Полный текст (1 094 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بِمَوْتِهِ قبله كَمَا نَقله الشَّارِح فِي الْحَج.
قَوْله: (أَو ترك جمَاعَة) قَالَ فِي الْفَتْح: مِنْهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ بَعْدَ كَوْنِ الْإِمَامِ لَا طَعْنَ عَلَيْهِ فِي دِينٍ وَلَا حَالٍ، وَإِن كَانَ متأولا فِي تَركهَا كَأَن يكون مُعْتَقدًا أَفضَلِيَّة أَوَّلَ الْوَقْتِ وَالْإِمَامُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِك لَا تسْقط عَدَالَته بِالتّرْكِ.
أَقُول: وَالْجَمَاعَة سنة مُؤَكدَة فِي قُوَّة الْوَاجِب، وَقيل وَاجِبَة، وَقيل فرض كِفَايَة، وَقيل فرض عين.
وَالْقَوْل بِوُجُوبِهَا هُوَ قَول عَامَّةُ مَشَايِخِنَا، وَبِهِ جَزَمَ فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَب، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا وَلِذَا قَالَ فِي الْأَجْنَاسِ: لَا تقبل شَهَادَته إِذا تَركهَا اسْتِخْفَافًا بِأَن لَا يستعظم أمرهَا كَمَا يَفْعَله الْعَوام أَو مجانة أَو فسقا إمَّا سَهْوًا أَوْ بِتَأْوِيلٍ، كَكَوْنِ الْإِمَامِ مِنْ أهل الاهواء أَو فَاسِقًا فكره الِاقْتِدَاء بِهِ وَلَا يُمكنهُ أَن يصرفهُ، أَو لَا يُرَاعى مَذْهَب الْمُقْتَدِي فَتقبل.
وَالْقَائِل بالفرضية لَا يشترطها للصِّحَّة فَتَصِح صلَاته مُنْفَردا، وتسميتها سنة لوُجُوبهَا بِالسنةِ.
وَتَمام الْكَلَام فِي شرحنا على (نور الايضاح الْمُسَمّى بمعراج النجاح) فَرَاجعه، فَإِن فِيهِ فَوَائِد خلت عَنْهَا أَكثر الشُّرُوح.
قَوْله: (أَو جُمُعَة) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَالْحَلْوَانِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كالسرخسي، والاول أوجه.
فتح.
لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْهُ أَنَّ الْحُكْمَ بِسُقُوطِ الْعَدَالَةِ بارتكاب الْكَبِيرَة يحْتَاج إِلَى الظُّهُور.
تَأمل.
سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
قَالَ فِي تَهْذِيب القلانسي قَالَ: فِي ترك الْجَمَاعَة مجَّانا شهرا.
وَفِي الذَّخِيرَة: هَذَا إِن لم يستخف بِالدّينِ وَإِن اسْتحق فَهُوَ كَافِر اه.
قَوْله: (أَو أكل فَوق شبع) عِنْد الاكثرين.
وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالشبع مَا لَا يضرّهُ، وَبِمَا زَاد عَلَيْهِ مَا يضرّهُ لانه هُوَ الَّذِي يحرم ط.
قَوْله: (بِلَا عذر) رَاجع إِلَى الثَّلَاثَة قبله.
وَمِثَال الْعذر فِي الاكل مؤانسة الضَّيْف وَقصد التقوي على صَوْم الْغَد كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة وَالْفَتْح.
وَمن الْعذر مَا إذَا أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ لِيَتَقَايَأَهُ.
قَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: رَأَيْت أَنَسَ بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُ يَأْكُلُ أَلْوَانًا مِنْ الطَّعَامِ وَيُكْثِرُ ثُمَّ يتقايأ وينفعه ذَلِك.
خَانِية.
أَقُول: وَهل مثله مَا إِذا كَانَ مضيفا وَلَا يرضى صَاحب الطَّعَام إِلَّا بذلك؟ بَحر.
وَالَّذِي فِي حفظي أَنه عذر أَيْضا فَليُرَاجع.
أما مَسْأَلَة الضَّيْف فَالظَّاهِر إِذا لم يكن بَينهمَا مباسطة تَامَّة، أما إِذا كَانَ فَلَا يكون عذرا وليحرر أَيْضا.
قَوْله: (وَخُرُوج لفرجة قدوم أَمِير) فِي الْهِنْدِيَّة: إِذا قدم الامير بَلْدَة
فَخرج النَّاس وجلسوا فِي الطَّرِيق ينظرُونَ إِلَيْهِ، قَالَ خلف: بطلت عدالتهم إِلَّا أَن يذهبوا للاعتبار فَحِينَئِذٍ لَا تبطل عدالتهم، وَالْفَتْوَى على أَنهم إِذا خَرجُوا لَا لتعظيم من يسْتَحق التَّعْظِيم وَلَا للاعتبار تبطل عدالتهم.
كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّة وقاضيخان.
وَعلله فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى بشغله الطَّرِيق فَصَارَ مرتكبا لِلْحَرَامِ لانه حق الْعَامَّة وَلم يعْمل للجلوس اه.
وَهَذَا التَّعْلِيل يُفِيد أَنه إِذا تجرد عَن شغل الطَّرِيق لَا يكون قادحا مُطلقًا، وَلَا يُنَافِيهِ مَا تقدم إِذا تأملته، لَكِن كَلَام قاضيخان يُفِيد خِلَافه.
قَالَ ابْن وهبان: وَيَنْبَغِي أَن يكون ذَلِك على مَا اعتاده أهل الْبَلَد، فَإِن كَانَ من عَادَة أهل الْبَلَد أَنهم يَفْعَلُونَ ذَلِك وَلَا يُنكرُونَ وَلَا يستخفون فَيَنْبَغِي أَن لَا يقْدَح.
وَذكر ابْن الشّحْنَة بعده: فَقَوْل المُصَنّف وَيَنْبَغِي الخ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي اه.
وَمثله فِي الْبَحْر.
قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ: أَقُول فَتحَرَّر من مَجْمُوع مَا ذكر أَنه إِن كَانَ الامير غير صَالح قدح فِي الْعَدَالَة مُطلقًا.
وَإِن كَانَ صَالحا وَلم يشغل الطَّرِيق لَا يقْدَح، وَإِن شغله قدح، وَأَنت على علم بِأَن الحكم يَدُور مَعَ الْعلَّة وَالْعلَّة فِي الْقدح ارْتِكَاب مَا هُوَ مَحْظُور وتعظيم الْفَاسِق كَذَلِك، فعلى ذَلِك يَدُور الحكم.
تَأمل اه.
стр. 562
أَقُول: هَذَا بمعزل عَمَّا قدمْنَاهُ فِيمَا إِذا خرج للاعتبار وَلم يجلس فِي الطَّرِيق وَكَانَ الامير صَالحا أَو فَاسِقًا وَلم يقْصد تَعْظِيمه فَحِينَئِذٍ لَا يقْدَح كَمَا علمت، فَافْهَم.
قَوْله: (وركوب بَحر) أَي بَحر الْهِنْد، وَهُوَ الْبَحْر الاحمر الْمَعْرُوف الْآن ببحر السويس بِأَنَّهُ إِذا ركب الْبَحْر إِلَى الْهِنْد فقد خاطر بِنَفسِهِ وَدينه، وَمِنْهَا سُكْنى دَار الْحَرْب وتكثير سوادهم وعددهم وتشبهه بهم لينال بذلك مَالا وَيرجع إِلَى أَهله غَنِيا، فَإِذا كَانَ لَا يُبَالِي بِمَا ذكر لَا يَأْمَن أَن يَأْخُذ من عرض الدُّنْيَا فَيشْهد بالزور.
وَقَالَ ظهير الدّين: لَا يمْنَع.
قَالَ الْعَلامَة عبد الْبر: وَالَّذِي يظْهر أَن الْمَانِع لَيْسَ الرّكُوب لَهُ مُطلقًا بل مَعَ مَا اقْترن بِهِ، وَهَذَا حِين كَانَ الْهِنْد كُله كفرا كَمَا يرشد إِلَيْهِ التَّعْلِيل.
كَيفَ وَالنَّص الْقطعِي أَبَاحَ ركُوب الْبَحْر مُطلقًا إِلَّا عِنْد ظن الْهَلَاك، وَمَا زَالَ السّلف يركبون الْبحار من غير إِنْكَار، وَنَصّ الْقُرْآن الْعَظِيم أعظم دَلِيل على الْجَوَاز اه بِتَصَرُّف.
وَفِي الْقُهسْتَانِيّ: وَقيل يشْهد رَاكب الْبَحْر للتِّجَارَة وَغَيرهَا، وَهُوَ الصَّوَاب اه ط.
أَقُول: لَا سِيمَا فِي زَمَاننَا الْآن فَإِنَّهُ لَا مخاطرة بِالنَّفسِ، وَلَا مَحل لظن الْهَلَاك فِي السفن المخترعة الْآن وَهِي الْمَعْرُوفَة ببابور النَّار، فَإِن سَيرهَا بالعجل لَا بِالرِّيحِ، فَإِن سَيرهَا بالعجل يَدُور ببخار المَاء المغلي بالنَّار فَلَا يخْشَى من تلف إِلَّا نَادرا من غَفلَة الملاحين.
قَوْله: (وَلبس حَرِير) إِلَى قَوْله أَو قمر محمل ذَلِك فِيمَا يظْهر على من شهر بذلك ط.
أما لبس الْحَرِير فلحرمته إِلَّا مَا اسْتثْنى.
وَأما الْبَوْل فِي السُّوق فلاخلاله بالمروءة.
وَأما اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر فِي الْبَوْل فلكراهة ذَلِك لانهما آيتان عظيمتان مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ، وَقِيلَ لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذين مَعَهُمَا، وَالْمرَاد بالاستقبال اسْتِقْبَال عينهما، فَلَو كَانَ فِي مَكَان مَسْتُور وَلم تكن عينهما بمرأى مِنْهُ بِأَن كَانَ سَاتِرٌ يَمْنَعُ عَنْ الْعَيْنِ وَلَوْ سَحَابًا فَلَا كَرَاهَة، كَمَا إِذا لم يَكُونَا فِي كبد السَّمَاء كَمَا حررته فِي (مِعْرَاج النجاح على نور الايضاح) .
أَقُول: وَمثل لبس الْحَرِير اسْتِعْمَال مَا يحرم شرعا كفضة وَذهب، وَقَوله: أَو إِلَى قبْلَة ظَاهره وَلَو فِي بِنَاء مَعَ أَن الائمة يَقُولُونَ بِعَدَمِ الْكَرَاهَة فِيهِ، فَالظَّاهِر أَن يُقيد هُوَ وَمَا يعده فِي الصَّحرَاء.
قَوْله: (وطفيلي) يتتبع الدَّعْوَات من غير أَن يَدعِي وَصَارَ عَادَة لَهُ وَإِن أَثم بِمرَّة: أَي بِلَا خلاف كَمَا فِي الْبَحْر.
قَوْله: (ومسخرة) لرفضه الْمُرُوءَة إِن اعْتَادَ ذَلِك واشتهر، ولارتكاب الْمَحْظُورَات غَالِبا بِلَا خلاف كَمَا فِي الْهِنْدِيَّة.
قَوْله: (ورقاص) وَمِنْه الكوشت والحربية وَالْمَعْرُوف بِالسَّمَاعِ كل ذَلِك حرَام، فَمن اعتاده واشتهر عَنهُ يقْدَح فِي عَدَالَته دون مَا يَقع مِمَّن غلب عَلَيْهِم الْحَال ويفعلون ذَلِك بِدُونِ اخْتِيَار، نفعنا الله تَعَالَى بهم، كَمَا أوضح ذَلِك سَيِّدي الْوَالِد فِي رِسَالَة (شِفَاءُ الْعَلِيلِ وَبَلُّ الْغَلِيلِ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ بالختومات والتهاليل) .
قَوْله: (وشتام للدابة) مَحْمُول على الاعتياد.
أَفَادَهُ فِي الْهِنْدِيَّة.
قَوْله: (وَفِي بِلَادنَا يشتمون بَائِع الدَّابَّة) فَيجْرِي فِيهِ التَّفْصِيل فِي الاعتياد وَعَدَمه، وَكَثِيرًا مَا يلعنون الدَّابَّة وبائعها فَلَا يجوز لعن الدَّابَّة وَغَيرهَا من الجماد، وَقد ورد التَّصْرِيح بِالنَّهْي عَن اللَّعْن.
قَوْله: (لَا تقبل شَهَادَة الْبَخِيل) ذكره فِي الْهِنْدِيَّة عَن الْمُحِيط.
قَوْله: (يستقصي) بالصَّاد الْمُهْملَة: أَي يُبَالغ.
قَوْله: (فِيمَا يتقرض) وَفِي نُسْخَة يقبض وَهُوَ كَذَلِك فِي الْخُلَاصَة.
وَالَّذِي فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة لعبد الْبر
стр. 563
والشرنبلالي يقْرض بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَالْقَاف اه ح.
قَوْله: (وَلَا شَهَادَةُ الْأَشْرَافِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ
لِتَعَصُّبِهِمْ) لانهم قوم يتعصبون، فَإِذا نَاب قوم أحد مِنْهُم نائبة أَتَى سيد قومه فَيشفع فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِزُورٍ اه.
وَعَلَى هَذَا كُلُّ مُتَعَصِّبٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
بَحر.
قَالَ الرَّمْلِيّ: قَالَ الْغَزِّي قلت: وَفِي الْخُلَاصَة من كتاب الْقَضَاء: فَإِن عدله اثْنَان وجرح اثْنَان فالجرح أولى، إِلَّا إِذا كَانَ بَينهم تعصب فَإِنَّهُ لَا يقبل جرحهم لَان أصل الشَّهَادَة لَا تقبل عِنْد العصبية فالجرح أولى اه.
وَفِي معِين الْحُكَّام فِي مَوَانِع قبُول الشَّهَادَة قَالَ: وَمن العصبية أَن يبغض الرجل الرجل لانه من بني فلَان أَو من قَبيلَة كَذَا اه.
أَقُول: من التعصب أَن يبغضه لانه من حزب فلَان أَو من أَصْحَابه أَو من أَقَاربه أَو منسوبيه اه.
قَالَ عبد الْحَلِيم فِي حَاشِيَة الدُّرَر: وَلَا يذهب عَلَيْك أَن أَكثر طَائِفَة الْقُضَاة بل الموَالِي فِي عصرنا بَينهم تعصب ظَاهر لاجل المناصب والرتب، فَيَنْبَغِي أَن لَا تقبل شَهَادَة بَعضهم على بعض مَا لم يتَبَيَّن عَدَالَته كَمَا لَا يخفى اه.
قَوْله: (وَلَا مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الخ) أَي اسْتِخْفَافًا لانه لَا يكون أَهلا للشَّهَادَة فَلَا يعْتَمد عَلَيْهِ.
منح، وَتقدم فِي بَاب التَّعْزِير أَن من ارتحل إِلَى مَذْهَب بِدُونِ حَاجَة شَرْعِيَّة يُعَزّر فَكَانَ ذَلِك مَعْصِيّة مُوجبَة لرد شَهَادَته، ولانه لَيْسَ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِيُزَوَّجَ لَهُ أَخَافُ أَن يَمُوت مسلوب الايمان لاهانته بِالدّينِ بجيفة قذرة.
قنية من كتاب الْكَرَاهِيَة.
وَفِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ الْمِنَحِ: وَإِنْ انْتقل إِلَيْهِ لقلَّة مبالاة فِي الِاعْتِقَاد والجرأة عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ كَمَا يتقوله وَيَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْهِ لِغَرَضٍ يَحْصُلُ لَهُ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ اه.
فَعُلِمَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَاصٍّ بِانْتِقَالِ الْحَنَفِيِّ، وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، فَافْهَمْ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْمُتَعَصِّبِينَ فَتَحْرُمَ بَرَكَةُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهدين نفعنا الله تَعَالَى بهم أَجْمَعِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة آمين.
وَتقدم هَذَا الْبَحْثَ مُسْتَوْفًى فِي فَصْلِ التَّعْزِيرِ فَارْجِعْ إِلَيْهِ.
قَوْله: (وَكَذَا بَائِع الاكفان والحنوط) أَي إِذا ابتكر وترصد لذَلِك، أما إِذا كَانَ يَبِيع الثِّيَاب وَيَشْتَرِي مِنْهُ الاكفان تجوز شَهَادَته.
جَامع الْفَتَاوَى وبحر.
وَفِي الْهِنْدِيَّة: إِذا كَانَ الرجل يَبِيع الثِّيَاب المصورة أَو ينسجها لَا تقبل شَهَادَته اه: أَي صُورَة ذِي روح.
قَوْلُهُ: (لِتَمَنِّيهِ الْمَوْتَ) وَإِنْ لَمْ يَتَمَنَّهُ بِأَنْ كَانَ عَدْلًا تُقْبَلْ.
كَذَا قَيَّدَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ.
قَالَ الرحمتي: وَيَنْبَغِي
أَن يكون مثله بَائِع الطَّعَام لتمنيه الغلاء والشدة على النَّاس اه.
أَقُول: وَهَذَا أَيْضا إِن لم يتمنه بِأَن كَانَ عدلا تقبل.
قَوْله: (وَكَذَا الدَّلال) أَي فِيمَا عقده لعدم صِحَة الشَّهَادَة على فعل نَفسه أَو مُطلقًا لِكَثْرَة كذبه.
فِي التَّنْقِيح لسيدي الْوَالِد: سُئِلَ فِي شَهَادَة الدَّلال الْعدْل الَّذِي لَا يحلف وَلَا يكذب هَل تقبل؟ الْجَواب نعم إِذا كَانَ كَذَلِك تقبل.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَكَذَا لَا تقبل شَهَادَة النخاس، وَهُوَ الدَّلال إِلَّا إِذا كَانَ عدلا لم يكذب وَلم يحلف اه.
وَقدمنَا عَن الْفَتْح أَن أهل الصناعات الدنيئة الاصح أَنَّهَا تقبل كالزبال والحجام لانها تَوَلَّاهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَمَا لَمْ يُعْلَمْ الْقَادِحُ لَا يَبْنِي على ظَاهر الصِّنَاعَة، وَكَذَا الدلالون
стр. 564
والنخاسون، وَيحْتَمل أَن المُرَاد الدَّلال إِذا شهد على البيع، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: الوكيلان بِالْبيعِ والدلالان إِذا شَهدا قَالَا نَحن بعنا هَذَا الشئ من فلَان لَا تقبل شَهَادَتهمَا اه.
قَوْله: (وَالْوَكِيل) أَي بِالنِّكَاحِ.
قَوْله: (وَلَو بِإِثْبَات النِّكَاح) أَي لَا تقبل بِإِثْبَات النِّكَاح لانها شَهَادَة على فعله، وَقَوله: لَو بِإِثْبَات النِّكَاح للتمثيل لَا للتَّقْيِيد، وَمثله سَائِر الْعُقُود الَّتِي بَاشَرَهَا لَا يَصح شَهَادَته بهَا إِذا صرح بِأَنَّهُ بَاشَرَهَا وكَالَة، أما إِذا شهد أَنه ملكه أَو فِي إِجَارَته تقبل.
وَفِي بعض نسخ الشَّرْح زِيَادَة وَاو قبل لَو: أَي وَلَو بِإِثْبَات النِّكَاح ترقيا إِذْ هُوَ هُنَا سفير وَهِي الاولى.
قَوْله: (أما لَو شهد أَنَّهَا امْرَأَته تقبل) لانه شهد بِقِيَام النِّكَاح لَا بعقده.
قَوْلُهُ: (وَالْحِيلَةُ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِعِلَّةٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْفِيَهَا وَيَشْهَدَ، كَمَا إذَا كَانَ عَبْدًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَو ابْنه أَو نَحْو ذَلِك، فَلْيتَأَمَّل.
سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
أَقُول: وَسَيَأْتِي قَرِيبا عَن الْبَحْر عَن الْمُلْتَقط أَن لشارب الْخمر أَن يشْهد إِذا لم يطلع عَلَيْهِ، وَأَنه لَا يحل لَهُ أَن يهتك ستره بِذكر فسقه وَإِبْطَال حق الْمُدَّعِي.
قَوْله: (بِالنِّكَاحِ) أَي بإثباته، وَلَا يذكر الْوكَالَة: أَي أَن كَانَ وَكيلا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بَزَّازِيَّةٌ) عِبَارَتُهَا: وَشَهَادَةُ الْوَكِيلَيْنِ أَوْ الدَّلَّالَيْنِ إِذا قَالَا نَحن بعنا هَذَا الشئ، أَوْ الْوَكِيلَانِ بِالنِّكَاحِ أَوْ بِالْخُلْعِ إذَا قَالَا نَحْنُ فَعَلْنَا هَذَا النِّكَاحَ أَوْ الْخُلْعَ لَا تُقْبَلُ، أَمَّا لَوْ شَهِدَ الْوَكِيلَانِ بِالْبَيْعِ أَوْ النِّكَاحِ أَنَّهَا مَنْكُوحَتُهُ أَوْ مِلْكُهُ تُقْبَلُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ: أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ النِّكَاحَ فَشَهِدَ رَجُلٌ قَدْ تَوَلَّى الْعَقْدَ وَالنِّكَاحَ يَذْكُرُ النِّكَاحَ وَلَا يذكر
أَنه تولاه انْتَهَت.
قَوْله: (وَمُلَخَّصه) أَي ملخص مَا ذكره المُصَنّف فِي كتاب الاجارة من كِتَابه الْمُسَمّى بالمعين.
قَوْله: (الدلالين والصكاكين) إِذا كَانَ غَالب حَالهم الْفساد لِكَثْرَة الْكَذِب مِنْهُم غَالِبا، أما إِذا غلب عَلَيْهِم الصّلاح فَالصَّحِيح أَنَّهَا تقبل كَمَا فِي الْهِنْدِيَّة، وقدمناه آنِفا.
قَوْله: (والمحضرين والوكلاء المفتعلة على أَبْوَابهم) أَي الْقُضَاة، وَهُوَ مُتَعَلق بِالثَّانِي وَحذف من الاول نَظِيره.
قَالَ ح: الوكلاء المفتعلة الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْقُضَاةِ يَتَوَكَّلُونَ لِلنَّاسِ فِي الْخُصُومَة اه.
قَالَ فَخر الدّين: لما سُئِلَ عَن شَهَادَة أعوان الْحَاكِم والوكلاء على أَبْوَاب الْقُضَاة.
قَالَ: لَا تسمع شَهَادَتهم لانهم ساعون فِي إبِْطَال حق الْمُسْتَحقّين فَهُوَ فسق فَلَا تسمع.
قَوْلُهُ: (وَفِيهَا) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا يَأْتِي مَتْنًا.
قَوْله: (أخرج من الْوِصَايَة) نَص على المتوهم، لانه إِذا لم يخرج فشهادته للْمَيت بدين أَو غَيره بَاطِلَة سَوَاء كَانَت الْوَرَثَة كبارًا أَو صغَارًا، وَلَو شهد على الْمَيِّت بدين قبلت على كل حَال.
هندية.
قَوْله: (بعد قبُولهَا) أما إِذا لم يقبل بعد موت الْمُوصي وَلم يرد فَشهد فَالْقَاضِي يَقُول لَهُ أتقبل الْوِصَايَة؟ فَإِن قبل أبطلها، وَإِن رد أمضاها، وَإِن لم يخبر بشئ توقف القَاضِي.
ملتقط.
قَوْله: (للْمَيت) وَلَا للْيَتِيم.
هندية.
قَوْله: (أبدا) أَي وَإِن لم يُخَاصم.
هندية.
قَوْله: (وَكَذَا الْوَكِيل) أَي شَهَادَة الْوَكِيل
стр. 565
للْمُوكل.
قَوْله: (فَكَذَلِك) أَي لَا تقبل عِنْد أبي يُوسُف وَتقبل عِنْد الامام وَمُحَمّد.
كَذَا فِي الذَّخِيرَة.
وَإِنَّمَا اقْتصر الْمُؤلف على قَول الثَّانِي لما قيل إِن الْفَتْوَى وَالْقَضَاء على قَوْله فِي الْوَقْف وَالْقَضَاء ط.
قَوْله: (ومدمن الشّرْب) قَالَ فِي النِّهَايَة معزيا إِلَى الذَّخِيرَة: أَرَادَ بِهِ الادمان فِي النِّيَّة: يَعْنِي يشرب وَمن نِيَّته أَن يشرب بعد ذَلِك إِذا وجده.
قَالَ الرَّمْلِيّ فِي حَاشِيَة الْمنح: بِخِلَاف مَا إِذا أقلع عَنهُ فَإِنَّهُ فَاسق تَابَ فَتقبل شَهَادَته اه.
فَإِذا تمّ هَذَا فَلَا فرق بَين الْخمر وَغَيره، لانه وَإِن كَانَ بقطرة مِنْهَا ارْتكب الْكَبِيرَة وَترد شَهَادَته، لَكِن بِالتَّوْبَةِ يَزُول فسقه وَيعود عدلا وَتقبل شَهَادَته، لَكِن لَا تتمّ بِالتَّوْبَةِ بِمُجَرَّد نِيَّة عدم الشّرْب، بل لَا بُد من النَّدَم والاقلاع فِي الْحَال والعزم على أَن لَا يعود.
وَإِذا علمت معنى الادمان وَأَن غير المدمن تائب بِأَنَّهُ قد أقلع عَنهُ وَنوى أَن لَا يعود إِلَيْهِ سقط هَذَا الْكَلَام كُله، لَان التائب تقبل شَهَادَته سَوَاء تَابَ عَن الصَّغِيرَة أَو الْكَبِيرَة.
أَقُول: لَكِن قدمنَا عَن الْفَتْح عِنْد الْكَلَام على النائحة أَن تَفْسِير الادمان بِالنِّيَّةِ أَمر خَفِي لَا يصلح أَن يكون مدارا لعدم قبُول الشَّهَادَة.
فَتَأمل.
قَوْله: (لَان بقطرة مِنْهَا) فِيهِ حذف اسْم أَن.
قَوْله: (يرتكب الْكَبِيرَة) لانه يحرم قليلها وكثيرها، والقليل يُطلق على القطرة بالاجماع، خلافًا للمعتزلة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ بِإِبَاحَة الْقَلِيل.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَهَذَا كُفْرٌ لِأَنَّهُ جُحُودُ للْكتاب فَإِنَّهُ سَمَّاهُ رِجْسًا.
وَالرِّجْسُ: مَا هُوَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ مُتَوَاتِرَةً أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَآله حَرَّمَ الْخَمْرَ وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الْأَمَةِ، وَلِأَنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ، وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ الْخمر، ولانه لَو أقرّ بِشرب قَطْرَة وَاحِدَة يلْزمه الْحَد كَمَا قرر فِي مَحَله.
قَوْله: (فَترد شَهَادَته) أَي من غير إدمان، هَذَا مُخَالف لما فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا شَرط الادمان ليَكُون ذَلِك ظَاهرا مِنْهُ، فَإِن من شرب الْخمر سرا وَلَا يظْهر مِنْهُ ذَلِك لَا يخرج من أَن يكون عدلا وَإِن شربهَا كثيرا وَإِنَّمَا تسْقط عَدَالَته إِذا كَانَ ذَلِك يظْهر مِنْهُ أَو يخرج سَكرَان فتلعب بِهِ الصّبيان فَإِنَّهُ لَا مُرُوءَة لمثله وَلَا يحْتَرز عَن الْكَذِب عَادَة، وَكَذَا مَنْ يَجْلِسُ مَجْلِسَ الْفُجُورِ وَالْمَجَانَةِ فِي الشُّرْبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ.
