← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 918

تكملة حاشية ابن عابدين = قرة عيون الأخيار تكملة رد المحتار - ط الفكر

نجل ابن عابدين

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

مَا يُمكن فِي التَّعْرِيف هَذَا اهـ. وَالشَّارِح تبع مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ. قَالَ ط: وَالَّذِي يظْهر الاول. اهـ. تَأمل. وَذكر بعض الافاضل على هَامِش الدّرّ قَوْله: وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ بَلْدَةٍ بِهَا الدَّارُ الخ. وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم. وَذكر المرغيناني أَنه لَو سمع قَاض تصح هَذِه الدَّعْوَى. وَقَالَ الْقُهسْتَانِيّ: وَيشْتَرط تَحْدِيد الدَّار بِمَا لَا يتَغَيَّر كالدور والاراضي والسور وَالطَّرِيق فَخرج النَّهر لانه يزِيد وَينْقص ويعمر، وَلَو لم تحد وَقضى بِحِصَّة ذَلِك نفذ. اهـ. أَقُول: لَكِن قد علمت مِمَّا قدمْنَاهُ قَرِيبا عَن الْفُصُولَيْنِ أَنه لَا عِبْرَة لمن قَالَ: إِن النَّهر يزِيد وَينْقص الخ فَلَا تنسه. وَأَقُول: لَكِن الْمشَاهد فِي دِيَارنَا دمشق الشَّام، وَبَعض أنهارها فِي بعض المحلات كنهر بردى فَإِنَّهُ كثيرا مَا يتْرك أرضه وَيَمْشي فِي أَرض أُخْرَى مَمْلُوكَة للْغَيْر. ويمر على ذَلِك أَعْوَام كَثِيرَة بِسَبَب انحدار المَاء إِلَى تِلْكَ الارض ويسفلها ويجعلها لَهُ طَرِيقا آخر فتتغير الْحُدُود وَتصير نسيا منسيا، وَعَلِيهِ فالنهر لَا يصلح أَن يكون حدا إِلَّا إِذا كَانَ جَرَيَانه فِي أَرض لَا يُمكن للْمَاء نحرها وتغيير مَحَله بِأَن كَانَت حافتاه مبنيتين بالآجر والاحجار والمؤنة، أَو كَانَ جَرَيَانه فِي أَرض مثقوبة من صَخْر أَو نَحْو ذَلِك، وَالله تَعَالَى أعلم. قَوْله: (كَمَا فِي النّسَب) أَي إِذا ادّعى على رجل اسْمه جَعْفَر مثلا، فَإِن عرف وَإِلَّا ترقى إِلَى الاخص فَيَقُول ابْن مُحَمَّد، فَإِن عرف وَإِلَّا ترقى إِلَى الْجد. قَوْله: (ويكتفي بِذكر ثَلَاثَة) لَان للاكثر حكم الْكل. زَيْلَعِيّ. فَيجْعَل الرَّابِع بِإِزَاءِ الثَّالِث حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى مبدأ الْجد الاول. فصولين. وَفِي الْحَمَوِيّ: وَقَالَ زفر، لَا بُد من ذكر الْحُدُود الاربعة لَان التَّعْرِيف لَا يتم إِلَّا بهَا، وَلنَا أَن للاكثر حكم الْكل، على أَن الطول يعرف بِذكر الحدين وَالْعرض بِأَحَدِهِمَا، وَقد يكون بِثَلَاثَة. روى عَن أبي يُوسُف: يَكْفِي الِاثْنَان، وَقيل الْوَاحِد، وَالْفَتْوَى على قَول زفر. وَلذَا لَو قَالَ: غَلطت فِي الرَّابِع لَا يقبل، وَبِه قَالَت الثَّلَاثَة. وَهَذِه إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي يُفْتِي بهَا بقول زفر كَمَا أَشرت إِلَى ذَلِك فِي منظومتي فِيمَا يُفْتى بِهِ من أَقْوَال زفر بِقَوْلِي: دَعْوَى الْعقار بهَا لَا بُد أَرْبَعَة من الْحُدُود وَهَذَا بَين وجلي اهـ ط بِزِيَادَة. لَكِن قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى المحبية بعد كَلَام طَوِيل: فَإِذا كَانَت الْحُدُود الثَّلَاثَة كَافِيَة عِنْد الائمة الثَّلَاثَة كَانَ الْفَتْوَى على ذَلِك، فَقَوْل زفر لانه لَا بُد من الْحُدُود الاربعة غير مفتى بِهِ اهـ. أَقُول: وَكَون الْفَتْوَى على قَول زفر لم أَجِدهُ فِي كتب الْمَذْهَب وَلَا فِي نظم سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى الْمسَائِل الْعشْرين الَّتِي يُفْتى بهَا على قَول زفر. قَوْلُهُ: (فَلَوْ تَرَكَ) أَيْ الْمُدَّعِي أَوْ الشَّاهِدُ الرَّابِع صَحَّ، فَحكمهَا فِي التّرْك والغلط وَاحِد. قَوْله: (وَإِن ذكره) أَي الْحَد الرَّابِع وَغلط فِيهِ لَا: أَي لَا يَصح، وَهُوَ المفتوى بِهِ ط. لانه يخْتَلف الْمُدَّعِي وَلَا كَذَلِك بِتَرْكِهِ، وَنَظِيره إِذا ادّعى شِرَاء بِثَمَنٍ مَنْقُودٍ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ بَيَانِ جِنْسِ الثَّمَنِ، وَلَوْ ذَكَرُوهُ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ لم تقبل. كَذَا فِي الزَّيْلَعِيّ.

стр. 597

قَوْله: (بِإِقْرَار الشَّاهِد) كَذَا فِي الْبَحْر، وَفِي الْحَمَوِيّ: والغلط إِنَّمَا يثبت بِإِقْرَار الْمُدَّعِي أَنه غلط الشَّاهِد، وَالظَّاهِر أَن الْغَلَط يثبت بهما، أما لَو ادّعى الْمُدعى عَلَيْهِ الْغَلَط لَا تسمع هَذِه الدَّعْوَى، وَلَو أَقَامَ بَيِّنَة لَا تقبل، وَبَيَانه فِي الْبَحْر وَغَيره. قَوْله: (فصولين) وَعبارَته: وَإِنَّمَا يثبت الْغَلَط بِإِقْرَار الشَّاهِد إِنِّي غَلطت فِيهِ، أما لَو ادَّعَاهُ الْمُدعى عَلَيْهِ لَا تسمع وَلَا تقبل بَينته، لَان دَعْوَى غلط الشَّاهِد من الْمُدعى عَلَيْهِ إِنَّمَا تكون بعد دَعْوَى الْمُدَّعِي. وَجَوَاب الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ أَجَابَ الْمُدَّعِي، فَقَدْ صَدَّقَهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ بِهَذِهِ الْحُدُودِ، فَيَصِيرُ بِدَعْوَى الْغَلَطِ مناقضا بعده. أَوْ نَقُولُ: تَفْسِيرُ دَعْوَى الْغَلَطِ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدُ الْحُدُودِ لَيْسَ مَا ذَكَرَهُ الشَّاهِدُ، أَوْ يَقُولُ صَاحِبُ الْحَدِّ لَيْسَ بِهَذَا الِاسْمِ كُلُّ ذَلِكَ نَفْيٌ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ لَا تقبل. اهـ. قَالَ الْعَلامَة الرَّمْلِيّ فِي عبارَة الْفُصُولَيْنِ: إِسْقَاط من أصل النُّسْخَة وَلَا بُد مِنْهُ وَهُوَ بعد قَوْله بِدَعْوَى الْغَلَط بعده مناقضا فَيَنْبَغِي أَن يفصل أَيْضا، وَيُمكن أَن يغلط لمُخَالفَته لتحديد الْمُدَّعِي فَلَا تنَاقض. ثمَّ قَالَ: أَو نقُول الخ، وَقد كتبت على نُسْخَتي جَامع الْفُصُولَيْنِ فِي هَذَا الْمحل كِتَابَة حَسَنَة فَرَاجعهَا فَإِنَّهَا مفيدة وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ أَيْضا. أَقُول: لَو قَالَ بعض حُدُوده كَذَا لَا مَا ذكره الشَّاهِد وَالْمُدَّعِي يَنْبَغِي أَن تقبل بَينته عَلَيْهِ من حَيْثُ إثْبَاته أَن بعض حُدُوده كَذَا فينفي مَا ذكره الْمُدَّعِي ضمنا، فَيكون شَهَادَة على الاثبات لَا على النَّفْي، وَيدل عيه مَسْأَلَة ذكرت فِي فصل التَّنَاقُض أَنه ادّعى دَارا محدودة، فَأجَاب الْمُدعى عَلَيْهِ أَنه ملكي وَفِي يَدي ثمَّ ادّعى أَن الْمُدَّعِي غلط فِي بعض حُدُوده لم يسمع، لَان جَوَابه إِقْرَار بِأَنَّهُ بِهَذِهِ الْحُدُود، وَهَذَا إِذا أجَاب بِأَنَّهُ ملكي. أما لَو أجَاب بقوله لَيْسَ لهَذَا ملكك وَلم يزدْ عَلَيْهِ يُمكن الدّفع بعده بخطأ الْحُدُود. كَذَا حكى عَن ط أَنه لقن الْمُدعى عَلَيْهِ الدّفع بخطأ الْحُدُود. أَقُول: دلّ على هَذَا أَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَو برهن على الْغَلَط يقبل، فَدلَّ على ضعف الجوابين الْمَذْكُورين فَالْحق مَا قلت من أَنه يَنْبَغِي أَن يكون على هَذَا التَّفْصِيل وَالله تَعَالَى أعلم. اهـ. قَالَ فِي نور الْعين: جَمِيع مَا ذكره الْمُعْتَرض فِي هَذَا الْبَحْث مَحل نظر كَمَا لَا يخفى على من تَأمل وتدبر اهـ. أَقُول: والملخص كَمَا ذكره السائحاني أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الْمَحْدُودُ لَيْسَ فِي يَدِي فَيَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ بَلْ فِي يَدِك وَلَكِنْ حَصَلَ غَلَطٌ فَيُمْنَعُ بِهِ، وَلَوْ تَدَارَكَ الشَّاهِدُ الْغَلَطَ فِي الْمَجْلِسِ يُقْبَلُ أَو فِي غَيره إِذا وفْق. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة: وَلَوْ غَلِطُوا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ أَوْ حَدَّيْنِ ثمَّ تداركوا فِي الْمجْلس أَو فِي غَيْرِهِ يُقْبَلُ عِنْدَ إمْكَانِ التَّوْفِيقِ بِأَنْ يَقُولَ كَانَ اسْمُهُ فُلَانًا ثُمَّ صَارَ اسْمُهُ فُلَانًا أَو بَاعَ فلَان وَاشْتَرَاهُ الْمَذْكُور. اهـ. وَفِيه مسَائِل أَحْبَبْت ذكرهَا هُنَا تتميما للفائدة. وَفِي ذ: بَين حُدُوده وَلم يبين أَنه كرم أَو أَرض أَو دَار وشهدا كَذَلِك قيل لَا تسمع الدَّعْوَى، وَلَا الشَّهَادَة وَقيل تسمع لَو بَين الْمصر والمحلة والموضع. ادّعى عشر دبرات أَرض وحد التسع لَا الْوَاحِدَة لَو كَانَت هَذِه الْوَاحِدَة فِي وسط التسع تقبل وَيَقْضِي بِالْجُمْلَةِ لَا لَو على طرف. جف: ادّعى سُكْنى دَار وَنَحْوه وَبَين حُدُوده لَا يَصح إِذْ السُّكْنَى نقلي فَلَا يحد بشئ.

стр. 598

فش: وَإِن كَانَ السُّكْنَى نقليا لَكِن لما اتَّصل بالارض اتِّصَال تأييد كَانَ تَعْرِيفه بِمَا بِهِ تَعْرِيف الارض، إِذْ فِي سَائِر النقليات إِنَّمَا لَا يعرف بالحدود لامكان إِحْضَاره فيستغني بالاشارة إِلَيْهِ عِنْد الْحَد، أما السُّكْنَى فنقله لَا يُمكن لانه مركب فِي الْبناء تركيب قَرَار فالتحق بِمَا لَا يُمكن نَقله أصلا. اهـ. أَقُول: وَالْمرَاد بِالسُّكْنَى مَا ركب فِي الارض كَمَا ظهر فِي كَلَامه: أَي لانه مَنْقُول تعسر إِحْضَاره فَلَا يَكْفِي تحديده، وَلَا بُد من الاشارة إِلَيْهِ عِنْد الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة وَالْحكم عَلَيْهِ. وَقَوله: وَإِن كَانَ السُّكْنَى نقليا الخ هَذَا قَول آخر نَقله عَن فَتْوَى رشيد الدّين: أَي فَيَكْفِي تحديده وَإِن كَانَ نقليا لانه الْتحق بالعقار لاتصاله بالارض اتِّصَال قَرَار. أَقُول: وَمِنْه يظْهر حكم حَادِثَة الْفَتْوَى، وَهِي مَا لَو أَرَادَ مُتَوَلِّي أَرض وقف مَعْلُومَة انتزاعها من يَد مستأجرها بعد مُضِيّ مُدَّة الاجارة وَرفع يَده عَنْهَا وَكَانَ قد غرس وَبنى فِيهَا الْمُسْتَأْجر بِإِذن متوليها بِحَق الْقَرار فَأثْبت بناءه وأشجاره الْمَوْضُوعَة فِي الارض على الْوَجْه الْمَذْكُور لَدَى الْحَاكِم الشَّرْعِيّ بِذكر حُدُود الارض فَقَط من غير إِشَارَة إِلَى الْبناء والاشجار وَحكم لَهُ الْحَاكِم الشَّرْعِيّ بِحَق الْقَرار فِيهَا فَإِنَّهُ يَصح على هَذَا القَوْل الثَّانِي سِيمَا وَقد اتَّصل بِحكم الْحَاكِم. وَأَقُول: أَيْضا قد تأيد ذَلِك بِأَمْر السُّلْطَان نَصره الرَّحْمَن كَمَا سمعته فِي الْمَنْقُول الَّذِي يحْتَاج نَقله إِلَى مصرف، وَقد تأيد ذَلِك عِنْدِي بعده بفتوى من مفتي الانام بوأهم الله دَار السَّلَام أفتوا فِيهَا بِصِحَّة حجج الاحترام طبق هَذَا المرام، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ فَتَأَمّله منصفا بِكَمَال الالمام. وَفِيه برمز طظه: شرى علو بَيت لَيْسَ لَهُ سفل يحد السّفل لَا الْعُلُوّ، إِذْ السّفل مَبِيع من وَجه من حَيْثُ إِن قَرَار الْعُلُوّ عَلَيْهِ، فَلَا بُد من تحديده، وتحديده يُغني عَن تَحْدِيد الْعُلُوّ، إِذْ الْعُلُوّ عرف بتحديد السّفل، ولان السّفل أصل والعلو تبع فتحديد الاصل أولى. قَالَ طى: هَذَا إِذا لم يكن حول الْعُلُوّ حجرَة، فَلَو كَانَت يَنْبَغِي أَن يحد الْعُلُوّ لانه هُوَ الْمَبِيع فَلَا بُد من إِعْلَامه وَهُوَ يحد الْعُلُوّ لانه هُوَ الْمَبِيع فَلَا بُد من إِعْلَامه وَهُوَ يحده وَقد أمكن. قَوْله: (وَأَسْمَاء أنسابهم) جمعنسب بِمَعْنى مَنْسُوب إِلَيْهِ. قَالَ فِي الْبَحْر: الْمَقْصُود الاعلام. اهـ. وَفِي الْمُلْتَقط: رُبمَا لَا يحد إِلَّا بِذكر الْجد، وَإِذا لم يعرف جده لَا يتَمَيَّز عَن غَيره إِلَّا بِذكر موَالِيه أَو ذكر حرفته أَو وَطنه أَو دكانه أَو حليته إِنَّمَا التَّمْيِيز هُوَ الْمَقْصُود فَيحصل بِمَا قل أَو كثر. اهـ. وَلَو ذكر مولى العَبْد وَأَبا مَوْلَاهُ يَكْفِي على الْمُفْتى بِهِ ط. مطلب: الْمَقْصُود التَّمْيِيز لمعْرِفَة الْحَد قَوْله: (وَإِلَّا اكْتفى باسمه لحُصُول الْمَقْصُود) قَالَ فِي الْفُصُولَيْنِ: أما الدَّارِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْدِيدِهِ وَلَوْ مَشْهُورًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَمَامُ حَدِّهِ بِذِكْرِ جَدِّ صَاحِبِ الْحَدِّ. وَعِنْدَهُمَا: التَّحْدِيدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الدَّار الْمَعْرُوف كدار عمر بن الْحَرْث بِكُوفَةَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ ذَكَرَ لَزِيقَ دَارِ فُلَانٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ يَكْفِيهِ إذْ الْحَاجَةُ إلَيْهِمَا لِإِعْلَامِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهَذَا مِمَّا يحفظ جدا. اهـ. وَفِيه: وَلَوْ جَعَلَ أَحَدَ الْحُدُودِ أَرْضُ الْمَمْلَكَةِ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ فِي يَدِ مَنْ لِأَنَّهَا فِي يَدِ السُّلْطَانِ بِوَاسِطَةِ يَدِ نَائِبِهِ. اهـ. وَهَذَا إِذا كَانَ الامير وَاحِدًا، فَلَو كَانَ اثْنَيْنِ لَا بُد أَن يبين اسْم الامير وَنسبه كَمَا فِي الْخُلَاصَة.

стр. 599

رجل ادّعى دَارا فِي يَد رجل فَقَالَ لَهُ القَاضِي هَل تعرف حُدُود الدَّار؟ قَالَ لَا، ثمَّ ادَّعَاهَا وَبَين الْحُدُود لَا تسمع. أما إِذا قَالَ لَا أعرف أسامي أَصْحَاب الْحُدُود ثمَّ ذكر فِي الْمرة الثَّانِيَة فَتسمع، وَلَا حَاجَة إِلَى التَّوْفِيق. كَذَا فِي الْهِنْدِيَّة عَن الْخُلَاصَة. وفيهَا: وَلَو أَنه قَالَ لَا أعرف الْحُدُود ثمَّ ذكر الْحُدُود بعد ذَلِك ثمَّ قَالَ: عنيت بِقَوْلِي لَا أعرف الْحُدُود وَلَا أعرف أَسمَاء أَصْحَاب الْحُدُود قبل ذَلِك مِنْهُ، وَتسمع دَعْوَاهُ. كَذَا فِي الذَّخِيرَة. رجل ادّعى محدودة وَذكر حُدُودهَا وَقَالَ فِي تَعْرِيفهَا: وفيهَا أَشجَار، وَكَانَت المحدودة بِتِلْكَ الْحُدُود وَلكنهَا خَالِيَة عَن الاشجار لَا تبطل الدَّعْوَى، وَكَذَا لَو ذكر مَكَان الاشجار الْحِيطَان، وَلَو كَانَ الْمُدَّعِي قَالَ فِي تَعْرِيفهَا: لَيْسَ فِيهَا شجر وَلَا حَائِط فَإِذا فِيهَا أَشجَار عَظِيمَة لَا يتَصَوَّر حدوثها بعد الدَّعْوَى إِلَّا أَن حُدُودهَا توَافق الْحُدُود الَّتِي ذكر تبطل دَعْوَاهُ. وَلَو ادّعى أَرضًا ذكر حُدُودهَا وَقَالَ: هِيَ عشر دبرات أَرض أَو عشر جرب، فَكَانَت أَكثر من ذَلِك لَا تبطل دَعْوَاهُ، وَكَذَا لَو قَالَ: هِيَ أَرض يبذر فِيهَا عشر مكاييل فَإِذا هِيَ أَكثر من ذَلِك أَو أقل إِلَّا أَن الْحُدُود وَافَقت دَعْوَى الْمُدَّعِي لَا تبطل دَعْوَى الْمُدَّعِي، لَان هَذَا خلاف يحْتَمل التَّوْفِيق وَهِي غير محتاجة إِلَيْهِ. كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان. وَفِي الْهِنْدِيَّة: رجل ادّعى على رجل أَنه وضع على حَائِطه لَهُ خشبا أَو أجْرى على سطحه مَاء أَو دَاره ميزابا أَو ادّعى أَنه فتح فِي حَائِط لَهُ بَابا أَو بنى على حَائِط لَهُ بِنَاء أَو ادّعى أَنه رمى التُّرَاب أَو الزبل فِي أرضه أَو دَابَّة ميتَة فِي أرضه أَو غرس شَجرا أَو مَا فِيهِ فَسَاد الارض وَصَاحب الارض يحْتَاج إِلَى رَفعه وَنَقله، وَصَححهُ دَعْوَاهُ بِأَن بَين طول الْحَائِط وَعرضه وموضعه وَبَين الارض بِذكر الْحُدُود وموضعها، فَإِذا صحت دَعْوَاهُ وَأنكر الْمُدعى عَلَيْهِ يتسحلفه على السَّبَب، وَلَو كَانَ صَاحب الْخشب هُوَ الْمُدَّعِي فَقدم صَاحب الْحَائِط إِلَى القَاضِي وَقَالَ: كَانَ لي على حَائِط هَذَا الرجل خشب فَوَقع أَو قلعته لاعيده وَأَن صَاحب الْحَائِط يَمْنعنِي عَن ذَلِك لَا تسمع دَعْوَاهُ مَا لم يَصح، وَتَصْحِيح الدَّعْوَى بِأَن يبين مَوضِع الْخشب وَأَن لَهُ حق وضع خَشَبَة أَو خشبتين أَو مَا أشبه ذَلِك وَبَين غلظ الْخَشَبَة وخفتها، فَإِذا صحت الدَّعْوَى وَأنكر الْمُدعى عَلَيْهِ يحلفهُ القَاضِي على الْحَاصِل بِاللَّه مَا لهَذَا فِي هَذَا الْحَائِط وضع الْخشب الَّذِي يَدعِي وَهُوَ كَذَا وَكَذَا فِي مَوضِع كَذَا من الْحَائِط فِي مقدم الْبَيْت أَو مؤخره حق وَاجِب لَهُ، فَإِذا نكل ألزمهُ القَاضِي حَقه. اهـ. قَوْله: (وَذكر أَنه أَي الْعقار فِي يَده الخ) أَي لَان الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يكون خصما إِلَّا إِذا كَانَ الْعقار فِي يَده، فَلَا بُد من ذكره، وَإِنَّمَا خصصه فِي الذّكر، لَان الْكَلَام فِيهِ وَإِلَّا فالمنقول كَذَلِك، وَلذَا جعل صَاحب الْبَحْر الضَّمِير رَاجعا إِلَى الْمُدَّعِي الشَّامِل للمنقول وَالْعَقار. قَالَ: وَلم أخصصه بالعقار كَمَا فعل الشَّارِح لكَونه شرطا فيهمَا. اهـ. وَفِي كَلَامه إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك فِي الدَّعْوَى، أما إِذا شهدُوا بمنقول أَنه فِي ملك الْمُدَّعِي تقبل، وَإِن لم يشْهدُوا أَنه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بِغَيْر حق، لانهم شهدُوا بِالْملكِ لَهُ وَملك الانسان لَا يكون فِي يَد غَيره إِلَّا بِعَارِض وَالْبَيِّنَة تكون على مدعي الْعَارِض وَلَا تكون على صَاحب الاصل. وَقَالَ بَعضهم: مَا لم يشْهدُوا أَنه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بِغَيْر حق لَا تقطع يَد الْمُدعى عَلَيْهِ، والاول أصح. وَفِيمَا سوى الْعقار لَا يشْتَرط أَن يشْهدُوا أَنه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ لَان القَاضِي يرَاهُ فِي يَده فَلَا حَاجَة إِلَى الْبَيَان. كَذَا فِي

стр. 600

الْخَانِية. بَحر. قَوْله: (إِن كَانَ مَنْقُولًا) هَذَا تكْرَار لَا حَاجَة إِلَيْهِ مَعَ قَوْله فِيمَا تقدم فِي الْمَنْقُول ذكر أَنه فِي يَده بِغَيْر حق، إِلَّا أَن يُقَال: إِنَّمَا ذكره مَعَ مَا تقدم ليشير أَن فِي الْعقار لَا يَتَأَتَّى ذَلِك لَان الْيَد لَا تستولي عَلَيْهِ وَلذَا لَا يثبت فِيهِ الْغَصْب. تَأمل. قَوْله: (لما مر) أَي من احْتِمَال كَوْنِهِ مَرْهُونًا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَده: أَي ليصير خصما: أَقُول: هَذَا يَشْمَل الْعقار، فالتقييد لَا يُفِيد، وَهَكَذَا قَالَ صدر الشَّرِيعَة. وَفِي الْقُهسْتَانِيّ: وَيزِيد أَيْضا فِي الْعقار عِنْد بعض الْمَشَايِخ كَمَا فِي قاضيخان، وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد كثير من أهل الشُّرُوح، وَمثله فِي الخزانة. قَوْله: (وَلَا تثبت يَده) أَي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بتصادقهما لَان الْيَد فِيهِ غير مُشَاهدَة، وَلَعَلَّه فِي يَد غَيرهمَا تواضعا فِيهِ ليَكُون لَهما ذَرِيعَة إِلَى أَخذه بِحكم الْحَاكِم. عَيْني. وسيشير إِلَيْهِ الشَّارِح لَكِن اعْترض على تَعْلِيل الْعَيْنِيّ بِأَنَّهُ لَا يَشْمَل مَا لَا يُمكن حُضُوره إِلَى مجْلِس الحكم كصبرة بر ورحى كَبِيرَة وَنَحْو ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يلْحق بالعقار لمشابهتها لَهُ. أَقُول: هَذَا الِاعْتِرَاض فِي غَايَة السُّقُوط لما سبق، وسيجئ أَن مَا تعذر نَقله من الْمَنْقُول يحضرهُ القَاضِي أَو يبْعَث أَمينا أَو نَائِبه فَيسمع، وَيَقْضِي ثمَّ يمْضِي القَاضِي، فَفِي صُورَة الْحُضُور مشَاهد أَيْضا، وَفِي صُورَة بعث القَاضِي كالمشاهد، وَلذَلِك أمضى قَضَاءَهُ، بِخِلَاف الْعقار فَإِن كَونه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ قد لَا يُشَاهِدهُ القَاضِي وَإِن حضر عِنْده، وَلذَلِك صَرَّحُوا بِأَن ثُبُوت يَده عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَا غير. أَقُول: وَهَذَا مِمَّا يَقَعُ كَثِيرًا وَيَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ قُضَاةِ زَمَانِنَا حَيْثُ يُكْتَبُ فِي الصُّكُوكِ فَأَقَرَّ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي إنَّهُ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى الْعقار وَيشْهد لَهُ شَاهِدَانِ، وَلذَا نظم سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى ذَلِك بقوله: وَالْيَد لَا يثبت فِي الْعقار مَعَ التصادق فَلَا تُمَارِي بَلْ يَلْزَمُ الْبُرْهَانُ إنْ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ غصبا أَو شِرَاء مدعي قَوْله: (بل لَا بُد من بَيِّنَة) أَي من الْمُدَّعِي تشهد أَنهم عاينوه فِي يَده: أَي لصِحَّة الْقَضَاء بِالْملكِ، وَلَا يشْتَرط ذَلِك لصِحَّة الدَّعْوَى. قَالَ فِي الْخَانِية: قَالَ أَبُو بكر: لَا تقبل بَيِّنَة الْمُدَّعِي على الْملك مَا لم يقم الْبَيِّنَة أَنَّهَا فِي يَد ذِي الْيَد، وَمثله فِي الْقُهسْتَانِيّ بأوضح بَيَان. ثمَّ قَالَ: وَإِذا شهدُوا أَنه فِي يَده يسألهم القَاضِي أَنهم شهدُوا عَن سَماع أَو مُعَاينَة لانهم رُبمَا سمعُوا إِقْرَاره أَنه فِي يَده، وَهَذَا لَا يخْتَص بِهِ، فَإِنَّهُم لَو شهدُوا على البيع مثلا يسألهم عَن ذَلِك لانها شَهَادَة بِالْملكِ للْبَائِع وَالْملك لَا يثبت بالاقرار. قَوْله: (أَو علم قَاض) هَذَا بِنَاء على أَن القَاضِي يقْضِي بِعِلْمِهِ، وَكَثِيرًا مَا يذكرُونَهُ فِي الْمسَائِل، والمفتى بِهِ: أَنه لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ فَعَلَيهِ لَا بُد من الْبَيِّنَة. قَوْله: (لاحْتِمَال تزويرهما) هُوَ الصَّحِيح، اعْتَرَضَهُ صدر الشَّرِيعَة بِأَن تُهْمَة الْمُوَاضَعَة ثَابِتَة مَعَ إِقَامَة الْبَيِّنَة أَيْضا، فَإِن الدَّار مثلا إِذا كَانَت أَمَانَة فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ فتواضعا على أَن لَا يقر بالامانة فيقيم الْبَيِّنَة على الْيَد، ثمَّ إِنَّهَا ملكه فَيقْضى عَلَيْهِ. وَأجِيب بِأَن تُهْمَة الْمُوَاضَعَة فِي صُورَة الاقرار ظَاهِرَة وَقَرِيبَة بل أَكثر، وَفِي صُورَة إِقَامَة الْبَيِّنَة خُفْيَة وبعيدة بل نادرة وَأبْعد، لَان مبْنى ذَلِك على مواضعة الْخَصْمَيْنِ وشاهدي زور وارتكاب ضَرَر، فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا حكم عَلَيْهِ وأخرجت من

