمَا هُوَ من جنس دينه، وَلَو شهد لمديونه بعد مَوته لم تقبل.
لَان الدّين لَا يتَعَلَّق بِمَال الْمَدْيُون حَال حَيَاته وَيتَعَلَّق بِهِ بعد وَفَاته، وَتقبل شَهَادَة الْمَدْيُون لدائنه اه.
وَالله تَعَالَى أعلم.
بَاب الْقبُول وَعَدَمه
لما فرغ (١) من بَيَان مَا تسمع فِيهِ الشَّهَادَة وَمَا لَا تسمع، وَقدم ذَلِك على هَذَا لانه مَحل وَالْمحل مَشْرُوط وَالشّرط مقدم على الْمَشْرُوط.
ثمَّ معنى الْقبُول لُغَة يُقَال: قبلت القَوْل حَملته: على الصدْق.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
قَوْله: (لصِحَّة الْفَاسِق) أَي لصِحَّة الْقَضَاء بِشَهَادَتِهِ: أَي وَقد ذكره مِمَّا لَا يقبل، وكما
يَصح الْقَضَاء بِشَهَادَتِهِ الْفَاسِق يَصح بِشَهَادَةِ الْأَعْمَى وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ وبشهادة أحد الزَّوْجَيْنِ مَعَ آخر لصَاحبه وبشهادة الْوَالِد لوَلَده وَعَكسه، حَتَّى لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي إبْطَالُهُ وَإِنْ رَأَى بُطْلَانه اه.
بَحر عَن خزانَة الْمُفْتِينَ.
أَقُول: لَعَلَّه مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ القَاضِي يرى ذَلِك، بِخِلَاف الْحَنَفِيّ بِقَرِينَة قَوْله حَتَّى لَا يجوز للثَّانِي الخ.
تَأمل.
وَاسْتظْهر الطَّحْطَاوِيّ. стр. 519
وَذكر فِي منية الْمُفْتِي فِي بحث الْقَضَاء فِي الْمُجْتَهد فِيهِ: قضى بِشَهَادَةِ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بذلك ثمَّ ظهر لَا ينفذ قَضَاؤُهُ، وَعَلِيهِ أَن يَأْخُذ المَال من المقضى لَهُ، وَكَذَا لَو علم أَنَّهُمَا عَبْدَانِ أَو كَافِرَانِ أَو أعيمان، وَقيل ينفذ فَإِنَّهُ ذكر: إِذا قضى بِشَهَادَة محدودين قد تابا ثمَّ عزل أَو مَاتَ وَرفع ذَلِك إِلَى قَاض آخر لَا يرَاهُ أمضى الْقَضَاء الاول اه.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد: أَقُول: وَسَيذكر الشَّارِح: أَي صَاحب الْبَحْر نَفاذ الْقَضَاء بِشَهَادَة الْعَدو على عدوه وَهل يُقَال مثل ذَلِك فِي شَهَادَة الاجير الْخَاص؟ صَارَت وَاقعَة الْفَتْوَى وَلم أرها، لَان الْعلَّة التُّهْمَة لَا الْفسق على مَا يحرره الْمُؤلف فِيمَا سَيَأْتِي فِي شَهَادَة الْعَدو، وَهَذِه مثلهَا.
قَوْله: (مثلا) أَشَارَ بِهِ إِلَى أحد الْقَوْلَيْنِ من نَفاذ الْقَضَاء بِشَهَادَة الاعمى أَو أحد الزَّوْجَيْنِ أَو الْوَالِد لوَلَده أَو عَكسه، فَالْمُرَاد من عدم الْقبُول عدم حلّه كَمَا فِي الْبَحْر.
وَفِيه أَنه لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي إبْطَالُهُ وَإِنْ رَأَى بُطْلَانَهُ فِي كل ذَلِك اه، وَهَذَا إِذا لم يُؤَيّد قَضَاءَهُ بأرجح الاقوال كَمَا مر.
قَوْله: (كَمَا حَقَّقَهُ المُصَنّف تبعا ليعقوب باشا) أَفَادَ عَنهُ أَن كل شَهَادَة يكون سَبَب ردهَا الْفسق إِذا قبلهَا يَصح كالمخنث والنائحة وَالْمُغني، وَمن يلْعَب بالطيور أَو الطنبور أَو يُغني للنَّاس، وَمن يظْهر سبّ السّلف وَمن ارْتكب مَا يحد لَهُ.
وَيصِح قبُول شَهَادَة الاعمى لقَوْل مَالك بقبولها مُطلقًا كالبصير، أما الْمَمْلُوك لَا يَصح قبُول شَهَادَته، وَكَذَا الْعَدو بِسَبَب الدُّنْيَا لانه لَيْسَ بمجتهد فِيهِ، وَكَذَا السَّيِّد لعَبْدِهِ ومكاتبه والاجير لما ذكر، وَكَذَا من يَبُول فِي الطَّرِيق أَو يَأْكُل فِيهِ لانه لم ينْقل فِيهِ خلاف حَتَّى يكون مُجْتَهدا فِيهِ، وَلم يصرحوا
بِكَوْنِهِ فسقا حَتَّى يدْخل فِي حكمه اه.
وَسَيَأْتِي تَحْقِيقه.
قَوْله: (تقبل من أهل الاهواء) أَي قَبُولًا عَامًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ الْمُرَادُ أَصْلُ الْقَبُولِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَهُمْ كُفَّارٌ كَمَا يَأْتِي قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى لِأَنَّ فِسْقَهُمْ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ، وَمَا أَوْقَعَهُمْ فِيهِ إلَّا التَّعَمُّقُ وَالْغُلُوُّ فِي الدِّينِ، وَالْفَاسِقُ إِنَّمَا ترد شَهَادَته لتهمة الْكَذِب، فصاروا كمن يشرب المثلث أَو يَأْكُل مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا مستبيحا لذَلِك من حَيْثُ التعاطي.
قَالَ فِي الْمغرب: أهل الاهواء من زاغ عَن طَريقَة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَكَانَ من أهل الْقبْلَة.
والاهواء جمع هوى مصدر هويته من بَاب تَعب، إِذا أحبه واشتهاه، ثمَّ يُسمى بِهِ المهوى والمشتهى مَحْمُودًا كَانَ أَو مذموما ثمَّ غلب فِي المذموم.
والهواء مَمْدُود: هُوَ المسخر بَين السَّمَاء والارض، وَالْجمع أهوية.
وَأهل الاهواء لَيْسُوا بطَائفَة بِعَينهَا، بل يُطلق على كل من خَالف السّنة بِتَأْوِيل فَاسد.
قَوْلُهُ: (لَا تُكَفِّرُ) فَمَنْ وَجَبَ إكْفَارُهُ مِنْهُمْ فَالْأَكْثَرُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ كَمَا فِي التَّقْرِيرِ.
وَفِي الْمُحِيط البرهاني: وَهُوَ الصَّحِيح، وَمَا ذكره فِي الْأَصْلِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ.
بَحْرٌ.
وَفِيهِ عَنْ السِّرَاجِ: وَأَنْ لَا يَكُونَ مَاجِنًا، وَيَكُونَ عَدْلًا فِي تَعَاطِيهِ، وَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْكُورًا فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَفِيه نظر، فَإِن الْعَدَالَة شرطت فِي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَمَا ظَنك فِي غَيرهم.
تَأمل.
وَفِي فتح الْقَدِير: قَالَ مُحَمَّد بِقبُول شَهَادَة الْخَوَارِج إِذا اعتقدوا وَلم يقاتلوا، فَإِذا قَاتلُوا ردَّتْ شَهَادَتهم لاظهار الْفسق بِالْفِعْلِ.
قَوْله: (كجبر) أَهله طَائِفَة نافون لقدرة العَبْد، والاولى حذف الْكَاف
стр. 520
وَيَقُول والهوى الْجَبْر الخ.
وَيكون بَيَانا لاهل الاهواء فِي ذاتهم لَا من تقبل شَهَادَته مِنْهُم.
قَوْله: (وَقدر) هم النافون للْقَضَاء وَالْقدر عَنهُ تَعَالَى، والقائلون إِن العَبْد يخلف أَفعَال نَفسه.
قَوْله: (ورفض) هم الملعونون اللاعنون الصهرين وَغَيرهمَا من الاخبار.
كَذَا فِي الْقُهسْتَانِيّ.
فهم من أهل الاهواء وَإِن لم تقبل شَهَادَتهم، بِخِلَاف من يفضلهما وعليا (١) على الشَّيْخَيْنِ.
قَوْله: (وَخُرُوج) هم المكفرون للختنين وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمُعَاوِيَة.
