Полный текст (1 094 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
اسْتثِْنَاء الشئ اسْتثِْنَاء الاقل عرفا فأوجبنا النّصْف وزياة دِرْهَم بِنَقْد اسْتثْنى الاقل اه.
شلبي
قَوْله: (فَيحكم بِخُرُوجِ الْأَقَلِّ) وَهُوَ مَا دُونَ النِّصْفِ لِأَنَّ اسْتثِْنَاء الشئ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ عُرْفًا فَأَوْجَبْنَا النِّصْفَ وَزِيَادَةَ دِرْهَمٍ، لِأَنَّ أَدْنَى مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ الْقِلَّةُ النَّقْصُ عَن النّصْف بدرهم.
قَوْله: (وَلَو وصل إِقْرَاره بإن شَاءَ الله) وَلَو من غير قصد كَمَا فِي غَايَة الْبَيَان نقلا عَن الْوَاقِعَات الحسامية، وَقيد بالوصل لانه لَو كَانَ مَفْصُولًا لَا يُؤثر، خلافًا لِابْنِ عَبَّاس كَمَا سبق، إِلَّا إِذا كَانَ عدم الْوَصْل لعذر من الاعذار الَّتِي تقدّمت.
قَالَ الْعَيْنِيّ: وَلَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق فَجرى عَلَى لِسَانِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَكَانَ قَصْدُهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ لَا يَقَعُ، لَان الِاسْتِثْنَاء مَوْجُود حَقِيقَة، وَالْكَلَام مَعَ الِاسْتِثْنَاء لَا يكون إيقاعا، وَمثل تَعْلِيقه بِمَشِيئَة الله تَعْلِيق إِقْرَاره بِمَشِيئَة من لَا تعلم مَشِيئَته كالجن وَالْمَلَائِكَة.
حموي عَن الْمُخْتَار.
وَإِنَّمَا بَطل الاقرار فِي هَذِه لَان التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله تَعَالَى إبِْطَال عِنْد مُحَمَّد فَبَطل قبل انْعِقَاده للْحكم وَتَعْلِيق بِشَرْط لَا يُوقف عَلَيْهِ عِنْد أبي يُوسُف.
دُرَر وَثَمَرَة الْخلاف فِيمَا إذَا قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ فَقَالَ إنْ شَاءَ الله أَنْت طَالِق، فَعِنْدَ من قَالَ إِنَّه إبِْطَال لَا يَقع الطَّلَاق، وَعند من قَالَ إِنَّه تَعْلِيق يَقع لانه إِذا قدم الشَّرْط وَلم يذكر حرف الْجَزَاءَ لَمْ يَتَعَلَّقْ، وَبَقِيَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ شَرط فَيَقَع.
كِفَايَة.
وَاخْتَارَ قَول مُحَمَّد صَاحب الْكِفَايَة وَغَايَة الْبَيَان وَصَاحب الْعِنَايَة، وَكَذَا تظهر أَيْضا ثَمَرَة الْخلاف فِيمَا إِذا قَالَ لامْرَأَته إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَنْت طَالِق إِن شَاءَ الله تَعَالَى يَحْنَث عِنْد أبي يُوسُف لانه يَمِين عِنْده، وَعند مُحَمَّد لَا يكون يَمِينا فَلَا يَحْنَث عَيْني.
تَنْبِيه: مَا سبق من أَن التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله إبِْطَال عِنْد مُحَمَّد وَتَعْلِيق بِشَرْط لَا يُوقف عَلَيْهِ عِنْد أبي يُوسُف يشكل بِمَا نَقَلْنَاهُ مِمَّا يَقْتَضِي كَون الْخلاف بَين الصاحبين على عكس مَا ذكر فِي الدُّرَر.
وَجَوَابه
أَن النَّقْل عَنْهُمَا قد اخْتلف: فَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بعد أَن ذكر مَا نَقَلْنَاهُ من الْخلاف قَالَ: وَقيل الْخلاف على الْعَكْس، وَاخْتَارَهُ بعض شرَّاح الْهِدَايَة، وَأَيْضًا فَإِن مَا ذكرنَا من أَنه عِنْد أبي يُوسُف تَعْلِيق بِشَرْط لَا يُوقف عَلَيْهِ أحد وَجْهَيْن، وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ أَن الاقرار لَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَن قَاضِي زَاده.
قَوْله: (أَو فلَان) فَيبْطل وَلَو قَالَ فلَان شِئْت لانه علق وَمَا نجز واللزوم حكم التَّنْجِيز لَا التَّعْلِيق، ولان مَشِيئَة فلَان لَا توجب الْملك شلبي.
أَقُول: وَينظر مَعَ مَا قدمنَا فِي تَعْلِيق الطَّلَاق بِمَشِيئَة العَبْد فشاء فِي مَجْلِسه صَحَّ وَوَقع الطَّلَاق شرنبلالية.
وَجَوَابه أَن الاقرار إِخْبَار فَلَا يَصح تَعْلِيقه.
وَالطَّلَاق إنْشَاء لَا إِسْقَاط فصح تَعْلِيقه، واقتصرت مَشِيئَته على الْمجْلس نظرا لِمَعْنى التَّمْلِيك.
أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (أَو علقه بِشَرْط على خطر) كَقَوْلِه لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِن شَاءَ فلَان، وَكَذَا كل إِقْرَار علق بِالشّرطِ نَحْو قَوْله إِن دخلت الدَّار وَإِن أمْطرت السَّمَاء أَو هبت الرّيح أَو إِن قضى الله تَعَالَى أَو أَرَادَهُ أَو رضيه أَو أحبه أَو قدره أَو دبره كَمَا فِي الْعَيْنِيّ.
وَمِنْه: إِن حَلَفت فلك مَا ادعيت، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ دَفَعَ بِنَاءً على أَنه يلْزمه فَلهُ أَن يسْتَردّ الْمَدْفُوع كَمَا فِي الْبَحْرِ فِي فَصْلِ صُلْحِ الْوَرَثَةِ بقوله: وَلَو قَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ إِن حَلَفت أَنَّهَا لَك دفعتها فَحلف الْمُدَّعِي وَدفع الْمُدعى عَلَيْهِ الدَّرَاهِم، إِن كَانَ دفع لَهُ بِحكم الشَّرْط فَهُوَ بَاطِل وللدافع أَن يسْتَردّ اهـ.
وَقَيَّدَ فِي الْبَحْرِ التَّعْلِيقَ عَلَى خَطَرٍ بِأَنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ دَعْوَى الْأَجْلِ.
قَالَ: وَإِنْ تَضَمَّنَ مثل إِذا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا لَزِمَهُ للْحَال ويستحلف الْمقر لَهُ فِي الاجل اهـ.
تَأَمَّلْ.
وَفِي الْبَحْرِ
стр. 842
أَيْضًا: وَمِنْ التَّعْلِيقِ الْمُبْطِلِ لَهُ أَلْفٌ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ أَرَى غَيْرَهُ أَوْ فِيمَا أَعْلَمُ، وَكَذَا اشْهَدُوا أَنَّ لَهُ عَليّ كَذَا فِيمَا أعلم انْتهى.
أَو قَالَ عَليّ ألف فِي شَهَادَة فلَان أَو علمه، لانه فِي معنى الشَّرْط، بِخِلَاف مَا لَو قَالَ ذَلِك بِالْبَاء لانها للالصاق، وَلَو قَالَ وجد ت فِي كتابي: أَي دفتري أَنه عَليّ كَذَا فَهُوَ بَاطِل.
وَقَالَ جمَاعَة من أَئِمَّة بَلخ: أَنه يلْزمه لانه لَا يكْتب فِي دفتره إِلَّا مَا عَلَيْهِ النَّاس صِيَانة عَن النسْيَان وللبناء على الْعَادة الظَّاهِرَة، فعلى هَذَا لَو قَالَ الْبَيَّاعُ وَجَدْتُ فِي يَادَكَارِي بِخَطِّي أَوْ كَتَبْتُ فِي يَادَكَارِي بِيَدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ ألف دِرْهَم كَانَ إِقْرَارا ملزما.
وَفِي الْوَلوالجِيَّة: وَلَو قَالَ فِي ذكرى أَو
بكتابي لزمَه اهـ.
حموي.
وَقد تقدم ذَلِك مَبْسُوطا، وَأَن مَوضِع الْكَلَام فِيمَا عَلَيْهِ لَا فِيمَا لَهُ، وتصوير الاقرار بِمَا عَلَيْهِ فِي كِتَابه هُوَ مَا ذكرهَا قَالَ الْحَمَوِيّ: وَلَا يفرق بَين قَوْله فِي كتابي أَو فِي كتاب فلَان.
نَقله عَن الْوَلوالجِيَّة.
قَالَ الْعَلامَة المقسي فِي الرَّمْز: وَأَنت خَبِير بِأَن كتاب فلَان غير مَأْمُون عَلَيْهِ من التَّغْيِير، بِخِلَاف كتاب الْمقر.
اهـ.
قَالَ ط: وَهَذَا يُفِيد أَنه لَا يعْمل بِإِقْرَارِهِ بِمَا عَلَيْهِ إِلَّا إِذا كَانَ بكتابته، وَأَنه لَا يعْمل بكتابته مَاله على النَّاس لانه إِثْبَات حق على غَيره بِمُجَرَّد كتاب الْمُدَّعِي، وَلَا نَظِير لَهُ فِي الشَّرِيعَة، فالافتاء بلزومه بِمُجَرَّد ذَلِك ضلال مُبين.
قَوْله: (كَإِن مت فَإِنَّهُ ينجز) الْمُعَلق بِكَائِنٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقًا حَقِيقَةً بَلْ مُرَادُهُ بِهِ أَن يُشْهِدَهُمْ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إنْ جَحَدَ الْوَرَثَة فَهُوَ عَلَيْهِ مَاتَ أَو عَاشَ، فمرجعه إِلَى تَأْكِيد الاقرار كَمَا فِي الْحَمَوِيّ والزيلعي وَغَيرهمَا، وَالشَّارِح تبع فِيهِ المُصَنّف وَهُوَ تبع صَاحب الْبَحْر.
قَالَ ط: وَمِنْه يعلم أَن قَوْله فِي الْبَحْر: وَإِن بِشَرْط كَائِن فتنجيز كعلي ألف دِرْهَم إِن مت لزمَه قبل الْمَوْت مَنْظُور فِيهِ، وَلقَائِل أَن يَقُول: إِن قَوْله إِن مت فِي عبارَة الشَّرْح يحْتَمل رُجُوعه إِلَى الاقرار لَا إِلَى الشَّهَادَة.
وَأجِيب بِأَن تصرف الْعَاقِل يصان عَن الالغاء مَا أمكن، وَذَلِكَ بجعله شرطا للشَّهَادَة، فَلَو قَالَ الْمقر أردْت تَعْلِيق الاقرار وَرَضي بالغاء كَلَامه.
قُلْنَا: تعلق حق الْمقر لَهُ يمْنَع ذَلِك كَمَا فِي الرَّمْز.
اهـ.
مُخْتَصرا.
قَالَ ط: بَقِي لَو كَانَ الْكَلَام من أول الامر بِصُورَة صَاحب الْبَحْر وَالظَّاهِر اللُّزُوم حَالا كَمَا قَالَ لتَعلق حق الْمقر، وَلَا يَجْعَل وَصِيَّة، وَقد اسْتُفِيدَ هَذَا من قَوْله فَلَو قَالَ الْمقر أردْت الخ.
اهـ.
لَكِنْ قُدِّمَ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّة.
وَالْحَاصِل أَن التَّعْلِيق على ثَلَاثَة أَقسَام: إِمَّا أَن يصل إِقْرَاره بإن شَاءَ الله، فَإِنَّهُ بَاطِل عِنْد مُحَمَّد، وَتَعْلِيق عِنْد أبي يُوسُف.
وَإِمَّا أَن يصله بإن شَاءَ فلَان وَنَحْوه مِمَّا هُوَ تَعْلِيق على خطر فَهُوَ تَعْلِيق اتِّفَاقًا والاقرار لَا يَصح تَعْلِيقه بِالشّرطِ وَإِمَّا أَن يعلقه بكائن لَا محَالة فَهُوَ تَنْجِيز فَلَا يبطل الاقرار وَكَذَا إِذا قَالَ إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر أَو أفطر النا س أَو إِلَى الْفطر أَو إِلَى الضُّحَى، لَان هَذَا لَيْسَ بتعليق وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى الْأَجَلِ إلَى الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فَيُقْبَلُ إِقْرَاره، ودعواه الاجل لَا تقبل إِلَّا بَيِّنَة أَو إِقْرَار الطَّالِب.
قَوْله: (بَقِي لَوْ ادَّعَى الْمَشِيئَةَ) أَيْ ادَّعَى أَنَّهُ قَالَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله (قَالَ
المُصَنّف) وَعبارَته: وَيقبل قَوْله إِن ادَّعَاهُ، وَأنْكرهُ فِي ظَاهِرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ لَا يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة على الِاعْتِمَاد لغَلَبَة الْفساد خاينة.
وَقيل إِن عرف بالصلاح فَالْقَوْل لَهُ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَوَاشِيهِ: أَقُولُ: الْفِقْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ إقْرَارُهُ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إذَا قَالَ ابْتِدَاءً أَقْرَرْتُ لَهُ بِكَذَا مُسْتَثْنِيًا فِي إقْرَارِي يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ عِنْدِي كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ
стр. 843
لانه يُرِيد إِبْطَاله بعد تقرره.
تَأمل اهـ.
قَوْله: (وَصَحَّ اسْتثِْنَاء الْبَيْت من الدَّار) لانه جُزْء من أَجْزَائِهَا فَيصح اسْتثِْنَاء الْجُزْء من الْكل كالثلث أَو الرّبع.
بَدَائِع.
وَلَو قَالَ هَذِه النّخل بأصولها لفُلَان وَالثَّمَر لي كَانَ الْكل للْمقر لَهُ، وَلَا يصدق الْمقر إِلَّا بِحجَّة كَمَا فِي الْخَانِية.
قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي من الدَّار وَالْبَيْت.
قَوْله: (لدُخُوله تبعا) أَي لدُخُول الْبناء معنى وتبعا لَا لفظا، وَالِاسْتِثْنَاء تصرف فِي الملفوظ، وَذَلِكَ لَان الدَّار اسْم لما أدير عَلَيْهِ الْبناء من الْبقْعَة، وَبحث منلا خسروا بِأَنَّهُ لَا يُنكر أَن الْبناء جُزْء من الدَّار لَا يرد الْمَنْصُوص، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْبِنَاءَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْض لَا يسْقط شئ من الثّمن بمقابلته، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي.
بِخِلَافِ الْبَيْتِ تَسْقُطُ حِصَّتُهُ من الثّمن أَو حَاصله.
قَوْله: (واستثناء الْوَصْف لَا يجوز) كَقَوْلِه لَهُ هَذَا العَبْد إِلَّا سوَاده.
قَوْله: (وَإِنْ قَالَ بِنَاؤُهَا لِي وَعَرْصَتُهَا لَك فَكَمَا قَالَ) وَكَذَا لَوْ قَالَ بَيَاضُ هَذِهِ الْأَرْضِ لِفُلَانٍ وَبِنَاؤُهَا لِي.
قَوْلُهُ: (هِيَ الْبُقْعَةُ) فَقَصْرُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْوَصْفِ تَبَعًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ قَالَ وَأَرْضُهَا لَك كَانَ لَهُ الْبناء أَيْضا) .
أَقُول: هَذَا مُخَالف للْعُرْف الْآن، فَإِن الْعرف أَن الارض بِمَعْنى الْعَرَصَة، وَعَلِيهِ فَيَنْبَغِي أَن لَا يكون الْبناء تَابعا للارض تَأمل.
قَوْله: (إلَّا إذَا قَالَ بِنَاؤُهَا لِزَيْدٍ وَالْأَرْضُ لِعَمْرٍو فَكَمَا قَالَ) لانه لما أقرّ بِالْبِنَاءِ لزيد صَار ملكه، فَلَا يخرج عَن ملكه بِإِقْرَارِهِ لعَمْرو بالارض، إِذْ لَا يصدق قَوْله فِي حق غَيره، بِخِلَاف الْمَسْأَلَة الاولى، لَان الْبناء مَمْلُوك لَهُ، فَإِذا أقرّ بالارض لغيره يتبعهَا الْبناء، لَان إِقْرَاره مَقْبُول فِي حق نَفسه.
وَحَاصِله فِي الدَّار والارض اسْم لما وضع عَلَيْهِ الْبناء لَا اسْم للارض وَالْبناء، لَكِن الْبناء يدْخل تبعا فِي بَيْعه والاقرار بِهِ، والعرصة اسْم للارض خَالِيَة عَن الْبناء، فَلَا يدْخل فِيهَا الْبناء لَا أصلا وَلَا تبعا.
والاصل: أَن الدَّعْوَى لنَفسِهِ لَا تمنع الاقرار لغيره، والاقرار لغيره يمْنَع الاقرار لشخص آخر،
إِذا علم هَذَا فَإِذا أقرّ بِالدَّار لشخص فقد أقرّ بالارض الَّتِي أدير عَلَيْهَا الْبناء، وَلَفظ الدَّار لَا يَشْمَل الْبناء، لكنه يدْخل تبعا فَكَانَ بِمَنْزِلَة الْوَصْف.
وَالِاسْتِثْنَاء أَمر لَفْظِي لَا يعْمل إِلَّا فِيمَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ، فَلَا يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ للْبِنَاء لانه لم يتَنَاوَلهُ لفظ الدَّار، بل إِنَّمَا دخل تبعا، وَهَذَا معنى.
قَوْله واستثناء الْوَصْف لَا يجوز بِخِلَاف الْبَيْت فَإِنَّهُ اسْم لجزء من الدَّار مُشْتَمل على أَرض وَبِنَاء فصح اسْتِثْنَاؤُهُ بِاعْتِبَار مَا فِيهِ من الاصل، وَهُوَ الارض، فَكَانَ متناوله لفظ الدَّار وَالِاسْتِثْنَاء: إِخْرَاج لما تنَاوله لفظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَلَا يضر كَون الْبناء جُزْءا من مُسَمّى الْبَيْت مَعَ أَنه وصف من الدَّار، لانه لم يسْتَثْن الْوَصْف مُنْفَردا بل قَائِما بالاصل الَّذِي هُوَ الارض.
وَتَخْرِيج جنس هَذِه الْمسَائِل على أصلين أَحدهمَا: أَنَّ الدَّعْوَى قَبْلَ الْإِقْرَارِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الاقرار، وَالدَّعْوَى بعد الاقرار لبَعض مَا دَخَلَ تَحْتَ الْإِقْرَارِ لَا تَصِحُّ.
وَالثَّانِي: أَن إِقْرَار الانسان على نَفسه جَائِز وعَلى غَيره لَا يجوز.
إِذا عرفنَا هَذَا فَنَقُول: إِذا قَالَ بِنَاء هَذِه الدَّار لي وأرضها لفُلَان كَانَ الْبناء
стр. 844
والارض للْمقر لَهُ، لانه لما قَالَ بِنَاء هَذِه الدَّار لي فقد ادّعى لنَفسِهِ، فَلَمَّا قَالَ وأرضها لفُلَان فقد جعل مقرا بِالْبِنَاءِ للْمقر لَهُ تبعا للاقرار بالارض لَان الْبناء تبع للارض، إِلَّا أَنَّ الدَّعْوَى قَبْلَ الْإِقْرَارِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الاقرار: وَإِن قَالَ أرْضهَا لي وبناؤها لفُلَان كَانَت الارض لَهُ وبناؤها لفُلَان، لانه لما قَالَ أَولا أرْضهَا لي فقد ادّعى الارض لنَفسِهِ، وَادّعى الْبناء أَيْضا لنَفسِهِ تبعا للارض، فَإِذا قَالَ بعد ذَلِك وبناؤها لفُلَان فقد أقرّ لفُلَان بِالْبِنَاءِ بَعْدَمَا ادَّعَاهُ لنَفسِهِ، والاقرار بعد الدَّعْوَى صَحِيح فَيكون لفُلَان الْبناء دون الارض، لَان الارض لَيْسَ بتابع للْبِنَاء، وَإِن قَالَ أرْضهَا لفُلَان وبناؤها لي كَانَت الارض وَالْبناء للْمقر لَهُ بالارض، لانه لما قَالَ أَولا أرْضهَا لفُلَان فقد جعل مقرا لفُلَان وبناؤها لي كَانَ الارض للْمقر لَهُ بالارض، لانه لما قَالَ أَولا أرْضهَا لفُلَان فقد جعل مقرا بِالْبِنَاءِ، فَلَمَّا قَالَ بناؤها لي فقد ادّعى لنَفسِهِ بَعْدَمَا أقرّ لغيره، وَالدَّعْوَى بعد الاقرار لبَعض مَا تنَاوله الاقرار لَا يَصح.
وَإِن قَالَ أرْضهَا لفُلَان وبناؤها لفُلَان آخر كَانَ الارض وَالْبناء للْمقر لَهُ الاول لانه جعل مقرا للْمقر لَهُ الاول بِالْبِنَاءِ، فَإِذا قَالَ بناؤها لفُلَان جعل مقرا على الاول لَا على نَفسه، وَقد ذكرنَا أَن
إِقْرَار الْمقر على نَفسه جَائِز وعَلى غَيره لَا يجوز.
وَإِن قَالَ بناؤها لفُلَان وأرضها لفُلَان آخر كَانَ كَمَا قَالَ، لانه لما أقرّ بِالْبِنَاءِ أَولا صَحَّ إِقْرَاره للْمقر لَهُ لانه إِقْرَار على نَفسه، فَإِذا أقرّ بعد ذَلِك بالارض لغيره فقد أقرّ بِالْبِنَاءِ لذَلِك الْغَيْر تبعا للاقرار بالارض، فَيكون مقرا على غَيره وَهُوَ الْمقر لَهُ الاول، وَإِذا أقرّ الانسان على غَيره لَا يَصح لما علمت من الاصل الثَّانِي من أَن إِقْرَار الانسان على غَيره لَا يجوز.
أَقُول: لَكِن نقض بِمَا لَو أقرّ مُسْتَأْجر بدين فيسري على الْمُسْتَأْجر، وَيفْسخ بِهِ عِنْد الامام، وَلَو أقرَّت زَوجته بدين تحبس بِهِ وَيمْنَع مِنْهَا كَمَا فِي الْمَقْدِسِي.
قَوْله: (واستثناء فص الْخَاتم) بِأَن قَالَ هَذَا الْخَاتم لفُلَان إِلَّا فصه.
وَفِي الذَّخِيرَة عَن الْمُنْتَقى: إِذا قَالَ هَذَا الْخَاتم لي إِلَّا فصه فَإِنَّهُ لَك، أَو قَالَ هَذِه المنطقة لي إِلَّا حليتها فَإِنَّهَا لَك، أَو قَالَ هَذَا السَّيْف لي إِلَّا حليته أَو قَالَ إِلَّا حمائله فَإِنَّهَا لَك، أَو قَالَ هَذِه الْجُبَّة لي إِلَّا بطانتها فَإِنَّهَا لَك، وَالْمقر لَهُ يَقُول هَذِه الْجُبَّة لي فَالْقَوْل قَول الْمقر، فَبعد ذَلِك ينظر إِن لم يكن فِي نزع الْمقر بِهِ ضَرَر للْمقر يُؤمر الْمقر بالنزع وَالدَّفْع للْمقر لَهُ، وَإِن كَانَ فِي النزع ضَرَر وَأحب الْمقر أَن يُعْطِيهِ قيمَة مَا أقرّ بِهِ فَلهُ ذَلِك، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله تَعَالَى اهـ.
وَلَو قَالَ الْحلقَة لَهُ والفص لي، يَصح ذكره، صدر الشَّرِيعَة.
قَوْله: (ونخلة الْبُسْتَان) وَمثله نَخْلَة الارض إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهَا بِأُصُولِهَا، لِأَنَّ أُصُولَهَا دَخَلَتْ فِي الْإِقْرَارِ قَصْدًا لَا تَبَعًا.
وَفِي الْخَانِيَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْفَصِّ وَالنَّخْلَةِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ قَالَ: لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ.
لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَقَرَّ بِأَرْضٍ أَوْ دَارٍ لِرَجُلٍ دَخَلَ الْبِنَاءُ وَالْأَشْجَارُ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمُقِرُّ بَيِّنَةً بَعْدَ
стр. 845
ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْأَشْجَارَ لَهُ لَمْ تقبل بَينته اهـ.
إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَوْنِهِ مَفْصُولًا لَا مَوْصُولًا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ فِي الْخَانِيَّةِ سَائِحَانِيٌّ.
وَفِي الْخَانِية: لَو قَالَ هَذَا الْبُسْتَان لفُلَان إِلَّا النَّخْلَة بِغَيْر أُصُولهَا فَإِنَّهَا لي لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء، بِخِلَاف إِلَّا نخلها بأصولها، وَكَذَلِكَ هَذِه الْجُبَّة لفُلَان إِلَّا بطانتها لَان البطانة تدخل فِي البيع تبعا فَكَانَت كالبناء، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مَحْمُول على جُبَّة بطانتها فِي النفاسة دون الظهارة.
قَالَ فِي الرَّمْز: وَمَا
نقل عَن السّير الْكَبِير أَن الامام لَو قَالَ من أصَاب جُبَّة خَز فَهِيَ لَهُ فَلهُ الظهارة دون البطانة، حمل على جُبَّة بطانتها كظهارتها نفاسة، فَلَا تتبعها فَهِيَ كجبتين، وَمَا هُنَا على دون البطانة حَتَّى لَو اسْتَويَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء اهـ.
أَقُول: وَمثل نَخْلَة الْبُسْتَان نَخْلَة الارض، لَان الشّجر يدْخل فِي الْبُسْتَان والارض تبعا فَلَا يَصح استثناءه، بِخِلَاف نَخْلَة عَرصَة الْبُسْتَان، لَان الْعَرَصَة لَا تتَنَاوَل الشَّجَرَة كَمَا لَا تتَنَاوَل الْبناء لَا أصلا وَلَا تبعا إِلَّا أَن يستثنيها بأصولها كَمَا ذكرنَا.