стр. 601

يَده يتَضَرَّر، فَتدبر. وَعند الْبَعْض يَكْفِي تَصْدِيق الْمُدعى عَلَيْهِ أَنَّهَا فِي يَده، وَلَا يحْتَاج إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة، لانه إِن كَانَ فِي يَده وَأقر بذلك فالمدعي يَأْخُذ مِنْهُ إِن ثَبت ملكيته بِالْبَيِّنَةِ أَو بِإِقْرَار ذِي الْيَد أَو نُكُوله، وَإِن لم يكن فِي يَده لَا يكون للْمُدَّعِي ولَايَة الاخذ من ذِي الْيَد، لَان الْبَيِّنَة قَامَت على غير خصم فالضرر لَا يلْحق إِلَّا بِذِي الْيَد، على أَن التزوير يُوجد لَو كَانَت فِي يَده أَمَانَة، وَلم يذكر إِلَّا مُجَرّد أَنَّهَا فِي يَده كَمَا علمت. قَوْله: (لمعاينة يَده) قدمنَا قَرِيبا الِاعْتِرَاض على هَذَا التَّعْلِيل، وَإِن الِاعْتِرَاض الذُّكُور فِي غَايَة السُّقُوط فَلَا تنسه. قَوْله: (ثمَّ هَذَا) أَي عدم ثُبُوت الْيَد بالتصادق. قَوْله: (ملكا مُطلقًا) أَي بِلَا بَيَان سَبَب الْملك. قَوْله: (فَلَا يفْتَقر لبينة) أَي أَنه فِي يَده بِغَيْر حق كَمَا فِي الْعمادِيَّة وَغَيرهَا، وَظَاهره أَنه يَصح دَعْوَى الْعقار بِلَا بَيَان سَبَب. وَقَالَ فِي الْبَحْر: فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ وَأطْلقهُ أَصْحَاب الْمُتُون أَنه يَصح دَعْوَى الْملك الْمُطلق فِي الْعقار، بِلَا بَيَان سَبَب الْملك. ثمَّ نقل عَن الْبَزَّازِيَّة أَن صِحَة دَعْوَى الْملك الْمُطلق فِي الْعقار فِي بِلَاد لم يقدم بناؤها، أما فِي بلد قدم بِنَاؤُه فَلَا تسمع فِيهِ دَعْوَى الْملك الْمُطلق لوجوه بَينهَا فِيهِ. وَظَاهره اعْتِمَاد الاول. هَذَا خُلَاصَة كَلَامه. وَقيد بِالدَّعْوَى لَان الشَّاهِد إِذا شهد أَنه ملكه وَلم يقل فِي يَده بِغَيْر حق اخْتلفُوا فِيهِ، وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى أَنه يقبل فِي حق الْقَضَاء بِالْملكِ لَا فِي حق الْمُطَالبَة بِالتَّسْلِيمِ، حَتَّى لَو سَأَلَ القَاضِي الشَّاهِد أهوَ فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بِغَيْر حق؟ فَقَالَ لَا أَدْرِي يقبل على الْملك، نَص عَلَيْهِ فِي الْمُحِيط كَمَا فِي شَهَادَة الْبَزَّازِيَّة، فَظهر أَن الْمُدَّعِي لَو ادّعى أَنه فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بِغَيْر حق وطالبه وَشهد شاهداه أَنه ملك الْمُدَّعِي وَأَنه فِي يَده الْمُدعى عَلَيْهِ عَن مُعَاينَة يقْضِي القَاضِي بِالْملكِ وَالتَّسْلِيم، إِذْ لَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن يثبت كلا الْحكمَيْنِ بِشَهَادَة فريق وَاحِد أَو فريقين كَمَا فِي غَايَة الْبَيَان مفصلا. قَوْله: (لَان دَعْوَى الْفِعْل) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْفرق بَين دَعْوَى الْملك الْمُطلق، وَدَعوى الْفِعْل. وَحَاصِله: أَن دَعْوَى الْفِعْلِ كَمَا تَصِحُّ عَلَى ذِي الْيَدِ تصح على غَيره أَيْضا، فَإِنَّهُ يَدعِي عَلَيْهِ التَّمْلِيك والتملك وَهُوَ كَمَا يتَحَقَّق من ذِي الْيَد يتَحَقَّق من غَيره أَيْضا، فَعدم ثُبُوت الْيَد لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى. أَمَّا دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطلق فَدَعْوَى تَرْكِ التَّعَرُّضِ بِإِزَالَةِ الْيَدِ وَطَلَبُ إزَالَتِهَا لَا يتَصَوَّر إِلَّا من صَاحب الْيَد، وبإقراره لَا يثبت كَون ذَا يَد لاحْتِمَال الْمُوَاضَعَة. أَفَادَهُ فِي الْبَحْر. قَوْله: (وَذكر أَنه يُطَالِبُهُ بِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا مَنْقُولًا أَوْ عَقَارًا، فَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ مَا لَمْ يَقُلْ لِلْقَاضِي مُرْهُ حَتَّى يُعْطِيهِ، وَقيل: تصح وَهُوَ الصَّحِيح. قُهُسْتَانِيّ. قَالَ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود: وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَفْظَ وَأُطَالِبُهُ بِهِ بَلْ هُوَ أَوْ مَا يُفِيدُهُ مِنْ قَوْلِهِ مُرْهُ لِيُعْطِيَنِي حَقي، وَأما أَصْحَاب الْفَتَاوَى كالخلاصة جعلُوا اشْتِرَاطه قولا ضَعِيفا، فَالصَّحِيح على مَا فِي الْفَتَاوَى عدم اشْتِرَاط الْمُطَالبَة أصلا. كَذَا بِخَط شَيخنَا اهـ. وَمثله فِي الْعُمْدَة، وَسَيَأْتِي فِي دَعْوَى الدّين قَرِيبا. قَوْله: (لتوقفه) أَي توقف دَعْوَى الْعقار ذكر الضَّمِير، وَإِن كَانَ الْمرجع مؤنثا لاكتسابه التَّذْكِير من الْمُضَاف إِلَيْهِ. قَوْله: (ولاحتمال رَهنه أَو حَبسه بِالثّمن) أَو لدفع التَّأْجِيل فِي نَحْو الدّين وكل ذَلِك يَزُول بالمطالبة. قَوْله: (وَبِه) أَي بِذكر أَنه يُطَالِبهُ، لِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ لَهُ إذَا كَانَ مَحْبُوسًا بِحَق. قَوْله: (اسْتغنى عَن زِيَادَة بِغَيْر حق)

стр. 602

فَرجع الْكَلَام إِلَى مُوَافقَة صدر الشَّرِيعَة فِي التَّسْوِيَة بَين الْمَنْقُول وَالْعَقار. قَوْله: (فَافْهَم) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن ذكر كَونه بِغَيْر حق غير لَازم فِي الْعقار وَالْمَنْقُول لَان الْمُطَالبَة تغني عَنهُ. قَوْله: (وَلَو كَانَ مَا يَدعِيهِ دينا) أَي فِي الذِّمَّة. قَوْله: (مَكِيلًا أَو مَوْزُونا) إِنَّمَا قيد بِهِ لانه هُوَ الَّذِي يُمكن ثُبُوته فِي الذِّمَّة، وَيلْحق بِهِ المذروع إِذا استوفى شُرُوط السّلم، وَكَذَا العددي المتقارب كالجوز وَالْبيض وَاللَّبن الَّذِي سمي فِيهِ ملبنا مَعْلُوما وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُمكن ثُبُوته فِي الذِّمَّة. قَوْله: (نَقْدا أَو غَيره) تَعْمِيم فِي الْمَوْزُون. قَوْله: (ذكر وَصفه) أَنه جيد أَو ردئ لانه لَا يعرف إِلَّا بِهِ، وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى ذكر وَصفه إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقود مُخْتَلفَة، أما إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقد وَاحِد فَلَا. حموي. زَادَ فِي الْكَنْزِ: وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: هَكَذَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُتُونِ والشروح، وَأما أَصْحَاب الْفَتَاوَى فَجعلُوا اشْتِرَاطه قولا ضَعِيفا كَمَا فِي الْعُمْدَة انْتهى. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ هُنَا: أَي فِي دَعْوَى الدّين كَمَا ذكره فِي دَعْوَى الْعقار لِمَا قَالُوا: أَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى، لَكِنْ هَذَا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِتَصْحِيحِ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ عَدَمِ التَّصْرِيحِ أَصْلًا، أَمَّا لَوْ ذَكَرْت مَسْأَلَةَ فِي الْمُتُونِ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِتَصْحِيحِهَا بَلْ صَرَّحُوا بِتَصْحِيحِ مُقَابِلِهَا فَقَدْ أَفَادَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ تَرْجِيحَ الثَّانِي، لِأَنَّهُ تَصْحِيحٌ صَرِيحٌ، وَمَا فِي الْمُتُونِ تَصْحِيحٌ الْتِزَامِيٌّ، وَالتَّصْحِيحُ الصَّرِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّصْحِيحِ الِالْتِزَامِيِّ: أَيْ الْتِزَامُ الْمُتُونِ ذِكْرُ مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَب كَمَا تقدم فِي رسم الْمُفْتِي أول الْكتاب. قَالَ ط: وَلَو اسْتغنى عَن ذكر الدّين وَأدْخلهُ فِي جملَة الْمِثْلِيَّات الَّتِي ذكر حكمهَا بعد لَكَانَ أَخْضَر. قَوْله: (من ذكر الْجِنْس) كحنطة وَالنَّوْع كبلدية أَو حورانية وَالصّفة كجيدة وَالْقدر كعشرة أَقْفِزَة إِن كَانَ كيليا وَعشرَة أَرْطَال إِن كَانَ وزنيا. قَوْله: (وَسبب الْوُجُوب) بِأَن يَقُول بِسَبَب بيع صَحِيح جرى بَينهمَا. قَوْله: (لم تسمع) وَكَذَا لَو ادّعى مَالا بِسَبَب لَهُ كحساب جرى بَينهمَا لَا يَصح، لَان الْحساب لَا يصلح سَببا لوُجُوب المَال كَمَا فِي مُشْتَمل الاحكام والهندية عَن الْخُلَاصَة. وَفِي الاشباه: لَا يلْزم الْمُدَّعِي بَيَان السَّبَب وَتَصِح بِدُونِهِ، إِلَّا فِي الْمِثْلِيَّات وَدَعوى الْمَرْأَة لدين على تَرِكَة زَوجهَا، فَلَو ادّعى مَكِيلًا مثلا فَلَا بُد من بَيَان سَبَب الْوُجُود لاخْتِلَاف الاحكام باخْتلَاف الاسباب حَتَّى من أسلم يحْتَاج إِلَى بَيَان مَكَان الايفاء تَحَرُّزًا عَن النزاع. وَكَذَا لَو ادَّعَت الْمَرْأَة على تَرِكَة الزَّوْج لم تسمع مَا لم تبين السَّبَب، لجَوَاز أَن يكون دين النَّفَقَة وَهِي تسْقط بِمَوْتِهِ جملَة. اهـ. وَفِي الظَّهِيرِيَّة: وَإِن وَقعت الدَّعْوَى فِي الدّين فَلَا بُد من بَيَان السَّبَب، لانه لَا يجب فِي الذِّمَّة إِلَّا بالاستهلاك، بِخِلَاف دَعْوَى الاملاك والاعيان فَلَا يحْتَاج. مطلب: فِيمَا يجب ذكره فِي دَعْوَى العقد قَوْله: (فِي مَكَان عَيناهُ) هَذَا عِنْد الامام، وَعِنْدَهُمَا فِي مَكَان العقد، وَهَذَا فِيمَا لَهُ حمل وَمؤنَة، وَمَا لَا حمل لَهُ كمسك لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ اتِّفَاقًا، ويوفي حَيْثُ شَاءَ كَمَا تقدم فِي السّلم. وَيَنْبَغِي على قَوْلهمَا أَن يذكر فِي الدَّعْوَى مَكَان العقد فِيمَا لَهُ حمل وَمؤنَة، لَان عِنْدهمَا يجب تَسْلِيمه فِيهِ يُرَاجع. وَقدمنَا فِي هَذَا الْبَاب أَنه يذكر فِي السَّلَمِ شَرَائِطَهُ مِنْ أَعْلَامِ جِنْسِ رَأْسِ المَال وَغَيره ونوعه

стр. 603

وَصِفَتِهِ وَقَدْرِهِ بِالْوَزْنِ إنْ كَانَ وَزْنِيًّا وَانْتِقَادٍ بِالْمَجْلِسِ حَتَّى يَصح الخ، فَرَاجعه.. قَوْله: (وَفِي نَحْو قرض الخ) أَي وَفِي دَعْوَى نَحْو الْقَرْض الخ، وَلَا بُد أَن يذكر أَنه أقْرضهُ كَذَا من مَال نَفسه، لجَوَاز أَن يكون وَكيلا بالاقراض، وَالْوَكِيل بالاقراض سفير ومعبر لَا يُطَالب بالاداء، وَيذكر أَيْضا أَنه صرف ذَلِك إِلَى حَاجَة نَفسه ليصير ذَلِك دينا عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، لَان الْقَرْض عِنْد أبي يُوسُف ف لَا يصير دينا فِي ذمَّة الْمُسْتَقْرض إِلَّا بصرفه فِي حوائج نَفسه هـ. فَلَو كَانَ بَاقِيا عِنْد الْمُسْتَقْرض لَا يصير دينا عِنْده، وَنَحْو الْقَرْض ثمن الْمَبِيع، فَإِنَّهُ يتَعَيَّن مَكَان العقد للايفاء ط. قَالَ صدر الاسلام: لَا يشْتَرط بَيَان مَكَان الايفاء فِي الْقَرْض وَتَعْيِين مَكَان العقد. هندية عَن الْوَجِيز الْكرْدِي. قَوْله: (وغصب واستهلاك فِي مَكَان الْقَرْض) وَهَذَا فِيمَا لَهُ حمل وَمؤنَة، وَإِلَّا فَلَا كَمَا تقدم قَرِيبا. قَوْله: (وَنَحْوه) أَي من الْغَصْب والاستهلاك فَيتَعَيَّن مكانهما للتسليم، وَقد مثل ذَلِك فِي الْبَحْر بِالْحِنْطَةِ لما أَن مَحل ذَلِك فِيمَا لَهُ حمل وَمؤنَة. مطلب: فِي كَلَام الْمُتُون والشروح فِي الدَّعْوَى قُصُور إِذا لم يبينوا بَقِيَّة الشُّرُوط قَالَ فِي الْبَحْر: ثمَّ اعْلَم أَن فِي كَلَام أَصْحَاب الْمُتُون والشروح فِي دَعْوَى قصورا، فَإِنَّهُم لم يبينوا بَقِيَّة شَرَائِط دَعْوَى الدّين وَلم يذكرُوا دَعْوَى العقد. أما الاول: فَفِي دَعْوَى البضاعة والوديعة بِسَبَب مَوته مجهلا لَا بُد أَن يبين قِيمَته يَوْم مَوته إِذْ هُوَ يَوْم الْوُجُوب، وَفِي الْمُضَاربَة بِمَوْت الْمضَارب مجهلا لَا بُد من ذكر أَن مَال الْمُضَاربَة يَوْم مَوته نقد أَو عرض، لَان الْعرض يَدعِي قِيمَته، وَفِي مَال الشّركَة لَا بُد من ذكر أَنه مَاتَ مجهلا لمَال الشّركَة أَو للْمُشْتَرِي بمالها إِذْ مَالهَا يضمن بِمثلِهِ وَالْمُشْتَرِي بمالها يضمن بِالْقيمَةِ. وَلَو ادّعى مَالا بكفالة لَا بُد من بَيَان المَال بِأَيّ سَبَب لجَوَاز بُطْلَانهَا، إِذْ الْكفَالَة بِنَفَقَة الْمَرْأَة إِذا لم تذكر مُدَّة مَعْلُومَة لَا تصح إِلَّا أَن يَقُول: مَا عِشْت أَو دمت فِي نِكَاحه وَالْكَفَالَة بِمَال الْكِتَابَة لَا تصح، وَكَذَا بِالدِّيَةِ على الْعَاقِلَة، وَلَا بُد أَن يَقُول: وَأَجَازَ الْمَكْفُول لَهُ الْكفَالَة فِي مجْلِس الْكفَالَة، حَتَّى لَو قَالَ فِي مَجْلِسه لم يجز وَلَا يشْتَرط بَيَان الْمَكْفُول عَنهُ كَمَا فِي الْخَانِية. وَلَو ادَّعَت امْرَأَة مَالا على وَرَثَة الزَّوْج لم يَصح مَا لم تبين السَّبَب لجَوَاز أَن يكون دين النَّفَقَة، وَهِي تسْقط بِمَوْتِهِ. وَفِي دَعْوَى الدّين على الْمَيِّت لَو كتب توفّي بِلَا أَدَائِهِ وَخلف من التَّرِكَة بيد هَذَا الْوَارِث مَا يَفِي تسمع هَذِه الدَّعْوَى وَإِن لم يبين أَعْيَان التَّرِكَة وَبِه يُفْتى. لَكِن إِنَّمَا يَأْمر القَاضِي الْوَارِث بأَدَاء الدّين لَو ثَبت وُصُول التَّرِكَة إِلَيْهِ، وَلَو أنكر وصولها إِلَيْهِ لَا يُمكن إثْبَاته إِلَّا بعد بَيَان أَعْيَان التَّرِكَة فِي يَده لما يحصل بِهِ الاعلام. وَلَو ادّعى الدّين بِسَبَب الوراثة لَا بُد من بَيَان كل ورثته وَفِي دَعْوَى السّعَايَة بِهِ إِلَى الْحَاكِم لَا يجب ذكر قَابض المَال، وَلَكِن فِي محْضر دَعْوَاهَا لابد أَن يبين السّعَايَة لينْظر أَنه هَل يجب الضَّمَان عَلَيْهِ لجَوَاز أَنه سعى بِحَق فَلَا يضمن. وَلَو ادّعى الضَّمَان على الْآمِر أَنه أَمر فلَانا وَأخذ مِنْهُ كَذَا تصح الدَّعْوَى على الامر لَو سُلْطَانا، وَإِلَّا فَلَا. مطلب: فِي شُرُوط العقد وَأما دَعْوَى العقد من بيع وَإِجَارَة وَوَصِيَّة وَغَيرهَا من أَسبَاب الْملك لَا بُد من بَيَان الطوع وَالرَّغْبَة بِأَن يَقُول: بَاعَ فلَان مِنْهُ طَائِعا أَو رَاغِبًا فِي حَال نَفاذ تصرفه لاحْتِمَال الاكراه. وَفِي ذكر التخارج وَالصُّلْح عَن التَّرِكَة لَا بُد من بَيَان أَنْوَاع التَّرِكَة، وتحديد الْعقار، وَبَيَان قيمَة كل نوع، ليعلم أَن الصُّلْح

стр. 604

لم يَقع على أَزِيد من قيمَة نصِيبه، لانهم لَو استهلكوا التَّرِكَة ثمَّ صَالحُوا الْمُدَّعِي على أَزِيد من نصِيبه لم يجز عِنْدهم، كَمَا فِي الْغَصْب إِذا استهلكوا الاعيان وصالحوا، وَفِي دَعْوَى البيع مكْرها لَا حَاجَة إِلَى تعْيين الْمُكْره. هَذَا مَا حررته من كَلَامهم. اهـ. قلت: إِنَّمَا تركُوا ذكر ذَلِك لذكرهم حكم كل وَاحِد فِي بَابه، وَفِي كتب الشُّرُوط استوفوا هَذَا. قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: وَإِن ادّعى الْحِنْطَة أَو الشّعير بالامناء فالمختار للْفَتْوَى أَنه يسْأَل الْمُدَّعِي عَن دَعْوَاهُ، فَإِن ادّعى بِسَبَب الْقَرْض والاستهلاك لَا يُفْتى بِالصِّحَّةِ، وَإِن ادّعى بِسَبَب بيع عين من أَعْيَان مَاله بحنطة فِي الذِّمَّة أَو بِسَبَب السّلم يُفْتى بِالصِّحَّةِ، هَكَذَا فِي الذَّخِيرَة. وَإِن ادّعى مكايلة حَتَّى صحت الدَّعْوَى بِلَا خلاف وَأقَام الْبَيِّنَة على إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ بِالْحِنْطَةِ أَو بِالشَّعِيرِ وَلم يذكر الصّفة فِي إِقْرَاره قبلت الْبَيِّنَة فِي حق الْجَبْر على الْبَيَان، لَا فِي حق الْجَبْر على الاداء. كَذَا فِي الْمُحِيط. وَفِي الذّرة والمج: يعْتَبر الْعرف. كَذَا فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة. إِذا ادّعى الدَّقِيق بالقفيز لَا تصح، وَمَتى ذكر الْوَزْن حَتَّى صحت دَعْوَاهُ لَا بُد أَن يذكر دَقِيق منخول أَو غير منخول مخبوز أَو غير مخبوز والجودة والوساطة والرداءة. هَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّة. وَإِذا ادّعى على آخر مائَة عدالية غصبا وَهِي مُنْقَطِعَة عَن أَيدي النَّاس يَوْم الدَّعْوَى يَنْبَغِي أَن يَدعِي قِيمَته، غير أَن عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى تعْتَبر الْقيمَة يَوْم الدَّعْوَى وَالْخُصُومَة. وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم الْغَصْب، وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم الِانْقِطَاع، وَلَا بُد من بَيَان سَبَب وجوب الدَّرَاهِم فِي هَذِه الصُّورَة. كَذَا فِي الذَّخِيرَة. وَفِي الدّين: لَو ادّعى الْمَدْيُون أَنه بعث كَذَا من الدَّرَاهِم إِلَيْهِ أَو قضى فلَان دينه بِغَيْر أمره صحت الدَّعْوَى وَيحلف، وَلَو ادّعى عَلَيْهِ قرض ألف دِرْهَم وَقَالَ: وصل إِلَيْك بيد فلَان وَهُوَ مَالِي لَا تسمع دَعْوَاهُ كَمَا فِي الْعين. كَذَا فِي الْخُلَاصَة. وَفِي دَعْوَى مَال الاجارة المفسوخة بِمَوْت الآخر: إِذا كَانَت الاجرة دَرَاهِم أَو عدالية يَنْبَغِي أَن يذكر كَذَا دَرَاهِم كَذَا عدالية رائجة من وَقت العقد إِلَى وَقت الْفَسْخ. كَذَا فِي الذَّخِيرَة. وَفِي دَعْوَى مَال الاجارة المفسوخة لَا يشْتَرط تَحْدِيد الْمُسْتَأْجر، وَكَذَا ثمن مَبِيع مَقْبُوض، وَلم يبين البيع أَو مَحْدُود وَلم يحدده وَهُوَ الاصح. وَلَو ادّعى على آخر أَنه اسْتَأْجر الْمُدَّعِي لحفظ عين معِين سَمَّاهُ، وَوَصفه كل شهر بِكَذَا وَقد حفظه مُدَّة كَذَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاء الاجرة الْمَشْرُوطَة، وَلم يحضر ذَلِك الْعين فِي مجْلِس الدَّعْوَى يَنْبَغِي أَن تصح الدَّعْوَى اهـ. وَاخْتلفُوا فِي اشْتِرَاط حَضْرَة الْمُسْتَعِير مَعَ الْمُعير فِي دَعْوَى الْمُسْتَعَار وحضرة الْمُودع مَعَ الْمُودع فِي دَعْوَى الْوَدِيعَة، وَكَذَا فِي اشْتِرَاط حُضُور الْمزَارِع مَعَ رب الارض فِي دَعْوَى الارض. بَزَّازِيَّة. قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: تشْتَرط حَضْرَة الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن فِي دَعْوَى عين رهن وَالْعَارِية والاجارة كَالرَّهْنِ، وَأما حَضْرَة الْمزَارِع فَهَل هِيَ شَرط فِي دَعْوَى الضّيَاع إِن كَانَ الْبذر من الْمزَارِع فَهُوَ كالمستأجر يشْتَرط حُضُوره، وَإِن لم يكن الْبذر مِنْهُ إِن نبت الزَّرْع فَكَذَلِك ك، وَإِن لم ينْبت لَا يشْتَرط. هَذَا فِي دَعْوَى الْملك الْمُطلق. أما إِذا ادّعى على آخر غصب ضيعته وَأَنَّهَا فِي يَد الْمزَارِع فَلَا تشْتَرط حَضْرَة الْمزَارِع لانه يَدعِي عَلَيْهِ الْفِعْل، وَلَو كَانَت الدَّار فِي يَد البَائِع بعد البيع فجَاء مُسْتَحقّ واستحقها لَا يقْضِي بِالدَّار لَهُ إِلَّا بِحَضْرَة البَائِع وَالْمُشْتَرِي. كَذَا فِي الْخُلَاصَة. وَلَو ادّعى مسيل مَاء فِي دَار الآخر لَا بُد أَن يبين أَنه مسيل

стр. 605

مَاء الْمَطَر أَو مَاء الْوضُوء، وَيَنْبَغِي أَن يبين مَوضِع المسيل أَنه فِي مقدم الْبَيْت أَو مؤخره. وَلَو ادّعى طَرِيقا فِي دَار الآخر يَنْبَغِي أَن يبين طوله وَعرضه وموضعه فِي الدَّار. جَامع الْفُصُولَيْنِ. وَفِيه وَفِي دَعْوَى الاكراه على بيع وَتَسْلِيم يَنْبَغِي أَن يَقُول: بِعته مكْرها وسلمته مكْرها ولي حق فَسخه فافسخه، وَلَو قبض ثمنه يذكر وقبضت ثمنه مكْرها، ويبرهن على كل ذَلِك. أما لَو ادّعى عَلَيْهِ أَنه ملكي وَفِي يَده بِغَيْر حق لَا تسمع، إِذْ بيع الْمُكْره يُفِيد الْملك بِقَبْضِهِ، فالاسترداد بِسَبَب فَسَاد البيع يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك. وفيهَا لَو ادّعى فَسَاد البيع يستفسر عَن سَبَب فَسَاده لجَوَاز أَن يظنّ الصَّحِيح فَاسِدا، وَفِي دَعْوَى البيع مكْرها لَا حَاجَة إِلَى تعْيين الْمُكْره، كَمَا لَو ادّعى السّعَايَة فَلَا حَاجَة إِلَى تعْيين العون. قَوْله: (وَيسْأل القَاضِي) أَي بِطَلَب الْمُدَّعِي وَقيل: إِن كَانَ الْمُدَّعِي جَاهِلا يسْأَل القَاضِي الْمُدعى عَلَيْهِ بِدُونِ طلبه. اهـ. سراجية. وفيهَا: إِذا حضر الخصمان لَا بَأْس أَن يَقُول مَا لَكمَا، وَإِن شَاءَ سكت حَتَّى يبتدئاه بالْكلَام، وَإِذا تكلم الْمُدَّعِي يسكت الآخر وَيسمع مقَالَته، فَإِذا فرغ يَقُول للْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِطَلَب الْمُدَّعِي مَاذَا تَقول. وَقيل إِن الْمُدَّعِي إِذا كَانَ جَاهِلا فَإِن القَاضِي يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ بِدُونِ طلب الْمُدَّعِي. اهـ. وَفِي شَهَادَات الخزانة: يجوز للْقَاضِي أَن يَأْمر رجلا يعلم الْمُدَّعِي الدَّعْوَى وَالْخُصُومَة إِذا كَانَ لَا يقدر عَلَيْهَا وَلَا يحسنها. اهـ. قَوْله: (بعد صِحَّتهَا) أَي إِذا جَازَت وَقَامَت دَعْوَى الْمُدَّعِي برعاية مَا سبق من شُرُوط صِحَّتهَا. قَوْله: (لعدم وجوب جَوَابه) الاولى أَن يُعلل بِعَدَمِ الْبَاعِث على السُّؤَال، فَتَأمل ط. قَوْله: (قَوْله فِيهَا) إِنَّمَا قدره فِرَارًا من اسْتِعْمَال قضى الْآتِي فِي كَلَام المُصَنّف فِي حَقِيقَته ومجازه، لَان الاقرار حجَّة ملزمة بِنَفسِهِ وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْقَضَاء، فإطلاق اسْم الْقَضَاء فِيهِ مجَاز عَن الامر بِالْخرُوجِ عَمَّا لزمَه بالاقرار كَمَا صرح بِهِ فِي التَّبْيِين اهـ ح. بِخِلَاف الْبَيِّنَة فَإِن الشَّهَادَة خبر مُحْتَمل بِالْقضَاءِ تصير حجَّة وَسقط احْتِمَال الْكَذِب. كَذَا فِي التَّبْيِين. فَقَوْل الشَّارِح فِيهَا أَي فبالقضية الْمَطْلُوبَة حصل الْمَقْصُود وَلَزِمَه الْحق سَوَاء قضى بِهِ القَاضِي أَو لَا، وبالقضاء لَا يثبت أَمر زَائِد، أَلا يرى أَنه يلْزمه الْحق بِإِقْرَارِهِ عِنْد غير القَاضِي، أَو أنكر الْخصم فبرهن الْمُدَّعِي قضى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَزِمَه الْحق بِالْقضَاءِ وَيثبت حكم الْبَيِّنَة بِهِ، أما بِدُونِ الْقَضَاء فَلَا يثبت بِالْبَيِّنَةِ حكم، وَكَذَا لَا تعْتَبر فِي غير مجْلِس القَاضِي. قَالَ فِي الاشباه: لَا يجوز للْمُدَّعى عَلَيْهِ الانكار إِذا كَانَ عَالما بِالْحَقِّ، إِلَّا فِي دَعْوَى الْعَيْب فَإِن للْبَائِع إِنْكَاره ليقيم المُشْتَرِي الْبَيِّنَة عَلَيْهِ ليتَمَكَّن من الرَّد على بَائِعه، وَفِي الْوَصِيّ إِذا علم بِالدّينِ. كَذَا فِي بُيُوع النَّوَازِل. قَالَ فِي الْبَحْر: وَظَاهر مَا فِي الْكتاب أَن القَاضِي لَا يُمْهل الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا استمهله، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَفِي الْبَزَّازِيَّة: ويمهله ثَلَاثَة أَيَّام إِن قَالَ الْمَطْلُوب لي دفع وَإِنَّمَا يمهله هَذِه الْمدَّة لانهم كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي كل ثَلَاثَة أَيَّام أَو جُمُعَة، فَإِن كَانَ يجلس كل يَوْم وَمَعَ هَذَا أمهله ثَلَاثَة أَيَّام جَازَ، فَإِن مَضَت لمُدَّة وَلم يَأْتِ بِالدفع حكم اهـ. قَوْله: (أَو أنكر فَبَرْهَنَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُقَامُ عَلَى مقرّ. قَالَ فِي الْبَحْر: وَظَاهر مَا فِي الْكتاب أَن الْبَيِّنَة لَا تُقَام إِلَّا على مُنكر فَلَا تُقَام على مقرّ. وكتبنا فِي فَوَائِد كتاب