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان: لَا تقبل شَهَادَة مدمن الْخمر وَلَا مدمن السكر لانه كَبِيرَة.
وَفِي الذَّخِيرَة: لَا تقبل شَهَادَة مدمن الْخمر.
زَيْلَعِيّ وعيني.
وَفِي النِّهَايَة: الادمان شَرط فِي الْخمر أَيْضا فِي حق سُقُوط الْعَدَالَة اه.
فَهَذِهِ نقُول صَرِيحَة فِي عدم الْفرق فِي اشْتِرَاط الادمان بَين الْخمر وَغَيره، فَمَا ذكره الشَّرْح تبعا لصَاحب الْبَحْر لَا يعول عَلَيْهِ.
أَبُو السُّعُود.
وَقد تقدم أَنه يشْتَرط الاشتهار فِي كل من أَتَى بَابا من أَبْوَاب الْكَبَائِر.
ط بِزِيَادَة.
أَقُول: وَكَذَلِكَ صحّح شَرط الادمان فِي شرب الْخمر لسُقُوط الْعَدَالَة.
البرجندي وَصَاحب التَّتِمَّة، وَعَلِيهِ كَلَام الدُّرَر حَيْثُ عمم الشّرْب شرب الْخمر والعرقي والوزج وَنَحْوهَا كَمَا فِي عبد الْحَلِيم.
قَوْله: (وَمَا ذكره ابْن الْكَمَال) من أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلَا يُسْقِطُ الْعَدَالَة إِلَّا بالاصرار عَلَيْهِ.
قَوْله: (كَمَا حَرَّره فِي الْبَحْر) قَالَ فِيهِ: وَذَكَرَ ابْنُ الْكَمَالِ: أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ لَيْسَ بكبيرة فَلَا تسْقط الْعَدَالَة إِلَّا بالادمان عَلَيْهِ.
стр. 566
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَةُ شَارِبِ الْخَمْرِ بِنَفْسِ الشُّرْبِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ لم يثبت بِنَصّ قَاطع إِلَّا إِذا داوم على ذَلِك اه.
وَهُوَ غلط من ابْن الْكَمَال لما قدمْنَاهُ عَن الْمَشَايِخ من التَّصْرِيح بِأَن شربهَا كَبِيرَة، ولمخالفتها للْحَدِيث الْمَشْهُور فِي الْكَبَائِر أَنَّهَا سبع، وَذكر مِنْهَا شرب الْخمر اه.
بل إِنَّمَا شَرط الادمان عَلَيْهَا للاشتهار لَا لانها صَغِيرَة، لَان الشَّهَادَة لَا ترد إِلَّا بالادمان وظهوره بالاشتهار.
وَأما مُجَرّد الشّرْب مَعَ قطع النّظر عَن سُقُوط الشَّهَادَة فقد علمت أَنه كَبِيرَة وَلَو بقطرة، فَلَو تغفل.
قَالَ السائحاني: أَقُول: نِسْبَة الْغَلَط إِلَى هَذَا الْهمام فِي الْفرق بَين شَرط الادمان للخمر وَغَيره من الاشربة غير مسلمة لما صرح قاضيخان فِي فَتَاوَاهُ.
وَعبارَته: وَلَا تقبل شَهَادَة مدمن الْخمر وَلَا مدمن السكر لانها كَبِيرَة، وَإِنَّمَا شَرط الادمان ليظْهر ذَلِك عِنْد النَّاس، فَإِن من اتهمَ بِشرب الْخمر فِي بَيته لَا تبطل عَدَالَته وَإِن كَانَت كَبِيرَة، وَإِنَّمَا تبطل إِذا ظهر ذَلِك أَو يخرج سَكرَان يسخر مِنْهُ الصّبيان، لَان مثله لَا يحْتَرز عَن الْكَذِب.
وَذكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى أَن شرب الْخمر يبطل الْعَدَالَة.
وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى: مَا لم يظْهر ذَلِك يكون مَسْتُور الْحَال اه.
وَفِي الْمَقْدِسِي: وَمُحَمّد شَرط الادمان وَهُوَ الصَّحِيح.
نعم إِذا حمل الْغَلَط على قَول ابْنُ الْكَمَالِ أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ يظْهر لما قدمْنَاهُ قَرِيبا من أَن شرب قَطْرَة مِنْهُ كَبِيرَة.
وَفِي الْبَدَائِع: شرب الْخمر أَحْيَانًا للتقوي لَا للتلهي يكون عدلا، وَعَامة الْمَشَايِخ لَا يكون عدلا لَان شرب الْخمر كَبِيرَة مَحْضَة اه.
قَوْله: (قَالَ وَفِي غير الْخمر) قد علمت أَنَّهَا يشْتَرط فِيهَا أَيْضا.
قَوْله: (يشْتَرط الادمان) قدمنَا أَنه اخْتلف فِي الادمان هَل هُوَ فِي الْفِعْل أَو النِّيَّة على قَوْلَيْنِ محكيين فِيهِ؟ وَفِي الاصرار، قَالَ ابْن كَمَال: إِن الادمان بالعزم أَمر خَفِي لَا يصلح أَن يكون مدارا لعدم قبُول الشَّهَادَة، ومحصله أَن ابْن الْكَمَال يمِيل إِلَى تَرْجِيح اشْتِرَاط الادمان بِالْفِعْلِ لَا بِالنِّيَّةِ، فَرَاجعه.
قَوْله: (على اللَّهْو) أَي لاجل اللَّهْو: أَي وَهُوَ مَعْرُوف، وَأَصله ترويح النَّفس بِمَا لَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة.
بَحر عَن الْمِصْبَاح، وَالْمرَاد بِهِ أَن لَا يكون للتداوي فَيدْخل فِي اللَّهْو الشّرْب للاعتياد.
قَالَ فِي الْبَحْر: فَأطلق اللَّهْو على المشروب، وَظَاهره أَنه لَا بُد من الادمان فِي حق الْخمر أَيْضا.
قَالَ فِي الْمنح: هُوَ خلاف الظَّاهِر من الْعبارَة، لَان الظَّاهِر مِنْهَا أَن معنى مدمن الشّرْب: أَي مداوم
شرب الْخمر على اللَّهْو.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: أَي مداوم شرب الْخمر لاجل اللَّهْو لَان شربهَا كَبِيرَة.
وَقَالَ منلا خسرو: ومدمن الشّرْب: أَي شرب الاشربة الْمُحرمَة، فَإِن إدمان شرب غَيرهَا لَا يسْقط الشَّهَادَة مَا لم يكن على اللَّهْو اه.
فَأفَاد كَلَامه أَن الشّرْب على اللَّهْو إِنَّمَا هُوَ شَرط فِي غير الاشربة الْمُحرمَة، أما فِيهَا فَلَا يشْتَرط، وَهَذَا يُوَافق كَلَام صَاحب الْبَحْر.
وَالظَّاهِر أَن هَذَا هُوَ الَّذِي أحوجه إِلَى ذكره من حمل اللَّهْو فِي كَلَام الْكَنْز على المشروب، وَهُوَ مُخَالف لكَلَام الزَّيْلَعِيّ، فَإِنَّهُ جعله شرطا فِي الْخمر أَيْضا، وَرُبمَا يُنَاسِبه كَلَام الشَّارِح هُنَا، وَالظَّاهِر خِلَافه لَان شرب الْخمر كَبِيرَة ترد الشَّهَادَة بهَا سَوَاء شربت على اللَّهْو أم لَا، وَظَاهر كَلَامهم أَنه لابد من الادمان فِي حق الْخمر أَيْضا.
وَأما إدمان شرب غير الْمحرم لَا يسْقط الشَّهَادَة مَا لم يكن على اللَّهْو، فَجعل اللَّهْو قيدا للشُّرْب وَحمله على شرب غير الْمُحرمَة هُوَ الَّذِي يظْهر كَمَا يظْهر لي من كَلَامهم، وَالله تَعَالَى الْمُوفق.
قَوْله: (لشُبْهَة الِاخْتِلَاف) قَالَ فِي الْبَحْر: فِي قَوْله على اللَّهْو إِشَارَة إِلَى أَنه لَو شربهَا للتداوي لم تسْقط عَدَالَته لَان للِاجْتِهَاد فِيهِ مساغا اه.
قَالَ ط: والاصح الْحُرْمَة.
نعم لَو شرب لغصة شئ فِي حلقه وَنَحْوه مِمَّا ينفسه لَا محَالة كَانَ مُبَاحا.
قُهُسْتَانِيّ.
стр. 567
وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ: لَا تسْقط عَدَالَة أَصْحَاب المروءات بالشرب مَا لم يشْتَهر.
وَفِي الظَّهِيرِيَّة: من سكر من النَّبِيذ بطلت عَدَالَته فِي قَول الْخصاف لَان السكر حرَام عِنْد الْكل.
وَقَالَ مُحَمَّد: لَا تبطل عَدَالَته إِلَّا إِذا اعْتَادَ ذَلِك اه.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَهُوَ عَجِيب من مُحَمَّد لانه قَالَ بِحرْمَة قَلِيله وَلم يُسْقِطهَا بكثيرة، وَظَاهره أَنه يَقُول بِأَن السكر مِنْهُ صَغِيرَة فَشرط الاعتياد اه.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد: قَوْله وَهُوَ عَجِيب من مُحَمَّد الخ فِيهِ نظر ظَاهر يعلم مِمَّا قدمه عَن الصَّدْر الشَّهِيد من أَن الادمان على شرب الْخمر شَرط لسُقُوط الْعَدَالَة عِنْد مُحَمَّد مَعَ أَنه مِمَّن يَقُول بِأَن مُجَرّد شرب الْخمر وَلَو بِدُونِ إدمان وإسكار، وَلِهَذَا قَالَ الْمَقْدِسِي: وَإِنَّمَا فعل ذَلِك مُحَمَّد: يَعْنِي حَيْثُ اشْتِرَاط الاعتياد على السكر من النَّبِيذ للِاحْتِيَاط فَمنع الْقَلِيل: يَعْنِي من الْمُسكر، وَلم يسْقط الْعَدَالَة إِلَّا إِذا اعْتَادَ وَلم يكتف بِالْكَثْرَةِ اه.
فَإِن قلت: لم اشْترط الادمان فِي الشّرْب دون غَيره مِمَّا يُوجب الْحَد؟ قلت: ذكر البرجندي أَن الْوُقُوع فِي الشّرْب أَكثر من الْوُقُوع فِي غَيره، فَلَو جعل مُجَرّد الشّرْب مسْقطًا للعدالة أدّى إِلَى الْحَرج
стр. 568
تَكْمِلَة حَاشِيَة رد الْمُحْتَار - ابْن عابدين (عَلَاء الدّين) ج ٢
تَكْمِلَة حَاشِيَة رد الْمُحْتَار
ابْن عابدين (عَلَاء الدّين) ج ٢
стр. 569
حَاشِيَة قُرَّة عُيُون الاخيار تَكْمِلَة رد الْمُحْتَار على الدّرّ الْمُخْتَار فِي فقه مَذْهَب الامام أبي حنيفَة النُّعْمَان لسيدي مُحَمَّد عَلَاء الدّين أفندى نجل الْمُؤلف
طبعة منقحة مصححة إشراف مكتب البحوث والدراسات
الْجُزْء الثَّامِن دَار الْفِكر للطباعة والنشر والتوزيع
стр. 570
جَمِيع حُقُوق اعادة الطَّبْع مَحْفُوظَة للناشر ١٤١٥ هـ / ١٩٩٥ م دَار الْفِكر بيروت - لبنان دَار الْفِكر: حارة حريك - شَارِع عبد النُّور - برقيا: فكسى - تلكس: ٤١٣٩١ فكر ص.
ب ٧٠٦١ / ١١ - تلفون: ٦٤٣٦٨١ - ٨٣٧٨٠٥٣ - ٨٣٧٨٩٨ - دولي: ٨٦٠٩٦٢ فاكس: ٢١٢٤١٨٧٨٧٥ - ٠٠١
стр. 571
كتاب الدَّعْوَى
لَا يخفى مناسبتها للخصومة: أَي لما اقْتضى كَون الْعَزْل معقبا للوكالة تَقْدِيم بَاب عزل الْوَكِيل فتأخرت الدَّعْوَى عَن الْوكَالَة بِالْخُصُومَةِ عَنهُ.
وَوجه مناسبتها لَهُ أَن الْخُصُومَة شرعا: هِيَ الدَّعْوَى وَالْجَوَاب عَنْهَا، فَكَانَ ذكرهَا بعد الْوكَالَة بِالْخُصُومَةِ من قبيل التَّفْصِيل بعد الاجمال.
قَوْله: (قَول الخ) ظَاهره يَشْمَل الشَّهَادَة إِلَّا أَن يكون تعريفا بالاعم، فَإِن أُرِيد إِخْرَاج الشَّهَادَة يُزَاد لنَفسِهِ.
قَوْله: (إِيجَاب حق على غَيره) أَي ن غير تَقْيِيد بمنازعة وَلَا مسالمة.
حموي.
وَلَا تعرض فِيهِ إِلَى الدّفع عَن حق نَفسه، والمصدر الادعاء وَهُوَ افتعال من ادّعى وَالدَّعْوَى اسْم مِنْهُ، وَتطلق على دَعْوَى الْحَرْب، وَهِي أَن يُقَال يَا لفُلَان، وَكَذَا الدعْوَة والدعاوة بِالْفَتْح وَالْكَسْر اسمان مِنْهُ، والدعوة بِالْفَتْح أَيْضا الْمرة وَالْحلف وَالدُّعَاء إِلَى الطَّعَام وتضم وبالكسر فِي النّسَب ط.
وَقيل الدَّعْوَى فِي اللُّغَة: قَول يقْصد بِهِ الانسان إِيجَاب الشئ على غَيره، إِلَّا أَن اسْم الْمُدَّعِي يتَنَاوَل من لَا حجَّة لَهُ فِي الْعرف وَلَا يتَنَاوَل من لَهُ حجَّة، فَإِن القَاضِي يُسَمِّيه مُدعيًا قبل إِقَامَة الْبَيِّنَة وَبعدهَا يُسَمِّيه محقا لَا مُدعيًا، وَيُقَال لمُسَيْلمَة الْكذَّاب مدعي النُّبُوَّة لانه قد أثبتها بالمعجزة.
قَوْله: (وألفها للتأنيث) هِيَ لُغَة بعض الْعَرَب، وَبَعْضهمْ يؤنثها بِالتَّاءِ.
مِصْبَاح.
قَوْله: (جزم فِي الْمِصْبَاح الخ) قَالَ بَعضهم: الْكسر أولى وَهُوَ الْمَفْهُوم من كَلَام سِيبَوَيْهٍ، لانه ثَبت أَن مَا بعد ألف الْجمع لَا يكون إِلَّا مكسورا، وَأما فَتحه فَإِنَّهُ مسموع لَا يُقَاس عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعضهم: الْفَتْح أولى لَان الْعَرَب آثرت التَّخْفِيف ففتحت ح.
قَوْله: (فيهمَا) أَي فِي الدَّعَاوَى والفتاوى ح.
قَوْله: (مُحَافظَة على ألف التَّأْنِيث) أَي الَّتِي يبْنى عَلَيْهَا الْمُفْرد، وَالظَّاهِر أَنه سَاقِط لفظ وَفتحهَا بعد قَوْله بِكَسْرِهَا كَمَا هُوَ صَرِيح عبارَة الشُّرُنْبُلَالِيَّة والمصباح، أَو يُقَال: إِنَّمَا جزم صَاحب الْمِصْبَاح بِفَتْحِهَا أَيْضا مُحَافظَة الخ فَلَا يسْقط.
تَأمل.
قَوْله: (وَشرعا قَول) أَي إِن قدر عَلَيْهِ، وَإِلَّا فتكفي كِتَابَته.
قَالَ فِي خزانَة الْمُفْتِينَ: وَلَو كَانَ الْمُدَّعِي عَاجِزا عَن الدَّعْوَى عَن ظهر الْقلب يكْتب دَعْوَاهُ فِي صحيفَة وَيَدعِي بهَا فَتسمع دَعْوَاهُ.
اهـ.
قَوْله: (عِنْد القَاضِي) أَي فَلَا تسمع هِيَ وَلَا الشَّهَادَة إِلَّا بَين يَدي الْحَاكِم.
بَحر.
وَأَرَادَ بِالْقبُولِ الملزم فَخرج غَيره كَمَا يَأْتِي.
أَقُول: وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُحكم كَالْقَاضِي فِيمَا يجوز بِهِ التَّحْكِيم بِشُرُوطِهِ فَإِنَّهُ شَرط كَمَا فِي الِاخْتِيَار وَنبهَ عَلَيْهِ الشَّارِح فِي شَرحه عَن الْمُلْتَقى.
стр. 572
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بعد أَن ذكر القَاضِي قَالَ: وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُحكم كَذَلِك لانه يلْزم الْخصم بِالْحَقِّ وَيُخَلِّصهُ اهـ.
وَأَقُول: قد صدر الامر السلطاني الْآن بنفاذ حكم الْمُحكم إِذا رفع للْحَاكِم الشَّرْعِيّ وَكَانَ مُوَافقا نفذه كَمَا فِي كتاب الْقَضَاء من مجلة الاحكام العدلية.
قَوْله: (يقْصد بِهِ طلب حق) أَي مَعْلُوم قبل غَيره.
هَذَا التَّعْرِيف خَاص بِدَعْوَى الاعيان والديون، فَخرج عَنهُ دَعْوَى إِيفَاء الدّين والابراء عَنهُ.
بَحر.
ورده الْعَلامَة الْمَقْدِسِي بِأَن هَذَا إِنَّمَا يكون من جَانب الْمُدعى عَلَيْهِ لدفع الدَّعْوَى: أَي فَلَيْسَ بِدَعْوَى.
وَأَيْضًا إِذا علم أَن الدُّيُون نفضى بأمثالها فالايفاء دَعْوَى دين والابراء دَعْوَى تِلْكَ معنى.
اهـ.
وَقَوله طلب حق يُفِيد أَنه حَال الْمُنَازعَة، فَخرج الاضافة حَال الْمَسْأَلَة فَإِنَّهَا دَعْوَى لُغَةً لَا شَرْعًا.
وَنَظِيرُهُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ: عَيْنٌ فِي يَدِ رَجُلٍ يَقُولُ هُوَ لَيْسَ لِي وَلَيْسَ هُنَاكَ مُنَازِعٌ لَا يَصح نَفْيه، فَلَو ادَّعَاهُ بعده لِنَفْسِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ مُنَازِعٌ فَهُوَ إِقْرَار بِالْملكِ للمنازع، فَلَو ادَّعَاهُ بعد ذَلِك لِنَفْسِهِ لَا يَصِحُّ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لَا يكون إِقْرَار بِالْملكِ لَهُ.
اهـ.
بَحر.
أَقُولُ: كَلَامُ الْبَزَّازِيَّةِ مَفْرُوضٌ فِي كَوْنِ النَّفْيِ إقْرَارًا لِلْمُنَازِعِ أَوْ لَا، وَلَيْسَ فِيهِ دَعْوَاهُ الْملك لنَفسِهِ حَالَة المسالمة.
قَوْله: (خرج الشَّهَادَة) فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت قولا مَقْبُولًا إِلَّا أَنه يقْصد بِهِ إِثْبَات حق للْغَيْر.
قَوْله: (والاقرار) أَي وَكَذَا الاقرار.
وَأورد على التَّعْرِيف يَمِين الِاسْتِحْقَاق، فَإِنَّهُ قَول مَقْبُول يقْصد بِهِ طلب حق قبل الْغَيْر.
وَأجِيب بِأَنَّهُ خرج بِالطَّلَبِ فَإِن المُرَاد بِهِ طلب خَاص وَهُوَ مَا كَانَ بِلَفْظ الدَّعْوَى وَنَحْوه ط.
قَوْله: (أَوْ دَفْعَهُ) أَيْ دَفْعَ الْخَصْمِ عَنْ حَقِّ نَفسه.
زَاد الباقاني فِي الْحَد بعد دَعْوَى صَحِيحَة لينطبق على الْمَحْدُود.
اهـ.
وَعطفه بِأَو التويعية إِشَارَة إِلَى أَن الدَّعْوَى نَوْعَانِ، وَالْقَصْد بِهِ الادخال فَلَا اعْتِرَاض بِإِدْخَال أَو فِي التَّعْرِيف
قَوْله: (دخل دَعْوَى دفع التَّعَرُّض) أَي بقوله أَو دَفعه وَهُوَ أَن يَدعِي كل مِنْهُمَا أَرضًا أَنَّهَا فِي يَده وَبرهن أَحدهمَا على دَعْوَاهُ فَكَانَ مُدعيًا دفع تعرض الآخر حَيْثُ أثبت بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهَا فِي يَده وَالْبَيِّنَة
لَا تقبل إِلَّا بعد صِحَة الدَّعْوَى فَعلمنَا صِحَة دَعْوَى دفع التَّعَرُّض.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة: وَالْفَتْوَى على أَن دَعْوَى دفع التَّعَرُّض صَحِيحَة، فَإِنَّهُ ذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير: أَرض يدعيها رجلَانِ كل يَقُول فِي يَدي لَا يقْضى بِالْيَدِ لوَاحِد مِنْهُمَا، وَلَو أَحدهمَا بِالْيَدِ لآخر لَا يقْضى لَهُ بِهِ، وَلَو برهن أَحدهمَا بِالْيَدِ بقضى لَهُ بِالْيَدِ لانه قَامَ على خصم لنزاعه مَعَه فِي الْيَد، دلّ على أَن دَعْوَى دفع التَّعَرُّض مسموعة لعدم ثُبُوت الْيَد للْآخر.
اهـ.
أَفَادَهُ الرحمتي، لَكِن صورها الطَّحْطَاوِيّ بقوله أَن يَقُول إِن فلَانا يتَعَرَّض لي فِي كَذَا بِغَيْر حق وأطالبه بِدفع التَّعَرُّض فَإِنَّهَا تسمع فينهاه القَاضِي عَن التَّعَرُّض لَهُ بِغَيْر حق، فَمَا دَامَ لَا حجَّة لَهُ فَهُوَ مَمْنُوع عَن التَّعَرُّض، فَإِذا وجد حجَّة تعرض بهَا اهـ.
قَالَ الْحَمَوِيّ نَاقِلا عَن بعد الْفُضَلَاء: لانه وَقع عِنْده تردد فِيمَا إِذا سمع القَاضِي دَعْوَى دفع التَّعَرُّض وَمنع الْخصم من معارضته بعْدهَا هَل يكون قَضَاء مِنْهُ مَانِعا للخصومة من الْمقْضِي عَلَيْهِ فِي
стр. 573
الْحَادِثَة الْمُتَنَازع فِيهَا أم لَا؟ فَإِن كَانَ مَانِعا ظهر نتيجة، وَإِذا لم يكن مَانِعا فَأَي فَائِدَة فِيهِ، وَلم أر من صرح بذلك اهـ.
أَقُول: فَائِدَته فِيمَا يظْهر عدم سَماع ذَلِك القَاضِي مِنْهُ دَعْوَى التَّعَرُّض قبل وجود الْحجَّة مَعَه.
وَاعْلَم أَن النزاع والتعرض متقاربان، لَكِن إِن أُرِيد بالتعرض أَن يكون بِغَيْر حق بل مُجَرّد أذية وَأُرِيد بالنزاع أَن يكون بمستند يتَوَهَّم وجوده فَالْفرق ظَاهر.
قَوْله: (بِخِلَاف دَعْوَى قطع النزاع) أَي بَينه وَبَين غَيره، حَقِيقَته أَن يَأْتِي بشخص للْقَاضِي وَيَقُول هَذَا يَدعِي عَليّ دَعْوَى، فَإِن كَانَ لَهُ شئ فليبينه، وَإِلَّا يشْهد على نَفسه بالابراء، وَهَذَا غير صَحِيح.
وَهَذِه الدَّعْوَى غير مسموعة لَان الْمُدَّعِي من إِذا ترك ترك.
قَالَ فِي الْبَحْر: سُئِلَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ عَنْ الدَّعْوَى بِقَطْعِ النِّزَاعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
فَأَجَابَ: لَا يُجْبَرُ الْمُدَّعِي على الدَّعْوَى لَان الْحق لَهُ.
اهـ.
وَالَّذِي رَأَيْته فِي عبارَة قَارِئ الْهِدَايَة: سُئِلَ إِذا ادّعى شخص على آخر أَنه يقطع النزاع بَينه وَبَينه: إِن كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حق أَو مُطَالبَة يَدعِي بِهِ ويطالبه، وَإِن كَانَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ حق يشْهد عَلَيْهِ أَنه لَا
يسْتَحق عَلَيْهِ شَيْئا من الْحُقُوق والدعاوى والطلبات، فَهَل تسمع هَذِه الدَّعْوَى من الْمُدَّعِي أم لَا؟ أجَاب لَا يجب عَلَيْهِ أَن يَدعِي عَلَيْهِ لَان الْحق لَهُ، إِن شَاءَ طلبه وَإِن شَاءَ تَركه اهـ.
وَهِي الَّتِي عناها الشَّارِح بقوله سراجية أَي فَتْوَى سراج الدّين قَارِئ الْهِدَايَة، وَهَذَا بِخِلَاف دَعْوَى دفع التَّعَرُّض كَمَا علمت، لَان ذَلِك يَقُول هَذِه الارض فِي يَدي وَهَذِه الْبَيِّنَة تشهد لي بهَا وَهَذَا يَدعِي أَنَّهَا لَهُ وَفِي يَده وَلَا بَيِّنَة لَهُ على دَعْوَاهُ فَأُرِيد أَن لَا يتَعَرَّض لي لاني أثبت أَنِّي ذُو يَد دونه.
قَوْله: (وَهَذَا الخ) يَعْنِي لما عرفنَا أَن الدَّعْوَى قَول مَقْبُول يقْصد بِهِ طلب حق، فَإِن أردنَا بِالْحَقِّ الامر الوجودي كَأَن يَقُول هَذَا المَال لي أُرِيد أَن يُسلمهُ إِلَيّ بَقِي من أَنْوَاع الدَّعْوَى دَعْوَى دفع التَّعَرُّض فيزاد أَو دَفعه عَنهُ حق نَفسه، وَإِن أَرَادَ بِالْحَقِّ أَعم من الوجودي وَهُوَ مَا تقدم وَمن العدمي وَهُوَ أَن يَقُول هَذَا لَا حق لَهُ فِي مَالِي لاني أثبت أَنِّي ذُو يَد وَأطلق أَن لَا يتَعَرَّض لي بِغَيْر حق وَعدم تعرض حق لكنه عدمي فيستغني عَن هَذِه الزِّيَادَة وَهُوَ قَوْله أَو دَفعه.
قَوْله: (الامر الوجودي) فَلَا يَشْمَل العدمي كالدفع فَيحْتَاج إِلَى زِيَادَته لادخاله فِي تَعْرِيف الدَّعْوَى، وَالْمرَاد بالعدمي مَا يَشْمَل الِاعْتِبَار، فَإِن الدّفع لَيْسَ عدميا لَان المُرَاد بِهِ كَفه عَن الْمُنَازعَة ط.