قَوْله: (وطوق الْجَارِيَة) اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُمْ نَصُّوا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَعَهَا تبعا إِلَّا الْمُعْتَاد للمهنة لَا غير كَالطَّوْقِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا قيمَة لَهُ كَثِيرَة كطوق حَدِيد أَو نُحَاس، وَفِيه نظر.
ط عَن الْحَمَوِيّ.
أَقُول: ذَلِك فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهَا وَمَا عَلَيْهَا لِلْبَائِعِ، أَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهَا ظَهَرَ أَنَّهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ مَا عَلَيْهَا لِمَالِكِهَا فَيَتْبَعُهَا وَلَوْ جَلِيلًا.
تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا مَرَّ) أَيْ من أَنه لَا يَصح.
قَوْله: (قَالَ مُكَلَّفٌ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عبد مَا قَبضته) قيد قَوْله عَليّ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً اشْتَرَيْت مِنْهُ مَبِيعًا إلَّا أَنِّي لَمْ أَقْبِضْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ، كَمَا قُبِلَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِعْتُهُ هَذَا وَلَمْ أَقْبِضْ الثَّمَنَ وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ قَبْضَ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا قَبَضْتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ كَذَا رُجُوعٌ، فَلَا يَصِحُّ.
أَفَادَهُ الرَّمْلِيّ.
قَوْله: (حَال مِنْهَا) أَي حَال كَون قَوْله مَا قَبضته مَوْصُولا بالْكلَام الاول، فَلَو لم يصله لم يصدق أَفَادَهُ المُصَنّف.
وَالَّذِي يظْهر أَنه حَال من الضَّمِير فِي قَالَ: أَي قَالَ حَال كَونه واصلا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَلَّمَهُ) لَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالتَّسْلِيمِ هُنَا الْإِحْضَارَ، أَوْ يُخَصُّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ المُشْتَرِي تَسْلِيم الثّمن أَو لَا، لانه لَيْسَ بِبيع صَرِيح.
مقدسي مُلَخصا
قَوْله: (عملا بِالصّفةِ) قَالَ فِي الْمنح: وَإِن لم يُوجد مَا ذكر من الْقَيْد وَهُوَ التَّسْلِيم لَا يلْزمه لانه أقرّ لَهُ بالالف على صفة فَيلْزمهُ الصّفة الَّتِي أقرّ بهَا، وَإِذا لم تُوجد لَا يلْزمه اهـ.
وصل أَو فصل، هَذَا مَذْهَب الامام، وَقَالا: إِن وصل صدق فَلَا يلْزمه، وَإِن فصل لَا يصدق.
قَوْله: (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْعَبْدَ لَزِمَهُ الْأَلْفُ مُطْلَقًا وصل أم فصل) كَأَنَّهُ بَيَان لوجه الاطلاق، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بالاطلاق سَوَاء كذبه الْمقر لَهُ أَو صدقه بِدَلِيل مَا يَأْتِي حَيْثُ قيدها بقوله وَإِن كذبه الْمقر لَهُ، وَهُوَ أولى لانه حِينَئِذٍ يتَّجه فصلها لكنه يبعد أَن يلْزمه ذَلِك مَعَ اعْتِرَاف كل مِنْهُمَا أَنه
حرَام أَو رَبًّا تَأمل.
قَوْله: (لانه رُجُوع) أَي عَمَّا أقرّ بِهِ، وَذَلِكَ لَان الصَّدْر مُوجب وإنكار قبض مَبِيع غير معِين يُنَافِيهِ، ولانه لَو ادّعى تَأْخِير الثّمن شهرا لم يقبل، فَكيف دهرا، إِذْ مَا من عبد يَأْتِي بِهِ البَائِع إِلَّا يَأْتِي للْمُشْتَرِي منع كَونه الْمَبِيع، بِخِلَاف الْمعِين.
وَمَا ذكره المُصَنّف أحد وُجُوه أَرْبَعَة فِي الْمَسْأَلَة.
стр. 846
وَالثَّانِي: أَن يَقُول الْمقر لَهُ العَبْد عَبدك مَا بعتكه وَإِنَّمَا بِعْتُك عبدا آخر وسلمته إِلَيْك، وَالْحكم فِيهِ كالاول لانهما اتفقَا على مَا أقرّ بِهِ من أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَحق مَا أقرّ بِهِ، غير أَنَّهُمَا اخْتلفَا فِي سَبَب الِاسْتِحْقَاق، وَلَا يُبَالِي باختلافهما، وَلَا باخْتلَاف السَّبَب عِنْد حُصُول الْمَقْصُود واتحاد الحكم، فَصَارَ كَمَا إِذا أقرّ لَهُ بِغَصب ألف دِرْهَم فَقَالَ الْمقر لَهُ هِيَ قرض فَإِنَّهُ يُؤمر بِالدفع إِلَيْهِ لاتِّفَاقهمَا على الِاسْتِحْقَاق.
وَالثَّالِث: أَن يَقُول العَبْد عبددي مَا بعتكه، وَحكمه أَن لَا يلْزم الْمقر شئ لما ذكر أَنه أقرّ لَهُ على صفة وَهِي سَلامَة العَبْد، فَلَا يلْزمه بِدُونِهَا.
وَالرَّابِع: أَن يَقُول الْمقر لَهُ لم أبعك هَذَا العَبْد وَإِنَّمَا بِعْتُك عبدا آخر، فَحكمه أَن يتحالفا لانهما اخْتلفَا فِي الْمَبِيع إِذْ كل مِنْهُمَا مُدع ومنكر، فَإِذا حلفا انْتَفَى دَعْوَى كل عَن صَاحبه، فَلَا يقْضِي عَلَيْهِ بشئ وَالْعَبْد سَالم فِي يَده اهـ.
وَتَمَامه فِي الزَّيْلَعِيّ والدرر موضحا.
قَوْله: (كَقَوْلِه من ثمن خمر الخ) تَشْبِيه للمسألة السَّابِقَة حكما وَخِلَافًا.
قَوْله: (أَو مَال قمار) الانسب تَأْخِيره عَمَّا بعده ليسلط لفظ الثّمن على الْحر وَالْميتَة وَالدَّم، وَهُوَ مَعْطُوف على ثمن.
قَوْله: (فَيلْزمهُ مُطلقًا) عِنْده، وَعِنْدَهُمَا: إِن وصل صدق، وَإِن فصل لَا كَمَا فِي الْمَسْأَلَة الاولى،
قَوْله: (إِلَّا إِذا صدقه) أَي الْمقر لَهُ.
قَوْله: (أَو أَقَامَ عَلَيْهِ) أَي الْمقر، وَاعْتمد المُصَنّف فِي تعْيين مرجع الضميرين الْمقَام والظهور.
قَوْله: (لاحْتِمَال حلّه عِنْد غَيره) أَي فِي مَذْهَب غَيره كَمَا إِذا بَاعَ مَا اشْتَرَاهُ قبل قَبضه من بَائِعه بِثمن أقل مِمَّا اشْترى بِهِ فَالزِّيَادَة هَذِه عندنَا حرَام أَو رَبًّا، وَعند الشَّافِعِي: يجوز هَذَا البيع، وَلَيْسَ زِيَادَة أحد الثمنين حَرَامًا وَلَا رَبًّا، وَظَاهر هَذَا التَّعْلِيل أَنَّهُمَا إِذا اتفقَا على ذَلِك لَا يلْزم الْمقر شئ ط.
قَوْله: (وَلَو قَالَ على زورا أَو بَاطِلا) أَي هُوَ على حَال كَون زورا أَو بَاطِلا، أَو من جِهَة ذَلِك فهما منصوبان على الْحَال أَو التَّمْيِيز.
قَوْله:
(لزمَه إِن كذبه) أَي فِي كَونه زورا أَو بَاطِلا.
قَوْله: (هِيَ أَن يلجئك الخ) قَالَ الشَّارِح فِي التذنيب آخر الصّرْف: هُوَ أَنْ يُظْهِرَا عَقْدًا وَهُمَا لَا يُرِيدَانِهِ يُلْجَأُ إلَيْهِ لِخَوْفِ عَدُوٍّ، وَهُوَ لَيْسَ بِبَيْعٍ فِي الْحَقِيقَة بل كالهزل انْتهى.
قَوْله: (إِن كذبه) أَي المُشْتَرِي البَائِع.
قَوْله: (وَإِلَّا لَا) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّلْجِئَةِ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِالتَّلْجِئَةِ بِأَنْ يَقُولَ لِآخَرَ إنِّي أُقِرُّ لَك فِي الْعَلَانِيَةِ بِمَالٍ وَتَوَاضَعَا عَلَى فَسَادِ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، حَتَّى لَا يملكهُ الْمقر لَهُ.
قَوْله: (زيوف) جمع زيف وصف بِالْمَصْدَرِ ثمَّ جمع على معنى الاسمية.
يُقَال: زافت الدَّرَاهِم تزيف زيفا ردأت وَالْمرَاد بِهِ مَا يردهُ بَيت المَال ويقبله التُّجَّار والنبهرجة دون الزُّيُوف، فَإِنَّهُمَا مِمَّا يردهَا التُّجَّار والستوقة أردأ من النبهرجة، وَتقدم آخر الْبيُوع، وقدمناه فِي شَتَّى الْقَضَاء.
قَوْله: (وَلم يذكر السَّبَب) كَثمن مَبِيع أَو غصب أَو وَدِيعَة.
قَوْله: (على الاصح) أَي إِجْمَاعًا، وَقيل على الْخلاف الْآتِي.
قَوْله: (وَهِي زيوف مثلا) أَو نبهرجة.
قَوْله: (لم
стр. 847
يصدق مُطلقًا) أَي عِنْده، وَقَالا: يصدق إِن وصل: أَي فِي قَوْله زيوف أَو نبهرجة بل يلْزمه الْجِيَاد لَان العقد يقتضيها.
فدعوى الزيف رُجُوع عَمَّا أقرّ بِهِ، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ إِلَّا أَنَّهَا وزن خَمْسَة وَنقد الْبَلَد وزن سَبْعَة حَيْثُ يَصح مَوْصُولا لَا مَفْصُولًا، لانه اسْتثْنى الْقدر فَصَارَ مغيرا فَيصح بِشَرْط الْوَصْل وَلَو قَالَ عَليّ كرّ حِنْطَة من ثمن دَار اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهَا رَدِيئَة يقبل مَوْصُولا ومفصولا، لَان الرداءة نوع لَا عيب فمطلق العقد لَا يَقْتَضِي السَّلامَة عَنْهَا، بِخِلَاف الْجَوْدَة.
زَيْلَعِيّ.
وَقَوله: مُطلقًا: أَي وصل أم فصل.
وَقَالَ زفر: يبطل إِقْرَاره إِذا قَالَ الْمقر لَهُ هِيَ جِيَاد.
قَوْلُهُ: (صُدِّقَ مُطْلَقًا) لِأَنَّ الْغَاصِبَ يَغْصِبُ مَا يُصَادِفُ وَالْمُودِعَ يُودِعُ مَا عِنْدَهُ فَلَا يَقْتَضِي السَّلامَة.
قَوْله: (وصل أم فصل) إِذْ لَا اخْتِصَاص للغصب والوديعة بالجياد دون الزُّيُوف إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ، فَلم يكن زُيُوفًا تَفْسِيرا لاول كَلَامه بل هِيَ بَيَان للنوع فصح مَوْصُولا ومفصولا دُرَر.
وَحَاصِل الْفرق بَينهمَا وَبَين مَا تقدم أَن فِيمَا تقدم أقرّ بِعقد البيع أَو الْقَرْض وَالْعقد يَقْتَضِي سَلامَة الْعِوَضَيْنِ عَن الْعَيْب كَمَا تقدم، وَهنا أقرّ بِالْغَصْبِ والوديعة وهما لَا يقتضيان السَّلامَة، وَهُوَ قَابض وَالْقَوْل للقابض أَمينا كَانَ أَو ضمنيا.
قَوْله: (لانها دَرَاهِم مجَازًا) فَكَانَ
هَذَا من بَاب التَّغْيِير فَلَا يَصح مَفْصُولًا.
قَوْله: (وَصدق بِيَمِينِهِ فِي غصبته أَو أودعني) لَان الْغَصْب والوديعة لَا يقتضيان وصف السَّلامَة كَمَا تقدم.
قَوْله: (مثلا) أَي أَو قرضا.
قَوْله: (إِلَّا أَنه ينقص كَذَا) أَي الدَّرَاهِم، وَمثله فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، لَكِنْ فِي الْعَيْنِيِّ قَوْلُهُ إلَّا أَن ينق ص كَذَا: أَي مائَة دِرْهَم وَهُوَ ظَاهر.
قَوْله: (أَي الدَّرَاهِم الخ) أَي أَن كل عشرَة من دَرَاهِم هَذَا الالف وزن خَمْسَة مَثَاقِيل لَا وزن سَبْعَة مِنْهَا.
قَوْله: (مُتَّصِلا) أَي قَالَ ذَلِك مُتَّصِلا.
قَوْله: (وَإِن فصل بِلَا ضَرُورَة لَا يصدق) .
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَلَو كَانَ الِانْقِطَاع بِسَبَب انْقِطَاع النَّفس أَو بِسَبَب دفع السعال، فَعَن أبي يُوسُف أَنه يَصح إِذا وَصله بِهِ، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى لَان الانسان يحْتَاج إِلَى أَن يتَكَلَّم بِجَمِيعِ ذَلِك بِكَلَام كثير وَيذكر الِاسْتِثْنَاء فِي آخِره، وَلَا يُمكنهُ أَن يتَكَلَّم بِجَمِيعِ ذَلِك بِنَفس وَاحِد، فَلَو لم يَجْعَل عذرا يكون عَلَيْهِم حرج، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى.
اهـ.
قَوْله: (لَا الْوَصْف كالزيافة) فَلِذَا لم يَصح لَهُ عَليّ ألف من ثمن مَتَاع إِلَّا أَنَّهَا زيوف فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ: وَهِي زيوف.
وَحَاصِل الْفرق بَين هَذَا وَبَين مَا إِذا قَالَ هِيَ زيوف حَيْثُ لَا يصدق هُنَاكَ، لَان الزيافة وصف فَلَا يَصح استثناؤها وَهَذَا قدر.
قَوْله: (ضمن الْمقر) مَا أقرّ بِأَخْذِهِ لَهُ لانه أقرّ بِسَبَب الضَّمَان وَهُوَ الاخذ، ثمَّ إِنَّه ادّعى مَا يُوجب الْبَرَاءَة وَهُوَ الاذن بالاخذ وَالْآخر يُنكر، فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ لَهُ الْمقر لَهُ بل أَخَذتهَا قرضا، حَيْثُ يكون القَوْل للْمقر كَمَا سَيَأْتِي، وَكَذَا لَو قَالَ
стр. 848
أَخَذته عَارِية فَقَالَ بل بيعا فَالْقَوْل للآخذ لانكاره البيع، وَهَذَا إِذا لم يلْبسهُ بَزَّازِيَّة وَالْعلَّة فِي عدم الضَّمَان هُوَ اتِّفَاقهمَا أَن الاخذ كَمَا بالاذن سائحاني.
وَلَعَلَّ الْعَارِية محرفة عَن الْوَدِيعَة، لَان اللّبْس فِي الْعَارِية مُبَاح دون الْوَدِيعَة، وَمَعْلُوم أَن الْعَارِية تبيح التَّصَرُّف كَالْبيع، فَلَا يصلح اللّبْس هُنَا فارقا، لَكِن فِي الْبَدَائِع قَالَ: أعرتني ثَوْبك فَهَلَك وَقَالَ الْمقر لَهُ لَا بل غصبته، فَإِن الْهَلَاك بعد اللّبْس يضمن، لَان لبس ثوب الْغَيْر سَبَب لوُجُوب الضَّمَان فِي الاصل، فدعوى الاذن فدعوى بَرَاءَة عَن الضَّمَان فَلَا يثبت إِلَّا بِحجَّة اهـ.
قَوْله: (وَهُوَ سَبَب الضَّمَان) قَالَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى ترده أَي ثمَّ بعد إِقْرَاره بالاخذ ادّعى
مَا يُوجب بَرَاءَته، وَهُوَ الاذن بالاخذ وَالْآخر يُنكر، فَكَانَ القَوْل لَهُ بِيَمِينِهِ، فَإِن نكل عَنهُ لَا يلْزم، أما لَو قَالَ لَهُ بعد قَوْله أَخَذتهَا وَدِيعَة بل أَخَذتهَا قرضا يكون القَوْل للْمقر، لانهما تَصَادقا على أَن الاخذ حصل بالاذن، وَهُوَ لَا يُوجب الضَّمَان، ثمَّ إِن الْمَالِك يَدعِي عقد الْقَرْض وَالْمقر يُنكره فَالْقَوْل لَهُ، وَمثله لَو قَالَ أَخَذتهَا بيعا بعد قَوْله مَا تقدم.
أَفَادَهُ المُصَنّف وَمثله فِي الْعَيْنِيّ.
قَوْله: (أعطيتنيه) قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ: وَمثله دفعتها لي وَدِيعَة وَنَحْوه مِمَّا يكون من فعل الْمقر لَهُ.
تَأمل.
قَوْله: (لانكاره الضَّمَان) قَالَ المُصَنّف: لانه لم يقر بِسَبَب الضَّمَان بل أقرّ بالاعطاء وَهُوَ فعل الْمقر لَهُ، فَلَا يكون مقرا على نَفسه بِسَبَب الضَّمَان وَالْمقر لَهُ يَدعِي عَلَيْهِ سَبَب الضَّمَان، وَهُوَ يُنكر وَالْقَوْل قَول الْمُنكر.
قَالَ فِي الْهِدَايَة: وَالْفرق أَن فِي الْفَصْل الاول أقرّ بِسَبَب الضَّمَان وَهُوَ الاخذ ثمَّ ادّعى مَا يُبرئهُ وَهُوَ الاذن وَالْآخر يُنكره، فَيكون القَوْل لَهُ مَعَ الْيَمين، وَفِي الثَّانِي أضَاف الْفِعْل إِلَى غَيره وَذَلِكَ يَدعِي بِسَبَب الضَّمَان وَهُوَ الْغَصْب وَهُوَ يُنكر فَيكون القَوْل للْمُنكر مَعَ الْيَمين.
وَمِمَّا يكثر وُقُوعه مَا فِي التاترخانية أَعَرْتَنِي هَذِهِ الدَّابَّةَ فَقَالَ لَا وَلَكِنَّك غَصَبْتَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَعِيرُ رَكِبَهَا فَلَا ضَمَانَ وَإِلَّا ضمن، وَكَذَا دفعتها لي عَارِيَّةً أَوْ أَعْطَيْتَنِيهَا عَارِيَّةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ قَالَ أَخَذْتُهَا مِنْك عَارِيَّةً وَجَحَدَ الْآخَرُ ضَمِنَ، وَإِذَا قَالَ أَخَذْتُ هَذَا الثَّوْبَ مِنْك عَارِيَّةً فَقَالَ أَخَذْتَهُ مِنِّي بَيْعًا فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ مَا لم يلْبسهُ لانه مُنكر الثّمن، فَإِنْ لَبِسَ ضَمِنَ أَعَرْتنِي هَذَا فَقَالَ لَا بَلْ آجَرْتُك لَمْ يَضْمَنْ إنْ هَلَكَ بِخِلَافِ قَوْله غصبته حَيْثُ يضمن إِن كَانَ اسْتَعْملهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ) فِيهِ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْإِشَارَةِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ الْمُقِرُّ.
تَأَمَّلْ.
قَوْله: (لاقراره بِالْيَدِ ثمَّ بالاخذ مِنْهُ) أَي ثمَّ ادّعى الِاسْتِحْقَاق بعد فَلَا يصدق بِلَا برهَان.
قَوْله: (وَصُدِّقَ مَنْ قَالَ آجَرْتُ فُلَانًا فَرْسَى هَذِهِ الخ) أَقُول صُورَة الْمَسْأَلَة: فِي يَد إِنْسَان فرس أَو ثوب فَقَالَ مُخَاطبا لزيد إِنَّك كنت أجرت أَو أعرت فرسي هَذِه أَو ثوبي هَذَا لعَمْرو فَرده عَمْرو عَليّ وَكذبه عَمْرو: أَي قَالَ لم أستأجره وَلم أستعره فَالْقَوْل للْمقر الَّذِي هُوَ ذُو الْيَد، وَلَا يكون قَوْله لزيد أجرته أَو أعرته إِقْرَارا لزيد بِالْملكِ لقَوْله فرسي أَو ثوبي.
تَأمل.
ذكره فِي الْحَوَاشِي الْخَيْرِيَّة.
قَوْله:
стр. 849
(فَالْقَوْل للْمقر اسْتِحْسَانًا) وَهُوَ قَول الامام وَقَالا القَوْل قَول الْمَأْخُوذ مِنْهُ، وَكَذَا الاعارة والاسكان لانه أقرّ لَهُ بِالْيَدِ، ثمَّ ادّعى الِاسْتِحْقَاق وَله أَن الْيَد فِيمَا ذكر لضَرُورَة اسْتِيفَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ، فَلَا يكون إِقْرَارا بِالْيَدِ قصدا فَبَقيت فِيمَا وَرَاء الضَّرُورَة فِي حكم يَد الْمَالِك، بِخِلَاف الْوَدِيعَة وَالْقَرْض وَنَحْوهمَا، ولان فِي الاجارة وَنَحْوهَا أقرّ بيد من جِهَته فَالْقَوْل لَهُ فِي كيفيتها، وَلم يقر بذا فِي الْوَدِيعَة فَيحْتَمل أَنَّهَا وَدِيعَة بإلقاء الرّيح فِي بَيته حَتَّى لَو قَالَ أودعتها فَهُوَ على الْخلاف، وَلَيْسَ مدَار الْفرق على ذكر الاخذ الْوَدِيعَة وَنَحْوهَا كَمَا توهمه الزَّيْلَعِيّ، لانه ذكر الاخذ فِي لطرف الآخر فِي إِقْرَار.
كَذَا فِي التَّبْيِين.
وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ لم يذكر فِي الْقَرْض مَا ذكر فِي الْوَدِيعَة فَكَانَ قاصرا، وَمَا ذكره فِيهَا نَادِر لَا يبتنى عَلَيْهِ حكم إِلَّا أَن يُقَال: اكْتفي بِمَا سَيذكرُهُ بعد فِي تَوْجِيه حكم قَوْله قبضت مِنْهُ ألفا كَانَت لي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَشْمَل الْقَرْض كَمَا لَا يخفى.
وَنقل الزَّيْلَعِيّ عَن النِّهَايَة: أَن الْخلاف إِذا لم يكن الْمقر بِهِ مَعْرُوفا للْمقر، وَإِلَّا فَالْقَوْل لَهُ إِجْمَاعًا وَعَزاهُ إِلَى الاسرار، وَفِيه بِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَعْرُوفا بِهِ فَالْقَاضِي لَا يعرف ذَلِك إِلَّا بِشَهَادَة العارفين عِنْده لَا بِمُجَرَّد قَوْله، فَلْيتَأَمَّل.
وَإِن قُلْتُمْ: القَاضِي يعلم ذَلِك.
قُلْنَا: لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ الْآن.
وَلَو قَالَ قبضت مِنْهُ ألفا كَانَت لي عَلَيْهِ وَأنكر عَلَيْهِ أَخذهَا لانه أقرّ لَهُ بِالْملكِ وَأَنه أَخذ بِحقِّهِ وَهُوَ مَضْمُون عَلَيْهِ، إِذْ الدّين يقْضِي بِمثلِهِ وَادّعى مَا يُبرئهُ وَالْآخر يُنكر، بِخِلَاف الاجارة وَنَحْوهمَا لما بَينا، ولانا لَو آخذنا النَّاس بإقرارهم فِيهَا لامتنعوا عَنْهَا وَالْحَاجة ماسة إِلَيْهَا، فَلَا يُؤَاخذ بِهِ اسْتِحْسَانًا دفعا للْحَرج.
وَفِي الْوَلوالجِيَّة: وعَلى هَذَا الْخلاف لَو قَالَ أودعت فلَانا هَذِه الالف ثمَّ أَخَذتهَا مِنْهُ هما يَقُولَانِ أقرّ بِسَبَب يُوجب ضَمَان الرَّد وَادّعى مَا يُبرئهُ فَلَا يصدق إِلَّا بِبَيِّنَة، كَمَا لَو قَالَ أخذت مِنْك ألفا كَانَت وَدِيعَة لي عنْدك وَقَالَ الْمَأْخُوذ مِنْهُ بل ملكي، وَأَبُو حنيفَة يَقُول: الاقرار بالاجارة والاعارة والايداع أَولا صَحَّ، لانه أقرّ بِمَا فِي يَده وَلَيْسَ بِحقِّهِ دَعْوَى الْبَرَاءَة عَن الضَّمَان فَصَارَ الثَّابِت بالاقرار كثابت عيَانًا، وَلَو عاينا أَنه أعَار أَو آجر أَو أودع ثمَّ أَخذ لَا يلْزمه الرَّد، كَذَا هَاهُنَا، فَأَما إِذا قَالَ أخذت مِنْهُ وَهُوَ كَانَ عِنْده عَارِية أَو إِجَارَة أَو وَدِيعَة، فالاقرار بِهَذِهِ الاشياء لَا يَصح، فَصَارَ كَمَا لَو سكت عَن دَعْوَى الثَّلَاثَة، وَلَو قَالَ فلَان سَاكن فِي هَذِه الدَّار فَالْقَوْل للساكن أَنَّهَا لَهُ، وَلَو قَالَ
زرع هَذِه الارض أَو بنى هَذِه الدَّار أَو غرس الْكَرم وَهُوَ بيد الْمقر أَو خاط الْقَمِيص وَلم يقل قَبضته مِنْهُ فَقَالَ بل ملكي فَالْقَوْل للْمقر والاقرار بِالسُّكْنَى إِقْرَار بِالْيَدِ، وَلَو قَالَ ذَا اللَّبن أَو الْجُبْن من بقرته أَو الصُّوف من غنمه أَو التَّمْر من نخله أَو الْعَسَل من نحله وَطَلَبه أَمر بِالدفع إِلَيْهِ.