стр. 606

الْقَضَاء أَنَّهَا تُقَام على الْمقر فِي وَارِثٍ مُقِرٍّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ فَتُقَامُ عَلَيْهِ لِلتَّعَدِّي، وَفِي مُدَّعًى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْوِصَايَةِ فَبَرْهَنَ الْوَصِيُّ، وَفِي مُدَّعًى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْوَكَالَةِ فَيُثْبِتُهَا الْوَكِيلُ، ثمَّ زِدْت الْآن رَابِعا من جَامع الْفُصُولَيْنِ من فصل الِاسْتِحْقَاق قَالَ: المرجوع عَلَيْهِ عِنْد الِاسْتِحْقَاق لَو أقرّ الِاسْتِحْقَاق وَمَعَ ذَلِك برهن الرَّاجِع على الِاسْتِحْقَاق كَانَ لَهُ أَن يرجع على بَائِعه إِذْ الحكم وَقع بِبَيِّنَة لَا بِإِقْرَار، لانه مُحْتَاج إِلَى أَن يثبت عَلَيْهِ الِاسْتِحْقَاق ليمكنه الرُّجُوع على بَائِعه. وَفِيه لَو برهن الْمُدَّعِي ثمَّ أقرّ الْمُدعى عَلَيْهِ بِالْملكِ لَهُ يقْضِي لَهُ بالاقرار لَا بِبَيِّنَة، إِذا الْبَيِّنَة إِنَّمَا تقبل على الْمُنكر لَا على الْمقر. وَفِيه من مَوضِع آخر: فَهَذَا يدل على جَوَاز إِقَامَتهَا مَعَ الاقرار فِي كل مَوضِع يتَوَقَّع الضَّرَر من غير الْمقر لولاها فَيكون هَذَا أصلا. اهـ. قَوْله: (بِلَا طلب الْمُدَّعِي) وإعلامه الْمُدعى عَلَيْهِ أَنه يُرِيد الْقَضَاء عَلَيْهِ أدب غير لَازم وَتقدم فِي الْقَضَاء أَنه مَتى قَامَت الْبَيِّنَة العادلة وَجب على القَاضِي الحكم بِلَا تَأْخِير. مطلب: لَا يجوز للْقَاضِي تَأْخِير الحكم بعد شَرَائِطه إِلَّا فِي ثَلَاث قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَأْخِيرُ الْحُكْمِ بَعْدَ شَرَائِطه إِلَّا فِي ثَلَاث مَوَاضِع: الاولى: رَجَاء الصُّلْح بَين الاقارب. الثَّانِيَة: إِذا استمهل الْمُدَّعِي. الثَّالِثَة: إِذا كَانَ عِنْده رِيبَة اهـ. قَوْله: (وَإِلَّا حلفه الْحَاكِم) لانه لَا بُد أَولا من سُؤال القَاضِي الْمُدَّعِي بعد إِنْكَار الْخصم عَن الْبَيِّنَة ليتَمَكَّن من الِاسْتِحْلَاف لَان النَّبِي (ص) قَالَ للْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَة؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينه سَأَلَ ورتب الْيَمين على عدم الْبَيِّنَة، وَإِنَّمَا تعْتَبر إِقَامَتهَا بعد الانكار والاستشهاد من الْمُدَّعِي، حَتَّى لَو شهدُوا بعد الدَّعْوَى والانكار بِدُونِ طلب الْمُدَّعِي الشَّهَادَة لَا تسمع عِنْد الطَّحَاوِيّ، وَعند غَيره تسمع كَمَا فِي الْعمادِيَّة. وفيهَا: ثمَّ بعد صِحَة الدَّعْوَى إِنَّمَا يسْتَحْلف فِيهَا سوى الْقصاص بِالنَّفسِ فِي مَوضِع يجوز الْقَضَاء بِالنّكُولِ. وَفِي مَوضِع: لَا يجوز الْقَضَاء بِالنّكُولِ لَا يجوز الِاسْتِحْلَاف. وتحليف الاخرس أَن يُقَال لَهُ عَلَيْك عهد الله وميثاقه أَنه كَانَ كَذَا فيشير بنعم. بَحر. وَإِنَّمَا يظْهر لَو كَانَ يسمع. وَانْظُر حكم الاخرس الَّذِي لَا يسمع، وَلَا يُسْتَحْلَفُ الْأَبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَلَا الْوَصِيّ فِي مَال الْيَتِيم وَلَا الْمُتَوَلِي فِي مَال الْوَقْف، وَسَيَأْتِي فِي كَلَام المُصَنّف وَيذكر تَمَامه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (بعد طلبه) قيد بِهِ لَان الْحلف حَقه، وَلِهَذَا أضيف إِلَيْهِ بِحرف اللَّام فِي الحَدِيث وَهِي للتَّمْلِيك، وَإِنَّمَا صَار حَقًا لَهُ لَان الْمُنكر قصد إتواء حَقه على زَعمه بالانكار فمكنه الشَّارِع من إتواء نَفسه بِالْيَمِينِ الكاذبة، وَهِي الْغمُوس إِن كَانَ كَاذِبًا كَمَا يزْعم وَهُوَ أعظم من إتواء المَال، وَإِلَّا يحصل للْحَالِف الثَّوَاب بِذكر الله تَعَالَى، وَهُوَ صَادِق على وَجه التَّعْظِيم، وَلَا بُد أَن يكون النّكُول فِي مجْلِس الْقَضَاء لَان الْمُعْتَبر يَمِين قَاطع للخصومة، وَلَا عِبْرَة للْيَمِين عِنْد غَيره. وَلَو حلفه القَاضِي بِغَيْر طلبه ثمَّ طلب الْمُدَّعِي التَّحْلِيف فَلهُ أَن يحلفهُ ثَانِيًا كَمَا فِي الْعمادِيَّة. وَلَو حلف بِطَلَب الْمُدَّعِي بِدُونِ تَحْلِيف القَاضِي لم يعْتَبر، وَإِن كَانَ بَين يَدَيْهِ، لَان التَّحْلِيف حق القَاضِي بِطَلَب الْمُدَّعِي كَمَا فِي الْقنية. وَيَأْتِي تَمَامه فِي كَلَام المُصَنّف. وَأطلق الْحَالِف فَيشْمَل الْمُسلم وَالْكَافِر وَلَو مُشْركًا، إِذْ لَا يُنكر أحد مِنْهُم الصَّانِع فيعظمون اسْم الله تَعَالَى ويعتقدون حرمته، لَا الدهرية والزنادقة وَأهل الاباحة، وَهَؤُلَاء أَقوام لم يتجاسروا على إِظْهَار نحلهم فِي عصر من الاعصار إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وَنَرْجُو من فضل الله تَعَالَى على أمة حَبِيبه أَن لَا يقدرهم على إِظْهَار مَا انتحلوه

стр. 607

إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا كَمَا فِي الْبَدَائِع. ثمَّ إِذا حلف لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِيَمِينِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ، فَإِنْ وَجَدَهَا أَقَامَهَا وَقُضِيَ لَهُ بِهَا. دُرَر. قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَهَلْ يَظْهَرُ كَذِبُ الْمُنْكِرِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؟ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حَتَّى لَا يُعَاقَبَ عُقُوبَةَ شَاهد الزُّور. اهـ. وَفِيه أَيْضا أَنه لَا يَحْنَث لَو كَانَ حلفه بِالطَّلَاق وَنَحْوه. وَقيل عِنْد أبي يُوسُف، يظْهر كذبه. وَعند مُحَمَّد: لَا يظْهر. اهـ. وَفِي الْخَانِية: وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد: يظْهر أَيْضا، وَالْفَتْوَى على أَنه يَحْنَث، وَهَكَذَا فِي الْوَلوالجِيَّة وَذكر فِي المنبع. وَالْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة الدّين أَنه لَو ادَّعَاهُ بِلَا سَبَب فَحلف ف ثمَّ برهن ظهر كذبه، وَإِنْ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ ثمَّ برهن عَلَى السَّبَبِ لَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ، لِجَوَازِ أَنَّهُ وجد الْقَرْض مثلا ثمَّ وجد الابراء أَو الايفاء. اهـ. وَهَكَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فَظهر أَن مَا اخْتَارَهُ الزَّيْلَعِيّ وَتَبعهُ فِي الدُّرَر من الصَّوَاب خلاف مَا يُفْتى بِهِ، سِيمَا وَقع فِي أَمر الدّين. تدبر قَوْله: (إِذْ لَا بُد من طلب الْيَمين فِي جَمِيع الدَّعَاوَى) قَالَ فِي الاشباه: الاصح أَنه لَا تَحْلِيف فِي الدّين الْمُؤَجل قبل حُلُوله، لانه لَا تسوغ لَهُ الْمُطَالبَة حَتَّى يَتَرَتَّب على إِنْكَاره التَّحْلِيف. اهـ. وَإِذا أَرَادَ تَحْلِيفه يَنْبَغِي للْمُدَّعى عَلَيْهِ أَن يسْأَل القَاضِي إِن الْمُدَّعِي يَدعِي حَالَة أم نَسِيئَة، فَإِن قَالَ حَالَة يحلف بِاللَّه مَا لَهُ عَليّ هَذِه الدَّرَاهِم الَّتِي يدعيها ويسعه ذَلِك كَمَا فِي الْبَحْر. مطلب: يحلف بِلَا طلب فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع قَوْله: (إِلَّا عِنْد الثَّانِي فِي أَربع) قَالَ فِي الْبَحْرِ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَحْلِيف إِلَّا بعد طلب عِنْدهمَا فِي جَمِيع الدَّعَاوَى وَعند أبي يُوسُف: يسْتَحْلف بِلَا طلب فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع فِي الرَّد بِالْعَيْبِ: يسْتَحْلف المُشْتَرِي على عدم الرِّضَا بِهِ، وَالشَّفِيع على عدم إِبْطَاله الشُّفْعَة، وَالْمَرْأَةُ إذَا طَلَبَتْ فَرْضَ النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِب تستحلف أَنَّهَا لم يطلقهَا زَوجهَا وَلم يتْرك لَهَا شَيْئا وَلَا أَعْطَاهَا النَّفَقَة، وَالرَّابِع الْمُسْتَحق يحلف بِاللَّه تَعَالَى مَا بِعْت وَهَذَا بِنَاء على جَوَاز تلقين الشَّاهِد. اهـ. والاولى: أَن يحلف على أَنه لم يستوفه كلا أَو بَعْضًا بِالذَّاتِ أَو بالواسطة وَلم يُبرئهُ مِنْهُ، وَلم يكن عِنْده بِهِ رهن أَو بشئ مِنْهُ، وَقَوله بِاللَّه مَا بِعْت فِيهِ قُصُور، والاولى أَن يحلف بِاللَّه مَا خرج عَن ملكك ليشْمل مَا لَو خرج عَن ملكه بِالْبيعِ وَغَيره، وَانْظُر للْمُدَّعى عَلَيْهِ، وَكَذَا يحلف القَاضِي الْبكر الطالبة للتفريق أَنَّهَا اخْتَارَتْ الْفرْقَة حِين بلغت وَإِن لم يَطْلُبهُ الزَّوْج كَمَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ. قَالَ فِي التَّتِمَّة: وَلَو ادّعى دعاوى مُتَفَرِّقَة لَا يحلفهُ القَاضِي على كل شئ مِنْهَا، بل يجمعها ويحلفه يَمِينا وَاحِدَة على كلهَا إِذا برهن فَإِنَّهُ يحلف كَمَا وَصفنَا، وَهِي فِي الْخُلَاصَة. قَوْله: (قَالَ) أَي البزازي. قَوْله: (وَأَجْمعُوا على التَّحْلِيف) أَي وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَمَا فِي الاشباه عَن التاترخانية، وَقَدَّمَهُ الشَّارِحُ قُبَيْلَ بَابِ التَّحْكِيمِ مِنْ الْقَضَاءِ. قَوْله: (فِي دَعْوَى الدّين) قَالَ فِي الْبَحْر: وَلَا خُصُوصِيَّة لدعوى الدّين بَلْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَدَّعِي حَقًّا فِي التَّرِكَة وأثبته بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يحلف من غير خصم، بل وَإِن أَبى الْخصم كَمَا صرح بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّة لانه حق الْمَيِّت أَنه مَا استوفى حَقه وَهُوَ مثل حُقُوق الله تَعَالَى يحلف من غير دَعْوَى. كَذَا فِي الْوَلوالجِيَّة. اهـ. وَقيد بإثباته بالبنية لانه لَو أقرّ بِهِ الْوَارِث أَو نكل عَن الْيَمين

стр. 608

المتوجهة عَلَيْهِ لَا يحلف كَمَا يعلم من مَسْأَلَة إِقْرَار الْوَرَثَة بِالدّينِ وَمِمَّا قدمْنَاهُ من كَون الاقرار حجَّة بِنَفسِهِ، بِخِلَاف الْبَيِّنَة. تَأمل. لَكِن ذكر فِي خزانَة أبي اللَّيْث خَمْسَة نفر جَائِز للْقَاضِي تحليفهم، ثمَّ قَالَ: وَرجل ادّعى دينا فِي التَّرِكَة يحلفهُ القَاضِي بِاللَّه الْعَظِيم جلّ ذكره مَا قَبضته. اهـ. فَهَذَا مُطلق وَمَا هُنَا مُقَيّد بِمَا إِذا أثْبته بِالْبَيِّنَةِ، وتعليلهم بِأَنَّهُ حق الْمَيِّت رُبمَا يُعَكر على مَا تقدم. وَقد يُقَال: التَّرِكَة ملكهم خُصُوصا عِنْد عدم دين على الْمَيِّت، وَقد صَادف إقرارهم ملكهم فَأنى يرد، بِخِلَاف الْبَيِّنَة فَإِنَّهَا حجَّة قَائِمَة من غَيرهم عَلَيْهِم فيحتاط فِيهَا، وَأما الاقرار فَهُوَ حجَّة مِنْهُم على أنفسهم فَلَا يتَوَقَّف على شئ آخر. وَأَقُول: يَنْبَغِي أَن يحلفهُ القَاضِي مَعَ الاقرار فِيمَا إِذا كَانَ فِي التَّرِكَة دين مُسْتَغْرق لعدم صِحَة إقرارهم فِيهَا وَالْحَال هَذِه فيحلفه القَاضِي بِطَلَب الْغُرَمَاء إِذا أَقَامَ بَيِّنَة وَبِغير طَلَبهمْ، لَكِن إِذا صدقوه شاركهم لانهم أقرُّوا بِأَن هَذَا الشئ الَّذِي هُوَ بَينهم خَاص بهم لهَذَا فِيهِ شركَة مَعنا بِقدر دينه. تَأمل. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ لِلْمَيِّتِ دَيْنَهُ وَبَرْهَنَ، هَلْ يَحْلِفُ؟ وَيَنْبَغِي أَنْ يحلف احْتِيَاطًا. اهـ. قَالَ الرَّمْلِيّ: يَنْبَغِي أَن لَا يتَرَدَّد فِي التَّحْلِيف أخذا من قَوْلهم الدُّيُون تقضى بأمثالها لَا بِأَعْيَانِهَا، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ قد ادّعى حَقًا للْمَيت. اهـ. ذكره الْغَزِّي. وَأَقُول: يَنْبَغِي أَن يُقَال بدل اللَّام على كَمَا هُوَ ظَاهر. وَأَقُول: قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا يَحْلِفُ فِي مَسْأَلَةِ مُدَّعِي الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ شَهِدُوا باستصحاب الْحَال وَقد استوفى فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ دَفْعِ الدَّيْنِ فَقَدْ شَهِدُوا عَلَى حَقِيقَةِ الدَّفْعِ فَانْتَفَى الِاحْتِمَال الْمَذْكُور، فَكيف يُقَال: يَنْبَغِي أَن لَا يتَرَدَّد فِي التَّحْلِيف؟ تَأمل. وَسَيَأْتِي ذَلِك فِي أَوَاخِر دَعْوَى النّسَب. قَوْله: (بل يحبس) أَي يحْبسهُ القَاضِي، لانه ظَالِم فَجَزَاؤُهُ الْحَبْس. قَوْله: (ليقْرَأ وينكر) هَذَا عِنْد أبي حنيفَة، وَقَالا: يستحلفه كَمَا فِي الْمجمع، وَجه قَوْلهمَا: إِن كلاميه تَعَارضا وتساقطا فَكَأَنَّهُ لم يتَكَلَّم بشئ فَكَانَ ساكتا، وَالسُّكُوت بِلَا آفَة نُكُول فيستحلفه القَاضِي وَيَقْضِي بِالنّكُولِ كَمَا فِي المنبع. وَفِي الْبَدَائِع: هُوَ الاشبه. قَوْله: (وَكَذَا لَوْ لَزِمَ السُّكُوتَ بِلَا آفَةٍ عِنْدَ الثَّانِي) أَي فَإِنَّهُ يحبس لانه نُكُول حكما، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى، وَعند أبي يُوسُف: السُّكُوت لَيْسَ بإنكار، فحبس إِلَى أَن يُجيب. صرح بِهِ السَّرخسِيّ. وقولهما: هُوَ الاشبه كَمَا فِي الْبَدَائِع وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا فِي المنبع، وَصرح فِي رَوْضَة الْفُقَهَاء أَن السُّكُوت لَيْسَ بإنكار بِلَا خلاف. وَفِي الْقنية وَالْبَزَّازِيَّة: الْفَتْوَى على قَول أبي يُوسُف: فَلَو سكت الْخصم بِلَا آفَة وَقضى صَحَّ، وَكَذَا لَو نكل مرّة لَان الْيَمين وَاجِبَة عَلَيْهِ لقَوْله ﵊ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ترك هَذَا الْوَاجِب بِالنّكُولِ دَلِيل على أَنه باذل ومقر، وَإِلَّا قدم على الْيَمين تفصيا عَن عُهْدَة الْوَاجِب ودفعا للضَّرَر عَن نَفسه ببذل الْمُدَّعِي أَو الاقرار بِهِ، وَالشَّرْع ألزمهُ التورع عَن الْيَمين الكاذبة دون الترفع عَن الْيَمين الصادقة، فترجح هَذَا الْجَانِب: أَي جَانب كَون الناكل باذلا أَو مقرا على جَانب التورع فِي نُكُوله. كَذَا فِي الدُّرَر. وَسَيَأْتِي تَمَامه. قَوْله: (عِنْد الثَّانِي) وَعِنْدَهُمَا: إِذا لزم السُّكُوت

стр. 609

يُؤْخَذ مِنْهُ كَفِيل، ثمَّ يسْأَل جِيرَانه عَسى أَن يكون بِهِ آفَة فِي لِسَانه أَو سَمعه، فَإِن أخبروا أَنه لَا آفَة بِهِ يحضر مجْلِس الحكم، فَإِن سكت وَلم يجب ينزله مُنْكرا: أَي فَيحلف من غير حبس ط. قَوْله: (لما أَن الْفَتْوَى على قَول الثَّانِي) أَقُول: ظهر مِمَّا هُنَا وَمِمَّا تقدم أَنه قد اخْتلف التَّصْحِيح وَالتَّرْجِيح، وَلَكِن الارجح قَول أبي يُوسُف لما يُقَال فِيهِ: وَعَلِيهِ الْفَتْوَى، وَقد مر غير مرّة وَيَأْتِي. قَوْله: (ثمَّ نقل عَن الْبَدَائِع الخ) رَاجع إِلَى قَول الْمَتْن وَإِذا قَالَ الخ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْمَجْمَعِ: وَلَوْ قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ فَالْقَاضِي لَا يَسْتَحْلِفُهُ. قَالَ الشَّارِح: بل يحبس عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَقَالا: يسْتَحْلف. وَفِي الْبَدَائِع: الاشبه أَنه إِنْكَار. اهـ. وَهُوَ تَصْحِيح لقولهما: فَإِنَّ الْأَشْبَهَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّصْحِيحِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّة. فحاصل مَا فِي الْبَحْر: اخْتِيَار قَول الثَّانِي لَو لزم السُّكُوت بِلَا آفَة فَإِنَّهُ يحبس حَتَّى يقر أَو يُنكر، وَاخْتِيَار قَوْلهمَا فِيمَا إِذا قَالَ لَا أقرّ وَلَا أنكر يَقْتَضِي اخْتِيَار جعله إنكارا فِي مَسْأَلَة السُّكُوت بالاولى، فَكَانَ نقل صَاحب الْبَحْر تَصْحِيح الثَّانِي رُجُوعا عَمَّا أفتى بِهِ أَولا فِي مَسْأَلَة السُّكُوت، فَلِذَا قَالَ الشَّارِح ثمَّ نقل الخ ليُفِيد أَن تَصْحِيح مَا فِي الْبَدَائِع يَقْتَضِي تَصْحِيح قَول الامامين فِي الاولى، وَلَا يشكل مَا قدمْنَاهُ عَن رَوْضَة الْفُقَهَاء من أَن السُّكُوت لَيْسَ بإنكار بِلَا خلاف، لَان الْكَلَام هما فِيمَا إِذا لزم السُّكُوت، وَمَا هُنَاكَ لَا يعد نكولا بِمُجَرَّد سُكُوته فَيقْضى عَلَيْهِ، وشتان مَا بَينهمَا: قَوْله: (اصطلحا على أَن يحلف الخ) سَيذكرُ الشَّارِح لَو قَالَ: إِذا حَلَفت فَأَنت برِئ مِنْ الْمَالِ فَحَلَفَ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَى الْحَقِّ قبل، لَكِن هُنَا الْيَمين من الْمُدَّعِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ ثمَّة. قَوْله: (لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّ الْقَاضِي مَعَ طَلَبِ الْخَصْمِ) الاولى كَمَا فِي الْبَحْر عَن الْقنية: لَان التَّحْلِيف حق القَاضِي اهـ. حَتَّى لَو أَبرَأَهُ الْخصم عَنهُ لَا يَصح. بَزَّازِيَّة. وكما أَن التَّحْلِيف عِنْد غير القَاضِي، لَا يعْتَبر فَكَذَلِك النّكُول عِنْد غَيره لَا يُوجب الْحق، لانص الْمُعْتَبر يَمِين قَاطِعَة للخصومة، وَالْيَمِين عِنْد غير القَاضِي غير قَاطِعَة. دُرَر. وَكَذَلِكَ لَا عِبْرَة لَهَا عِنْده بِلَا تَحْلِيفه كَمَا قَيده بقوله مَعَ طلب الْخصم، لَكِن الَّذِي يُشِير إِلَيْهِ كَلَام الدُّرَر والعيني أَن الْيَمين حق الْمُدَّعِي. وَاسْتدلَّ لَهُ فِي الدُّرَر بقوله: وَلِهَذَا أضيف إِلَيْهِ بِحرف اللَّام فِي الحَدِيث، وَهُوَ قَوْله ﵊: لَك يَمِينه قَالَ: وَوجه كَونه حَقًا لَهُ أَن الْمُنكر قصد إتواء حَقه الخ، وَكَانَ الاولى لَهُ أَن يُعلل الْمَسْأَلَة بقوله: لَان الْمُعْتَبر يَمِين قَاطِعَة للخصومة الخ، ثمَّ يسْتَدرك بِمَا نَقله المُصَنّف عَن الْقنية الْآتِي ذكره، فَلَو فعل ذَلِك لسلم من التّكْرَار. قَوْله: (وَلَا عِبْرَة الخ) أَي وَلَا يعْتَبر إبراؤه الْمُعَلق بِهَذَا الشَّرْط، لَان الابراء من الدّين لَا يَصح تَعْلِيقه بِالشّرطِ كَمَا تقدم. قَوْله: (فَلَوْ بَرْهَنَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى حَقِّهِ يُقْبَلُ) هَذَا لَا يصلح تَفْرِيعا على مَا قبله، فَإِنَّهُ لَو حلف عِنْد قَاض ثمَّ برهن الْمُدَّعِي يقبل كَمَا سَيَأْتِي ح. إِلَّا أَن يُقَال: إِنَّمَا فَرعه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار قَوْله: وَإِلَّا يحلف ثَانِيًا عِنْد قَاض: أَي حَيْثُ لم يعْتَبر حلفه عِنْد غير

стр. 610

القَاضِي لَهُ تَحْلِيفه عِنْد القَاضِي عِنْد عدم الْبَيِّنَة، بِخِلَاف مَا لَو حلفه عِنْد قَاض فَإِنَّهُ لَا يحلف ثَانِيًا لَان الْحلف الاول مُعْتَبر، وَهَذَا معنى قَوْله: إِلَّا إِذا كَانَ حلفه الخ. قَوْله: (إِلَّا إِذا كَانَ حَلِفُهُ الْأَوَّلُ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ قَاضٍ فَيَكْفِي: أَيْ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّحْلِيفِ ثَانِيًا. هَذَا، وموقع للاستثناء كَمَا لَا يخفى ح: أَي لانه اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي أَنَّ الْحلف الاول عِنْد غير قَاضِي، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عِنْدَهُ قَبْلَ تقلده الْقَضَاء. تَأمل وراجع. قَوْله: دُرَر عبارتها يحلفهُ القَاضِي لَو لم يكن حلفه الاول حِين الصُّلْح عِنْده. قَوْله: (وَنقل المُصَنّف عَن الْقنية هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُغَايِرُ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي الْمَتْنِ. فَإِنَّ تِلْكَ فِيمَا إذَا حَلَفَ عِنْدَ غَيْرِ قَاضٍ، وَهَذِهِ فِيمَا إذَا حَلَفَ عِنْدَ الْقَاضِي بِاسْتِحْلَافِ الْمُدَّعِي لَا القَاضِي ح: أَي وكما أَنه لَا يَصح التَّحْلِيف إِلَّا عِنْد القَاضِي لَا يَصح إِلَّا تَحْلِيف القَاضِي، حَتَّى لَو أَن الْخصم حلف خَصمه فِي مجْلِس القَاضِي لَا يعْتَبر، لَان التَّحْلِيف حق القَاضِي لَا حق الْخصم. قَوْله: (وَكَذَا لَو اصطلحا الخ) فِي الْوَاقِعَات الحسامية قبيل الرَّهْن. وَعَن مُحَمَّدٍ قَالَ لِآخَرَ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ إنْ حَلَفْت إنَّهَا لَك أَدَّيْتهَا إلَيْك فَحَلَفَ فَأَدَّاهَا إلَيْهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إنْ كَانَ أَدَّاهَا إلَيْهِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي شَرط فَهُوَ بَاطِل، وللمؤدي أَن يرجع بِمَا أَدَّى، لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الشَّرْعِ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ أَنَّ الْيَمين على من أنكر دون الْمُدَّعِي، إِ هـ بَحر. قَوْله: (لم يضمن) وَلَو أدّى لَهُ على هَذَا الشَّرْط رَجَعَ بِمَا أدّى لَان هَذَا الشَّرْط بَاطِل كَمَا علمت. قَوْله: (لحَدِيث الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي) تتمته وَالْيَمِين على مَا أنكر وَالدَّلِيل مِنْهُ من وَجْهَيْن الاول أَنه ﵊ قسم بَينهمَا وَالْقِسْمَة تنَافِي الشّركَة، وَجعل جِنْسَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شئ. الثَّانِي: أَن أل فِي الْيَمين للاستغراق، لَان لَام التَّعْرِيف تحمل على الِاسْتِغْرَاق، وَتقدم على تَعْرِيف الْحَقِيقَة إِذا لم يكن هُنَاكَ مَعْهُود، فَيكون الْمَعْنى: أَن جَمِيع الايمان على المنكرين، فَلَو رد الْيَمين على الْمُدَّعِي لزم الْمُخَالفَة لهَذَا النَّص. الثَّالِث: إِن قَوْله: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي يُفِيد الْحصْر، فَيَقْتَضِي أَن لَا شئ عَلَيْهِ سواهُ. قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ: وَالْحكمَة فِي كَون الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ إِن جَانب الْمُدَّعِي ضَعِيف، لَان دَعْوَاهُ خلاف الظَّاهِر، فَكَانَت الْحجَّة القوية عَلَيْهِ وَهِي الْبَيِّنَة، لانها لَا تجلب لنَفسهَا نفعا وَلَا تدفع عَنْهَا ضَرَرا فيتقوى بهَا ضعف الْمُدَّعِي، وجانب الْمُدعى عَلَيْهِ قوي لَان الاصل فرَاغ ذمَّته فَاكْتفى فِيهِ بِحجَّة ضَعِيفَة وَهِي الْيَمين، لَان الْحَالِف يجلب لنَفسِهِ النَّفْع وَيدْفَع عَنْهَا الضَّرَر، فَكَانَ ذَلِك فِي غَايَة الْحِكْمَة اهـ. وَهَذَا من حَيْثُ مَا ذكره ظَاهر: أَي من ضعف الْيَمين، وَإِلَّا فاليمين إِذا كَانَت غموسا مهلكة لصَاحِبهَا، فَتَأمل. قَوْله: (وَحَدِيث الشَّاهِد وَالْيَمِين) هُوَ مَا رُوِيَ: أَنه ﵊ قضعى بِشَاهِد وَيَمِين " حَلَبِيّ عَن التَّبْيِين. قَوْله: (عَيْني) عِبَارَته: ولانه يرويهِ ربيعَة عَن سهل بن أبي