قَوْله: (لهَذَا الْقَيْد) أَي فيستغني فِي التَّعْرِيف عَن هَذَا الْقَيْد وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ دَفْعُهُ فَإِنَّهُ فَصْلٌ قَصَدَ بِهِ الادخال والفصل بعد الْجِنْس قيد، فَافْهَم.
والاوضح أَن يَقُول لم يحْتَج إِلَى زِيَادَة أَو دَفعه.
قَوْله: (وَالْمُدَّعِي الخ) اسْم فَاعل من ادّعى يَدعِي أَصله متدعي لَان ثلاثية دُعَاء فَنقل إِلَى بَاب الافتعال فَصَارَ اتدعى وقلبت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال فَصَارَ ادّعى، وَكَذَلِكَ فِي بَاب التَّصَرُّفَات من الْمُضَارع والامر والمصدر، وَإِنَّمَا أبدلت التَّاء دَالا وَلم يعكس لانها من المهموسة وَالدَّال من المهجورة، فالاقوى لَا يتَحَوَّل إِلَى الضَّعِيف.
تَتِمَّة: لما كَانَ قَوْله وَالْمُدَّعِي الخ للاغلب من المتنازعين فعلا احْتَرز عَنهُ فِي الدُّرَر بقوله من المتنازعين قولا، وَلما كَانَ هَذَا متناولا للمتنازعين فِي المباحث احْتَرز عَنهُ بقوله فِي الْحق: أَي حق العَبْد.
اهـ.
стр. 574
قَالَ شَيخنَا: يُوضحهُ أَنه إِذا تضاربا وَكَانَ الظَّاهِر أَحدهمَا فَإِنَّهُ يُطلق عَلَيْهِ مُدع مَعَ أَنه إِذا ترك لَا يتْرك فَاحْتَاجَ إِلَى إِخْرَاجه بقوله من المتنازعين قولا.
اهـ.
أَبُو السُّعُود.
وَالْحَاصِل: أَن طَالب الْحق يُسمى مُدعيًا والطالب إِذا ترك لَا يتَعَرَّض لَهُ، وَالْمَطْلُوب هُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ التّرْك حَتَّى يسلم مَا عَلَيْهِ.
قَوْله: (من إِذا ترك ترك أَي لَا يجْبر عَلَيْهَا لَان حق الطّلب لَهُ، فَإِذا تَركه لَا سَبِيل عَلَيْهِ.
عَيْني.
أَقُول: وَهَذَا أحسن مَا قيل فِيهِ.
وَقَالَ مُحَمَّد فِي الاصل: قيل الْمُدعى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنكر وَالْآخر الْمُدَّعِي.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَهَذَا صَحِيح غير أَن التَّمْيِيز بَينهمَا يحْتَاج إِلَى فقه وحدة ذكاء، إِذْ الْعبْرَة للمعاني دون الصُّور والمباني، ولان الْكَلَام قد يُوجد من الشَّخْص فِي صُورَة الدَّعْوَى، وَهُوَ إِنْكَار معنى كَالْمُودعِ إِذا ادّعى أَدَاء الْوَدِيعَة أَو هلاكها فَإِنَّهُ مُدع صُورَة ومنكر لوُجُوب الضَّمَان معنى، وَلِهَذَا يحلفهُ القَاضِي إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة أَو لهلاكها أَنه لَا يلْزمه رده وَلَا ضَمَان، وَلَا يحلفهُ أَنه رده لَان الْيَمين أبدا تكون على النَّفْي كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة.
قَوْله: (وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ) أَي ملتبس بمخالفته، وَهُوَ من إِذا ترك لَا يتْرك بل يجْبر على الْخُصُومَة إِذا تَركهَا وَهَذَا فرق صَحِيح.
حموي.
قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: فَلَا يشكل بوصي الْيَتِيم فَإِنَّهُ مدعى عَلَيْهِ معنى فِيمَا إِذا أجْبرهُ القَاضِي على الْخُصُومَة للْيَتِيم، وَإِنَّمَا عرفهَا بذلك وَعدل عَمَّا يَقْتَضِي التَّعْرِيف إِشَارَة إِلَى اخْتِلَاف الْمَشَايِخ فيهمَا.
وَقيل الْمُدَّعِي من يخبر بِحَق لَهُ على غَيره، وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من يخبر بِأَن لَا حق لغيره عَلَيْهِ.
وَقيل الْمُدَّعِي من يلْتَمس خلاف الظَّاهِر، وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من يتَمَسَّك بِالظَّاهِرِ.
اهـ.
وَقيل الْمُدَّعِي من لَا يسْتَحق إِلَّا بِحجَّة كالخارج وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من يسْتَحق بقوله بِلَا حجَّة كذي الْيَد.
قلت: وَهَذَا تَعْرِيف بالحكم فِيهِ دور.
وَأَصَح مَا ذكر فِيهِ الَّذِي مَشى عَلَيْهِ المُصَنّف.
قَوْله: (فَلَوْ فِي الْبَلْدَةِ قَاضِيَانِ كُلٌّ فِي مَحَلَّةٍ) أَي بخصوصها وَلَيْسَ قَضَاؤُهُ عَاما، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْجَبْرَ فِي أَصْلِ الدَّعْوَى لَا فِيمَنْ يَدَّعِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَالتَّفْرِيعُ لَا يظْهر، وَفِي بعض النّسخ بِالْوَاو بدل الْفَاء.
قَوْله: (فَالْخِيَارُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِهِ يُفْتَى.
بَزَّازِيَّةٌ) لَيْسَ مَا ذَكَرَهُ عِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ.
وَعِبَارَتُهَا كَمَا فِي الْمِنَحِ: قَاضِيَانِ فِي مِصْرٍ طَلَبَ كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يذهب إِلَى قَاض فَالْخِيَارُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
اهـ.
وَفِي الْمِنَحِ قُبِلَ هَذَا عَنْ الْخَانِيَّةِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلْدَةِ قَاضِيَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَحَلَّةٍ عَلَى حِدَةٍ فَوَقَعَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ مَحَلَّةٍ وَالْآخَرُ مِنْ مَحَلَّةٍ أُخْرَى وَالْمُدَّعِي يُرِيدُ أَنْ يُخَاصِمَهُ إلَى قَاضِي مَحَلَّتِهِ وَالْآخَرُ يَأْبَى ذَلِكَ، اخْتَلَفَ فِيهَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَكَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ أهل الْعَسْكَر وَالْآخر من أهل الْبَلدة اهـ.
وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ كَمَا فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ إنَّ الْمُدَّعِيَ مُنْشِئٌ لِلْخُصُومَةِ فَيُعْتَبَرُ قَاضِيهِ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَافع لَهَا اهـ.
وَبَيَان التَّعْلِيل كَمَا قَالَ الرَّمْلِيّ إِن عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى الْمُدَّعِي إِذا ترك فَهُوَ منشئ، فَيتَخَيَّر إِن شَاءَ أنشأ الْخُصُومَة عِنْد قَاضِي محلته، وَإِن شَاءَ أَنْشَأَهَا عِنْد قَاضِي محلّة خَصمه، وَأَن مُحَمَّدًا
стр. 575
رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول: الْمُدعى عَلَيْهِ دَافع لَهُ والدافع يطْلب سَلامَة نَفسه والاصل بَرَاءَة ذمَّته، فَأَخذه إِلَى من يأباه لريبة ثبتَتْ عِنْده وتهمة وَقعت لَهُ رُبمَا يوقعه فِي إِثْبَات مَا لم يكن ثَابتا فِي ذمَّته بِالنّظرِ إِلَيْهِ واعتباره أولى، لانه يُرِيد الدّفع عَن نَفسه وخصمه يُرِيد أَن يُوجب عَلَيْهِ الاخذ بالمطالبة، وَمن طلب السَّلامَة أولى بِالنّظرِ مِمَّن طلب ضدها.
تَأمل.
وَإِنَّمَا حَمَلَ الشَّارِحُ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيَّةِ عَلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْمَحَلَّةِ لِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ.
هَذَا كُلُّهُ وَكُلُّ عِبَارَاتِ أَصْحَابِ الْفَتَاوَى يُفِيدُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْبَلْدَةِ قَاضِيَانِ كُلُّ قَاضٍ فِي مَحَلَّةٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوِلَايَةُ لِقَاضِيَيْنِ أَوْ لِقُضَاةٍ عَلَى مِصْرٍ وَاحِدٍ عَلَى السَّوَاءِ فَيُعْتَبَرُ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ فَلَهُ الدَّعْوَى عِنْدَ أَيِّ قَاضٍ أَرَادَهُ، إذْ لَا تَظْهَرُ فَائِدَةٌ فِي كَوْنِ الْعِبْرَةِ لِلْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَعْلِيل صَاحب الْمُحِيط.
اهـ.
وَرَدَّهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا بِالْهَذَيَانِ أَشْبَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُنْشِئٌ لِلْخُصُومَةِ، وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَافِعٌ لَهَا لَا يُتَّجَهُ ذَلِكَ فَإِن الحكم دائر مَعَ الْعلَّة.
اهـ.
وَهُوَ الَّذِي يظْهر كَمَا قَالَ شَيخنَا، لكنه لم يَأْتِ لرده بِوَجْه يقويه، وَالظَّاهِر أَنه لم يظْهر لَهُ المُرَاد وَهُوَ الَّذِي نذكرهُ فِي الْحَاصِل آخر هَذِه الْعبارَة.
وَأَقُولُ: التَّحْرِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ خَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو السُّعُودِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَصْحِيحِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِأَن الْعِبْرَةَ لِمَكَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ قَاضِيَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَحَلَّةٍ وَقَدْ أَمَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ فَقَطْ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْعِمَادِيِّ: وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحدهمَا من أهل العكسر وَالْآخَرُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَأَرَادَ الْعَسْكَرِيُّ أَنْ يُخَاصِمَهُ إلَى قَاضِي الْعَسْكَرِ فَهُوَ عَلَى هَذَا، وَلَا ولَايَة لقَاضِي العكسر عَلَى غَيْرِ الْجُنْدِيِّ، فَقَوْلُهُ وَلَا وِلَايَةَ دَلِيلٌ وَاضح على ذَلِك.
أما إِذا كَانَ كل مِنْهُمَا مَأْذُونًا بِالْحُكْمِ عَلَى أَيٍّ مَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ مِنْ مِصْرِيٍّ وَشَامِيٍّ وَحَلَبِيٍّ وَغَيْرِهِمْ كَمَا فِي قُضَاةِ زَمَانِنَا فَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى قَوْلِ أبي يُوسُف لموافقته لتعريف الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ: أَيْ فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ الَّذِي لَهُ الْخُصُومَة فيطلبها عِنْد أَيِّ قَاضٍ أَرَادَ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْقُضَاةُ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا فِي الْقَاهِرَةِ فَالْخِيَارُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ مَحَلَّتِهِمَا.
قَالَ: وَبِهِ أَفْتَيْت مِرَارًا.
أَقُولُ: وَقَدْ رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ نَقْلًا عَن الْمُفْتِي أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيِّ أَنَّ قُضَاةَ الْمَمَالِكِ الْمَحْرُوسَةِ مَمْنُوعُونَ عَنْ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
اهـ.
وَأَشَارَ إِلَيْهِ الشَّارِح، وَذكر شيخ شُيُوخ مَشَايِخنَا السائحاني بعد كَلَام: قَالَ فِي قَضَاء الْبَزَّازِيَّة: فوض قَضَاء نَاحيَة إِلَى رجلَيْنِ لَا يملك أَحدهمَا الْقَضَاء، وَلَو قلد رجلَيْنِ على أَن ينْفَرد كل مِنْهُمَا بِالْقضَاءِ لَا رِوَايَة فِيهِ.
وَقَالَ الامام ظهير الدّين: يَنْبَغِي أَن يجوز لَان القَاضِي نَائِب السُّلْطَان يملك التفرد.
اهـ.
فَتحصل أَن الْولَايَة لَو لقاضيين فَأكْثر كل وَاحِد فِي محلّة فتفرد القَاضِي صَحِيح وَالْعبْرَة للْمُدَّعى عَلَيْهِ، وَإِن كَانُوا فِي مَحل وَاحِد على السوَاء فقد سَمِعت أَنه لَا يملك أحدهم التفرد فَلَا فَائِدَة فِي اخْتِيَار أحدهم، وَإِن أَمر كل وَاحِد بالتفرد جَازَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يظْهر فرق بَين كل وَاحِد فِي محلّة أَو مُجْتَمعين، فَمَا فهمه المُصَنّف لَيْسَ على إِطْلَاقه بل على هَذَا التَّفْصِيل.
اهـ.
وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يذكر بعد قَوْله جَازَ
стр. 576
وَالْعبْرَة للْمُدَّعِي.
وَقد اتَّضَح المرام من هَذِه الْمَسْأَلَة على أتم وَجه، وَللَّه تَعَالَى الْحَمد، لَكِن صدر الامر
السلطاني الْآن بِالْعَمَلِ على مَا فِي الْمحلة من الْمَادَّة ٣٠٨١ من أَن الْعبْرَة للْمُدَّعى عَلَيْهِ فاحفظه وَالسَّلَام.
قَوْله: (وَبِه أَفْتيت مرَارًا) رده الْعَلامَة الْمَقْدِسِي، وَذكر أَنه يَنْبَغِي التعويل على قَول أبي يُوسُف لموافقته تَعْرِيف الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ، وَذكر أَنه غير صَحِيح.
أما أَولا فَإِن النّسخ الْمَشْهُورَة من الْبَزَّازِيَّة على الاطلاق الَّذِي ادَّعَاهُ وَبنى عَلَيْهِ فتواه، بل على مَا قَيده من أَن كلا من المتداعيين يطْلب المحاكمة عِنْد قَاضِي محلته كَمَا علمت من عِبَارَته الْمُتَقَدّمَة.
وعَلى تَقْدِير فِي نسخته إطلاقا فَهُوَ مَحْمُول على التَّقْيِيد الْمُصَرّح بِهِ فِي الْعمادِيَّة وَالْخَانِيَّة وَغَيرهمَا، فَإِن الَّذِي ولاه خَصمه بِتِلْكَ الْبَلَد أَو بِتِلْكَ الْمحلة.
وَلِهَذَا قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: اخْتصم غَرِيبَانِ عِنْد قَاضِي بَلْدَة صَحَّ قَضَاؤُهُ على سَبِيل التَّحْكِيم.
أَقُول: وَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا لَان الْقَضَاء يُفَوض لَهُم الحكم على الْعُمُوم فِي كل من هُوَ فِي بلدهم أَو قريتهم وَلَو من الغرباء الَّتِي توَلّوا الْقَضَاء بهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ الَّذِي ذكره الْمُؤلف بعد عَن المُصَنّف.
قَوْلُهُ: (عَلَى السَّوَاءِ) أَيْ فِي عُمُومِ الْوِلَايَةِ، لِأَنَّ قُضَاةَ الْمَذَاهِبِ فِي زَمَانِنَا وِلَايَتُهُمْ عَلَى السوَاء فِي التَّعْمِيم، وَهُوَ رد على الْبَحْر.
قَوْله: (بإجابة الْمُدعى عَلَيْهِ) بِأَن قَالَ لَهُ من اخْتَار غَيْرك من الْقَضَاء فَلَا تحكم عَلَيْهِ.
قَوْله: (لزم اعْتِبَاره) أَي أَمر السُّلْطَان أَي الْعَمَل بِهِ وَقد أَمر كَمَا مر فَلَا تنسه.
قَوْلُهُ: (لِعَزْلِهِ) أَيْ لِعَزْلِ مَنْ اخْتَارَهُ الْمُدَّعِي عَن الحكم بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الدَّعْوَى عملا بِأَمْر السُّلْطَان، فَكَأَنَّهُ خصص قَضَاءَهُ بالحكم على من اخْتَارَهُ وَالْقَضَاء يتخصص.
قَوْله: (كَمَا مر مرَارًا) من أَن الْقَضَاء يتَقَيَّد.
قَوْله: (قلت وَهَذَا الْخلاف) أَي بَين مُحَمَّد الْقَائِل بِاعْتِبَار الْمُدعى عَلَيْهِ وَبَين أبي يُوسُف الْقَائِل بِاعْتِبَار الْمُدَّعِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى حِدَةٍ) أَيْ لَا يَقْضِي عَلَى غير أَهلهَا.
قَوْله: (أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ حَنَفِيٌّ وَشَافِعِيٌّ الخ) أَي وَقد ولى الْحَنَفِيّ على أَن يحكم على جَمِيع أهل الْمصر وَكَذَا الشَّافِعِي وَنَحْوه فَلَيْسَ هُوَ كمن ولى على محلّة.
قَوْله: (فِي مجْلِس وَاحِد) قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَة لَان الْمدَار على عُمُوم الْولَايَة كَمَا تقدم، فَلَو اقْتصر على قَوْله وَالْولَايَة وَاحِدَة لَكَانَ أحسن، وَيَعْنِي باتحادها عمومها.
قَوْلُهُ: (وَالْوِلَايَةُ وَاحِدَةٌ) أَيْ لَمْ يُخَصِّصْ كُلَّ وَاحِد بمحله.
قَوْله: (لما أَنه صَاحب الْحق) هَذَا مَا يُعْطِيهِ كَلَام الْمَقْدِسِي، وَهُوَ يُفِيد اعْتِبَار الْمُدَّعِي وَلَو كَانَ أحد الْقُضَاة يساعد الْمُدعى عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْلِيل مِنْهُ أولى من تَعْلِيله السَّابِق بقوله إذْ لَا تَظْهَرُ فَائِدَةٌ فِي كَوْنِ الْعِبْرَةِ للْمُدَّعِي أَو الْمُدعى عَلَيْهِ ط.
قَالَ الشَّارِح فِي الدّرّ الْمُنْتَقى بعد أَن ذكر نَحْو هَذَا: وَأفْتى بعض موَالِي الرّوم بِأَنَّهُ إِن انْضَمَّ إِلَيْهِ احْتِمَال ظلمه فللمدعى عَلَيْهِ، وَالله تَعَالَى الْمُوفق.
اهـ.
قَوْله: (وركنها) أَي الدَّعْوَى إِضَافَة الْحق إِلَى نَفسه.
الرُّكْن جُزْء الْمَاهِيّة، وَقد قدم أَنَّهَا قَول مَقْبُول الخ، فَهِيَ مركبة من إِضَافَة الْحق إِلَى نَفسه وَمن
стр. 577
القَوْل الدَّال عَلَيْهِ وَمن كَونه عِنْد القَاضِي، فَيكون أَرْكَانهَا ثَلَاثَة، وَيحْتَمل أَن كَونهَا عِنْد القَاضِي شَرط كَمَا سيصرح بِهِ فَيكون الرُّكْن شَيْئَيْنِ فَقَط القَوْل ومدلوله، وَظَاهر كَلَام الشَّارِح أَن الرُّكْن هُوَ الْمَدْلُول فَقَط.
وَأما القَوْل فَهُوَ وَسِيلَة إِلَيْهِ فَيكون أَرَادَ بالركن الْمَاهِيّة وَكَثِيرًا مَا يَقع ذَلِك فِي كَلَامه، فَلْيتَأَمَّل.
قَوْله: (كوكيل ووصي) الاولى كموكل ويتيم.
قَوْله: (عِنْد النزاع الخ) إِنَّمَا تسمى دَعْوَى عِنْد النزاع لانه حِينَئِذٍ يُسمى مُدعيًا، أما بعد ثُبُوت حَقه وَانْقِطَاع النزاع عَنهُ فَلَا يُسمى مُدعيًا، وَكَذَا عِنْد المسالمة فَإِنَّهَا لَيست دَعْوَى شرعا.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَخَرَّجَ الْإِضَافَةَ حَالَةَ الْمُسَالَمَةِ فَإِنَّهَا دَعْوَى لُغَة لَا شرعا.
اهـ.
وَنَظِير مَا تقدم عَن الْبَزَّازِيَّة عِنْد قَوْله يقْصد بِهِ طلب حق.
قَوْله: (وَأَهْلهَا) أدخلهُ فِي الْبَحْر فِي الشُّرُوط، ونظم الْحَمَوِيّ الشُّرُوط بقوله: أيا طَالبا مني شَرَائِط دَعْوَة فَتلك ثَمَان من نظامي لَهَا حلا فحضرة خصم وَانْتِفَاء تنَاقض ومجلس حكم بِالْعَدَالَةِ سربلا كَذَلِك معلومية الْمُدَّعِي بِهِ وإمكانه وَالْعقل دَامَ لَك الْعلَا كَذَاك لِسَان الْمُدَّعِي من شُرُوطهَا وإلزامه خصما بِهِ النّظم كملا
قَوْله: (وَلَو صَبيا) أَي وَلَو الْمُمَيز صَبيا.
قَوْله: (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مَأْذُونا لَا تصح دَعْوَاهُ كَسَائِر عِبَارَته الدائرة بَين الضّر والنفع.
تَتِمَّة: نقل الْعَلامَة أَبُو السُّعُود عَن الزَّيْلَعِيّ أَن الصَّبِي الْعَاقِل الْمَأْذُون لَهُ يسْتَحْلف وَيقْضى عَلَيْهِ بِالنّكُولِ، وَلَا يسْتَحْلف الاب فِي مَال الصَّبِي وَالْوَصِيّ فِي مَال الْيَتِيم وَلَا الْمُتَوَلِي فِي مَال الْوَقْف إِلَّا إِذا ادّعى عَلَيْهِم العقد فيستحلفون حِينَئِذٍ.
وَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي الْفُصُول الْعمادِيَّة: لَو ادّعى على صبي مَحْجُور عَلَيْهِ شَيْئا وَله وَصِيّ حَاضر لَا تشْتَرط حَضْرَة الصَّبِي ذكره فِي كتاب الْقِسْمَة، وَلم يفصل بَين مَا إِذا كَانَ الْمُدَّعِي عينا أَو دينا وَجب بِمُبَاشَرَة هَذَا الْوَصِيّ أَو وَجب لَا بمباشرته كضمان الِاسْتِهْلَاك وَنَحْوه.
وَذكر الْخصاف فِي أدب القَاضِي: لَو ادّعى على صبي مَحْجُور مَالا بالاستهلاك أَو بِالْغَصْبِ، إِن قَالَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَة حَاضِرَة تسمع دَعْوَاهُ وَيشْتَرط حُضُور الصَّغِير لَان الصَّبِي مؤاخذ بأفعاله وَالشُّهُود محتاجون إِلَى الاشارة لَكِن يحضر مَعَه أَبوهُ أَو وَصِيّه، حَتَّى إِذا ألزم الصَّغِير بشئ يُؤَدِّي عَنهُ أَبوهُ من مَاله: يَعْنِي من مَال الصَّغِير.
وَذكر بعض الْمُتَأَخِّرين حَضْرَة الصَّغِير الدَّعَاوَى شَرط، سَوَاء كَانَ الصَّغِير مُدعيًا أَو مدعى عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيح أَنه لَا يشْتَرط حَضْرَة الاطفال الرضع عِنْد الدَّعَاوَى، هَكَذَا ذكر فِي الْمُحِيط، وَذكر رشيد الدّين فِي فَتَاوَاهُ أَن الْمُخْتَار أَنه يشْتَرط حَضْرَة الصَّبِي عِنْد الدَّعَاوَى.
اهـ.
وَفِي جَامع أَحْكَام الصغار للاستروشني: وَلَو ادّعى رجل على صبي مَحْجُور شَيْئا وَله وَصِيّ حَاضر لَا يشْتَرط حُضُور الصَّبِي، هَكَذَا ذكر شيخ الاسلام، وَلم يفصل بَين مَا إِذا كَانَ الْمُدَّعِي دينا أَو عينا وَجب الدّين بِمُبَاشَرَة هَذَا الْوَصِيّ أَو لَا.
стр. 578
وَذكر الناطفي فِي أجناسه: إِذا كَانَ الدّين وَاجِبا بِمُبَاشَرَة هَذَا الْوَصِيّ لَا يشْتَرط إِحْضَار الصَّبِي.
وَفِي أدب القَاضِي للخصاف: إِذا وَقع الدَّعْوَى على الصَّبِي الْمَحْجُور عَلَيْهِ إِذا لم يكن للْمُدَّعِي بَيِّنَة فَلَيْسَ لَهُ حق إِحْضَاره إِلَى بَاب القَاضِي: لانه لَو حضر لَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْيَمين، لانه لَو نكل لَا يقْضِي بِنُكُولِهِ، وَإِن كَانَت لَهُ بَيِّنَة وَهُوَ يَدعِي عَلَيْهِ الِاسْتِهْلَاك كَانَ لَهُ حق إِحْضَاره، لَان الصَّبِي مؤاخذ بأفعاله وَالشُّهُود يَحْتَاجُونَ إِلَى الاشارة إِلَيْهِ فَكَانَ لَهُ حق إِحْضَاره، وَلَكِن يحضر مَعَه أَبوهُ حَتَّى إِذا لزم الصَّبِي شئ يُؤَدِّي عَنهُ أَبوهُ من مَاله.
وَفِي كتاب الاقضية أَن إِحْضَار الصَّبِي فِي الدَّعَاوَى شَرط، وَبَعض الْمُتَأَخِّرين من مَشَايِخ زَمَاننَا مِنْهُم من شَرط ذَلِك سَوَاء كَانَ الصَّغِير مُدعيًا أَو مدعى عَلَيْهِ، وَمِنْهُم من أَبى ذَلِك.
وَإِذا لم يكن
للصَّبِيّ وَصِيّ وَطلب الْمُدَّعِي من القَاضِي أَن ينصب عَنهُ وَصِيّا أَجَابَهُ القَاضِي إِلَى ذَلِك.
وَفِي فَتَاوَى القَاضِي ظهير الدّين: وَالصَّحِيح أَنه لَا يشْتَرط حَضْرَة الاطفال الرضع عِنْد الدَّعْوَى، ونشترط حَضْرَة الصَّبِي عِنْد نصب الْوَصِيّ للاشارة إِلَيْهِ.
هَكَذَا فِي الْفَتَاوَى.
وَفِي كتاب الاقضية: وَمن مَشَايِخ زَمَاننَا من أَبى ذَلِك، وَقَالَ لَو كَانَ الصَّبِي فِي المهد يشْتَرط إِحْضَار المهد مجْلِس الحكم، وَلَا شكّ أَن اشْتِرَاطه بعيد، والاول أقرب إِلَى الصَّوَاب وأشبه بالفقه.
اهـ.
وَفِي جَامع أَحْكَام الصغار للاستروشني أَيْضا: الصَّبِي التَّاجِر وَالْعَبْد التَّاجِر يسْتَحْلف وَيقْضى عَلَيْهِ بِالنّكُولِ.
وَذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث أَن الصَّبِي الْمَأْذُون لَهُ يسْتَحْلف عِنْد عُلَمَائِنَا، وَبِه نَأْخُذ.
وَفِي الْفَتَاوَى أَنه لَا يَمِين على الصَّبِي الْمَأْذُون حَتَّى يدْرك.
وَذكر فِي النَّوَادِر: يحلف الصَّبِي الْمَأْذُون لَهُ وَيَقْضِي بِنُكُولِهِ.