قَوْله: (وتشبيه) ذكر بدله الْقُهسْتَانِيّ المرجئة وهم النافون ضَرَر الذَّنب مَعَ
الايمان.
ثمَّ قَالَ بعد كل: من كفر مِنْهُم كالمجسمة والخوارج وغلاة الروافض والقائلين بِخلق الْقُرْآن لَا تقبل شَهَادَتهم على الْمُسلمين.
كَذَا فِي المشارع اه.
فعد هَؤُلَاءِ الْفرق لبَيَان أهل الاهواء فِي ذاتهم لَا لمن تقبل شَهَادَته مِنْهُم، وَيدل عَلَيْهِ مَا فِي الْبَحْر عَن النِّهَايَة أَن أصُول الْهوى سِتَّة وَذكر مَا ذكره الْمُؤلف.
قَوْله: (وتعطيل) هم الْقَائِلُونَ بخلو الذَّات عَن الصِّفَات.
قَوْله: (فصاروا اثْنَتَيْنِ وَسبعين) فرقة كلهم فِي النَّار، والفرقة الزَّائِدَة على هَذَا الْعدَد هِيَ النَّاجِية، وَهِي مَا كَانَت على مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه الْكِرَام، فَفِي الحَدِيث الشريف: وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة، قُلْنَا: من هِيَ يَا رَسُول الله، قَالَ: من كَانَ على مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي وَإِضَافَة الْفرْقَة النَّاجِية من النَّار وهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الحَدِيث الشريف إِلَى مَا ذكر تَكْمِلَة إِلَى الثَّلَاث وَالسبْعين فرقة.
ولنذكرها على طَرِيق الاجمال فَنَقُول: أَصْنَاف الْخَوَارِج اثْنَا عشر: الازرقية والاباحية والخازمية والتغلية والخلقية والكوزية والمكتوية والمعتزلة (٢) والميمونية والمجلية والاخنسية والمشراقية.
وأصناف الروافضة اثْنَا عشر أَيْضا: العلوية والاموية والشعيبية والاسحاقية والزيدية والعباسية والاسماعيلية والامامية والمتناسخة والاعينية والراجعية والمرشية.
وأصناف الْقَدَرِيَّة اثْنَا عشرَة أَيْضا الخمرية والشعرية والكيسانية والشيطانية والشركية والوهمية والعروندسية والمناسية والمتبرية والباسطية والنظامية والمعتزلة.
وأصناف الجبرية اثْنَا عشر أَيْضا: المطرية والافعالية والمتربية والباسطية والنظامية والمعتزلة.
وأصناف الجبرية اثْنَا عشر أَيْضا: المطرية والافعالية والمركوعية والصنجارية والمباينة والصبية والسابقية والحرفية والكرفية والخشية والحشرية والمعينية.
وأصناف الْجَهْمِية: أَي التعطيل اثْنَا عشر أَيْضا: المعطلة واللازقية والمواردية والخرقية والمملوقية والقهرية والغائية والزنادقة والراهفية والقطية والمرسية والعبرية.
وأصناف المرجئة اثْنَا عشر أَيْضا: التاركية والسبيئة والراجية والشاكية والبهشية والعملية والمشبهة والاقربة والبدعية والمنبسية والحشوية والبعوضية كَمَا فِي فَتَاوَى الشَّيْخ أَمِين الدّين بن عبد العال.
قَوْله: (إِلَّا الخطابية) نِسْبَة إِلَى أبي الْخطاب.
وَاخْتلف فِي اسْمه.
قيل مُحَمَّد بن وهب الاجدع، وَقيل مُحَمَّد بن стр. 521
أبي زَيْنَب الاسدي الاجدع، وَكَانَ يَقُول بإمامة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، فَلَمَّا مَاتَ إِسْمَاعِيل رَجَعَ إِلَى القَوْل بإمامة جَعْفَر وغلوا فِي ذَلِك غلوا كَبِيرا.
وَقَالَ فِي شرح الاقطع: هم قوم ينسبون إِلَى أبي الْخطاب: رجل كَانَ بِالْكُوفَةِ حَارب عِيسَى بن مُوسَى بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس وَأظْهر الدعْوَة إِلَى جَعْفَر فتبرأ مِنْهُ ودعا عَلَيْهِ فَقتل هُوَ وَأَصْحَابه، قَتله وصلبه عِيسَى بالكناسة بِالضَّمِّ: مَحل بِالْكُوفَةِ لانه كَانَ يزْعم أَن عليا هُوَ الاله الاكبر وجعفر الصَّادِق هُوَ الاله الاصغر، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن من ادّعى مِنْهُم شَيْئا على غَيره يجب أَن يشْهد لَهُ بَقِيَّة شيعته، وَذكر شمس الائمة السَّرخسِيّ أَنهم ضرب من الروافض يجوزون أَدَاء الشَّهَادَة إِذا حلف الْمُدَّعِي بَين أَيْديهم أَنه محق فِي دَعْوَاهُ وَيَقُولُونَ الْمُسلم لَا يحلف كَاذِبًا.
قَوْله: (يرَوْنَ الشَّهَادَة لشيعتهم) أَي وَاجِبَة.
قُهُسْتَانِيّ.
قَوْله: (وَلكُل من حلف أَنه محق) الاولى التَّعْبِير بِأَو كَمَا فِي الْفَتْح بدل الْوَاو لانهما قَولَانِ كَمَا فِي الْبَحْر وَالْفَتْح وَغَيرهمَا واختلطا فِي عبارَة الشَّارِح.
نعم فِي شرح الْمجمع كَمَا هُنَا.
وَفِي تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ، فَإِنَّهُ قَالَ مَا نَصُّهُ: قَالُوا الْأَئِمَّةُ الانبياء وَأَبُو الْخطاب نَبِي اه، وَهَؤُلَاءِ يَسْتَحِلُّونَ شَهَادَةَ الزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ وَقَالُوا: الْجنَّة نعيم الدُّنْيَا وَالنَّار آلامها اه.
قَوْله: (فردهم) أَي عَن أَدَاء الشَّهَادَة.
قَوْله: (لَا لبدعتهم لانها غير مكفرة) إِذا لم يعتقدوا اعْتِقَاد رئيسهم.
قَوْله: (بل لتهمة الْكَذِب) وَمِنْ التُّهْمَةِ الْمَانِعَةِ أَنْ يَجُرَّ الشَّاهِدُ بِشَهَادَتِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مغرما.
خَانِية.
قَوْله: (وَلم يبْق لمذهبهم ذكر) لفنائهم وانقراضهم.
قَوْله: (وَمن الذِّمِّيّ الخ) لانه ﵊ أجَاز شَهَادَة النَّصَارَى بَعضهم على بعض، ولانه من أهل الْولَايَة على نَفسه وَأَوْلَاده الصغار فَيكون من أهل الشَّهَادَة على جنسه، وَالْفِسْق من حَيْثُ الِاعْتِقَاد غير مَانع لانه يجْتَنب عَمَّا يَعْتَقِدهُ محرم دينه، وَالْكذب محرم فِي الاديان كلهَا، قيد بالذمي لَان الْمُرْتَد لَا شَهَادَة لَهُ لانه
لَا ولَايَة لَهُ.
مطلب: شَهَادَة الْمُرْتَد وَاخْتلفُوا فِي شَهَادَة مُرْتَد على مثله، والاصح عدم قبُولهَا بِحَال.
كَذَا فِي الْمُحِيط البرهاني.
مطلب: فِي شَهَادَة الدرزي وَيلْحق بِهِ الدرزي كَمَا أفتى بِهِ الْخَيْر الرَّمْلِيّ والعلامة عَليّ أَفَنْدِي الْمرَادِي فِي رسَالَته (أَقْوَال الائمة العالنة فِي أَحْكَام الدروز والتيامنة) قَالَ الْعَلامَة السَّيِّد مَحْمُود أَفَنْدِي حَمْزَة مفتي دمشق الشَّام فِي فتواه فِي جَوَاب سُؤال رفع إِلَيْهِ ي شَهَادَة أهل الاهواء الْكَفَرَة: هَل تقبل على بَعضهم سَوَاء كَانُوا متفقين فِي الِاعْتِقَاد أم مُخْتَلفين، وَسَوَاء كَانُوا أهل كتاب أم لَا؟ فَكتب حفظه الله تَعَالَى جَوَابا حَاصله بعد ذكر النقول وَالتَّفْصِيل: وَأما شَهَادَة الْكَفَّارَة الَّذين لَا يقرونَ على مَا هم عَلَيْهِ من العقيدة كَأَهل الاهواء المكفرة وَالْمُنَافِقِينَ والباطنية والزنادقة وَالْمَجُوس والدروز والتيامنة والنصيرية والمرتدين فَلَا تقبل شَهَادَتهم على أحد، سَوَاء كَانَ مثلهم فِي الِاعْتِقَاد أَو مُخَالفا لَهُم لعم ولايتهم.