стр. 611

صَالح وَأنْكرهُ سهل، فَلَا يبْقى حجَّة بعد مَا أنكرهُ الرَّاوِي فضلا عَن أَن يكون مُعَارضا لصحاح الْمَشَاهِير. اهـ. قَوْله: (وَطلب من القَاضِي) يَعْنِي الْمُدعى عَلَيْهِ. قَوْله: (أَن يحلف الْمُدَّعِي) الْمُنَاسب أَو الشُّهُود، وَيَأْتِي بضميرهم بعد بدل الِاسْم الظَّاهِر ط. قَوْله: (أَو على أَن الشُّهُود) أَي أَو طلب الْمُدعى عَلَيْهِ من القَاضِي أَن يحلف الشُّهُود على أَنهم صَادِقُونَ، كَمَا يدل عَلَيْهِ اللحاق ح. قَوْله: (لَا يجِيبه القَاضِي) كَمَا لَا يُجيب ذَا الْيَد إِذا طلب مِنْهُ استحلاف الْمُدَّعِي مَا تعلم أَنِّي بنيت بِنَاء هَذِه الدَّار. قنية: أَي لانه خلاف الشَّرْع. قَوْله: (إِلَى طلبته) بِكَسْر اللَّام مَا طلبه والطلبة بِالضَّمِّ السفرة الْبَعِيدَة والطلاب اسْم مصدر طَالب كالطلبة بِالْكَسْرِ قَامُوس. قَوْله: (لَان الْخصم) فِيهِ أَنه لم يتَقَدَّم مِنْهُ حلف، فالاولى أَن يُعلل بقوله لانه خلاف الشَّرْع، وَيجْعَل هَذَا التَّعْلِيل للثَّانِيَة، وَهُوَ تَحْلِيف الشُّهُود على الصدْق أَو أَنهم محقون لَا يجِيبه لِأَنَّ الْخَصْمَ لَا يَحْلِفُ مَرَّتَيْنِ فَكَيْفَ الشَّاهِدُ. قَوْله: (لَان لفظ أشهد عندنَا يَمِين) وَإِن لم يقل بِاللَّه، فَإِذا طلب مِنْهُ الشَّهَادَة فِي مجْلِس الْقَضَاء وَقَالَ أشهد فقد حلف. قَوْله: (لانا أمرنَا بإكرام الشُّهُود) أَي وَفِي التَّحْلِيف تَعْطِيل هَذَا الْحق. قَوْله: (لَان لَا يلْزمه) أَي الاداء حِينَئِذٍ. قَوْله: (وَبَيِّنَة الْخَارِج) أَي الَّذِي لَيْسَ ذَا يَد. قَوْله: (وَفِي الْملك الْمُطلق) قيد بِهِ لما سَيَأْتِي، وَأطْلقهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا، وَتَارِيخُ الْخَارِجِ مُسَاوٍ أَوْ أَسْبَقُ، أَمَّا إذَا كَانَ تَارِيخُ ذِي الْيَدِ أَسْبَقَ، فَإِنَّهُ يقْضِي للْخَارِج كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّة، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى مَا لَا يدل عَلَيْهِ فَاسْتَوَيَا وَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْيَدِ فَيُقْضَى لَهُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيح. بَحر. قَوْله: (وَهُوَ الَّذِي لم يذكر لَهُ سَبَب) السَّبَب كَشِرَاء وَارِث فالمطق مَا يتَعَرَّض للذات دون الصِّفَات لَا بِنَفْي وَلَا إِثْبَات ط. قَوْله: (أَحَق من بَيِّنَة ذِي الْيَد) أَي أولى بِالْقبُولِ مِنْهَا، لَان الْخَارِج أَكثر إِثْبَاتًا وإظهارا، لَان ملك ذِي الْيَد ظَاهر فَلَا حَاجَة إِلَى الْبَيِّنَة: يَعْنِي لَو ادّعى خَارج دَارا أَو مَنْقُولًا ملكا مُطلقًا وَذُو الْيَد ادّعى ذَلِك وبرهنا وَلم يؤرخا أَو أرخا تَارِيخا وَاحِدًا لَا تقبل بَيِّنَة ذِي الْيَد، وَيَقْضِي للْخَارِج، أَمَّا إذَا كَانَ تَارِيخُ ذِي الْيَدِ أَسْبَقَ يقْضى لذِي الْيَد، ثمَّ يَسْتَوِي الْجَواب بَين أَن يكون الْخَارِج مُسلما أَو ذِمِّيا أَو مستأمنا أَو عبدا أَو حرا أَو امْرَأَة أَو رجلا، وبقولنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَالَ الامام أَحْمد، وَقَالَ الامام مَالك وَالشَّافِعِيّ وَزفر: بَيِّنَة ذِي الْيَد أولى. ط بِاخْتِصَار. قَوْله: (لانه الْمُدَّعِي) أَي وَذُو الْيَد مدعى عَلَيْهِ لانطباق تَعْرِيف الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ عَلَيْهِمَا. قَوْله: (بِخِلَاف الْمُقَيد بِسَبَب) أَي لَا يتَكَرَّر. قَوْله: (كنتاج) صورته: أَقَامَ كل مِنْهُمَا بَيِّنَة على أَنَّهَا ولدت عِنْده فذو الْيَد أولى، لَان بَينته قد دلّت على مَا دلّت عَلَيْهِ بَيِّنَة الْخَارِج: أَي نَظِيره وَمَعَهُ تَرْجِيح الْيَد فَكَانَ أولى. عَيْني. قَوْله: (وَنِكَاح) صورته: أَقَامَ كل مِنْهُمَا بَيِّنَة أَنه نَكَحَهَا فذو الْيَد أولى فَالْمُرَاد بِالْملكِ مَا يعم الْحكمِي. قَوْله: (فَالْبَيِّنَة لذِي الْيَد) أَي فِي الصُّورَتَيْنِ. قَوْله: (إِجْمَاعًا) أَي لَان بَينته قَامَت على أَوْلَوِيَّة ملكه فَلَا يثبت للْخَارِج إِلَّا بالتلقي مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه مفصلا. قَوْله: (كَمَا

стр. 612

سيجئ) أَي فِيمَا يَدعِيهِ الرّجلَانِ، والاولى ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مقَامهَا. قَوْله: (وَقضى القَاضِي الخ) أَي قضى عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي، وَأفَاد أَن النّكُول لَا يُوجب شَيْئا إِلَّا إِذا اتَّصل بِهِ الْقَضَاء وبدونه لَا يُوجب شَيْئا وَهُوَ بذل على مَذْهَب الامام، وَإِقْرَار على مَذْهَب صَاحِبيهِ وَحَيْثُ لم يقدم على الْيَمين دلّ على أَنه بذل الْحق أَو أقرّ، وَإِذا بذل أَو أقرّ وَجب على القَاضِي الحكم بِهِ، فَكَذَا إِذا نكل. قَوْله: (حَقِيقَة) الاولى ذكره بعد قَوْله مرّة لَان المتصف بِكَوْنِهِ حَقِيقَة وَحكما أَو صَرِيحًا وَدلَالَة إِنَّمَا هُوَ النّكُول كَمَا فِي الْعَيْنِيّ. قَوْله: (أَو حكما كَأَن سكت) . أَقُول: تقدم أَنه مُنْكِرًا عَلَى قَوْلِهِمَا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يحبس إلَى أَنْ يُجِيبَ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ فِيمَا إذَا لزم السُّكُوت ابْتِدَاء وَلم يجب على الدَّعْوَى بِجَوَابٍ، وَهَذَا فِيمَا إذَا أَجَابَ بِالْإِنْكَارِ ثمَّ لزم السُّكُوت تَأمل. كَذَا أَفَادَهُ الْخَيْر الرَّمْلِيّ. ومفاد ذكر المُصَنّف للحكمي بِالسُّكُوتِ تَصْحِيح لقولهما أَيْضا مَنْقُول عَن السراج، كَمَا تقدم اقْتِضَاء تَصْحِيحه عَن الْبَحْر بعد أَن أفتى بِخِلَافِهِ. قَوْله: (من غير آفَة) أما إِذا كَانَ بهَا فَهُوَ عذر كَمَا فِي الِاخْتِيَار، وَيَأْتِي قَرِيبا بَيَانه. قَوْله: (كخرس) وَآفَة بِاللِّسَانِ تمنع الْكَلَام أصلا. قَوْله: (وطرش) يُقَال طرش يطرش طرشا من بَاب علم: أَي صَار أطروشا، وَهُوَ الاصم. قَوْلُهُ: (فِي الصَّحِيحِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الثَّانِي الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا تقدم. وَقيل إِذا سكت يحْبسهُ حَتَّى يُجيب، وَأما إِذا كَانَ بِهِ آفَة الخرس فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يحسن الْكِتَابَة، أَو يسمع أَو لَا يحسن شَيْئا، فَإِذا لم يسمع وَله إِشَارَة مَعْرُوفَة فإشارته كالبيان، وَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك أعمى نصب القَاضِي لَهُ وَصِيّا، وَيَأْمُر الْمُدَّعِي بِالْخُصُومَةِ مَعَه إِن لم يكن لَهُ أَب أَو جد أَو وصيهما، وَإِذا كَانَ يسمع يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي عَلَيْك عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ إِن كَانَ كَذَا، فَإِن أَوْمَأ بِرَأْسِهِ أَن نعم فَإِنَّهُ يصير حَالفا فِي هَذَا الْوَجْه، وَلَا يَقُول لَهُ بِاللَّه إِن كَانَ كَذَا لانه إِن أَشَارَ بِرَأْسِهِ أَن نعم لَا يصير حَالفا بِهَذَا الْوَجْه بل مقرا كَمَا فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة. قَوْله: (وَعرض) مُبْتَدأ خَبره قَوْله ثمَّ الْقَضَاء. قَوْله: (أحوط) أَي على وَجه النّدب، وَإِنَّمَا لم يعرج عَلَيْهِ المُصَنّف لانه غير ظَاهر الرِّوَايَة. قَالَ فِي الْكَافِي: يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يَقُول إِنِّي أعرض عَلَيْك الْيَمين ثَلَاث مَرَّات فَإِن حَلَفت وَإِلَّا قضيت عَلَيْك بِمَا ادّعى، وَهَذَا الانذار لاعلامه بالحكم إِذْ هُوَ مُجْتَهد فِيهِ فَكَأَنَّهُ مَظَنَّة الخفاء اهـ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّ التَّكْرَارَ حَتْمٌ حَتَّى لَو قضى الْقَاضِي بِالنُّكُولِ مَرَّةً لَا يَنْفُذُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ينفذ وَهُوَ نَظِير إمهال الْمُرْتَد كَمَا فِي التَّبْيِين. قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: لَو كَانَ مَعَ الْخصم بَيِّنَة وَلم يذكرهَا، وَطلب يَمِين الْمُنكر يحل لَهُ إِن ظن أَنه ينكل. وَأما إِذا ظن أَنه يحلف كَاذِبًا لم يعْذر فِي التَّحْلِيف ثمَّ على الاحوط، ذكر فِي الْخَانِية وَلَو أَن القَاضِي عرض عَلَيْهِ الْيَمين فَأبى، ثمَّ قَالَ قبل القَاضِي أَنا أَحْلف بحلفه وَلَا يقْضِي عَلَيْهِ بشئ، وَهَذَا الاحوط جعله صدر الشَّرِيعَة متْنا. فَتنبه. لَكِن جعله ابْن ملك مُسْتَحبا فِي مَوضِع الخفاء ويترجح مَا فِي الْخَانِية بِكَوْن الْمَتْن منع الْحلف بعد الْقَضَاء فَافْهَم أَنه قبله لَا يمْنَع مِنْهُ. قَوْله: (وَهل يشْتَرط) الاولى وَهل يفترض. قَوْله: (على فَور النّكُول خلاف) أَي فِيهِ خلاف، وَلم يبين الْفَوْر بِمَاذَا يكون. حموي. قَالَ ط: قلت: هُوَ ظَاهر، وَهُوَ أَن يقْضِي عقبه من غير تراخ قبل تكراره أَو بعده على الْقَوْلَيْنِ.

стр. 613

قَوْله: (قلت قدمنَا) أَي فِي كتاب الْقَضَاء: أَي وجزمهم هُنَاكَ بِهِ مُطلقًا حَيْثُ شَمل كَلَامهم هُنَاكَ مَا بعد الْبَيِّنَة والاقرار، والنكول تَرْجِيح لُزُوم الْفَوْر الَّذِي هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ، وَكَأن المُصَنّف غفل عَنهُ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: لم أر فِيهِ تَرْجِيحا، إِلَّا أَن الْحَمَوِيّ فِي حَاشِيَة الاشباه قَالَ: اعْلَم أَنه يجب على القَاضِي الحكم بِمُقْتَضى الدَّعْوَى عِنْد قيام الْبَيِّنَة على سَبِيل الْفَوْر، وَعَزاهُ لجامع الْفُصُولَيْنِ وَقد خصّه بِالْبَيِّنَةِ كَمَا ترى، فَلَا يُفِيد تَرْجِيح أحد الْقَوْلَيْنِ فِي لُزُوم الْقَضَاء فَوْرًا بعد النّكُول، وَحِينَئِذٍ فَمَا ذكر من الِاسْتِدْرَاك فمحله بعد الْبَيِّنَة أَو الْيَمين، فَتدبر. قَوْله: (إِلَّا فِي ثَلَاث) قدمنَا أَنَّهَا أَن يرتاب القَاضِي فِي طَرِيق الْقَضَاء كالبينة وَأَن يستمهل الْخصم: أَي الْمُدَّعِي، وَأَن يكون لرجاء الصُّلْح بَين الاقارب، وَظَاهره أَنه لَا خلاف. قَوْله: (لَا يلْتَفت إِلَيْهِ) لانه أبطل حَقه بِالنّكُولِ فَلَا ينْقض بِهِ الْقَضَاء قيد بِالْقضَاءِ، لانه قبله إِذا أَرَادَ أَن يحلف يجوز، وَلَو بعد الْعرض كَمَا فِي الدُّرَر، أما لَو أَقَامَ الْبَيِّنَة بعد النّكُول فَإِنَّهَا تقبل كَمَا يَأْتِي قَرِيبا. قَوْله: (فبلغت طرق الْقَضَاء ثَلَاثًا) بَيِّنَة وَإِقْرَار ونكول، وَهُوَ تَفْرِيع على قَوْله فَإِن أقرّ أَو أنكر الخ. قَوْله: (سبعا) فِيهِ أَن الْقَضَاء بالاقرار مجَاز كَمَا تقدم، والقسامة دَاخِلَة فِي الْيَمين، وَعلم القَاضِي مَرْجُوح والقرينة مِمَّا انْفَرد بذكرها ابْن الْغَرْس فَرَجَعت إِلَى ثَلَاث، فَتَأمل ط. قَوْله: (بَيِّنَة) لَا شكّ أَن الْبَيِّنَة طَرِيق للْقَضَاء وَأَن الحكم لَا يثبت بِالْبَيِّنَةِ حَتَّى يقْضِي بهَا كَمَا تقدم. قَوْله: (وَإِقْرَار) تقدم أَن الْحق يثبت بِهِ بِدُونِ حكم، وَإِنَّمَا يَأْمُرهُ القَاضِي بِدفع مَا لزمَه بِإِقْرَارِهِ، وَلَيْسَ لُزُوم الْحق بِالْقضَاءِ كَمَا لَو ثَبت بِالْبَيِّنَةِ، فَجعل الاقرار طَرِيقا للْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ ظَاهرا، وَإِلَّا فَالْحق ثَبت بِهِ لَا بِالْقضَاءِ. قَوْله: (وَيَمِين) لَيْسَ الْيَمين طَرِيقا للْقَضَاء، لَان الْمُنكر إِذا حلف وَعجز الْمُدَّعِي عَن الْبَيِّنَة يتْرك الْمُدَّعِي فِي يَده لعدم قدرَة الْمُدَّعِي على إثْبَاته لَا قَضَاء لَهُ بِيَمِينِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَلذَا لَو جَاءَ الْمُدَّعِي بعد ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ يقْضِي لَهُ بهَا، وَلَو ترك المَال فِي يَده قَضَاء لَهُ لم ينْقض فَجعله طَرِيقا للْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ ظَاهر بِاعْتِبَار أَن الْقَضَاء يقطع النزاع، وَهَذَا يقطعهُ لَان الاتيان بِالْبَيِّنَةِ بعد الْعَجز عَنْهَا نَادِر. قَوْله: (ونكول عَنهُ) الْفرق بَين النّكُول والاقرار أَن الاقرار مُوجب للحق بِنَفسِهِ لَا يتَوَقَّف على قَضَاء القَاضِي، فحين الاقرار يثبت الْحق كَمَا ذكرنَا، وَأما النّكُول فَلَيْسَ بِإِقْرَار صَرِيحًا وَلَا دلَالَة لَكِن يصير إِقْرَارا بِقَضَاء القَاضِي بإنزالة مقرا، وَعَلِيهِ يظْهر كَونه رَابِعا. أما لَو أرجعناه إِلَى الاقرار فَلَا يظْهر كَونه رَابِعا كَمَا فِي الْمُحِيط. قَوْله: (وقسامة) قَالَ المُصَنّف: وَسَيَأْتِي أَن الْقسَامَة من طرق الْقَضَاء بِالدِّيَةِ. قَوْله: (وَعلم قَاض على الْمَرْجُوح) وَظَاهر مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ أَن الْفَتْوَى أَنه لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ لفساد قُضَاة الزَّمَان. بَحر. قَوْله: (وَالسَّابِع قرينَة) ذكر ذَلِك ابْن الْغَرْس. قَالَ فِي الْبَحْر: وَلم أره إِلَى الْآن لغيره. اهـ. قَالَ بعض الافاضل: صَرِيح قَول ابْن الْغَرْس فقد قَالُوا: إِنَّه مَنْقُول عَنْهُم، لَا أَنه قَالَه من عِنْد نَفسه، وَعدم رُؤْيَة صَاحب الْبَحْر لَهُ لَا يَقْتَضِي عدم وجوده فِي كَلَامهم، والمثبت مقدم. لَكِن قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ: وَلَا شكّ أَن مَا زَاده ابْن الْغَرْس غَرِيب خَارج عَن الجادة، فَلَا يَنْبَغِي التعويل عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعْضُدْهُ نَقْلٌ مِنْ كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ فَلَا تغتر بِهِ، وَالله تَعَالَى أعلم. اهـ. وَالْحق أَن هَذَا مَحل تَأمل، وَلَا يظنّ أَن فِي مثل ذَلِك يجب عَلَيْهِ الْقصاص مَعَ أَن الانسان قد يقتل

стр. 614

نَفسه وَقد يقْتله آخر ويفر. وَقد يكون أَرَادَ قتل الْخَارِج فَأخذ السكين وَأصَاب نَفسه فَأَخذهَا الْخَارِج وفر مِنْهُ وَخرج مذعورا، وَقد يكون اتّفق دُخُوله فَوَجَدَهُ مَنْقُولًا فخاف من ذَلِك وفر، وَقد يكون السكين بيد الدَّاخِل فَأَرَادَ قتل الْخَارِج وَلم يتَخَلَّص مِنْهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَصَارَ دفع الصَّائِل، فَلْينْظر التَّحْقِيق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَالْحَاصِل: أَن الْقَضَاء فِي الاقرار مجَاز والقسامة دَاخِلَة فِي الْيَمين وَعلم القَاضِي مَرْجُوح والقرينة مِمَّا انْفَرد بهَا ابْن الْغَرْس فَرَجَعت إِلَى ثَلَاث، فَتَأمل. لَكِن فِي الْمجلة مَادَّة ١٤٧١ قد اعْتبر الْقَرِينَة القاطعة الْبَالِغَة حد الْيَقِين وَصدر الامر السلطاني بِالْعَمَلِ بموجبها. قَوْله: (يَنْبَغِي) أَي تورعا ندبا بِدَلِيل قَوْله تَحَرُّزًا لَان اتقاء الشُّبُهَات مَنْدُوب لَا وَاجِب، وَهُوَ عِنْد من يضن بِدِينِهِ منزلَة الْوَاجِب خوفًا من الْيَمين الْفَاجِرَة الَّتِي تدع الديار بَلَاقِع: أَي خَالِيَة عَن أَهلهَا وخوفا من أكل مَال الْغَيْر، لَكِن قد يُقَال: أَن التَّحَرُّز عَن الْحَرَام وَاجِب لَا مَنْدُوب. تَأمل. قَوْله: (وَإِن أَبى خَصمه) هَذِه غير مَسْأَلَة الشَّك، وَقَوله بِأَن غلب على ظَنّه أَنه محق تقدم أَن الشَّك نَظِيره. قَوْله: (حلف) لجَوَاز بِنَاء الاحكام وَالْحلف على غَالب الظَّن، وَإِلَّا سلم أَن لَا يفعل بذلا للدنيا لحفظ الدّين، بل لَو تحقق إبِْطَال الْمُدَّعِي الاولى فِي حَقه أَن يبْذل لَهُ مَا يَدعِيهِ وَلَا يحلف كَمَا فعله السّلف الصَّالح مِنْهُم عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بِأَن غلب على ظَنّه) ظَاهر هَذِه الْعبارَة مُشكل، لانه يَقْتَضِي أَنه إِذا اسْتَوَى عِنْده الطرفان أَنه يحلف، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل لَا يجوز لَهُ الْحلف إِلَّا إِذا غلب على ظَنّه أَنه محق، وَالشَّارِح هُنَا تبع المُصَنّف فِي هَذِه الْعبارَة. وَالَّذِي نَقله فِي الْبَحْر عَن الْبَزَّازِيَّة أَن أكبر رَأْيه أَن الْمُدَّعِي محق لَا يحلف، وَإِن مُبْطل سَاغَ لَهُ الْحلف، وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن. قَوْله: (وَتقبل الْبَيِّنَة الخ) لامكان التَّوْفِيق بِالنِّسْيَانِ ثمَّ بالتذكر، بِخِلَاف مَا لَو قَالَ لَيْسَ لِي حَقٌّ ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا لم تسمع للتناقض. قَوْله: (خلافًا لما فِي شرح الْمجمع) عبارَة ابْن ملك فِيهِ. وَفِي الْمُحِيط: إِذا قَالَ لَيْسَ لي بَيِّنَة على هَذَا ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة عَلَيْهِ لَا تقبل عِنْد أبي حنيفَة لانه كذب بَينته، وَتقبل عِنْد مُحَمَّد، لانه يحْتَمل أَنه كَانَ لَهُ بَيِّنَة ونسيها انْتهى. فقد ذكر خلافًا فِي الْمَسْأَلَة لكنه لم يتَعَرَّض للْيَمِين، وَرجح فِي السِّرَاجِيَّة قَول مُحَمَّد. وَفِي الدُّرَر قَالَ لَا بَيِّنَة لي ثمَّ برهن أَولا شَهَادَة ثمَّ شهد، فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَة لَا تقبل لظَاهِر التَّنَاقُض، وَفِي رِوَايَة تقبل، والاصح الْقبُول. وَحِينَئِذٍ فَلَا مُنَافَاة بَين مَا ذكره وَبَين مَا فِي الْمجمع بل حكى قَوْلَيْنِ. تَأمل. لَكِن الْآن قد صدر أَمر السُّلْطَان نَصره الرَّحْمَن بِالْعَمَلِ بِمُوجب الْمجلة من أَنه إِذا قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَة لي أبدا ثمَّ أحضر بَيِّنَة لَا تقبل أَو قَالَ لَيْسَ لي بَيِّنَة سوى فلَان وَفُلَان وأتى بِغَيْرِهِمَا لَا تقبل كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي الْمجلة فِي مَادَّة ٣٥٧١. قَوْلُهُ: (بَعْدَ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ حُكْمَ الْيَمين انْقِطَاع الْخُصُومَة للْحَال مؤقتا إِلَى غَايَة إِحْضَار الْبَيِّنَة عِنْد الْعَامَّة وَهُوَ الصَّحِيح. وَقيل انقطاعها مُطلقًا ط. وَقَوله بعد الْيَمين مُتَعَلق بتقبل: أَي لَو حلف الْمُدعى عَلَيْهِ عِنْد عدم حُضُور الْبَيِّنَة من الْمُدَّعِي سَوَاء قَالَ لَا بَيِّنَة لي أَو لَا ثمَّ أَتَى بهَا تقبل. قَوْله:

стр. 615

(كَمَا تقبل الْبَيِّنَة بعد الْقَضَاء بِالنّكُولِ) أَي لَو نكل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن الْيَمين وَقضى عَلَيْهِ بِالنّكُولِ ثمَّ جَاءَ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ يقْضِي بهَا: أَي كَمَا يقْضِي بهَا مَعَ الاقرار فِي مسَائِل وَقد مرت، فَإِن قيل مَا فَائِدَة قبُولهَا بعده، وَقد لزم حق الْمُدَّعِي بِالْقضَاءِ. قلت: فائدتها التَّعَدِّي إِلَى غَيره فِي الرَّد بِالْعَيْبِ، لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ وَهُوَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَة. قَوْلُهُ: (خَانِيَةٌ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ لَا يَمْنَعُ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا يُبْطِلُهُ لِمَا فِي الْخَانِية من بَاب مَا يبطل دَعْوَى الْمُدَّعِي: رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَخَاصَمَ الْبَائِعُ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ الْعَيْب عِنْده فاستحلف فنكل فَقضى عَلَيْهِ وَأَلْزَمَهُ الْعَبْدَ ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ كُنْت تَبَرَّأْت إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْعَيْب وَأقَام الْبَيِّنَة قبلت بَينته. اهـ. أَقُولُ: إنْ كَانَ مَبْنَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَاعِدَةِ هُوَ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ نُكُولَهُ عَنْ الْحَلِفِ بَذْلٌ أَوْ إقْرَارٌ بِأَنَّ الْعَيْبَ عِنْدَهُ، فَإِقَامَتُهُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَهُ عَلَى أَنَّهُ تَبَرَّأَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْعَيْبِ مُؤَكِّدٌ لِمَا أَقَرَّ بِهِ فِي ضِمْنِ نُكُولِهِ، أَمَّا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَقَضَى عَلَيْهِ بِهِ يَكُونُ إقْرَارًا بِهِ وَحُكْمًا بِهِ، فَإِذَا بَرْهَنَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَضَاهُ إيَّاهُ يَكُونُ تَنَاقُضًا وَنَقْضًا لِلْحُكْمِ، فَبَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فرق، فَكيف تصبح قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْبَحْرِ فِي إقَامَةِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الخاني من هَذَا الْوَجْه أَيْضا. وَعبارَة صَاحب الْبَحْر فِي الاشياء: وَتسمع الدَّعْوَى بعد الْقَضَاء بِالنّكُولِ كَمَا فِي الْخَانِية. قَالَ محشيها الْحَمَوِيّ فِي الْخَانِيَّةِ فِي بَابِ مَا يُبْطِلُ دَعْوَى الْمُدَّعِي مَا يُخَالف مَا ذكره، وَعبارَته: ادّعى عبدا فِي يَد رجل أَنه لَهُ فَجحد الْمُدعى عَلَيْهِ فاستحلفه فنكل وَقضى عَلَيْهِ بِالنّكُولِ ثمَّ إِن المقضى عَلَيْهِ أَقَامَ الْبَيِّنَة أَنه كَانَ فَاشْترى هَذَا العَبْد من الْمُدَّعِي قبل دَعْوَاهُ لَا تقبل هَذِه الْبَيِّنَة، إِلَّا أَن يشْهد أَن كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بعد الْقَضَاء. وَذكر فِي مَوضِع آخر أَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَو قَالَ كنت اشْتَرَيْته مِنْهُ قبل الْخُصُومَة وَأقَام الْبَيِّنَة قبلت بَينته وَيَقْضِي لَهُ انْتهى. قلت: وَذكر فِي الْبَحْر فِي فصل رفع الدَّعْوَى عَن الْبَزَّازِيَّة: وَكَانَ يَصح الدّفع قبل الْبُرْهَان يَصح بعد إِقَامَته أَيْضا، وَكَذَا يَصح قبل الحكم كَمَا يَصح بعده، وَدفع الدّفع وَدفعه وَإِن كثر صَحِيح فِي الْمُخْتَار، وَسَنذكر تَمَامه هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. لَكِن ذكر فِي الْبَحْر فِي أول فصل دَعْوَى الخارجين عَن النِّهَايَة مَا نَصه: وَلَو لم يبرهنا حلف صَاحب الْيَد، فَإِن حلف لَهما تتْرك فِي يَده قَضَاء ترك لَا قَضَاء اسْتِحْقَاق، حَتَّى لَو أَقَامَا الْبَيِّنَة بعد ذَلِك يقْضِي بهَا، وَإِن نكل لَهما جَمِيعًا يقْضِي بِهِ بَينهمَا نِصْفَيْنِ، ثمَّ بعده إِذا أَقَامَ صَاحب الْيَد الْبَيِّنَة أَنه ملكه لَا يقبل، وَكَذَا لَو ادّعى أحد الْمُسْتَحقّين على صَاحبه وَأقَام بَيِّنَة أَنَّهَا ملكه لَا تقبل لكَونه صَار مقضيا عَلَيْهِ. اهـ. وَلَعَلَّه مَبْنِيّ على القَوْل الآخر الْمُقَابل لِلْقَوْلِ الْمُخْتَار. تَأمل. قَوْله: (عِنْد الْعَامَّة وَهُوَ الصَّحِيح) رَاجع إِلَى الْقَضَاء بِالْبَيِّنَةِ بعد الْيَمين بِدَلِيل تَعْلِيله بقول سيدنَا شُرَيْح: إِذْ لَا يَمِين فاجرة مَعَ النّكُول وبدليل قَوْله: ولان الْيَمين الخ وَالْمرَاد بالعامة الكافة لَا مَا قَابل الْخَاصَّة. قَوْله: (وَيظْهر كذبه) فيعاقب معاقبة شَاهد الزُّور، وَلَو ألحق بِيَمِينِهِ يَمِين طَلَاق أَو عتاق يَقع