وَفِي الْمنية: الصَّبِي الْعَاقِل الْمَأْذُون لَهُ يسْتَحْلف وَيَقْضِي بِنُكُولِهِ.
وَفِي الْوَلوالجِيَّة: صبي مَأْذُون بَاعَ شَيْئا فَوجدَ المُشْتَرِي بِهِ عَيْبا فَأَرَادَ تَحْلِيفه فَلَا يَمِين عَلَيْهِ حَتَّى يدْرك.
وَعَن مُحَمَّد: لَو حلف وَهُوَ صبي ثمَّ أدْرك لَا يَمِين عَلَيْهِ كالنصراني إِذا حلف ثمَّ أسلم لَا يَمِين عَلَيْهِ، فَهَذَا دَلِيل على أَنه لَو حلف يكون مُعْتَبرا.
وَعَن مُحَمَّد: إِذا ادّعى على الصَّبِي دين وَأنكر الْغُلَام فَالْقَاضِي يحلفهُ، وَإِن نكل يقْضى بِالدّينِ عَلَيْهِ وَلَزِمَه فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الْكَبِير، وَفِي الصَّبِي الْمَحْجُور إِذا لم يكن للْمُدَّعِي بَيِّنَة لَا يكون لَهُ إِحْضَاره إِلَى بَاب القَاضِي، لانه لَو حلف وَنكل لَا يقْضى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَلَو كَانَ لَهُ بَيِّنَة وَهُوَ يَدعِي عَلَيْهِ الِاسْتِهْلَاك لَهُ إِحْضَاره لانه مَأْخُوذ بأفعاله، وَإِن لم يكن مأخوذا بأقواله وَالشُّهُود محتاجون إِلَى الاشارة إِلَيْهِ فيحضر، لَكِن يحضر مَعَه أَبوهُ وَمن هُوَ فِي مَعْنَاهُ، لَان الصَّبِي بِنَفسِهِ لَا يَلِي شَيْئا فيحضر الاب، حَتَّى إِذا لزمَه يُؤمر الاب بالاداء عَنهُ فِي مَاله.
كَذَا فِي الْحَوَاشِي الحموية.
وَالْحَاصِل: أَن الْمَفْهُوم مِمَّا ذكر أَنه لَا يلْزم إِحْضَار الصَّغِير وَلَو مدْركا على الصَّحِيح مَا لم يكن مُسْتَهْلكا للاشارة إِلَيْهِ فِي الشَّهَادَة وَلَكِن يحضر مَعَه أَبوهُ أَو وَصِيّه.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُهَا) لَمْ أَرَ اشْتِرَاطَ لَفْظٍ مَخْصُوصٍ لِلدَّعْوَى وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَزْمِ وَالتَّحْقِيقِ، فَلَوْ قَالَ أَشُكُّ أَوْ أَظُنُّ لَمْ تصح
الدَّعْوَى.
بَحر.
فَائِدَة: لَا تُسْمَعْ الدَّعْوَى بِالْإِقْرَارِ، لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الذَّخِيرَة: ادّعى أَن لَهُ عَلَيْهِ كَذَلِك وَأَنَّ الْعَيْنَ الَّذِي فِي يَدِهِ لَهُ لِمَا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ أَوْ ابْتَدَأَ بِدَعْوَى الْإِقْرَارِ وَقَالَ إنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا لِي أَوْ أَقَرَّ أَنَّ لِي عَلَيْهِ كَذَا.
стр. 579
قِيلَ يَصِحُّ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْإِقْرَارِ لِلِاسْتِحْقَاقِ إلَخْ.
بَحْرٌ مِنْ فَصْلِ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ.
وَسَيَأْتِي متْنا أول الاقرار.
قَوْله: (أَي شَرط جَوَاز الدَّعْوَى) أَي صِحَّتهَا.
قَوْله: (مجْلِس الْقَضَاء) فِيهِ مناقشته، فَإِن شَرط الشئ خَارج عَن ذَلِك الشئ وَحُضُور مجْلِس القَاضِي مَأْخُوذ فِي مَفْهُوم الدَّعْوَى حَيْثُ عرفهَا فِي الدُّرَر بِأَنَّهَا مُطَالبَة حق عِنْد من لَهُ الْخَلَاص.
وَأما على تَعْرِيف الْكَنْز بِأَنَّهَا إِضَافَة الشئ إِلَى نَفسه حَالَة الْمُنَازعَة فَلَا ترد هَذِه المناقشة.
أَبُو السُّعُود.
وَالْمرَاد بِمَجْلِس القَاضِي مَحل جُلُوسه حَيْثُ اتّفق وَلَو فِي بَيت أَو دكان، إِذْ لَا تسمع الدَّعْوَى وَلَا الشَّهَادَة إِلَّا بَين يَدي القَاضِي، أما نوابه الْآن فِي محاكم الكنارات فَلَا يَصح سماعهم الدَّعْوَى إِلَّا بهَا مَا لم يُطلق لَهُم الاذن بسماعها أَيْنَمَا أَرَادوا، فَإِذا أطلق لَهُم صَارُوا مثله.
قَوْله: (وَحُضُور خَصمه) قَالَ فِي الْبَحْر: وَلَا بُد من بَيَان من يكون خصما فِي الدَّعَاوَى ليعلم الْمُدعى عَلَيْهِ، وَقد أغفله الشارحون وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي.
فَأَقُول: فِي دَعْوَى الْخَارِج ملكا مُطلقًا فِي عين فِي يَد مُسْتَأْجر أَو مستعير أَو مُرْتَهن فَلَا بُد من حَضْرَة الْمَالِك وَذي الْيَد، إِلَّا إِذا ادّعى الشِّرَاء مِنْهُ قبل الاجارة فالمالك وَحده يكون خصما، وتشترط حَضْرَة المزراع إِن كَانَ الْبذر مِنْهُ أَو كَانَ الزَّرْع نابتا وَإِلَّا لَا.
وَفِي دَعْوَى الْغَصْب عَلَيْهِ لَا تشْتَرط حَضْرَة الْمَالِك.
وَفِي البيع قبل التَّسْلِيم لَا بُد فِي دَعْوَى الِاسْتِحْقَاق وَالشُّفْعَة من حَضْرَة البَائِع وَالْمُشْتَرِي فَاسِدا بعد الْقَبْض خصم لمن يَدعِي الْملك فِيهِ وَقبل الْقَبْض الْخصم هُوَ البَائِع وَحده وَأحد الْوَرَثَة ينْتَصب خصما عَن الْكل فالقضاء عَلَيْهِ قَضَاء الْكل وعَلى الْمَيِّت.
وَقَيده فِي الْجَامِع بِكَوْن الْكل فِي يَده وَأَن الْبَعْض فِي يَده فبقدره وَالْمُوصى لَهُ لَيْسَ بخصم فِي إِثْبَات الدّين إِنَّمَا هُوَ خصم فِي إِثْبَات الْوكَالَة أَو الْوِصَايَة، إِلَّا إِذا كَانَ موصى لَهُ بِمَا زَاد على الثُّلُث وَلَا وَارِث فَهُوَ كالوارث.
وَاخْتِلَاف الْمَشَايِخ فِي إِثْبَات الدّين على من فِي يَده مَال الْمَيِّت وَلَيْسَ بوارث وَلَا وَصِيّ، وَلَا
تسمع دَعْوَى الدّين على الْمَيِّت على غَرِيم الْمَيِّت مديونا أَو دائنا أَي لاجل المحاصصة.
والخصم فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ خَمْسَةٌ: الْوَارِثُ وَالْوَصِيُّ وَالْمُوصَى لَهُ والغريم للْمَيت أَو على الْمَيِّت.
وقف على صَغِير لَهُ وَصِيّ ولرجل فِيهِ دَعْوَى يَدعِيهِ على مُتَوَلِّي الْوَقْف لَا على الْوَصِيّ لَان الْوَصِيّ لَا يَلِي الْقَبْض.
وَلَا تشْتَرط حَضْرَة الصَّبِي عِنْد الدَّعْوَى عَلَيْهِ وتكفي حَضْرَة وَصِيّه دينا أَو عينا بَاشرهُ الْوَصِيّ أَو لَا.
وَلَا تشْتَرط حَضْرَة العَبْد والامة عِنْد دَعْوَى الْمولى أَرْشه ومهرها.
وَلَو ادّعى على صبي مَحْجُور عَلَيْهِ استهلاكا أَو غصبا وَقَالَ لي بَيِّنَة حَاضِرَة تسمع دَعْوَاهُ وتشترط حَضْرَة الصَّبِي مَعَ أَبِيه أَو وَصِيّه وَإِلَّا نصب لَهُ القَاضِي وَصِيّا، وتشترط حَضرته عِنْد الدَّعْوَى مُدعيًا أَو مدعى عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْأَطْفَالِ الرُّضَّعِ عِنْد الدَّعْوَى.
وَالْمُسْتَأْجر خصم لمن يَدعِي الاجارة فِي غيبَة الْمَالِك على الاقرب إِلَى الصَّوَاب، وَلَيْسَ بخصم على الصَّحِيح لمن يَدعِي الاجارة أَو الرَّهْن أَو الشِّرَاء وَالْمُشْتَرِي خصم للْكُلّ كالموهوب لَهُ.
وَفِي دَعْوَى الْعين الْمَرْهُونَة تشْتَرط حَضْرَة الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن وَتَصِح الدَّعْوَى على الْغَاصِب وَإِن لم تكن الْعين فِي يَده، فَلِذَا كَانَ للْمُسْتَحقّ الدَّعْوَى على البَائِع وَحده، وَإِن كَانَ الْمَبِيع فِي يَد المُشْتَرِي
стр. 580
لكَونه غَاصبا وَالْمُودع أَو الْغَاصِب إِذا كَانَ مقرا بالوديعة وَالْغَصْب لَا ينْتَصب خصما للْمُشْتَرِي وينتصب خصما لوَارث الْمُودع أَو الْمَغْصُوب مِنْهُ.
وَمن اشْترى شَيْئا بِالْخِيَارِ فَادَّعَاهُ آخر يشْتَرط حَضْرَة البَائِع وَالْمُشْتَرِي بَاطِلا لَا يكون خصما للْمُسْتَحقّ، وَإِذا اسْتحق الْمَبِيع بِالْملكِ الْمُطلق وَقضى بِهِ فبرهن البَائِع على النِّتَاج وَبرهن على المُشْتَرِي فِي غيبَة الْمُسْتَحق ليدفع عَنهُ الرُّجُوع بِالثّمن اخْتلف الْمَشَايِخ، والاصح أَنه لَا يشْتَرط حَضرته.
وَمِنْهُم من قَالَ: الْمُخْتَار اشْتِرَاطهَا، وَأفْتى السَّرخسِيّ بالاول وَهُوَ الاظهر.
والاشبه أَن الْمُوصى لَهُ ينْتَصب خصما للْمُوصى لَهُ فِيمَا فِي يَده، فَإِن لم يقبض وَلَكِن قضى لَهُ بِالثُّلثِ فخاصمه موصي لَهُ آخر: فَإِن إِلَى القَاضِي الَّذِي قضى لَهُ كَانَ خصما، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِذا ادّعى نِكَاح امْرَأَة وَلها زوج ظَاهر يشْتَرط حَضرته لسَمَاع الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة وَدَعوى النِّكَاح عَلَيْهَا بتزويج أَبِيهَا صَحِيحَة بِدُونِ حَضْرَة أَبِيهَا.
وَدَعوى الْوَاهِب الرُّجُوع فِي الْهِبَة للْعَبد عَلَيْهِ صَحِيحَة إِن كَانَ مَأْذُونا، وَإِلَّا فَلَا بُد من حَضْرَة مَوْلَاهُ.
وَالْقَوْل للْوَاهِب أَنه مَأْذُون وَلَا تقبل بَيِّنَة العَبْد أَنه مَحْجُور، فَإِن غَابَ العَبْد لم تصح دَعْوَى الرُّجُوع على مَوْلَاهُ إِن كَانَت الْعين فِي يَد العَبْد.
وَتَمَامه فِي خزانَة الْمُفْتِينَ.
اهـ.
قَوْله: (فَلَا يَقْضِي عَلَى غَائِبٍ) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ غَائِبًا وَقْتَ الشَّهَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَبَعْدَ التَّزْكِيَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمَجْلِسِ أَوْ عَنْ الْبَلَد إِلَّا أَن يكون ذَلِك ضَرُورِيًّا، كَمَا إِذا توجه الْقَضَاء على الْخصم فاستتر بِشَرْطِهِ الْمَذْكُور فِي مَوْضِعه.
ابْن الْغَرْس: وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي فَيَقْضِي عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَطْعَنَ فِي الْبَيِّنَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْإِقْرَارِ قَضَاءُ إِعَانَة، لَكِن قَالَ فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من جَامع الْفُصُولَيْنِ نَاقِلا عَن الْخَانِية: غَابَ الْمُدعى عَلَيْهِ بعد مَا بَرْهَنَ عَلَيْهِ أَوْ غَابَ الْوَكِيلُ بَعْدَ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ أَوْ مَاتَ الْوَكِيلُ ثُمَّ عُدِّلَتْ تِلْكَ الْبَيِّنَةُ لَا يَحْكُمُ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يحكم وَهَذَا أَرْفَقُ بِالنَّاسِ.
وَلَوْ بَرْهَنَ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَغَابَ ثُمَّ حَضَرَ وَكِيلُهُ أَوْ عَلَى الْوَكِيلِ ثُمَّ حَضَرَ مُوَكِّلُهُ يَقْضِي بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَا يَقْضِي عَلَى الْوَارِثِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَى مُوَرِّثِهِ، وَقد مر الْكَلَام على ذَلِك مُسْتَوفى فِي الْقَضَاء، فَرَاجعه.
وَكَذَا لَا تسمع الشَّهَادَة على غَائِب إِلَّا إِذا التمس الْمُدَّعِي بذلك كتابا حكميا للْقَضَاء بِهِ فَيُجِيبهُ القَاضِي إِلَيْهِ، فَيكْتب إِلَى القَاضِي الْغَائِب الَّذِي بطرفه الْخصم بِمَا سَمعه من الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة ليقضي عَلَيْهِ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّة عَن الْبَدَائِع.
قَوْله: (وَهل يحضرهُ بِمُجَرَّد الدَّعْوَى) أَي يحضر القَاضِي الْخصم.
قَوْله: (فحتى يبرهن) يَعْنِي قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا يحضرهُ إِذا برهن على دَعْوَاهُ لَا للْقَضَاء بهَا بل ليعلم صدقه.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا تُقَام الْبَيِّنَة على الْخصم وَلَا خصم هُنَا بل يحلفهُ بِاللَّه أَنه صَادِق فِيمَا يَدعِي عَلَيْهِ ليعلم بذلك صدقه، فَإِن حلف أحضر لَهُ خَصمه.
قَوْله: (أَو يحلف) أَو لحكاية الْخلاف، لانهما قَوْلَانِ لَا قَوْلٌ وَاحِدٌ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْبُرْهَان والتحليف.
قَالَ فِي الْبَحْر: إِن كَانَ فِي الْمصر أَو قَرِيبا مِنْهُ بِحَيْثُ لَو أجَاب يبيت فِي منزله، وَإِن كَانَ أبعد
стр. 581
مِنْهُ قيل يَأْمُرهُ بإقامته الْبَيِّنَة على مُوَافقَة دَعْوَاهُ لاحضار خَصمه والمستور فِي هَذَا يَكْفِي، فَإِذا أَقَامَ يَأْمر إنْسَانا ليحضر خَصمه.
وَقيل يحلفهُ القَاضِي، فَإِن نكل أَقَامَهُ عَن مَجْلِسه، وَإِن حلف أَمر بإحضاره.
اهـ.
قَالَ قاضيخان: فَإِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة قبلت بَينته للاشخاص لَا للْقَضَاء اهـ: أَي بل لاحضاره، فَإِذا حضر أعَاد الْبَيِّنَة ثَانِيًا، فَإِن عدلت قضى عَلَيْهِ كَمَا فِي شرح أدب القَاضِي.
قَالَ الشلبي: وَعمل قُضَاة زَمَاننَا على خلاف مَا تقدم، فَإِذا أَتَى لَهُم شخص فَقَالَ لي دَعْوَى على شخص يأمرون بإحضاره من غير أَن يستفسروا الْمُدَّعِي عَن دَعْوَاهُ ليعلموا صِحَّتهَا من فَسَادهَا، وَهَذَا مِنْهُم غَفلَة عَمَّا ذَكرُوهُ أَو جهل بِهِ.
اهـ.
وَفِي خزانَة الاكمل: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَو اختفى الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الْبَيْت بعث إِلَيْهِ القَاضِي نسَاء وأمرهن بِدُخُول دَاره، فَإِن عرفنه، وَإِلَّا عزل النِّسَاء فِي بَيت ثمَّ يدْخل الرِّجَال فيفتشون بَقِيَّة الدَّار، قَالَ هِشَام لمُحَمد: مَا تَقول فِي رجل لَهُ حق على ذِي سُلْطَان فَلم يجِئ مَعَه إِلَى مجْلِس القَاضِي؟ فَأَخْبرنِي أَن أَبَا يُوسُف كَانَ يعْمل بالاعداء وَهُوَ قَول أهل الْبَصْرَة وَبِه نَأْخُذ.
والاعداء أَن يبْعَث القَاضِي إِلَى بَابه من يَأْتِيهِ بِهِ، بِأَن يَقُول لَهُ إِن القَاضِي يَدْعُوك إِلَى مجْلِس الحكم، فَإِن أَجَابَهُ فبها، وَإِلَّا جعل القَاضِي وَكيلا عَنهُ.
وَلَا يَأْخُذ أَبُو حنيفَة بالاعداء اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَلم يذكر الشارحون هُنَا حكم اسْتِيفَاء ذِي الْحق حَقه من الْغَيْر بِلَا قَضَاء، وأحببت جمعه من موَاضعه تكثرا للفوائد وتيسيرا على طالبيها، فَإِن كَانَ الْحق حد قذف فَلَا يَسْتَوْفِيه بِنَفسِهِ لَان فِيهِ حق الله تَعَالَى اتِّفَاقًا.
والاصح أَن الْغَالِب فِيهِ حَقه تَعَالَى، فَلَا يَسْتَوْفِيه إِلَّا من يُقيم الْحُدُود وَلَكِن يطْلب الْمَقْذُوف كَمَا بَيناهُ فِي بَابه، وَإِن كَانَ قصاصا فَقَالَ فِي جنايات الْبَزَّازِيَّة: قتل الرجل عمدا وَله ولي لَهُ أَن يقْتَصّ بالسي فَقضى بِهِ أَولا وَيضْرب علاوته، وَلَو رام قَتله بِغَيْر سيف منع، وَإِن فعل عزّر لَكِن لَا يضمن لاستيفائه حَقه اهـ.
وَإِن كَانَ تعزيرا فَفِي حُدُود الْقنية: ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَضَرَبَهُ الْمَضْرُوبُ أَيْضًا أَنَّهُمَا يعزران، وَيبدأ بِإِقَامَة التَّعْزِير بالبادئ مِنْهُمَا لانه أظلم
وَالْوُجُوب عَلَيْهِ أسبق اهـ.
وَأما إِذا شَتمه فَلهُ أَن يَقُول لَهُ مثله، والاولى تَركه كَمَا قدمْنَاهُ فِي مَحَله، بِخِلَاف مَا إِذا قذفه فَلَا يجوز لَهُ أَن يَقُول لَهُ مثله كَمَا إِذا قَالَ لَهُ يَا كلب لانه كذب مَحْض.
وَقَالُوا: للزَّوْج أَن يُؤَدب زَوجته، وَله أَن يضْربهَا على عدم إجَابَته إِذا دَعَاهَا لفراشه وَلَا مَانع، وعَلى ترك الزِّينَة وَهُوَ يريدها، وعَلى ضربهَا وَلَده، وعَلى خُرُوجهَا بِغَيْر إِذْنه بِغَيْر حق، وعَلى صعودها على السلط لتطل على الْجِيرَان أَو يَرَاهَا الاجانب، وَحِينَئِذٍ فَلهُ أَن يقفل عَلَيْهَا الْبَاب.
وَالصَّحِيح أَنه لَا يضْربهَا على ترك الصَّلَاة كَمَا مر فِي مَوْضِعه مفصلا.
وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من التَّحْلِيف: وَمن عَلَيْهِ التَّعْزِير لَو مكن صَاحب الْحق مِنْهُ أَقَامَهُ: يَعْنِي لم يخْتَص الامام بإقامته، فَإِن الزَّوْج يُؤَدب الْمَرْأَة وَلَو رأى أحدا يفعل ذَلِك فَلهُ أَن يمنعهُ ويضربه لَو لم ينزجر بِالْمَنْعِ بِاللِّسَانِ، وَلَو كَانَ حَقه تَعَالَى لانعكست هَذِه الاحكام اهـ.
وَإِن كَانَ عينا.
فَفِي إِجَارَة الْقنية: وَلَو غَابَ الْمُسْتَأْجر بعد السّنة وَلم يسلم الْمِفْتَاح إِلَى الْآجر فَلهُ أَن يتَّخذ مفتاحا آخر، وَلَو أجره من غير إِذن الْحَاكِم جَازَ اهـ.
стр. 582
مطلب: حَادِثَة الْفَتْوَى وَقد صَارَت حَادِثَة الْفَتْوَى: مَضَت الْمدَّة وَغَابَ الْمُسْتَأْجر وَترك مَتَاعه فِي الدَّار فأفتيت بِأَن لَهُ أَن يفتح الدَّار ويسكن فِيهَا، وَأما الْمَتَاع فَيَجْعَلهُ فِي نَاحيَة إِلَى حُضُور صَاحبه، وَلَا يتَوَقَّف الْفَتْح على إِذن القَاضِي أخذا مِمَّا فِي الْقنية.
وَفِي غصب منية الْمُفْتِي: أخذت أَغْصَان شَجَرَة إِنْسَان هَوَاء دَار آخر فَقطع رب الدَّار الاغصان: فَإِن كَانَت الاغصان بِحَال يُمكن لصَاحِبهَا أَن يشدها بِحَبل ويفرغ هَوَاء دَاره ضمن الْقَاطِع، وَإِن لم يكن لَا يضمن إِذا قطع من مَوضِع لَو رفع إِلَى الْحَاكِم أَمر بِالْقطعِ من ذَلِك الْموضع.
اهـ.
وَإِن كَانَ دينا، فَفِي مداينات الْقنية رب الدّين إِذا ظفر من جنس حَقه من مَال الْمَدْيُون على صفته فَلهُ أَخذه بِغَيْر رِضَاهُ، وَلَا يَأْخُذ خلاف جنسه كالدراهم وَالدَّنَانِير.
وَعند الشَّافِعِي: لَهُ أَخذه بِقدر قِيمَته.
وَعَن أبي بكر الرَّازِيّ: لَهُ أَخذ الدَّرَاهِم بِالدَّنَانِيرِ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسا، وَلَو أَخذ من الْغَرِيم جنس الْحق غير رب الدّين وَدفعه
لرب الدّين.
قَالَ ابْن سَلمَة: هُوَ غَاصِب والغريم غَاصِب الْغَاصِب، فَإِن ضمن الْآخِذ لم يصر قصاصا بِدِينِهِ، وَإِن ضمن الْغَرِيم صَار قصاصا.
وَقَالَ نصير بن يحيى: صَار قاصصا بِدِينِهِ والآخذ معِين لَهُ، وَبِه يُفْتى.
وَلَو غصب غير الدَّائِن جنس الدّين من الْمَدْيُون فغصبه مِنْهُ الدَّائِن، فالمختار هُنَا قَول ابْن سَلمَة اهـ.
وَظَاهر قَول أَصْحَابنَا أَن لَهُ الاخذ من جنسه مقرا كَانَ أَو مُنْكرا لَهُ بَيِّنَة أَو لَا، وَلم أر حكم مَا إِذا لم يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بِكَسْر الْبَاب ونقب الْجِدَار، وَيَنْبَغِي أَن لَهُ ذَلِك حَيْثُ لَا يُمكنهُ الاخذ بالحاكم وَإِذا أَخذ غير الْجِنْس بِغَيْر إِذْنه فَتلف فِي يَده ضمنه ضَمَان الرَّهْن كَمَا فِي غصب الْبَزَّازِيَّة: رفع عِمَامَة مديونه عَن رَأسه حِين تقضاه الدّين وَقَالَ لَا أردهَا عَلَيْك حَتَّى تقضي الدّين فَتلفت الْعِمَامَة فِي يَده تهْلك هَلَاك الرَّهْن بِالدّينِ.
قَالَ: هَذَا إِنَّمَا يَصح إِذا أمكنه استردادها فَتَركهَا عِنْده.
أما إِذا عجز فَتَركهَا لعَجزه فَفِيهِ نظر اهـ.
وَأَنت خَبِير بِأَن مَا هُنَا مُشكل، إِذْ يَقْتَضِي أَن الزَّائِد على الدّين أَمَانَة مَعَ كَونه غَاصبا، إِذْ لَيْسَ لَهُ أَخذ غير جنس حَقه، فَتَأمل ذَلِك.
وَفِي الْبَزَّازِيَّة فِي الرَّهْن، تَقَاضَى دَيْنَهُ فَلَمْ يَقْضِهِ فَرَفَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأسه وَأَعْطَاهُ منديلا فلفه عَلَى رَأْسِهِ فَالْعِمَامَةُ رَهْنٌ، لِأَنَّ الْغَرِيمَ بِتَرْكِهَا عِنْده رَضِي بِكَوْنِهَا رهنا، وَسَيَأْتِي فِي الرَّهْن متْنا أَخَذَ عِمَامَةَ الْمَدْيُونِ لِتَكُونَ رَهْنًا عِنْدَهُ لَمْ تكن رهنا اهـ.
وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: أَخذ عِمَامَة مديونه لتَكون رهنا لم يجز أَخذه وهلكه كرهن، وَهَذَا ظَاهر لَو رَضِي الْمَدْيُون بِتَرْكِهِ رهنا.
اهـ.
والتوفيق بَين النقول ظَاهر، فَتَأمل، وَالله تَعَالَى أعلم.
قَوْله: (منية) عبارتها إِذا طلب من القَاضِي إِحْضَار الْخصم وَهُوَ خَارج الْمصر، إِن كَانَ الْوَضع قَرِيبا بِحَيْثُ لَو ابتكر من أَهله أمكنه أَن يحضر مجْلِس القَاضِي ويجيب خَصمه ويبيت فِي منزله يحضرهُ بِمُجَرَّد الدَّعْوَى، كَمَا إِذا كَانَ فِي الْمصر، وَإِن كَانَ أبعد قيل يَأْمر بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على مُوَافقَة دَعْوَاهُ لاحضار خَصمه.
وَقيل يحلفهُ القَاضِي، فَإِن نكل أَقَامَهُ عَن مَجْلِسه وَإِن حلف يَأْمر بإحضاره.
اهـ.
كَمَا قدمْنَاهُ بأوضح من هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَمَعْلُومِيَّةُ الْمَالِ الْمُدَّعَى) أَيْ بِبَيَانِ جِنْسِهِ وَقدره بالاجماع، لَان الْغَرَض إِلْزَام الْمُدعى عَلَيْهِ عِنْد إِقَامَة الْبَيِّنَة، وَلَا إِلْزَام فِيمَا لَا يعلم جنسه وَقدره.