وَفِي الْخَانِية: ولدت أمة فِي يَده وَقَالَ الامة لفُلَان وَالْولد لي فَكَمَا قَالَ، لَان الاقرار بالجارية لَا يكون إِقْرَار بِالْوَلَدِ، بِخِلَاف الْبناء وَنَحْوه، وَكَذَا سَائِر الْحَيَوَان وَالثِّمَار المحرزة فِي الاشجار بِمَنْزِلَة ولد الْجَارِيَة، وَلَو قَالَ لصندوق فِيهِ مَتَاع فِي يَده الصندوق لفُلَان وَالْمَتَاع لي أَو هَذِه الدَّار لفُلَان وَمَا فِيهَا من الْمَتَاع لي فَالْقَوْل لَهُ.
مقدسي.
قَوْله: (بِخِلَاف الْوَدِيعَة) وَمثلهَا الْقَرْض، لَان الْيَد فيهمَا مَقْصُورَة فَيكون الاقرار بهما إِقْرَارا بِالْيَدِ كَمَا فِي الْمنح.
قَوْله: (وعَلى الْمقر ألف مثله للثَّانِي) لَان الاقرار صَحَّ
стр. 850
للاول، قَوْله لَا بل وَدِيعَة فلَان إضراب عَنهُ وَرُجُوع، فَلَا يقبل قَوْله فِي حق الاول، وَيجب عَلَيْهِ ضَمَان مثلهَا للثَّانِي لانه أقرّ لَهُ بهَا وَقد أتلفهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بهَا للاول فَيضمن لَهُ.
منح.
وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ الصُّلْحِ مَا لَوْ قَالَ أَوْصَى أَبِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ بَلْ لِفُلَانٍ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَاف هِيَ لفُلَان الخ) فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِسَبَبِ الضَّمَانِ، بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهُ حَيْثُ أقرّ بِأَنَّهُ وَدِيعَة لفُلَان الآخر يَكُونُ ضَامِنًا حَيْثُ أَقَرَّ بِهَا لِلْأَوَّلِ لِصِحَّةِ إقْرَارِهِ بِهَا لِلْأَوَّلِ فَكَانَتْ مِلْكَ الْأَوَّلِ وَلَا يُمكن تَسْلِيمُهَا لِلثَّانِي، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْوَدِيعَةَ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا لِلْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ ضَامِنًا بِمُجَرَّدِ البيع حَيْثُ يُمكنهُ دَفعهَا لَهُ بهَا هَذَا مَا ظهر.
فَتَأمل.
وَأَيْضًا لانه أقرّ بهَا للاول ثمَّ رَجَعَ وَشهد بهَا للثَّانِي فرجوعه لَا يَصح وشهادته لَا تقبل.
منح.
فَرْعٌ: أَقَرَّ بِمَالَيْنِ وَاسْتَثْنَى كُلَّهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا: فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْمَالَيْنِ وَاحِدًا يُصْرَفُ إلَى الْمَالِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ قِيَاسًا وَإِلَى الْأَوَّلِ اسْتِحْسَانًا لَوْ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ رَجُلَيْنِ يُصْرَفُ إلَى الثَّانِي مُطْلَقًا، مِثْلُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِفُلَانٍ آخَرَ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا هَذَا كُلُّهُ قَوْلُهُمَا، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَا لِرَجُلٍ يُصْرَفُ إلَى جِنْسِهِ، وَإِنْ لِرَجُلَيْنِ لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء أصلا.
تاترخانية عَن الْمُحِيط.
قَوْله: (لزمَه أَيْضا) الثَّانِي ألف لانه أقرّ لَهُ بشئ تقبله الذِّمَّة بِأَن كَانَ دينا أَو قرضا وَهِي تقبل حقوقا شَتَّى كَالدّين وَالْقَرْض وَنَحْوهمَا:
قَوْله: (وَعَلِيهِ للثَّانِي مثلهَا) لما
تقدم فِي الْوَدِيعَة.
قَوْله: (وَلَو كَانَ الْمقر لَهُ وَاحِدًا) وَقد زَاد فِي أحد الاقرارين قدرا أَو وَصفا.
قَوْله: (يلْزمه أكثرهما قدرا وأفضلهما وَصفا) أَي سَوَاء كَانَ مَا بعد بل هُوَ الافضل أَو مَا قبلهَا، وَسَوَاء كَانَ الْفضل فِي الذَّات أَو فِي الصّفة لانه حَيْثُ أقرّ بِالْقدرِ الزَّائِد أَو الْوَصْف الْفَاضِل لَا يَصح الرُّجُوع عَنهُ أَو أَخذه، لانه إِن لم يقر بِهِ أَولا فقد أقرّ بِهِ ثَانِيًا وَهَذَا إِذا كَانَ جِنْسا وَاحِدًا، فَلَو كَانَ جِنْسَيْنِ كألف دِرْهَم لَا بل دِينَار لزمَه الالفان.
قَوْله: (أَو عَكسه) رَاجع إِلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَالْقِيَاس أَن يلْزمه المالان وَبِه قَالَ زفر، كَمَا إِذا اخْتلف جنس الْمَالَيْنِ بِأَن قَالَ لفُلَان ألف دِرْهَم بل ألف دِينَار، فَإِنَّهُ يلْزمه المالان بالاجماع كَمَا قدمنَا.
وَالْحَاصِل: أَن هَذِه الْمَسْأَلَة على وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَن يكون المَال متحدا.
وَالثَّانِي: أَن يكون مُخْتَلفا.
فَإِن كَانَ متحدا فَإِنَّهُ يلْزمه أفضل الْمَالَيْنِ، سَوَاء كَانَ مَا بعد بل هُوَ الافضل أَو مَا قبلهَا، وَسَوَاء كَانَ الْفضل فِي الذَّات أَو فِي الصّفة كَمَا قدمنَا، فَلِذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوط: إِذا أقرّ لفُلَان بِأَلف دِرْهَم ثمَّ قَالَ بل بِخَمْسِمِائَة فَعَلَيهِ ألف، وَكَذَا لَو قَالَ خَمْسمِائَة بل ألف، وَلَو قَالَ عشرَة دَرَاهِم بيض لَا بل سود أَو قَالَ سود لَا بل بيض أَو قَالَ جيد لَا بل ردئ أَو ردئ بل جيد فَعَلَيهِ أفضلهما، وَإِن كَانَ مُخْتَلفا فَعَلَيهِ المالان لَان الْغَلَط لَا يَقع فِي الْجِنْس الْمُخْتَلف عَادَة فرجوعه عَن الاول بَاطِل والتزامه الثَّانِي صَحِيح، فَلَو قَالَ لَهُ عَليّ دِرْهَم بل دِينَار لزمَه ودينار، وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ كرّ حِنْطَة لَا بل كرّ شعير
стр. 851
لزمَه الكران.
اهـ.
كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِابْنِ نُجَيْمٍ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ إِقْرَار لَهُ) أَي للْمقر لَهُ، قَالَ فِي شرح الملتقي: وَإِن تعدّدت الدُّيُون والودائع، وَلَا يصدق الْمقر لَهُ قَالَ عنيت بَعْضهَا اهـ.
قَوْله: (وَحقّ الْقَبْض للْمقر) فَيَأْخُذ مَا ذكر ويدفعه للْمقر لَهُ.
قَالَ فِي شرح الْمُلْتَقى: وَلَو جحد الْمُودع ضمن للْمقر لَهُ إِذا تلف.
قَوْله: (برِئ) أَي إِذا أقرّ الْمقر أَنه أذن لَهُ.
كَذَا فِي شرح الْمُلْتَقى.
قَوْله: (لكنه مُخَالف الخ) هَذَا الاستدارك وجيه ومؤيد لَا يقبل التَّغْيِير، وَرُبمَا كلمة لي فِي الْخُلَاصَة من زِيَادَة النَّاسِخ، وَلذَا لم تُوجد فِي الْوَدِيعَة بعده، لَكِن كَلَام الْحَاوِي يُؤَيّد الزِّيَادَة، وَزِيَادَة الْحَاوِي وجيهة على مَا ظهر لي حَيْثُ إِن الْعبْرَة لآخر الْكَلَام.
قَوْله: (لما مر الخ) أَي أَوَائِل كتاب الاقرار عِنْد قَول المُصَنّف جَمِيع مَالِي أَو مَا
أملكهُ هبة لَا إِقْرَار وَقدمنَا الْجَواب عَن ذَلِك والتوفيق بِمَا يشفي الغليل، فَرَاجعه إِن شِئْت.
قَوْله: (إِن أضَاف إِلَى نَفسه كَانَ هبة) أَي فيراعي شُرُوطهَا وَلَا يكون إِقْرَارا لانه إِخْبَار، وَقَضِيَّة الاضافة إِلَى نَفسه مُنَافِيَة لَهُ فَيكون هبة.
قَوْله: (فَيلْزم التَّسْلِيم) لَان هبة الدّين لَا تصح مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إلَّا إذَا سلط على قَبضه.
قَوْله: (وَلذَا قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدسِي) عِبَارَته كَمَا فِي الْمنح قَالَ: الدّين الَّذِي لي على زيد فَهُوَ لعَمْرو وَلم يُسَلِّطهُ على الْقَبْض لَكِن قَالَ وَاسْمِي فِي كِتَابِ الدَّيْنِ عَارِيَّةٌ صَحَّ، وَلَو لم يقل هَذَا لم يَصح اهـ.
فَهُوَ من غير ذكر لفظ لَو، واستفيد من هَذَا أَنه لَو سلطه على قَبضه أَو قَالَ هَذِه الْجُمْلَة صَحَّ على أَنه إِقْرَار وَإِلَّا يَصح إِقْرَارا بل هبة.
قَوْله: (قَالَ المُصَنّف وَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ لَمْ يَصِحَّ هُوَ الْمَذْكُور فِي عَامَّة الْمُعْتَبرَات، خلافًا للخلاصة.
حَاصله: أَنه إنْ سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ أَوْ لَمْ يُسَلِّطْهُ وَلَكِنْ قَالَ اسْمِي فِيهِ عَارِيَّةٌ يَصِحُّ كَمَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ هِبَةً وَعَلَى الثَّانِي إقْرَارًا، وَتَكُونُ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ إضَافَةَ نِسْبَةٍ لَا مِلْكٍ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِيمَا مَرَّ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ.
قَوْلَهُ: وَاسْمِي عَارِيَّةٌ لِيَكُونَ قَرِينَةً عَلَى إرَادَةِ إضَافَةِ النِّسْبَةِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمَتْنِ وَيَكُونُ إطْلَاقًا فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، فَلَا إشْكَالَ حِينَئِذٍ فِي جَعْلِهِ إقْرَارًا وَلَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ الْمَارَّ لِلْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ.
وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ: امْرَأَةٌ قَالَتْ الصَّدَاقُ الَّذِي لِي عَلَى زَوْجِي مِلْكُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ لَا حَقَّ لِي فِيهِ وَصَدَّقَهَا الْمُقَرُّ لَهُ ثُمَّ أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا قِيلَ يَبْرَأُ، وَقِيلَ لَا.
وَالْبَرَاءَةُ أَظْهَرُ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَرْغِينَانِيُّ مِنْ عَدَمِ صِحَة الاقرار، فَيكون الابراء ملاقيا لمحله اهـ.
أَي فَإِنَّ هُنَا الْإِضَافَةَ لِلْمِلْكِ ظَاهِرَةٌ، لِأَنَّ صَدَاقَهَا لَا يَكُونُ لِغَيْرِهَا فَكَانَ إقْرَارُهَا لَهُ هِبَةً بِلَا تسليط على الْقَبْض.
وَأعَاد الشَّارِحُ الْمَسْأَلَةَ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْهِبَةِ وَاسْتَشْكَلَهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ زَوَالَ الْإِشْكَالِ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ فَاغْتَنِمْهُ.
قَوْله: (فَتَأمل عِنْد الْفَتْوَى) الْعبْرَة لما فِي عَامَّة كتب الْمَذْهَب، وَفِي شرح الْعَلامَة عبد الْبر، وَقَالُوا: إِذا أضَاف المَال إِلَى نَفسه بِأَن قَالَ عَبدِي هَذَا لفُلَان يكون هبة على كل حَال، وَإِن لم يضف إِلَى نَفسه بِأَن قَالَ هَذَا المَال لفُلَان يكون إِقْرَارا اهـ.
وَهَذِه الْمَسْأَلَة ذكرهَا ابْن وهبان حَيْثُ قَالَ:
стр. 852
وَمن قَالَ ديني ذَا لذا صَحَّ دَفعه إِلَى ذَا وَذَا حَيْثُ التصادق يذكر قَالَ شارحها عبد الْبر: مَسْأَلَة الْبَيْت من التَّتِمَّة وَغَيرهَا قَالَ الْمقر لَهُ بِالدّينِ إِذا أقرّ أَن الدّين لفُلَان وَصدقه فلَان صَحَّ، وَحقّ الْقَبْض للاول دون الثَّانِي، لَكِن مَعَ هَذَا لَو أدّى إِلَى الثَّانِي برِئ، وَجعل الاول كوكيل، وَالثَّانِي كموكل.
اهـ.
وَظَاهره أَنه يكون لفُلَان بِمُجَرَّد التصادق وَإِن لم يقل اسْمِي عَارِية، وَلم يُسَلط الْمقر لَهُ على قَبضه، فَكَانَ هَذَا التصادق مُفِيدا لملك الْمقر لَهُ، وَكَانَ الْمقر كَالْوَكِيلِ عَن الْمقر لَهُ، وَإِن حمل مَا فِي الْحَاوِي على أَن الْمقر لَهُ كَانَ ساكتا، وَمَسْأَلَة الْبَيْت فِيمَا إِذا وجد مِنْهُ تَصْدِيق حصل التوافق وَزَالَ التَّنَافِي وَالِاضْطِرَاب، وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ، وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم.
بَاب إِقْرَار الْمَرِيض
وَجه تَأْخِيره ظَاهر، لانه عَارض وإفراده فِي بَاب على حِدة لاختصاصه بِأَحْكَام على حِدة، ولان فِي بَعْضهَا اخْتِلَافا.
قَالَ فِي نور الْعين: وَمن الامور المعترضة على الاهلية الْمَرَض، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة وجوب الحكم حتما لله تَعَالَى أَو للْعَبد، وَلَا لاهلية الْعبارَة حَتَّى صَحَّ نِكَاح الْمَرِيض وطلاقه وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بالعبارة، وَلَكِن الْمَرَض لما كَانَ سَبَب الْمَوْت وَالْمَوْت عجز خَالص كَانَ الْمَرَض من أَسبَاب الْعَجز فشرعت الْعِبَادَات على الْمَرِيض بِقدر الْقُدْرَة، وَلما كَانَ الْمَوْت عِلّة خلَافَة الْوَارِث والغرماء فِي المَال كَانَ الْمَرَض من أَسبَاب تعلق حق الْوَارِث والغريم بِمَالِه فَيكون الْمَرَض من أَسبَاب الْحجر على الْمَرِيض بِقدر مَا يتَعَلَّق بِهِ صِيَانة للحقين، إِذا اتَّصل الْمَرَض بِالْمَوْتِ مُسْتَندا إِلَى أول الْمَرَض، حَتَّى لَا يُورث الْمَرَض فِيمَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حق غَرِيم، ووارث كَنِكَاح بِمهْر الْمثل حَيْثُ يَصح مِنْهُ لانه من الْحَوَائِج الاصلية وحقهم يتَعَلَّق فِيمَا فضل عَنْهَا، فَيصح فِي الْحَال كل تصرف يحْتَمل الْفَسْخ كَهِبَة وَبيع بمحاباة، ثمَّ ينْتَقض إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَمَا لَا يحْتَمل النَّقْض جعل كمعلق بِالْمَوْتِ كإعتاق إِذا وَقع على حق غَرِيم أَو ورث، بِخِلَاف إِعْتَاق الرَّاهِن حَيْثُ ينفذ، لَان حق الْمُرْتَهن فِي ملك الْيَد دون الرَّقَبَة اهـ.
قَوْله: (يَعْنِي مرض الْمَوْت) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن أل للْعهد، وَلما كَانَت أل تحْتَمل الِاسْتِغْرَاق وَغَيره فَسرهَا بيعني وَكَانَ الْمقَام أَي.
قَوْله: (مر فِي طَلَاق الْمَرِيض) وَهُوَ قَوْلَهُ مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الْهَلَاكُ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ أَضْنَاهُ مَرَضٌ عَجَزَ بِهِ عَنْ إِقَامَة مَصَالِحه
خَارج الْبَيْت أَو بارز رجلا أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ أَوْ بَقِيَ عَلَى لَوْحٍ مِنْ السَّفِينَةِ أَوْ افترسه سبع وَبَقِي فِي فِيهِ، وَلَا يَصح تبرعه إِلَّا من الثُّلُث اهـ.
وَمِنْه: لَو قدمه ظَالِم ليَقْتُلهُ، وَمِنْه: لَو تلاطمت الامواج وَخيف الْغَرق فَهُوَ كَالْمَرِيضِ: أَي وَمَات من ذَلِك كُله كَمَا قَيده ثمَّة وأوضحه سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى، فَرَاجعه.
قَوْله: (وسيجئ فِي الْوَصَايَا) حَيْثُ قَالَ الْمُؤلف هُنَاكَ: قيل مَرَضِ الْمَوْتِ أَنْ لَا يَخْرُجَ لِحَوَائِجِ نَفْسِهِ، وَعَلِيهِ اعْتمد فِي التَّجْرِيد.
بَزَّازِيَّة.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْمَوْتُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ.
قُهُسْتَانِيُّ عَنْ هبة الذَّخِيرَة.
اهـ.
وَاخْتَارَهُ صَاحب الْهِدَايَة فِي التَّجْنِيس.
لَكِن فِي الْمِعْرَاجِ: وَسُئِلَ صَاحِبُ الْمَنْظُومَةِ عَنْ حَدِّ مَرَضِ الْمَوْتِ، فَقَالَ: كَثُرَتْ فِيهِ أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ، وَاعْتِمَادُنَا فِي ذَلِك على قَول الفضلي، وَهُوَ أَنْ لَا يَقْدِرَ أَنْ يَذْهَبَ فِي حَوَائِجِ نَفْسِهِ خَارِجَ الدَّارِ وَالْمَرْأَةُ لِحَاجَتِهَا دَاخِلَ الدَّار لصعود السَّطْح وَنَحْوه اهـ.
وَهَذَا الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ فِي بَابِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ، وَصَححهُ الزَّيْلَعِيّ.
стр. 853
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ الَّتِي طَالَتْ، وَلَمْ يُخَفْ مِنْهَا الْمَوْتُ كَالْفَالِجِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ صَيَّرَتْهُ ذَا فِرَاشٍ وَمَنَعَتْهُ عَنْ الذَّهَابِ فِي حَوَائِجِهِ فَلَا يُخَالِفُ مَا جَرَى عَلَيْهِ أَصْحَاب الْمُتُون والشروح هُنَا تَأمل.
قَالَ فِي الْإِسْمَاعِيلِيَّة: مَنْ بِهِ بَعْضُ مَرَضٍ يَشْتَكِي مِنْهُ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ يَخْرُجُ إلَى السُّوقِ وَيَقْضِي مَصَالِحه لَا يكون بِهِ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ وَتُعْتَبَرُ تَبَرُّعَاتُهُ مِنْ كُلِّ مَالِهِ، وَإِذَا بَاعَ لِوَارِثِهِ أَوْ وَهَبَهُ لَا يتَوَقَّف على إجَازَة بَاقِي الْوَرَثَة اهـ.
وَتَمام الْكَلَام على ذَلِك مفصلا فِي المحلين الْمَذْكُورين.
قَوْله: (إِقْرَاره بدين لاجنبي) المُرَاد بالاجنبي من لم يكن وَارِثا وَإِن كَانَ ابْن ابْنه.
قَوْله: (نَافِذ من كل مَاله) لَكِنْ يَحْلِفُ الْغَرِيمُ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ بَابِ التَّحْكِيم، وَمثله فِي قَضَاء الاشباه.
قَوْله: (بأثر عمر) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا أقرّ الْمَرِيض بدين جَازَ ذَلِك عَلَيْهِ فِي جَمِيع تركته، والاثر فِي مثله كالخبر لانه من المقدرات، فَلَا يتْرك بِالْقِيَاسِ فَيحمل على أَنه سَمعه من النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، ولان قَضَاء الدّين من الْحَوَائِج الاصلية لَان فِيهِ تَفْرِيغ ذمَّته وَرفع الْحَائِل بَينه وَبَين الْجنَّة فَيقدم
على حق الْغُرَمَاء كَسَائِر حَوَائِجه، لَان شَرط تَعْلِيق حَقهم الْفَرَاغ من حَقه، وَلِهَذَا يقدم كَفنه عَلَيْهِم، وَالْقِيَاس أَن لَا ينفذ إِلَّا من الثُّلُث، لَان الشَّرْع قصر تصرفه على الثُّلُث وعلق حق الْوَرَثَة بالثلثين، فَكَذَا إِقْرَاره.
كَذَا فِي الزَّيْلَعِيّ.
وَفِيه: ولانه لَو لم يقبل إِقْرَاره لامتنع النَّاس عَن مُعَامَلَته حذرا من إتواء مَالهم فينسد عَلَيْهِم طَرِيق التِّجَارَة أَو المداينة اهـ.
وَفِي بعض النّسخ بأثر ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: وَهِي الْمُوَافقَة لما فِي الاتقاني عَن الْمَبْسُوط.
أَقُول: وَفِي البُخَارِيّ فِي كتاب الْوَصَايَا مَا نَصه: وَيذكر أَن شريحا وَعمر بن عبد الْعَزِيز وطاوسا وَعَطَاء وَابْن أذينة أَجَازُوا إِقْرَار الْمَرِيض بدين اهـ.
فَلَعَلَّ مُرَاد الشَّارِح بأثر عمر هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز
قَوْله: (وَلَو بِعَين فَكَذَلِك) قَالَ الْعَلامَة الرَّمْلِيّ فِي حَاشِيَته على الْمنح: قَوْله إِقْرَاره بدين لَيْسَ احْتِرَازًا عَن الْعين لَان إِقْرَاره لَهُ بهَا صَحِيح.
قَالَ فِي مجمع الفتاوي إِذا أقرّ الْمَرِيض لاجنبي بِجَمِيعِ مَاله صَحَّ، وَلَو أقرّ لغير الْوَارِث بِالدّينِ يَصح وَلَو أحَاط بِجَمِيعِ مَاله، وَبِه نَأْخُذ.
وفيهَا: الْمَرِيض الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ دين إِذا أقرّ بِجَمِيعِ مَاله صَحَّ إِقْرَاره وَلَا يتَوَقَّف على إجَازَة الْوَرَثَة، وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لَا يَنْفُذُ إلَّا بِقَدْرِ الثُّلُث عِنْد عدم الاجازة، وَقد ذكر الزَّيْلَعِيّ: لَو كَانَ عَلَيْهِ دين لَا يَصح إِقْرَاره بدين وَلَا بِعَين فِي يَده لآخر فِي حق غُرَمَاء الصِّحَّة وَالْمَرَض بِأَسْبَاب مَعْلُومَة اهـ.
قَوْله: (إِلَّا إِذا علم تملكه) أَيْ بَقَاءُ مِلْكِهِ لَهَا فِي زَمَنِ مَرَضِهِ.
قَوْله: (فيتقيد بِالثُّلثِ) أَي فَيكون إِقْرَاره لَهُ تَمْلِيكًا لَهُ وَالتَّمْلِيك فِي الْمَرَض وَصِيَّة، وَهُوَ معنى مَا أَفَادَهُ الْحَمَوِيّ أَن إِقْرَاره بِالْعينِ للاجنبي صَحِيح إِن كَانَ إِقْرَاره حِكَايَة، وَإِن كَانَ بطرِيق الِابْتِدَاء يَصح من الثُّلُث كَمَا فِي فُصُول الْعِمَادِيّ.
وَقد سُئِلَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: عَن المُرَاد بالحكاية والابتداء.
فَأجَاب: بِأَن الْمُرَادُ بِالِابْتِدَاءِ مَا يَكُونُ صُورَتُهُ صُورَةَ إقْرَارٍ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ ابْتِدَاءُ تَمْلِيكٍ بِأَنْ يَعْلَمَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مِلْكٌ لَهُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إخْرَاجَهُ فِي صُورَةِ الْإِقْرَارِ، حَتَّى لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَنْعٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْمُقِرِّ، كَمَا يَقَعُ أَنَّ الانسان يُرِيد أَن يتَصَدَّق على فَقير وَلكنه يعرض عَنهُ
стр. 854
بَين النَّاس، وَإِذا خلا بِهِ تصدق عَلَيْهِ كي لَا يُحْسَدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْوَرَثَةِ فَيَحْصُلَ مِنْهُمْ إيذَاءٌ فِي الْجُمْلَةِ بِوَجْهٍ مَا، وَأَمَّا الْحِكَايَةُ فَهِيَ على حَقِيقَة الاقرار.
اهـ.
وَقَول الْمَقْدِسِي: بِأَن يعلم الخ، يُفِيد إِطْلَاقه أَن
التَّقْيِيد من الْمُؤلف.
قَوْله: فِي مَرضه اتفاقي ط.
قَالَ: إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِغَيْرِ وَارِثٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِمَالِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يصدقهُ الْوَرَثَة اهـ.
وَهَكَذَا فِي عَامَّة الْمُعْتَمدَة الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ مُخْتَصَرَاتِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَغَيْرِهَا، لَكِنْ فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ: أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ لَا يَجُوزُ حِكَايَةً وَلَا ابْتِدَاءً، وَإِقْرَارُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ يَجُوزُ حِكَايَةً مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَابْتِدَاءً مِنْ ثلث المَال.
اهـ.
قُلْت: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْلَقَهُ الْمَشَايِخُ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّوْفِيقِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالِابْتِدَاءِ مَا يَكُونُ صُورَتُهُ صُورَةَ إقْرَارٍ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ ابْتِدَاءُ تَمْلِيكٍ بِأَنْ يَعْلَمَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مِلْكٌ لَهُ وَإِنَّمَا قَصَدَ إخْرَاجَهُ فِي صُورَةِ الْإِقْرَارِ، حَتَّى لَا يَكُونَ فِي ذَلِك إِظْهَار على الْمقر لَهُ، وكما يَقع لبَعض أَن يتَصَدَّق على فَقير الخ.
وَأما الْحِكَايَة فَهُوَ على حَقِيقَة الاقرار، وَبِهَذَا الْفرق أجَاب الْعَلامَة الْمَقْدِسِي، وَنَقله عَن السَّيِّد الْحَمَوِيّ كَمَا نَقله الرَّمْلِيّ فِي حَاشِيَة جَامع الْفُصُولَيْنِ.