стр. 616

عَلَيْهِ. قَوْله: (بِلَا سَبَب) تقدم أَنه لَا يَصح دَعْوَى إِلَّا بعد ذكر سَببه، وَالْحلف لَا بُد أَن يكون بعد صِحَة الدَّعْوَى. تَأمل. فَكيف يُقَال: لَو ادَّعَاهُ بِلَا سَبَب، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: إِن هَذَا فِي دَعْوَى عين لَا دين. قَوْله: (حَتَّى يَحْنَث فِي يَمِينه) أَي لَو كَانَ بِطَلَاق أَو عتاق لانه هُوَ الَّذِي يدْخل تَحت الْقَضَاء. قَوْله: (وَعَلِيهِ الْفَتْوَى) وَهُوَ قَول أبي يُوسُف. قَوْله: (طَلَاق الْخَانِية) وعبارتها: ادّعى عَلَيْهِ ألفا فَقَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ إِن كَانَ لَك عَليّ ألف فامرأتي طَالِق، وَقَالَ الْمُدَّعِي إِن لم يكن لي عَلَيْك ألف فامرأتي طَالِق، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة على حَقه وَقضى القَاضِي بِهِ وَفرق بَين الْمُدعى عَلَيْهِ وَبَين امْرَأَته. وَهَذَا قَول أبي يُوسُف وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مُحَمَّد، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى. فَإِن أَقَامَ الْمُدعى عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بعد ذَلِك أَنه كَانَ أوفاه ألف دِرْهَم تقبل دَعْوَاهُ، وَيبْطل تَفْرِيق القَاضِي بَين الْمُدعى عَلَيْهِ، وَبَين امْرَأَته، وَتطلق امْرَأَة الْمُدَّعِي إِن زعم أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا ألف دِرْهَم، وَإِن أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة على إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ بِأَلف قَالُوا لم يفرق القَاضِي بَين الْمُدعى عَلَيْهِ وَبَين امْرَأَته. أَقُول: ظهر لَك مِمَّا نَقَلْنَاهُ وَمن عبارَة الشَّارِح أَن عبارَة الشَّارِح غير محررة، لَان الَّذِي نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ طَلَاقِ الْخَانِيَّةِ والولجية مِنْ الْحِنْثِ مُطْلَقٌ عَنْ التَّقْيِيدِ بِالسَّبَبِ وَعَدَمِهِ. وَمَا فِي الدُّرَرِ مِنْ عَدَمِ الْحِنْثِ مُطْلَقًا جَعَلُوهُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَاَلَّذِي جَعَلُوا الْفَتْوَى عَلَيْهِ هُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ، وَهُوَ قَول أَبِي يُوسُف، وَالتَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ ذَكَرَهُ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَسَنذكر قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (خلافًا لاطلاق الدُّرَر) تبعا للتبيين، وعبارتها: وَهَلْ يَظْهَرُ كَذِبُ الْمُنْكِرِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؟ وَالصَّوَابُ أَنه لَا يظْهر كذبه حَتَّى لَا يُعَاقب عِقَاب شَاهد الزُّور اهـ. وَمثله فِي الْعَيْنِيّ تبعا للزيلعي. وَقيل عِنْد أبي يُوسُف: يظْهر كذبه، وَعند مُحَمَّد لَا يظْهر لجَوَاز أَن يكون لَهُ بَيِّنَة أَو شَهَادَة فنسيها ثمَّ ذكرهَا، أَو كَانَ لَا يعلمهَا ثمَّ علمهَا. وَقيل: تقبل إِن وفْق وفَاقا. ذكره فِي الْمُلْتَقط. وَكَذَا إِذا قَالَ لَا دَفْعَ لِي ثُمَّ أَتَى بِدَفْعٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. وَقيل: تقبل إِن وفْق وفَاقا. ذكره فِي الْمُلْتَقط. وَكَذَا إِذا قَالَ لَا دَفْعَ لِي ثُمَّ أَتَى بِدَفْعٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. وَقيل: لَا يَصح دَفعه اتِّفَاقًا لَان مَعْنَاهُ لَيْسَ لي دَعْوَى الدّفع، وَمن قَالَ لَا دَعْوَى لي قبل فلَان ثمَّ ادّعى عَلَيْهِ لَا تسمع، كَذَا هَا هُنَا. وَبَعْضهمْ قَالَ: يَصح وَهُوَ الاصح، لَان الدّفع يحصل بِالْبَيِّنَةِ على دَعْوَى الدّفع لَا بِدَعْوَى الدّفع فَيكون قَوْله لَا دفع لي بِمَنْزِلَة قَوْله لَا بَيِّنَة لي. كَذَا فِي الْعمادِيَّة. قَوْله: (وَإِن ادَّعَاهُ بِسَبَب) كقرض. قَوْله: (أَنه لَا دين عَلَيْهِ) ظَاهره أَنه لَو حلف أَنه لم يقْرضهُ يَحْنَث وَهُوَ ظَاهر ط. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَقَامَهَا الْمُدَّعِي) سَيُعِيدُ الشَّارِحُ الْمَسْأَلَةَ فِي أثْنَاء هَذَا الْبَاب. قَوْله: (ثمَّ وجد الابراء أَوْ الْإِيفَاءَ) بَحَثَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّابِتِ أَنْ يَبْقَى عَلَى ثُبُوتِهِ، وَقد حكمتهم لمن شهد لَهُ بشئ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، وَإِذَا وجد السَّبَب ثَبت والاصل بَقَاؤُهُ انْتهى. وَأجَاب عَنهُ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بِأَن إِثْبَات كَون الشئ لَهُ يُفِيدُ مِلْكِيَّتَهُ لَهُ فِي الزَّمَنِ السَّابِقِ، وَاسْتِصْحَابُ هَذَا الثَّابِتِ يَصْلُحُ لِدَفْعِ مَنْ يُعَارِضُهُ فِي الْمِلْكِيَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا لَهُ، وَقَدْ قَالُوا: الِاسْتِصْحَابُ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِلْإِثْبَاتِ، وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْحِنْثَ بِكَوْنِ الْأَصْلِ بَقَاءَ الْقَرْضِ يَكُونُ مِنْ الْإِثْبَاتِ بِالِاسْتِصْحَابِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ. فَتَأمل. قَوْله: (وَعَلِيهِ الْفَتْوَى) أَي على التَّفْصِيل الَّذِي فِي المُصَنّف، وَمُقَابِله إِطْلَاق الدُّرَر تبعا للزيلعي، بل هُوَ الَّذِي عَن إِطْلَاق الْخَانِية كَمَا يفِيدهُ سِيَاق الْمنح،

стр. 617

ويستغني بعبارته هُنَا عَن قَوْله أَولا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى. طَلَاق الْخَانِية ط. قَوْله: (فصولين) قَالَ فِي الْبَحْر وَفِي الْجَامِع: وَالْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة الدّين أَنه لَو ادَّعَاهُ بِلَا سَبَب فَحلف ثمَّ برهن ظهر كذبه، وَلَو ادَّعَاهُ بِسَبَب وَحلف أَنه لَا دين عَلَيْهِ ثمَّ برهن عَلَى السَّبَبِ لَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ، لِجَوَازِ أَنَّهُ وَجَدَ الْقَرْضَ ثُمَّ وَجَدَ الْإِبْرَاءَ أَوْ الْإِيفَاءَ اهـ. فَإِن قلت: هَل يقْضِي بِالنّكُولِ عَن الْيَمين لنفي التُّهْمَة كالامين إِذا ادّعى الرَّد أَو الْهَلَاك فَحلف وَنكل عَن الْيَمين الَّتِي للِاحْتِيَاط فِي مَال الْمَيِّت كَمَا قدمْنَاهُ؟. قلت: أما الاول فَنعم كَمَا فِي الْقنية، وَأما الثَّانِي فَلم أره إِ هـ. وَعبارَة الْبَحْر: قَالَ الرَّمْلِيّ: وَالْوَجْه يَقْتَضِي الْقَضَاء بِالنّكُولِ فِيهَا أَيْضا، إِذْ فَائِدَة الِاسْتِحْلَاف الْقَضَاء بِالنّكُولِ كَمَا هُوَ ظَاهر. تَأمل. قَالَ فِي نور الْعين: حلف أَن لادين عَلَيْهِ ثمَّ برهن عَلَيْهِ الْمُدَّعِي، فَعِنْدَ مُحَمَّد لَا يظْهر كذبة فِي يمنه إِذْ الْبَيِّنَة حجَّة من حَيْثُ الظَّاهِر، وَعند أبي يُوسُف يظْهر كذبه فَيحنث. وَالْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة الدّين: أَنه لَو ادَّعَاهُ بِلَا سَبَب فَحلف ثمَّ برهن عَلَيْهِ يظْهر كذبه، وَلَو ادَّعَاهُ بِسَبَب وَحلف أَن لَا دين عَلَيْهِ ثمَّ برهن على السَّبَب لَا يظْهر كذبه، لجَوَاز أَن وجد الْقَرْض ثمَّ وجد الايفاء أَو الابراء. قلت: حلف بطرق أَو عتق مَاله عَلَيْهِ شئ فشهدا عَلَيْهِ بدين لَهُ وألزمه القَاضِي وَهُوَ يُنكر. قَالَ أَبُو يُوسُف: يَحْنَث، وَقَالَ مُحَمَّد: لَا يَحْنَث لانه لَا يدْرِي لَعَلَّه صَادِق، وَالْبَيِّنَة حجَّة من حَيْثُ الظَّاهِر فَلَا يظْهر كذبه فِي يَمِينه. ذكر مُحَمَّد فِي ح قَالَ: امْرَأَته طَالِق إِن كَانَ لفُلَان عَلَيْهِ شئ فشهدا أَن فلَانا أقْرضهُ كَذَا قبل يَمِينه وَحكم بِالْمَالِ لم يَحْنَث، وَلَو شَهدا أَن لفُلَان عَلَيْهِ شَيْئا وَحكم بِهِ حنث لانه جعل شَرط حنثه وجوب شئ من المَال عَلَيْهِ، وَقت الْيَمين وَحين شَهدا بالقرض لم يظْهر كَون المَال عَلَيْهِ وَقت الْحلف، بِخِلَاف مَا لَو شَهدا أَن المَال عَلَيْهِ. يَقُول الحقير: قَوْله بِخِلَاف مَا لَو شَهدا مَحل نظر، إِذْ كَيفَ يظْهر كَون المَال عَلَيْهِ إِذا شَهدا بِأَن المَال عَلَيْهِ بعد أَن مر آنِفا أَن الْبَيِّنَة حجَّة ظَاهرا، فَلَا يظْهر كذبه فِي يَمِينه، وَأَيْضًا يرد عَلَيْهِ أَن يُقَال فعلى مَا ذكر، ثمَّ يَنْبَغِي أَن يَحْنَث فِي مَسْأَلَة الْحلف بِطَلَاق أَو عتق أَيْضا، إِذْ لَا شكّ أَن الْحلف عَلَيْهِمَا لَا يكون إِلَّا بطرِيق الشَّرْط أَيْضا. وَالْحَاصِل: أَنه يَنْبَغِي أَن يتحد حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ نفيا أَو إِثْبَاتًا، وَالْفرق تحكم فالعجب كل الْعجب من التَّنَاقُض بَين كَلَامي مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى مَعَ أَنه إِمَام ذَوي الادب والارب إِلَّا أَن تكون إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ غير صَحِيحَة إِ هـ. مَا قَالَه فِي أَوَاخِر الْخَامِس عشر. قَوْله: (وَلَا تَحْلِيف فِي نِكَاح) أَي مُجَرّد عَن المَال عِنْد الامام رَحمَه الله تَعَالَى بِأَن ادّعى رجل على امْرَأَة أَو هِيَ عَلَيْهِ نِكَاحا والاخر يُنكر، مَا إِذا ادَّعَت الْمَرْأَة تزَوجهَا على كَذَا وَادعت النَّفَقَة وَأنكر الزَّوْج يسْتَحْلف اتِّفَاقًا. وَهَذِه الْمسَائِل خلافية بَين الامام وصاحبيه، والخرف بَينهم مَبْنِيّ على تَفْسِير الانكار فَقَالَا: إِن النّكُول إِقْرَار لانه يدل على كَونه كَاذِبًا فِي الانكار فَكَانَ إِقْرَار أَو بَدَلا عَنهُ، والاقرار يجْرِي فِي هَذِه الاشياء. وَقَالَ الامام: إِنَّه بذل وَالْبدل لَا يجْرِي فِي هَذِه الاشياء لانه إِنَّمَا يجْرِي فِي الاعيان. وَفَائِدَة الِاسْتِحْلَاف الْقَضَاء بِالنّكُولِ، فَلَا يسْتَحْلف. وأنما قُلْنَا: إِن الْبَدَل لَا يجْرِي فِي هَذِه الْمسَائِل، لانها لَو قَالَت الْمَرْأَة: لَا نِكَاح بيني وَبَيْنك

стр. 618

وَلَكِن بذلت نَفسِي لَك لم يَصح، وَلَو قَالَ فِي دَعْوَى الْوَلَاء عَلَيْهِ: لست أَنا مَوْلَاهُ بل أَنا حر أَو مُعتق فلَان آخر وَلَكِن أبحت لَهُ ولائي لَا يكون لَهُ عَلَيْهِ وَلَاء، وَكَذَا سَائِر الامثلة. وَسَيَأْتِي بَيَانه قَرِيبا بأوضح من هَذَا. وَصُورَة الِاسْتِحْلَاف فِي النِّكَاح على قَوْلهمَا أَن يَقُول فِي يَمِينه: مَا هِيَ بِزَوْجَة لي، وَإِن كَانَت زَوْجَة لي فَهِيَ طَالِق بَائِن، لانها إِن كَانَت صَادِقَة لَا يبطل النِّكَاح بجحوده، فَإِذا حلف تبقى معطلة إِن لم يقل مَا ذكر، وَلَا يلْزمه مهر، فَإِن أَبى الْحلف على هَذِه الصُّورَة أجْبرهُ القَاضِي. بَحر عَن الْبَدَائِع. وَسَيَأْتِي أَنه بِالنّكُولِ عَن الْحلف يثبت مَا ادَّعَتْهُ من الصَدَاق أَو النَّفَقَة دون النِّكَاح. فَإِن كَانَ مدعي النِّكَاح وَهُوَ الزَّوْج لم يجز لَهُ تزوج أُخْتهَا أَو أَربع سواهَا مَا لم يطلقهَا وَإِن كَانَت الزَّوْجَة وَأنْكرهُ الزَّوْج فَلَيْسَ لَهَا التَّزَوُّج بسواه، والمخلص لهاما ذَكرْنَاهُ إِن كَانَت زَوْجَة لي الخ. وَفِي الْقنية: يسْتَحْلف فِي دَعْوَى الاقرار بِالنِّكَاحِ. قَالَ فِي الْبَحْر: وَظَاهره أَنه بِاتِّفَاق إِ هـ. أَقُول: وَهَذَا إِذا لم يَجْعَل الاقرار سَببا لدعوى النِّكَاح بِأَن ادّعى أَنَّهَا زَوجته لانها أقرَّت بِالزَّوْجِيَّةِ لي، أما لَو ادّعى نِكَاحهَا وَأَنَّهَا أقرَّت لَهُ بِهِ فَإِنَّهَا تسمع. قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة وكما لَا تصح دَعْوَى المَال بِسَبَب الاقرار لَا تصح دَعْوَى النِّكَاح أَيْضا. قَوْله: (أنكرهُ هُوَ أَو هِيَ) قَالَ فِي الْبَحْر: ثمَّ الدَّعْوَى فِي هَذِه الاشياء تتَصَوَّر من أحد الْخَصْمَيْنِ أَيهمَا كَانَ، إِلَّا فِي الْحَد وَاللّعان وَالِاسْتِيلَاد، وَقد فرعوا فروعا على قَول الامام فِي هَذِه الْمسَائِل مَحل بَيَانهَا المطولات. قَوْله: (بعدة عدَّة) قيد للثَّانِي كَمَا فِي الدُّرَر، أما قبل مُضِيّ الْعدة يثبت بقوله وَإِن كَذبته، لانه أَمر يملك استئنافه للْحَال، وَلَو ادعتها هِيَ فِيهَا فَهِيَ من مَوَاضِع الْخلاف، وَلَو ادَّعَاهَا بعد مضيها وصدقته ثَبت بتصادقهما. بَحر. وَلَو كَذبته وَلَا بَيِّنَة فعلى قوليهما يحلف لَا على قَوْله، وَهِي مَسْأَلَة الْمَتْن، وَكَذَا لَو ادَّعَت أَنه رَاجعهَا وكذبها. قَوْله: (وَفِي إِيلَاء) زَاد الشَّارِح لَفْظَة إِيلَاء لتوضيح الْمَسْأَلَة، وَإِلَّا فالفئ لَا يسْتَعْمل فِي عرف الْفُقَهَاء إِلَّا فِي الايلاء، فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة. قَوْله: (بعد الْمدَّة) لَو فِيهَا ثَبت بقوله لانه يملك الِاسْتِئْنَاف لَو كَانَ الْمُدَّعِي الزَّوْج وَلَو كَانَت هِيَ فَهِيَ من مَوَاضِع الْخلاف. وَصُورَة الْمَسْأَلَة: لَو حلف لَا يقر بهَا أَرْبَعَة أشهر ثمَّ قَالَ: فئت وَأنْكرت، فَلَو ادَّعَاهُ فِي مُدَّة الايلاء ثَبت بقوله، لَان من ملك الانشاء مَالك الاقرار، وَلَو بعد مضيها فَإِن صدقته ثَبت، وَإِلَّا لَا، أما لَو ادَّعَت أَنه فَاء إِلَيْهَا وَأنكر الزَّوْج فَلَا يثبت سَوَاء كَانَت فِي الْمدَّة أَو بعْدهَا. وَالْحَاصِل: أَن التَّقْيِيد بِهِ لَا يظْهر إِلَّا فِيمَا إِذا ادّعى عَلَيْهَا رَجْعَة فأنكرت، لانه إِذا ادّعى فِي الْعدة الرّجْعَة كَانَ رَجْعَة، وَأما إِذا ادَّعَت هِيَ الرّجْعَة فَأنْكر فَلَا لَان دَعْوَاهَا فِي الْعدة وَبعدهَا سَوَاء. قَوْلُهُ: (تَدَّعِيهِ الْأَمَةُ) بِأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا وَقَدْ مَاتَ أَوْ أَسْقَطَتْ سِقْطًا مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ وَصَارَت أم ولد وَأنْكرهُ الْمولى فَهُوَ على هَذَا الْخلاف. ابْن كَمَال. قَوْله: (لثُبُوته بِإِقْرَار) وَلَا يعْتَبر إنكارها وَكَذَا الْحَد وَاللّعان، بِخِلَاف سَائِر الاشياء الْمَذْكُورَة إِذْ يَتَأَتَّى فِيهَا الدَّعْوَى من الْجَانِبَيْنِ. شَيخنَا عَن الدُّرَر وعزمي زَاده. وَقَوله وَكَذَا الْحَد وَاللّعان: أَي لَا يتَصَوَّر أَن يكون الْمُدَّعِي إِلَّا الْمَقْذُوف والامة: أَي الْمَقْذُوف بِالنِّسْبَةِ للحد وَاللّعان والامة بِالنِّسْبَةِ للاستيلاد، فَمَا فِي الزَّيْلَعِيّ من قَوْله وَالْمولى سبق قلم، وَالصَّوَاب والامة. بَقِي أَن يُقَال: ظَاهر كَلَام الشَّارِح كَغَيْرِهِ أَنَّهَا ادَّعَت الِاسْتِيلَاد مُجَردا عَن دَعْوَى اعترافه، وَالَّذِي

стр. 619

فِي صدر الشَّرِيعَة ادَّعَت أَنَّهَا ولدت مِنْهُ هَذَا الْوَلَد وادعاه: أَي ادَّعَت أَنه ادَّعَاهُ فَهُوَ من تَتِمَّة كَلَامهَا كَمَا ذكره أخي جلبي. وَالَّذِي يظْهر أَن التَّقْيِيد بِهِ لَيْسَ احترازيا، بل يبتني على مَا هُوَ الْمَشْهُور من أَنه يشْتَرط لثُبُوت نسب ولد الامة وجود الدَّعْوَى من السَّيِّد، وعَلى غير الْمَشْهُور لَا يشْتَرط ذَلِك، بل يَكْفِي عدم نَفْيه. وَكَذَا ظَاهر كَلَامهم ادَّعَت أمة يُفِيد الِاحْتِرَاز عَن دَعْوَى الزوجه، وَيُخَالِفهُ قَول الْقُهسْتَانِيّ بعد قَول الْمَتْن واستيلاد بِأَن ادّعى أحد من الامة وَالْمولى وَالزَّوْجَة وَالزَّوْج أَنَّهَا ولدت مِنْهُ ولدا حَيا أَو مَيتا كَمَا فِي قاضيخان. وَلَكِن فِي الْمَشَاهِير أَن دَعْوَى الزَّوْج وَالْمولى لَا تتَصَوَّر، لَان النّسَب يثبت بِإِقْرَارِهِ، وَلَا عِبْرَة لانكارها بعده، وَيُمكن أَن يُقَال: إِنَّه بِحَسب الظَّاهِر لم يدع النّسَب كَمَا يدل عَلَيْهِ تصويرهم. اهـ. أَبُو السُّعُود. قَالَ البرجندي: وَيُمكن تَصْوِير الْعَكْس فِيهِ أَيْضا بِأَن حبلت من الْمولى فَأعْتقهَا قبل وضع الْحمل وَبعد قرب الْولادَة قتلت الْوَلَد، وَادّعى الْمولى دِيَة الْوَلَد عَلَيْهَا، وَلَا بُد من ثُبُوت الْوَلَد فأنكرت الامة ذَلِك اهـ. وَفِيه تَأمل. قَوْله: (وَنسب) قَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ وَوِلَادٍ قَالَ فِي الْحَقَائِقِ: لَمْ يَقُلْ وَنَسَبٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحْلَفُ فِي النَّسَبِ الْمُجَرَّدِ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْأَبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ. ابْن كَمَال. قَوْله: (وَبِالْعَكْسِ) بِأَن ادّعى مَجْهُول الْحَال على رجل أَنه مَوْلَاهُ وَأنكر الْمولى أَو ادّعى مَجْهُول الْحَال عَلَيْهِ أَنه أَبوهُ، وَهَذَا فِي دَعْوَى نسب مُجَرّد عَن المَال، أما إِذا ادّعى مَالا بِدَعْوَى النّسَب بِأَن ادّعى رجل على رجل أَنه أَخُوهُ وَقد مَاتَ الاب وَترك مَالا فِي يَد هَذَا، وَطلب الْمِيرَاث أَو ادّعى على رجل أَنه أَخُوهُ لابيه وَطلب من القَاضِي أَن يفْرض لَهُ النَّفَقَة، وَأنكر الْمُدعى عَلَيْهِ ذَلِك فَالْقَاضِي يحلفهُ اتِّفَاقًا، فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ الْحَقُّ، وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ فعلى الْخلاف الْمَذْكُور، وَحِينَئِذٍ فيلغز: أَيُّ شَخْصٍ أَخَذَ الْإِرْثَ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ. ط عَن الْحَمَوِيّ بِزِيَادَة: وَفِيه عَن الاتقاني: يثبت الِاسْتِحْلَاف عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد فِي النّسَب الْمُجَرّد بِدُونِ دَعْوَى حق آخر، وَلَكِن يشْتَرط أَن يثبت النّسَب بِإِقْرَار الْمقر: أَي يكون النّسَب بِحَيْثُ يثبت بالاقرار. أما إِذا كَانَ بِحَيْثُ لَا يثبت النّسَب بِإِقْرَار الْمقر فَلَا يجْرِي الِاسْتِحْلَاف فِي النّسَب الْمُجَرّد عِنْدهمَا أَيْضا، بَيَانه أَن إِقْرَار الرجل يَصح بِخَمْسَة بالوالدين وَالْولد وَالزَّوْجَة وَالْمولى، لانه إِقْرَار بِمَا يلْزمه وَلَيْسَ فِيهِ تحميل النّسَب على الْغَيْر، وَلَا يَصح إِقْرَاره بِمَا سواهُم، وَيصِح إِقْرَار الْمَرْأَة بأَرْبعَة بالوالدين وَالزَّوْج وَالْمولى وَلَا يَصح بِالْوَلَدِ وَمن سوى هَؤُلَاءِ، لَان فِيهِ تحميل النّسَب على الْغَيْر، إِلَّا إِذا صدقهَا الزَّوْج فِي إِقْرَارهَا بِالْوَلَدِ أَو تشهد بِوِلَادَة الْوَلَد قَابِلَة. قَوْله: (وَوَلَاء عتاقة) أَيْ بِأَنْ ادَّعَى عَلَى مَعْرُوفِ الرِّقِّ أَنَّهُ مُعْتقه أَو مَوْلَاهُ. قَوْله: (أَو مُوالَاة) أَي ادّعى عَلَيْهِ أَنه مَوْلَاهُ. قَوْله: (ادَّعَاهُ الاعلى أَو الاسفل) بِأَن ادّعى على رجل مَعْرُوف أَنه مَوْلَاهُ أَو ادّعى الْمَعْرُوف ذَلِك وَأنكر الآخر. قَالَ أَبُو السُّعُود: وَأَشَارَ إِلَى عدم الْفرق فِي دَعْوَى الْوَلَاء بَين الْمَعْرُوف والمجهول، بِخِلَاف دَعْوَى الرّقّ وَالنّسب فَإِن مجهولية نسب الْمُدَّعِي على رقّه، وَنسبه شَرط صِحَة الدَّعْوَى شَيخنَا. قلت: وَلِهَذَا قَالَ الشمني فِي جَانب دَعْوَى الْوَلَاء بِأَن ادّعى رجل على آخر بِأَن لَهُ عَلَيْهِ وَلَاء عتاقة أَو مُوالَاة أَو الْعَكْس. اهـ. وَلم يُقيد بِالْمَجْهُولِ. قَوْله: (وحد ولعان) هَذَانِ مِمَّا لَا يحلف فيهمَا اتِّفَاقًا، أما على قَول الامام فَظَاهر، وَأما على قَوْلهمَا فَإِن النّكُول وَإِن كَانَ إِقْرَارا عِنْدهمَا لكنه إِقْرَار فِيهِ شُبْهَة، وَالْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ وَاللّعان فِي معنى الْحَد ط. قَوْله: (وَالْفَتْوَى الخ) هُوَ قَول