стр. 583
قَالَ فِي الْبَحْر: وَأَشَارَ بِاشْتِرَاط معلومية الْجِنْس وَالْقدر إِلَى أَنه لَا بُد من بَيَان الْوَزْن فِي الموزونات.
وَفِي دَعْوَى وقر رمان أَو سفرجل لَا بُد من ذكر الْوَزْن للتفاوت فِي الوقر، وَيذكر أَنه حُلْو أَو حامض أَو صَغِير أَو كَبِير.
وَفِي دَعْوَى الكعك يذكر أَنه من دَقِيق المغسول أَو من غَيره، وَمَا عَلَيْهِ من السمسم أَنه أَبيض أَو أسود وَقدر السمسم.
وَقيل لَا حَاجَة إِلَى السمسم وَقدره وَصفته.
وَفِي دَعْوَى الابريسم بِسَبَب السّلم لَا حَاجَة إِلَى ذكر الشَّرَائِط، وَالْمُخْتَار أَنه لَا بُد من ذكر الشَّرَائِط.
وَفِي الْقطن يشْتَرط بَيَان أَنه بخاري أَو خوارزمي.
وَفِي الْحِنَّاء لَا بُد من بَيَان أَنه مدقوق أَو ورق.
وَفِي الديباج إِن سلما يذكر الاوصاف وَالْوَزْن، وَإِن عينا لَا حَاجَة إِلَى ذكر الْوَزْن وَيذكر الاوصاف، وَلَا بُد من ذكر النَّوْع وَالْوَصْف مَعَ ذكر الْجِنْس وَالْقدر فِي المكيلات، وَيَذْكُرُ فِي السَّلَمِ شَرَائِطَهُ مِنْ أَعْلَامِ جِنْسِ رَأس المَال وَغَيره ونوعه وَصفته وَقدره بِالْوَزْنِ إِن كَانَ وزنيا، وانتقاده بِالْمَجْلِسِ حَتَّى يَصِحَّ، وَلَوْ قَالَ بِسَبَبِ بَيْعٍ صَحِيحٍ جَرَى بَيْنَهُمَا صَحَّتْ الدَّعْوَى بِلَا خِلَافٍ.
وَعَلَى هَذَا فِي كُلِّ سَبَبٍ لَهُ شَرَائِطُ قَليلَة يَكْتَفِي بقوله بِسَبَب كَذَا صَحِيح.
وَإِن ادّعى ذَهَبا أَو فضَّة فَلَا بُد من بَيَان جنسه ونوعه إِن كَانَ مَضْرُوبا كبخاري الضَّرْب وصنعته جيدا أَو وسطا أَو رديئا إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقود مُخْتَلفَة.
وَفِي الْعِمَادِيّ: إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقود وأحدها أروج لَا تصح الدَّعْوَى مَا لم يبين.
وَتَمَامه فِي الْبَزَّازِيَّة وخزانة الْمُفْتِينَ اهـ.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة: وَلَو قَالَ بسلم صَحِيح وَلم يذكر الشَّرَائِط، كَانَ شمس الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى يُفْتِي بِالصِّحَّةِ وَغَيره لَا، لَان شَرَائِط مِمَّا لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص وَيخْتَلف فِيهِ بَعْضهَا.
وَفِي الْمُنْتَقى: لَو قَالَ بِبيع يَكْفِي، وعَلى هَذَا كل مَا لَهُ شَرَائِط كَثِيرَة لَا يَكْتَفِي فِيهِ بقوله بِسَبَب صَحِيح، وَإِذا قلت الشَّرَائِط يَكْتَفِي بِهِ.
أجَاب شَمْسُ الْإِسْلَامِ فِيمَنْ قَالَ كَفَلَ كَفَالَةً صَحِيحَةً أَنه لَا يَصح كَمَا فِي السّلم لَان الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا، فَلَعَلَّهُ صَحِيح على اعْتِقَاده لَا فِي الْوَاقِع وَلَا عِنْد الْحَاكِم، والحنفي يعْتَقد عدم
صِحَة الْكفَالَة بِلَا قبُول فَيَقُول كفل وَقبل الْمَكْفُول لَهُ فِي الْمجْلس فَيصح وَيذكر فِي الْقَرْض وأقرضه مِنْهُ مَال نَفسه لجَوَاز أَن يكون وَكيلا فِي الاقراض من غَيره وَالْوَكِيل سفير فِيهِ فَلَا يملك الطّلب وَيذكر أَيْضا قبض الْمُسْتَقْرض وَصَرفه إِلَى حَوَائِجه ليَكُون دينا بالاجماع، فَإِن كَونه دينا عِنْد الثَّانِي مَوْقُوف على صرفه واستهلاكه، وَتَمَامه فِيهَا.
قَوْله: (إِذْ لَا يقْضِي بِمَجْهُول) أَي لَان فَائِدَة الدَّعْوَى الْقَضَاء بهَا وَلَا يقْضِي بِمَجْهُول فَلَا تصح دَعْوَى الْمَجْهُول.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ فَسَادِ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ دَعْوَى الرَّهْنِ وَالْغَصْب، لما فِي الْخَانِية: إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ رَهَنَ عِنْدَهُ ثَوْبًا وَلَمْ يُسَمُّوا الثَّوْبَ وَلَمْ يَعْرِفُوا عَيْنَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ وَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي أَيِّ ثَوْبٍ كَانَ وَكَذَلِكَ فِي الْغَصْب.
اهـ.
فالدعوى بالاولى.
وَفِي الْمِعْرَاجِ: وَفَسَادُ الدَّعْوَى، إمَّا أَنْ لَا يكون لزمَه شئ عَلَى الْخَصْمِ أَوْ يَكُونَ الْمُدَّعَى مَجْهُولًا فِي نَفْسِهِ وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ، بِأَنْ ادَّعَى حَقًّا مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَإِنَّهُمَا يَصِحَّانِ بِالْمَجْهُولِ، وَتَصِحُّ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ الْمَجْهُول بِلَا خلاف اهـ.
فبلغت المستثنيات خَمْسَة.
اهـ.
وَفِي الاشباه: وَلَا يحلف على مَجْهُول إِلَّا فِي مسَائِل: الاولى: إِذا اتهمَ القَاضِي وَصِيّ الْيَتِيم.
стр. 584
الثَّانِيَة: إِذا اتهمَ مُتَوَلِّي الْوَقْف فَإِنَّهُ يحلفهما نظرا للْوَقْف واليتيم.
الثَّالِثَة: إِذا ادّعى الْمُودع خِيَانَة مُطلقَة.
الرَّابِعَة: الرَّهْن الْمَجْهُول.
الْخَامِسَة: دَعْوَى الْغَصْب.
السَّادِسَة: دَعْوَى السّرقَة.
اهـ.
قَوْله: (وَلَا يُقَال مدعى فِيهِ) قَالَ الْحلَبِي: تعديته بفي لم أرها فَليُرَاجع.
اهـ.
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الطّيب: لم أجد فِي كتاب أَن الْمُدعى فِيهِ خطأ أَو لَغْو، وَلَعَلَّ الشَّارِح وجده.
اهـ.
وَفِي طلبة الطّلبَة: وَلَا يُقَال مُدَّعًى فِيهِ وَبِهِ وَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ المتفقهة إِلَّا أَنه مَشْهُورٌ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ صَوَابٍ مَهْجُورٍ.
حَمَوِيٌّ.
أَقُول: وَحِينَئِذٍ يَسْتَغْنِي عَمَّا قَالَه الشَّارِح من أَن الادعاء يضمن معنى الاخبار فيعدي بِالْبَاء.
تَأمل.
قَوْله: (إِلَّا أَن يتَضَمَّن الاخبار) فِي بعض النّسخ إِلَّا بتضمن الاخبار بِحَذْف أَن وبالباء الْمُوَحدَة فِي تضمن: أَي فعل الدَّعْوَى يتَعَدَّى بِنَفسِهِ فَيُقَال ادَّعَاهُ، وَقد يضمن معنى الاخبار فَيُقَال ادّعى بِأَرْض أَي أخبر بِأَنَّهَا لَهُ فَهُوَ رَاجع إِلَى بِهِ وَبَقِي الاول على عُمُومه.
قَوْله: (وَكَونهَا ملزمة) فَلَا تصح دَعْوَى التَّوْكِيل على مُوكله الْحَاضِر لامكان عَزله.
بَحر.
قَوْله: (وظهوره) أَي الْكَذِب وَهُوَ بِالْجَرِّ عطفا
على تَيَقّن.
قَوْله: (كدعوى مَعْرُوف بالفقر) وَهُوَ أَن يَأْخُذ الزَّكَاة من الاغنياء.
منح: أَي إِن ادّعى لنَفسِهِ، أما لَو ادّعى وكَالَة عَن غَنِي فَيصح كَمَا صرح بِهِ ابْن الْغَرْس لانه غير مُسْتَحِيل عَادَة.
قَوْله: (أَنه أقْرضهُ إِيَّاهَا) نَقْدا منح.
قَوْله: (دفْعَة وَاحِدَة) ظَاهر التَّقْيِيد بِمَا ذكر أَنه إِذا ادَّعَاهَا ثمن عقار كَانَ لَهُ أَو ادَّعَاهَا قرضا بدفعات أَن تسمع دَعْوَاهُ.
قَوْله: (وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْغَرْسِ فِي الْفَوَاكِهِ الْبَدْرِيَّةِ) فِي القضايا الْحكمِيَّة حَيْثُ قَالَ: وَمن شُرُوط صِحَة الدَّعْوَى أَن يكون الْمُدَّعِي بِهِ مِمَّا يحْتَمل الثُّبُوت بِأَن يكون مستحيلا عقلا أَو عَادَة، فَإِن الدَّعْوَى وَالْحَال مَا ذكر ظَاهِرَة الْكَذِب فِي المستحيل العادي يقينية الْكَذِب فِي المستحيل الْعقلِيّ مثلا، الدَّعْوَى بالمستحيل العادي دَعْوَى من هُوَ مَعْرُوف بالفقر وَالْحَاجة، وَهُوَ أَن يَأْخُذ الزَّكَاة من الاغنياء وَيَدعِي على آخر أَنه أقْرضهُ مائَة ألف دِينَار ذَهَبا نَقْدا دفْعَة وَاحِدَة وَأَنه تصرف فِيهَا بِنَفسِهِ ويطالبه برد بدلهَا فَمثل هَذِه الدَّعْوَى لَا يلْتَفت إِلَيْهَا القَاضِي لخروجها مخرج الزُّور والفجور، وَلَا يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن جوابها اهـ.
قَالَ فِي الْمِنَحِ: لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ فِي مَنْعِ دَعْوَى الْمُسْتَحِيلِ الْعَادِي إلَى نَقْلٍ عَنْ الْمَشَايِخ اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْر فِي آخر بَاب التَّحَالُف وَالله أعلم هَل مَنْقُول أَو قَالَه تفقها كَمَا وَقع لي ثمَّ ذكر نَحْو مَا ذكره ابْن الْغَرْس، إِلَى أَن قَالَ: قلت: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: غصب لي مَالا عَظِيما كنت ورثته من مورثي الْمَعْرُوف بالغنى فَحِينَئِذٍ تسمع.
اهـ.
قُلْت: لَكِنْ فِي الْمَذْهَبِ فُرُوعٌ تَشْهَدُ لَهُ مِنْهَا مَا سَيَأْتِي آخر فصل التَّحَالُف.
قَوْله: (حَتَّى لَو سكت) لَا يظْهر التَّفْرِيع ط.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَزَاد الزَّيْلَعِيّ وجوب الْحُضُور على الْخصم، وَفِيه نظر لَان حُضُوره شَرطهَا كَمَا قدمْنَاهُ فَكيف يكون وُجُوبه حكمهَا الْمُتَأَخر عَنْهَا اهـ.
стр. 585
وَأَقُول: وَعبارَة الزَّيْلَعِيّ: وَحكمهَا وجوب الْجَواب على الْخصم إِذا صحت، وَيَتَرَتَّب على صِحَّتهَا وجوب إِحْضَار الْخصم، والمطالبة بِالْجَوَابِ بِلَا أَو نعم، وَإِقَامَة الْبَيِّنَة أَو الْيَمين إِذا أنكر.
اهـ.
فَلَيْسَ فِي كَلَام الزَّيْلَعِيّ مَا يُفِيد أَنه جعل وجوب الْحُضُور حكما.
وَغَايَة مَا اسْتُفِيدَ من كَلَامه أَن القَاضِي لَا يحضرهُ بِمُجَرَّد طلب الْمُدَّعِي بل بعد سَمَاعه دَعْوَاهُ، فَإِن رَآهَا صَحِيحَة أحضرهُ لطلب
الْجَواب وَإِلَّا فَلَا، فَتدبر.
أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (وسنحققه) أَي فِي شرح قَول المُصَنّف وَقضى بِنُكُولِهِ مرّة.
قَوْله: (تعلق الْبَقَاء) أَي بَقَاء عَالم الْمُكَلّفين.
قَوْله: (الْمُقدر) أَي الْمُحكم وَهُوَ نعت الْبَقَاء: أَي الَّذِي قدره الله تَعَالَى.
قَوْله: (بتعاطي الْمُعَامَلَات) أَي بِسَبَب تعَاطِي الْمُعَامَلَات، وَهُوَ مُتَعَلق بتعلق: أَي والمعاملات من نَحْو البيع والاجارة والاستئجار وَغير ذَلِك يجْرِي فِيهَا الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والاقرار والجحود وَالتَّوْكِيل وَغير ذَلِك، فَكَانَت الدَّعْوَى مِمَّا يتقضي بَقَاءَهُ، لانه لَو أهملت لضاعت أَحْوَاله، لَان الانسان مدنِي بالطبع لَا يُمكن أَن يقوم بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَالدَّعْوَى من الْمُعَامَلَات، فَمَا كَانَ سَببا للمعاملات وَهُوَ تعلق الْبَقَاء كَانَ سَببا لَهَا.
قَوْله: (فَلَو كَانَ مَا يَدعِيهِ مَنْقُولًا) أَي مجحودا غير وَدِيعَة، أما الْمقر بِهِ لَا يلْزم إِحْضَاره لانه يَأْخُذهُ من الْمقر، وَكَذَا لَو كَانَ وَدِيعَة لَا يَصح الامر بإحضارها إِذْ الْوَاجِب فِيهَا التَّخْلِيَة لَا النَّقْل ط.
وَيرد عَلَيْهِ أَن الدَّعْوَى فِي الْعين الْوَدِيعَة إِنَّمَا تكون إِذا جَحدهَا، وَحِينَئِذٍ فَتكون مَغْصُوبَة، وَالْعين الْمَغْصُوبَة يُكَلف إحضارها.
تَأمل.
والقهستاني زَاد: وَذكر فِي الخزانة أَنهم لَو شهدُوا بشئ مغيب عَن الْمجْلس قبلت وَإِن أمكن إِحْضَاره، بِخِلَاف مَا قَالَ بعض الْجُهَّال إِنَّه لَا تقبل اهـ.
لكنه غَرِيب فَلْيتَأَمَّل، وَيَأْتِي خِلَافه.
قَوْله: (وَذكر الْمُدَّعِي أَنَّهُ فِي يَدِهِ) فَلَوْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ فِي يَدِهِ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ بِسَنَةٍ هَلْ يُقْبَلُ وَيُجْبَرُ بِإِحْضَارِهِ؟ قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ خُرُوجُهُ مِنْ يَدِهِ فَتَبْقَى وَلَا تَزُولُ بِشَكٍّ، وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ.
وَرَدَّهُ فِي نُورِ الْعَيْنِ بِأَنَّ هَذَا اسْتِصْحَابٌ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الدّفع لَا فِي الاثبات، وَلَا شكّ أَن مَا ذكر من قبيل الاثبات.
قَالَ صَاحب التَّوْضِيح: وَمن الْحجَج الْفَاسِدَة الِاسْتِصْحَاب، وَهُوَ حجَّة عِنْد الشَّافِعِي فِي كل مَا يثبت وجوده بِدَلِيل ثمَّ وَقع الشَّك فِي بَقَائِهِ.
وَعِنْدنَا حجَّة للدَّفْع لَا للاثبات، إِذْ الدَّلِيل الْمُوجب لَا يدل على الْبَقَاء وَهَذَا ظَاهر اهـ.
قَوْله: (بِغَيْر حق لاحْتِمَال كَونه مَرْهُونا الخ) فَإِن الشئ قد يكون فِي يَد غير الْمَالِك بِحَق كَالرَّهْنِ فِي يَد الْمُرْتَهن وَالْمَبِيع فِي يَد البَائِع لاجل قبض الثّمن.
قَالَ صدر الشَّرِيعَة: هَذِه عِلّة تَشْمَل الْعقار أَيْضا، فَمَا وَجه تَخْصِيص الْمَنْقُول بِهَذَا الحكم؟
أَقُول: دراية وَجهه مَوْقُوفَة على مقدمتين مسلمتين.
إِحْدَاهمَا: أَن دَعْوَى الاعيان لَا تصح إِلَّا على ذِي الْيَد كَمَا قَالَ فِي الْهِدَايَة: إِنَّمَا ينْتَصب خصما إِذا كَانَ فِي يَده.
وَالثَّانيَِة: أَن الشُّبْهَة مُعْتَبرَة يجب دَفعهَا لَا شُبْهَة الشُّبْهَة، كَمَا قَالُوا: إِن شُبْهَة الرِّبَا مُلْحقَة بِالْحَقِيقَةِ لَا شُبْهَة الشُّبْهَة.
стр. 586
إِذا عرفتهما فَاعْلَم أَن فِي ثُبُوت الْيَد على الْعقار شُبْهَة لكَونه غير مشَاهد، بِخِلَاف الْمَنْقُول فَإِن فِيهِ مُشَاهدَة فَوَجَبَ دَفعهَا فِي دَعْوَى الْعقار بإثباته بِالْبَيِّنَةِ لتصح الدَّعْوَى، وَبعد ثُبُوته يكون احْتِمَال كَون الْيَد لغير الْمَالِك شُبْهَة الشُّبْهَة فَلَا يعْتَبر.
وَأما فِي الْيَد فِي الْمَنْقُول فلكونه مشاهدا لَا يحْتَاج إِلَى إثْبَاته.
لَكِن فِيهِ شُبْهَة كَون الْيَد لغير الْمَالِك فَوَجَبَ دَفعهَا لتصح الدَّعْوَى.
اهـ.
قَالَ الْمولى عبد الْحَلِيم: قد نَشأ من كَلَام صدر الشَّرِيعَة هَذَا كَلِمَات للفضلاء الْمُتَأَخِّرين، وعد كل مِنْهُم مَا طولوا تَحْقِيقا وَمَا لخصوا تدقيقا، وَقد وَقع بَينهم تدافع فذيلوا كَلَامهم بِالْحَمْد لله على كَونهم مهتدين لما منحوا.
أَقُول: وَمن الله التَّوْفِيق وَبِيَدِهِ أزمة التَّحْقِيق والتدقيق: إِنَّه لَا خَفَاء فِي أَنه لَا اخْتِصَاص لقَوْله بِغَيْر حق بالمنقول لَان مفاده دفع احْتِمَال كَون الْمُدَّعِي مَرْهُونا أَو مَحْبُوسًا بِالثّمن فِي يَده، فَفِي الْمَنْقُول: كَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا الدّفع احْتَاجَ فِي الْعقار أَيْضا.
وَمن ذَلِك أَن الْمَشَايِخ صَرَّحُوا فِي هَذَا الدّفع بِأَنَّهُ وَجب أَن يَقُول فِي الْمَنْقُول بِغَيْر حق، وَأَن يذكر فِي الْعقار أَنه يُطَالِبهُ، لَان ظَاهر حَال الطَّالِب أَن لَا يُطَالِبهُ إِلَّا إِذا كَانَ لَهُ الطّلب وَذَا لَا يكون إِذا كَانَ فِي يَد غَيره بِحَق، فمطالبته بالعقار تَتَضَمَّن قَوْله بِغَيْر حق، وَلذَلِك دفعت هَذَا الِاحْتِمَال كَمَا صرح بِهِ فِي الْهِدَايَة.
وَقد قَالَ ظهير الدّين المرغيناني: إِنَّه لَا بُد فِي دَعْوَى الْعقار من معرفَة القَاضِي كَونه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ، فيذكر الْمُدَّعِي أَنه فِي يَده الْيَوْم بِغَيْر حق كَمَا فِي الْعمادِيَّة.
وَأَيْضًا لَا اخْتِصَاص فِي الْمُطَالبَة بالعقار، إِلَّا أَن وُجُوبهَا لما كَانَ بعد إِحْضَار الْمَنْقُول وتضمنها
طلب الاحضار فِي الْجُمْلَة لم يحتاجوا إِلَى التَّصْرِيح بهَا، وَللَّه دِرْهَم فِي التَّحْقِيق والتدقيق.
إِذا عرفت هَذَا ظهر أَن إِشْكَال صدر الشَّرِيعَة سَاقِط عَن أصل، وَأَنه لَا فرق بَينهمَا فِي الِاحْتِيَاج إِلَى هَذَا الدّفع.
نعم وجد الْفرق بَينهمَا وَهُوَ أَن الْمَنْقُول لما غلب فِيهِ الاعارة وَالرَّهْن بل البيع وَجرى الْغَصْب عَلَيْهِ بالِاتِّفَاقِ دون الْعقار أوجبوا فِي الْمَنْقُول التَّصْرِيح بِأَنَّهُ فِي يَده بِغَيْر حق، واكتفوا فِي الْعقار بتضمن كَلَامه هَذَا الْمَعْنى.
وَأَيْضًا مَا ذكره المُصَنّف هُنَا يصلح أَن يكون عِلّة أَيْضا للُزُوم التَّصْرِيح فِي الْمَنْقُول بِغَيْر حق وللاكتفاء بتضمن كَلَامه ذَلِك فِي الْعقار هَذَا، خير الْكَلَام مَا قل وَدلّ، وَلَا تعجب من تَبْدِيل كَلِمَات جم غفير فَإِنَّهُ ثَمَرَة الانتباه.
وَلَا مبدل لكلمات الله.
وَلَا يشاركها فِيهِ كَلِمَات من سواهُ يورثه من يَشَاء * ((٧) الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله) * (الاعراف: ٣٤) وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل.
قَوْله: (وَطلب الْمُدَّعِي إِحْضَاره) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُودِعًا، فَإِذن ادَّعَى عَيْنَ وَدِيعَةٍ لَا يُكَلَّفُ إحْضَارَهَا بَلْ يُكَلف التَّخْلِيَة كَمَا تقدم قَرِيبا.
وَنَقله فِي الْبَحْر عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ.
قَالَ فِي غَايَة الْبَيَان: ثمَّ إِذا حضر ذَلِك الشئ إِلَى مجْلِس القَاضِي فَشَهِدُوا بِأَنَّهُ لَهُ وَلم يشْهدُوا بِأَنَّهُ ملكه يجوز لَان اللَّام للتَّمْلِيك، وَكَذَلِكَ إِن شهدُوا بِأَن هَذَا مَالك لَهُ أَو شهدُوا على إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ للْمُدَّعِي وَذَلِكَ لَا إِشْكَال فِيهِ، إِنَّمَا الاشكال فِيمَا لَو ادّعى أَنه أقرّ بِهَذَا الشئ وَلم يدع بِأَنَّهُ ملكي وَأقَام الشُّهُود على ذَلِك هَل يقبل وَهل يقْضِي بِالْملكِ؟ مِنْهُم من يَقُول نعم، فقد ذكرنَا أَن الشُّهُود لَو شهدُوا بِأَن هَذَا أقرّ بِهَذَا الشئ لَهُ تقبل وَإِن لم يشْهدُوا بِأَنَّهُ ملكه وَكَذَلِكَ الْمُدَّعِي، وَأَكْثَرهم على أَنه لَا
стр. 587
تصح الدَّعْوَى مَا لم يقل أقرّ بِهِ وَهُوَ ملكي، لَان الاقرار خبر وَالْخَبَر يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، فَإِذا كَانَ كذبا لَا يُوجب وَالْمُدَّعِي يَقُول أقرّ بِهِ لي يصير مُدعيًا للْملك والاقرار غير مُوجب لَهُ فَلم تُوجد دَعْوَى الْملك، فَلهَذَا شَرط قَوْله وَهُوَ ملكي، بِخِلَاف الشَّهَادَة لَان الثَّابِت بهَا كَالثَّابِتِ بالمعاينة.
اهـ.
مُلَخصا.
قَوْله: (إِن أمكن) المُرَاد بالممكن مَا لَا مُؤنَة فِي نَقله لَا مَا يُمكن مُطلقًا، لِئَلَّا يلْزم تَكْلِيفه الاحضار مَعَ الامكان وَلَو فِيمَا لَهُ حمل وَمؤنَة مَعَ أَنه لَا يلْزمه.
أَبُو السُّعُود.
وَقيل فِي كَلَام الْمُتُون مساهلة، لَان فِي
دَعْوَى عين وَدِيعَة لَا يُكَلف إحضارها وَإِنَّمَا يُكَلف التَّخْلِيَة.
أَقُول: سوق الْكَلَام على أَن الْمُدَّعِي الْوَاجِب إِحْضَاره مَا يكون فِي يَد الْخصم بِغَيْر حق، والوديعة لَيست كَذَلِك فَلَا يشملها صدر الْكَلَام حَتَّى يحْتَاج إِلَى تدارك إخْرَاجهَا هُنَا كَمَا لَا يخفى، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: بالانكار لَهَا صَارَت غصبا فيكلف إحضارها كَمَا قدمْنَاهُ عِنْد قَوْله فَلَو كَانَ مَا يَدعِيهِ مَنْقُولًا فَتدبر.
قَوْله: (فعلى الْغَرِيم إِحْضَاره) قدره ليُفِيد وُجُوبه، وَهَذَا إِذا لم يكن هَالكا وَلَا غَائِبا وَلَا مُمْتَنع الْوُصُول إِلَيْهِ بِسَبَب من الاسباب وَلَا يحْتَاج إِلَى حمل وَمؤنَة كَمَا يَأْتِي قَرِيبا.
قَوْله: ليشار إِلَيْهِ فِي الدَّعْوَى بِأَن يَقُول هَذَا ثوبي مثلا، لَان الاعلام أقْصَى مَا يُمكن شَرط وَذَلِكَ بالاشارة فِي الْمَنْقُول لَان النَّقْل مُمكن والاشارة أبلغ فِي التَّعْرِيف.
قَوْله: (وَالشَّهَادَة) بِأَن يَقُول الشَّاهِد أشهد أَن هَذَا الثَّوْب لهَذَا الْمُدَّعِي مثلا.
قَوْله: (والاستحلاف) بِاللَّه الْعَظِيم هَذَا الثَّوْب لي وَهُوَ فِي يدك بِغَيْر حق.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ كَانَ فِي نَقْلِهَا مُؤْنَةٌ) فِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الرَّحَى وَالصُّبْرَةِ فَذِكْرُهُ هَهُنَا سَهْو.
قَالَ فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ: إلَّا إذَا تَعَسَّرَ بِأَنْ كَانَ فِي نَقْلِهِ مُؤْنَةٌ وَإِنْ قُلْت ذَكَرَهُ فِي الخزانة.