قَالَ فِي الداماد شرح الْمُلْتَقى: أَي لَا تقبل شَهَادَة الْمُسْتَأْمن على الذِّمِّيّ لقُصُور ولَايَته عَلَيْهِ اه.
فمجوز الشَّهَادَة الَّتِي تَدور عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ الْولَايَة، ولكمالها فِي الْمُسلم صحت شَهَادَته على الْجَمِيع، ولنقصانها فِي أهل الذِّمَّة صِحَّته على بَعضهم
стр. 522
وعَلى من دونهم سوى الْمُرْتَد للشُّبْهَة، ولقصورها فِي الْمُسْتَأْمن صحت على من هُوَ مثله، وَلعدم الْولَايَة فِي غَيرهم من الْكفَّار الْمَار ذكرهم وهم الَّذين لَا يقرونَ على مَا هم عَلَيْهِ من الِاعْتِقَاد لم تصح شَهَادَتهم على أحد أصلا.
قَالَ فِي شرح الداماد: وَتقبل شَهَادَة أهل الاهواء مُطلقًا، سَوَاء كَانَت على أهل السّنة أَو بَعضهم على بعض أَو على الْكَفَرَة إِذا لم يكن اعْتِقَادهم مُؤديا إِلَى الْكفْر كَمَا فِي الذَّخِيرَة، وَمن الْمَعْلُوم أَن الشَّرْط إِذا تعقب المتعاطفات فَإِنَّهُ يرجع للْجَمِيع.
فمفهوم هَذِه الْجُمْلَة أَن اعْتِقَاد أهل الاهواء إِذا كَانَ مُؤديا إِلَى الْكفْر فَلَا تقبل شَهَادَتهم على أهل السّنة وَلَا على بَعضهم وَلَا على الْكَفَرَة.
وَمن الْمُقَرّر أَن مفاهيم الْكتب حجَّة عندنَا، وَإِذا لم يكن من مر ذكرهم من أهل الاهواء المكفرة من الْكفَّار فهم شَرّ مِنْهُم فَلَا تقبل
شَهَادَتهم على أحد أصلا.
مطلب: الدروز والتيامنة والنصيرية والبادنية كلهم كفار على أَن الْمولى عبد الرَّحْمَن أَفَنْدِي الْعِمَادِيّ نَص فِي فَتَاوِيهِ فِي كتاب السّير على أَن الدروز والتيامنة والنصيرية والباطنية كلهم كفار ملا حِدة زنادقة فِي حكم الْمُرْتَدين.
وعَلى تَقْدِير قبُول تَوْبَتهمْ يعرض عَلَيْهِم الاسلام وَإِن يسلمُوا أَو يقتلُوا، وَلَا يجوز لولاة الامور تَركهم على مَا هم عَلَيْهِ أبدا اه بِتَصَرُّف اه مُلَخصا.
قَالَ سيد الْوَالِد: شَهَادَة أهل الذِّمَّة بَعضهم على بعض مَقْبُولَة إِذا كَانُوا عُدُولًا فِي دينهم، اتّفقت مللهم أَو اخْتلفت.
أَقُول: وَالظَّاهِر أَن عداوتهم دينية وَإِلَّا لم تقبل.
فَتَأمل.
مطلب: إِذا سكر الذِّمِّيّ لَا تقبل شَهَادَته
قَوْله: (لَو عدلا فِي دينهم) قدمنَا فِي الْبَحْر أَن تَزْكِيَة الذِّمِّيّ أَن يُزكي بِالْأَمَانَةِ فِي دِينِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَأَنَّهُ صَاحِبُ يقظة ويزيكه الْمُسلمُونَ إِن وجدوا، وَإِلَّا فَيسْأَل من عدُول الْكفَّار، وَأَنه إِذا سكر الذِّمِّيّ لَا تقبل شَهَادَته.
قَوْله: (على مثله) فَلَا تقبل على مُسلم لقَوْله تَعَالَى: * (وَلنْ يَجْعَل للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا) * (النِّسَاء: ١٤١) ولانه لَا ولَايَة لَهُ على الْمُسلم، ولانه يتقول عَلَيْهِ لانه يغيظه قهره إِيَّاه (١) .
قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: مَاتَ وَعَلِيهِ دين الْمُسلم بِشَهَادَةِ نَصْرَانِيٍّ وَدَيْنٌ لِنَصْرَانِيٍّ بِشَهَادَةِ نَصْرَانِيٍّ.
قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَمُحَمّد وَزفر: بُدِئَ بدين الْمُسلم، هَكَذَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ، فَإِن فضل شئ كَانَ ذَلِك لِلنَّصْرَانِيِّ، هَكَذَا فِي الْمُحِيط.
وروى الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة أَن التَّرِكَة تقسم بَينهمَا على مِقْدَار دينهما، فَتَاوَى الانقروي عَن التاترخانية وَالْمُحِيط اه.
وَتَمام الْمَسْأَلَة فِيهَا وَفِي حَاشِيَة الْخَيْر الرَّمْلِيّ على الْبَحْر. стр. 523
أَقُول: فِي الذَّخِيرَة نَصْرَانِيٌّ مَاتَ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَقَامَ مُسْلِمٌ شُهُودًا مِنْ النَّصَارَى عَلَى أَلْفٍ عَلَى الْمَيِّتِ وَأقَام نَصْرَانِيّ آخَرين كَذَلِك تدفع الالف المتروكة للْمُسلمِ وَلَا يتحاصان عِنْده.
وَعند أبي يُوسُف: يتحاصان.
وَالْخلاف رَاجع إِلَى أَن بَيِّنَة النَّصْرَانِي مَقْبُولَة عِنْدَهُ فِي حَقِّ إثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا فِي حق إثْبَاتِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ.
وَعَلَى قَوْلِ أبي يُوسُف مَقْبُولَة فيهمَا اه.
وَالْحَاصِل: أَنه على قَول الامام يلْزم من إِثْبَات الشّركَة والمحاصة الحكم بِشَهَادَة الْكَافِر على الْمُسلم.
قَوْله: (إِلَّا فِي خمس مسَائِل) الاولى فِيمَا إذَا شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ قَدْ أسلم وَهُوَ يجْحَد لم تجز شَهَادَتهمَا، وَكَذَا لَو شهد عَلَيْهِ رجل وَامْرَأَتَانِ من الْمُسلمين وَترك على دينه، وَلَو شهد نصرانيان على نَصْرَانِيَّة أَنَّهَا أسلمت جَازَ وأجبرت على الاسلام وَلَا تقتل، وَهَذَا قَول الامام اه.
قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: يَنْبَغِي أَن يكون الْكَافِر الذّكر كَذَلِك يجْبر وَلَا يقتل، كَمَا لَو أسلم مكْرها أَو سَكرَان، وَهُوَ كَذَلِك فِي الْوَلوالجِيَّة وَالْمُحِيط.
وَنَصه: لَو شهد على إِسْلَام النَّصْرَانِي رجل وَامْرَأَتَانِ من الْمُسلمين وَهُوَ يجْحَد أجبر على الاسلام وَلَا يقتل، وَلَو شهد رجلَانِ من أهل دينه وَهُوَ يجْحَد فشهادتهما بَاطِلَة، لَان فِي زعمهما أَنه مُرْتَد وَلَا شَهَادَة لاهل الذِّمَّة على الْمُرْتَد اهـ.
الثَّانِيَة: فِيمَا إِذا شَهدا على نَصْرَانِيّ ميت وَهُوَ مديون مُسلم: أَي والتركة لَا تفي.
الثَّالِثَة: فِيمَا إذَا شَهِدَا عَلَيْهِ بِعَيْنٍ اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْلِمٍ وَالْمُسلم يُنكر البيع.
الرَّابِعَة: فِيمَا إِذا شهد أَرْبَعَة عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ إلَّا إذَا قَالَ استكرهها فَإِنَّهُ يحد الرجل وَحده.
الْخَامِسَة: فِيمَا إذَا ادَّعَى مُسْلِمٌ عَبْدًا فِي يَدِ كَافِرٍ فَشهد كَافِرَانِ أَنه عَبده وَقضى بِهِ فلَان القَاضِي الْمُسلم اه.
قَوْله: (وَتبطل بِإِسْلَامِهِ) أَي شَهَادَة الذِّمِّيّ على مثله بِإِسْلَامِهِ: أَي الْمَشْهُود عَلَيْهِ قبل الْقَضَاء، لانه لَو قضى عَلَيْهِ لقضى على مُسلم بِشَهَادَة الْكَافِر.
قَوْله: (وَكَذَا بعده لَو بعقوبة) كقود.