أَقُولُ: وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ.
أَقَرَّ الصَّحِيحُ بِعَبْدٍ فِي يَدِ أَبِيهِ لِفُلَانٍ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَالِابْنُ مَرِيضٌ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْعَبْدِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ مُتَرَدِّدٌ بَين أَن يَمُوت الابْن أَولا فَيبْطل، أَو الْأَبُ أَوَّلًا فَيَصِحَّ، فَصَارَ كَالْإِقْرَارِ الْمُبْتَدَإِ فِي الْمَرَض.
قَالَ أستاذنا: فَهَذَا كالتنصيص أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَقَرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّمَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكُهُ إيَّاهُ فِي حَالِ مَرضه مَعْلُوما حَتَّى أمكن جعل إِقْرَاره إِظْهَارًا أَي لحق الْمقر لَهُ لَا تَمْلِيكًا، فَأَمَّا إذَا عُلِمَ تَمَلُّكُهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ فَإِقْرَارُهُ بِهِ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ ثُلُثِ المَال.
قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: وَأَنه حسن من حَيْثُ الْمَعْنى اهـ.
قُلْت: وَإِنَّمَا قَيَّدَ حَسَنَهُ بِكَوْنِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْلَقُوهُ فِي مُخْتَصَرَاتِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، فَكَانَ إقْرَارُ الْمَرِيضِ لِغَيْرِ وَارِثِهِ صَحِيحًا مُطْلَقًا، وَإِنْ أَحَاطَ بِمَالِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
مُعِينُ الْمُفْتِي.
وَنَقَلَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا مُنْلَا عَلِيٌّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَام طَوِيل فَالَّذِي تحرر مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِأَجْنَبِيٍّ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَشَمِلَ الدَّيْنَ وَالْعَيْنَ، وَالْمُتُونُ لَا تَمْشِي غَالِبًا إلَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ مِنْ بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِت: مَتى اخْتلف التَّرْجِيح
رجح إِطْلَاق مَا فِي الْمُتُون اهـ.
وَقد علمت أَن التَّفْصِيل مُخَالف لما أطْلقُوا، وَإِنْ حَسَّنَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا الرِّوَايَةُ اهـ.
فقد عَلِمْتَ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمُصَنِّف لم يرتضه المُصَنّف.
أَقُول: حَاصِل هَذَا الْكَلَام: أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِأَجْنَبِيٍّ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَحَاطَ بِكُل مَاله، لكنه مَشْرُوط بِمَا إِذا لم يعلم أَنه ابْتِدَاء تمْلِيك فِي الْمَرَض كَمَا إِذا علم أَن مَا أقرّ بِهِ إِنَّمَا دخل فِي ملكه فِي مَرضه، كَمَا إِذا أقرّ فِي مرض مَوته بشئ لاجنبي لم يعلم تملكه لَهُ فِي مَرضه، وَلم يكن عَلَيْهِ دين الصِّحَّة، فَإِن إِقْرَاره بِأَنَّهُ ملك فلَان الاجنبي دَلِيل على أَنه ابْتِدَاء تمْلِيك، كَمَا يَقع كثيرا فِي زَمَاننَا من أَن الْمَرِيض يقر بالشئ لغيره إِضْرَارًا لوَارِثه، فَإِذا علم ذَلِك تقيد بِثلث مَاله، وَهُوَ معنى قَول الْفُصُول الْعمادِيَّة: وَابْتِدَاء من ثلث مَاله، لَكِن أَنْت خَبِير بِأَن الْمُعْتَمد أَن الاقرار إِخْبَار لَا تمْلِيك، وَأَن الْمقر لَهُ بشئ إِذا لم يَدْفَعهُ لَهُ الْمقر بِرِضَاهُ لَا يحل لَهُ أَخذه ديانَة إِلَّا إِذا كَانَ قد ملك ذَلِك بِنَحْوِ بيع أَو هبة وَإِن
стр. 855
كَانَ يحكم لَهُ بِأَنَّهُ ملكه بِنَاء على ظَاهر الامر، وَإِن الْمقر صَادِق فِي إِقْرَاره، فعلى هَذَا إِذا علمنَا أَن هَذَا الْمقر كَاذِب فِي إِقْرَاره وَأَنه قصد بِهِ ابْتِدَاء تمْلِيك فبالنظر إِلَى الدّيانَة لَا يملك الْمقر لَهُ شَيْئا مِنْهُ، وبالنظر إِلَى الْقَضَاء فِي ظَاهر الشَّرْع يحكم لَهُ بِالْكُلِّ، فَلَا وَجه لتخصيص نفاذه من الثُّلُث، لانا حَيْثُ صدقناه فِي إِقْرَاره فِي ظَاهر الشَّرْع لزم نفاذه من كل مَاله، وَإِن أحَاط بِهِ، فَلِذَا أطلق أَصْحَاب الْمُتُون والشروح نَفاذ الاقرار للاجنبي من كل المَال، فَلَيْسَ فِيمَا ذكره فِي الْقنية شئ من الْحسن، لَا من حَيْثُ الْمَعْنى وَلَا من حَيْثُ الرِّوَايَة، وَلَا يكون فِيهِ تأييد لما ذكره من الْفرق إِلَّا أَن يحمل الاقرار الْمَزْبُور على الْهِبَة، وَهِي فِي الْمَرَض وَصِيَّة لكنه يشْتَرط فِيهَا التَّسْلِيم، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى أَضَافَ الْمُقَرَّ بِهِ إلَى ملكه كَانَ هبة، فعلى هَذَا فَيمكن حمل مَا ذكر على الْوَصِيَّة حَيْثُ كَانَ الْمقر فِي ذكر الْوَصِيَّة، فَلَا يشْتَرط التَّسْلِيم، وَإِلَّا حمل على الْهِبَة وَاشْترط التَّسْلِيم كَمَا علمت، وَهَذَا كُله أَيْضا حَيْثُ أضَاف مَا أقرّ بِهِ إِلَى نَفسه كَقَوْلِه دَاري أَو عَبدِي لفُلَان، بِخِلَاف قَوْله هَذِه الدَّار أَو العَبْد لفُلَان وَلم يكن مَعْلُوما للنَّاس بِأَنَّهُ ملك الْمقر، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمكن حمله على التَّمْلِيك بطرِيق الْهِبَة أَو الْوَصِيَّة، لانه يكون مُجَرّد إِقْرَار وَهُوَ إِخْبَار لَا تمْلِيك كَمَا فِي الْمُتُون والشروح.
وَمَا نقل عَن الْقنية مَحْمُول على إِنَّه إنْشَاء تمْلِيك ابْتِدَاء، وَلذَا قيد نفاذه
بِكَوْنِهِ من الثُّلُث، إِلَّا أَن يُقَال: إِن إِقْرَار هَذَا الابْن كَانَ إِخْبَارًا فِي حَال صِحَّته لكنه لما دخل العَبْد فِي ملكه وَهُوَ مَرِيض وَلَزِمَه تَسْلِيمه إِلَى الْمقر لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالة اعْتبر تَبَرعا فِي الْمَرَض فتقيد بِالثُّلثِ.
وَمَا نقل عَن الْعمادِيَّة فَالْمُرَاد بِهِ الاقرار بالابراء عَن الْعين: يَعْنِي أَنه إِذا أقرّ الْمَرِيض أَنه أَبْرَأ وَارثه عَن دين لَهُ عَلَيْهِ لَا يَصح حِكَايَة بِأَن يسند الابراء إِلَى حَال الصِّحَّة، وَلَا ابْتِدَاء بِأَن يقْصد إبراءه الْآن.
وَأما الاجنبي إِذا حكى أَنه أَبرَأَهُ فِي الصِّحَّة يجوز من كل المَال، وَإِذا ابْتَدَأَ إبراءه الْآن لَا على سَبِيل الْحِكَايَة فَمن الثُّلُث لانه تبرع.
وَمَا نقل عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ من أَنه لم يجز فَصرحَ فِي الْجَوْهَرَة بِأَنَّهُ أَي من كل المَال، وَإِنَّمَا يجوز من الثُّلُث، وَعَلِيهِ فَلَا فرق فِي إِقْرَاره بإبراء الاجنبي بَين كَونه حِكَايَة أَو ابْتِدَاء، حَيْثُ ينفذ من الثُّلُث، بِخِلَاف الاقرار بِقَبض الدّين مِنْهُ فَإِنَّهُ من الْكل كَمَا مر اهـ.
مُلَخصا من التَّنْقِيح لسيدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
أَقُول: لَكِن فِي قَوْله فِي صدر الْعبارَة وَإِن أقرّ لوَارث فَهُوَ بَاطِل فِيهِ نظر، لَان الْبَاطِل لَا تلْحقهُ الاجارة، فَيتَعَيَّن أَن يُقَال إِنَّه مَوْقُوف لَا بَاطِل.
تَأمل.
وَفِي الْمجلة من الْمَادَّة ١٠٦١: الاقرار لاجنبي صَحِيح من جَمِيع المَال فِي مرض الْمَوْت إِذا لم يكن عَلَيْهِ دين الصِّحَّة، وَلم يعلم أَن الْمقر ملكه بِسَبَب هبة أَو إِرْث أَو شِرَاء من مُدَّة قريبَة، وَأما إِذا علم أَن الْمَرِيض كَانَ ملكه بِسَبَب مِمَّا ذكر وَكَانَ قريب عهد فِي تملكه، فَيكون من الثُّلُث، سَوَاء حمل على الْوَصِيَّة إِن كَانَ فِي مذاكرة الْوَصِيَّة، وَإِلَّا فعلى الْهِبَة إِذا كَانَ مَعْلُوما ذَلِك عِنْد كثير من النَّاس.
قَوْلُهُ: (فِي مُعِينِهِ) وَهُوَ مُعِينُ الْمُفْتِي لِلْمُصَنِّفِ.
قَوْله: (وَأخر الارث عَنهُ) لَان قَضَاء الدّين من الْحَوَائِج الاصلية، لَان فِيهِ تَفْرِيغ ذمَّته وَرفع الْحَائِل بَينه وَبَين الْجنَّة كَمَا قدمنَا فَيقدم على حق الْوَرَثَة.
قَوْله: (وَدين الصِّحَّة مُطلقًا) سَوَاء علم بِسَبَب مَعْرُوف أَو بِإِقْرَارِهِ، سَوَاء كَانَ لوَارث أم لَا بِعَين أَو بدين ط.
قَوْله: (وَدين) مُبْتَدأ خَبره جملَة قدم، وَيصِح جَرّه، والاول قَول الشَّارِح فِي الْفَرَائِض: وَيُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ عَلَى دَيْنِ الْمَرَضِ إنْ جهل سَببه وَإِلَّا فسيان.
قَوْله: (وَمَا لزمَه فِي مَرضه بِسَبَب مَعْرُوف) وَإِنَّمَا سَاوَى مَا قبله لانه لما علم سَببه انْتَفَت التُّهْمَة عَن الاقرار.
منح.
стр. 856
قَالَ فِي الْمَبْسُوط: إِذا اسْتقْرض مَالا فِي مَرضه وعاين الشُّهُود دفع الْمقْرض المَال إِلَى الْمُسْتَقْرض أَو اشْترى شَيْئا بِأَلف دِرْهَم وعاين الشُّهُود قبض الْمَبِيع أَو تزوج امْرَأَة بِمهْر مثلهَا أَو اسْتَأْجر شَيْئا بمعاينة الشُّهُود، فَإِن هَذِه الدُّيُون تكون مُسَاوِيَة لديون الصِّحَّة، وَذَلِكَ لانها وَجَبت بِأَسْبَاب مَعْلُومَة لَا مرد لَهَا، ولانه بالقرض وَالشِّرَاء لم يفوت على غُرَمَاء الصِّحَّة شَيْئا لانه يزِيد فِي التَّرِكَة مِقْدَار الدّين الَّذِي تعلق بهَا، وَمَتى لم يتَعَرَّض لحقوقهم بالابطال نفذ مُطلقًا اهـ.
جلبي وَفِي التَّعْلِيل الثَّانِي نظر لاحْتِمَال اسْتِهْلَاك مَا اقترضه أَو مَا اشْتَرَاهُ ط
قَوْله: (أَو بمعاينة قَاض) هَذَا بِنَاء على أَن القَاضِي يقْضِي بِعِلْمِهِ وَهُوَ مَرْجُوح كَمَا مر مرَارًا.
قَوْله: (قدم على مَا أقرّ بِهِ فِي مر ض مَوته) حَتَّى لَو أقرّ من عَلَيْهِ دين فِي صِحَّته فِي مَرضه لاجنبي بدين، أَو عين مَضْمُونَة أَو أَمَانَة بِأَن قَالَ مُضَارَبَة أَو وَدِيعَة أَو غصب يقدم دين الصِّحَّة، وَلَا يَصح إِقْرَاره فِي حق غُرَمَاء الصِّحَّة، فَإِن فضل شئ من التَّرِكَة يصرف إِلَى غُرَمَاء الْمَرَض.
إتقاني.
وَإِنَّمَا قدم عَلَيْهِ، لَان الْمَرِيض مَحْجُور عَن الاقرار بِالدّينِ مَا لم يفرغ عَن دين الصِّحَّة، فالدين الثَّابِت بِإِقْرَار الْمَحْجُور لَا يزاحم الدّين الثَّابِت بِلَا حجر، كَعبد مَأْذُون أقرّ بدين بعد حجره، فَالثَّانِي لَا يزاحم الاول.
حموي.
وَفِيه: وَلنَا أَن حق غُرَمَاء الصِّحَّة تعلق بِمَال الْمَرِيض مرض الْمَوْت فِي أول مَرضه لانه عجز عَن قَضَائِهِ من مَال آخر، فالاقرار فِيهِ صَادف حق غُرَمَاء الصِّحَّة فَكَانَ مَحْجُورا عَلَيْهِ ومدفوعا بِهِ.
قَوْله: (وَلَو الْمقر بِهِ وَدِيعَة) أَي لم يتَحَقَّق ملكه لَهَا فِي مَرضه، وَإِلَّا كَانَت وَصِيَّة.
قَوْله: (وَعند الشَّافِعِي الْكل سَوَاء) لانه إِقْرَار لَا تُهْمَة فِيهِ لانه صادر عَن عقد والذمة قَابِلَة للحقوق فِي الْحَالين، وَلنَا أَن الْمَرِيض مَحْجُور عَن الاقرار بِالدّينِ مَا لم يفرغ عَن دين الصِّحَّة، فالدين الثَّابِت بِإِقْرَار الْمَحْجُور لَا يزاحم الدّين الثَّابِت بِلَا حجر، كَعبد مَأْذُون أقرّ بِالدّينِ بعد الْحجر، فَالثَّانِي لَا يزاحم الاول.
دُرَر.
وَالْحَاصِل: أَن الدّين الثَّابِت قبل الْحجر لَا يزاحمه الثَّابِت بعده، وَلَكِن مَا لَو علم مِنْهُ سَبَب بِلَا إِقْرَار يلْحق بالثابت قبل الْحجر فيؤخر عَنْهُمَا الثَّابِت بِمُجَرَّد الاقرار، ثمَّ الدّين الثَّابِت بِالسَّبَبِ نَوْعَانِ: نوع لَو قبض صَاحبه من الْمَرِيض ذَلِك لَا يُشَارِكهُ فِيهِ صَاحب دين الصِّحَّة كالمقرض وَالْمَبِيع فِيهِ.
وَنَوع: يُشَارك فِيهِ مَعَه كمهر قَبضته الْمَرْأَة وَأُجْرَة قبضهَا الْآجر كَمَا فِي غَايَة الْبَيَان، وَأُجْرَة مَسْكَنه ومأكله
وملبسه، وَمِنْه أدويته وَأُجْرَة طبيبه من النَّوْع الاول لَو قبضت لَا يشاركها الْغُرَمَاء وَالْمهْر من النَّوْع الثَّانِي، وَلم يعد من التَّبَرُّعَات لَان النِّكَاح من الْحَوَائِج الاصلية كَمَا مر وَيَأْتِي.
قَوْله: (كَنِكَاح مشَاهد) أَي للشُّهُود، وَإِنَّمَا جعل النِّكَاح من جملَة مَا يجب تَقْدِيمه لانه من الْحَوَائِج الاصلية كَمَا مر، وَإِن كَانَت رَابِعَة لشيخ فان، لَان النِّكَاح فِي أصل الْوَضع من مصَالح الْمَعيشَة، والاصل الْوَضع لَا الْحَال لَان الْحَال مِمَّا لَا يتَوَقَّف عَلَيْهَا كَمَا فِي الْمنح.
قَوْله: (أما الزِّيَادَة فباطلة) أَي مَا لم تجزها الْوَرَثَة لانها وَصِيَّة لزوجته الوارثة، فَافْهَم.
قَوْله: (وَبيع مشَاهد) إِنَّمَا يكون مشاهدا بِالْبَيِّنَةِ على مَا تقدم.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرِيضُ) بِخِلَافِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي حَبْسِ الْعِنَايَةِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَرِيضِ، وَمُفَادُهُ أَن تَخْصِيص الصَّحِيح صَحِيح كَمَا فِي حَجْرِ النِّهَايَةِ شَرْحِ الْمُلْتَقَى.
قَوْلُهُ: (دين بعض الْغُرَمَاء) وَلَو غُرَمَاء
стр. 857
لتَعلق حق كل الْغُرَمَاء بِمَا فِي يَده، وَالتَّقْيِيد بالمريض يُفِيد أَن الْحر غير الْمَحْجُور لَا يمْنَع من ذَلِك.
قَالَ فِي الدُّرَر: وَلم يجز تَخْصِيص غَرِيم بِقَضَاء دينه، وَهَذَا ظَاهر فِي أَنه لَو أَدَّاهُ شَاركهُ الْغُرَمَاء الآخر، بِخِلَاف قَوْله وَلَيْسَ لَهُ الخ، فَإِنَّهُ يحْتَمل، وَيدل على ذَلِك قَول الشَّارِح فَلَا يسلم لَهما.
قَوْله: (فَلَا يسلم) بِفَتْح اللَّام المخففة من السَّلامَة.
قَوْله: (لَهما) بَلْ يُشَارِكُهُمَا غُرَمَاءُ الصِّحَّةِ، لِأَنَّ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ النِّكَاحِ وَسُكْنَى الدَّارِ لَا يَصْلُحُ لتَعلق حَقهم بِعَين التَّرِكَة، فَكَانَ تَخْصِيصُهُمَا إبْطَالًا لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ مِثْلُ مَا نَقَدَ، وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِمَعْنَى التَّرِكَة لَا بالصورة، فَإِذا حصل لَهُ مثله لَا يعد تفويتا كَمَا فِي الْكِفَايَة وَهَذَا فِي الاجرة المستوفية الْمَنْفَعَة.
أما إِذا كَانَت الاجرة مَشْرُوطَة التَّعْجِيل وَامْتنع من تَسْلِيم الْعين الْمُؤجرَة حَتَّى يقبض الاجرة فَهِيَ كَمَسْأَلَة ثمن الْمَبِيع الْآتِيَة الَّذِي امْتنع من تَسْلِيمه حَتَّى يقبض ثمنه.
قَوْله: (إِلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ الخ) وَذَلِكَ لَان الْمَرِيض إِنَّمَا منع من قَضَاء دين بعض الْغُرَمَاء لما فِيهِ من إِسْقَاط حق البَاقِينَ، فَإِذا حصل للْغُرَمَاء مثل مَا قضى وَلم يسْقط من حَقهم شئ جَازَ الْقَضَاء، ولان حق الْغُرَمَاء فِي معنى التَّرِكَة لَا فِي عينهَا كَمَا مر.
فَإِذا اشْترى عبدا وأوفى ثمنه من التَّرِكَة فَمَعْنَى التَّرِكَة حَاصِل لَهُم لم يسْقط مِنْهُ شئ فَجَاز مَا فعله ط.
قَوْله: (لَو بِمثل الْقيمَة) وَالزِّيَادَة تبرع فَهِيَ وَصِيَّة.
قَوْلُهُ: (أَيْ ثَبَتَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ
الْقَرْض وَالشِّرَاء.
قَوْله: (بِخِلَاف اعطاء الْمهْر وَنَحْوه) أَي كإيفاء أُجْرَة عَلَيْهِ، وذكرهما ليُفِيد الحكم فيهمَا وَفِيمَا ذكره المُصَنّف بعد.
قَالَ فِي خزانَة الْمُفْتِينَ: الْمَرِيض إِذا تزوج امْرَأَة وَأَعْطَاهَا مهرهَا يسْتَردّ مِنْهَا مَا أخذت وَيكون بَين الْغُرَمَاء بِالْحِصَصِ، وَالْمَرْأَة وَاحِدَة مِنْهُم، بِخِلَاف ثمن الْمَبِيع، فَإِن الثّمن يسلم للدافع: أَي للْبَائِع الَّذِي دفع السّلْعَة، أما إِذا لم يَدْفَعهَا فَإِن لَهُ حَبسهَا حَتَّى يقبض الثّمن على كل حَال، وَلَكِن ينظر الْفرق بَين الْمهْر وبذل الاجرة وَبَين ثمن الْمَبِيع وَالْقَرْض، وَالْفرق أَن الْمهْر تبرع من وَجه وصلَة وَعرض من وَجه، فباعتبار مَا فِيهِ من الْمُعَاوضَة تشارك الْغُرَمَاء، وَبِاعْتِبَار مَا فِيهِ من الصِّلَة والتبرع يسْتَردّ مَا أَخَذته فِي الْمَرَض والاجرة بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة دين فِي ذمَّة الْمُسْتَأْجر فساوت بِقِيمَة الدُّيُون، أما قَضَاء مَا اسْتقْرض فِي مَرضه لَا يسْتَردّ دفعا للْحَرج، لَان الْمقْرض إِذْ علم عدم وفائه فِي الْمَرَض يمْتَنع عَن إقراضه، وَكَذَا البَائِع فَيلْحق الْمَرِيض الْحَرج، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
قَوْله: (وَمَا إِذا لم يؤد) أَي وَبِخِلَاف مَا إِذا لم يؤد بدل مَا اسْتقْرض أَو ثمن مَا اشْترى فِي الْمَرَض.
قَوْله: (فَإِن البَائِع) أَي والمقرض.
قَوْله: (أُسْوَة) بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا وَبِهِمَا قرئَ فِي السَّبع.
قَوْله: (فِي الثّمن) الاولى أَن يَقُول فِي التَّرِكَة.
قَوْله: (كَانَ أولى) فتباع وَيقْضى من ثمنهَا مَاله، فَإِن زَاد رده فِي التَّرِكَة، وَإِن نقص حاصص بنقصه كَمَا لَا يخفى.
قَوْله: (أقرّ الْمَرِيض الخ) وَلَو للْمَرِيض على الْوَارِث دَيْنٌ فَأَقَرَّ بِقَبْضِهِ لَمْ يَجُزْ، سَوَاءٌ وَجَبَ الدّين بِصِحَّتِهِ أَوْ لَا عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ أَوْ لَا.
فصولين.
قَوْله: (ثمَّ أقرّ بدين) وَقد تساوى الدينان صِحَة أَو مَرضا.
قَوْله: (للاستواء) فِي الثُّبُوت فِي ذمَّة الْمقر.
قَوْله: (وَلَو أقرّ بدين ثمَّ
стр. 858
بوديعة تحاصا) لانه لما بَدَأَ بالاقرار بِالدّينِ تعلق حق الْغَرِيم بالالف الَّتِي فِي يَده، فَإِذا أقرّ أَنَّهَا وَدِيعَة يُرِيد أَن يسْقط حق الْغَرِيم عَنْهَا فَلَا يصدق إِلَّا أَنه قد أقرّ بوديعة تعذر تَسْلِيمهَا بِفِعْلِهِ، فَصَارَت كالمستهلكة فَتكون دينا عَلَيْهِ، ويساوي الْغَرِيم الآخر فِي الدّين وَلَو أقرّ بوديعة ثمَّ بدين، فَصَاحب الْوَدِيعَة أولى بهَا لانه لما بَدَأَ بالوديعة ملكهَا الْمقر لَهُ بِعَينهَا، فَإِذا أقرّ بدين لم يجز أَن يتَعَلَّق بِمَال الْغَيْر ط عَن الْحَمَوِيّ.
قَوْله: (وبعكسه الْوَدِيعَة أولى) يَعْنِي أَن الالف الْمعِين يصرف للوديعة من غير محاصصة
فِيهِ، لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ بِهَا عَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، ثُمَّ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ لَا يَكُونُ شَاغِلًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ.
بَزَّازِيَّة.
وَالْحَاصِل: أَن فِي الصُّورَة الاولى يتحاصان، وَفِي الصُّورَة الثَّانِيَة ينْصَرف للوديعة من غير تحاصص وَيلْزمهُ مَا أقرّ بِهِ، وَإِقْرَاره بِمَال فِي يَده إِنَّه بضَاعَة أَو مُضَارَبَة حكمه مسَاوٍ للوديعة كَمَا فِي الْبَدَائِع.
قَوْله: (وإبراؤه مديونه وَهُوَ مديون) أَي بمستغرق قُيِّدَ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِ الْمَدْيُونِ، فَإِنْ لم يكن مديونا وَأَبْرَأ الاجنبي فَهُوَ نَافِذ من الثُّلُث كَمَا فِي الْجَوْهَرَة.
قَالَ أَبُو السُّعُود فِي حَاشِيَة الاشباه مَا نَصه: لَيْسَ على إِطْلَاقه، بل يُقيد أَن لَا يبْقى لَهُ من المَال الفارغ عَن الدّين مَا يُمكن خُرُوج الْقدر المبرأ من ثلثه، وَلَا بُد من قيد آخر وَهُوَ أَن يكون لَهُ وَارِث وَلم يجز.
قَوْله: (للتُّهمَةِ) علله أَو السُّعُود فِي حَاشِيَة الاشباه بقوله: لَان إِبْرَاء الْوَارِث فِي مرض مَوته وَصِيَّة، وَهِي للْوَارِث لَا تجوز مَا لم يجز الْوَارِث الآخر، لَكِن الشَّارِح تبع الْمنح، والاظهر مَا نَقَلْنَاهُ عَن أبي السُّعُود.