стр. 620

الصاحبين. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْإِمَامِ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عِنْدَهُمَا. قَوْلُهُ: (فِي الْأَشْيَاءِ السَّبْعَةِ) أَيْ السَّبْعَةِ الْأُولَى مِنْ التِّسْعَة، وَعبر عَنْهَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ بالاشياء السَّبْعَة. وَفِيه ادّعى نِكَاحهَا، فحيلة دفع الْيَمين عَنْهَا على قَوْلهمَا أَن تتَزَوَّج فَلَا تحلف، لانها لَو نكلت فَلَا يحكم عَلَيْهَا، لانها لَو أقرَّت بعد مَا تزوجت لم يجز إِقْرَارهَا. وَكَذَا لَو أقرَّت بِنِكَاح لغَائِب: قيل يَصح إِقْرَارهَا لَكِن يبطل بالتكذيب، ويندفع عَنْهَا الْيَمين، وَقيل لَا يَصح إِقْرَارهَا فَلَا ينْدَفع عَنْهَا الْيَمين. اهـ. وَفِي الْوَلوالجِيَّة: رجل تزوج امْرَأَة بِشَهَادَة شَاهِدين ثمَّ أنْكرت وَتَزَوَّجت بآخر وَمَا شُهُود الاول لَيْسَ للزَّوْج الاول أَن يخاصمها لانها للتحليف، وَالْمَقْصُود مِنْهُ النّكُول، وَلَو أقرَّت صَرِيحًا لم يجز إِقْرَارهَا، لَكِن يُخَاصم الزَّوْج الثَّانِي ويحلفه، فَإِن حلف برِئ وَإِن نكل فَلهُ أَن يخاصمها ويحلفها، فَإِن نكلت يقْضِي بهَا للْمُدَّعِي، وَهَذَا الْجَواب على قَوْلهمَا الْمُفْتى بِهِ. اهـ. قَوْله: (بِالنّسَبِ) نظرا إِلَى دَعْوَى الامة. قَوْله: (أَو الرّقّ) نظرا إِلَى إِنْكَار الْمولى. قَوْله: (حد قذف ولعان) بِأَن ادَّعَت الْمَرْأَة على زَوجهَا أَنه قَذفهَا بِالزِّنَا وَعَلَيْك اللّعان وَهُوَ مُنكر، وَفِي الْحَد بِأَن ادّعى على آخر بأنك قد قذفتني بِالزِّنَا عَلَيْك الْحَد وَهُوَ يُنكر، وَهَاتَانِ الصورتان مِمَّا لَا يُمكن تصويرهما إِلَّا من جَانب وَاحِد كَمَا تقدم. قَوْله: (فِي الْكل) لَان هَذِه حُقُوق تثبت بِالشُّبُهَاتِ فَيجْرِي فِيهَا الِاسْتِحْلَاف كالاموال، وَاخْتَارَ الْمُتَأَخّرُونَ أَنه إِن كَانَ الْمُنكر مُتَعَنتًا يسْتَحْلف أخذا بقولهمَا، وَإِن كَانَ مَظْلُوما لَا يسْتَحْلف أخذا بقول الامام زَيْلَعِيّ. صُورَة الِاسْتِحْلَاف على قَوْلهمَا كَمَا تقدم: مَا هِيَ بِزَوْجَة لي، وَإِن كَانَت زَوْجَة لي فَهِيَ طَالِق بَائِن إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ. وَقَالَ بَعضهم: يسْتَحْلف على النِّكَاح، فَإِن حلف يَقُول القَاضِي فرقت بَيْنكُمَا كَمَا فِي الْبَدَائِع قَوْله: (فَلَا يَمِين إِجْمَاعًا) يرد عَلَيْهِ مَا فِي الْبَدَائِع من قَوْله: وَأما فِي دَعْوَى الْقَذْف إِذا حلف على ظَاهر الرِّوَايَة فنكل يقْضِي بِالْحَدِّ فِي ظَاهر الاقاويل، لانه بِمَنْزِلَة الْقصاص فِي الطّرف عِنْد أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَة النَّفس. وَقَالَ بَعضهم: بِمَنْزِلَة سَائِر الْحُدُود لَا يقْضِي فِيهِ بشئ وَلَا يحلف. وَقيل يحلف وَيَقْضِي فِيهِ بالتعزير دون الْحَد كَمَا فِي السّرقَة يحلف وَيَقْضِي بِالْمَالِ دون الْقطع. شرنبلالية. قَوْله: (إِلَّا إِذا تضمن) أَي دَعْوَى الْحَد حَقًا: أَي حق عبد. قَوْله: (بِأَن علق) كَأَن قَالَ: إِن زَنَيْت فَعَبْدي حر فَادّعى العَبْد زِنَاهُ وَأنكر حَقًا: أَي حق عبد. قَوْله: (فللعبد تَحْلِيفه) أَي على السَّبَب بِاللَّه مَا زَنَيْت بَعْدَمَا حَلَفت بِعِتْق عَبدك هَذَا. بَحر. قَالَ الْعَلامَة سعدي: وَيَنْبَغِي أَن يَقُول العَبْد أَنه قد أَتَى بِمَا علق عيه عتقي وَلَا يَقُول زنى كَيْلا يكون قَاذِفا إِ هـ. قَالَ الرحمتي وَلَا حد على العَبْد لانه غير قَاصد الْقَذْف وَإِنَّمَا يُرِيد إِثْبَات عتقه. قَوْله: (وَكَذَا يسْتَخْلف السارف لاجل المَال) يَعْنِي كَمَا أَن مولى العَبْد يسْتَحْلف على الزِّنَا لاجل عتق العَبْد لَا لاقامة الْحَد. كَذَا يسْتَحْلف السَّارِق لاجل المَال لَا للْقطع. قَالَ ط: هُوَ من جملَة المستثني، قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى: لَا يسْتَخْلف فِي شئ من الْحُدُود، لَا فِي الزِّنَا وَلَا فِي السّرقَة وَلَا الْقَذْف وَلَا شرب الْخمر وَلَا السكر، إِلَّا إِن طَالب الْمَسْرُوق مِنْهُ بِضَمَان المَال استحلفه، فَإِن نكل على الْيَمين ضمنه المَال وَلم يقطعهُ، وَذَلِكَ لَان الدَّعْوَى تَتَضَمَّن أَمريْن: الضَّمَان، وَالْقطع، وَالضَّمان لَا يَسْتَوْفِي النّكُول فَوَجَبَ إِثْبَات أَحدهمَا وَإِسْقَاط الآخر إِ هـ. وَكَذَا يحلف فِي النِّكَاح إِن ادَّعَت المَال: أَي

стр. 621

إنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ وَغَرَضُهَا الْمَالُ كَالْمَهْرِ وَالنَّفقَة فَأنْكر الزَّوْج يحلف، فَإِن نكل يلْزم الْمَالُ وَلَا يَثْبُتُ الْحِلُّ عِنْدَهُ، لِأَنَّ الْمَالَ يثبت بالبذل لَا الْحِلِّ. وَفِي النَّسَبِ: إذَا ادَّعَى حَقًّا مَالًا كَانَ كَالْإِرْثِ وَالنَّفَقَةِ أَوْ غَيْرَ مَالٍ كَحَقِّ الْحَضَانَةِ فِي اللَّقِيطِ وَالْعِتْقِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَامْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ: فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ الْحَقُّ، وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ فَعَلَى الْخلاف الْمَذْكُور، وَكَذَا مُنكر الْقود إلَخْ. ابْنُ كَمَالٍ. وَإِنْكَارُ الْقَوَدِ سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ. وَفِي صدر الشَّرِيعَة فيلغز: أما امْرَأَةٍ تَأْخُذُ نَفَقَةً غَيْرَ مُعْتَدَّةٍ وَلَا حَائِضَةٍ وَلَا نفسَاء وَلَا يحل وَطْؤُهَا، وَفِيه يلغز اللغز الْمُتَقَدّم. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَحْلِيفَ فِيهَا عِنْدَ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَدَّعِ مَعَهَا مَالًا فَإِنَّهُ يحلف وفَاقا. قَوْله: (لاجل المَال) أَي بِطَلَب الْمَسْرُوق مِنْهُ، فَلَو لن يطْلب المَال لَا يحلف لَان الْيَمين لَا تلْزم إِلَّا بِطَلَب الْخصم. قَوْله: (فَإِن نكل ضمن وَلَمْ يُقْطَعْ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ قَطْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ بَدَلٌ كَمَا فِي قَوَدِ الطَّرَفِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ النُّكُولَ فِي قطع الطّرف النّكُول فِي السَّرِقَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّحِدَا فِي إيجَابِ الْقطع، وَعَدَمه، وَيُمكن الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوَدَ الطَّرَفِ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ كَالْأَمْوَالِ، بِخِلَافِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ فَظهر الْفرق، فَلْيتَأَمَّل. يعقوبية. قَوْله: (وَقَالُوا يسْتَحْلف فِي التَّعْزِيرِ) . لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّ الْعَبْدِ، وَلِهَذَا يملك العَبْد بإسقاطه بِالْعَفو وَحُقُوق الْعباد مَبْنِيَّة على المشاحة لَا تسْقط بِالشُّبْهَةِ، فَلَو كَانَ التَّعْزِير لمحض حق الله تَعَالَى كَمَا لَو ادّعى عَلَيْهِ أَنه قبل امْرَأَة بِرِضَاهَا: فَإِنَّهُ إِذا أثبت عَلَيْهِ ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ يعزران، وَإِذا أنكر يَنْبَغِي أَن لَا يستحلفا. قَوْله: (كَمَا بَسطه فِي الدُّرَر) وَنَصه: وَيحلف فِي التَّعْزِير: يَعْنِي إِذا ادّعى على آخر مَا يُوجب التَّعْزِير، وَأَرَادَ تَحْلِيفه إِذا أنكر فَالْقَاضِي يحلفهُ، لَان التَّعْزِير مَحْضُ حَقِّ الْعَبْدِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ إسْقَاطَهُ بِالْعَفو وَلَا يمْنَع الصغر وُجُوبه، وَمن عَلَيْهِ التَّعْزِير إِذا أمكن صَاحب الْحق مِنْهُ أَقَامَهُ، لَو كَانَ حق الله تَعَالَى لكَانَتْ هَذِه الاحكام على عكس هَذَا، والاستحلاف يجْرِي فِي حُقُوق الْعباد سَوَاء كَانَت عُقُوبَة أَو مَالا إِ هـ. وتعليله هُنَا: بِأَن التَّعْزِير مَحْض حق العَبْد مُخَالف لما سبق لَهُ فِي فصل التَّعْزِير أَن حق العَبْد غَالب فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ عزمي زَاده: بَين كَلَامه تدفع إِ هـ. قلت: لَا يَخْلُو حق العَبْد من حق الله فَلَا يسْتَقلّ عبد بِحَق، لَان الَّذِي جعله حَقه هُوَ الْحق تَعَالَى الْآمِر الناهي، فَكَلَامه الثَّانِي مؤول بالاول. قَوْله: (وَفِي الْفُصُول) قدمنَا هَذِه الْمَسْأَلَة قَرِيبا بأوضح مِمَّا هُنَا مَعَ فروع أخر. قَوْله: (فحيلة دفع يَمِينهَا) أَي على قَوْلهمَا. قَوْله: (أَن تتَزَوَّج) أَي بآخر. قَوْله: (فَلَا تحلف) لانها لَو نكلت لَا يحكم عَلَيْهَا وَلَو أقرَّت بَعْدَمَا تزوجت لم يجز إِقْرَارهَا، وَكَذَا لَو أقرَّت بِنِكَاح غَائِب فَإِنَّهُ يَصح إِقْرَارهَا على أحد قَوْلَيْنِ، وَلَكِن يبطل بالتكذيب وتندفع عَنْهَا الْيَمين. قَالَ بعض الافاضل: هَذِه الْحِيلَة ظَاهِرَة لَو تزوجته، أما لَو تزوجت غَيره فَالظَّاهِر عدم صِحَة العقد إِلَّا إِذا حَلَفت نعم لَو تزوجت قبل الرّفْع إِلَى القَاضِي رُبمَا يظْهر. اهـ. تَأمل. قَوْلُهُ: (فِي إحْدَى وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً)

стр. 622

تقدّمت فِي الْوَقْف وَذكرهَا فِي الْبَحْر هُنَا. قَوْله: (فِي الِاسْتِحْلَاف) يَعْنِي يجوز أَن يكون شخص نَائِبا عَن آخر لَهُ حق على غَيره فِي طلب الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة، فالسين وَالتَّاء فِي قَوْله الِاسْتِحْلَاف للطلب كَمَا يفِيدهُ كَلَامه بعد، وَهَذَا الَّذِي ذكره المُصَنّف ضَابِط كلي، أَفَادَهُ عماد الدّين فِي فصوله فِي مَوَاضِع إِجْمَالا تَارَة وتفصيلا أُخْرَى فِي الْفَصْل السَّادِس عشر، وَالْمُصَنّف لخصه كَمَا نرى. وَابْن قَاضِي سماوة لخصه فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ أخصر مِنْهُ كَمَا هُوَ دأبه، وَهَذَا من الْمسَائِل الَّتِي أوردهَا المُصَنّف فِي كِتَابه، وَلم يُؤْت بهَا فِي الْمُتُون الْمَشْهُور سوى الْغرَر، وَلَيْسَ فِي كَلَامه مَا يُخَالف الاصل إِلَّا فِي تَعْمِيم الشَّارِح ضمير إِقْرَار فَفِيهِ نوع حزازة، لَان كلا من الْوَصِيّ وَمن بعده لَيْسُوا كَالْوَكِيلِ فِي صِحَة إقرارهم تَارَة وَعدمهَا أُخْرَى، وَأَيْضًا لَيْسَ الْوَكِيل مُطلقًا كَذَلِك كَمَا أَفَادَهُ التَّقْيِيد. فَلَو قَالَ: إِلَّا إِذا كَانَ الْوَكِيل وَكيلا بِالْبيعِ أَو الْخُصُومَة فِي الرَّد بِالْعَيْبِ لصِحَّة إِقْرَاره بدل قَوْله: أَو صَحَّ إِقْرَاره الخ لَكَانَ سالما، ثمَّ إِنَّه لَا يلْزم من عدم التَّحْلِيف عدم سَماع الدَّعْوَى، بل يَجْعَل كل مِنْهُم خصما فِي حق سَماع الدَّعْوَى وَإِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ من غير استحلاف كَمَا فِي الْعمادِيَّة. قَوْله: (لَا الْحلف) يَعْنِي لَا يجوز أَن يكون شخص نَائِبا عَن شخص توجه عَلَيْهِ الْيَمين ليحلف من قبله، وَيُخَالِفهُ مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ مِنْ أَنَّ الاخرس الاصم الاعمى يحلف وليه عَنهُ، وَهُوَ الْمُسْتَثْنى من الضَّابِط الْمَذْكُور كَمَا صرح بِهِ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود. قَوْله: (وَفرع على الاول) الاولى إِسْقَاطه وَأَن يَقُول: وَفرع عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَار الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ، فعلى الاول قَوْله فالوكيل الخ وعَلى الثَّانِي قَوْله فَلَا يحلف أحد مِنْهُم. قَوْله: (فَلهُ طلب) أَي ظَاهرا، وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَة خَصمه الاصيل. قَوْله: (وَلَا يحلف) لَو قَالَ: وَفَرَّعَ عَلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَلَا يَحْلِفُ إلَخْ لَكَانَ أسبك. قَوْله: (أحد مِنْهُم) أَشَارَ بذلك إِلَى جَوَاب مَا يرد على قَوْله يملك الِاسْتِحْلَاف حَيْثُ وَقع خَبرا عَن قَوْله فالوكيل الخ حَيْثُ وَقع خَبرا عَن الْمُبْتَدَأ وَمَا عطف عَلَيْهِ، وَهُوَ جملَة فَيجب اشتماله على ضمير مُطَابق، فَيُقَال: يملكُونَ وَلَا يحلفُونَ، فَأجَاب بِأَنَّهُ مؤول: أَي يملك كل وَاحِد مِنْهُم الِاسْتِحْلَاف وَلَا يحلف، وكما يَصح التَّأْوِيل فِي الْخَبَر يَصح فِي الْمُبْتَدَأ، والسر فِي أَنه يملك الِاسْتِحْلَاف، وَلَا يحلف أحد مِنْهُم، وَذَلِكَ أَن الْوَكِيل وَمَا عطف عَلَيْهِ لما كَانَ لَهُ الطّلب وَقد عجز عَن الْبَيِّنَة فَيحلف خَصمه، إِذْ لَا مَانع من ذَلِك. وَأما إِذا ادّعى عَلَيْهِم فَإِن الْحلف يقْصد بِهِ النّكُول ليقضي بِهِ، والنكول إِقْرَار أَو بذل كَمَا علم، وَلَا يملك وَاحِد مِنْهُم الاقرار على الاصيل وَلَا بذل مَاله وَهُوَ نَائِب فِي الدَّعْوَى قد يعلم حَقِيقَتهَا وَقد لَا يعلم، فَكيف يحلف على مَا لَا علم لَهُ بِهِ؟ تَأمل. قَوْله: (إِلَّا إِذا ادّعى عَلَيْهِ العقد) أَي عقد بيع أَو شِرَاء أَو إِجَارَة، لانه يكون حِينَئِذٍ أصلا فِي الْحُقُوق فَتكون الْيَمين متجهة عَلَيْهِ لَا على الاصيل، فَلَا نِيَابَة فِي الْحلف فالاستثناء مُنْقَطع، وَهُوَ شَامِل للاربعة. وَالْمرَاد بِالْعقدِ مَا ذكر، أما عقد النِّكَاح فَغير مُرَاد هُنَا لَان الشَّارِح قدم أَنه لَا تَحْلِيف فِي تَزْوِيجِ الْبِنْتِ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، وَعِنْدَهُمَا: يُسْتَحْلَفُ الاب الصَّغِير. تَأمل. أَفَادَهُ الْخَيْر الرَّمْلِيّ. قَوْله: (أَو صَحَّ إِقْرَاره) مُخْتَصّ بالوكيل فَقَط كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله كَالْوَكِيلِ الخ. قَوْله: (فيستحلف) الاولى فِي الْمُقَابلَة فَيحلف. قَوْله: (حِينَئِذٍ) لَا حَاجَة إِلَيْهِ. قَوْله: (كَالْوَكِيلِ بِالْبيعِ) هُوَ دَاخل تَحت قَوْله إِذا ادّعى عَلَيْهِ العقد فَكَانَ الاول مغنيا عَنهُ. تَأمل. نعم كَانَ الاولى بِهَذَا

стр. 623

الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ، فَإِنَّهُ يَصح إِقْرَاره على الْمُوكل، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يسْتَحْلف على مُقْتَضى قَوْله أَو صَحَّ إِقْرَاره وَلَيْسَ كَذَلِك. بَقِيَ هَلْ يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْعِلْمِ أَوْ عَلَى الْبَتَاتِ؟ ذُكِرَ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ نور الْعين: أَنه الْوَصِيَّ إذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَعِيبٌ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ. اهـ. فَتَأَمّله. وَالْحَاصِل: أَن كل من يَصح إِقْرَاره كَالْوَكِيلِ يَصح استحلافه، بِخِلَاف من لَا يَصح إِقْرَاره كالوصي. قَوْله: (فَإِن إِقْرَاره صَحِيح) لم يبين إِقْرَاره بِأَيّ شئ. وليحرر. ط. أَقُول: الظَّاهِر أَن إِقْرَاره فِيمَا هُوَ من حُقُوق العقد كالاقرار بِعَيْب أَو أجل أَو خِيَار للْمُشْتَرِي. قَوْله: (إِلَّا فِي ثَلَاث ذكرهَا) هِيَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا وَجَدَ بِالْمُشْتَرَى عَيْبًا فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ وَأَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِالْعَيْبِ لَا يحلف، فَإِن أَقَرَّ الْوَكِيلُ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَيَبْطُلُ حَقُّ الرَّدِّ. الثَّانِيَةُ: لَوْ ادَّعَى عَلَى الْآمِرِ رِضَاهُ لَا يَحْلِفُ، وَإِنْ أَقَرَّ لَزِمَهُ. الثَّالِثَةُ: الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا ادَّعَى الْمَدْيُونُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَبْرَأهُ عَن الدّين وَطلب يَمِين الْوَكِيل على الْعلم لَا يحلف وَإِن أقرّ بِهِ لزمَه. اهـ. منح قَوْلُهُ: (وَالصَّوَابُ فِي أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ) أَيْ بِضَمِّ الثَّلَاثَة إِلَى مَا فِي الْخَانِية، لَكِن الاوى مِنْهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْخَانِيَّةِ. قَوْلُهُ: (لِابْنِ الْمُصَنِّفِ) وَهُوَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ عَبْدُ الْقَادِرِ وَهُوَ صَاحِبُ تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ وَأَخُوهُ الشَّيْخُ صَالِحٌ صَاحِبُ الزواهر. قَوْله: (وَلَوْلَا خشيَة التَّطْوِيل لاوردتها كلهَا) هَذِه ونظائرها تَقْتَضِي أَنه لم يقدمهَا وَأَخَوَاتهَا قبيل الْبيُوع، مَعَ أَن ذكرهَا هُنَاكَ لَا مُنَاسبَة لَهُ، وَهُوَ مَفْقُود فِي بعض النّسخ الصَّحِيحَة، وَلَعَلَّ الشَّارِح جمعهَا فِي ذَلِك الْمحل بعد تتميم الْكتاب وَبَلغت هُنَاكَ إِحْدَى وَسِتِّينَ مَسْأَلَة. مسَائِل الْخَانِية إِحْدَى وَثَلَاثُونَ، ومسائل الْخُلَاصَة ثَلَاث، ومسائل الْبَحْر سِتَّة، وَزِيَادَة تنوير البصائر أَرْبَعَة عشر، وَزِيَادَة زواهر الْجَوَاهِر سَبْعَة، وَزَاد عَلَيْهَا سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى ثَمَان مسَائِل من جَامع الْفُصُولَيْنِ فَصَارَت تِسْعَة وَسِتِّينَ، فَرَاجعهَا ثمَّة إِن شِئْت فِي آخر كتاب الْوَقْف قبيل الْبيُوع. قَوْله: (أَي الْقطع) فِي بعض كتب الْفِقْه الْبَتّ بدل الْبَتَات وَهُوَ أولى. وَقد ذكر فِي الْقَامُوس أَن الْبَتّ: الْقطع، وَأَن الْبَتَات: الزَّاد والجهاز ومتاع الْبَيْت، والجميع أبتة ط. قَوْله: (بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك) هَذَا فِي النَّفْي أَو أَنه كَذَلِك فِي الاثبات. قَوْله: (على الْعلم) أَي على نَفْيه. قَوْله: (لعدم علمه بِمَا فعل غير ظَاهرا) فَلَو حلف على الْبَتَات لامتنع عَن الْيَمين مَعَ كَونه صَادِقا فيتضرر بِهِ، فطولب بِالْعلمِ فَإِذا لم يقبل مَعَ الامكان صَار باذلا أَو مقرا، وَهَذَا أصل مُقَرر عِنْد أَئِمَّتنَا. دُرَر. قَوْله: (يتَّصل بِهِ) أَي يتَعَلَّق حكمه بِهِ بِحَيْثُ يعود إِلَى فعله. قَوْلُهُ: (أَوْ إبَاقَهُ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِبَاقِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي الْإِبَاقَ الْكَائِنَ

стр. 624

عِنْدَهُ، إذْ لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ لَا يلْزمه شئ، لِأَنَّ الْإِبَاقَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْمُعَاوَدَةِ، بِأَنْ يُثْبِتَ وُجُودَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كِلَاهُمَا فِي صِغَرِهِ أَوْ كِبَرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَحَلِّهِ. أَبُو السُّعُودِ. وَفِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ قَوْلُهُ: يَحْلِفُ على الْبَتَات بِاللَّه مَا أبق. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ بِاَللَّهِ مَا عَلَيْك حق الرَّدُّ، فَإِنَّ فِي الْحَلِفِ عَلَى السَّبَبِ يَتَضَرَّرُ البَائِع أَو قد يبرأ المُشْتَرِي عَن الْعَيْب. قَوْله: (وَأثبت ذَلِك) أَي على مَا سبق فِي مَحَله من وجوده عِنْد البَائِع ثمَّ عِنْد المُشْتَرِي الخ. قَوْله: (يحلف البَائِع على الْبَتَات) يَعْنِي أَنَّ مُشْتَرِيَ الْعَبْدِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ آبِقٌ وَأَثْبَتَ إبَاقَهُ أَوْ سَرِقَتَهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ أَبَقَ أَوْ سَرَقَ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَأَرَادَ التَّحْلِيفَ يَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ بِاَللَّهِ مَا سَرَقَ فِي يَدِك، وَهَذَا تَحْلِيفٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ. دُرَر. قَوْله: (فَرجع إِلَى فعل نَفسه) وَهُوَ تَسْلِيمه سليما. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا آكَدُ) أَيْ لِأَنَّ يَمِينَ الْبَتَاتِ آكِد من يَمِين الْعلم حَيْثُ جزم فِي الاولى، وَلم يجْزم فِي الثَّانِيَة، مَعَ أَن فِي الاولى إِنَّمَا حلف على علمه أَيْضا، إِذْ غَلَبَة الظَّن تبيح لَهُ الْحلف، لكنه إِذا جزم بهَا كَانَت آكِد صُورَة. قَوْله: (وَلذَا تعْتَبر مُطلقًا) أَي فِي فعل نَفسه وَفعل غَيره، فَلَو حلف على الْبَتَات فِي فعل غَيره أَجزَأَهُ بالاولى لانه قد أَتَى بالآكد. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْعَكْسِ) يَعْنِي أَنَّ يَمِينَ الْعِلْمِ لَا تَكْفِي فِي فعل نَفسه ح. قَالَ فِي الْبَحْر: ثمَّ فِي كل مَوضِع وَجَبت فِيهِ الْيَمين عَلَى الْعِلْمِ فَحَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ كَفَى وَسَقَطَتْ عَنْهُ، وَعَلَى عَكْسِهِ لَا، وَلَا يُقْضَى بِنُكُولِهِ عَمَّا لَيْسَ وَاجِبا عَلَيْهِ. اهـ. قَالَ فِي الدُّرَر: وَاعْلَم أَن فِي كل مَوضِع الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْبَتَاتِ فَحَلَفَ عَلَى الْعِلْمِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا حَتَّى لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنّكُولِ وَلَا يَسْقُطُ الْيَمِينُ عَنْهُ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْعِلْمِ فَحَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ يُعْتَبَرُ الْيَمِينُ حَتَّى يَسْقُطَ الْيَمِينُ عَنْهُ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْبَتَات آكِد فَيعْتَبر مُطلقًا، بِخِلَاف الْعَكْس. ذكره الزَّيْلَعِيّ. اهـ. وَاسْتشْكل الثَّانِي الْعِمَادِيّ. قَالَ الرَّمْلِيّ: وَجه الاشكال أَنه كَيفَ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ إلَى الْبَتِّ وَيَزُولُ الْإِشْكَالُ بِأَنَّهُ مُسْقِطٌ لِلْيَمِينِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، فَاعْتُبِرَ فَيَكُونُ قَضَاءً بَعْدَ نُكُولٍ عَنْ يَمِين مسقطة للحلف عَنهُ، بِخِلَاف عَكسه، وَلِهَذَا يحلف فِيهِ ثَانِيًا لِعَدَمِ سُقُوطِ الْحَلِفِ عَنْهُ بِهَا، فَنُكُولُهُ عَنهُ لعدم اعْتِبَاره والاجتزاء بِهِ فَلَا يقْضِي عَلَيْهِ بِسَبَب. تَأمل. أَقُول: يشكل قَول الرَّمْلِيّ بِأَنَّهُ يَزُول الاشكال الخ، مَعَ أَنه لَا يَزُول بذلك بعد قَول الْبَحْر: وَلَا يقْضِي بِنُكُولِهِ عَمَّا لَيْسَ وَاجِبا عَلَيْهِ. تَأمل. وَاسْتشْكل فِي السعدية الْفَرْع الاول بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي، بل اللَّائِق أَن يقْضِي بِالنّكُولِ، فَإِنَّهُ إِذا نكل عَن الْحلف على الْعلم فَفِي الْبَتَات أولى. وَأجَاب عَنهُ: بِالْمَنْعِ لانه يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُكُولُهُ لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ فَائِدَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْعِلْمِ، فَلَا يَحْلِفُ حَذَرًا عَنْ التّكْرَار، وَهُوَ بِمَعْنى مَا ذكره الرَّمْلِيّ، وَاسْتشْكل الثَّانِي أَيْضا بِأَنَّهُ مَحل تَأمل، فَإِنَّهُ إِذا لم يجب عَلَيْهِ كَيفَ يقْضِي عَلَيْهِ إِذا نكل، وَلم يجب عَنهُ بِجَوَاب، وَاسْتَشْكَلَهُ الخادمي أَيْضا بِأَن الْبَتَات أَعم تحققا من الْعلم، وَيعْتَبر فِي الْيَمين انتفاؤهما وَانْتِفَاء الاعم أخص من انْتِفَاء الاخص، فَكيف يقْضِي بِالنّكُولِ عَن الْبَتَات فِي مَوضِع يجب عَلَيْهِ الْحلف على الْعلم، فَإِنَّهُ بعد هَذَا النّكُول يحْتَمل أَن يحلف على الْعلم. ا

стр. 625

هـ. قَالَ الْفَاضِل يَعْقُوب باشا بعد نَقله عَن النِّهَايَة: وَفِيه كَلَام، وَهُوَ أَن الظَّاهِر عدم الحكم بِالنّكُولِ لعدم وجوب الْيَمين على الْبَتَات كَمَا لَا يخفى، فَتَأمل. اهـ. قَالَ عزمي زَاده: وَفِي هَذَا الْمقَام كَلَام. اهـ. فَليُرَاجع. فرع: مِمَّا يحلف فِيهِ على الْعلم مَا إِذا قَالَ فِي حَال مَرضه لَيْسَ لي شئ فِي الدُّنْيَا ثمَّ مَاتَ عَن زَوْجَة وَبنت وَرَثَة فللورثة أَن يحلفوا زَوجته وَابْنَته على أَنَّهُمَا لَا يعلمَانِ بشئ من تَرِكَة المتوفي بطريقه اهـ. بَحر عَن الْقنية. قَوْله: (عَنهُ) أَي عَن الزَّيْلَعِيّ. قَوْله: (هَذَا إِذا قَالَ الْمُنكر أَيْضا) حكى هَذَا الْقُهسْتَانِيّ بقيل. قَوْله: (كمودع إِلَخ) صورته: قَالَ رب الْوَدِيعَة أودعتك كَذَا فَرده عَليّ فَقَالَ الْمُودع سلمته إِلَيْك فَالْقَوْل للْمُودع، لانه يَنْفِي الضَّمَان عَن نَفسه وَيَمِينه على الْبَتَات بِأَن يَقُول: وَالله سلمته إِلَيْك، إِذْ مَعْنَاهُ النَّفْي وَهُوَ أَنَّك لَا تسْتَحقّ عِنْدِي شَيْئا، وَمثله وَكيل البيع إِذا ادّعى قبض الْمُوكل الثّمن، وكما لَو قَالَ إِن لم يدْخل فلَان الْيَوْم الدَّار فامرأته طَالِق ثمَّ قَالَ إِنَّه دخل يحلف على الْبَتَات بِاللَّه أَنه دخل الْيَوْم مَعَ أَنه فعل الْغَيْر لكَونه ادّعى علما بذلك. أَفَادَهُ فِي الْبَحْر. قَوْله: (سبق الشِّرَاء) أَي من عَمْرو ومثلا. قَوْله: (وَهُوَ بكر) صَوَابه: وَهُوَ زيد لَان بكرا هُوَ الْمُدَّعِي، وَالَّذِي يحلف زيد الْمُدعى عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ جعله تَفْسِيرا للهاء فِي خَصمه، فَيكون الْمَعْنى وَهُوَ خصم بكر وخصم بكر هُوَ زيد، والاولى أَن يَقُول: أَي خصم بكر هُوَ زيد. قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: تَبِعَ الشَّارِحُ فِي هَذَا الْمُصَنِّفَ وَصَاحِبَ الدُّرَرِ. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: صَوَابُهُ زَيْدٌ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْكِرُ وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَنْ يَحْلِفَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ لَا لِلْمَفْعُولِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْقَاضِي تَحْلِيفَهُ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّحْلِيفِ لَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَهُوَ بَكْرٌ تَفْسِيرًا لِلضَّمِيرِ فِي خَصمه، لَكِن فِيهِ ركاكة اهـ. قَوْله: (لما مر) أَي من أَنه يحلف فِي فعل الْغَيْر على الْعلم وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ لعلمه من التَّفْرِيع. قَوْله: (كَذَا إدا ادّعى دينا) بِأَن يَقُول رجل لآخر إِن لي على مورثك ألف دِرْهَم فَمَاتَ وَعَلِيهِ الدّين وَلَا بَيِّنَة لَهُ، فَيحلف الْوَارِث على الْعلم. دُرَر: أَي لَا على الْبَتَات، وَهَذَا لَو قبض الدّين على مَا اخْتَارَهُ الْفَقِيه وقاضيخان، خلافًا للخصاف. قُهُسْتَانِيّ. وَفِي الْبَحْر: وَحَاصِل مَا ذكره الصَّدْر فِي دَعْوَى الدّين على الْوَارِث: أَن القَاضِي يسْأَله أَولا عَن موت أَبِيه ليَكُون خصما فَإِن أقرّ بِمَوْتِهِ سَأَلَهُ عَن الدّين، فَإِن أقرّ بِهِ يَسْتَوْفِيه الْمُدَّعِي من نصِيبه فَقَط لانه لَا يَصح إِقْرَارا على الْمَيِّت فَيبقى إِقْرَارا فِي حق نَفسه، وَإِن أنكر فبرهن الْمُدَّعِي اسْتَوْفَاهُ من التَّرِكَة، لِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِينَ فِيمَا يَدعِي على الْمَيِّت، وَإِلَّا يبرهن الْمُدَّعِي وَطلب يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ استحلفه على الْعلم: أَي بِاللَّه مَا تعلم أَن لفُلَان بن فلَان هَذَا على أَبِيك هَذَا المَال الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ ألف دِرْهَم وَلَا شئ مِنْهُ قضى عَلَيْهِ، فيستوفي من نصِيبه إِن أقرّ بوصول نصِيبه من الْمِيرَاث إِلَيْهِ، وَإِلَّا يقر بوصوله إِلَيْهِ، فَإِن صدقه الْمُدَّعِي فَلَا شئ عَلَيْهِ، وَإِلَّا اسْتحْلف على الْبَتَات مَا وصل إِلَيْهِ قدر مَال الْمُدَّعِي وَلَا بعضه، فَإِن نكل لزمَه الْقَضَاء وَإِلَّا لَا، هَذَا إِذا حلفه على الدّين أَولا، فَإِن حلفه