بَحر.
لَان الْمُعْتَبر إِسْلَامه حَال الْقَضَاء لَا حَال أَدَاء الشَّهَادَة وَلَا حَال الشَّهَادَة، لما فِي الْبَحْر عَن الْوَلوالجِيَّة: نصرانيان شَهدا على نَصْرَانِيّ بِقطع يَد أَو قصاص ثمَّ أسلم الْمَشْهُود عَلَيْهِ بعد الْقَضَاء بطلت الشَّهَادَة لَان الامضاء من الْقَضَاء فِي الْعُقُوبَات اه.
وَهل تجب الدِّيَة؟ ذكر الْخصاف أَنَّهَا تجب الدِّيَة، فَقيل إِنَّه قَول الْكل، وَقيل عِنْده ينفذ الْقَضَاء فِيمَا دون النَّفس وَيَقْضِي
بِالدِّيَةِ فِي النَّفس.
وَعِنْدَهُمَا: يقْضِي بِالدِّيَةِ فيهمَا اه.
شرنبلالية.
قَوْله: (وَإِن اخْتلفَا مِلَّة) لَان الْكفْر كُله مِلَّة وَاحِدَة.
قَوْله: (وَالذِّمِّيّ على الْمُسْتَأْمن) لَان الذِّمِّيّ أَعلَى حَالا مِنْهُ لكَونه من أهل دَارنَا وَلذَا يقتل الْمُسلم بالذمي وَلَا يقتل بالمستأمن.
منح.
قَوْله: (لَا عَكسه) لقُصُور ولَايَته عَلَيْهِ لكَونه أدنى حَالا مِنْهُ.
منح.
قَوْله: (وَلَا مُرْتَد على مثله) وَالْوَجْه فِيهِ أَنه لَا ولَايَة لَهُ على أحد كَمَا قدمْنَاهُ.
قَوْله: (فِي الاصح) أَي أَنَّهَا لَا تقبل بِحَال غَيره كَمَا قدمْنَاهُ عَن الْمُحِيط.
قَوْله: (وَتقبل مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ دَخَلَ بِلَا أَمَانٍ قَهْرًا اُسْتُرِقَّ وَلَا شَهَادَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى أَحَدٍ.
فَتْحٌ.
قَوْلُهُ: (مَعَ اتِّحَادِ الدَّارِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ دَارَيْنِ كَالرُّومِ وَالتُّرْكِ لَمْ تقبل.
هِدَايَة.
لَا يَخْفَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي كَانُوا لِلْمُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِنَا، وَبِهِ ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ مَا نُقِلَ عَنْ الْحَمَوِيِّ مِنْ تَمْثِيلِهِ لِاتِّحَادِ الدَّارِ بِكَوْنِهِمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا لَزِمَ تَوَارُثُهُمَا حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَا مِنْ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
стр. 524
وَفِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ صَارَ كَالْمُسْلِمِ وَشَهَادَةُ الْمُسلم تقبل على الْمُسْتَأْمن فَكَذَا الذِّمِّيّ.
قَالَه سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
وَيَأْتِي تأييده فِي المقولة الْآتِيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (لَان اخْتِلَاف داريهما) قَالَ فِي الْبَحْر: وَيسْتَثْنى من الْحَرْبِيّ على مثله مَا إِذا كَانَا فِي دارين مُخْتَلفين كالافرنج والحبش لانْقِطَاع الْولَايَة بَينهمَا، وَلِهَذَا لَا يتوارثان، وَالدَّار تخْتَلف باخْتلَاف المنعة وَالْملك اه.
وَالَّذِي فِي الْمنح وَنَحْوه فِي الْقُهسْتَانِيّ التَّعْبِير بِمَا إِذا كَانَا من دارين، فَيُفِيد أَنَّهُمَا لَو كَانَا فِي دَارنَا وهما من دارين لَا تقبل شَهَادَتهمَا على الآخر، لَان الارث يمْتَنع فِي هَذِه الصُّورَة لوُجُود، الِاخْتِلَاف الْحكمِي، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر: خلافًا لما أَفَادَهُ الْحَمَوِيّ كَمَا تقدم فِي المقولة السَّابِقَة، فَإِنَّهُمَا إِذا كَانَا فِي داريهما لَا وَجه للْقَضَاء بِشَهَادَتِهِ لَان دَار الْحَرْب لَيست دَار أَحْكَام.
فَلْيتَأَمَّل ط.
قَوْله: (عَدو) الْعَدو: من يفرح لحزنك ويحزن لفرحك، وَقيل يعرف بِالْعرْفِ.
بَحر.
وَمثله فِي فَتَاوَى عَليّ أَفَنْدِي عَن خزانَة الْمُفْتِينَ.
قَالَ الْعَلامَة التَّحْرِير السَّيِّد الشريف مَحْمُود أَفَنْدِي حَمْزَة مفتي دمشق الشَّام فِي فَتَاوَاهُ بعد كَلَام:
فَتحصل من هَذَا أَن من يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه فَهُوَ عدوه، وكل عَدو ترد شَهَادَته إِذا كَانَت دنيوية، فَمن يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه ترد شَهَادَته، فالصغرى مسلمة لما فِي الْبَحْر وَعلي أَفَنْدِي من تَعْرِيف الْعَدو والكبرى مسلمة للْحَدِيث الشريف (١) الَّذِي هُوَ دَلِيل الْمُجْتَهد، فأنتج لذاته أَن من يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه ترد شَهَادَته، ثمَّ إِذا حكم بهَا حَاكم لَا ينفذ حكمه لما فِي الْبَحْر أَيْضا: وَكَيف لَا ترد شَهَادَة من اتّصف بِهَذِهِ الصّفة وَهِي مِمَّا تتناهى بِهِ الْعَدَاوَة، وَقد وصف الله تَعَالَى بهَا الْمُنَافِقين فِي كِتَابه الْعَزِيز: * (إِن تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبكم سَيِّئَة يفرحوا بهَا) * (آل عمرَان: ١٢٠) .
قَالَ القَاضِي: بَيَان تناهي عداوتهم إِلَى حد حسد وأمانا لَهُم من خير وَمَنْفَعَة وتمنوا مَا أَصَابَهُم من ضَرَر وَشدَّة، فَخذ الْجَواب مَعَ الدَّلِيل والبرهان وَالله تَعَالَى أعلم اه.
قَوْله: (لانها من التدين) فَيدل على كَمَال دينه وعدالته، وَهَذَا لَان المعاداة قد تكون وَاجِبَة، بِأَن رأى فِيهِ مُنْكرا شرعا وَلم ينْتَه بنهيه وَقد قبلوا شَهَادَة الْمُسلم على الْكَافِر مَعَ مَا بَينهمَا من الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة.
حموي.
قَوْله: (بِخِلَاف الدُّنْيَوِيَّة) كَشَهَادَة الْمَقْذُوف على الْقَاذِف، والمقطوع عَلَيْهِ الطَّرِيق على الْقَاطِع، والمقتول وليه على الْقَاتِل، والمجروح على الْجَارِح، وَالزَّوْج على امْرَأَته بِالزِّنَا إِذا كَانَ قَذفهَا أَو لَا، فالعداوة لَيْسَ كَمَا يتوهمه بعض المتفقهة، أَو الشُّهُود أَن كل من خَاصم شخصا فِي حق وَادّعى علهي أَن يصير عدوه فَيشْهد بَينهمَا بالعداوة، بل العداة إِنَّمَا تثبت بِنَحْوِ مَا ذكرنَا.
وَفِي الْقُنْيَةِ: أَنَّ الْعَدَاوَةَ بِسَبَبِ الدُّنْيَا لَا تَمْنَعُ بِهِ مَا لَمْ يَفْسُقْ بِسَبَبِهَا أَوْ يَجْلِبْ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً، وَهُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ الِاعْتِمَاد اه.
وَفِي فَتَاوَى المُصَنّف: سُئِلَ عَن رجل شتم آخر وقذفه فَهَل تثبت الْعَدَاوَة الدُّنْيَوِيَّة بَينهمَا بِهَذَا الْقدر، حَتَّى لَو شهد لَا تقبل؟ أجَاب: ظَاهر كَلَامهم أَن الْعَدَاوَة الدُّنْيَوِيَّة تثبت بِهَذَا الْقدر، فقد صرح стр. 525
فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة أَنَّهَا: أَي الْعَدَاوَة تثبت بِنَحْوِ القدف وَقتل الْوَلِيّ اه.