قَوْله: (إِن كَانَ أَجْنَبِيًّا) إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ كَفِيلًا عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ، إذْ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِبَرَاءَةِ الْأَصِيلِ جَامع الْفُصُولَيْنِ.
وَلَو أقرّ بِاسْتِيفَائِهِ دَيْنَهُ مِنْهُ صُدِّقَ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْوَلوالجِيَّة.
قَوْله: (وَإِن كَانَ وَارِثا فَلَا يجوز) أَي سَوَاءٌ كَانَ مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَصَالَةً أَوْ كَفَالَةً، وَكَذَا إقْرَارُهُ بِقَبْضِهِ وَاحْتِيَالِهِ بِهِ على غَيره.
فصولين.
قَوْله: (وحيلة صِحَّته الخ) قَالَ فِي الاشباه: وَهِي الْحِيلَة فِي إِبْرَاء الْمَرِيض وَارثه مرض مَوته، بِخِلَاف قَوْله أَبْرَأتك فَإِنَّهُ يتَوَقَّف كَمَا فِي حيل الْحَاوِي الْقُدسِي، وعَلى هَذَا لَو أقرّ الْمَرِيض بذلك لاجنبي لم تسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ بشئ من الْوَارِث، فَكَذَا إِذا أقرّ بشئ لبَعض ورثته كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّة.
قَوْله: (يَشْمَل الْوَارِث وَغَيره) صَرَّحَ بِهِ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ حَيْثُ قَالَ: مَرِيضٌ لَهُ عَلَى وَارِثِهِ دَيْنٌ فَأَبْرَأَهُ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ قَالَ لَمْ يَكُنْ لِي عَلَيْك شئ ثُمَّ مَاتَ جَازَ إقْرَارُهُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً اهـ.
وَيَنْبَغِي لَو ادّعى الْوَارِث الآخر أَن الْمُقِرُّ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ أَنْ يَحْلِفَ الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: ادَّعَى عَلَيْهِ ديونا ومالا ووديعة فَصَالَحَ الطَّالِبُ عَلَى يَسِيرٍ سِرًّا وَأَقَرَّ الطَّالِبُ فِي الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمُدعى عَلَيْهِ شئ وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ الْمُدَّعِي ثُمَّ مَاتَ فَبَرْهَنَ الْوَارِثُ أَنَّهُ
كَانَ لِمُوَرِّثِي عَلَيْهِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّمَا قَصَدَ حِرْمَانَنَا لَا تُسْمَعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَارِثَ الْمُدَّعِي وَجَرَى مَا ذَكَرْنَا فَبَرْهَنَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ عَلَى أَنَّ أَبَانَا قصد حرماننا بِهَذَا الاقرار تسمع.
اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مَسْأَلَتِنَا كَذَلِكَ، لَكِنْ فرق فِي الاشباه بِكَوْنِهِ مُتَّهمًا فِي هَذِه الْإِقْرَارِ لِتَقَدُّمِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالصُّلْحِ مَعَهُ عَلَى يَسِيرٍ وَالْكَلَامُ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةٍ عَلَى التُّهْمَةِ.
اهـ.
стр. 859
قُلْت: وَكَثِيرًا مَا يَقْصِدُ الْمُقِرُّ حِرْمَانَ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فِي زَمَانِنَا، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ الْقَرِينَة مِنْ الصَّرِيحِ، فَعَلَى هَذَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ بِأَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُمْ عَلَى قِيَامِ الْحَقِّ على الْمقر لَهُ، وَكَذَا الْحُكْمُ يَجْرِي لَوْ ادَّعَى وَارِثُ الْمُقِرِّ فَيحلف، وَالنَّفْي عبر عَنهُ فِي الْبَحْر هُنَا بالاقرار، وَتارَة عبر عَنهُ بالابراء فِي أول الاقرار، وَفِي الصُّلْح، وَكَذَا البزازي، وَحِينَئِذٍ فَمَا فِي الْمَتْن إِمَّا إِقْرَار أَو إِبْرَاء، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ لِلْوَارِثِ كَمَا فِي الْمُتُونِ والشروح، فَمَا فِي الْمَتْن هُنَا غَرِيب لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَصِيرَ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ الْإِرْثِ الجبري مَعَ ضعفه، ويوضحه مَا لَو قَالُوا قصد حرماننا بذلك تسمع دَعوَاهُم كَمَا سَمِعت وَيَأْتِي، وَالله تَعَالَى أعلم.
قَوْله: (صَحِيح قَضَاء لَا ديانَة) لانه فِي الدّيانَة لَا يجوز إِذا كَانَ بِخِلَاف الْوَاقِع، وَنَفس الامر بِأَن كَانَ لَهُ فِي الْوَاقِع عَلَيْهِ شئ لاستلزامه إِيثَار بعض الْوَرَثَة، وحرمان الْبَعْض، إِذْ لَو قَالَ طابق الْوَاقِع إِقْرَاره بِأَن لم يكن عَلَيْهِ شئ لصَحَّ قَضَاء وديانة كَمَا لَا يخفى.
قَوْله: (إِلَّا الْمهْر) أَي إِذا قَالَت فِي مرض مَوتهَا لَا مهر لي عَلَيْهِ أَو لم يكن لي عَلَيْهِ مهر.
قَوْله: (على الصَّحِيح) مُقَابِله مَا فِي الْمنح عَن الْبَزَّازِيَّة معزيا إِلَى حيل الْخصاف قَالَت فِيهِ: لَيْسَ على زَوجي مهر أَو قَالَ فِيهِ لم يكن لي على فلَان شئ يبرأ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ اهـ.
قَوْله: (لظُهُور أَنه عَلَيْهِ غَالِبا) لَعَلَّ المُرَاد مَا تعورف تأجليه غَالِبا.
تَأمل قَوْله (بِخِلَاف) رَاجع إِلَى.
قَوْله: (فَلَا يَصح) .
قَوْله: (فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى زَوْجِهَا فِيهِ) اعْلَم أَن صَاحب الاشباه استنبط هَذِه الْمَسْأَلَة من مَسْأَلَة الاقرار الْمصدر بِالنَّفْيِ، وَقَالَ: إِن هَذَا الاقرار مِنْهَا: أَي الْبِنْت بِمَنْزِلَة قَوْلهَا لَا حق لي فِيهِ، فَيصح وَلَيْسَ من قبيل الاقرار بِالْعينِ للْوَارِث لانه فِيمَا إِذا قَالَ هَذَا لفُلَان، فَلْيتَأَمَّل وَيُرَاجع الْمَنْقُول اهـ.
وَأقرهُ على ذَلِك المُصَنّف فِي منحه حَيْثُ قَالَ: وَفِي التاترخانية من بَاب إِقْرَار الْمَرِيض معزيا إِلَى
الْعُيُون: ادّعى على رجل مَالا وأثبته وأبرأه لَا تجوز بَرَاءَته إِن كَانَ عَلَيْهِ دين، وَكَذَا لَو أَبْرَأ الْوَارِث لَا يجوز سَوَاء كَانَ عَلَيْهِ دين أَو لَا، وَلَو أَنه قَالَ لم يكن لي على هَذَا الْمَطْلُوب شئ ثمَّ مَاتَ جَازَ إِقْرَاره فِي الْقَضَاء اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّة معزيا إِلَى حيل الْخصاف قَالَت فِيهِ: لَيْسَ لي على زَوجي مهر وَقَالَ فِيهِ لم يكن لي على فلَان شئ يبرأ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ.
اهـ.
وفيهَا قبله وإبراء الْوَارِث لَا يجوز فِيهِ.
قَالَ فِيهِ: لم يكن لي عَلَيْهِ شئ لَيْسَ لوَرثَته أَن يدعوا عَلَيْهِ شَيْئا فِي الْقَضَاء، وَفِي الدّيانَة لَا يجوز هَذَا الاقرار، وَفِي الْجَامِع أقرّ الابْن فِيهِ أَنه لَيْسَ لَهُ على وَالِده شئ من تَرِكَة أمه صَحَّ، بِخِلَاف مَا لَو أَبرَأَهُ أَو وهبه، وَكَذَا لَو أقرّ بِقَبض مَاله مِنْهُ اهـ.
وَبِهَذَا علم صِحَة مَا أفتى بِهِ مَوْلَانَا صَاحب الْبَحْر: فِيمَا لَو أقرَّت الْبِنْت فِي مرض مَوتهَا بِأَن الامتعة الْفُلَانِيَّة ملك أَبِيهَا لَا حق لَهَا فِيهَا أَنه يَصح، وَلَا تسمع دَعْوَى زَوجهَا فِيهَا مُسْتَندا إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ، وَقد خَالفه فِي ذَلِك شَيخنَا أَمِين الدّين بن عبد العال الْمصْرِيّ، وَأفْتى بِعَدَمِ الصِّحَّة مُسْتَندا إِلَى عَامَّة مَا فِي الْمُعْتَبرَات من أَن الاقرار للْوَارِث لَا يَصح، وَكثير من النقول الصَّحِيحَة يشْهد بِصِحَّة هَذَا: أَي إِفْتَاء صَاحب الْبَحْر، وَلَيْسَ هَذَا من قبيل الاقرار لوَارث كَمَا لَا يخفى.
قَالَ مَوْلَانَا صَاحب الْبَحْر: وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّة معزيا للذخيرة قَوْلهَا فِيهِ لَا مهر لي عَلَيْهِ أَو
стр. 860
لَا شئ لي عَلَيْهِ أَو لم يكن لي عَلَيْهِ مهر قيل يَصح، وَقيل لَا يَصح، وَالصَّحِيح أَنه لَا يَصح.
اهـ.
لَان هُنَا فِي خُصُوص الْمهْر لظُهُور أَنه عَلَيْهِ غَالِبا، وكلامنا فِي غير الْمهْر، وَلَا يُنَافِيهِ أَيْضا مَا ذكره فِي الْبَزَّازِيَّة أَيْضا بعده: ادّعى عَلَيْهِ مَالا وديونا ووديعة فَصَالح مَعَ الطَّالِب على شئ يَسِيرٍ سِرًّا وَأَقَرَّ الطَّالِبُ فِي الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لم يكن لَهُ على الْمُدعى عَلَيْهِ شئ وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ الْمُدَّعِي ثُمَّ مَاتَ لَيْسَ لوَرثَته أَن يدعوا على الْمُدعى عَلَيْهِ بشئ، وَإِن برهنوا على أَنه كَانَ لمورثنا عَلَيْهِ أَمْوَال لكنه قصد بِهَذَا الاقرار حِرْمَانَنَا لَا تُسْمَعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَارِثَ الْمُدَّعِي وَجَرَى مَا ذَكَرْنَا فَبَرْهَنَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ عَلَى أَنَّ أَبَانَا قَصَدَ حِرْمَانَنَا بِهَذَا الاقرار وَكَانَ عَلَيْهِ أَمْوَال تسمع اهـ.
لكَونه مُتَّهمًا فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالصُّلْحِ
مَعَهُ عَلَى يَسِيرٍ، وَالْكَلَامُ عِنْد عدم قرينَة على التُّهْمَة وَالله تَعَالَى أعلم اهـ.
مَا ذكره فِي الْمنح.
وَأقرهُ على ذَلِك الشَّارِح كَمَا ترى، قَالَ محشيه الْفَاضِل الْخَيْر الرَّمْلِيّ قَوْله: وَبِهَذَا علم صِحَة مَا أفتى بِهِ مَوْلَانَا صَاحب الْبَحْر الخ.
أَقُول: لَا شَاهد على ذَلِك مِمَّا تقدم، وَحَيْثُ كَانَت الامتعة فِي يَد الْبِنْت المقرة لَا يَصح إِقْرَارهَا بهَا لابيها، يدل عَلَيْهِ مَا صرح بِهِ الزَّيْلَعِيّ وَغَيره من أَنه لَو أقرّ بِعَين فِي يَده لآخر لَا يَصح فِي حق غُرَمَاء الصِّحَّة، وَإِذا لم يَصح فِي حق غُرَمَاء الصِّحَّة لَا يَصح فِي حق بَقِيَّة الْوَرَثَة لاشْتِرَاكهمَا فِي الحكم لشمُول الْعلَّة وَهِي التُّهْمَة لَهما، وَمَا قدمه من قَوْله بِخِلَاف إِقْرَاره بِأَن هَذَا العَبْد لفُلَان، فَإِنَّهُ كَالدّين فَإِذا كَانَ كَالدّين فَكيف يَصح الاقرار بِهِ للْوَارِث، أما عدم شَهَادَة مَا تقدم لَهُ فبيانه أَن قَوْله لَيْسَ لي على فلَان أَو لم يكن لي عَلَيْهِ دين مُطَابِقٌ لِمَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ خُلُوِّ ذِمَّتِهِ عَن دينه فَلم يكن من بَاب الاقرار لَهُ، فَصَارَ كَاعْتِرَافِهِ بِعَيْنٍ فِي يَدِ زَيْدٍ بِأَنَّهَا لِزَيْدٍ فَانْتَفَتْ التُّهْمَةُ، وَمِثْلُهُ لَيْسَ لَهُ عَلَى وَالِدِهِ شئ مِنْ تَرِكَةِ أُمِّهِ، وَلَيْسَ لِي عَلَى زَوْجِي مهر على القَوْل الْمَرْجُوح، وَقد علمت أَن الاصح أَنه لَا يَصح، بِخِلَاف الامتعة الَّتِي بيد المقرة، فَإِنَّهُ إِقْرَار بهَا لِلْوَارِثِ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّ أَقْصَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ على الْملك الْيَد، فقد أقرَّت بِمَا هُوَ ملكهَا ظَاهرا لوارثها فَأنى يَصح وأنى تَنْتفِي التُّهْمَة؟ وَقَوله وَكثير من النقول الصَّحِيحَة نشْهد بِصِحَّة هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا من بَاب الاقرار لوَارث غير صَحِيح، لانا لم نجد فِي النقول الصَّحِيحَة وَلَا الضعيفة مَا يشْهد بِصِحَّتِهِ، وَوجدنَا النقول مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعَيْنِ الَّتِي فِي يَدِ الْمقر كالاقرار بِالدّينِ، وَلم يبعد عَهْدك بنقلها وَقَول صَاحب الْبَحْر وَلَا يُنَافِيهِ الخ.
أَقُول: بل يفهم مِنْهُ عدم الصِّحَّة بالاولى، وَذَلِكَ لانه إِذا لم يَصح فِيمَا مِنْهُ الاصل بَرَاءَة الذِّمَّة، فَكيف يَصح فِيمَا فِيهِ الْملك مشَاهد؟ ظَاهرا بِالْيَدِ نعم، لَو كَانَت فِي الامتعة يَد الاب هِيَ الْمُشَاهدَة لَا يَد الْبِنْت، فَلَا كَلَام فِي الصِّحَّة، فَالْحق مَا أفتى بِهِ ابْن عبد العال، وَيدل أَيْضا لصِحَّة مَا قُلْنَا مَا فِي شرح الْقَدُورِيّ الْمُسَمّى بمجمع الرِّوَايَة من قَوْله قَالَ فِي حَاشِيَة الْهِدَايَة: قَوْله وَإِقْرَار الْمَرِيض لوَارِثه لَا يَصح إِلَّا أَن يصدقهُ بَقِيَّة الْوَرَثَة، هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن إِقْرَار الْمَرِيض لوَارِثه إِذا كَانَ هُنَا وراث آخر غير الْمقر لَهُ إِنَّمَا لَا يَصح لَا لعدم الْمَحَلِّيَّة بل لحق بَقِيَّة الْوَرَثَة، فَإِذا لم يكن لَهُ وَارِث غير الْمقر لَهُ صَحَّ إِقْرَاره، دلّ
عَلَيْهِ مَا ذكر فِي الدِّيات إِذا مَاتَت الْمَرْأَة وَتركت زوجا وعبدين لَا مَال لَهَا غَيرهمَا فأقرت أَن هَذَا العَبْد بِعَيْنِه وَدِيعَة لزَوجهَا عِنْدهَا، ثمَّ مَاتَت فَذَلِك جَائِز وَيكون العَبْد للزَّوْج بالاقرار بالوديعة وَالْعَبْد الآخر مِيرَاث نصفه للزَّوْج وَنصفه لبيت المَال اهـ.
فَهَذَا صَرِيح فِي أَنه إِذا كَانَ هُنَاكَ وَارِث غير الزَّوْج وَغير بَيت المَال لَا يَصح إِقْرَارهَا بِالْعَبدِ للزَّوْج، وَأي فرق بَين قَول الْبِنْت هَذِه الامتعة الَّتِي بيَدي أَو فِي بَيْتِي
стр. 861
ملك أبي لَا حق لي فِيهَا، وَبَين قَول الزَّوْجَة هَذَا العَبْد ملك زَوجي، فَإِن كَانَ زِيَادَة لَا حق لي فِيهَا فَهَذَا نفى حَقّهَا الْمشَاهد بِالْيَدِ ظَاهرا بعد إثْبَاته للاب.
وَبِه لَا يخرج عَن كَونه إِقْرَارا للْوَارِث بِعَين فِي يَده، فَتَأمل اهـ مَا ذكره الشَّيْخ خير الدّين الرَّمْلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى، فالعجب من الشَّارِح مَعَ قَول شَيْخه الْخَيْر الرَّمْلِيّ فِي حَاشِيَته على الاشباه أَيْضا: أَن كل مَا أَتَى بِهِ من الشواهد لَا يشْهد لَهُ مَعَ تصريحهم بِأَن إِقْرَار الْمَرِيض بِعَين فِي يَده لوَارِثه لَا يَصح، وَلَا شكّ أَن الامتعة الَّتِي بيد الْبِنْت، وملكها فِيهَا ظَاهر بِالْيَدِ إِذا قَالَت هِيَ ملك أبي لَا حق لي فِيهَا إِقْرَار بِالْعينِ للْوَارِث، بِخِلَاف قَوْله لم يكن لي عَلَيْهِ شئ أَو لَا حق لي عَلَيْهِ أَو لَيْسَ لي عَلَيْهِ شئ وَنَحْوه من صور النَّفْي لتمسك النَّافِي فِيهِ بالاصل، فَكيف يسْتَدلّ بِهِ على مدعاه، ويجعله صَرِيحًا فِيهِ.
ثمَّ قَالَ: وَقد خَالفه فِي ذَلِك عُلَمَاء عصره بِمصْر، وأفتوا بِعَدَمِ الصِّحَّة، وَمِنْهُم وَالِد شَيخنَا الشَّيْخ أَمِين الدّين بن عبد العال.
وَبعد هَذَا الْبَحْث والتحرير رَأَيْت شيخ شَيخنَا شيخ الاسلام الشَّيْخ عَليّ الْمَقْدِسِي رد على الْمُؤلف: أَي صَاحب الاشباه كَلَامه، وَكَذَلِكَ الشَّيْخ مُحَمَّد الْغَزِّي على هَامِش نُسْخَة الاشباه والنظائر، فقد ظهر الْحق واتضح وَللَّه الْحَمد والْمنَّة اهـ كَلَام الْخَيْر الرَّمْلِيّ أَيْضا.
وَتَبعهُ السَّيِّد الْحَمَوِيّ فِي حَاشِيَة الاشباه، وَكَذَلِكَ رد عَلَيْهِ الْعَلامَة جوي زَاده كَمَا رَأَيْته مَنْقُولًا عَنهُ فِي هَامِش نُسْخَتي الاشباه، ورد عَلَيْهِ أَيْضا الْعَلامَة البيري وَقَالَ بعد كَلَام: وَعَلِيهِ فَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال لمفت وَلَا لقاض بِمَا أفتى بِهِ من صِحَة الاقرار للْوَارِث بالعروض فِي مرض الْمَوْت الْوَاقِع فِي زَمَاننَا، لَان الْخَاص وَالْعَام يعلمُونَ أَن الْمقر مَالك لجَمِيع مَا حوته دَاره لَا حق فِيهِ للْمقر لَهُ بِوَجْه من الْوُجُوه، وَإِنَّمَا قصد حرمَان بَاقِي الْوَرَثَة: أَي تُهْمَة بعد هَذِه التُّهْمَة يَا عباد الله اهـ.
وَكَذَا رد عَلَيْهِ الشَّيْخ إِسْمَاعِيل الحائك مفتي دمشق الشَّام سَابِقًا حَيْثُ سُئِلَ: فِيمَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنْ لَا حق لَهُ فِي
الامتعة الْمَعْلُومَة مَعَ بنته وَملكه فِيهَا ظَاهر؟ فَأجَاب بِأَن الاقرار بَاطِل عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَلَوْ مُصَدَّرًا بِالنَّفْيِ خلافًا للاشباه وَقد أَنْكَرُوا عَلَيْهِ اهـ.
وَكَذَا رد عَلَيْهِ شَيخنَا السائحاني وَغَيره.
وَالْحَاصِل كَمَا رَأَيْته مَنْقُولًا عَن الْعَلامَة جوي زَاده: أَن الامتعة إِن كَانَت فِي يَد الْبِنْت فَهُوَ إِقْرَار بِالْعينِ للْوَارِث بِلَا شكّ، وَإِن لم تكن فِي يَدهَا فَهُوَ صَحِيح، وَبِه يشْعر كَلَام الْخَيْر الرَّمْلِيّ الْمُتَقَدّم، وَصرح بِهِ أَيْضا فِي حَاشِيَته على الْمنح، وَأطَال فِي الرَّد على الاشباه كَمَا علمت.
مطلب: الاقرار للْوَارِث مَوْقُوف إِلَّا فِي ثَلَاث فَإِن قلت: قد ذكر الشَّارِح فِيمَا يَأْتِي عَن الاشباه أَن إِقْرَاره للْوَارِث مَوْقُوف إِلَّا فِي ثَلَاث مِنْهَا: إِقْرَاره كلهَا الخ، وَقَول الْبِنْت هَذَا الشئ لابي إِقْرَار بالامانة بالامانات فَيصح وَإِن كَانَ فِي يَدهَا.
قلت: المُرَاد يَصح إِقْرَارهَا بِقَبض الامانة الَّتِي لَهُ عِنْد وَارثه، لَان صَاحب الاشباه ذكر عَن تَلْخِيص الْجَامِع أَنَّ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ مَوْقُوفٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: لَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ وَدِيعَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ، أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ مَا كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً، أَوْ بِقَبْضِ مَا قَبضه الْوَارِث بِالْوكَالَةِ من مديونه.
ثمَّ قَالَ فِي الاشباه: وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالثَّانِيَةِ إقْرَارُهُ بِالْأَمَانَاتِ كُلِّهَا وَلَوْ مَالَ الشَّرِكَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ، وَالْمَعْنَى فِي الْكل أَنه لَيْسَ فِيهِ إيثارا لبَعض اهـ: يَعْنِي أَن الْوَدِيعَة فِي قَوْله أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ مَا كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً غير قيد، بل يَنْبَغِي أَن يلْحق بهَا الامانات كلهَا فَيكون إِقْرَاره بقبضها كإقراره بِقَبض الْوَدِيعَة، وَيُؤَيّد هَذَا الْبَحْث مَا قدمْنَاهُ
стр. 862
عَن نور الْعين من قَوْله: مَرِيض عَلَيْهِ دين مُحِيط بِقَبْضِ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ وَارِثِهِ صَحَّ إقْرَارُهُ، لِأَنَّ الْوَارِثَ لَوْ ادَّعَى رَدَّ الْأَمَانَةِ إلَى مُوَرِّثِهِ الْمَرِيضِ وَكذبه الْمُورث يقبل قَول الْوَارِث اهـ.
فقد تبين لَك أَنه لَيْسَ المُرَاد إِقْرَاره بأمانة عِنْده لوَارِثه، بل المُرَاد مَا قُلْنَا فَتنبه لذَلِك، فَإِنِّي رَأَيْت من يُخطئ فِي ذَلِك مَعَ أَن النقول صَرِيحَة بِأَن إِقْرَاره لوَارِثه بِعَين غير صَحِيح كَمَا مر، ثمَّ إِن مَا ذكره فِي الاشباه من اسْتثِْنَاء الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الظَّاهِر أَنه يَسْتَغْنِي عَنهُ بِالثَّانِيَةِ، لَان الْمَرِيض إِذا كَانَ لَهُ دين على أَجْنَبِي فَوكل الْمَرِيض وَارثه بِقَبض الدّين الْمَذْكُور فَقَبضهُ صَار ذَلِك الَّذين أَمَانَة فِي يَد الْوَارِث، فَإِذا أقرّ
بِقَبْضِهِ مِنْهُ فقد أقرّ لَهُ بِقَبض مَا كَانَ لَهُ أَمَانَة عِنْده، لَان المَال فِي يَد الْوَكِيل أَمَانَة.
تَأمل.
وَقد ذكر فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ صُورَة الْمَسْأَلَة الاولى من الْمسَائِل الثَّلَاث فَقَالَ: صُورَتَهَا أَوْدَعَ أَبَاهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي مَرَضِ الْأَبِ أَوْ صِحَّتِهِ عِنْدَ الشُّهُودِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَقَرَّ بِإِهْلَاكِهِ صُدِّقَ، إذْ لَوْ سَكَتَ وَمَات وَلَا يدْرِي مَا صنع كَانَت فِي مَاله، فَإِذا أقرّ بإتلافه فَأولى اهـ.
قَوْله عِنْد الشُّهُود قيد بِهِ لتَكون الْوَدِيعَة معرفَة بِغَيْر إِقْرَاره، وَلِهَذَا قيد فِي الاشباه بقوله الْمَعْرُوفَة، فَيدل على أَنه لَو أقرّ بإهلاك وَدِيعَة لوَارِثه وَلَا بَيِّنَة على الايداع لَا يقبل قَوْله، وَبِه تعلم مَا فِي عبارَة المُصَنّف وَالشَّارِح من الْخلَل حَيْثُ قَالَ: بِخِلَافِ إقْرَارِهِ لَهُ: أَيْ لِوَارِثِهِ بِوَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ فَإِنَّهُ جَائِز.
وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: كَانَتْ عِنْدِي وَدِيعَةٌ لِهَذَا الْوَارِث فاستهلكتها.
جَوْهَرَة اهـ.
فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَن يَقُول: بِخِلَاف إِقْرَاره لَهُ باستهلاك وَدِيعَة معرفَة فَإِنَّهُ جَائِز فاغتنم ذَلِك.
قَوْله: (كَمَا بَسطه فِي الاشباه الخ) أَقُول: وَقد خَالفه عُلَمَاء عصره، وأفتوا بِعَدَمِ الصِّحَّة كَمَا علمت.