والاولى فِي التَّرْكِيب أَن يَقُول: إِن تعذر إِحْضَار الْعين بهلاكها أَو غيبتها أَو تعسر بِأَن كَانَ فِي نقلهَا مُؤنَة أَو يَقُول وَهُوَ مُقَيّد بِمَا لَا حمل لَهُ وَلَا مُؤنَة كَمَا فِي الْبَحْر، وَهَذَا إِذا كَانَت الْعين قَائِمَة، فَلَو كَانَت هالكة فَهُوَ كدعوى الدّين فِي الْحَقِيقَة كَمَا فِي جَامع الْفَتَاوَى.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَتَفْسِير الْحمل والمؤنة كَونه بِحَال لَا يحمل إِلَى مجْلِس القَاضِي إِلَّا بِأُجْرَة مجَّانا، وَقيل مَا لَا يُمكن حمله بيد وَاحِدَة، وَقيل مَا يحْتَاج فِي نَقله إِلَى مُؤنَة كبر وشعير لَا مَا لَا يحْتَاج فِي نَقله إِلَى مُؤنَة كمسك وزعفران قَلِيل، وَقيل مَا اخْتلف سعره فِي الْبلدَانِ فَهُوَ مِمَّا لَهُ حمل وَمؤنَة لَا مَا اتّفق.
اهـ.
وَعبارَة ابْن الْكَمَال متْنا وشرحا: وَهِي إِنَّمَا تصح فِي الدّين بِذكر جنسه وَقدره.
وَفِي الْعين الْمَنْقُول: أَي الَّذِي يحْتَمل النَّقْل بالاشارة إِلَيْهِ، فعلى الْغَرِيم إِحْضَاره مجْلِس القَاضِي إلَّا إذَا تَعَسَّرَ بِأَنْ كَانَ فِي نَقْلِهِ مُؤنَة وَإِن قلت: ذكره فِي الخزانة.
حضر الْحَاكِم عِنْده أَو بعث أَمينا.
اهـ.
فَتَأَمّله.
وَتَأمل هَذَا الشَّارِح فَإِنَّهُ ظَاهر فِي أَنه إِذا كَانَ فِي النَّقْل مُؤنَة يَكْتَفِي بِذكر الْقيمَة مَعَ أَن الْمُصَرّح بِهِ أَنه فِي صُورَة
التعسر يحضرهُ الْحَاكِم أَو يبْعَث أَمِينه ليشير إِلَيْهَا كَمَا سيجئ قَرِيبا، وَذكر الْقيمَة إِنَّمَا هُوَ فِي المتعذر إِحْضَاره حَقِيقَة بِأَن يكون هَالكا أَو حكما بِأَن يكون غَائِبا، وَإِن لم يكن بِهَذِهِ المثابة بِأَن كَانَ متعسر الاحضار مَعَ بَقَائِهِ كالرحى وصبرة الطَّعَام وقطيع الْغنم أرسل القَاضِي أَمِينه أَو أحضرهُ بِنَفسِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَن يذكرهَا بعد قَوْله فِيمَا سَيَأْتِي وَإِن تعذر إحضارها وَكَانَ الاولى للماتن أَن يَقُول: وَإِن تعسر بدل تعذر، لَان الرحمى وصبرة الطَّعَام من قبيل المتعسر كَمَا هُوَ الْمُصَرّح بِهِ فِي غير كتاب، فَتَأمل.
لَكِن
стр. 588
الَّذِي عَلَيْهِ الْمجلة بِمُوجب الامر الشريف السلطاني أَن الْمَنْقُول مَتى احْتَاجَ إِحْضَاره لمصرف وَلَا يُمكن إِلَّا بذلك فَيَكْفِي فِيهِ التَّعْرِيف وَذكر الْقيمَة كَمَا فِي مَادَّة ٠٢٦١ ومادة ١٢٦١.
قَوْله: (أَو غيبتها) أَي بِحَيْثُ لَا يُمكن إحضارها وَلَا حُضُور القَاضِي بِنَفسِهِ أَو أَمِينه لبعد مَسَافَة أَو مَانع آخر فَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة الْهَلَاك فقد تعذر إحضارها حَقِيقَة فِي الْهَلَاك وَحكما فِي الْغَيْبَة فيكتفي بِذكر قيمتهَا، وَلذَا قَالَ قاضيخان: بِأَن لَا يدْرِي مَكَانهَا.
قَوْله: (لانه) أَي الْمَذْكُور وَهُوَ الْقيمَة، وَهَذَا مِمَّا يزِيد الْعبارَة غموضا لاحتياجه إِلَى التويل وَكَأَنَّهُ تَحْرِيف من النَّاسِخ.
والاولى أَن يُقَال: لانها أَي الْقيمَة مثلهَا: أَي مثل الْعين كَمَا فِي شَرحه الْمُلْتَقى.
قَوْله: (مثله) أَي مثل مَا يَدعِيهِ، وَهُوَ عِلّة لقَوْله وَذكر قِيمَته عِنْد تعذر إِحْضَار الْعين فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَان ذكر الْقيمَة مثل إِحْضَار الْعين، لَان الْمَقْصُود من الْمُدَّعِي مَالِيَّته وَالْقيمَة تماثله فِي الْمَالِيَّة فصح تذكير الضميرين، وَقد قَالُوا: قيمَة القيمي كعينه.
قَوْله: (وَإِن تعذر) المُرَاد بالتعذر هُنَا التعسر.
قَوْله: (مَعَ بَقَائِهَا) أَي وَالْحَال أَن القَاضِي يُمكنهُ أَن يحضرها بِنَفسِهِ أَو أَمِينه لتفترق عَمَّا قدمه من قَوْله أَو غيبتها.
قَوْله: (بعث القَاضِي الخ) لَان أَمِينه يقوم مقَام نَفسه، فَلَو ذهب بِنَفسِهِ لَكَانَ هُوَ الاصل فَلَا شُبْهَة فِي صِحَّته، وَمثله مَا ذكره ابْن الْكَمَال حَيْثُ قَالَ: فعلى الْغَرِيم إِحْضَاره إلَّا إذَا تَعَسَّرَ، بِأَنْ كَانَ فِي نَقْلِهِ مُؤنَة وَإِن قلت.
ذكره فِي الخزانة.
حضر القَاضِي عِنْده أَو بعث أَمينا.
اهـ.
وَهِي الَّتِي قدمهَا الشَّارِح، وَقدمنَا أَنه ذكرهَا فِي غير محلهَا لانه جعلهَا مِثَالا لما تعذر نَقله وَأَنه يَكْتَفِي فِيهِ بِذكر الْقيمَة، وَالْحَال أَنه مِمَّا تعسر لَا مِمَّا تعذر، وَأَن الحكم فِيهِ أَن الْحَاكِم يحضر عِنْده أَو يبْعَث أَمينا وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِذكر الْقيمَة كَمَا تفيده عبارَة ابْن الْكَمَال الَّتِي نقل الشَّارِح عَنهُ.
تَأمل.
قَالَ شمس الائمة الْحلْوانِي: من المنقولات مَا لَا يُمكن إِحْضَاره عِنْد القَاضِي كالصبرة من الطَّعَام والقطيع من الْغنم، فَالْقَاضِي فِيهِ بِالْخِيَارِ: إِن شَاءَ حضر ذَلِك الْموضع لَو تيَسّر لَهُ ذَلِك، وَإِن لم يَتَيَسَّر لَهُ الْحُضُور وَكَانَ مَأْذُونا بالاستخلاف بعث خَلِيفَته إِلَى ذَلِك، وَهُوَ نَظِير مَا إِذا كَانَ القَاضِي يجلس فِي دَاره وَوَقع الدَّعْوَى فِي جمل لَا يسع بَاب دَاره فَإِنَّهُ يخرج إِلَى بَاب دَاره أَو يَأْمر نَائِبه حَتَّى يخرج ليشير إِلَيْهِ الشُّهُود بِحَضْرَتِهِ.
وَتَمَامه فِي الدُّرَر.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَفِي الدَّابَّة يُخَيّر القَاضِي، إِن شَاءَ خرج إِلَيْهَا، وَإِن شَاءَ بعث إِلَيْهَا من يسمع الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة بحضرتها كَمَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ.
اهـ.
لَكِن قَالَ فِي غَايَة الْبَيَان: فَإِن كَانَت دَابَّة وَلَا يَقع بصر القَاضِي عَلَيْهَا وَلَا تتأتى الاشارة من الشُّهُود وَالْمُدَّعِي وَهُوَ على بَاب الْمَسْجِد يَأْمر بإدخالها فَإِنَّهُ جَائِز عِنْد الْحَاجة.
أَلا ترى أَنه ﵊ طَاف بِالْبَيْتِ على نَاقَته مَعَ أَن حُرْمَة الْمَسْجِد الْحَرَام فَوق حُرْمَة سَائِر الْمَسَاجِد، وَإِن كَانَ يَقع بصر القَاضِي عَلَيْهَا فَلَا يدخلهَا لانه لَا يَأْمَن مَا يكون مِنْهَا وَالْحَاجة منعدمة اهـ.
قَوْله: (وَإِلَّا تكن بَاقِيَة الخ) هَذَا تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَذَكَرَ قِيمَتَهُ إنْ تَعَذَّرَ.
وَالْحَاصِل: أَن الْمُدعى بِهِ إِن أمكن إِحْضَار عينه، وَلم يكن لَهُ حمل وَمؤنَة كلف الْمُدعى عَلَيْهِ إِحْضَاره، وَإِن لم يُمكن بِأَن تعذر لهلاك الْعين أَو غيبتها، أَو تعسر بِأَن كَانَ فِي نقلهَا مُؤنَة ذكر الْمُدَّعِي الْقيمَة، وَإِن لم تكن هالكة وَلَا غَائِبَة وَلَا يُمكن إحضارها إِلَى مجْلِس القَاضِي لتعذره كبستان ورحى أَو
стр. 589
تعسره كصبرة وقطيع غنم خير الْحَاكِم: إِن شَاءَ حضر بِنَفسِهِ لانه الاصل، أَو بعث أَمِينه.
وَلَا تنس مَا قدمْنَاهُ قَرِيبا عَن الْمجلة من أَنه إِذا لم يكن إِحْضَار الْمَنْقُول إِلَّا بمصرف يَكْفِي تَعْرِيفه وَذكر قِيمَته.
قَوْلُهُ: (بِذِكْرِ الْقِيمَةِ) لِأَنَّ عَيْنَ الْمُدَّعِي تَعَذَّرَ مُشَاهَدَتُهَا وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالْوَصْفِ، فَاشْتُرِطَ بَيَانُ الْقيمَة لانها شئ تُعْرَفُ الْعَيْنُ الْهَالِكَةُ بِهِ.
غَايَةَ الْبَيَانِ.
وَفِي شَرْحِ ابْنِ الْكَمَالِ: وَلَا عِبْرَةَ فِي ذَلِكَ لِلتَّوْصِيفِ لِأَنَّهُ لَا يُجْدِي بِدُونِ ذِكْرِ الْقِيمَةِ وَعِنْدَ ذِكْرِهَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، أُشِيرَ إلَى ذَلِك فِي الْهِدَايَة.
اهـ.
وَفِي قَوْلِهِ وَذَكَرَ قِيمَتَهُ إنْ تَعَذَّرَ إشَارَةٌ إِلَى أَنه لَا يشْتَرط ذكر اللَّوْن فِي الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَةِ وَالسِّنِّ فِي الدَّابَّةِ، وَفِيهِ
خِلَافٌ كَمَا فِي الْعمادِيَّة.
وَقَالَ السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم: إنَّ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ لِلْمُدَّعِي لَازِمَةٌ إذَا أَرَادَ أَخْذَ عَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ فِي الْمِثْلِيِّ، أَمَّا إذَا أَرَادَ أَخْذَ قِيمَتِهِ فِي الْقِيَمِيِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِذِكْرِ الْقِيمَةِ كَمَا فِي مَحَاضِرِ الخزانة اهـ.
فَرْعٌ: وَصَفَ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى فَلَمَّا حَضَرَ خَالَفَ فِي الْبَعْضِ: إنْ تَرَكَ الدَّعْوَى الْأُولَى وَادَّعَى الْحَاضِرُ تُسْمَعُ لِأَنَّهَا دَعْوَى مُبْتَدَأَةٌ، وَإِلَّا فَلَا.
بَحر عَن الْبَزَّازِيَّة.
قَوْله: (وَقَالُوا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ عَيْنَ كَذَا الخ) قَالَ فِي الْبَحْر: وَأطلق فِي بَيَان وجوب الْقيمَة عِنْد التَّعَذُّر واستثنوا مِنْهُ دَعْوَى الْغَصْب وَالرَّهْن.
فَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو ادّعى عينا غَائِبا لَا يعرف مَكَانَهُ بِأَن ادّعى أَنه غصب مِنْهُ ثوبا أَو قِنَا وَلَا يدْرِي قِيَامه وهلاكه، فَلَو بَين الْجِنْس وَالصّفة وَالْقيمَة تقبل دَعْوَاهُ، وَإِن لم يبين قِيمَته أَشَارَ فِي عَامَّة الْكتب إِلَى أَنَّهَا تقبل، فَإِنَّهُ ذكر فِي كتاب الرَّهْن لَو ادّعى أَنه رهن عِنْده ثوبا، وَهُوَ يُنكر تسمع دَعْوَاهُ.
وَذكر فِي كتاب الْغَصْب: ادّعى أَنه غصب مِنْهُ أمة وَبرهن تسمع.
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا: إِنَّمَا تسمع دَعْوَاهُ إِذا ذكر الْقيمَة، وَهَذَا تَأْوِيل مَا ذكر فِي الْكتاب أَن الشُّهُود شهدُوا على إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ، فَيثبت غصب الْقِنّ بِإِقْرَارِهِ فِي حق الْحَبْس وَالْحكم جَمِيعًا، وَعَامة الْمَشَايِخ على أَن هَذِه الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة تقبل، وَلَكِن فِي حق الْحَبْس وَإِطْلَاق مُحَمَّد فِي الْكتاب يدل عَلَيْهِ.
وَمعنى الْحَبْس: أَن يحْبسهُ حَتَّى يحضرهُ ليعيد الْبَيِّنَة عَليّ عينه، فَلَو قَالَ لَا أقدر عَلَيْهِ حبس قدر مَا لَو قدر أحضرهُ ثمَّ يقْضِي عَلَيْهِ بِقِيمَتِه اهـ.
وَلم يبين الحكم فِيمَا إِذا لم يدر قيمتهَا أَيْضا.
قَالَ فِي الدُّرَر: قَالَ فِي الْكَافِي: وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْقِيمَةَ وَقَالَ غُصِبَتْ مِنِّي عَيْنُ كَذَا، وَلَا أَدْرِي أَهُوَ هَالِكٌ أَوْ قَائِمٌ وَلَا أَدْرِي كَمْ كَانَتْ قِيمَتُهُ، ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا لَا يَعْلَمُ قِيمَةَ مَالِهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بَيَانَ الْقِيمَةِ لَتَضَرَّرَ بِهِ.
أَقُولُ: فَائِدَةُ صِحَّةِ الدَّعْوَى مَعَ هَذِهِ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ تَوَجُّهُ الْيَمِينِ عَلَى الْخَصْمِ إذَا أَنْكَرَ، وَالْجَبْرِ عَلَى الْبَيَانِ إذَا أَقَرَّ أَوْ نكل عَن الْيَمين، فَلْيتَأَمَّل.
فَإِنَّ كَلَامَ الْكَافِي لَا يَكُونُ كَافِيًا إلَّا بِهَذَا التَّحْقِيق اهـ.
وَقَوله فائدتها توجه الْيَمين: أَي حَيْثُ لَا بَيِّنَة، وَإِلَّا ففائدتها الْحَبْس كَمَا علمت.
وَقَوله ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَعَامة الْمَشَايِخ على أَن هَذِه الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة تقبل وَلَكِن فِي حق الْحَبْس لَا الحكم، وَقدر الْحَبْس بشهرين كَمَا فِي الْخَانِية.
وَالْحَاصِل: أَنه فِي دَعْوَى الرَّهْن وَالْغَصْب لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْجِنْسِ وَالْقِيمَةِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة، وَيكون القَوْل فِي الْقيمَة للْغَاصِب وَالْمُرْتَهن.
بَحر: أَي مَعَ الْيَمين كَمَا هُوَ الظَّاهِر.
قُلْت: وَزَادَ فِي الْمِعْرَاجِ: دَعْوَى الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ قَالَ فَإِن فيهمَا: يَصِحَّانِ بِالْمَجْهُولِ، وَتَصِحُّ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ الْمَجْهُولِ بِلَا خلاف اهـ.
فَهِيَ خَمْسَة.
قَوْله: (وَلِهَذَا) أَي لسَمَاع الدَّعْوَى فِي الْغَصْب وَإِن لم يذكر
стр. 590
الْقيمَة.
قَوْله: (مُخْتَلفَة الْجِنْس وَالنَّوْع) كثياب ودواب فَإِن تحتهَا أنواعا.
قَوْله: (كفى ذَلِك الاجمال) أَي وَلَا يشْتَرط التَّفْصِيل.
هندية.
قَوْله: (على الصَّحِيح) كَمَا فِي حزانة الْمُفْتِينَ وقاضيخان.
هندية.
قَوْلُهُ: (وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) أَيْ عَلَى الْقِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (أَو يحلف) أَي عِنْد عدم الْبُرْهَان.
قَوْله: (على الْكل مرّة) أَي وَلَا يحْتَاج أَن يحلفهُ على كل وَاحِد بِخُصُوصِهِ، خلافًا لمن اخْتَار ذَلِك رَاجع مَا هُوَ الصَّوَاب فِي ذَلِك.
قَوْله: (لانه) عِلّة لِلْعِلَّةِ.
قَوْله: (وَقيل فِي دَعْوَى السّرقَة) حَكَاهُ يقبل، لَان ثُبُوت حق الِاسْتِرْدَاد أَو تضمين الْقيمَة لَا يتَوَقَّف على ذَلِك، بل يتَوَقَّف عَلَيْهِ لُزُوم الْقطع مَعَ الْبَيِّنَة من الْمُدَّعِي أَو الاقرار من السَّارِق، وَهَذَا مُقَابل لقَوْل المُصَنّف فِيمَا تقدم، وَذكر قِيمَته إِن تعذر.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَإِنَّمَا يشْتَرط ذكر الْقيمَة فِي الدَّعْوَى إِذا كَانَت دَعْوَى سَرقَة ليعلم أَنَّهَا نِصَاب أَو لَا، فَأَما فِيمَا سوى ذَلِك فَلَا حَاجَة إِلَى بَيَانهَا اهـ وَعَلِيهِ فَكَانَ الاولى ذكره هُنَاكَ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ حَاضِرَةً لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ قِيمَتِهَا إِلَّا فِي دَعْوَى السّرقَة.
حموي.
والتقويم يكون من أهل الْخِبْرَة فِيمَا يظْهر لَا بقول الْمُدَّعِي.
قَوْله: (فَأَما فِي غَيرهَا) أَي السّرقَة فَلَا يشْتَرط: أَي ذكر الْقيمَة.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الشُّرُوطِ الْمَذْكُور من الِاكْتِفَاء بِذكر الْقيمَة.
قَوْله: (فِي دَعْوَى الْعين) أَي الشئ الْمُتَعَيّن المحسوس الْمَمْلُوك للْمُدَّعِي على زَعمه كالمغصوب والوديعة.
قَوْله: (لَا الدّين) أَي الْحق الثَّابِت فِي الذِّمَّة، وَسَتَأْتِي دَعْوَى الدّين فِي الْمَتْن.
قَوْله: (فَلَو ادّعى الخ) هُوَ تَمْثِيل للدّين، لَان الْقيمَة لَازِمَة ذمَّة الْمُدعى عَلَيْهِ فِي زعم الْمُدَّعِي اهـ.
رَحْمَتي.
لَكِن قَالَ بعض الافاضل: هُوَ تَفْرِيع على كَون الشُّرُوط الْمَارَّة إِنَّمَا هِيَ فِي دَعْوَى الْعين، وَأما الدّين فَسَيَأْتِي بأقسامه.
تَأمل.
قَوْله: (بَيَان جنسه) أَي جنس الْقيمَة، وَكَذَا كل دين يَدعِي وجنسه
كالذهب مثلا أَو الْفضة أَو النّحاس، وَكَذَا كل مَكِيل أَو مَوْزُون يُمكن ثُبُوته فِي الذِّمَّة يبين جنسه مَا هُوَ فَلَا يَكْفِي ذكر الْفرش والحرف فِي الْمَدِينَة، لانها كالعنقاء مَعْلُوم الِاسْم مَجْهُول الْجِنْس وَالنَّوْع.
قَوْله: (ونوعه) فَفِي الذَّهَب يبين أَنه من نوع كَذَا، وَكَذَا فِي الْفضة، وَكَذَا فِي الْبر بِأَن يَقُول: حورانية أَو بلدية أَو جيدورية أَو سلمونية.
قَالَ ط: فِيهِ أَنه عِنْد دَعْوَاهُ الْعين لَا يَكْفِي ادِّعَاء عين مَجْهُولَة، بل لَا بُد من بَيَان جِنْسهَا ونوعها ثمَّ يذكر الْقيمَة، فَالْقيمَة إِنَّمَا أغنت عَن الْحُضُور فَحِينَئِذٍ لَا بُد من ذكر الْجِنْس وَالنَّوْع فِي كل، فَلْيتَأَمَّل.
وَلذَا قَالُوا فِي التَّعْلِيل لذكر الْقيمَة لَان الاعيان تَتَفَاوَت وَالشّرط أَن يكون فِي مَعْلُوم وَقد تعذر مشاهدته لانها خلف عَنهُ.
وَفِي الذَّخِيرَة: إِن كَانَ الْعين غَائِبا وَادّعى أَنه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ فَأنْكر إِن بَين الْمُدَّعِي قِيمَته وَصفته تسمع دَعْوَاهُ وَتقبل بَينته اهـ.
قَوْله: (ليعلم القَاضِي بِمَاذَا يقْضِي) قَالَ فِي الذَّخِيرَة مثلا: لَو كَانَ الْمُدَّعِي مَكِيلًا لَا بُد من بَيَان جنسه بِأَنَّهُ حِنْطَة أَو شعير، ونوعه بِأَنَّهَا سقية أَو بَريَّة، وصفتها بِأَنَّهَا جَيِّدَة أَو رَدِيئَة، وَقدره بِأَن يَقُول كَذَا قَفِيزا، وَسبب وُجُوبهَا ذكره ابْن ملك.
стр. 591
أَقُولُ: لِي شُبْهَةٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ: وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَعْيَانًا مُخْتَلِفَةً، فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِذِكْرِ الْقِيمَةِ لِلْكُلِّ جُمْلَةً.
وَذَكَرَ فِي الْفُصُولَيْنِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّ الْأَعْيَانَ قَائِمَة بِيَدِهِ يُؤمر بإحضارها فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ بِحَضْرَتِهَا وَلَوْ قَالَ إنَّهَا هَالِكَةٌ وَبَيَّنَ قِيمَةَ الْكُلِّ جُمْلَةً تُسْمَعُ دَعْوَاهُ.
فَظَهَرَ أَنَّ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي دَعْوَى الْأَعْيَانِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ هَالِكَةً، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِحْضَارِهَا.
وَقَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ أَنَّ الْعَيْنَ إذَا تَعَذَّرَ إحْضَارُهَا بِهَلَاكٍ وَنَحْوِهِ، فَذِكْرُ الْقِيمَةِ مُغْنٍ عَنْ التَّوْصِيفِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَعْيَانِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ الْقِيمَةِ، فَقَوْلُهُ هُنَا اشْتَرَطَ بَيَانَ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ مُشْكِلٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ ذِكْرِ الْقِيمَةِ مِنْ بَيَانِ التَّوْصِيفِ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَ دَعْوَى الْقِيمَةِ وَدَعْوَى نَفْسِ الْعَيْنِ الْهَالِكَةِ، فَمَا معنى قَوْله تبعا للبحر فِيمَا تقدم، وَهَذَا كُلُّهُ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ لَا الدَّيْنِ، فَلْيُتَأَمَّلْ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ: ادَّعَى ثَمَنَ مَحْدُود لم يشْتَرط بَيَان حُدُوده.
اهـ.
قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: إِذا ادّعى على آخر ثمن مَبِيع مَقْبُوض وَلم يبين الْمَبِيع أَو مَحْدُود وَلم يحدد يجوز،
وَهُوَ الاصح وَكَذَا فِي دَعْوَى مَال الاجارة المفسوخة لَا يشْتَرط تَحْدِيد الْمُسْتَأْجر اهـ.
قَوْله: (وَاخْتُلِفَ فِي بَيَانِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فِي الدَّابَّةِ) أَي المستهلكة، أما الْقَائِمَة فَهِيَ حَاضِرَة فِي الْمجْلس مشار إِلَيْهَا، وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الدَّابَّة فَفِي الرَّقِيق أولى.
قَوْله: (فشرطه أَبُو اللَّيْث أَيْضا) أَي كَمَا شَرط بَيَان الْقيمَة.
قَوْله: (وَشرط الشَّهِيد بَيَان السن أَيْضا) أَي كَمَا يشْتَرط بَيَان الْقيمَة والذكورة أَو الانوثة.
قَالَ فِي الْمنح: وَذكر الصَّدْر الشَّهِيد إِذا ادّعى قيمَة دَابَّة مستهلكة لَا بُد من ذكر الذُّكُورَة أَو الانوثة، وَلَا بُد من بَيَان السن، وَهَذَا على أصل أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى مُسْتَقِيم، لَان عِنْده الْقَضَاء بِقِيمَة الْمُسْتَهْلك بِنَاء على الْقَضَاء بِملك الْمُسْتَهْلك، لَان حق الْمَالِك عِنْده بَاقٍ فِي الْعين المستهلكة، فَإِنَّهُ قَالَ: يَصح الصُّلْح عَن الْعين الْمَغْصُوب الْمُسْتَهْلك على أَكثر من قِيمَته، فَلَو لم يكن الْعين الْمُسْتَهْلك ملكا لَا يجوز الصُّلْح على أَكثر من قِيمَته، لانه حِينَئِذٍ يكون الْوَاجِب فِي ذمَّة الْمُسْتَهْلك قيمَة الْمَغْصُوب، وَهُوَ دين فِي الذِّمَّة، وَإِن صَالح من الدّين على أَكثر من قِيمَته لَا يجوز، وَإِذا كَانَ الْقَضَاء بِالْقيمَةِ بِنَاء على الْقَضَاء بِملك الْمُسْتَهْلك لَا بُد من بَيَان الْمُسْتَهْلك فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ لِيَعْلَمَ الْقَاضِي بِمَاذَا يَقْضِي، وَهَذَا الْقَائِل يَقُول: مَعَ ذكر الانوثة والذكورة لَا بُد من ذكر النَّوْع بِأَن يَقُول: فرس أَو حمَار أَو مَا أشبه ذَلِك، وَلَا يَكْتَفِي بِذكر اسْم الدَّابَّة لانها مَجْهُولَة.
اهـ.