مطلب الْفسق لَا يتَجَزَّأ وَلَا تقبل شَهَادَة من فِيهِ عَدَاوَة دنيوية على عدوه، وَلَا على غَيره بل تكون قادحة فِي حق جَمِيع النَّاس، فَإِن الْفسق لَا يتَجَزَّأ حَتَّى كَون فَاسِقًا فِي حق شخص لَا فِي حق غَيره، وَيُقَاس على عدم تُجزئ الْفسق مَا لَو كَانَ نَاظرا على أوقاف عديدة وَثَبت فسقه بِسَبَب خِيَانَة فِي وَاحِد مِنْهَا، فَإِن يسرى فِي كلهَا فيعزل مِنْهَا جَمِيعًا كَمَا أفتى بِهِ الْمُفْتِي أَبُو السُّعُود الْعِمَادِيّ الْمُفَسّر فِي فَتَاوِيهِ، وَلَو ادّعى شخص عَدَاوَة آخر يكون اعترافا مِنْهُ بفسق نَفسه، وَلَو شهد الشَّاهِد على آخر فخاصم الْمَشْهُود عَلَيْهِ الشَّاهِد قبل الْقَضَاء لَا يمْتَنع الْقَضَاء بِشَهَادَتِهِ إِلَّا إِذا ادّعى أَنه دفع إِلَيْهِ كَذَا لِئَلَّا يشْهد عَلَيْهِ وَطلب الرَّد وَأثبت دَعْوَاهُ بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار أَو نُكُول فَتبْطل شَهَادَته، وَهُوَ جرح مَقْبُول كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، لَكِن قَالَ سَيِّدي الْوَالِد فِي جَوَاب سُؤال عَمَّن شهد عَلَيْهِ شُهُود بِحَق وزكوا فتعلل الْمُدعى عَلَيْهِ أَن الشُّهُود من زكاهم أَعدَاء لَهُ بِسَبَب تشاجر مَعَهم على قمار وَلعب.
فَأجَاب بعد كَلَام حَاصله: فَفِي الْحَادِثَة المسؤول عَنْهَا رُبمَا أَنه فسق بهَا، إِذْ الْعَدَاوَة جرت بَينهمَا على مَا قَالَه الْمُدعى عَلَيْهِ بِسَبَب قمار وَلعب محرمين شرعا، وَلَكِن الْمُتَأَخّرُونَ على الاول من الاطلاق سَوَاء فسق بهَا أَو لَا، والْحَدِيث الشريف شَاهد لما عَلَيْهِ الْمُتَأَخّرُونَ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا ذِي غمر على أَخِيه والغمر: الحقد.
وَيُمكن حمله على مَا إِذا كَانَ غير عدل بِدَلِيل أَن الحقد فسق للنَّهْي عَنهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَحْر.
مطلب: الْعَدَاوَة إِذا فسق بهَا لَا تقبل شَهَادَته على أحد، وَإِن لم يقسق بهَا تقبل على غير عدوه وَقَالَ الْعَلامَة الْخَيْر الرَّمْلِيّ فِي فتواه: فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، وَصَرَّحَ يَعْقُوب باشا فِي حاشتيه بِعَدَمِ نَفَاذِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عدوه، وَالْمَسْأَلَة دوارة فِي الْكتب فَإِذا أثبت الْمُدعى عَلَيْهِ الْعَدَاوَة ثبوتا شَرْعِيًّا فتجري الاحكام الْمَذْكُورَة من عدم صِحَة أَدَاء الشَّهَادَة والتزكية الْمَذْكُورَة لثُبُوت عداوتهم بالسببين المرقومين المحرمين شرعا، وَسبب الحقد وَأَنَّهُمْ مِمَّن يفرحون لحزنه ويحزنون لفرحه اه.
وَتَمَامه فِيهِ.
فَإِن قلت: الْعَدَالَة الدُّنْيَوِيَّة فسق لانه لَا يحل معاداة الْمُسلم لاجل الدُّنْيَا، فَهَلا اسْتغنى عَنهُ بقوله
لَا تقبل شَهَادَة الْفَاسِق.
قلت: للْفرق بَينهمَا، فَإِنَّهُ لَو قضى بِشَهَادَة الْفَاسِق صَحَّ وأثم كَمَا مر، وَلَو قضى بِشَهَادَة الْعَدو بِسَبَب النديا لَا ينفذ، لانه لَيْسَ بمجتهد فِيهِ كَمَا نَقله المُصَنّف عَن يَعْقُوب باشا، لَكِن قَالَ المنلا عبد الْحَلِيم فِي حَاشِيَته على الدُّرَر: وَقد جَاءَت الرِّوَايَة بِعَدَمِ قبُول شَهَادَة عَدو بِسَبَب الدُّنْيَا مُطلقًا.
وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن من العدادوة المؤثرة فِي الْعَدَالَة كعداوة الْمَجْرُوح على الْجَارِح وعداوة ولي الْمَقْتُول على الْقَاتِل.
وَمِنْهَا غير مُؤثرَة كعداوة شَخْصَيْنِ بَينهمَا وَقعت مُضَارَبَة أَو مشاتمة أَو دَعْوَى مَال أَو حق فِي الْجُمْلَة، فشهادة صَاحب النَّوْع - الاول لَا تقبل كَمَا هُوَ الْمُصَرّح فِي غَالب كتب أَصْحَابنَا وَالْمَشْهُور على أَلْسِنَة فقهائنا، وَشَهَادَة صَاحب النَّوْع الثَّانِي تقبل لانه عدل، وَبِهَذَا التَّحْقِيق يحصل التوافق بَين الرِّوَايَتَيْنِ وَبَين الْمَتْن وَالشَّرْح وَإِن لم يهتد المُصَنّف إِلَيْهِ، الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا اه.
стр. 526
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بعد كَلَام: وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ مُعْتَمَدَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ قَبُولِهَا عَلَى الْعَدُوِّ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَعَلَيْهِ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْعَدَاوَة لَا لفسق وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ عَلَى غَيْرِ الْعَدُوِّ أَيْضًا ثَانِيهمَا: أَنَّهَا تقبل إِلَّا فَسَقَ بِهَا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبَانَ وَابْنُ الشِّحْنَةِ اه.
وَهل حكم القَاضِي فِي الْعَدَاوَة حكم الشَّاهِد؟ قَالَ شاحر الْوَهْبَانِيَّة: لم أَقف عَلَيْهِ فِي كتب أَصْحَابنَا.
وَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب فِيهِ على التَّفْصِيل إِن كَانَ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ لَا ينفذ، وَإِن كَانَ بِشَهَادَة من الْعُدُول وبمحضر من النَّاس فِي مجْلِس الحكم بِطَلَب خصم شَرْعِي ينفذ.
ذكره الْحَمَوِيّ.
وَسِيَاق كَلَام البرجندي يُفِيد أَن شَهَادَة الْعَدو لعَدوه مَقْبُولَة لعدم التُّهْمَة، وَهَذَا بِنَاء على أَن الْعلَّة التُّهْمَة، أما إِذا كَانَت الْعلَّة الْفسق فَلَا فرق.
وَقد اخْتلف تَعْلِيل الْمَشَايِخ فِي ذَلِك.
قَالَ أَبُو السُّعُود: وَلَعَلَّ فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ: مِنْهُم من علل بالاول، وَمِنْهُم من علل بِالثَّانِي اه.
أَقُول: قد علمت مَا قدمْنَاهُ عَن سَيِّدي الْوَالِد أَنَّهُمَا قَولَانِ معتمدان، وَأَن الْمُتُون على عدم قبُولهَا وَإِن لم يفسق بهَا للتُّهمَةِ.
قَوْله: (إِلَّا إِذا كَانَت الصداقة متناهية) أَي فَإِنَّهَا لَا لَا تقبل للتُّهمَةِ.
قَوْله: (بِلَا
إِصْرَار) أَي تقبل من مرتكب صَغِيرَة بِلَا إِصْرَار، لَان الالمام من غير إِصْرَار لَا يقْدَح فِي الْعَدَالَة، إِذْ لَا يُوجد من الْبشر من هُوَ مَعْصُوم سوى الانبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَيُؤَدِّي اشْتِرَاط الْعِصْمَة إِلَى سد بَاب الشَّهَادَة وَهُوَ مَفْتُوح.
أما إِذا أصر عَلَيْهَا وَفَرح بهَا أَو استخف، إِن كَانَ عَالما يقْتَدى بِهِ فَهِيَ كَبِيرَة كَمَا ذكره بَعضهم.
قَوْله: (إنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ كُلَّهَا وَغَلَبَ صَوَابُهُ عَلَى صغائره) الاولى أَن يَقُول على خطئه، وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَبِلَا غَلَبَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ: لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ تَأْخُذُ حُكْمَ الْكَبِيرَةِ بِالْإِصْرَارِ، وَكَذَا بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى حَيْثُ قَالَ: الْعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ كُلَّهَا، حَتَّى لَوْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَفِي الصَّغَائِرِ الْعِبْرَةُ للغلبة والدوام على الصَّغِيرَة لتصير كَبِيرَة وَلذَا قَالَ: وَغلب صَوَابه.