وَقد كتب الْعَلامَة الْحَمَوِيّ فِي حَاشِيَة الاشباه فِي الرَّد على عبارتها فَقَالَ: كل مَا أَتَى بِهِ المُصَنّف: أَي صَاحب الاشباه لَا يشْهد لَهُ مَعَ تصريحهم بِأَن إِقْرَاره بِعَين فِي يَده لوَارِثه لَا يَصح، وَلَا شكّ أَن الامتعة الَّتِي بيد الْبِنْت ملكهَا فِيهَا ظَاهر بِالْيَدِ، فَإِذا قَالَت هِيَ ملك أبي لَا حق لي فِيهَا، فَيكون إِقْرَارا بِالْعينِ للْوَارِث، بِخِلَاف قَوْله لم يكن لي عَلَيْهِ شئ أَو لَا حق لي عَلَيْهِ أَو لَيْسَ لي عَلَيْهِ شئ وَنَحْوه من صُورَة النَّفْي لتمسك النَّافِي فِيهِ بالاصل، فَكيف يسْتَدلّ بِهِ على مدعاه ويجعله صَرِيحًا فِيهِ.
وَذكر الشَّيْخ صَالح فِي حَاشِيَته على الاشباه متعقبا لصَاحِبهَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا نَصه: أَقُول: مَا ذكره المُصَنّف هُنَا لَا يخرج عَن كَونه إِقْرَارا للْوَارِث بِالْعينِ، وَهُوَ غير صَحِيح، وَبِه أفتى شيخ الاسلام أَمِين الدّين، وَلَيْسَ هَذَا دَاخِلا تَحت صور النَّفْي الَّتِي ذكرهَا مستدلا بهَا.
وَقَالَ أَخُو الْمُؤلف الشَّيْخ عمر بن نجيم: لَا يخفى مَا فِي إِقْرَارهَا من التُّهْمَة خُصُوصا إِذا كَانَ بَينهَا وَبَين زَوجهَا خُصُومَة كتزوجه عَلَيْهَا.
وَقَالَ البيري: الصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ لِلْوَارِثِ بِالْعَيْنِ بِصِيغَةِ النَّفْي، وَلَا نزاع فِي عدم صِحَة ذَلِك للْوَارِث فِي مرض الْمَوْت، وَمَا اسْتندَ لَهُ المُصَنّف مَفْرُوض فِي إِقْرَار بِصِيغَة النَّفْي فِي دين لَا فِي عين، وَالدّين وصف قَائِم بِالذِّمةِ وَإِنَّمَا يصير مَالا بِاعْتِبَار قَبضه اهـ.
وَقَول المُصَنّف: وَلَيْسَ هَذَا من
قبيل الاقرار للْوَارِث فِيهِ نظر.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَعَ أَجْنَبِيٍّ) قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ: أَقَرَّ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ بِدَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بَطَلَ إقْرَارُهُ عِنْدَهُمَا تَصَادَقَا فِي الشَّرِكَةِ أَوْ تَكَاذَبَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لِلْأَجْنَبِيِّ بِحِصَّتِهِ لَوْ أَنْكَرَ الْأَجْنَبِيُّ الشَّرِكَةَ، وَبِالْعَكْسِ لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّه على اخْتِلَاف، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ
стр. 863
على قَول مُحَمَّد كَمَا هُوَ قَوْلهمَا اهـ.
لَهما أَن الاقرار إِخْبَار، وَلَا يَصح أَن ينفذ على خلاف الْوَجْه الَّذِي أقرّ بِهِ، فَإِذا أقرّ مُشْتَركا لَا يُمكن أَن ينفذ غير مُشْتَرك.
وَفِي أَحْكَام الناطفي: لَو أقرّ لاثْنَيْنِ بِأَلف فَرد أَحدهمَا وَقبل الآخر فَلهُ النّصْف.
قَوْله: (بِعَين) قيست على الدّين الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَمِثَال الْعين أَن يقر الْمَرِيض بِأَن هَذِه الْعين وَدِيعَة وأرثي أَو عاريته أَو غصبتها أَو رهنتها مِنْهُ.
قَوْله: (بَطل) أَي على تَقْدِير عدم الاجازة، وَإِلَّا فَهُوَ مَوْقُوف اهـ.
منح لكنه لَو طلب سلم إِلَيْهِ، ثمَّ إِن مَاتَ لَا يرد لاحْتِمَال صِحَة الاقرار بالتحاق صِحَة الْمَرِيض اهـ.
حموي عَن الرَّمْز.
قَوْله: (وَلَنَا حَدِيثُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إقْرَارَ لَهُ بدين) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، لَكِن فِي الْمَبْسُوط أَن الزِّيَادَة شَاذَّة وَلذَلِك تَركهَا فِي الدُّرَر، وَالْمَشْهُور: لَا وَصِيَّة لوَارث، ولدلالة نفي الْوَصِيَّة على نفي الاقرار لَهُ بِالطَّرِيقِ الاولى، لَان بِالْوَصِيَّةِ إِنَّمَا يذهب ثلث المَال، وبالاقرار يذهب كُله، فإبطالها إبِْطَال للاقرار بِالطَّرِيقِ الاولى كَمَا فِي المنبع.
فَظهر أَن مَا يُقَال الْمُدَّعِي عدم جَوَاز الاقرار وَالدَّلِيل على عدم جَوَاز الْوَصِيَّة.
فَالصَّوَاب مَا أَتَى بِهِ صَاحب الْهِدَايَة سَاقِط غَايَته أَن الدَّلِيل لم ينْحَصر على عبارَة النَّص كَمَا صرح بِهِ فِي الاصول.
قَوْله: (إِلَّا أَن يصدقهُ بَقِيَّة الْوَرَثَة) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا عِبْرَةَ لِإِجَازَتِهِمْ قَبْلَهُ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَإِنْ أَشَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لِضِدِّهِ، وَأَجَابَ بِهِ ابْنُهُ نِظَامُ الدِّينِ وحفيده عِمَادُ الدِّينِ.
ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ شَرْحُ الْمُلْتَقَى.
وَفِي النعيمية: إذَا صَدَّقَ الْوَرَثَةُ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ فِي حَيَاتِهِ لَا يُحْتَاجُ لِتَصْدِيقِهِمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَعَزَاهُ لِحَاشِيَةِ مِسْكِينٍ قَالَ: فَلَمْ تُجْعَلْ الْإِجَازَةُ كَالتَّصْدِيقِ، وَلَعَلَّه لانهم أقرُّوا اهـ.
قَالَ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود فِي حَاشِيَة مِسْكين: وَكَذَا لَو كَانَ لَهُ دين على وَارثه فَأقر بِقَبْضِهِ لَا يَصح، إِلَّا أَن يصدقهُ الْبَقِيَّة.
زَيْلَعِيّ.
فَإِذا صدقوه فِي حَيَاة الْمقر فَلَا حَاجَة إِلَى التَّصْدِيق بعد الْمَوْت،
بِخِلَاف الْوَصِيَّة بِمَا زَاد على الثُّلُث حَيْثُ لَا تنفذ إِلَّا بِإِجَازَة الْوَرَثَة بعد موت الْمُوصي حموي اهـ.
أَقُول: يَنْبَغِي أَن يكون على هَذَا المنوال رضَا الْغُرَمَاء قبل مَوته.
تدبر.
وَأَقُول: وَكَذَا وقف بَيْعه لوَارِثه على إجازتهم كَمَا قدمه فِي بَاب القضولي، وَأَشَارَ فِي الخزانة إِلَى أَنهم قَالُوا أجزنا إِقْرَاره فِي حَيَاته فَلهم الرُّجُوع: أَي فَلَا مُخَالفَة لَان التَّصْدِيق كصريح الاقرار، بِخِلَاف الاجازة.
قَوْله: (فَلَو لم يكن وَارِث آخر) أَي ذُو فرض أَو تصعيب أَو رحم محرم.
قَوْله: (أَو أوصى لِزَوْجَتِهِ) يَعْنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ، وَكَذَا فِي عَكسه كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَفِي بعض النّسخ وَأوصى بِدُونِ ألف، وَهِي الاولى لانه تَصْوِير للْوَصِيَّة للْوَارِث الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَارِث غَيره، وَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر بِغَيْر أحد الزَّوْجَيْنِ لما قَالَه من أَن غَيرهمَا فرضا وردا.
قَوْله: (صحت الْوَصِيَّة) وَلَو كَانَ مَعهَا بَيت المَال لما أَنه غير وَارِث، بل يوضع فِيهِ المَال على أَنه مَال ضائع لَا بطرِيق الارث، فَلَا يُعَارضهُ الْوَصِيَّة والاقرار وَلَا الْمُحَابَاة، كَمَا أَفَادَهُ الْخَيْر الرَّمْلِيّ فِي فَتَاوَاهُ آخر الْوَصَايَا، قَالَ فِيهَا: وَحَيْثُ لَا وَارِث نفذت محاباتها مَعَ زَوجهَا بِلَا توقف، وَلَو أوصت بِكُل مَا لَهَا نفذت وصيتها لَهُ، لَكِن قد يُقَال: إِن مَا ذكره الشَّارِح أَنه لَا يُوَافق مَسْأَلَة المُصَنّف، لَان موضوعها الاقرار لَا بملاحظة أَن هَذَا الاقرار
стр. 864
يكون وَصِيَّة بِدَلِيل قَوْله: إِلَّا أَن يصدقهُ الْوَرَثَة فَإِنَّهُ يَصح الاقرار، وَإِن لم يكن وَارِث آخر.
وَالْحَاصِل: أَن الْمَسْأَلَة فِي حد ذَاتهَا صَحِيحَة، إِلَّا أَنَّهَا لَا توَافق مَسْأَلَة المُصَنّف لما ذكرنَا.
تَأمل.
قَوْله: (وَأما غَيرهمَا) أَي غير الزَّوْجَيْنِ وَلَو كَانَ ذَا رحم.
شرنبلالية.
قَوْله: (فرضا وردا) الْمُنَاسب زِيَادَة أَو تعصيبا ط.
قَوْله: (فَلَا يحْتَاج لوَصِيَّة شرنبلالية) وَالْحَاصِل أَن إِقْرَار الْمَرِيض لوارثة لَا يَصح إِذا كَانَ هُنَاكَ وَارِث آخر غير الْمقر لَهُ لَا لعدم الْمَحَلِّيَّة بل لحق الْوَرَثَة، فَإِذا لم يكن لَهُ وَارِث آخر غير الْمقر لَهُ صَحَّ إِقْرَاره.
قَوْله: (أقرّ بوقف الخ) هَذَا كَلَام مُجمل يحْتَاج إِلَى بَيَان، ذكر الشَّارِح الْعَلامَة عبد الْبر عَن الْخَانِية: رجل أقرّ فِي مَرَضِهِ بِأَرْضٍ فِي يَدِهِ أَنَّهَا وَقْفٌ إنَّ أَقَرَّ بِوَقْفٍ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَانَ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِعِتْقِ عَبده، وَإِن مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ إنْ صَدَّقَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَو ورثته جَازَ فِي الْكل، وَإِن لم يُبَيِّنْ أَنَّهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ من الثُّلُث.
وَفِي منية الْمُفْتِي مثله.
وَسَوَاء أسْند الْوَقْف إِلَى حَال الصِّحَّة أَو
لم يسند فَهُوَ من الثُّلُث، إِلَّا أَن يُجِيز الْوَرَثَة أَو يصدقوه فِي الاسناد إِلَى الصِّحَّة، وَلَو كَانَ الْمسند إِلَيْهِ مَجْهُولا أَو مَعْرُوفا وَلم يصدق وَلم يكذب أَو مَاتَ وَلَا وَارِث لَهُ إِلَّا بَيت المَال فَالظَّاهِر أَن يكون من الثُّلُث، لَان التَّصْدِيق مِنْهُ أَو من الْوَارِث شَرط فِي كَونه من جَمِيع المَال، وَفرع عَلَيْهِ صَاحب الْفَوَائِد أَنه لَا يعْتَبر تَصْدِيق السُّلْطَان فِيمَا إِذا كَانَ لم يكن لَهُ وَارِث إِلَّا بَيت المَال، وَهَذَا مَنْقُول من كَلَام شَيخنَا وَإِن قَالَ الطرسوسي تفقها اهـ.
بِتَصَرُّف.
وَفِي شرح الشُّرُنْبُلَالِيّ: وَإِن أجَاز ورثته أَو صدقوه فَهُوَ من جَمِيع المَال، لَان مظهر بِإِقْرَارِهِ لَا منشئ، فَلَو لم يكن للْغَيْر وَارِث.
قَالَ المُصَنّف: لَا يعْتَبر تَصْدِيق السُّلْطَان، كَذَا أطلقهُ.
قلت: وَهَذَا فِي الْوَقْف لَا على جِهَة عَامَّة ظَاهر لتَضَمّنه إِقْرَاره على غَيره وَإِبْطَال حق الْعَامَّة، وَأما الْوَقْف على جِهَة عَامَّة فَيصح تَصْدِيق السُّلْطَان كإنشائه لما تقدم من صِحَة وقف السُّلْطَان شَيْئا من بَيت المَال على جِهَة عَامَّة، ثمَّ لَا يخفى أَن الْمقر لم يسْندهُ لغيره وَلم يكن لَهُ وَارِث تجوز إجَازَة السُّلْطَان، وَمن لَهُ بَيت المَال.
كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّة.
وَلنَا فِيهِ رِسَالَة.
وَلَا يعْمل بِمَا فهمه الطرسوسي كَمَا نَقله المُصَنّف عَنهُ من أَنه يكون من الثُّلُث مَعَ عدم اعْتِبَار تَصْدِيق السُّلْطَان أَنه نَافِذ من كل المَال ط.
قَوْله: (فَلَو على جِهَة عَامَّة) كبناء القناطر والثغور.
قَوْله: (صَحَّ تَصْدِيق السُّلْطَان) لَان لَهُ أَن يفعل ذَلِك من بَيت المَال، وَمن حكى أمرا يملك استئنافه صدق.
قَوْله: (وَكَذَا لَو وقف) أَي أنشأ وَقفا فِي مرض مَوته وَلَا وَارِث لَهُ على جِهَة عَامَّة فَإِنَّهُ ينفذ من الْجَمِيع بِتَصْدِيق السُّلْطَان.
قَوْله: (خلافًا لمن زَعمه الطرسوسي) هُوَ يَقُول: لَو لم يكن لَهُ وَارِث إِلَّا بَيت المَال لَا يعْتَبر تَصْدِيق السُّلْطَان، بل يكون من الثُّلُث كَمَا يُؤْخَذ من شرح الْوَهْبَانِيَّة لعبد الْبر السَّابِقَة، وَوجه فَسَاد مَا زَعمه الطرسوسي أَن الْوَقْف وَالْحَالة هَذِه وَصِيَّة وَهِي مُقَدّمَة على بَيت المَال، بل لَا يحْتَاج ذَلِك لتصديق السُّلْطَان.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ الْإِقْرَارُ وَلَوْ وصلية.
قَوْله: (إِقْرَار بِقَبض دينه أَو غصبه) بِأَن أقرّ أَنه قبض مَا غصبه وَارثه مِنْهُ.
стр. 865
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَا يَصِحُّ إقْرَارُ مَرِيضٍ مَاتَ فِيهِ بِقَبْضِ دَيْنِهِ مِنْ وَارِثِهِ، وَلَا من كَفِيل وَارثه، وَلَو
أقرّ لوَارِثه وَقت إِقْرَار وَوَقْتَ مَوْتِهِ وَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بَطَلَ إقْرَارُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُف، لَا عِنْد مُحَمَّد وَيَأْتِي تَمَامه، وَقُيِّدَ بِدِينِ الْوَارِثِ احْتِرَازًا عَنْ إقْرَارِهِ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الدَّيْنَ لَوْ كَانَ وَجَبَ لَهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فِي صِحَّتِهِ جَازَ إِقْرَار بِاسْتِيفَائِهِ، وَلَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مَعْرُوفٌ، سَوَاءٌ وَجَبَ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ الثّمن أَوْ لَا كَبَدَلِ صُلْحِ دَمِ الْعَمْدِ وَالْمَهْرِ وَنَحْوه، وَلَو دينا وَجب لَهُ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَعْرُوفٌ أَوْ دَيْنٌ وَجب عَلَيْهِ بمعاينة الشُّهُود بمرضه، فَلَوْ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ: أَيْ فِي حَقِّ غُرَمَاء الصِّحَّة أَو الْمَرَض بمعاينة الشُّهُود كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ جَازَ إقْرَارُهُ بِقَبْضِهِ وَلَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مَعْرُوفٌ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ.
وَفِيهِ: لَوْ بَاعَ فِي مَرَضِهِ شَيْئًا بِأَكْثَرَ من قِيمَته فَأقر بِقَبض ثمنه وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا من كَون الْمقر مديونا دينا مَعْرُوفا بِبَيِّنَة لَمْ يُصَدَّقْ، وَقِيلَ لِلْمُشْتَرِي أَدِّ ثَمَنَهُ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ اُنْقُضْ الْبَيْعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعند مُحَمَّد: يُؤَدِّي قدر قِيمَته أَو ينْقض البيع.
قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِوَارِثِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ بَرِئَ فَهُوَ كَدَيْنِ صِحَّتِهِ، وَلَوْ أَوْصَى لِوَارِثِهِ ثُمَّ برِئ بطلت وَصيته اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: نَفْسُ الْبَيْعِ مِنْ الْوَارِثِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ: يَعْنِي فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ، لَكِنْ إنْ كَانَ فِيهِ غَبْنٌ أَوْ مُحَابَاةٌ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الرَّد وتكميل الْقيمَة اهـ.
أَقُول: وَبَيَان مَا تقدم أَن حق الْغُرَمَاء يتَعَلَّق بِذِمَّة الْمَدْيُون فِي الصِّحَّة، فَإِذا مرض تعلق بِمَعْنى التَّرِكَة، وَهِي أعيانها، وَالدّين مُطلقًا لَيْسَ مِنْهَا فَلم يكن أتلف عَلَيْهِم بِهَذَا الاقرار شَيْئا، وَأما إِذا مرض وَتعلق حَقهم بِعَين التَّرِكَة فَإِذا بَاعَ مِنْهَا شَيْئا أَو أقرّ بِاسْتِيفَاء ثمنه فقد أتلف عَلَيْهِم، وَقَوله وَقيل للْمُشْتَرِي أد ثمنه مرّة أُخْرَى: أَي على زعمك، وَإِلَّا بِأَن أقرُّوا: أَي الْغُرَمَاء بِدفع الثّمن لَا يكون لَهُم مُطَالبَة، وَهَذَا الْفَرْع مُشكل من حَيْثُ أَن البيع صَحِيح نَافِذ، فَكيف يتَخَيَّر وَالْحَالة هَذِه بَين نقض البيع أَو تأدية الثّمن.
وَقَول مُحَمَّد أَشد إشْكَالًا من حَيْثُ إِن الْوَاجِب فِي البيع الثّمن دون الْقيمَة، وَيُمكن تَصْوِيره على قَول الامام، وَذَلِكَ بِأَن يكون المُشْتَرِي وَارِثا وَالْبيع مِنْهُ غير نَافِذ عِنْده، بل مَوْقُوف على إجَازَة الْوَرَثَة، فَإِذا لم يجيزوا وَلم يردوا كَانَ للْمُشْتَرِي الْخِيَار.
وَحِينَئِذٍ يُخَيّر بَين الْفَسْخ وَعَدَمه.
فَإِذا قَالَت
لَهُ الْوَرَثَة إِن شِئْت فادفع الثّمن لنجيز البيع وَإِن شِئْت رد علينا بخيارك صَحَّ، لَكِن يشكل عَلَيْهِ قَول مُحَمَّد، وَأَن الْقَوْلَيْنِ مَنْسُوبا للصالحين، وهما يجيزان البيع من الْوَارِث مُطلقًا، غير أَنه يُقَال لَهُ فِي صُورَة الْمُحَابَاة: أد الْقيمَة أَو افسخ.
تَأمل.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَأَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ قَبَضَ الْمَبِيعَ فَاسِدًا مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ رَجَعَ فِيمَا وهبه لَهُ مَرِيضا حموي ط.
أَو أَنه استوفى ثمن مَا بَاعه كَمَا فِي الْهِنْدِيَّة.
قَوْله: (بِقَبض دينه) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن إِقْرَاره وَدِيعَة لَهُ كَانَت عِنْده صَحِيح، وَبِه صرح فِي الاشباه ثمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يلْحق بذلك الاقرار بالامانات كلهَا.
قَوْله: (لَا يَصح لوُقُوعه لمَوْلَاهُ) ملكا فِي العَبْد وَالْمكَاتب إِذا عجز وَحقا فِيهِ إِن لم يعجز نَفسه.
وَالْحَاصِل: أَنه لَا يَصِحُّ إقْرَارُ مَرِيضٍ مَاتَ فِيهِ بِقَبْضِ دَيْنٍ مِنْ وَارِثِهِ، وَلَا مِنْ كَفِيلِ وَارِثِهِ أَو عبد وَارثه، لَان الاقرار لعبد الْوَارِث إِقْرَار لمَوْلَاهُ، وَمَا أقرّ بِهِ للْمكَاتب فِيهِ حق لمَوْلَاهُ، لذَلِك قَالَ فِي الْمنح:
стр. 866
لانه يَقع لمَوْلَاهُ ملكا أَو حَقًا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَعَلَهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ للْوَارِث.
قَوْله: (ثمَّ برِئ) أَي من مَرضه.
قَوْله: (لعدم مرض الْمَوْت) فَلم يتَعَلَّق بِهِ حق الْوَرَثَة.
قَوْله: (وَلَو مَاتَ الْمقر لَهُ) أَي الْوَارِث للْمقر ثمَّ الْمَرِيض الْمقر.
قَوْله: (وورثة الْمقر لَهُ من وَرَثَة الْمَرِيض) صورته: أَقَرَّ لِابْنِ ابْنِهِ ثُمَّ مَاتَ ابْنُ الِابْنِ عَن أَبِيه ثمَّ مَاتَ الْمقر عَن ذَلِك الابْن فَقَط أَو ابْنَيْنِ أَحدهمَا وَالِد الْمقر لَهُ أَو أقرّ لامْرَأَته بدين فَمَاتَتْ ثمَّ مَاتَ هُوَ وَترك مِنْهَا وَارِثا.
قَوْله: (جَازَ إِقْرَاره) عِنْد أبي يُوسُف آخرا وَمُحَمّد لِخُرُوجِهِ عَن كَونه وَارِثا فِي الصُّورَة الاولى، وَفِي الصُّورَة الثَّانِيَة فلَان الْعبْرَة لكَون الْمقر لَهُ وَارِثا وَلَا وَقت موت الْمقر، وَهِي إِذْ ذَاك لَيست وارثة، لَان الْمَيِّت لَيْسَ بوارث، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَأْتِي قَرِيبا عَن الصيرفية.
قَوْله: (كإقراره لاجنبي) يَعْنِي لَو كَانَ الْمقر لَهُ أَجْنَبِيّا وَمَات قبل الْمقر وورثته وَرَثَة الْمقر فَإِن إِقْرَاره جَائِز لانه لم يقر لوَارث حِين أقرّ، أما فِي الاجنبي فَظَاهر، وَأما فِي الْوَارِث الَّذِي مَاتَ فَإِنَّهُ بِمَوْتِهِ قبل الْمقر خرج عَن كَونه وَارِثا لَهُ.
قَالَ فِي الْمنح: وَلَو أقرّ لوَارِثه ثمَّ مَاتَ الْمقر لَهُ ثمَّ الْمَرِيض ووارث الْمقر لَهُ من وَرَثَة الْمَرِيض لم يجز إِقْرَاره عِنْد أبي يُوسُف أَولا، وَقَالَ آخرا: يجوز وَهُوَ قَول مُحَمَّد.
قَوْله: (وسيجئ) أَي قَرِيبا.
قَوْله: (بوديعة مستهلكة) أَي وَهِي مَعْرُوفَة لعدم التُّهْمَة، وَلَو كذبناه وَمَات وَجب الضَّمَان من مَاله لانه مَاتَ
مجهلا، وَعَلِيهِ بَيِّنَة فَلَا فَائِدَة فِي تَكْذِيبه، وَلَو كَانَت الْوَدِيعَة غير مَعْرُوفَة لَا يقبل إِقْرَاره باستهلاكها إِلَّا أَن يصدقهُ بَقِيَّة الْوَرَثَة كَمَا فِي التَّبْيِين، والاصوب أَن يَقُول المُصَنّف باستهلاكه الْوَدِيعَة أَي الْمَعْرُوفَة بِالْبَيِّنَةِ بدل قَوْله بوديعة مستهلكة.
قَوْله: (وَصورته) لم يُبَيِّنْ بِهَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ مَعْرُوفَةٌ كَمَا صرح بِهِ فِي الاشباه، وَقد أوضح الْمَسْأَلَة فِي الولواجية فَرَاجعهَا وصورها فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ رَاقِمًا.
صُورَتَهَا: أَوْدَعَ أَبَاهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي مَرَضِ الْأَبِ أَوْ صِحَّتِهِ عِنْدَ الشُّهُودِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَقَرَّ بِإِهْلَاكِهِ صُدِّقَ.
إذْ لَوْ سَكَتَ وَمَاتَ وَلَا يَدْرِي مَا صنع كَانَت دينا فِي مَاله، فَإِذا أقرّ باستهلاكه فَأولى، وَلَو أقرّ أَولا بتلفها فِي يَده فنكل عَن الْيَمين وَمَات لم يكن لوَارِثه فِي مَاله شئ اهـ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَدَارَ الْإِقْرَارِ هُنَا عَلَى اسْتِهْلَاكِ الْوَدِيعَة الْمَعْرُوفَة لَا عَلَيْهَا، وَمِنْه تعلم أَن قَوْله وَمِنْهَا إِقْرَاره بالامانات كلهَا مُقَيّد بِمَا هُنَا، ثمَّ فِيهِ أَيْضا، لَو أقرّ الْمَرِيض بِقَبض ثمن مَا بَاعه لوَارِثه بأَمْره أَو بِولَايَة لم يصدق إِذا أقرّ بدين لوَارِثه إِلَّا أَن يَدعِي الْهَلَاك لكَونه دينا فِي تركته، فَلَو قَالَ قبضت الثّمن وأتلفته يبرأ المُشْتَرِي، وَلَو أدّى لم يرجع، وَكَذَا لَا يصدق فِي قبض ثمن مَا بَاعَ لغيره من وَارثه إِلَّا أَن يَقُول ضَاعَ عِنْدِي أَو دَفعته إِلَى الْآمِر اهـ.