стр. 626

على الْوُصُول أَولا فَحلف فَلهُ تَحْلِيفه على الدّين ثَانِيًا: أَي على الْعلم لاحْتِمَال ظُهُور مَاله فَكَانَ فِيهِ فَائِدَة منتظرة. وَإِن لم يصل المَال إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَتى استحلفه وَأقر أَو نكل وَثَبت الدّين فَإِذا ظهر للاب مَال من الْوَدِيعَة أَو البضاعة عِنْد إِنْسَان لَا يحْتَاج إِلَى الاثبات، فَهَذِهِ الْفَائِدَة المنتظرة، وَلَو أَرَادَ الْمُدَّعِي استحلافه على الدّين والوصول مَعًا فَقيل لَهُ ذَلِك وعامتهم إِنَّه يحلف مرَّتَيْنِ وَلَا يجمع وَإِن أنكر مَوته حلفه على الْعلم، فَإِن نكل حلف على الدّين: أَي على الْعلم أَيْضا. مطلب: دَعْوَى الْوَصِيَّة على الْوَارِث كدعوى الدّين إِذا أنكرها يحلف على الْعلم وَدَعوى الْوَصِيَّة على الْوَارِث كدعوى الدّين، فَيحلف على الْعلم لَو أنكرها ومدعي الدّين على الْمَيِّت إِذا ادّعى على وَاحِد من الْوَرَثَة وحلفه فَلهُ أَن يحلف الْبَاقِي، لَان النَّاس يتفاوتون فِي الْيَمين، وَرُبمَا لَا يعلم الاول بِهِ وَيعلم الثَّانِي. وَلَو ادّعى أحد الْوَرَثَة دينا على رجل للْمَيت وحلفه لَيْسَ للْبَاقِي تَحْلِيفه، لَان الْوَارِث قَائِم مقَام الْمُورث وَهُوَ لَا يحلفهُ إِلَّا مرّة. انْتهى مُلَخصا بِزِيَادَة. قَوْله: (أَو عينا على وَارِث) صورته: أَن يَقُول إِن هَذَا العَبْد الَّذِي ورثته عَن فلَان ملكي وبيدك بِغَيْر حق وَلَا بَيِّنَة لَهُ فَإِن الْوَارِث يحلفهُ على الْعلم يُخَصِّصَ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ بِصُورَةِ الْعَيْنِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ الْعِمَادِيَّةِ، فَإِنَّ جَرَيَانَ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ مُشكل. عزمي. وَهَذَا بِنَاء على أَن القَاضِي يقْضِي بِعِلْمِهِ والمفتى بِهِ لَا فَيكون علمه كَعَدَمِهِ. قَالَ الْعَلامَة أَبُو الطّيب: أَقُول فِي قَوْله فَإِن جَرَيَان ذَلِك فِي الدّين مُشكل نظر، لما قَالَ فِي نور الْعين نقلا عَن الْمُحِيط البرهاني: إِنَّمَا يحلف على الْعلم فِي الارث لَو علم القَاضِي بالارث أَو أقرّ بِهِ الْمُدَّعِي أَو برهن عَلَيْهِ، وَإِلَّا يحلف بتا، وَكَذَا لَو ادّعى دينا على الْوَارِث يحلف على الْعلم. اه. قَوْله: (أَو أقرّ بِهِ الْمُدَّعِي) هُوَ كَمَا سبق فِي التَّصْوِير. قَوْلُهُ: (أَوْ بَرْهَنَ الْخَصْمُ) وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. قَوْله: (فَيحلف) أَي الْوَارِث على الْعلم فَإِن لم يعلم القَاضِي حَقِيقَة الْحَال وَلَا أقرّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ وَلَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا عَلَيْك تَسْلِيمُ هَذَا الْعين إِلَى الْمُدَّعِي. عمادية. قَالَ ط: يُمكن تَصْوِير بِأَن ادّعى مُدع على شخص إِن هَذِه الْعين لَهُ وَعجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة فَطلب يَمِينه على الْبَتّ فَقَالَ إِنَّهَا إِرْث وَأَرَادَ الْيَمين على الْعلم فَأنْكر الْمُدَّعِي ذَلِك فَأَقَامَ الْوَارِث بَيِّنَة على مدعاه فَإِنَّهُ يحلف على الْعلم: أَي فَالشَّرْط فِي تَحْلِيفه الْوَارِث على الْعلم فِي دَعْوَى الْعين أحد هَذِه الثَّلَاثَة. قَوْله: (وَالْعين) الْوَاو بِمَعْنى أَو. قَوْله: (الْوَارِث) أَي إنَّهُمَا حق موروث وَأنكر الْخصم. قَوْله: (يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ على الْبَتَات) أَي إنَّهُمَا ليسَا بِحَق مُوَرِثه. قَوْله: (كموهوب وَشِرَاء. دُرَر) يَعْنِي لَوْ وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ عَبْدًا فَقَبَضَهُ أَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا فَجَاءَ رجل وَزعم أَنَّ الْعَبْدَ عَبْدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَأَرَادَ استحلاف الْمُدعى عَلَيْهِ يحلف على الْبَتَات. حَلَبِيّ عَن الدُّرَر: أَي أَنه لَيْسَ بِعَبْدِهِ، والاولى كموهوب ومشتري أَو كَهِبَة وَشِرَاء للموافقة لفظا، وَعلله الزَّيْلَعِيّ بِأَن الْهِبَة وَالشِّرَاء سَبَب مَوْضُوع للْملك بِاخْتِيَار الْمَالِك ومباشرته وَلَو لم يعلم أَنه ملك للْملك لَهُ لما بَاشر السَّبَب ظَاهرا، فَيحلف على

стр. 627

الْبَتَات، فَإِذا امْتنع عَمَّا أطلق لَهُ يكون باذلا، أما الْوَارِث فُلَانُهُ لَا اخْتِيَار لَهُ فِي الْملك، وَلَا يَدعِي مَا فعل الْمُورث فَلم يُوجد مَا يُطلق لَهُ الْيَمين على الْبَتَات، ولان الْوَارِث حلف على الْمُورث وَالْيَمِين لَا تجْرِي فِيهَا النِّيَابَة فَلَا يحلف على الْبَتَات، وَالْمُشْتَرِي والموهوب لَهُ أصل بِنَفسِهِ فَيحلف عَلَيْهِ. اهـ. قَوْله: (وَيحلف جَاحد الْقود) أَي مُنكر الْقصاص بِأَن ادّعى رجل عَلَيْهِ قصاصا. عَيْني: أَي سَوَاء كَانَ فِي النَّفس أَو الاطراف بالِاتِّفَاقِ. دامادا. قَوْله: (حبس) أَي وَلَا يقْتَصّ، أما عِنْده فلَان النّكُول بذل وَلَا يجْرِي فِي النَّفس، أَلا ترى أَنه لَو قَتله بأَمْره يجب عَلَيْهِ الْقصاص فِي رِوَايَة، وَفِي أُخْرَى الدِّيَة، وَلَو قطع يَده بأَمْره لَا يجب عَلَيْهِ شئ، إِلَّا أَنه لَا يُبَاح لعدم الْفَائِدَة، أما مَا فِيهِ فَائِدَة كالقطع للاكلة وَقلع السن للوجع لَا يَأْثَم بِفِعْلِهِ، وَأما عِنْدهمَا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ إِقْرَارا إِلَّا أَن فِيهِ شُبْهَة فَلَا يثبت فِيهِ الْقود لانه كالحدود من وَجه. قَوْله: (حَتَّى يقر) أَي فيقتص مِنْهُ. قَوْله: (أَو يحلف) أَي عِنْد الامام فَيبرأ من الدَّعْوَى. وَفِي الشلبي عَن الاتقاني، أَو يَمُوت جوعا لَان الانفس لَا يسْلك بهَا مسالك الاموال فَلَا يجْرِي فِيهَا الْبَذْل الَّذِي هُوَ مؤدي الانكار، وَإِذا امْتنع الْقصاص وَالْيَمِين حق مُسْتَحقّ يحبس بِهِ كَمَا فِي الْقسَامَة، فَإِنَّهُم إِذا نكلوا عَن الْيَمين يحبسون، حَتَّى يقرُّوا أَو يحلفوا. وَفِي الْخَانِية فِي كَيْفيَّة التَّحْلِيف بِالْقَتْلِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَة يسْتَحْلف على الْحَاصِل بِاللَّه مَا لَهُ عَلَيْك دم ابْنه فلَان مثلا وَلَا قبلك حق بِسَبَب هَذَا الدَّم الَّذِي يَدعِي. وَفِي رِوَايَة يحلف على السَّبَب بِاللَّه مَا قتلت فلَان بن فلَان ولي هَذَا عمدا. وَفِيمَا سوى الْقَتْل من الْقطع والشجة وَنَحْو ذَلِك يحلف على الْحَاصِل بِاللَّه مَا لَهُ عَلَيْك قطع هَذَا العَبْد وَلَا لَهُ عَلَيْك ك حق بِسَبَبِهَا، وَكَذَلِكَ فِي الشجاج والجراحات الَّتِي يجب فِيهَا الْقصاص. اهـ. قَوْله: (وَفِيمَا دونه) أَي دون الْقود من الاطراف. قَوْله: (يقْتَصّ) مِنْهُ: أَي عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى كَمَا علم مَا مر. قَوْله: (فَيجْرِي فِيهَا الابتذال) أَي فَتثبت بِالنّكُولِ كَمَا أَن المَال يثبت بِهِ، والاولى الْبَذْل كَمَا فِي بعض النّسخ. قَوْله: (خلافًا لَهما) فَإِنَّهُمَا قَالَا: يجب عَلَيْهِ الارش فيهمَا، وَلَا يقْضِي بِالْقصاصِ لَان الْقصاص فِيمَا دون النَّفس عُقُوبَة تدرأ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا تثبت بِالنّكُولِ كَالْقصاصِ فِي النَّفس، ولان النّكُول وَإِن كَانَ إِقْرَارا عِنْدهمَا فَفِيهِ شُبْهَة الْعَدَم فَلَا يثبت بِهِ الْقصاص، وَيجب بِهِ المَال خُصُوصا إِذا كَانَ امْتنَاع الْقصاص لِمَعْنى من جِهَة من عَلَيْهِ خَاصَّة، كَمَا إِذا أقرّ بالْخَطَأ وَالْوَلِيّ يَدعِي الْعمد، وَإِذا امْتنع الْقود تجب الدِّيَة، وَعند الثَّلَاثَة يقْتَصّ فيهمَا بعد حلف الْمُدَّعِي كَمَا فِي الْعَيْنِيّ، وَأما إِذا كَانَ الِامْتِنَاع من جَانب من لَهُ كَمَا إِذا أَقَامَ على مَا ادّعى وَهُوَ الْقصاص رجلا وَامْرَأَتَيْنِ أَو الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فَإِنَّهُ لَا يقْضِي بشئ لَان الْحجَّة قَامَت بِالْقصاصِ لَكِن تعذر اسْتِيفَاؤهُ وَلم يشبه الْخَطَأ فَلَا يجب شئ، وَلَا تفَاوت فِي هَذَا الْمَعْنى بَين النَّفس وَمَا دونهَا كَمَا فِي الْعِنَايَة. قَوْله: (قَالَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَة الخ) أَطْلَقَ حُضُورَهَا فَشَمِلَ حُضُورَهَا فِي الْمِصْرِ بِصِفَةِ الْمَرَضِ، وَظَاهِرُ مَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ خِلَافُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الِاسْتِحْلَافُ يَجْرِي فِي الدَّعَاوَى الصَّحِيحَةِ إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَقُولُ الْمُدَّعِي لَا شُهُودَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ أَوْ فِي الْمصر. اهـ. بَحر. قَوْله: (فِي الْمصر) أَرَادَ بِهِ حضورهما فِيهِ أَو مَحل بَينه وَبَين مَحل الْمُدَّعِي دون مَسَافَة الْقصر، كَمَا يفِيدهُ الْكَلَام الْآتِي. وَقيد فِي الْمصر، وَإِن كَانَ إِطْلَاق كَلَام المُصَنّف متناولا لما لَو كَانَت حَاضِرَة فِي الْمجْلس لانه الْمُخْتَلف فِيهِ.

стр. 628

قَالَ فِي الْبَحْر: أطلق فِي حُضُورهَا فَشَمَلَ حُضُورهَا فِي مجْلِس الحكم، وَلَا خلاف لَا يحلف وحضورها فِي الْمصر وَهُوَ مَحل الِاخْتِلَاف. قَوْله: (لم يحلف) أَي عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى، لَان ثُبُوت الْحق فِي الْيَمين مُرَتّب على الْعَجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة، فَلَا تكون حَقه دونه. عَيْني: أَي فَلَا تكون الْيَمين حَقه دون الْعَجز. قَوْله: (خلافًا لَهما) لَان الْيَمين حَقه بِالْحَدِيثِ الشريف، وَهُوَ قَوْله ﵊ لَك يَمِينه حِين سَأَلَ الْمُدَّعِي فَقَالَ: أَلَك بَيِّنَة؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ ﵊: لَك يَمِينه، فَقَالَ يحلف وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ (ص) : لَيْسَ لَك إِلَّا هَذَا، شَاهِدَاك أَو يَمِينه فَصَارَ الْيَمين حَقًا لَهُ لاضافته إِلَيْهِ بلام التَّمْلِيك، فَإِذا طَالبه بِهِ يجِيبه. قَالَ ط: وَفِي الِاسْتِدْلَال بِهِ نظر لانه (ص) إِنَّمَا جعل لَهُ الْيَمين عِنْد فَقده الْبَيِّنَة. قَالَ فِي الْبَحْر: اخْتلف النَّقْل عَن مُحَمَّد، فَمنهمْ من ذكره مَعَ أبي يُوسُف كالزيلعي والخصاف، وَمِنْهُم من ذكره مَعَ الامام كالطحاوي. قَوْله: (وَقدر فِي الْمُجْتَبى الْغَيْبَة بِمدَّة السّفر) قَالَ فِيهِ بينتي غَائِبَة عَن الْمصر حلف عِنْد أبي حنيفَة، وَقيل قدر الْغَيْبَة بمسيرة سفر. اهـ. فقد خَالف مَا نَقله المُصَنّف عَن ابْن ملك من أَن فِي الغائبة عَن الْمصر يحلف اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: (وَيَأْخُذُ الْقَاضِي) أَيْ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي الصُّغْرَى: هَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي عَالِمًا بِذَلِكَ، أَمَّا إذَا كَانَ جَاهِلًا فَالْقَاضِي يَطْلُبُ. رَوَاهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ. بَحر. وَالْمرَاد بِأخذ القَاضِي كَفِيلا: أَي مِمَّن عَلَيْهِ الْحق لَا بِالْحَقِّ نَفسه، وَقد تقدم فِي كتاب الْكفَالَة فِي كَفَالَة النَّفس أَنه لَو أعْطى كَفِيلا بِنَفسِهِ بِرِضَاهُ جَازَ اتِّفَاقًا، وَلَا يجْبر عَلَيْهِ عِنْد الامام خلافًا لَهما، فعندهما يجْبر بالملازمة فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَة للتَّقْيِيد بِهَذَا، وَلَيْسَ مَذْكُورا فِي الدُّرَر وَلَا فِي شرح الْكَنْز. تَأمل. قَوْله: (فِي مَسْأَلَة الْمَتْن) وَهِي قَالَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَة حَاضِرَة الخ وَقيد بِهَا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ لَا يَكْفُلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ. كَذَا فِي الْهِدَايَة. قَوْله: (فِيمَا لَا يسْقط بِشُبْهَة) أما فِيمَا يسْقط بهَا كالحدود وَالْقصاص، فَلَا يجْبر على دفع الْكَفِيل كَمَا تقدم. قَالَ فِي الْبَحْر: ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً عَلَى الْعَفْوِ أُجِّلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ وَقَالَ لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ يُقْضَى بِالْقِصَاصِ قِيَاسًا كَالْأَمْوَالِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يُؤَجَّلُ اسْتِعْظَامًا لامر الدَّم. اهـ. قَالَ الرَّمْلِيّ: وَمُقْتَضى الاطلاق أَن دَعْوَى الطَّلَاق كدعوى الاموال وَأَن احتاطوا فِي الْفروج لَا تبلغ استعظام أَمر الدِّمَاء، وَلذَلِك يثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ. اهـ. قَوْله: (كَفِيلا ثِقَة يُؤمن هروبه) وَله أَن يطْلب وَكيلا بخصومته. قَالَ فِي الْكَافِي: وَله أَن يطْلب وَكيلا بخصومته حَتَّى لَو غَابَ الاصل يُقيم الْبَيِّنَة على الْوَكِيل، فَيقْضى عَلَيْهِ، وَإِن أعطَاهُ وَكيلا أَن يُطَالِبهُ بالكفيل بِنَفس الْوَكِيل، وَإِذا أعطَاهُ كَفِيلا بِنَفس الْوَكِيل لَهُ أَن يُطَالِبهُ بالكفيل بِنَفس الاصيل لَو كَانَ الْمُدَّعِي دينا، لَان الدّين يَسْتَوْفِي من ذمَّة الاصيل دون الْوَكِيل، فَلَو أَخذ كَفِيلا بِالْمَالِ لَهُ أَن يطْلب كَفِيلا بِنَفس الاصيل، لَان الِاسْتِيفَاء من الاصيل قد يكون أيسر، وَإِن كَانَ الْمُدَّعِي مَنْقُولًا لَهُ أَن يطْلب مِنْهُ مَعَ ذَلِك كَفِيلا بِالْعينِ ليحضرها، وَلَا يغيبه الْمُدعى عَلَيْهِ وَإِن كَانَ عقارا لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك لانه لَا يقبل التغييب، وَصَحَّ أَن يكون الْوَاحِد كَفِيلا بِالنَّفسِ ووكيلا بِالْخُصُومَةِ لَان الْوَاحِد يقوم بهما، فَلَو أقرّ وَغَابَ قضى، لانه قَضَاء إِعَانَة اهـ.

стр. 629

وَفِيه: وَلَو أُقِيمَت الْبَيِّنَة فَلم تزك فَغَاب الْمَشْهُود عَلَيْهِ فَزُكِّيَتْ لَا يقْضى عَلَيْهِ حَال غيبته فِي ظَاهر الرِّوَايَة، لَان لَهُ حق الْجرْح فِي الشُّهُود، وَعَن أبي يُوسُف أَنه يقْضى. اهـ. وَاعْلَم أَنه يَنْبَغِي أَن يشْتَرط فِي الْوَكِيل مَا سبق فِي الْكَفِيل من كَونه ثِقَة مَعْرُوف الدَّار، وَفِي الْبَحْر عَن الصُّغْرَى: لَو أَبى إِعْطَاء الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ لم يجْبر. اهـ. قَوْله: (يُؤمن هروبه) تَفْسِير للثقة. قَالَ فِي الْبَحْر: وَفَسرهُ فِي الصُّغْرَى بِأَن لَا يخفي نَفسه وَلَا يهرب من الْبَلَد بِأَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ مَعْرُوفَةٌ وَحَانُوتٌ مَعْرُوفٌ لَا يَسْكُنُ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ وَيَتْرُكُهُ وَيَهْرُبُ مِنْهُ، وَهَذَا شئ يحفظ جدا، وَيَنْبَغِي أَن يكون الْفَقِيه ثِقَة بوظائفه بالاوقاف، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكٌ فِي دَارٍ أَو حَانُوت لانه لَا يَتْرُكهَا ويهرب اهـ. وَفَسرهُ فِي شرح الْمَنْظُومَة بِأَن يكون مَعْرُوف الدَّار وَالتِّجَارَة، وَلَا يكون لحوحا مَعْرُوفا بِالْخُصُومَةِ، وَأَن يكون من أهل الْمصر لَا غَرِيبا. اهـ. قَالَ الْحَمَوِيّ: وَكَذَا العسكري فَإِنَّهُ لَا يهرب وَيتْرك علوفته من الدِّيوَان. وَالْحَاصِل: أَن الْمدَار على الامن من الهروب اهـ. وَفِي الْبَحْر أَيْضا عَن كَفَالَة الصُّغْرَى: القَاضِي أَوْ رَسُولِهِ إذَا أَخَذَ كَفِيلًا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفسِهِ بِأَمْر الْمُدَّعِي أَولا بِأَمْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُضِفْ الْكَفَالَةَ إلَى الْمُدَّعِي بِأَنْ قَالَ أَعْطِ كَفِيلًا بِنَفْسِك، وَلَمْ يَقُلْ للطَّالِب ترجع الْحُقُوق إِلَى القَاضِي وَرَسُوله، حَتَّى لَوْ سَلَّمَ إلَيْهِ الْكَفِيلَ يَبْرَأُ، وَلَوْ سَلَّمَ إلَى الْمُدَّعِي فَلَا، وَإِنْ أَضَافَ إلَى الْمُدَّعِي كَانَ الْجَواب على الْعَكْس اهـ. وَفِيهِ عَنْهَا: طَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي وَضْعَ الْمَنْقُول على يَد عَدْلٍ وَلَمْ يَكْتَفِ بِكَفِيلِ النَّفْسِ: فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَدْلًا لَا يُجِيبُهُ الْقَاضِي، وَلَوْ فَاسِقًا يُجِيبُهُ. وَفِي الْعَقَارِ لَا يُجِيبُهُ إلَّا فِي الشَّجَرِ الَّذِي عَلَيْهِ الثَّمَرُ لِأَنَّ الثَّمَرَ نقلي. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْر: وَظَاهر أَنَّ الشَّجَرَ مِنْ الْعَقَارِ، وَقَدَّمْنَا خِلَافَهُ. وَفِي أَبِي السُّعُودِ عَنْ الْحَمَوِيِّ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ من الْعقار. اهـ. أَقُول: وَقدمنَا الصَّحِيح من ذَلِك فَلَا تنسه. وَفِي الخزانة: إِذا أَقَامَ بَيِّنَة وَلم تزك فِي جَارِيَة يَضَعهَا القَاضِي على يَد امْرَأَة ثِقَة حَتَّى يسْأَل عَن الشُّهُود، وَلَا يَتْرُكهَا فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ عدلا كَانَ أَو لَا. هَذَا إِن سَأَلَ الْمُدَّعِي من القَاضِي وَضعهَا. اه. وَإِنَّمَا أَخذ الْكَفِيل بِمُجَرَّد الدَّعْوَى اسْتِحْسَانًا لَان فِيهِ نظرا للْمُدَّعِي، وَلَيْسَ فِيهِ كثير ضَرَر بالمدعى عَلَيْهِ، وَهَذَا لَان الْحُضُور مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّد الدَّعْوَى فصح التكفيل بإحضاره: أَي من غير جبر كَمَا قدمنَا. قَوْله: (وَلَو وجيها) ضد الخامل، والوجيه من لَهُ حَظّ ورتبة، والخامل من خمل الرجل خمولا من بَاب قعد: سَاقِط لنباهة لَا حَظّ لَهُ. مِصْبَاح. قَوْله: (فِي ظَاهر الْمَذْهَب) أَي الْمُعْتَمد. وَعَن مُحَمَّد أَن الْخصم إِذا كَانَ مَعْرُوفا أَو المَال حَقِيرًا وَالظَّاهِر من حَاله أَنه لَا يخفي نَفسه بذلك الْقدر من المَال لَا يجْبر على إِعْطَائِهِ الْكَفِيل. قَوْله: (فِي الصَّحِيح) قَالَ فِي الْبَحْر: ثمَّ تأقيت الْكفَالَة بِثَلَاثَة أَيَّام وَنَحْوهَا لَيْسَ لاجل أَن يبرأ الْكَفِيل عَنْهَا بعد الْوَقْت، فَإِنَّ الْكَفِيلَ إلَى شَهْرٍ لَا يَبْرَأُ بَعْدَهُ، لَكِنَّ التَّكْفِيلَ إلَى شَهْرٍ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى الْكَفِيلِ، فَلَا يُطَالَبُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّهِ، لَكِنْ لَوْ عجل يَصِحُّ، وَهُنَا لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُدَّعِي فَلَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِالتَّسْلِيمِ لِلْحَالِ إذْ قَدْ يَعْجِزُ الْمُدَّعِي عَن إِقَامَتهَا، وَإِنَّمَا يسلم إِلَى الْمُدَّعِي فَلَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِالتَّسْلِيمِ لِلْحَالِ إذْ قد يعجز الْمُدَّعِي عَنْ إقَامَتِهَا، وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ إلَى الْمُدَّعِي بَعْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، حَتَّى لَوْ أَحْضَرَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ يُطَالِبُ الْكَفِيلَ. قَوْلُهُ: (إلَى مَجْلِسِهِ) أَي