قَوْله: (وَهُوَ معنى الْعَدَالَة) قَالَ الْكَمَال: أحسن مَا نقل فِيهَا عَن أبي يُوسُف أَن لَا يأتبي بكبيرة وَلَا يصر على صَغِيرَة وَيكون ستره أَكثر من هتكه، وَصَوَابه أَكثر من خطئه، ومروءته ظَاهِرَة، وَيسْتَعْمل الصدْق ويجتنب الْكَذِب ديانَة ومروءة اه.
قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: من اجتنبي الْكَبَائِر وَفعل مائَة حَسَنَة وتسعا وَتِسْعين صَغِيرَة فَهُوَ عدل، وَإِن فعل حَسَنَة وصغيرتين لَيْسَ بِعدْل اه.
قَالَ فِي الْبَحْر: هِيَ الاسْتقَامَة، وَهِي بالاسلام واعتدال الْعقل، ويعارضه (١) هوى يضله ويصده، وَلَيْسَ لكمالها حد يدْرك مداه، ويكتفي لقبولها بأدناه كي لَا تضيع الْحُقُوق، وَهُوَ رُجْحَان جِهَة الدّين وَالْعقل على الْهوى والشهوة اه.
وَتَمَامه فِيهِ.
قَوْله: (كل فعل يرفض الْمُرُوءَة وَالْكَرم فَهُوَ كَبِيرَة) أَي كل فعل من الذُّنُوب والمعاصي فَهُوَ كَبِيرَة، إِذْ يبعد أَن يُقَال: إِن стр. 527
الاكل فِي السُّوق مثلا لغير السوقي كَبِيرَة، بل قَالُوا: إِنَّمَا يحرم عَلَيْهِ ذَلِك إِذا كَانَ متحملا شَهَادَة لِئَلَّا يضيع حق الْمَشْهُود لَهُ.
وَعبارَة الْخُلَاصَة بعد أَن نقل القَوْل بِأَن الْكَبِيرَة مَا فِيهِ حد بِنَصّ الْكتاب.
قَالَ: وأصحابنا لم يَأْخُذُوا بذلك وَإِنَّمَا بنوا على ثَلَاثَة معَان: أَحدهَا مَا كَانَ شَنِيعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ هَتْكُ حُرْمَة.
وَالثَّانِي أَن يكون فِيهِ منابذة الْمُرُوءَة وَالْكَرم، فَكل فعل يرفض الْمُرُوءَة وَالْكَرم فَهُوَ كَبِيرَة.
وَالثَّالِث أَن يكون مصرا على الْمعاصِي أَو الْفُجُور اه وَتعقبه فِي فتح الْقَدِير بِأَنَّهُ غير منضبط وَغير
صَحِيح اه.
وَلذَا قَالَ الْمحشِي فِيمَا ذكره الشَّارِح عَنْهَا، قَالَ: إِلَّا أَن يُرَاد الْكَبِيرَة من حَيْثُ منع الشَّهَادَة.
قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: هَذَا التَّعْرِيف غير الاصح.
قَالَ فِي الذَّخِيرَة: الاصح أَن مَا كَانَ شَنِيعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ هَتْكُ حُرْمَة الدّين فَهُوَ من الْكَبَائِر، وَكَذَا مَا فِيهِ نبذ الْمُرُوءَة وَالْكَرم، وَكَذَا الاعانة على الْمعاصِي والحث عَلَيْهَا.
وَفِي معِين الْمُفْتِي: رفض الْمُرُوءَة ارْتِكَاب مَا يعْتَذر مِنْهُ ويضعه على رتبته عِنْد أهل الْفضل.
قَالَ الْعَيْنِيّ: اخْتلفُوا فِي الْكَبِيرَة، فَقَالَ أهل الْحجاز وَأهل الحَدِيث: هِيَ السَّبع الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث الْمَشْهُور، وَهِي: الاشراك بِاللَّه، والفرار من الزَّحْف، وعقوق الْوَالِدين، وَقتل النَّفس، وبهت الْمُؤمن، وَالزِّنَا، وَشرب الْخمر.
وَزَاد بَعضهم عَلَيْهَا: أكل الرِّبَا، وَأكل أَمْوَال الْيَتَامَى بِغَيْر حق.
وَقيل مَا ثَبت حرمته بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ فَهُوَ كَبِيرَة، وَقيل مَا فِيهِ حد أَو قتل فَهُوَ كَبِيرَة، وَقيل كل مَا أصر عَلَيْهِ الْمَرْء فَهُوَ كَبِيرَة.
وَمَا اسْتغْفر عَنهُ فَهُوَ صَغِيرَة.
والاوجه مَا ذكره المتكلمون أَن كل ذَنْب فَوْقه ذَنْب وَتَحْته ذَنْب، فبالنسبة إِلَى مَا قومه فَهُوَ صَغِيرَة، وَإِلَى مَا تَحْتَهُ فَهُوَ كَبِيرَة.
والاصح مَا نقل عَن شمس الائمة الْحلْوانِي أَنه قَالَ: كُلُّ مَا كَانَ شَنِيعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ هتك حُرْمَة الله تَعَالَى وَالدّين فَهُوَ من جملَة الْكَبَائِر اه.
قَوْله: (وَمَتى ارْتكب كَبِيرَة سَقَطت عَدَالَته) غير أَن الحكم بِزَوَالِ الْعَدَالَةِ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ يَحْتَاجُ إلَى الظُّهُورِ، فَلِذَا شَرط فِي شرب الْمحرم الادمان اه.
حموي.
وَفِي الْقُهسْتَانِيّ عَن قَضَاء الْخُلَاصَة: الْمُخْتَار اجْتِنَاب الاصرار على الْكَبَائِر، فَلَو ارْتكب كَبِيرَة مرّة قبلت شَهَادَته.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: الْعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ كُلَّهَا، حَتَّى لَوْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ.
وَفِي الصَّغَائِرِ الْعِبْرَةُ لِلْغَلَبَةِ لِتَصِيرَ كَبِيرَةً حَسَنٌ.
وَنَقَلَهُ عَنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ لعصام وَعَلِيهِ الْمعول، غير أَن الحكم بِزَوَالِ الْعَدَالَةِ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ يَحْتَاجُ إلَى الظُّهُورِ، فَلِذَا شَرط فِي شرب الْمحرم وَالسكر والادمان، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم اه.
وَإِذا سَقَطت عَدَالَته تعود إِذا تَابَ، لما صَرَّحُوا بِأَن الْمَحْدُود فِي الْقَذْف إِذا تَابَ فَهُوَ عدل: أَي وَإِن لم تقبل شَهَادَته، لَكِن فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْخَانِيَّةِ: الْفَاسِقُ إذَا تَابَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ زَمَانٌ يُظْهِرُ التَّوْبَةَ، ثُمَّ بَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ،
وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِسَنَةٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مفوض إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَالْمُعَدِّلِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَلَوْ كَانَ عَدْلًا فَشَهِدَ بِزُورٍ ثُمَّ تَابَ فَشَهِدَ تقبل من غير مُدَّة اه.
وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب وَقبل بَاب الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة فِي كَلَام الشَّارِح، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا كَانَ فَاسِقًا سِرًّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ بِفِسْقِهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّ الْمُدَّعِي، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ أَيْضا وَالْخَانِيَّة، وَالظَّاهِر أَنه لَا يحل لَهُ ذَلِك كَمَا استظهر سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
стр. 528
قَالَ فِي الْخَانِية قبل التَّزْكِيَة: وَالتَّعْدِيل الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ إذَا شَهِدَ بِزُورٍ عَنْ أَبِي يُوسُف أَنه لَا تقبل شَهَادَته أصلا أَبَدًا لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ.
وَرَوَى الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَر أَنه تقبل شَهَادَته وَعَلِيهِ الِاعْتِمَاد اه.
وفيهَا: مَنْ اُتُّهِمَ بِالْفِسْقِ لَا تَبْطُلُ عَدَالَتُهُ، وَالْمُعَدِّلُ إِذا قَالَ الشَّاهِد هُوَ مُتَّهم بِالْفِسْقِ لَا تبطل عَدَالَته اه.