قَالَ فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة: وَلَا يشْتَرط ذكر اللَّوْن والشية فِي دَعْوَى الدَّابَّة، حَتَّى لَو ادّعى أَنه غصب مِنْهُ حمارا وَذكر شيته، وَأقَام الْبَيِّنَة على وفْق دَعْوَاهُ فأحضر الْمُدعى عَلَيْهِ حمارا فَقَالَ الْمُدَّعِي هَذَا الَّذِي ادعيته وَزعم الشُّهُود كَذَلِك أَيْضا فنظروا فَإِذا بعض شياته على خلاف مَا قَالُوا، بِأَن ذكر الشُّهُود بِأَن مشقوق الاذن وَهَذَا الْحمار غير مشقوق الاذن، قَالُوا: لَا يمْنَع هَذَا الْقَضَاء للْمُدَّعِي وَلَا يكون هَذَا خللا فِي شَهَادَتهم.
اهـ.
قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة ادّعى على آخر ألف دِينَار بِسَبَب الِاسْتِهْلَاك أعيانا لَا بُد وَأَن يبين قيمتهَا فِي مَوضِع الِاسْتِهْلَاك، وَكَذَا لَا بُد وَأَن يبين الاعيان فَإِن مِنْهَا مَا يكون مثلِيا وَمِنْهَا مَا يكون من ذَوَات الْقيم.
اهـ.
وفيهَا وَفِي دَعْوَى خرق الثَّوْب وجرح الدَّابَّة لَا يشْتَرط إِحْضَار الثَّوْب وَالدَّابَّة، لَان الْمُدعى بِهِ فِي الْحَقِيقَة الْجُزْء الْفَائِت من الثَّوْب وَالدَّابَّة.
كَذَا فِي الْخُلَاصَة.
стр. 592
إِذا ادّعى جوهرا لَا بُد من ذكر الْوَزْن إِذا كَانَ غَائِبا وَكَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مُنْكرا كَون ذَلِك فِي يَده كَذَا فِي السِّرَاجِيَّة.
وَفِي اللُّؤْلُؤ يذكر درره وضوءه ووزنه.
كَذَا فِي حزانة الْمُفْتِينَ.
اهـ.
قَوْله: (سَوَاء كَانَ لَهُ حمل أَو لَا) لَان الْمُودع عَلَيْهِ أَن يخلي بَينه وَبَين الْوَدِيعَة، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن ينقلها إِلَيْهِ مُطلقًا لانه محسن وَمَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل، فَلَا بُد من بَيَان مَكَان الايداع حَتَّى يلْزمه تَسْلِيمهَا فِيهِ دفعا للضَّرَر عَنهُ لَا فرق بَين مَاله حمل أَو لَا.
وَفِي فَتَاوَى رشيد الدّين: يَنْبَغِي أَن تكون لَفْظَة الدَّعْوَى فِي دَعْوَى الْوَدِيعَة أَن لي عِنْده كَذَا قِيمَته كَذَا فَأمره ليحضره لاقيم عَلَيْهِ الْبَيِّنَة على أَنه ملكي إِن كَانَ مُنْكرا وَإِن كَانَ مقرا فَأمره بِالتَّخْلِيَةِ حَتَّى أرفع وَلَا يَقُول فَأمره بِالرَّدِّ.
كَذَا فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَيَانِهِ) أَيْ بَيَانِ مَوْضِعِ الْغَصْبِ لانه يلْزمه تَسْلِيم مَا غصبه مِنْهُ، غير أَنه إِذا كَانَ لَهُ حمل وَمؤنَة لَا يلْزمه بنقله لانه لَا يُكَلف فَوق جِنَايَته فَيشْتَرط حِينَئِذٍ مَحل بَيَان الْغَصْب.
قَوْله: (وَإِلَّا حمل لَهُ لَا) أَي وَإِن لم يكن لَهُ حمل وَمؤنَة لَا يلْزم بَيَان الْمَكَان، وَمَا فسرنا بِهِ هُوَ الْمُوَافق للقواعد.
قَالَ المُصَنّف فِي الْغَصْب: وَيجب رد عين الْمَغْصُوب فِي مَكَان غصبه.
قَالَ الْمُؤلف: لتَفَاوت الْقيم باخْتلَاف الاماكن.
اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَن يجب بَيَان الْمَكَان مُطلقًا، إِلَّا أَن هَذَا فِي الْهَالِك وَكَلَام المُصَنّف فِي الْقَائِم.
قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ: وَفِي غَصْبِ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ وَإِهْلَاكِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: يَتَخَيَّرُ الْمَالِك أَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ أَوْ يَوْمَ هَلَاكِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَنَّهَا قِيمَةُ: أَيِّ الْيَوْمَيْنِ انْتهى.
وَإِن كَانَ الْمُدعى بِهِ هَالكا لَا تصح الدَّعْوَى إِلَّا بِبَيَان جنسه وسنه وَصفته وحليته وَقِيمَته، لانه لَا يصير مَعْلُوما إِلَّا بِذكر هَذِه الاشياء.
وَشرط الْخصاف: بَيَان الْقيمَة.
وَبَعض الْقُضَاة لَا يشترطون بَيَان الْقيمَة كَذَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ.
اهـ.
وَالْحَاصِل: أَنه يجب بَيَان مَكَان الايداع مُطلقًا، لَان الرَّد غير وَاجِب على الْمُودع وَلَيْسَ مُؤْنَته عَلَيْهِ بل على الْمَالِك وَالْوَاجِب عَلَيْهِ تَسْلِيمهَا لَهُ بِمَعْنى عدم الْمَنْع، فَلَو لم يبين الْمَكَان رُبمَا لحق الْمُودع ضَرَر، وَهُوَ مَرْفُوع بِخِلَاف الْغَصْب، فَإِن رد الْعين الْمَغْصُوبَة فِي مَكَان غصبه وَاجِب على الْغَاصِب فَلَا بُد من
بَيَانه إِن كَانَ للْمَغْصُوب حمل وَمؤنَة لاخْتِلَاف القيمي باخْتلَاف الاماكن، بِخِلَاف مَا لَا حمل لَهُ وَلَا مُؤنَة.
قَوْله: (يَوْم غصبه على الظَّاهِر) بِصِيغَة الْفِعْل والمصدر، وَظَاهره جَرَيَان خلاف.
وَسَيَأْتِي فِي الْغَصْب مَا نَصه: وَتَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْقِيَمِيِّ يَوْمَ غَصْبِهِ إجْمَاعًا.
اهـ.
ط.
وَفِي رِوَايَة: يُخَيّر كَمَا مر قَرِيبا عَن نور الْعين.
تَتِمَّة: قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: وَدَعوى الجمد حَال انْقِطَاعه لَا تصح، وَإِن كَانَت من ذَوَات الامثال لعدم وجوب رد مثله لانقطاعه فَلهُ أَن يُطَالِبهُ بِقِيمَتِه يَوْم الْخُصُومَة.
كَذَا فِي الْوَجِيز للْكَرْدَرِيّ.
وَفِي دَعْوَى الرَّهْن وأشباهه: إِن كَانَت الدَّعْوَى بِسَبَب البيع يحْتَاج إِلَى الاحضار للاشارة إِلَيْهِ، وَإِن كَانَت بِسَبَب الِاسْتِهْلَاك أَو بِسَبَب الْقَرْض أَو بِسَبَب الثمنية لَا يحْتَاج إِلَى الاحضار.
كَذَا فِي خزانَة الْمُفْتِينَ اهـ.
قَوْله: (وَيشْتَرط التَّحْدِيد فِي دَعْوَى الْعقار) لانه تعذر التَّعْرِيف بالاشارة لتعذر النَّقْل فصير إِلَى التَّحْدِيد فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة، وَجمعه عقارات.
قَالَ فِي الْمغرب: الْعقار الضَّيْعَة، وَقيل كل مَا لَهُ أصل كَالدَّارِ
стр. 593
والضيعة.
اهـ.
وَقَدْ صَرَّحَ مَشَايِخُنَا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ: بِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالنَّخْلَ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ وَأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِمَا إذَا بِيعَا بِلَا عَرْصَةٍ فَإِنْ بِيعَا مَعهَا وَجَبت تبعا، وَقد غلط بعض العصرين فَجَعَلَ النَّخِيلَ مِنْ الْعَقَارِ وَنُبِّهَ فَلَمْ يَرْجِعْ كعادته.
بَحر.
وَذكر بعده على قَول الْكَنْز: وَقيل لخصمه أعْطه كَفِيلا الخ عَن الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: لَو طلب الْمُدَّعِي من القَاضِي وضع الْمَنْقُول على يَد عدل، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَدْلًا لَا يُجِيبُهُ، وَإِن فَاسِقًا أَجَابَهُ، وَفِي الْعَقَارِ: لَا يُجِيبُهُ إلَّا فِي الشَّجَرِ الَّذِي عَلَيْهِ الثَّمر لَان الثَّمر نقلي.
اهـ.
قَالَ الْمُؤلف هُنَاكَ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّجَرَ مِنْ الْعَقَارِ وَقَدَّمْنَا خِلَافَهُ.
وَفِي حَاشِيَة أبي السُّعُود هُنَاكَ: أَقُول: نقل الْحَمَوِيّ عَن الْمَقْدِسِي التَّصْرِيح بِأَن الشّجر عقار.
اهـ.
قلت: وَيُؤَيِّدهُ كَلَام الْمِصْبَاح، لانه إِذا قيل إِنَّه عقار يبتنى عَلَيْهِ وجوب التَّحْدِيد فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة وَكَيف يُمكن ذَلِك فِي شَجَرَة بُسْتَان بَين أَشجَار كَثِيرَة، وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ: وَقَوْلُهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا إلَخْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مُحْتَكَرَةً، وَإِلَّا فَالْبِنَاءُ بِالْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ تَثْبُتُ فِيهِ
الشُّفْعَةُ، لِأَنَّهُ لِمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الْقَرَارِ الْتَحَقَ بِالْعَقَارِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشُّفْعَةِ.
اهـ.
أَقُول: لَكِن الَّذِي اعْتَمدهُ الشَّارِح فِي بَابهَا عدم ثُبُوت الشُّفْعَة فِيهِ بقوله: وَأما مَا جزم بِهِ ابْن الْكَمَال مِنْ أَنَّ الْبِنَاءَ إذَا بِيعَ مَعَ حَقِّ الْقَرار يلْتَحق الْعقار، فَرده شَيخنَا الرَّمْلِيّ، وَأفْتى بعدمها تبعا للبزازية وَغَيرهَا فَلْيحْفَظ اهـ.
وَأقرهُ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَبَالغ فِي الرَّد على اسْتِدْلَال أبي السُّعُود، فَرَاجعه ثمَّة.
قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: قَالَ جمَاعَة من أهل الشُّرُوط: يَنْبَغِي أَن يذكر فِي الْحُدُود دَار فلَان وَلَا يذكر لزيق دَار فلَان، وَعِنْدَهُمَا كِلَاهُمَا سَوَاء طحم: يكْتب فِي الْحَد يَنْتَهِي إِلَى كَذَا ويلاصق كَذَا أَو لزيق كَذَا، وَلَا يكْتب أحد حُدُوده كَذَا.
وَقد قَالَ ح: لَو كتب أحد حُدُوده دجلة أَو الطَّرِيق أَو الْمَسْجِد فَالْبيع جَائِز، وَلَا تدخل الْحُدُود فِي البيع إِذْ قصد النَّاس بهَا إِظْهَار مَا يَقع عَلَيْهِ البيع، لَكِن س قَالَ: البيع فَاسد إِذْ الْحُدُود فِيهِ تدخل فِي البيع، فاخترنا يَنْتَهِي أَو لزيق أَو يلاصق تَحَرُّزًا عَن الْخلاف، ولان الدَّار على قَول من يَقُول يدْخل الْحَد فِي البيع فِي الْموضع الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَأَما ذَلِك الْموضع المنتهي إِلَيْهِ.
فقد جعل حدا وَهُوَ دَاخل فِي البيع.
وعَلى قَول من يَقُول: لَا يدْخل الْحَد فِي البيع فالمنتهي إِلَى الدَّار لَا يدْخل تَحت البيع، وَلَكِن عِنْد ذكر قَوْلنَا بِحُدُودِهِ يدْخل فِي البيع وفَاقا.
قَالُوا: وَالصَّحِيح من الْجَواب أَن يُقَال: لَو ذكر فِي الْحَد لزيق أَو يَنْتَهِي أَو نَحوه تصح الشَّهَادَة، وَلَو ذكر دَار فلَان أَو طَرِيق مَسْجِد لَا تصح الشَّهَادَة ط.
وَالشَّهَادَة كالدعوى فِيمَا مر من الاحكام.
فش: كتب فِي الْحَد لزيق الزقيقة أَو الزقاق وإليها الْمدْخل أَو الْبَاب لَا يَكْفِي لِكَثْرَة الازقة، فَلَا بُد أَن ينسبها إِلَى مَا تعرف بِهِ، وَلَو كَانَت لَا تنْسب إِلَى شئ يَقُول: زقيقة بهَا: أَي بالمحلة أَو الْقرْيَة أَو النَّاحِيَة ليَقَع بِهِ نوع معرفَة.
أَقُول: دلّ هَذَا على أَنه لَا يَكْفِي ذكر الثَّلَاثَة، وَيحْتَمل أَن يكون غَرَضه من قَوْله لَا يَكْفِي فَلَا بُد الخ، أَنه فِي بَيَان الرَّابِع لَا بُد مِنْهُ كَذَا، وَهَذَا لَا يدل على أَن بَيَان الرَّابِع لَا بُد مِنْهُ، إِذْ بَين قَوْلنَا بَيَان الرَّابِع لَا يبين إِلَّا بِكَذَا فرق بَين فَلَا دلَالَة حِينَئِذٍ، وَالله أعلم بغرضه.
وَأَقُول: أَيْضا بالحدود الثَّلَاثَة تتَمَيَّز تِلْكَ الزقيقة من سَائِر الازقة فَلَا تضر الْكَثْرَة، وَأَيْضًا فِي قَوْله
стр. 594
بهَا: أَي بالمحلة الخ نظر، إِذْ الْمعرفَة الْحَاصِلَة بِذكر الْمحلة أَو الْقرْيَة تحصل بِدُونِ ذكرهَا، إِذْ من الْمَعْلُوم أَن الزقيقة لَا تكون إِلَّا بالمحلة أَو الْقرْيَة فَذكرهَا وَعَدَمه سَوَاء، لَكِن يمْنَع أَن الزقيقة لَا تكون إِلَّا بالمحلة أَو الْقرْيَة لجَوَاز أَن يكون مقابلها أَو بقربها أَو نَحْو ذَلِك فَقَط.
لَو كَانَ الْحَد الرَّابِع ملك رجلَيْنِ لكل مِنْهُمَا أَرض على حِدة فَذكر فِي الْحَد الرَّابِع لزيق ملك فلَان وَلم يذكر الآخر يَصح، وَكَذَا لَو كَانَ الرَّابِع لزيق أَرض أَو مَسْجِد فَذكر الارض لَا الْمَسْجِد يجوز.
وَقيل الصَّحِيح: أَنه لَا يَصح الفصلان إِذا جعل الْحَد الرَّابِع كُله لزيق ملك فلَان، فَإِذا لم يكن كُله ملك فلَان فدعواه لم تتَنَاوَل هَذَا الْمَحْدُود فَلَا يَصح، كَمَا لَو غلط فِي أحد الاربعة، بِخِلَاف سُكُوته عَن الرَّابِع.
فش: لَو كَانَ الْمُدَّعِي أَرضًا وَذكروا أَن الْفَاصِل شَجَرَة لَا يَكْفِي، إِذْ الشَّجَرَة لَا تحيط بِكُل الْمُدعى بِهِ، والفاصل يجب أَن يكون محيطا بِكُل الْمُدعى بِهِ حَتَّى يصير مَعْلُوما.
فش: الشَّجَرَة والمسناة تصلح فاصلا.
وَالْحَاصِل: أَن الشَّجَرَة تصلح فاصلا إِذا أحاطت، وَإِلَّا لَا.
أَقُول: وَمثل الشَّجَرَة الْبِئْر وَعين المَاء عدَّة.
الْمقْبرَة لَو كَانَت ربوة تصلح حدا، وَإِلَّا فَلَا: أَي بِأَن كَانَت تلاط.
لَو ذكر فِي الْحَد لَزِيقَ أَرْضُ الْوَقْفِ لَا يَكْفِي، وَيَنْبَغِي أَنْ يذكر أَنَّهَا وقف على الْفُقَرَاء أَو على مَسْجِد كَذَا وَنَحْوه، أَو فِي يَد من أَو ذكر الْوَاقِف.
أَقُول: يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا وَمَا يتلوه من جنسه عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ إلَّا بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ تضييق بِلَا ضَرُورَة.
جف: ذكر اسْم جد الْمَالِك للحد شَرط، وَكَذَا ذكر جد الْوَاقِف لَو كَانَ الْحَد وَقفا، إِلَّا إِذا كَانَ مَشْهُورا مَعْرُوفا لَا يلتبس بِهِ غَيره.
طذ: لَو ذكر لزيق ملك وَرَثَة فلَان لَا يَكْفِي، إِذْ الْوَرَثَة مَجْهُولُونَ مِنْهُم ذُو فرض وَعصب وَذُو رحم فجهلت جَهَالَة فَاحِشَة، أَلا يرى أَن الشَّهَادَة بِأَن هَذَا وَارِث فلَان لَا تقبل لجَهَالَة فِي الْوَارِث.
فش: لَوْ ذَكَرَ لَزِيقَ دَارِ وَرَثَةِ فُلَانٍ لَا يحصل التَّعْرِيف بِذكر الِاسْم وَالنّسب.
وَقيل يَصح ذكره حدا لانه من أَسبَاب التَّعْرِيف عدَّة.
لَو كتب لزيق أَرض وَرَثَةِ فُلَانٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
قِيلَ يَصِحُّ، وَقِيلَ لَا.
ش: كَتَبَ لَزِيقَ دَارٍ مِنْ تَرِكَةِ فُلَانٍ يَصِحُّ حدا.
كتب لزيق أَرض مبان وَهِي لَا تَكْفِي.
كَذَا ذكره الشَّارِح وَقَالَ: لَان أَرض مبان وَهِي قد تكون للْغَائِب، وَقد تكون أَرضًا تَركه مَالِكه على أهل الْقرْيَة بالخراج، وَقد تكون أَرضًا تركت لرعي دَوَاب الْقرْيَة من وَقت الْفَتْح فَهِيَ مبان فَبِهَذَا الْقدر مَا يحصل التَّعْرِيف.
أَقُول: فِيهِ نظر، لَان أَرض مبان وَهُوَ لَو كَانَ مَعْرُوفا فِي نَفسه يَنْبَغِي أَن يحصل بِهِ التَّعْرِيف والجهالة فِي مَالِكه، وَفِي جِهَة تَركه لَا يضر التَّعْرِيف.
ط: لَو جعل الْحَد طَرِيق الْعَامَّة لَا يشْتَرط فِيهِ ذكر أَنه طَرِيق الْقرْيَة أَو الْبَلدة، لَان ذكر الْحَد لاعلام مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمَحْدُود، وَقد حصل الْعلم حَيْثُ انْتهى إِلَى الطَّرِيق.
ط: الطَّرِيق يصلح حدا وَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى بَيَان طوله وَعرضه إِلَّا على قَول شح فَإِنَّهُ قَالَ: تبين
стр. 595
الطَّرِيق بالذراع وَالنّهر لَا يصلح حدا عِنْد الْبَعْض، وَكَذَا السُّور، وَهُوَ رِوَايَة عَن ح.
وَظَاهر الْمَذْهَب أَنه يصلح حدية، وَالْخَنْدَق كنهر فَإِنَّهُ يصلح حدا عِنْدهمَا.
وَاخْتَارَ من قَوْلهمَا، وَلَا عِبْرَة لمن قَالَ: إِن النَّهر يزِيد وَينْقص وَإِن السُّور يخرب وَإِن الطَّرِيق يتْرك السلوك فِيهِ، لَان تبدل دَار فلَان أسْرع من تبدل السُّور وَنَحْوه فَيَنْبَغِي أَن يكون ذَلِك أولى: أَي بصلاحيتها حدا.
ذ: ولوحد بِأَنَّهُ لَزِيقُ أَرْضُ فُلَانٍ وَلِفُلَانٍ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ الَّتِي فِيهَا المدعاة أَرَاضٍ كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ مُخْتَلِفَةٌ تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةُ.
اهـ.
بِزِيَادَة وَبَعض تَغْيِير.
قَوْله: (كَمَا يشْتَرط فِي الشَّهَادَة عَلَيْهِ) لانه بهَا يصير مَعْلُوما عِنْد القَاضِي.
قَوْله: (وَلَو كَانَ الْعقار مَشْهُورا) لانه يعرف بِهِ مَعَ تعذر الاشارة إِلَيْهِ، وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الصَّحِيح.
كَذَا فِي الْهِنْدِيَّة عَن السراج الْوَهَّاج.
لَان قدرهَا لَا يصير مَعْلُوما إِلَّا بالتحديد.
دُرَر.
قَوْله: (خلافًا لَهما) أَي فَإِن عِنْدهمَا إِذا كَانَ الْعقار مَشْهُورا شهرة الرجل فَلَا يحْتَاج إِلَى تحديده.
قَوْله: (إِلَّا إِذا عرف) بتَشْديد الرَّاء الشُّهُود الدَّار بِعَينهَا: أَي بِأَن أشاروا
إِلَيْهَا حَاضِرَة وَقَالُوا نشْهد أَن هَذِه الدَّار لفُلَان، فَافْهَم.
قَوْله: (فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر حُدُودهَا) قَالَ شمس الائمة السَّرخسِيّ: يشْتَرط فِي شِرَاء الْقرْيَة الْخَالِصَة أَن يذكر حُدُود المستثنيات من الْمَسَاجِد والمقابر والحياض للعامة وَنَحْوهَا، وَأَن يذكر مقاديرها طولا وعرضا، وَكَانَ يرد المحاضر والسجلات والصكوك الَّتِي فِيهَا اسْتثِْنَاء هَذِه الاشياء مُطلقَة فَلَا تَحْدِيد وَلَا تَقْرِير.
وَكَانَ أَبُو شجاج لَا يشْتَرط ذَلِك.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَمَا يَكْتُبُونَ فِي زَمَاننَا وَقد عرف المتعاقدان جَمِيع ذَلِك وأحاطا بِهِ علما فقد استرذله بعض مَشَايِخنَا وَهُوَ الْمُخْتَار، إِذْ البيع لَا يصير بِهِ مَعْلُوما للْقَاضِي عِنْد الشَّهَادَة فَلَا بُد من التَّعْيِين اهـ.
أَي بِذكر حُدُوده أَو بالاشارة إِلَيْهِ فِي مَحَله.
قَوْله: (كَمَا لَو ادّعى ثمن الْعقار الخ) ظَاهره وَلَو غير مَقْبُوض.
وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو ادّعى ثمن مَبِيع لم يقبض لَا بُد من إِحْضَار الْمَبِيع مجْلِس الحكم حَتَّى يثبت البيع عِنْد القَاضِي، بِخِلَاف لَو ادّعى ثمن مَبِيع قبض فَإِنَّهُ لَا يجب إِحْضَاره لانه دَعْوَى الدّين حَقِيقَة.
اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَن يفصل فِي الْعقار، وَذكر حُدُوده تُقَام مقَام إِحْضَاره.
قَوْله: (وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ بَلْدَةٍ بِهَا الدَّارُ) ذكر شيخ الاسلام الْفَقِيه أَحْمد أَبُو النَّصْر مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي فِي شُرُوطه.
وَفِي دَعْوَى الْعقر لَا بُد أَن يذكر بَلْدَة فِيهَا الدَّار، ثمَّ الْمحلة ثمَّ السِّكَّة، فَيبْدَأ أَولا بِذكر الكورة ثمَّ الْمحلة اخْتِيَارا لقَوْل مُحَمَّد: فَإِن مذْهبه أَن يبْدَأ بالاعم ثمَّ بالاخص.
وَقيل يبْدَأ بالاخص ثمَّ بالاعم فَيَقُول دَار فِي سكَّة كَذَا فِي محلّة كَذَا، وقاسه على النّسَب حَيْثُ يُقَال فلَان ثمَّ يُقَال ابْن فلَان، ثمَّ يذكر الْجد بِمَا هُوَ أقرب فيترقى إِلَى الابعد، وَقَول مُحَمَّد أحسن إِذْ الْعَام يعرف بالخاص لَا بِالْعَكْسِ، وَفصل النّسَب حجَّة عَلَيْهِ إِذْ الاعم اسْمه، فَإِن أَحْمد فِي الدُّنْيَا كثير، فَإِن عرف وَإِلَّا ترقى إِلَى الْحَد.
كَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ برمز ط.
وَالَّذِي فِي شرح أدب القَاضِي: يجب على الْمُدَّعِي وعَلى الشُّهُود الاعلام بأقصى مَا يُمكن، وَهُوَ فِي الدَّار بالبلدة ثمَّ الْمحلة الَّتِي فِيهَا الدَّار فِي تِلْكَ الْبَلدة، ثمَّ يبين حُدُود الدَّار لَان أقْصَى
стр. 596
مَا يُمكن فِي التَّعْرِيف هَذَا اهـ.
وَالشَّارِح تبع مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ.
قَالَ ط: وَالَّذِي يظْهر الاول.
اهـ.
تَأمل.
وَذكر بعض الافاضل على هَامِش الدّرّ قَوْله: وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ بَلْدَةٍ بِهَا الدَّارُ الخ.
وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم.
وَذكر المرغيناني أَنه لَو سمع قَاض تصح هَذِه الدَّعْوَى.
وَقَالَ الْقُهسْتَانِيّ: وَيشْتَرط
تَحْدِيد الدَّار بِمَا لَا يتَغَيَّر كالدور والاراضي والسور وَالطَّرِيق فَخرج النَّهر لانه يزِيد وَينْقص ويعمر، وَلَو لم تحد وَقضى بِحِصَّة ذَلِك نفذ.
اهـ.
أَقُول: لَكِن قد علمت مِمَّا قدمْنَاهُ قَرِيبا عَن الْفُصُولَيْنِ أَنه لَا عِبْرَة لمن قَالَ: إِن النَّهر يزِيد وَينْقص الخ فَلَا تنسه.
وَأَقُول: لَكِن الْمشَاهد فِي دِيَارنَا دمشق الشَّام، وَبَعض أنهارها فِي بعض المحلات كنهر بردى فَإِنَّهُ كثيرا مَا يتْرك أرضه وَيَمْشي فِي أَرض أُخْرَى مَمْلُوكَة للْغَيْر.
ويمر على ذَلِك أَعْوَام كَثِيرَة بِسَبَب انحدار المَاء إِلَى تِلْكَ الارض ويسفلها ويجعلها لَهُ طَرِيقا آخر فتتغير الْحُدُود وَتصير نسيا منسيا، وَعَلِيهِ فالنهر لَا يصلح أَن يكون حدا إِلَّا إِذا كَانَ جَرَيَانه فِي أَرض لَا يُمكن للْمَاء نحرها وتغيير مَحَله بِأَن كَانَت حافتاه مبنيتين بالآجر والاحجار والمؤنة، أَو كَانَ جَرَيَانه فِي أَرض مثقوبة من صَخْر أَو نَحْو ذَلِك، وَالله تَعَالَى أعلم.
قَوْله: (كَمَا فِي النّسَب) أَي إِذا ادّعى على رجل اسْمه جَعْفَر مثلا، فَإِن عرف وَإِلَّا ترقى إِلَى الاخص فَيَقُول ابْن مُحَمَّد، فَإِن عرف وَإِلَّا ترقى إِلَى الْجد.