وَاللَّام فِي لوَارِثه وَلغيره: لَام الْعلَّة أَو الْملك لَا التَّعْدِيَة، وَقَوله إِلَّا أَن يَدعِي الْهَلَاك لكَونه دينا فِي تركته صَوَابه: لكَونه لَيْسَ دينا فِي تركته، لَان الْوَكِيل أَمِين غير ضمين، وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله بعده إِلَّا أَن يَقُول ضَاعَ عِنْدِي أَو دَفعته إِلَى الْآمِر، لانه لم يصر دينا فِي التَّرِكَة لَا لوَارث وَلَا من جِهَة الْوَارِث، وَقَوله قبضت الثّمن وأتلفته هُوَ مثل إِقْرَاره لوَارِثه بوديعة استهلكها فتقيد الْمُبَايعَة بمعاينة الشُّهُود، وَحِينَئِذٍ فَإِذا أدّى ضَمَان ذَلِك للْوَارِث لم يرجع على المُشْتَرِي، وَيُمكن رُجُوع ضمير أدّى للْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لَا يرجع لانه مُتَبَرّع، وَسَيَأْتِي فِي آخر كِتَابَته على الْوَصَايَا مَا يُخَالِفهُ، وَلَكِن مَا هُنَا أولى.
стр. 867
وَفِي خزانَة الْمُفْتِينَ: بَاعَ عبدا من وَارثه فِي صِحَّته، ثمَّ أقرّ بِاسْتِيفَاء الثّمن فِي الْمَرَض لَا يَصح.
وَفِي الزَّيْلَعِيّ: لَو كَانَت الْوَدِيعَة غير مَعْرُوفَة لَا يقبل قَوْله استهلكتها إِلَّا أَن يصدقهُ بَقِيَّة الْوَرَثَة.
قَوْله: (وَالْحَاصِل الخ) فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْأَشْبَاهِ، وَنَصُّهَا: وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْإِقْرَارِ للوراث فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ، سَوَاءٌ
كَانَ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ قَبْضٍ مِنْهُ أَوْ أَبْرَأَهُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: لَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ وَدِيعَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ، أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ مَا كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً، أَوْ بِقَبْضِ مَا قَبَضَهُ الْوَارِثُ بِالْوَكَالَةِ مِنْ مَدْيُونِهِ.
كَذَا فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يلْحق بِالثَّانِيَةِ إِقْرَاره بالامانات كلهَا وَلَو مَاتَ الشَّرِكَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ، وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ أَنَّهُ لَيْسَ يه إيثَارُ الْبَعْضِ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ فَإِنَّهُ مِنْ مُفْرَدَات هَذَا الْكتاب.
اه.
وَقد ظن من لَا خبْرَة لَهُ أَن النَّفْي من قبيل الاقرار وَهُوَ خطأ، وَقَالَ قبل هَذَا: لَو قَالَ الْمَرِيض مرض الْمَوْت لَا حق لي على فلَان الْوَارِث لم تسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ من وَارِث آخر، وعَلى هَذَا يَقع كثيرا أَن الْبِنْت فِي مرض مَوتهَا بِأَن الامتعة الْفُلَانِيَّة ملك أَبِيهَا لَا حق لَهَا فِيهَا، وَقد أجبْت فِيهَا مرَارًا بِالصِّحَّةِ لما فِي التاترخانية من بَاب إِقْرَار الْمَرِيض: ادّعى على رجل مَالا وأثبته وأبرأه لَا تجوز بَرَاءَته إِن كَانَ مديونا وَكَذَا لَو أَبْرَأ الْوَارِث لَا يجوز سَوَاء كَانَ مديونا أَو لَا، وَلَو قَالَ: لم يكن لي على هَذَا الْمَطْلُوب شئ ثمَّ مَاتَ جَازَ إِقْرَاره فِي الْقَضَاء.
وَفِي الْبَزَّازِيَّة: قَالَت فِيهِ لَيْسَ لي على زَوجي مهر يبرأ عندنَا، خلافًا للشَّافِعِيّ، وفيهَا قبله: قَالَ فِيهِ لم يكن لي عَلَيْهِ شئ لَيْسَ لوَرثَته أَن يدعوا عَلَيْهِ شَيْئا فِي الْقَضَاء، وَفِي الدّيانَة لَا يجوز هَذَا الاقرار.
وَفِي الْجَامِع: أقرّ الابْن فِيهِ أَنه لَيْسَ لَهُ على وَالِده شئ من تَرِكَة أمه صَحَّ، بِخِلَاف مَا لَو أَبرَأَهُ أَو وهبه، وَكَذَا لَو أقرّ بِقَبض مَاله مِنْهُ فَهَذَا صَرِيح فِيمَا قُلْنَاهُ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّة قَوْلهَا فِيهِ لَا مهر لي عَلَيْهِ أَو لَا شئ لي عَلَيْهِ أَو لم يكن عَلَيْهِ مهر، قيل لَا يَصح، وَقيل يَصح، وَالصَّحِيح أَنه لَا يَصح اهـ.
لَان هَذَا فِي خُصُوص الْمهْر لظُهُور أَنه على غَالِبا وكلامنا فِي غير الْمهْر، وَلَا يُنَافِيهِ مَا ذكره البزازي أَيْضا: ادّعى عَلَيْهِ ديونا ومالا ووديعة فَصَالَحَ الطَّالِبُ عَلَى يَسِيرٍ سِرًّا وَأَقَرَّ الطَّالِبُ فِي الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمُدعى عَلَيْهِ شئ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ الْمُدَّعِي ثُمَّ مَاتَ فَبَرْهَنَ الْوَارِثُ أَنَّهُ كَانَ لِمُوَرِّثِي عَلَيْهِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَ حِرْمَانَنَا لَا تُسْمَعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَارِثَ الْمُدَّعِي وَجَرَى مَا ذكرنَا فبرهن بَقِيَّة الْوَرَثَة على أَنا أَبَانَا قصد حرماننا بِهَذَا الاقرار تسمع اهـ.
لكَونه مُتَّهَمًا فِي هَذَا الْإِقْرَارِ لِتَقَدُّمِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالصُّلْحِ مَعَهُ عَلَى يَسِيرٍ وَالْكَلَامُ عِنْدَ عَدَمِ قرينَة على التُّهْمَة اهـ كَلَام الاشباه.
فَقَوْل الشَّارِح مِنْهَا إِقْرَاره الخ وَقَوله وَمِنْه هَذَا الشئ الخ إِنَّمَا هما بحثان لَا منقولان،
فتحريره فِي غير مَحَله لَان المُرَاد بالامانة قبضهَا مِنْهُ لَا أَنَّهَا لَهُ، وقدسها أَيْضا فِي الاخير لانه من الاقرار بِالْعينِ للْوَارِث، وَقدم هُوَ عدم صِحَة ذَلِك، وَقِيَاسه على قَول الْمُورث لم يكن لي على الْوَارِث دين قبل ثُبُوته قِيَاس مَعَ الْفَارِق، لَان الْعين غير الدّين وَهُوَ لَا يَصح، وَيَأْتِي قَرِيبا تأييد الْمُوَافقَة لما فهمته عَن الْخَيْر الرَّمْلِيّ والحموي والحامدي، وَللَّه تَعَالَى الْحَمد والْمنَّة، وَقدمنَا مَا يُفِيد ذَلِك مَعَ بعض النقول الْمَذْكُورَة.
قَوْله: (مِنْهَا إِقْرَاره بالامانات كلهَا) أَيْ بِقَبْضِ الْأَمَانَاتِ الَّتِي عِنْدَ وَارِثِهِ، لَا بِأَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ لِوَارِثِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ قَرِيبًا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْأَشْبَاهِ، وَهَذَا مُرَادُ صَاحِبِ الْأَشْبَاهِ بِقَوْلِهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالثَّانِيَةِ إقْرَارُهُ بِالْأَمَانَاتِ كُلِّهَا، فَتَنَبَّهْ لِهَذَا فَإِنَّا رَأَيْنَا مَنْ يُخْطِئُ فِيهِ وَيَقُول: إِن
стр. 868
إقْرَارَهُ لِوَارِثِهِ بِهَا جَائِزٌ مُطْلَقًا، مَعَ أَنَّ النُّقُولَ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهُ بِالْعَيْنِ كَالدَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الرَّمْلِيِّ.
وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ لَك مَا فِي بَقِيَّةِ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَهُوَ مُتَابِعٌ فِيهِ لِلْأَشْبَاهِ مُخَالِفًا لِلْمَنْقُولِ، وَخَالَفَهُ فِيهِ الْعُلَمَاءُ الْفُحُولُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْإِسْمَاعِيلِيَّة: سُئِلَ فِيمَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْأَسْبَابِ وَالْأَمْتِعَةِ الْمَعْلُومَةِ مَعَ بِنْتِهِ الْمَعْلُومَةِ وَأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ دُونَهُ مِنْ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ، فَهَلْ إذَا كَانَتْ الْأَعْيَانُ الْمَرْقُومَةُ فِي يَدِهِ وَمِلْكُهُ فِيهَا ظَاهِرٌ وَمَاتَ فِي ذَلِك الْمَرَض فالاقرار بهَا للْوَرَثَة بَاطِلٌ؟.
الْجَوَابُ: نَعَمْ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَلَوْ مُصَدَّرًا بِالنَّفْيِ خِلَافًا لِلْأَشْبَاهِ وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ اهـ.
ونقه السائحاني فِي مَجْمُوعه ورد على الاشباه وَالشَّارِح فِي هَاشم نسخته.
وَفِي الحامدية: سُئِلَ فِي مَرَضَ الْمَوْتِ أَقَرَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَ زَوْجَتِهِ هِنْدَ حَقًّا وَأَبْرَأَ ذِمَّتَهَا عَنْ كُلِّ حَقٍّ شَرْعِيٍّ وَمَاتَ عَنْهَا وَعَنْ وَرَثَةٍ غَيرهَا وَله تَحت يَدهَا أَعْيَان وَله بذمتها دَيْنٌ وَالْوَرَثَةُ لَمْ يُجِيزُوا الْإِقْرَارَ، فَهَلْ يَكُونُ غير صَحِيحٍ.
الْجَوَابُ: يَكُونُ الْإِقْرَارُ غَيْرَ صَحِيحٍ وَالْحَالَةُ هَذِه، وَالله تَعَالَى أعلم اهـ.
أَقُول: لَكِن يجب تَقْيِيد عدم الصِّحَّة بِمَا إِذا كَانَ ملكه فِيهَا مَعْلُوما أَيْضا ليَكُون ذَلِك قرينَة على قصد الاضرار بباقي الْوَرَثَة لِئَلَّا يتنافى كَلَامهم.
تَأمل.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا النَّفْيُ) فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ لِلْوَارِثِ
كَمَا صَوَّبَهُ فِي الْأَشْبَاهِ
قَوْلُهُ: (كَلَا حَقَّ لِي) هَذَا صَحِيحٌ فِي الدَّيْنِ لَا فِي الْعين كَمَا مر.
قَوْله: (وَهِي الْحِيلَة) أَي فِي قَوْله: لَا حق لي قبل أُمِّي وَأبي: يَعْنِي إِذا علم أَنه لَا حق لَهُ قبلهمَا وَخَافَ أَن يتعلل عَلَيْهِمَا أحد من الْوَرَثَة أَو يَدعِي عَلَيْهِمَا بشئ، أما لَو كَانَ لَهُ حق فَلَا يحل لَهُ إِضْرَار بَاقِي الْوَرَثَة، فليتق الله من كَانَ خَارِجا من الدُّنْيَا مُقبلا على الْآخِرَة.
قَوْله: (وَمِنْه) الاولى وَمِنْه كَمَا قَالَ فِي سابقه إِلَّا أَن يُقَال: إِنَّه عَائِد إِلَى النَّفْي: أَي وَمن النَّفْي السَّابِق هَذَا الخ.
قَوْله: (هَذَا) غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا عَلِمْتَهُ مِمَّا مَرَّ لانه مُخَالف لعامة الْمُعْتَبرَات.
قَوْله: (وَهَذَا حَيْثُ لَا قرينَة) لم يذكر ذَلِك فِي الاشباه أصلا، وَحَيْثُ كَانَ هَذَا إِقْرَارا بِعَين لوَارث وَأَنه لَا يَصح فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّقْيِيد.
قَوْله: (فَلْيحْفَظ فَإِنَّهُ مُهِمّ) الْحَاصِل أَن الشَّارِح رَحمَه الله تَعَالَى تَابع صَاحب الاشباه، وَقد علمت أَنه مُخَالف للمنقول، واستنبط من كَلَامه أَشْيَاء مُخَالفَة أَيْضا، وَقد ظهر لَك بِمَا قدمْنَاهُ حَقِيقَة الْحَال بعون الْملك المتعال.
تَتِمَّة: قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْقَضَاءِ: لَيْسَ لي على فلَان شئ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ لَمْ يحلف، وَعند أبي يُوسُف يحلف، وَسَيَأْتِي فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخَرَ الْكِتَابِ أَنَّ الْفَتْوَى على قَول أبي يُوسُف، وَاخْتَارَهُ أَئِمَّةُ خُوَارِزْمَ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا ادَّعَاهُ وَارِثُ الْمُقِرِّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْهُمَا شَيْئًا.
وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: الرَّأْيُ فِي التَّحْلِيفِ إلَى الْقَاضِي، وَفَسَّرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِير بِأَنَّهُ يجْتَهد فِي خُصُوص الْوَقَائِعِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ يقبض حِين أقرّ يحلف لَهُ الْخصم، وَمن لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ لَا يُحَلِّفُهُ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمُتَفَرِّسِ فِي الْأَخْصَامِ اهـ.
قلت: وَهَذَا مؤيد لما بحثناه، وَالْحَمْد لله.
стр. 869
قَالَ فِي التاترخانية عَن الْخُلَاصَة: رجل قَالَ استوفيت جَمِيع مَالِي عَلَى النَّاسِ مِنْ الدَّيْنِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَبْرَأْتُ جَمِيعَ غُرَمَائِي لَا يَصِحُّ، إلَّا أَنْ يَقُولَ قَبِيلَةَ فُلَانٍ وَهُمْ يُحصونَ فَحِينَئِذٍ يَصح إِقْرَاره وَيبرأ.
وَفِي التاترخانية أَيْضا عَنْ وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ: أَشْهَدَتْ الْمَرْأَةُ شُهُودًا عَلَى نَفْسِهَا لِابْنِهَا أَوْ لِأَخِيهَا تُرِيدُ بِذَلِكَ إضْرَارَ الزَّوْجِ، أَوْ أَشْهَدَ الرَّجُلُ شُهُودًا عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ لِبَعْضِ الْأَوْلَادِ يُرِيدُ بِهِ إضْرَارَ بَاقِي الْأَوْلَادِ وَالشُّهُودُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَسِعَهُمْ أَنْ لَا يُؤَدُّوا الشَّهَادَةَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ،
وَيَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِذا كَانَ لِلْقَاضِي عِلْمٌ بِذَلِكَ لَا يَسَعُهُ الْحُكْمُ.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ عَلَى الْأَشْبَاهِ والنظائر.
قَوْله: (يُؤمر فِي الْحَال بِتَسْلِيمِهِ) لاحْتِمَال صِحَة هَذَا الاقرار بِصِحَّتِهِ من هَذَا الْمَرَض.
قَوْله: (يردهُ) أَي إِن كَانَ لَهُ وَارِث غَيره وَلم يصدقهُ.
قَوْله: (تَصَرُّفَات الْمَرِيض نَافِذَة) لما تقدم احْتِمَال صِحَّته، وَيظْهر لي أَن يتَفَرَّع على هَذَا مَا فِي الْخَانِية، وَهُوَ لَو أقرّ لوَارِثه بِعَبْد فَقَالَ لَيْسَ لي لكنه لفُلَان الاجنبي فَصدقهُ ثمَّ مَاتَ الْمَرِيض فَالْعَبْد للاجنبي وَيضمن الْوَارِث قِيمَته وَتَكون بَينه وَبَين سَائِر الْوَرَثَة.
قَوْله: (وَإِنَّمَا ينتفض) أَي التَّصَرُّف الْمَأْخُوذ من التَّصَرُّفَات، وَهَذَا فِي تصرف ينْقض، أما مَا لَا ينْقض كَالنِّكَاحِ فالامر فِيهِ ظَاهر، وَفِي نُسْخَة بِالتَّاءِ.
قَوْله: (بعد الْمَوْت) مَحَله مَا إِذا تصرف لوَارث، وَأما إِذا كَانَ لغير وَارِث: فَإِن كَانَ تَبَرعا أَو مُحَابَاة ينفذ من الثُّلُث، وَإِلَّا فَصَحِيح كَالنِّكَاحِ.
قَوْله: (وَالْعبْرَة لكَونه وَارِثا الخ) قَالَ الزَّيْلَعِيّ: اعْلَم أَن الاقرار لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْمقر لَهُ وَارِثا وَقت الاقرار دون الْمَوْت، أَو كَانَ وَارِثا فيهمَا، وَإِن لم يكن وَارِثا فِيمَا بَينهمَا أَو لم يكن وَارِثا وَقت الاقرار وَصَارَ وَارِثا وَقت الْمَوْت، فَإِن كَانَ وَارِثا وَقت الاقرار دون وَقت الْمَوْت بِأَن أقرّ لاخيه مثلا ثمَّ ولد لَهُ ولد يَصح الاقرار، لعدم كَونه وَارِثا وَقت الْمَوْت، وَإِن كَانَ وَارِثا فيهمَا لَا فِيمَا بَينهمَا بِأَن لامْرَأَته ثمَّ أَبَانهَا وَانْقَضَت عدتهَا ثمَّ تزَوجهَا أَو والى رجلا فَأقر لَهُ ثمَّ فسخ الْمُوَالَاة ثمَّ عقدهَا ثَانِيًا لَا يجوز الاقرار عِنْد أبي يُوسُف، لَان الْمقر مُتَّهم بِالطَّلَاق، وَفسخ الْمُوَالَاة ثمَّ عقدهَا ثَانِيًا، وَعند مُحَمَّد يجوز، لَان شَرط امْتنَاع الاقرار أَن يبْقى وَارِثا إِلَى الْمَوْت بذلك السَّبَب وَلم يبْق، ولانه لما صَار أَجْنَبِيّا تعذر الاقرار كَمَا لَو أنشأه فِي ذَلِك الْوَقْت، أَلا ترى أَنه لَو لم يعْقد ثَانِيًا كَانَ جَائِزا فَكَذَا إِذا عقد، وَإِن لم يكن وَارِثا وَقت الاقرار ثمَّ صَار وَارِثا وَقت الْمَوْت ينظر: فَإِن صَار وَارِثا بِسَبَب كَانَ قَائِما وَقت الاقرار بِأَن أقرّ لاخيه وَله ابْن مَاتَ الابْن قبل الاب لَا يَصح إِقْرَاره، فَإِن صَار وَارِثا بِسَبَب جَدِيد كالتزوج وَعقد الْمُوَالَاة جَازَ.
وَقَالَ زفر: لَا يجوز لَان الاقرار حصل للْوَارِث وَقت العقد فَصَارَ كَمَا إِذا صَار وَارِثا بِالنّسَبِ وَلنَا أَن الاقرار حِين حصل للاجنبي لَا للْوَارِث فَينفذ وَلزِمَ فَلَا يبطل، بِخِلَاف الْهِبَة لانها وَصِيَّة وَلِهَذَا من الثُّلُث، فَيعْتَبر وَقت الْمَوْت، بِخِلَاف مَا إِذا صَار وَارِثا بِالنّسَبِ بِأَن أقرّ مُسلم مَرِيض لاخيه الْكَافِر، ثمَّ أسلم قبل مَوته أَو كَانَ محجوبا بالابن ثمَّ مَاتَ الابْن، حَيْثُ لَا يجوز الاقرار لَهُ لَان سَبَب الارث كَانَ
قَائِما وَقت الاقرار، وَلَو أقرّ لوَارِثه ثمَّ مَاتَ الْمقر لَهُ ثمَّ الْمَرِيض ووارث الْمقر لَهُ من وَرَثَة الْمَرِيض لم يجز إِقْرَاره عِنْد أبي يُوسُف أَولا، لَان إِقْرَاره حصل للْوَارِث ابْتِدَاء وانتهاء.
وَقَالَ آخرا: يجوز وَهُوَ قَول
стр. 870
مُحَمَّد، لانه بِالْمَوْتِ قبل موت الْمَرِيض خرج من أَن يكون وَارِثا، وَكَذَلِكَ لَو أقرّ لاجنبي ثمَّ مَاتَ الْمُقَرُّ لَهُ ثُمَّ الْمَرِيضُ وَوَرَثَةُ الْمُقَرِّ لَهُ من وَرَثَة الْمقر، لَان إِقْرَاره كَانَ للاجنبي فَيتم بِهِ ثمَّ لَا يبطل بِمَوْتِهِ اهـ.
قَوْله: (لعدم إِرْثه) أَي وَقت الْمَوْت.
قَوْله: (فَيجوز) يَعْنِي لَو أقرّ لاجنبي فِي مرض مَوته وَكَانَ الْمقر مَجْهُول النّسَب وَعقد الْمُوَالَاة مَعَه فَلَمَّا مَاتَ وَارِثا بِعقد الْمُوَالَاة، فَلَا يبطل إِقْرَاره لَهُ لَان الارث إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب حَادث بعد الاقرار، فَيبقى الاقرار لَكِن لَا تظهر لَهُ ثَمَرَة لَان مولى الْمُوَالَاة لَا يَرث مَعَ وَارِث قريب أَو بعيد، وَإِنَّمَا يتَوَقَّف لحق الْوَارِث وَلَا وَارِث مَعَه، إِذْ لَو كَانَ مَعَه وَارِث لم يسْتَحق الْمِيرَاث فَلَا يكون وَارِثا وَرُبمَا يظْهر ثَمَرَته مَعَ أحد الزَّوْجَيْنِ، فَإِن الاقرار ينفذ فِي حق الزَّوْج الْمقر لما تقرر، وَكَذَا إِن صَحَّ عقد الْوَلَاء مَعَ اثْنَيْنِ بعد أَن أقرّ لاحدهما فَليُرَاجع هَذَا الاخير.
قَوْله: (لَان إِرْثه بِسَبَب قديم) أَي قَائِم وَقت الاقرار، وَلم أَقَرَّ لِوَارِثِهِ وَقْتَ إقْرَارِهِ وَوَقْتَ مَوْتِهِ وَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بَطَلَ إقْرَارُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا عِنْدَ مُحَمَّد.
نور الْعين عَن قاضيخان.
أَقُول: وإيضاحه أَنه لَو أقرّ لمن كَانَ وَارِثا وَقت الاقرار ثمَّ خرج عَن ذَلِك بعده ثمَّ صَار وَارِثا عِنْد الْمَوْت فالاولى أَو يَقُول: فَلَو أقرّ لمن هُوَ وَارِث وَقت الخ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: أَقَرَّ لِابْنِهِ وَهُوَ قِنٌّ ثمَّ عتق فَمَاتَ الاب جَازَ، لَان الاقرار لِلْمَوْلَى لَا لِلْقِنِّ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِابْنِهِ وَهُوَ قِنٌّ ثُمَّ عَتَقَ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ للِابْن اهـ.
وَبَيَانه فِي الْمنح.
وَانْظُر مَا حَرَّره سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْوَصَايَا.
قَوْله: (بِخِلَاف الْهِبَة) الظَّاهِر أَنه لَا بُد من الْقَبْض فِي الْهِبَة، وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَار لَهَا.
قَوْله: (فَلَا تصح) يَعْنِي لَو وهب لَهَا شَيْئا أَو أوصى لَهَا ثمَّ تزَوجهَا فَإِنَّهُمَا يبطلان اتِّفَاقًا.
قَوْله: (لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهِيَ حِينَئِذٍ وارثة) تَعْلِيل لقَوْله وَالْوَصِيَّة لَهَا ثمَّ تزَوجهَا، كَذَا الْهِبَة لَهَا فِي مَرضه، لَان الْهِبَة فِي مرض الْمَوْت وَصِيَّة.
قَوْله: (أقرّ فِيهِ الخ) يُفِيدُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً وَارِثَةً لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَا يَصِحُّ إقْرَارُ مَرِيضٍ مَاتَ فِيهِ بِقَبْضِ دَيْنِهِ مِنْ وَارِثِهِ وَلَا مِنْ كَفِيلِ وَارِثِهِ وَلَوْ كَفَلَ فِي صِحَّتِهِ.
وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ تبرع عَن وَارثه.
وكل رجلا بِبيع شئ مُعَيَّنٍ فَبَاعَهُ مِنْ وَارِثِ مُوَكِّلِهِ وَأَقَرَّ بِقَبْضِ المثن مِنْ وَارِثِهِ أَوْ أَقَرَّ أَنَّ وَكِيلَهُ قَبَضَ الثَّمَنَ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ لَا يُصَدَّقُ، وَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ هُوَ الْوَكِيلَ وَمُوَكِّلُهُ صَحِيحٌ فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَجَحَدَ الْمُوَكِّلُ صُدِّقَ الْوَكِيلُ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي وَارِثَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ مَرِيضَانِ فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ لَا يُصَدَّقُ إذْ مَرَضُهُ يَكْفِي لِبُطْلَانِ إقْرَارِهِ لوَارِثه بِالْقَبْضِ فَمَرَضُهُمَا أَوْلَى.
مَرِيضٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ فَأَقَرَّ بِقَبْضِ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ وَارِثِهِ صَحَّ إقْرَارُهُ،
стр. 871
لِأَنَّ الْوَارِثَ لَوْ ادَّعَى رَدَّ الْأَمَانَةِ إلَى مُوَرِّثِهِ الْمَرِيضِ وَكَذَّبَهُ الْمُوَرِّثُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَارِثِ اهـ.
من نور الْعين قبيل كتاب الْوَصِيَّة.