وَلَا بَأْس بِذكر أَفْرَاد سَقَطت عدالتهم نَص عَلَيْهَا: مِنْهَا إِذا ترك الصَّلَاة بِجَمَاعَة بعد كَون الامام لَا طعن فِيهِ فِي دِينٍ وَلَا حَالٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا فِي تَركهَا بِأَن يكون مُعْتَقدًا فَضِيلَة أَوَّلَ الْوَقْتِ وَالْإِمَامُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِك لَا تسْقط عَدَالَته بِالتّرْكِ، وَكَذَا من ترك الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَالْحَلْوَانِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ ثَلَاثَ مَرَّات، والاول أوجه.
وَذكر الاسبيجابي أَن من أكل فَوق الشِّبَع سَقَطت عَدَالَته عِنْد الاكثر، وَلَا بُد من كَونه فِي غير إِرَادَة التَّقْوَى على صَوْم الْغَد أَو مؤانسة الضَّيْف اه.
والاعانة على الْمعاصِي والحث عَلَيْهَا كَبِيرَة، وَلَا تقبل شَهَادَة الطفيلي والرقاص والمجازف فِي كَلَامه والمسخرة بِلَا خلاف، وَلَا من يحلف فِي كَلَامه كثيرا.
وَلَا تقبل شَهَادَة الْبَخِيل وَالَّذِي أخر الْفَرْض بعد وُجُوبه لغير عذر، إِن كَانَ لَهُ وَقت معِين كَالصَّلَاةِ بطلت عَدَالَته، وَإِن لم يكن لَهُ وَقت معِين كَالزَّكَاةِ وَالْحج اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَة والمشايخ.
وَذكر الخاصي عَن قاضيخان أَن الْفَتْوَى على سُقُوطهَا بِتَأْخِير الزَّكَاة من غير عذر.
بِخِلَاف تَأْخِير الْحَج، وبركوب بَحر الْهِنْد لانه مخاطر بِنَفسِهِ وَدينه من سُكْنى دَار الْحَرْب وتكثير سوادهم وعددهم لاجل المَال وَمثله لَا يُبَالِي بِشَهَادَة الزُّور.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَجْلِسُ مَجْلِسَ الْفُجُورِ وَالْمَجَانَةِ وَالشرب وَإِن لم يشرب كَمَا فِي الْهِنْدِيَّة، وَتَمام ذَلِك فِي المطولات.
وَفِي الْبَحْر عَن الْعَتَّابِيَّةِ: من آجر بَيته لمن يَبِيع الْخمر لم تسْقط عَدَالَته اه.
قَوْله: (وَمن
أقلف) إِذْ تقبل شَهَادَة الْكَبِير الَّذِي لم يختتن، لَان الْعَدَالَة لَا تخل بترك الْخِتَان لكَونه سنة عندنَا.
كَذَا أطلقهُ فِي الْكَنْز وَغَيره وتبعهم المُصَنّف.
قَوْله: (لَو لعذر) بِأَن يتْركهُ خوفًا على نَفسه، أما إِذا تَركه بِغَيْر عذر لم تقبل مَا قَيده قاضيخان، وَقَيده فِي الْهِدَايَة بِأَن لَا يتْركهُ اسْتِخْفَافًا بِالدّينِ، أما إِذا تَركه اسْتِخْفَافًا لم تقبل لانه لم يبْق عدلا، وكما تقبل شَهَادَته تصح إِمَامَته كَمَا فِي فتح الْقَدِير.
مطلب: فِي وَقت الْخِتَان وَاخْتلفُوا فِي وقته، فالامام لم يقدر لَهُ وقتا مَعْلُوما لعدم وُرُود النَّص بِهِ، وَهَذِه إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي توقف الامام فِي الْجَواب عَنْهَا، وَقدره الْمُتَأَخّرُونَ وَاخْتلفُوا.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهِ سَبْعٌ وَآخِرَهُ اثْنَتَا عشرَة.
كَذَا فِي الْخُلَاصَة من بَاب الْيَمين فِي الطَّلَاق وَالْعتاق.
وَلَعَلَّ أَن سبع سِنِين أول وَقت اسْتغْنَاء الصَّبِي عَن الْغَيْر فِي الاكل وَالشرب واللبس والاستنجاء حَيْثُ يتَحَمَّل بِمثلِهِ وَوقت الِاحْتِيَاج إِلَى التَّأْدِيب وتهذيب الاخلاق، وَلذَلِك كَانَ ذَلِك نِهَايَة مُدَّة الْحَضَانَة بل وَقت كَونه مَأْمُورا بِالصَّلَاةِ وَلَو ندب، وَمن جملَته الْخِتَان أَيْضا، وَكَونه ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَقت المراهقة الْبَتَّةَ وَاحْتِمَال الْبلُوغ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ يجْرِي عَلَيْهِ قلم التَّكْلِيف فرضا ووجوبا وَسنة وندبا، وَمن جملَته كشف الْعَوْرَة وَهُوَ حرَام على الْبَالِغين من غير محرم، فَظهر أَن وَقت الْخِتَان على الْوَجْه الْمسنون يتم عِنْده، فَلَو قَالَ رجل إِن بلغ وَلَدي الْخِتَان فَلم أختنه فامرأتي طَالِق: فَإِن نوى أول الْوَقْت لَا يَحْنَث مَا لم يبلغ سبع سِنِين.
وَإِن نوى آخِره قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد: الْمُخْتَار أَنه اثْنَتَا عشرَة سنة، وَهُوَ سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء، إِذْ جماع المختونة ألذ.
وَكَانَ ابْن عَبَّاس لَا يُجِيز ذَبِيحَة الاقلف وَلَا شَهَادَته اه.
وَفِيه فَائِدَة من كَرَاهِيَة فَتَاوَى العتابي.
وَقيل فِي ختان الْكَبِير: إِذا أمكن أَنْ يَخْتِنَ نَفْسَهُ فَعَلَ، وَإِلَّا لَمْ يَفْعَلْ إِلَّا أَن يُمكنهُ أَن
стр. 529
يتَزَوَّج أَو يَشْتَرِي ختانة تختنه.
وَذكر الْكَرْخِي فِي الْكَبِير: يختنه الحمامي، وَكَذَا عَن ابْن مقَاتل.
مطلب: لَا بَأْس للحمامي أَن يطلي عَورَة غَيره بالنورة إِذا غُصْن بَصَره حَالَة الضَّرُورَة لَا بَأْس للحمامي أَن يطلي عَورَة غَيره بالنورة انْتهى.
لَكِن قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة بعد أَن نقل عَن التاترخانية أَن أَبَا حنيفَة كَانَ لَا يرى بَأْسا بِنَظَر الحمامي إِلَى عَورَة الرجل، وَنقل أَنه مَا يُبَاح من النّظر
للرجل من الرجل يُبَاح الْمس، وَنَقله عَن الْهِدَايَة وَنقل مَا نَقَلْنَاهُ، لَكِن قَيده بِمَا إِذا كَانَ يغص بَصَره.
وَنقل عَن الْفَقِيه أبي اللَّيْث أَن هَذَا فِي حَالَة الضَّرُورَة لَا فِي غَيرهَا، وَقَالَ: وَيَنْبَغِي لكل وَاحِد أَن يتَوَلَّى عانته بِيَدِهِ إِذا تنور كَمَا فِي الْمُحِيط، فَلْيحْفَظ.
أَقُول: وَمعنى يَنْبَغِي هُنَا الْوُجُوب كَمَا يظْهر، فَتَأمل.
قَوْله: (بَحر) وَمثله فِي التاترخانية.
قَوْله: (والاستهزاء بشئ من الشَّرَائِع كُفْرٌ) أَشَارَ إلَى فَائِدَةِ تَقْيِيدِهِ فِي الْهِدَايَةِ بِأَن لَا يتْرك الْخِتَان اسْتِخْفَافًا بِالدّينِ.
قَوْله: (ابْن كَمَال) عِبَارَته: والاقلف لانه لَا يخل بِالْعَدَالَةِ إِذا تَركه اسْتِخْفَافًا بِالدّينِ.
قَالَ الرَّازِيّ: لم يرد بالاستخفاف الِاسْتِهْزَاء، لَان الِاسْتِهْزَاء بشئ من الشَّرَائِع كفر، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التواني والتكاسل اه ح.
وَكَذَا ذكر مثله عزمي زَاده مؤولا عبارَة الدُّرَر.
مطلب: فِي شَهَادَة الْخصي
قَوْله: (وَخصي) بِفَتْح الْخَاء: منزوع الخصا، لَان عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قبل شَهَادَةَ عَلْقَمَةَ الْخَصِيِّ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، رَوَاهُ ابْن شيبَة (١) ولانه قطع مِنْهُ عُضْو ظلما فَصَارَ كمن قطعت يَده ظلما فَهُوَ مَظْلُومٌ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ وَفَعَلَهُ مُخْتَارًا منع.
فتح.