قَوْله: (ويكتفي بِذكر ثَلَاثَة) لَان للاكثر حكم الْكل.
زَيْلَعِيّ.
فَيجْعَل الرَّابِع بِإِزَاءِ الثَّالِث حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى مبدأ الْجد الاول.
فصولين.
وَفِي الْحَمَوِيّ: وَقَالَ زفر، لَا بُد من ذكر الْحُدُود الاربعة لَان التَّعْرِيف لَا يتم إِلَّا بهَا، وَلنَا أَن للاكثر حكم الْكل، على أَن الطول يعرف بِذكر الحدين وَالْعرض بِأَحَدِهِمَا، وَقد يكون بِثَلَاثَة.
روى عَن أبي يُوسُف: يَكْفِي الِاثْنَان، وَقيل الْوَاحِد، وَالْفَتْوَى على قَول زفر.
وَلذَا لَو قَالَ: غَلطت فِي الرَّابِع لَا يقبل، وَبِه قَالَت الثَّلَاثَة.
وَهَذِه إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي يُفْتِي بهَا بقول زفر كَمَا أَشرت إِلَى ذَلِك فِي منظومتي فِيمَا يُفْتى بِهِ من أَقْوَال زفر بِقَوْلِي: دَعْوَى الْعقار بهَا لَا بُد أَرْبَعَة من الْحُدُود وَهَذَا بَين وجلي اهـ ط بِزِيَادَة.
لَكِن قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى المحبية بعد كَلَام طَوِيل: فَإِذا كَانَت الْحُدُود الثَّلَاثَة كَافِيَة عِنْد الائمة الثَّلَاثَة كَانَ الْفَتْوَى على ذَلِك، فَقَوْل زفر لانه لَا بُد من الْحُدُود الاربعة غير مفتى بِهِ اهـ.
أَقُول: وَكَون الْفَتْوَى على قَول زفر لم أَجِدهُ فِي كتب الْمَذْهَب وَلَا فِي نظم سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى الْمسَائِل الْعشْرين الَّتِي يُفْتى بهَا على قَول زفر.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ تَرَكَ) أَيْ الْمُدَّعِي أَوْ الشَّاهِدُ الرَّابِع صَحَّ، فَحكمهَا فِي التّرْك والغلط وَاحِد.
قَوْله: (وَإِن ذكره) أَي الْحَد الرَّابِع وَغلط فِيهِ لَا: أَي لَا يَصح، وَهُوَ المفتوى بِهِ ط.
لانه يخْتَلف الْمُدَّعِي وَلَا كَذَلِك بِتَرْكِهِ، وَنَظِيره إِذا ادّعى شِرَاء بِثَمَنٍ مَنْقُودٍ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ بَيَانِ جِنْسِ الثَّمَنِ، وَلَوْ ذَكَرُوهُ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ لم تقبل.
كَذَا فِي الزَّيْلَعِيّ.
стр. 597
قَوْله: (بِإِقْرَار الشَّاهِد) كَذَا فِي الْبَحْر، وَفِي الْحَمَوِيّ: والغلط إِنَّمَا يثبت بِإِقْرَار الْمُدَّعِي أَنه غلط الشَّاهِد، وَالظَّاهِر أَن الْغَلَط يثبت بهما، أما لَو ادّعى الْمُدعى عَلَيْهِ الْغَلَط لَا تسمع هَذِه الدَّعْوَى، وَلَو أَقَامَ بَيِّنَة لَا تقبل، وَبَيَانه فِي الْبَحْر وَغَيره.
قَوْله: (فصولين) وَعبارَته: وَإِنَّمَا يثبت الْغَلَط بِإِقْرَار الشَّاهِد إِنِّي غَلطت فِيهِ، أما لَو ادَّعَاهُ الْمُدعى عَلَيْهِ لَا تسمع وَلَا تقبل بَينته، لَان دَعْوَى غلط الشَّاهِد من الْمُدعى عَلَيْهِ إِنَّمَا تكون بعد دَعْوَى الْمُدَّعِي.
وَجَوَاب الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ أَجَابَ الْمُدَّعِي، فَقَدْ صَدَّقَهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ بِهَذِهِ الْحُدُودِ، فَيَصِيرُ بِدَعْوَى الْغَلَطِ مناقضا بعده.
أَوْ نَقُولُ: تَفْسِيرُ دَعْوَى الْغَلَطِ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدُ الْحُدُودِ لَيْسَ مَا ذَكَرَهُ الشَّاهِدُ، أَوْ يَقُولُ صَاحِبُ الْحَدِّ لَيْسَ بِهَذَا الِاسْمِ كُلُّ ذَلِكَ نَفْيٌ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ لَا تقبل.
اهـ.
قَالَ الْعَلامَة الرَّمْلِيّ فِي عبارَة الْفُصُولَيْنِ: إِسْقَاط من أصل النُّسْخَة وَلَا بُد مِنْهُ وَهُوَ بعد قَوْله بِدَعْوَى الْغَلَط بعده مناقضا فَيَنْبَغِي أَن يفصل أَيْضا، وَيُمكن أَن يغلط لمُخَالفَته لتحديد الْمُدَّعِي فَلَا تنَاقض.
ثمَّ قَالَ: أَو نقُول الخ، وَقد كتبت على نُسْخَتي جَامع الْفُصُولَيْنِ فِي هَذَا الْمحل كِتَابَة حَسَنَة فَرَاجعهَا فَإِنَّهَا مفيدة وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ أَيْضا.
أَقُول: لَو قَالَ بعض حُدُوده كَذَا لَا مَا ذكره الشَّاهِد وَالْمُدَّعِي يَنْبَغِي أَن تقبل بَينته عَلَيْهِ من حَيْثُ إثْبَاته أَن بعض حُدُوده كَذَا فينفي مَا ذكره الْمُدَّعِي ضمنا، فَيكون شَهَادَة على الاثبات لَا على النَّفْي، وَيدل عيه مَسْأَلَة ذكرت فِي فصل التَّنَاقُض أَنه ادّعى دَارا محدودة، فَأجَاب الْمُدعى عَلَيْهِ أَنه ملكي وَفِي يَدي ثمَّ ادّعى أَن الْمُدَّعِي غلط فِي بعض حُدُوده لم يسمع، لَان جَوَابه إِقْرَار بِأَنَّهُ بِهَذِهِ الْحُدُود، وَهَذَا إِذا
أجَاب بِأَنَّهُ ملكي.
أما لَو أجَاب بقوله لَيْسَ لهَذَا ملكك وَلم يزدْ عَلَيْهِ يُمكن الدّفع بعده بخطأ الْحُدُود.
كَذَا حكى عَن ط أَنه لقن الْمُدعى عَلَيْهِ الدّفع بخطأ الْحُدُود.
أَقُول: دلّ على هَذَا أَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَو برهن على الْغَلَط يقبل، فَدلَّ على ضعف الجوابين الْمَذْكُورين فَالْحق مَا قلت من أَنه يَنْبَغِي أَن يكون على هَذَا التَّفْصِيل وَالله تَعَالَى أعلم.
اهـ.
قَالَ فِي نور الْعين: جَمِيع مَا ذكره الْمُعْتَرض فِي هَذَا الْبَحْث مَحل نظر كَمَا لَا يخفى على من تَأمل وتدبر اهـ.
أَقُول: والملخص كَمَا ذكره السائحاني أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الْمَحْدُودُ لَيْسَ فِي يَدِي فَيَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ بَلْ فِي يَدِك وَلَكِنْ حَصَلَ غَلَطٌ فَيُمْنَعُ بِهِ، وَلَوْ تَدَارَكَ الشَّاهِدُ الْغَلَطَ فِي الْمَجْلِسِ يُقْبَلُ أَو فِي غَيره إِذا وفْق.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة: وَلَوْ غَلِطُوا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ أَوْ حَدَّيْنِ ثمَّ تداركوا فِي الْمجْلس أَو فِي غَيْرِهِ يُقْبَلُ عِنْدَ إمْكَانِ التَّوْفِيقِ بِأَنْ يَقُولَ كَانَ اسْمُهُ فُلَانًا ثُمَّ صَارَ اسْمُهُ فُلَانًا أَو بَاعَ فلَان وَاشْتَرَاهُ الْمَذْكُور.
اهـ.
وَفِيه مسَائِل أَحْبَبْت ذكرهَا هُنَا تتميما للفائدة.
وَفِي ذ: بَين حُدُوده وَلم يبين أَنه كرم أَو أَرض أَو دَار وشهدا كَذَلِك قيل لَا تسمع الدَّعْوَى، وَلَا الشَّهَادَة وَقيل تسمع لَو بَين الْمصر والمحلة والموضع.
ادّعى عشر دبرات أَرض وحد التسع لَا الْوَاحِدَة لَو كَانَت هَذِه الْوَاحِدَة فِي وسط التسع تقبل وَيَقْضِي بِالْجُمْلَةِ لَا لَو على طرف.
جف: ادّعى سُكْنى دَار وَنَحْوه وَبَين حُدُوده لَا يَصح إِذْ السُّكْنَى نقلي فَلَا يحد بشئ.
стр. 598
فش: وَإِن كَانَ السُّكْنَى نقليا لَكِن لما اتَّصل بالارض اتِّصَال تأييد كَانَ تَعْرِيفه بِمَا بِهِ تَعْرِيف الارض، إِذْ فِي سَائِر النقليات إِنَّمَا لَا يعرف بالحدود لامكان إِحْضَاره فيستغني بالاشارة إِلَيْهِ عِنْد الْحَد، أما السُّكْنَى فنقله لَا يُمكن لانه مركب فِي الْبناء تركيب قَرَار فالتحق بِمَا لَا يُمكن نَقله أصلا.
اهـ.
أَقُول: وَالْمرَاد بِالسُّكْنَى مَا ركب فِي الارض كَمَا ظهر فِي كَلَامه: أَي لانه مَنْقُول تعسر إِحْضَاره فَلَا يَكْفِي تحديده، وَلَا بُد من الاشارة إِلَيْهِ عِنْد الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة وَالْحكم عَلَيْهِ.
وَقَوله: وَإِن كَانَ السُّكْنَى نقليا الخ هَذَا قَول آخر نَقله عَن فَتْوَى رشيد الدّين: أَي فَيَكْفِي تحديده وَإِن كَانَ نقليا لانه
الْتحق بالعقار لاتصاله بالارض اتِّصَال قَرَار.
أَقُول: وَمِنْه يظْهر حكم حَادِثَة الْفَتْوَى، وَهِي مَا لَو أَرَادَ مُتَوَلِّي أَرض وقف مَعْلُومَة انتزاعها من يَد مستأجرها بعد مُضِيّ مُدَّة الاجارة وَرفع يَده عَنْهَا وَكَانَ قد غرس وَبنى فِيهَا الْمُسْتَأْجر بِإِذن متوليها بِحَق الْقَرار فَأثْبت بناءه وأشجاره الْمَوْضُوعَة فِي الارض على الْوَجْه الْمَذْكُور لَدَى الْحَاكِم الشَّرْعِيّ بِذكر حُدُود الارض فَقَط من غير إِشَارَة إِلَى الْبناء والاشجار وَحكم لَهُ الْحَاكِم الشَّرْعِيّ بِحَق الْقَرار فِيهَا فَإِنَّهُ يَصح على هَذَا القَوْل الثَّانِي سِيمَا وَقد اتَّصل بِحكم الْحَاكِم.
وَأَقُول: أَيْضا قد تأيد ذَلِك بِأَمْر السُّلْطَان نَصره الرَّحْمَن كَمَا سمعته فِي الْمَنْقُول الَّذِي يحْتَاج نَقله إِلَى مصرف، وَقد تأيد ذَلِك عِنْدِي بعده بفتوى من مفتي الانام بوأهم الله دَار السَّلَام أفتوا فِيهَا بِصِحَّة حجج الاحترام طبق هَذَا المرام، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ فَتَأَمّله منصفا بِكَمَال الالمام.
وَفِيه برمز طظه: شرى علو بَيت لَيْسَ لَهُ سفل يحد السّفل لَا الْعُلُوّ، إِذْ السّفل مَبِيع من وَجه من حَيْثُ إِن قَرَار الْعُلُوّ عَلَيْهِ، فَلَا بُد من تحديده، وتحديده يُغني عَن تَحْدِيد الْعُلُوّ، إِذْ الْعُلُوّ عرف بتحديد السّفل، ولان السّفل أصل والعلو تبع فتحديد الاصل أولى.
قَالَ طى: هَذَا إِذا لم يكن حول الْعُلُوّ حجرَة، فَلَو كَانَت يَنْبَغِي أَن يحد الْعُلُوّ لانه هُوَ الْمَبِيع فَلَا بُد من إِعْلَامه وَهُوَ يحد الْعُلُوّ لانه هُوَ الْمَبِيع فَلَا بُد من إِعْلَامه وَهُوَ يحده وَقد أمكن.
قَوْله: (وَأَسْمَاء أنسابهم) جمعنسب بِمَعْنى مَنْسُوب إِلَيْهِ.
قَالَ فِي الْبَحْر: الْمَقْصُود الاعلام.
اهـ.
وَفِي الْمُلْتَقط: رُبمَا لَا يحد إِلَّا بِذكر الْجد، وَإِذا لم يعرف جده لَا يتَمَيَّز عَن غَيره إِلَّا بِذكر موَالِيه أَو ذكر حرفته أَو وَطنه أَو دكانه أَو حليته إِنَّمَا التَّمْيِيز هُوَ الْمَقْصُود فَيحصل بِمَا قل أَو كثر.
اهـ.
وَلَو ذكر مولى العَبْد وَأَبا مَوْلَاهُ يَكْفِي على الْمُفْتى بِهِ ط.
مطلب: الْمَقْصُود التَّمْيِيز لمعْرِفَة الْحَد
قَوْله: (وَإِلَّا اكْتفى باسمه لحُصُول الْمَقْصُود) قَالَ فِي الْفُصُولَيْنِ: أما الدَّارِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْدِيدِهِ وَلَوْ مَشْهُورًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَمَامُ حَدِّهِ بِذِكْرِ جَدِّ صَاحِبِ الْحَدِّ.
وَعِنْدَهُمَا: التَّحْدِيدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الدَّار الْمَعْرُوف كدار عمر بن الْحَرْث بِكُوفَةَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ ذَكَرَ لَزِيقَ دَارِ فُلَانٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ يَكْفِيهِ إذْ الْحَاجَةُ إلَيْهِمَا لِإِعْلَامِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهَذَا مِمَّا يحفظ جدا.
اهـ.
وَفِيه: وَلَوْ جَعَلَ أَحَدَ الْحُدُودِ أَرْضُ الْمَمْلَكَةِ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ فِي يَدِ مَنْ لِأَنَّهَا فِي يَدِ السُّلْطَانِ بِوَاسِطَةِ يَدِ نَائِبِهِ.
اهـ.
وَهَذَا إِذا كَانَ الامير وَاحِدًا، فَلَو كَانَ اثْنَيْنِ لَا بُد أَن يبين اسْم الامير وَنسبه كَمَا فِي الْخُلَاصَة.
стр. 599
رجل ادّعى دَارا فِي يَد رجل فَقَالَ لَهُ القَاضِي هَل تعرف حُدُود الدَّار؟ قَالَ لَا، ثمَّ ادَّعَاهَا وَبَين الْحُدُود لَا تسمع.
أما إِذا قَالَ لَا أعرف أسامي أَصْحَاب الْحُدُود ثمَّ ذكر فِي الْمرة الثَّانِيَة فَتسمع، وَلَا حَاجَة إِلَى التَّوْفِيق.
كَذَا فِي الْهِنْدِيَّة عَن الْخُلَاصَة.
وفيهَا: وَلَو أَنه قَالَ لَا أعرف الْحُدُود ثمَّ ذكر الْحُدُود بعد ذَلِك ثمَّ قَالَ: عنيت بِقَوْلِي لَا أعرف الْحُدُود وَلَا أعرف أَسمَاء أَصْحَاب الْحُدُود قبل ذَلِك مِنْهُ، وَتسمع دَعْوَاهُ.
كَذَا فِي الذَّخِيرَة.
رجل ادّعى محدودة وَذكر حُدُودهَا وَقَالَ فِي تَعْرِيفهَا: وفيهَا أَشجَار، وَكَانَت المحدودة بِتِلْكَ الْحُدُود وَلكنهَا خَالِيَة عَن الاشجار لَا تبطل الدَّعْوَى، وَكَذَا لَو ذكر مَكَان الاشجار الْحِيطَان، وَلَو كَانَ الْمُدَّعِي قَالَ فِي تَعْرِيفهَا: لَيْسَ فِيهَا شجر وَلَا حَائِط فَإِذا فِيهَا أَشجَار عَظِيمَة لَا يتَصَوَّر حدوثها بعد الدَّعْوَى إِلَّا أَن حُدُودهَا توَافق الْحُدُود الَّتِي ذكر تبطل دَعْوَاهُ.
وَلَو ادّعى أَرضًا ذكر حُدُودهَا وَقَالَ: هِيَ عشر دبرات أَرض أَو عشر جرب، فَكَانَت أَكثر من ذَلِك لَا تبطل دَعْوَاهُ، وَكَذَا لَو قَالَ: هِيَ أَرض يبذر فِيهَا عشر مكاييل فَإِذا هِيَ أَكثر من ذَلِك أَو أقل إِلَّا أَن الْحُدُود وَافَقت دَعْوَى الْمُدَّعِي لَا تبطل دَعْوَى الْمُدَّعِي، لَان هَذَا خلاف يحْتَمل التَّوْفِيق وَهِي غير محتاجة إِلَيْهِ.
كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان.
وَفِي الْهِنْدِيَّة: رجل ادّعى على رجل أَنه وضع على حَائِطه لَهُ خشبا أَو أجْرى على سطحه مَاء أَو دَاره ميزابا أَو ادّعى أَنه فتح فِي حَائِط لَهُ بَابا أَو بنى على حَائِط لَهُ بِنَاء أَو ادّعى أَنه رمى التُّرَاب أَو الزبل فِي أرضه أَو دَابَّة ميتَة فِي أرضه أَو غرس شَجرا أَو مَا فِيهِ فَسَاد الارض وَصَاحب الارض يحْتَاج إِلَى رَفعه وَنَقله، وَصَححهُ دَعْوَاهُ بِأَن بَين طول الْحَائِط وَعرضه وموضعه وَبَين الارض بِذكر الْحُدُود وموضعها، فَإِذا صحت دَعْوَاهُ وَأنكر الْمُدعى عَلَيْهِ يتسحلفه على السَّبَب، وَلَو كَانَ صَاحب الْخشب هُوَ
الْمُدَّعِي فَقدم صَاحب الْحَائِط إِلَى القَاضِي وَقَالَ: كَانَ لي على حَائِط هَذَا الرجل خشب فَوَقع أَو قلعته لاعيده وَأَن صَاحب الْحَائِط يَمْنعنِي عَن ذَلِك لَا تسمع دَعْوَاهُ مَا لم يَصح، وَتَصْحِيح الدَّعْوَى بِأَن يبين مَوضِع الْخشب وَأَن لَهُ حق وضع خَشَبَة أَو خشبتين أَو مَا أشبه ذَلِك وَبَين غلظ الْخَشَبَة وخفتها، فَإِذا صحت الدَّعْوَى وَأنكر الْمُدعى عَلَيْهِ يحلفهُ القَاضِي على الْحَاصِل بِاللَّه مَا لهَذَا فِي هَذَا الْحَائِط وضع الْخشب الَّذِي يَدعِي وَهُوَ كَذَا وَكَذَا فِي مَوضِع كَذَا من الْحَائِط فِي مقدم الْبَيْت أَو مؤخره حق وَاجِب لَهُ، فَإِذا نكل ألزمهُ القَاضِي حَقه.
اهـ.
قَوْله: (وَذكر أَنه أَي الْعقار فِي يَده الخ) أَي لَان الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يكون خصما إِلَّا إِذا كَانَ الْعقار فِي يَده، فَلَا بُد من ذكره، وَإِنَّمَا خصصه فِي الذّكر، لَان الْكَلَام فِيهِ وَإِلَّا فالمنقول كَذَلِك، وَلذَا جعل صَاحب الْبَحْر الضَّمِير رَاجعا إِلَى الْمُدَّعِي الشَّامِل للمنقول وَالْعَقار.
قَالَ: وَلم أخصصه بالعقار كَمَا فعل الشَّارِح لكَونه شرطا فيهمَا.
اهـ.
وَفِي كَلَامه إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك فِي الدَّعْوَى، أما إِذا شهدُوا بمنقول أَنه فِي ملك الْمُدَّعِي تقبل، وَإِن لم يشْهدُوا أَنه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بِغَيْر حق، لانهم شهدُوا بِالْملكِ لَهُ وَملك الانسان لَا يكون فِي يَد غَيره إِلَّا بِعَارِض وَالْبَيِّنَة تكون على مدعي الْعَارِض وَلَا تكون على صَاحب الاصل.
وَقَالَ بَعضهم: مَا لم يشْهدُوا أَنه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بِغَيْر حق لَا تقطع يَد الْمُدعى عَلَيْهِ، والاول أصح.
وَفِيمَا سوى الْعقار لَا يشْتَرط أَن يشْهدُوا أَنه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ لَان القَاضِي يرَاهُ فِي يَده فَلَا حَاجَة إِلَى الْبَيَان.
كَذَا فِي
стр. 600
الْخَانِية.
بَحر.
قَوْله: (إِن كَانَ مَنْقُولًا) هَذَا تكْرَار لَا حَاجَة إِلَيْهِ مَعَ قَوْله فِيمَا تقدم فِي الْمَنْقُول ذكر أَنه فِي يَده بِغَيْر حق، إِلَّا أَن يُقَال: إِنَّمَا ذكره مَعَ مَا تقدم ليشير أَن فِي الْعقار لَا يَتَأَتَّى ذَلِك لَان الْيَد لَا تستولي عَلَيْهِ وَلذَا لَا يثبت فِيهِ الْغَصْب.
تَأمل.
قَوْله: (لما مر) أَي من احْتِمَال كَوْنِهِ مَرْهُونًا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَده: أَي ليصير خصما: أَقُول: هَذَا يَشْمَل الْعقار، فالتقييد لَا يُفِيد، وَهَكَذَا قَالَ صدر الشَّرِيعَة.
وَفِي الْقُهسْتَانِيّ: وَيزِيد أَيْضا فِي الْعقار عِنْد بعض الْمَشَايِخ كَمَا فِي قاضيخان، وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد كثير من أهل الشُّرُوح، وَمثله فِي الخزانة.
قَوْله: (وَلَا تثبت يَده) أَي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بتصادقهما لَان الْيَد فِيهِ غير مُشَاهدَة، وَلَعَلَّه فِي
يَد غَيرهمَا تواضعا فِيهِ ليَكُون لَهما ذَرِيعَة إِلَى أَخذه بِحكم الْحَاكِم.
عَيْني.
وسيشير إِلَيْهِ الشَّارِح لَكِن اعْترض على تَعْلِيل الْعَيْنِيّ بِأَنَّهُ لَا يَشْمَل مَا لَا يُمكن حُضُوره إِلَى مجْلِس الحكم كصبرة بر ورحى كَبِيرَة وَنَحْو ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يلْحق بالعقار لمشابهتها لَهُ.
أَقُول: هَذَا الِاعْتِرَاض فِي غَايَة السُّقُوط لما سبق، وسيجئ أَن مَا تعذر نَقله من الْمَنْقُول يحضرهُ القَاضِي أَو يبْعَث أَمينا أَو نَائِبه فَيسمع، وَيَقْضِي ثمَّ يمْضِي القَاضِي، فَفِي صُورَة الْحُضُور مشَاهد أَيْضا، وَفِي صُورَة بعث القَاضِي كالمشاهد، وَلذَلِك أمضى قَضَاءَهُ، بِخِلَاف الْعقار فَإِن كَونه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ قد لَا يُشَاهِدهُ القَاضِي وَإِن حضر عِنْده، وَلذَلِك صَرَّحُوا بِأَن ثُبُوت يَده عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَا غير.
أَقُول: وَهَذَا مِمَّا يَقَعُ كَثِيرًا وَيَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ قُضَاةِ زَمَانِنَا حَيْثُ يُكْتَبُ فِي الصُّكُوكِ فَأَقَرَّ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي إنَّهُ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى الْعقار وَيشْهد لَهُ شَاهِدَانِ، وَلذَا نظم سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى ذَلِك بقوله: وَالْيَد لَا يثبت فِي الْعقار مَعَ التصادق فَلَا تُمَارِي بَلْ يَلْزَمُ الْبُرْهَانُ إنْ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ غصبا أَو شِرَاء مدعي
قَوْله: (بل لَا بُد من بَيِّنَة) أَي من الْمُدَّعِي تشهد أَنهم عاينوه فِي يَده: أَي لصِحَّة الْقَضَاء بِالْملكِ، وَلَا يشْتَرط ذَلِك لصِحَّة الدَّعْوَى.
قَالَ فِي الْخَانِية: قَالَ أَبُو بكر: لَا تقبل بَيِّنَة الْمُدَّعِي على الْملك مَا لم يقم الْبَيِّنَة أَنَّهَا فِي يَد ذِي الْيَد، وَمثله فِي الْقُهسْتَانِيّ بأوضح بَيَان.
ثمَّ قَالَ: وَإِذا شهدُوا أَنه فِي يَده يسألهم القَاضِي أَنهم شهدُوا عَن سَماع أَو مُعَاينَة لانهم رُبمَا سمعُوا إِقْرَاره أَنه فِي يَده، وَهَذَا لَا يخْتَص بِهِ، فَإِنَّهُم لَو شهدُوا على البيع مثلا يسألهم عَن ذَلِك لانها شَهَادَة بِالْملكِ للْبَائِع وَالْملك لَا يثبت بالاقرار.
قَوْله: (أَو علم قَاض) هَذَا بِنَاء على أَن القَاضِي يقْضِي بِعِلْمِهِ، وَكَثِيرًا مَا يذكرُونَهُ فِي الْمسَائِل، والمفتى بِهِ: أَنه لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ فَعَلَيهِ لَا بُد من الْبَيِّنَة.
قَوْله: (لاحْتِمَال تزويرهما) هُوَ الصَّحِيح، اعْتَرَضَهُ صدر الشَّرِيعَة بِأَن تُهْمَة الْمُوَاضَعَة ثَابِتَة مَعَ إِقَامَة الْبَيِّنَة أَيْضا، فَإِن الدَّار مثلا إِذا كَانَت أَمَانَة فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ فتواضعا على أَن لَا يقر بالامانة فيقيم الْبَيِّنَة على الْيَد، ثمَّ إِنَّهَا ملكه فَيقْضى عَلَيْهِ.
وَأجِيب بِأَن تُهْمَة الْمُوَاضَعَة فِي صُورَة
الاقرار ظَاهِرَة وَقَرِيبَة بل أَكثر، وَفِي صُورَة إِقَامَة الْبَيِّنَة خُفْيَة وبعيدة بل نادرة وَأبْعد، لَان مبْنى ذَلِك على مواضعة الْخَصْمَيْنِ وشاهدي زور وارتكاب ضَرَر، فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا حكم عَلَيْهِ وأخرجت من
следующие страницы →