стр. 630

القَاضِي. قَوْله: (لَازمه بِنَفسِهِ) أَيْ دَارَ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ فَلَا يُلَازِمُهُ فِي مَكَان معِين، وَلَا يُلَازِمُهُ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ بُنِيَ لِلذِّكْرِ، بِهِ يُفْتى. بَحر. وَفِيه: وَيَبْعَثُ مَعَهُ أَمِينًا يَدُورُ مَعَهُ. وَرَأَيْت فِي الزِّيَادَات أَن الطَّالِب لَو أَمر غَيره بملازمة مديونه فللمديون أَن لَا يرضى بالامين عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى التَّوْكِيل بِلَا رضَا الْخصم، لكنه لَا يحْبسهُ فِي مَوضِع لَان ذَلِك حبس، وَهُوَ غير مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِنَفس الدَّعْوَى، وَلَا يشْغلهُ عَن التَّصَرُّف بل هُوَ يتَصَرَّف وَالْمُدَّعِي يَدُور مَعَه. مطلب: هَل للطَّالِب أَن يمنعهُ من دُخُول دَاره إِن لم يَأْذَن لَهُ بِالدُّخُولِ مَعَه؟ وَإِذا انْتهى الْمَطْلُوب إِلَى دَاره فَإِن الطَّالِب لَا يمنعهُ من الدُّخُول إِلَى أَهله بل يدْخل والملازم يجلس على بَاب دَاره. اهـ. وَفِي الذَّخِيرَة: وَمن الْقُضَاة الْمُتَأَخِّرين من أوجب حبس الْخصم، لَان الْمُدَّعِي يحْتَاج إِلَى طلب الشُّهُود وَغَيره. اهـ. وَفِي الْبَحْر: عَن الزِّيَادَات: أَن الْمَطْلُوب إِذا أَرَادَ أَن يدْخل بَيته، فإمَّا أَن يَأْذَن للْمُدَّعِي فِي الدُّخُول مَعَه أَو يجلس مَعَه على بَاب الدَّار، لانه لَو تَركه حَتَّى يدْخل الدَّار وَحده فَرُبمَا يهرب من جَانب آخر فَيفوت مَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْهَا. مطلب: فِيمَا لَو كَانَ الْمَطْلُوب امْرَأَة وَفِي تَعْلِيق أستاذنا: لَو كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ امْرَأَة فَإِن الطَّالِب لَا يلازمها بِنَفسِهِ، بل يسْتَأْجر امْرَأَة فتلازمها. وَفِي أول كَرَاهِيَة الْوَاقِعَات: رجل لَهُ على امْرَأَة حق فَلهُ أَنْ يُلَازِمَهَا وَيَجْلِسَ مَعَهَا وَيَقْبِضَ عَلَى ثِيَابِهَا لَان هَذَا لَيْسَ بِحرَام، فَإِن هربت وَدخلت خربة لَا بَأْس بذلك إِذا كَانَ الرجل يَأْمَن على نَفسه وَيكون بَعيدا مِنْهَا يحفظها بِعَيْنِه، لَان فِي هَذِه الْخلْوَة ضَرُورَة، وَأَشَارَ بملازمته إِلَى مُلَازمَة الْمُدَّعِي لما فِي خزانَة الْمُفْتِينَ إِذا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ متلافا وأبى عَطاء الْكَفِيل بالمدعي. مطلب: لَهُ مُلَازمَة الْمُدَّعِي فللمدعي أَن يلازم ذَلِك الشئ أَن يُعْطِيهِ كَفِيلا، وَإِن كَانَ الْمُدَّعِي ضَعِيفا عَن ملازمته يضع ذَلِك الشئ على يَد عدل. اهـ. وَظَاهر مَا فِي السراج الْوَهَّاج أَنه لَا يلازمه إِلَّا بِإِذن القَاضِي، وَذكر فِيهِ أَن مِنْهَا أَن يسكن حَيْثُ سكن. وَفِي الْمِصْبَاح: دَار حول الْبَيْت يَدُور دورا ودورانا طَاف بِهِ، ودوران الْفلك تَوَاتر حركاته بَعْضهَا أثر بعض من غير ثُبُوت وَلَا اسْتِقْرَار. وَمِنْه قَوْلهم: دارت الْمَسْأَلَة: أَي كلما تعلّقت بِمحل توقف ثُبُوت الحكم على غَيره فتنتقل إِلَيْهِ ثمَّ يتَوَقَّف على الاول وَهَكَذَا. اهـ. قَوْله: (مِقْدَار مُدَّة التكفيل) فَإِن لم يَأْتِ بِبَيِّنَة أمره أَن يخلي سَبيله وَلَا يقبل دَعوته إِلَّا بإحضار الْبَيِّنَة كَمَا لَا يخفى. قَوْله: (إِلَّا أَن يكون الْخصم غَرِيبا أَي مُسَافِرًا) وَأي تَفْسِير مُرَاد، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حكم الْمُقِيم مُرِيد السّفر كالغريب. قَالَ فِي الْمنح: المُرَاد من الْغَرِيب الْمُسَافِر. قَوْله: (إِلَى انْتِهَاء مجْلِس القَاضِي) أطلق فِي مِقْدَار القَاضِي فَشَمَلَ مَا إِذا كَانَ يجلس فِي كل خَمْسَة عشرَة يَوْمًا مرّة. كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّة. قَوْله: (دفعا للضَّرَر) بِأخذ الْكَفِيل وبالملازمة أَزِيد من ذَلِك، كَذَا علله فِي الْهِدَايَة لَان فِي أَخذ الْكَفِيل والملازمة زِيَادَة على ذَلِك إِضْرَارًا بِهِ يمنعهُ عَن السّفر، وَلَا ضَرَر هَذَا الْمِقْدَار ظَاهرا. قَوْله: (حَتَّى لَو علم وَقت سَفَره) بِأَن قَالَ أخرج غَدا مثلا، فَلَو علم أَن السّفر قبل انْتِهَاء مجْلِس القَاضِي يكون التكفيل إِلَى

стр. 631

وَقت السّفر دفعا للضَّرَر. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي إِلَى وَقت سَفَره. قَوْله: (أَو يستخبر رفقاءه) بِأَن يبْعَث إِلَيْهِم أَمينا، فَإِن قَالُوا أعد لِلْخُرُوجِ مَعنا يكفله إِلَى وَقت الْخُرُوج. بَحر. قَوْله: (لَا بَيِّنَة لي الخ) هَذِه الْمَسْأَلَة من تَتِمَّة قَوْله وَتقبل الْبَيِّنَة لَو أَقَامَهَا بعد الْيَمين، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّارِح هُنَاكَ بقوله: وَإِنْ قَالَ قَبْلَ الْيَمِينِ لَا بَيِّنَةَ لِي، فَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكرهَا هُنَاكَ ح. قَوْله: (قبل ذَلِك الْبُرْهَان) لَان الْيَمين الْفَاجِرَة أَحَق بِالرَّدِّ من الْبَيِّنَة العادلة كَمَا مر. قَوْله: (فَهِيَ شُهُود زور) لَان الشَّهَادَة تتَعَلَّق بالشهود، وَيجب عَلَيْهِم أَدَاؤُهَا وَيَأْثَم كاتمها، وَهَذَا القَوْل مِنْهُ لَا يثبت زور الْعدْل لانه قبل الشَّهَادَة ولانه فِي غير مَعْلُوم ولانه جرح مُجَرّد ط. قَوْله: (أَو قَالَ) أَي الْمُدَّعِي. قَوْله: (حَلَفت) بتاء الْخطاب. قَوْله: (كَمَا مر) عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَ غَيْرِ قَاضٍ إلَخْ لَكِنْ هُنَاكَ الْيَمِينُ من الْمُدَّعِي، وَقدمنَا الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. قَوْلُهُ: (فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي) أَيْ مُدَّعِي الدَّيْنِ. قَوْلُهُ: (وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ) أَيْ لِمُدَّعِي الْإِيصَالِ. قَوْلُهُ (فَطَلَبَ يَمِينَهُ) أَيْ يَمِينَ الدَّائِنِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمُدَّعِي) أَيْ مُدَّعِي الدَّيْنِ. قَوْلُهُ: (اجْعَلْ حَقِّي فِي الْخَتْم) المُرَاد بِهِ، وَالله تَعَالَى أعلم: المنقد فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْقَامُوس إِن المختم كمنبر آلَة ينْقد بهَا، فَرَاجعه ط. أَقُول: وَلَعَلَّه الْمعد الَّذِي يعد عَلَيْهِ الصيارفة والتجار وَفِي بَيت المَال الدَّرَاهِم، وَالْمَقْصُود إِحْضَار الْحق. قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: المُرَاد، بالختم الصَّك، وَمَعْنَاهُ اكْتُبْ الصَّك بِالْبَيِّنَةِ ثمَّ استحلفني، أَو المُرَاد بإحضار نفس الْحق فِي شئ مَخْتُومٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَفِي حَاشِيَةِ الْفَتَّالِ عَنْ الْفَتَاوَى الْأَنْقِرَوِيَّةِ: يَعْنِي أَحْضِرْ حَقِّي ثُمَّ اسْتَحْلِفْنِي، وَمثله فِي الحامدية. قَوْله: (لحَدِيث من كَانَ حَالفا) صَدره كَمَا فِي الْحَمَوِيّ: لَا تحلفُوا بإبائكم وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ، فَمن كَانَ حَالفا الخ. وَلما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﵊ سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأحمد. وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله (ص) لَا تحلفُوا إِلَّا بِاللَّه، وَلَا تحلفُوا إِلَّا وَأَنْتُم صَادِقُونَ رَوَاهُ النَّسَائِيّ. عَيْني. قَوْله: (وَظَاهره) أَي ظَاهر قَول الخزانة من قَوْله: وَهُوَ قَوْله وَالله إِنَّه لَو حلفه بِغَيْرِهِ من أَسمَاء الله أَو صفة تعورف الْحلف بهَا لم يكن يَمِينا: يَعْنِي فِي بَاب الدَّعْوَى، وَيُمكن أَن يكون وَجهه أَن لفظ الْجَلالَة جَامع لجَمِيع الاسماء وَالصِّفَات حَتَّى صحّح بَعضهم

стр. 632

أَنه الِاسْم الاعظم، وَقد ورد تَحْلِيف الشَّارِع بِهِ فَيقْتَصر عَلَيْهِ، وَيحْتَمل أَنه ذكره على سَبِيل التَّمْثِيل لما علم فِي كتاب الايمان أَنه ينْعَقد الْحلف بِكُل اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وكل صفة تعورف الْحلف بهَا، وَقد صَرَّحُوا هُنَا بِمَا يدل على ذَلِك. قَالَ فِي خزانَة الْمُفْتِينَ: مَتى حلفه بِاللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم كَانَ يَمِينا وَاحِدًا، وَإِذا حلفه بِاللَّه والرحمن والرحيم يكون ثَلَاثَة أَيْمَان اهـ. فَهَذَا صَرِيح بِأَن الرَّحْمَن والرحيم يَمِين. تَأمل. وَمثله فِي التَّبْيِين فَإِنَّهُ قَالَ: ويحترز عَن عطف بعض الاسماء على بعض كَيْلا يتَكَرَّر عَلَيْهِ الْيَمين، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعَطْفِ فَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَنَكَلَ عَنْ الْبَاقِي لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ يَمِين وَاحِدَة وَقد أَتَى بهَا. اهـ. وسيصرح الشَّارِح بِهِ فِي قَوْله ويجتنب الْعَطف كي لَا يتَكَرَّر الْيَمين وَفِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالْقَسَمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَالْحَقِّ، أَوْ بِصِفَةٍ يُحْلَفُ بِهَا مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَعِزَّةِ اللَّهِ وجلاله وكبريائه وعظمته الخ، فَهَذَا كُله يدل على كَونه يَمِينا، وَكَذَا مَا ثَبت فِي الحَدِيث وَرب الْكَعْبَة وَنَحْوه يَقْتَضِي أَن الْحلف بالرحمن والرحيم وَغَيره من أَسْمَائِهِ تَعَالَى يكون يَمِينا، على أَنه صرح فِي رَوْضَة الْقُضَاة بِأَن الْيَمين يكون بالرحمن والرحيم وَسَائِر أَسْمَائِهِ تَعَالَى. وَأما الْحصْر فِي الحَدِيث الشريف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الجبت والطاغوت وَنَحْوهمَا. قَوْله: (بِغَيْرِهِ) كالرحمن والرحيم. بَحر. قَوْله: (لم يكن يَمِينا) قد علمت أَن الْحق أَنه يَمِين، وَلَا يشكل عَلَيْهِ مَا يفهم من ظَاهر عبارَة الدُّرَر من قَوْله: وَالْحلف بِاللَّه تَعَالَى دون غَيره، وَإِن كَانَ ظَاهره أَن هَذَا التَّرْكِيب للحصر كَمَا فِي الْحَمد لله لَان المُرَاد أَن لَا يكون الْحلف إِلَّا بِذَاتِهِ تَعَالَى: أَي باسم من أَسْمَائِهِ الذاتية أَو الصفاتية فقد انْتَفَى الاشكال، على أَنه هُوَ الْمُصَرّح بِهِ فِي عُمْدَة الْكتب بل عامتهم، وَلَا يُمكن أَن يُقَال إِن مَا ذَكرُوهُ فِي كتاب الايمان فرق عَن هُنَا: أَي الدَّعْوَى لانه لم يُصَرح أحد يفرق أصلا. قَوْله: (وَلم أره صَرِيحًا بَحر) حَيْثُ قَالَ بعد نَقله عبارَة الخزانة: وَظَاهره أَنه لَا تَحْلِيف بِغَيْر هَذَا الِاسْم، فَلَو حلفه بالرحمن أَو الرَّحِيم لَا يكون يَمِينا، وَلم أره صَرِيحًا اهـ. قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: فِيهِ قُصُور لوُجُود النَّص على خِلَافه، فقد ذكر فِي كتاب الايمان أَنه لَو قَالَ: والرحمن أَو الرَّحِيم أَو الْقَادِر فَكل ذَلِك يَمِين، وَيدل عَلَيْهِ قَوْلهم فِيمَا إِذا غلظ بِذكر الصّفة يحْتَرز عَن الاتيان بِالْوَاو لِئَلَّا تَتَكَرَّر الْيَمين وَنَصه هُنَا فِي تَحْلِيف الاخرس أَن يُقَال لَهُ عهد الله عَلَيْك، وَلَا فرق بَينه وَبَين الصَّحِيح بل صرح بِهَذَا الصَّحِيح، وَصرح فِي رَوْضَة الْقُضَاة بِأَن الرَّحْمَن الرَّحِيم وَسَائِر أَسمَاء الله تَعَالَى تكون يَمِينا اهـ. أَقُول: وَالْعجب من المُصَنّف حَيْثُ نَقله وَأقرهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الشَّارِح. قَوْله: (لَا بِطَلَاق وعتاق وَإِن ألح الْخصم) أَي داوم على طلب الْيَمين بهما، وَمثل الطَّلَاق وَالْعتاق الْحَج كَمَا فِي الْعِنَايَة، وَقد قصد بِهَذَا مُخَالفَة الْكَنْز والدرر حَيْثُ قَالَ: إِلَّا إِذا ألح الْخصم، وَحَكَاهُ فِي الْكَافِي بقيل، وَكَذَا فِي الْهِدَايَة، فَإِن مَا مَشى عَلَيْهِ الشَّارِح هُوَ ظَاهر الرِّوَايَة. قَوْله: (لَان التَّحْلِيف بهما حرَام) بل فِي الْقُهسْتَانِيّ عَن الْمُضْمرَات اخْتلفُوا فِي كفره إِذا قَالَ حلفه بِالطَّلَاق، وَقدمنَا الْكَلَام قَرِيبا على مَا لَو حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا مَالَ عَلَيْهِ ثُمَّ برهن الْمُدَّعِي على المَال، وَسَيَأْتِي فِي كَلَام الشَّارِح. قَوْله: (وَقِيلَ إنْ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ فُوِّضَ إلَى الْقَاضِي) قَالَ فِي الْمنية: وَإِن مست الضَّرُورَة يُفْتِي أَن الرَّأْي فِيهِ للْقَاضِي. قَوْله:

стр. 633

(وَظَاهره أَنه مُفَرع على قَول الاكثر) تبع فِيهِ المُصَنّف وَصَاحب الْبَحْر وَهُوَ عَجِيب، فَإِن صَاحب الخزانة صرح بِأَن ذَلِك على قَول الاكثر فَهُوَ صَرِيح لَا ظَاهر. قَوْله: (وَإِلَّا فَلَا فَائِدَة) قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: قد تكون فَائِدَته اطمئنان خاطر الْمُدَّعِي إِذا حلف فَرُبمَا كَانَ مشتبها عَلَيْهِ الامر لنسيان وَنَحْوه، فَإِذا حلف لَهُ بهما صدقه اهـ. وَفِي شرح الْمُلْتَقى عَن الباقلاني: الاقرار بالمدعي إِذا احْتَرز عَنهُ. اهـ: أَي تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا كَانَ جَاهِلًا بِعَدَمِ اعْتِبَارِ نُكُولِهِ، فَإِذَا طَلَبَ حَلِفَهُ بِهِ رُبَّمَا يمْتَنع ويقر بالمدعي. قَوْله: (وَاعْتَمدهُ المُصَنّف) حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا كَلَام ظَاهر يجب قبُوله والتعويل عَلَيْهِ، لَان التَّحْلِيف إِنَّمَا يقْصد لنتيجته، وَإِذا لم يقْض بِالنّكُولِ عَنهُ فَلَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَال بِهِ، وَكَلَام الْعُقَلَاء فضلا عَن الْعلمَاء الْعِظَام يصان عَن اللَّغْو، وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ اهـ. لَكِنَّ عِبَارَةَ ابْنِ الْكَمَالِ: فَإِنْ أَلَحَّ الْخَصْمُ: قيل يَصح بِهِمَا فِي زَمَانِنَا لَكِنْ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، وَلَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لَا يَنْفُذُ انْتَهَت. وَاسْتشْكل فِي السعدية بِأَنَّهُ إِذا امْتنع عَمَّا هُوَ مَنْهِيّ عَنهُ شرعا فَكيف يجوز للْقَاضِي تَكْلِيف الاتيان بِمَا هُوَ مَنْهِيّ عَنهُ شرعا؟ وَلَعَلَّ ذَلِك الْبَعْض يَقُول النَّهْي تنزيهي، وَمثل مَا فِي ابْن الْكَمَال فِي الزَّيْلَعِيِّ وَشَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّحْلِيفِ بِهِمَا يَقُولُ إنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَلَكِنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ أَدْنَى دِيَانَةٍ لَا يَحْلِفُ بِهِمَا كَاذِبًا فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى طَلَاقِ الزَّوْجَةِ وَعِتْقِ الْأَمَةِ أَوْ إمْسَاكِهِمَا بِالْحَرَامِ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُتَسَاهَلُ بِهِ فِي زَمَانِنَا كَثِيرًا. تَأَمَّلْ. قَوْله: (لَا يفرق) أَي بَين الزَّوْج وَالزَّوْجَة. قَوْله: (لَان السَّبَب لَا يسْتَلْزم قيام الدّين) لاحْتِمَال وفائه أَو إبرائه أَو هِبته مِنْهُ، وَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ الْمُفْتى بِهِ كَمَا فِي شرح عبد الْبر ط. قَوْله: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى قِيَامِ الْمَالِ: لَا يَحْنَث لاحْتِمَال صدقه) . أَقُول: تقدم قَرِيبا قَوْله وَيظْهر كذبه بإقامتها لَوْ ادَّعَاهُ: أَيْ الْمَالَ بِلَا سَبَبٍ فَحَلَفَ، وَإِن ادَّعَاهُ بِسَبَب فَحلف أَن لَا دين عَلَيْهِ ثمَّ أَقَامَهَا لَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ وَجَدَ الْقَرْضَ، ثُمَّ وَجَدَ الْإِبْرَاءَ أَوْ الْإِيفَاءَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ. وَقد ذكرنَا هُنَاكَ الْكَلَام وَبحث الْمَقْدِسِي فِيهِ وَالْجَوَاب عَنهُ فَرَاجعه إِن شِئْت. قَوْله: (وَقد تقدم) أَي فِي كَلَام المُصَنّف حَيْثُ قَالَ: وَيظْهر كذبه بإقامتها لَو ادَّعَاهُ بِلَا سَبَب فَحلف الخ، وَإِنَّمَا أعَاد هُنَا لَان هَذِه الْعبارَة أوضح وأدل على الْمَطْلُوب، وفيهَا زِيَادَة فَائِدَة كذكر الْخلاف بَين مُحَمَّد وَأبي يُوسُف، وَهُوَ كالشرح للعبارة الْمُتَقَدّمَة، فقد بَين بِهِ أَن إِطْلَاق الدُّرَر على قَول أحد الشَّيْخَيْنِ، وَلَا اعْتِرَاض على من أَتَى بالعبارة التَّامَّة بعد الْعبارَة القاصرة، كَمَا قَالُوا فِي عطف الْعَام على الْخَاص لَا يحْتَاج إِلَى نُكْتَة لما فِيهِ من زِيَادَة الْفَائِدَة. تَأمل.

стр. 634

مطلب: مسَائِل ذكرهَا الْخصاف فِي آخر كتاب الْحِيَل قَالَ الْعَلامَة الشلبي فِي حَاشِيَة الزَّيْلَعِيّ: وَنَذْكُر نبذا من مسَائِل ذكرهَا الْخصاف فِي آخر كتاب الْحِيَل: إِن قَالَ كل امْرَأَة لي طَالِق مثلا، وَنوى كل امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا بِالْيَمِينِ أَو الْهِنْد أَو بالسند أَو فِي بلد من الْبلدَانِ لَهُ نِيَّته، وَإِن ابْتَدَأَ الْيَمين يحتال وَيَقُول: هُوَ الله، ويدغم ذَلِك حَتَّى لَا يفهم المستحلف. فَإِن قَالَ المستحلف: إِنَّمَا أحلفك بِمَا أُرِيد وَقل أَنْت نعم، وَيُرِيد أَن يستحلفه بِاللَّه وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَالْمَشْي وَصدقَة مَا يملك، يَقُول نعم وَيَنْوِي نعما من الانعام، وَكَذَا لَو قيل لَهُ نساؤك طَوَالِق وَنوى نِسَاءَهُ العور أَو العميان أَو العرجان أَو المماليك أَو اليهوديات فَيكون لَهُ نِيَّته. وَإِن أَرَادَ أَن يحلف أَنه لم يفعل كَذَا وأحصر الْمَمْلُوك ليحلف بِعِتْقِهِ قَالَ: يضع يَده على رَأس الْمَمْلُوك أَو ظَهره وَيَقُول هَذَا حر: يَعْنِي ظَهره إِن كَانَ فعل فَلَا يعْتق الْمَمْلُوك. وَإِن حلف بِعِتْق الْمَمْلُوك أَنه لم يفعل كَذَا، وَنوى بِمَكَّة أَو فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، أَو فِي بلد من الْبلدَانِ لَا يَحْنَث إِن كَانَ فعله فِي غير ذَلِك الْموضع. وَإِن حلف بِطَلَاق امْرَأَته وَيَقُول امْرَأَتي طَالِق ثَلَاثًا، وَيَنْوِي عملا من الاعمال كالخبز وَالْغسْل أَو أطالق من وثاق، وَيَنْوِي بقوله ثَلَاثًا ثَلَاثَة أَيَّام أَو أشهر أَو جمع فَلَا حنث. وَلَو بلغ سُلْطَانا عَن رجل كَلَام فَأَرَادَ السُّلْطَان أَن يحلفهُ عَلَيْهِ فَالْوَجْه أَن يَقُول: مَا الَّذِي بلغك عني؟ فَإِذا قَالَ بَلغنِي عَنْك كَذَا وَكَذَا، فَإِن شَاءَ حلف لَهُ بالعتاق وَالطَّلَاق أَنه مَا قَالَ هَذَا الْكَلَام الَّذِي حَكَاهُ هَذَا وَلَا سمع بِهِ إِلَّا هَذِه السَّاعَة فَلَا إِثْم عَلَيْهِ، وَإِن شَاءَ نوى فِي الطَّلَاق وَالْعتاق مَا شرحناه، وَإِن شَاءَ نوى أَنه لم يتَكَلَّم بِهَذَا الْكَلَام بِالْكُوفَةِ مثلا غير الْبَلَد الَّذِي تكلم فِيهِ بِهِ أَو الْموضع، أَو يَنْوِي عدم التَّكَلُّم لَيْلًا، وَإِن تكَلمه نَهَارا أَو عَكسه أَو يَنْوِي زَمنا غير الَّذِي تكلم فِيهِ. اهـ مُلَخصا. أَقُول: الظَّاهِر فِي ذَلِك أَن الْحَالِف مَظْلُوما، أما لَو كَانَ ظَالِما فَلَا يَنْوِي، بل الْعبْرَة بِظَاهِر اللَّفْظ الْعرفِيّ الَّذِي حلف بِهِ، لَان الْأَيْمَان مَبْنِيَّة على الْأَلْفَاظ لَا على الْأَغْرَاض كَمَا علم ذَلِك من كتاب الايمان، فَرَاجعه. قَوْله: (ويغلظ بِذكر أَوْصَافه تعاى) أَيْ يُؤَكِّدُ الْيَمِينَ بِذِكْرِ أَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مثل قَوْله: * ((٥٩) هُوَ الله الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة الرَّحْمَن الرَّحِيم) * (الْحَشْر: ٢٢) الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ مَا لِفُلَانٍ هَذَا عَلَيْك وَلَا قِبَلَك هَذَا المَال الَّذِي ادَّعَاهُ وَلَا شئ مِنْهُ، لِأَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يمْتَنع عَن الْيَمين بالتغليظ، ويتجاسر عِنْدَ عَدَمِهِ فَيُغَلَّظُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ بِذَلِكَ، وَلَو لم يغلظ جَازَ، وَقيل: لَا تَغْلِيظ على الْمَعْرُوف بالصلاح، ويغلظ على غَيره، وَقيل يغلظ على الخطير من المَال دون الحقير. عَيْني. قَوْله: (وَقَيده) أَي قيد بَعضهم التَّغْلِيظ. قَوْله: (بفاسق) أَي إِذا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ فَاسِقًا. قَوْله: (وَمَال خطير) أَي كَمَا ذكرنَا كَمَا بَينه فِي خزانَة الْمُفْتِينَ وتبيين الْحَقَائِق. قَوْله: (وَالِاخْتِيَار فِيهِ) أَي فِي التَّغْلِيظ لما علمت من أَنه جَائِز وَيجوز إرجاع الضَّمِير إِلَى أصل الْيَمين: أَي الِاخْتِيَار فِي الْيَمين بِأَن يَقُول لَهُ قل وَالله أَو بِاللَّه أَو الرَّحْمَن والقادر على مَا سلف، وَقد صَرَّحُوا أَن التَّحْلِيف حق القَاضِي: أَي الِاخْتِيَار فِي صفة التَّغْلِيظ إِلَى الْقُضَاة يزِيدُونَ فِيهِ مَا شاؤوا أَو ينقصُونَ مَا شاؤوا وَلَا يغلظون لَو شاؤوا كَمَا فِي الْبَحْر عَن الْخُلَاصَة. قَوْله: (وَفِي صفته) أَي التَّغْلِيظ

стр. 635

الَّتِي ينْطَلق بهَا. قَوْله: (إِلَى القَاضِي) أَي تفويضه إِلَى القَاضِي. قَوْله: (ويجتنب الْعَطف) أَي فِي الْيَمين فَلَا يذكرهُ بِحرف الْعَطف ويحترز عَن عطف بعض الاسماء على بعض وَإِلَّا لتَعَدد الْيَمين، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعَطْفِ فَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَنَكَلَ عَنْ الْبَاقِي لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ يَمِين وَاحِدَة وَقد أَتَى بهَا كَمَا أَفَادَهُ الزَّيْلَعِيّ وقدمناه قَرِيبا فَلَا تنسه. قَوْله: (لَا يسْتَحبّ) وَقيل لَا يجب، وَقيل لَا يشرع. وَظَاهر مَا فِي الْهِدَايَة أَن الْمَنْفِيّ وجوب التَّغْلِيظ بهما فَيكون مَشْرُوعا، وَظَاهر مَا فِي الْمُحِيط فِي مَوضِع أَن الْمَنْفِيّ كَونه سنة وَفِي مَوضِع بعده عدم مشروعيته حَيْثُ قَالَ: لَا يجوز التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان، وَصرح فِي غَايَة الْبَيَان أَن للْحَاكِم فعله عندنَا إِن رأى ذَلِك، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي كَونه وَاجِبا أَو سنة. وَفِي الْبَحْر: لَا يجوز التَّغْلِيظ بِالْمَكَانِ. قَالَ فِي الْكَافِي: قيل لَا يجب، وَقيل لَا يشرع، لَان فِي التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ تَأْخِير حق الْمُدَّعِي إِلَى ذَلِك الزَّمَان. قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: وَكَذَا فِي الْمَكَان لَان فِيهِ التَّأْخِير إِلَى الْوُصُول إِلَى ذَلِك الْمَكَان المغلظ بِهِ، فَلَا يشرع. كَذَا فِي التَّبْيِين وَالْكَافِي. اهـ. قلت: وَهَذَا لَا يظْهر إِذا كَانَ على وفْق مَطْلُوبه، وَلَو علل بمخالفته الْمَشْرُوع لَكَانَ أولى، وَعند الشَّافِعِي: يسْتَحبّ هَذَا التَّغْلِيظ فِي قَول، وَيجب فِي قَول بِهِ قَالَ مَالك كَمَا فِي البناية وَغَيره. أَقُول: الظَّاهِر أَن الْمَذْهَب عندنَا عدم جَوَاز هَذَا التَّغْلِيظ، وَعَلِيهِ دَلَائِل مَشَايِخنَا الْمَذْكُورَة فِي الشُّرُوح وَأما سلب حسن هَذَا لتغليظ تَارَة وسلب الْوُجُوب أُخْرَى فِي عبارتهم فمبني على نفي مَذْهَب الْخصم. تدبر. قَوْله: (بِزَمَان) مثل يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (وَلَا بمَكَان) مثل الْجَامِع عِنْد الْمِنْبَر أَو مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام وَعند قَبره ﵊ وَعند صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس. قَوْله: (وَظَاهره أَنه مُبَاح) فِيهِ أَن الْمُبَاح مَا اسْتَوَى طرفاه فَكَانَ يَقُول فَهُوَ خلاف الاولى. وَأَقُول كَيفَ يكون مُبَاحا وَفِيه زِيَادَة على النَّص، وَهُوَ قَوْله (ص) الْيَمين على من أنكر وَهُوَ مُطلق عَن التَّقْيِيد بِزَمَان أَو مَكَان، والتخصيص بهما زِيَادَة على النَّص، وَهُوَ نسخ كَمَا أَفَادَهُ الْعَيْنِيّ. وَفِي شرح الْمُلْتَقى للداماد وَعند الائمة الثَّلَاثَة: يجوز أَن تغلظ بهما أَيْضا إِن كَانَت الْيَمين فِي قسَامَة ولعان وَمَال عَظِيم. قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: وَعَن أبي يُوسُف أَنه يوضع الْمُصحف فِي حجره، وَيقْرَأ الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهِي * ((٣) إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا) * (آل عمرَان: ٧٧) الْآيَة ثمَّ يحلف فِي مَكَان مِنْهَا كَمَا فِي الْمُضْمرَات. قَوْله: (ويستحلف الْيَهُودِيّ) قَالَ فِي الْمِصْبَاح: الْيَهُودِيّ نِسْبَة إِلَى هود، وَهُوَ اسْم نَبِي عَرَبِيّ، وَسمي بِالْجمعِ والمضارع من هدى إِذا رَجَعَ، وَيُقَال هم يهود وَهُوَ غير منصرف للعلمية وَوزن الْفِعْل، وَجَاز تنوينه، وَقيل نِسْبَة إِلَى يهود بن يَعْقُوب. قَوْله: (بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى) لقَوْله ﵊ لِابْنِ صوريا الاعور: أنْشدك بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى أَن حكم الزِّنَا فِي كتابكُمْ هَذَا كَمَا فِي الْبَحْر.
следующие страницы →