قَوْله: (وأقطع) إِذا كَانَ عدلا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله قطع يَد رجل فِي السّرقَة، ثمَّ كَانَ بعد ذَلِك يشْهد فَيقبل شَهَادَته.
منح.
قَوْله: (وَولد الزِّنَا) لَان فسق الْوَالِدين لَا يُوجب فسق الْوَلَد ككفرهما.
منح.
قَوْله: (وَلَو بِالزِّنَا) أَيْ وَلَوْ شَهِدَ بِالزِّنَا عَلَى غَيْرِهِ تقبل، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا شَهِدَ بِالزِّنَا أَوْ بِغَيْرِهِ، خلافًا لمَالِك فِي الاول كَمَا فِي الْمنح.
قَوْلُهُ: (كَأُنْثَى) فَيُقْبَلُ مَعَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فِي غير حد وقود.
قوه: (لَو مُشكلا) فِي كل الاحكام.
شرنبلالية، والاولى أَن يَقُول وَهُوَ كأنثى.
قَوْله: (وعتيق لمعتقه) أَي تقبل شَهَادَته، لَان شريحا قبل شَهَادَة قنبر لعَلي وَهُوَ عتيقه.
وَأَشَارَ بِاللَّامِ إِلَى أَن شَهَادَته على الْمُعْتق تقبل بالاولى كَمَا صرح بِهِ متْنا بقوله.
(وَعَكسه) وقنبر بِفَتْح الْقَاف، وَأما بِضَم الْقَاف فجد سِيبَوَيْهٍ.
ذكره الذَّهَبِيّ فِي مشتبه الانساء والاسماء.
مطلب: فِي تَرْجَمَة شُرَيْح القَاضِي وَشُرَيْح بن الْحَارِث بن قيس الْكُوفِي النَّخعِيّ القَاضِي أَبُو أُميَّة، تَابِعِيّ ثِقَة.
وَقيل لَهُ صُحْبَة،
مَاتَ قبل الثَّمَانِينَ أَو بعْدهَا وَله مائَة وثمان سِنِين أَو أَكثر، واستقضاه عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على الْكُوفَة، وَلم يزل بعد ذَلِك قَاضِيا خمْسا وَسبعين سنة، إِلَّا ثَلَاث سِنِين امْتنع فِيهَا من الْقَضَاء فِي فتْنَة الْحجَّاج فِي حق ابْن الزبير حَيْثُ استعفى الْحجَّاج من الْقَضَاء فأعفاه، وَلم يقْض إِلَى أَن مَاتَ الْحجَّاج стр. 530
كَمَا فِي الْبَحْر وَشرح جلال الدّين التباني على الْمنَار.
قَوْله: (أَن الثّمن كَذَا) وَلَو شَهدا بإيفائه وإبرائه تقبل.
مقدسي.
قَوْله: (لجر النَّفْع بِإِثْبَات الْعِتْقِ) لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَتَحَالَفَا وَفُسِخَ الْبَيْعُ الْمُقْتَضِي لابطال الْعتْق.
منح.
لَكِن تقدم فِي آخر بَاب الاقالة أَنه لَا يُخَالف بعد خُرُوج الْمَبِيع عَن ملكه، لانه يشْتَرط قيام الْمَبِيع عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي التَّحَالُفِ إلَّا إذَا اسْتَهْلَكَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ غَيْرُ المُشْتَرِي، فَرَاجعه وَتَأمل.
قَوْله: (وَمن محرم رضَاعًا) كابنه مِنْهُ.
وَفِي الْأَقْضِيَةِ: تُقْبَلُ لِأَبَوَيْهِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَلِمَنْ أَرْضَعَتْهُ امْرَأَته، وَلَام وَامْرَأَته وَابْنهَا.
بَزَّازِيَّة من الشَّهَادَة.
قَوْله: (أَو مصاهرة) كَأُمّ امْرَأَته وبنتها وَزوج بنته وَامْرَأَة أَبِيه وَابْنه، لَان الاملاك بَينهم متميزة والايدي متحيزة، وَلَا بسطوة لبَعْضهِم فِي مَال بعض فَلَا تتحق التُّهْمَة، بِخِلَاف شَهَادَته لِقَرَابَتِهِ ولادا.
دُرَر.
وَمثله فِي الْبَحْر.
قَوْله: (إِلَّا إِذا امتدت الْخُصُومَة) أَي سِنِين كَمَا فِي الْمنح عَن الْقنية، وَالظَّاهِر أَنه اتفاقي.
قَالَ ابْن وهبان: وَقِيَاس ذَلِك أَن يطرد فِي كل قرَابَة، وَالْفِقْه فِيهِ أَنه لما كثر مِنْهُ التَّرَدُّد مَعَ المخاصم صَار بِمَنْزِلَة الْخصم للْمُدَّعى عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو السُّعُود: وَالتَّقْيِيد بِعَدَمِ الْخِصَام على القَوْل بِهِ لَا يخص الشَّهَادَة للاخ وَنَحْوه اه.
قَالَ المنلا عبد الْحَلِيم: وَلَا يذهب عَلَيْك أَن الْمُعْتَمد عَلَيْهِ قبُول شَهَادَة عَدو بِسَبَب الدُّنْيَا لَو عدلا: أَي بِمُجَرَّد الْخُصُومَة على مَا تقدم، وَذَا لَا يُنَافِي ذَلِك لَان المتردد الْمَذْكُور بِمَنْزِلَة الْمُدَّعِي لَا بِمَنْزِلَة الْعَدو.
تدبر.
قَوْله: (على مَا فِي الْقنية) يَعْنِي إِذا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي أَخ أَو ابْن عَم يخاصمان لَهُ مَعَ الْمُدعى عَلَيْهِ ثمَّ شَهدا لَا تقبل شَهَادَتهمَا فِي هَذِه الْحَادِثَة بعد هَذِه الْخُصُومَة، وَكَذَا كل قرَابَة وَصَاحب تردد فِي الْمُخَاصمَة سِنِين، لانه بطول التَّرَدُّد صَار بِمَنْزِلَة الْخصم للْمُدَّعى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْوَهْبَانِيَّة.
قَوْله: (وَفِي
الخزانة الخ) أَي خاصماه عِنْد أَدَاء الشَّهَادَة عَلَيْهِ بِأَن نسبهما إِلَى الْكَذِب فدفعا عَن أَنفسهمَا، وَمَسْأَلَة الْقنية فِيمَا إِذا خاصماه مَعَ قَرِيبه على الْحق الَّذِي يَدعِيهِ.
قَوْله: (تقبل لَوْ عُدُولًا) قَالَ فِي الْمِنَحِ عَنْ الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُسَاعِدْ الْمُدَّعِي فِي الْخُصُومَةِ أَوْ لَمْ يُكْثِرْ ذَلِكَ تَوْفِيقًا اه.
وفْق الرَّمْلِيُّ بِغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ لَوْ عُدُولًا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مَسْتُورِينَ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ تَمْتَدَّ الْخُصُومَةُ لِلتُّهْمَةِ بِالْمُخَاصَمَةِ، وَإِذَا كَانُوا عُدُولًا تُقْبَلُ لِارْتِفَاعِ التُّهْمَةِ مَعَ الْعَدَالَةِ.
فَحمل مَا فِي الْقُنْيَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا تَوْفِيقًا، وَمَا قُلْنَاهُ أَشْبَهُ لِأَنَّ الْمُعْتَمد فِي بَاب الشَّهَادَة الْعَدَالَة.
قَوْله: (على عبد كَافِر مَوْلَاهُ مُسلم) لَان هَذِه شَهَادَة قَامَت على إِثْبَات أَمر على الْكَافِر قصدا وَلزِمَ مِنْهُ الحكم على الْمولى الْمُسلم ضمنا، على أَن اسْتِحْقَاق مَالِيَّة الْمولى غير مُضَاف إِلَى الشَّهَادَة، لانه لَيْسَ من ضَرُورَة وجوب الدّين عَلَيْهِ اسْتِحْقَاق مَالِيَّة الْمولى لَا محَالة بل يَنْفَكّ عَنهُ فِي الْجُمْلَة.
قَوْله: (لَا يجوز عَكسه) وَهُوَ مَا إِذا كَانَ العَبْد مُسلما مَوْلَاهُ كَافِر: يَعْنِي لَا تجوز شَهَادَة الْكَافِر على عبد مُسلم مَوْلَاهُ كَافِر، وعَلى وَكيل مُسلم مُوكله كَافِر: فَإِن كَانَ مُسلما لَهُ عبد كَافِر أذن لَهُ بِالْبيعِ وَالشِّرَاء فَشهد عَلَيْهِ شَاهِدَانِ كَافِر ان بشرَاء وَبيع جَازَت شَهَادَتهمَا
следующие страницы →