فَرْعٌ: بَاعَ فِيهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عَبْدًا وَبَاعَهُ الْأَجْنَبِيُّ مِنْ وَارِثِهِ أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ صَحَّ إنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لِأَنَّ الْوَارِثَ مَلَكَ الْعَبْدَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لَا مِنْ مُوَرِّثِهِ.
بَزَّازِيَّةٌ.
قَوْله: (وَترك مِنْهَا وَارِثا) الظَّاهِر أَن قَول الْمُؤلف مِنْهَا اتفاقي، وَيحمل كَلَام المُصَنّف على أَنه ترك وَارِثا مُنْكرا مَا أقرّ بِهِ.
قَوْله: (وَلَوْ أَقَرَّ فِيهِ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ بِدَيْنٍ لَمْ يَصح) أَي للْوَارِث وَلَا للاجنبي.
قَوْله: (خلافًا لمُحَمد) فَإِنَّهُ يُجِيزهُ فِي حق الاجنبي وَيبْطل مِنْهُ مَا أصَاب الْوَارِث، وَهَذَا مُسْتَدْرك بقوله سَابِقًا أَو مَعَ أَجْنَبِي بدين أَو عين أطلقهُ هُنَا، وَقيد الْخلاف فِي الْوَصَايَا بِمَا إِذا أنكر أَحدهمَا الشّركَة مَعَ الآخر فَيصح فِي حِصَّة الاجنبي عِنْد مُحَمَّد خلافًا لَهما، أما إِذا تَصَادقا فَلَا يَصح اتِّفَاقًا، وَمثله فِي التمرتاشية وَالْمجْمَع لَهُ أَن أقراره للْوَارِث لم يَصح فَلم تثبت الشّركَة، فَتَصِح للاجنبي كَمَا لَو أوصى لوَارِثه ولاجنبي، وكما لَو أقرّ لاخيه فِي مرض مَوته لَا وَارِث لَهُ غَيره ثمَّ ولد لَهُ ابْن ينفذ إِقْرَاره لاخيه.
كَذَا هُنَا.
وَلَهُمَا، أَنه أقرّ بِمَال مَوْصُوف بِصفة فَإِذا بطلت الصّفة يبطل الاصل كَمَا لَو تَصَادقا كَمَا فِي شرح الْمَنْظُومَة.
فرع: فِي التاترخانية عَنْ السِّرَاجِيَّةِ: وَلَوْ قَالَ مُشْتَرَكٌ أَوْ شَرِكَةٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَهَذَا إقْرَارٌ بِالنِّصْفِ،
وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ: وَمُطْلَقُ الشَّرِكَةِ بِالنِّصْفِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مَا يُفَسِّرُهُ الْمُقِرُّ.
وَلَوْ قَالَ لي الثُّلُثَانِ مَوْصُولا صدق، وَكَذَا قَوْله بيني وَبَينه أولى وَله.
اهـ.
نهج النجَاة.
قَوْله: (عمادية) وعبارتها كَمَا فِي الْمنح حَيْثُ قَالَ: وَلَو أقرّ الْمَرِيض لوَارِثه ولاجنبي بدين فَإِقْرَاره بَاطِل تَصَادَقَا فِي الشَّرِكَةِ أَوْ تَكَاذَبَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِقْرَاره للاجنبي بِقدر نصِيبه جَائِز إِذا تكاذبا فِي الشّركَة وَأنكر الاجنبي الشّركَة، وَهِي مَعْرُوفَة فِي الجامعين.
وَذكر شيخ الاسلام الْمَعْرُوف بخواهر زَاده: إِذا كذب الْوَارِث الْمقر فِي الشّركَة وَصدقه فِي الاجنبي لم يذكر مُحَمَّد هَذَا الْفَصْل، وَيجوز أَن يُقَال: إِنَّه على الِاخْتِلَاف، وَلَكِن للصحيح أَن يُقَال: إِنَّه لَا يجوز على قَول مُحَمَّد كَمَا هُوَ مَذْهَبهمَا.
هَذِه الْجُمْلَة فِي فَتَاوَى القَاضِي ظهير اهـ.
مَا فِي الْفُصُول.
وَبِه وَبِمَا ذَكرْنَاهُ عَن شرح الْمَنْظُومَة يعلم مَا فِي كَلَام الشَّارِح فَتَأَمّله، وَقدمنَا نَظِيره فَلَا تنسه.
قَوْله: (وَإِن أقرّ لاجنبي مَجْهُول نسبه الخ) وَهُوَ مَنْ لَا يُعْلَمُ لَهُ أَبٌ فِي بَلَدِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِأَكْمَلِ الدِّينِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَلَدٌ هُوَ فِيهِ كَمَا فِي الْقنية لَا مسْقط رَأسه كَمَا ذكر الْبَعْض، وَاخْتَارَ الْمَقْدِسِي وَبَعض أَرْبَاب الْحَوَاشِي بِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِر، لَان المغربي إِذا انْتقل إِلَى الشرق فَوَقع عَلَيْهِ حَادِثَة يلْزمه أَن يفتش على نَسَبِهِ فِي الْمَغْرِب، وَفِيهِ مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يخفى فَلْيحْفَظ هَذَا، ذكره فِي الْحَوَاشِي اليعقوبية.
وَإِلَى الْقَوْلَيْنِ أَشَارَ الشَّارِح فِيمَا يَأْتِي، وَقيد بِمَجْهُول النّسَب لَان معروفه يمْتَنع ثُبُوته من غَيره.
قَوْله: (وَصدقَة) أَي إِذا كَانَ يُولد مثله لمثله لِئَلَّا شكون مُكَذبا فِي الظَّاهِر.
ذكره الشمني
قَوْله: (وَهُوَ من أهل التَّصْدِيق) بِأَن كَانَ يعبر عَن نَفسه، أما إِذا لم يكن يعبر عَن نَفسه لم يحْتَج إِلَى التَّصْدِيق كَمَا سَيذكرُهُ الشَّارِح.
قَوْله: (لما مر) من أَنه إِقْرَار لوَارث عِنْد الْمَوْت بِسَبَب قديم كَانَ عِنْد الاقرار، وَلَو أقرّ
стр. 872
الْمَرِيض الْمُسلم بدين لِابْنِهِ النَّصْرَانِي أَو العَبْد فَأسلم أَو أعتق قبل مَوته فلاقرار بَاطِل، لَان سَبَب التُّهْمَة بَينهمَا كَانَ قَائِما حِين الاقرار، وَهُوَ الْقَرَابَة الْمَانِعَة للارث، وَلَو فِي ثَانِي الْحَال وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذي أقرّ لامْرَأَة ثمَّ تزَوجهَا، وَالْوَجْه ظَاهر كَمَا فِي غَايَة الْبَيَان نقلا عَن وَصَايَا الْجَامِع الصَّغِير.
وَذكر فَخر الدّين قاضيخان فِي شَرحه خلاف زفر فِي الاقرار لِابْنِهِ وَهُوَ نَصْرَانِيّ أَو عبد الخ فَقَالَ: إِن الاقرار صَحِيح عِنْد زفر لانه وَقت الاقرار لم يكن وَارِثا اهـ.
أَقُول: يظْهر من هَذَا أَن مذْهبه مُضْطَرب، لَان هَذَا التَّعْلِيل يَقْتَضِي صِحَة إِقْرَاره فِي الْمَسْأَلَة الْمَارَّة بِصِحَّة إِقْرَاره لاجنبية ثمَّ تزَوجهَا مَعَ أَن مذْهبه عدم الصِّحَّة كهذه الْمَسْأَلَة.
تدبر.
قَوْله: (وَلَو لم يثبت) الانسب فِي التَّعْبِير أَن يَقُول، فَلَو عرف أَو كذبه لَا يثبت نسبه، وَيكون ذَلِك مَفْهُوم قَوْله مَجْهُول نسبه وَقَوله وَصدقه كَمَا علمت فَتدبر.
قَوْله: (لعدم ثُبُوت النّسَب) تكْرَار لَا فَائِدَة فِيهِ.
قَوْله: (وَلَو أقرّ لمن طَلقهَا) أَي فِي مَرضه.
قَوْله: (يَعْنِي بَائِنا) أَي الثَّلَاث لَيْسَ بِقَيْد لَان الْبَائِن يمْنَعهَا من الارث، وَلَو وَاحِدَة حَيْثُ كَانَ بطلبها أَو فِي الصِّحَّة فَالشَّرْط الْبَيْنُونَة وَلَو صَغِيرَة، أما الرحمية فَهِيَ زَوْجَة، وَإِن كَانَت مِمَّن لَا تَرث بِأَن كَانَت ذِمِّيَّة صَحَّ إِقْرَاره لَهَا من جَمِيع المَال ووصيته من الثُّلُث.
حدادي.
وَإِنْ طَلَّقَهَا بِلَا سُؤَالِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهَا لِأَنَّهَا وارثة إِذا هُوَ فار.
قَوْله: (فلهَا الاقل من الارث وَالدّين) لقِيَام التُّهْمَة بِبَقَاء الْعدة لاحْتِمَال تواطئها مَعَه على الطَّلَاق لِيُقِر لَهَا بِالدّينِ الزَّائِد على فَرضهَا فعوملت بالاقل دفعا لقصدها السئ بإضرار الْوَرَثَة، وَبَاب الاقرار كَانَ منسدا لبَقَاء الزَّوْجِيَّة، فَرُبمَا أقدم على الطَّلَاق ليَصِح إِقْرَاره لَهَا زِيَادَة على إرثها وَلَا تُهْمَة فِي أقلهما فَيثبت.
قَوْله: (فِي أَعْيَان التَّرِكَة) وَلَو كَانَ إِرْثا لشاركت فِيهَا، والمألة تقدّمت فِي آخر إِقْرَار الْمَرِيض بأوفى مِمَّا هُنَا فَرَاجعهَا إِن شِئْت.
فرع: إِقْرَاره لَهَا، أَي للزَّوْجَة بمهرها إلَى قَدْرِ مِثْلِهِ صَحِيحٌ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ فِيهِ، وَإِن بعد الدُّخُول فِيهِ قَالَ الامام ظهير الدّين، وَقد جرت الْعَادة بِمَنْع نَفسهَا قبل قبضهَا مِقْدَارٍ مِنْ الْمَهْرِ فَلَا يُحْكَمُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ إِذا لم تعترف هِيَ بِالْقَبْضِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ إلَى تَمَامِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ شَيْئًا بَزَّازِيَّةٌ.
وَفِيهَا: أَقَرَّ فِيهِ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي مَاتَتْ عَن ولد مِنْهُ بِقَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَلَهُ وَرَثَةٌ أُخْرَى لَمْ يصدقوه فِي ذَلِك، قَالَ الامام ظهير الدّين: لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُنَا بَعْدَ مَوْتِهَا اسْتِيفَاءُ ورثتها أَو وصيها الْمهْر بِخِلَاف الاول.
اهـ.
قَوْله: (فَإِذا مَضَت الْعدة) أَي سَوَاء كَانَ الاقرار قبل مضيها أَو بعده، وَالظَّاهِر أَن مثله مالو أقرّ لَهَا وَهِي زَوجته فِي مرض مَوته ثمَّ طَلقهَا وَانْقَضَت الْعدة ثمَّ مَاتَت.
قَوْله: (وَإِن أقرّ لغلام) لَا يخفى أَن قَوْله سَابِقًا وَإِن أقرّ لاجنبي الخ مندرج فِي
هَذِه شرنبلالية.
стр. 873
قَالَ السَّيِّد الْحَمَوِيّ: وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ أَقَرَّ بِبُنُوَّتِهِ لِأَنَّ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَة هُنَا مُعْتَبرَة هُنَاكَ أَيْضا اهـ.
قَوْله: (أَو فِي بلد هُوَ فِيهَا) حِكَايَة قَول آخر كَمَا قدمناهما قَرِيبا.
قَالَ الْعَلامَة الرحمتي: إِذا كَانَ مَجْهُول النّسَب فِي أحد المكانبن: أَي بَلَده أَو بلد هُوَ فِيهَا يقْضِي بِصِحَّة الدَّعْوَى، لَكِن مَجْهُول النّسَب فِي مَوضِع الدَّعْوَى إِذا قضى بِثُبُوت نسبه من الْمُدَّعِي ثمَّ جَاءَت بَيِّنَة من مولده بِأَنَّهُ مَعْلُوم النّسَب من غير الْمُدَّعِي تبطل بهَا تِلْكَ الدَّعْوَى، أما لَو كَانَ مَجْهُول النّسَب فِي مولده فَلَا تنقض الدَّعْوَى بعد ثُبُوتهَا.
قَوْله: (بحث يُولد مثله لمثله) أَي مثل هَذَا الْغُلَام لمثل هَذَا الْمَرِيض بِأَن يكون الرجل أكبر مِنْهُ باثنتي عشرَة سنة وَنصف، وَالْمَرْأَة أكبر مِنْهُ بتسع سِنِين وَنصف كَمَا فِي الْمُضْمرَات، وَالْمرَاد بالغلام الْوَلَد فَيشْمَل الْبِنْت.
قَوْله: (إِنَّه ابْنه) أَي بِلَا وَاسِطَة، حَتَّى لَو أقرّ لشخص أَنه ابْن ابْنه لم يثبت نسبه وَكَانَ حكمه حكم مَا لَو أقرّ بِأَخ كَمَا فِي البرجندي، وَسَيَأْتِي.
قَوْله: (وَصدقه) أَي الْمقر الْغُلَام.
قَوْله: (وَإِلَّا لم يحْتَج لتصديقه) لانه فِي يَد غَيره فَينزل منزلَة الْبَهِيمَة فَلم يعْتَبر تَصْدِيقه، بِخِلَاف الْمُمَيز لانه فِي يَد نَفسه، وَعند الائمة الثَّلَاثَة بِلَا تَصْدِيقه لَو كَانَ غير مُكَلّف.
قَوْله: (وَحِينَئِذٍ) يَنْبَغِي حذفهَا فَإِنَّهُ بذكرها بَقِي الشَّرْط بِلَا جَوَاب ح.
قَوْله: (وَلَو الْمقر مَرِيضا) لَا حَاجَة إِلَيْهِ بعد كَون الْبَاب بَاب إِقْرَار الْمَرِيض.
قَوْله: (شَارك الْغُلَام الْوَرَثَة) لانه من ضرورات ثُبُوت النّسَب.
زَيْلَعِيّ.
ثمَّ لَا يَصح الرُّجُوع، لَان النّسَب بعد ثُبُوته لَا يقبل الابطال، بِخِلَاف الرُّجُوع عَن الاقرار لنسب نَحْو الاخ، فَإِنَّهُ يَصح لعدم ثُبُوته لانه كَالْوَصِيَّةِ وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، لَكِن يَأْتِي فِي كَلَام الشَّارِح عَن المُصَنّف قَرِيبا بالتصديق يثبت فَلَا ينفع الرُّجُوع الخ وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ.
قَوْله: (فَإِن انْتَفَت هَذِه الشُّرُوط) أَي أَحدهَا بِأَن علم نسبه أَو لم يُولد مثله لمثله، أَو لم يصدقهُ الْغُلَام فَيصير مُكَذبا فَلَا يثبت النّسَب، لكنه يُؤَاخَذُ الْمُقِرُّ مِنْ حَيْثُ اسْتِحْقَاقُ الْمَالِ كَمَا قَالَ.
قَوْله: (يُؤَاخذ الْمقر من حَيْثُ اسْتِحْقَاق المَال) أَي وَلَا يثبت النّسَب لما علمت، وَكَونه يُؤَاخذ الْمقر من حَيْثُ اسْتِحْقَاق
المَال لَا يظْهر هُنَا، لَان هَذَا فِي مُجَرّد الاقرار بِالنّسَبِ لَا الاقرار بِالْمَالِ أَيْضا.
وَإِنَّمَا يظْهر ذَلِك فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة، وَهِي مَا إِذا أقرّ لاجنبي ثمَّ ادّعى بنوته، فَإِنَّهُ إِذا لم تُوجد هَذِه الشُّرُوط لزمَه المَال، وَإِن كَانَ النّسَب لَا يثبت، وَلَا يُرَاد بِالْمَالِ مَا يلْزمه من النَّفَقَة والحضانة والارث كَمَا يَأْتِي لما فِيهِ من تحميل النّسَب على الْغَيْر، فَإِنَّهُ إِذا انْتَفَى هُنَا التَّصْدِيق كَيفَ يَرِثهُ أَو تجب عَلَيْهِ نَفَقَته؟ وَكَذَا إِذا كَانَ لَا يُولد مثله لمثله أَو كَانَ مَعْلُوم النّسَب، وَمَا يَأْتِي مَحَله إِذا وجدت الشُّرُوط اللائقة وَلم يصدق الْمقر عَلَيْهِ: أَي وَقد أقرّ لَهُ مَعَ ذَلِك بِمَال فَإِن النّسَب لَا يثبت، لَان فِيهِ تحميلا على الْغَيْر، وَلكنه يَصح إِقْرَاره بِالْمَالِ كَمَا لَو أقرّ بأخوة غَيره فَمَا فِي يَده من مَال أَبِيه كَانَ للْمقر لَهُ نصفه، وَظَاهره أَنه يقدم على دين الصِّحَّة فَيكون مُخَالفا لما مر أَن مَا أقرّ بِهِ فِي الْمَرَض مُؤخر عَنهُ على أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ لِلْمُقِرِّ بَلْ لِلْوَرَثَةِ حَيْثُ يشاركهم فِي الْإِرْثِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِك فَلَا بل لَهُ من نقل صَرِيح حَتَّى يقبل.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى، وَقَدْ رَاجَعْتُ عِدَّةَ كُتُبٍ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَلَعَلَّهُ لهَذَا أَمر الشَّارِح
стр. 874
بالتحرير، فَتَأمل.
قَوْله: (كَمَا مر عَنْ الْيَنَابِيعِ) الَّذِي قَدَّمَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ عَنْ الْيَنَابِيعِ فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة نَصه: وَلَو كذبه أَوْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ مَا أقرّ بِهِ وَلَا يثبت النّسَب اهـ.
وَعبارَة الشَّارِح ركيكة، فَلَو قَالَ: فَلَو انْتَفَى أحد هَذِه الشُّرُوط وَقد أقرّ لَهُ بِمَال يُؤَاخذ بِهِ الْمقر لَكَانَ أوضح، لَان الْمَانِع من صِحَة الاقرار ثُبُوت النّسَب فَحَيْثُ لم يثبت لزم الْمقر بِهِ، وَهَذَا هُوَ تَحْرِير الْمقَام ط.
قَوْله: (فيحرر عَنهُ الْفَتْوَى) قَالَ الْحلَبِي: لم يظْهر لي الْمُخَالفَة الْمُوجبَة للتحرير، فَتَأمل.
قَوْلُهُ: (وَالرَّجُلُ صَحَّ إقْرَارُهُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَكَذَا بِزِيَادَة لفظ الرجل لافادة أَن الاقرار بالمذكورات لَيْسَ قَاصِر على الْمَرِيض.
ف
قَوْله: (بعد أَي الْمَرِيض) تَفْسِير مُضر وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ بعد تقدم مرجعه إِلَّا أَن يَجْعَل مَرْفُوعا تَقْيِيد الرجل، وَهُوَ تَقْيِيد مُضر أَيْضا كَمَا فِي ط.
لَكِن الاولى كَمَا فِي بعض النّسخ الْمَحْذُوف مِنْهَا لفظ الرجل أَن يُقَال: قيد بالمريض ليعلم: أَي الصَّحِيح كَذَلِك بالاولى، وأنما قَيده بِهِ لَان الْكَلَام فِي إِقْرَار الْمَرِيض.
قَوْله: (بِالْوَلَدِ والوالدين) لانه إِقْرَار على نَفسه وَلَيْسَ فِيهِ حمل النّسَب على الْغَيْر وَأعَاد صِحَة الاقرار بِالْوَلَدِ
لذكر جملَة مَا يَصح فِي جَانب الرجل، وَأفَاد بالصراحة الاقرار كَمَا يَأْتِي قَرِيبا اعْتِمَاد الشَّارِح لَهُ تبعا للْمُصَنف.
قَالَ فِي الْعِنَايَة: وَهُوَ رِوَايَة تحفة الْفُقَهَاء وَشرح الْفَرَائِض للامام سراج الدّين، وَالْمَذْكُور فِي الْمَبْسُوط والايضاح وَالْجَامِع الصَّغِير للمحبوبي: أَن إِقْرَار الرجل يَصح بأَرْبعَة بالابن والاب وَالْمَرْأَة وَمولى الْعتَاقَة.
اهـ.
وَمن الظَّاهِر أَن الابْن لَيْسَ بِقَيْد مخرج صِحَة الاقرار بالبنت اهـ.
قَوْله: (وَإِن عليا) أَي الْوَالِدَان، وَلَا يرجع الضَّمِير إِلَى الْوَالِدين وَالِابْن لانه لَا يُقَال فِيهِ وَإِن علا، وَعبارَة الْبُرْهَان يَصح إِقْرَاره بِالْوَلَدِ والوالدين: يَعْنِي الاصل وَإِن علا اهـ.
وَلَا غُبَار عَلَيْهَا.
قَوْله: (وَفِيهِ نَظَرٌ) وَجْهُهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ كَإِقْرَارِهِ بِبِنْتِ ابْنٍ.
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: أَقَرَّ بِبِنْتٍ فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ إذْ إقْرَارُهُ بِبِنْتٍ جَائِز لَا ببنت الابْن اهـ.
وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الِابْنِ، فَتَدَبَّرْ ط.
قَوْلُهُ: (لَا يَصِحُّ) سَيَأْتِي التَّصْرِيح بِهِ فِي الْمَتْن وَهُوَ مؤيد أَيْضا لكَلَام الْمَقْدِسِي.
قَوْله: (بِالشُّرُوطِ الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّمَة فِي الابْن) لم يذكرهَا اتكالا على مَا تقدم، إِلَّا أَن فِي دَعْوَاهُ هَذَا أبي يشْتَرط أَن يكون الْمقر مَجْهُول النّسَب، وَأَن يُولد مثل الْمقر لمثل الْمقر لَهُ.
قَوْله: (بِشَرْط خلوها الخ) يَنْبَغِي أَن يُزَاد وَأَن لَا تكون مَجُوسِيَّة أَو وثنية، وَلم أر من صرح بِهِ حموي.
وَفِي حَاشِيَة سري الدّين على الزَّيْلَعِيّ.
قَوْله: (وَالزَّوْجَة: أَي بِشَرْط أَن تكون الزَّوْجَة صَالِحَة لذَلِك اهـ) كَافِي.
وَأدْخل فِي ذَلِك مَا إِذا كَانَت حرمتهَا بِالرّضَاعِ.
قَوْله: (مثلا) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الاخت لَيست بِقَيْد بل مثلهَا كل امْرَأَة لَا يحل جمعهَا مَعهَا فِي عقد كخالتها وعمتها.
قَوْله: (وَأَرْبع سواهَا) أَي وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مَعَه أَرْبَعَة سواهَا أَو مَعَه حرَّة وَأقر بِنِكَاح الامة.
قَالَ المُصَنّف فِي منحه: وَقد أخل بِهَذِهِ الْقُيُود صَاحب الْكَنْز والوقاية، وَكَذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي الاخلال بِهِ اهـ.
стр. 875
قَالَ الْعَلامَة الرَّمْلِيّ: أَقُول: أيتوهم متوهم صِحَة الاقرار بِالزَّوْجَةِ مَعَ وجود زوج وعدته أَو أُخْتهَا أَو أَربع سواهَا فَلَا أَدْرِي لهَذَا مثلا إِلَّا مَا اعْترض بِهِ بعض جهلة الاروام على قَول الْكَنْز فِي المَاء
الْجَارِي، وَهُوَ مَا يذهب بتبنه حَيْثُ قَالَ: الْجمل يذهب بأتبان، فَتَأمل وأنصف.
قَوْله: (وَصَحَّ بالمولى من جِهَة الْعتَاقَة) سَوَاء كَانَ أَعلَى أَو أَسْفَل بِأَن كَانَ معتقا أَو معتقا، فَإِن الاقرار لكل وَاحِد صَحِيح إِذا صدقه الْمقر لَهُ وَقَوله من جِهَة الْعتَاقَة: أَي وَكَذَا من جِهَة الْمُوَالَاة إِن كَانَ الاول قد عقل عَنهُ.
قَوْله: (إنْ لَمْ يَكُنْ وَلَاؤُهُ ثَابِتًا مِنْ جِهَةِ غَيره) قَالَ المُصَنّف فِي الْمنح: وَهَذَا قيد لَا بُد مِنْهُ، وَقد أخل بِهِ فِي الْكَنْز والوقاية أَيْضا، لَان مُوجب إِقْرَاره يثبت بَينهمَا بتصادقهما من غير إِضْرَار بِأحد فَينفذ اهـ.
قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ أَقُول: إِذا كَانَ وَلَاؤُه ثَابتا من جِهَة غَيره لَا يَصح إِقْرَار الصَّحِيح بِهِ فَكيف يَصح إِقْرَار الْمَرِيض بِهِ؟ وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي مسَائِل يُخَالف الْمَرِيض الصَّحِيح فِيهَا فَمَا الْحَاجة إِلَى ذكر مَا لَا حَاجَة إِلَى ذكره لعدم خطوره ببال من لَهُ بَال، وَهَذَا الِاسْتِدْرَاك كَالَّذي قبله فَفِي ذكره خلل لَا فِي تَركه، فَلْيتَأَمَّل اهـ.
قَوْله: (أَي غير الْمقر) صَوَابه الْمقر لَهُ وَكَأَنَّهَا سَقَطت من قلم النَّاسِخ، وَذَلِكَ لَان مُوجب الاقرار يثبت بتصادقهما، وَلَيْسَ فِيهِ تحميل النّسَب على الْغَيْر.
وَالْحَاصِل: أَن الْوَلَاء كالنسب وَثُبُوت النّسَب من الْغَيْر يمْنَع صِحَة الاقرار، فَكَذَا الْوَلَاء.
قَوْله: (من صِحَة الاقرار بَالَام) فِي جابن الرجل وَالْمَرْأَة.
قَوْله: (لَان النّسَب للآباء لَا للامهات) فِيهِ أَنه لَا يُنكر انتساب الْوَلَد إِلَى أمه، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه ينظر فِي النّسَب والدعوة للاب.
قَالَ الْحَمَوِيّ: وَفِي حَوَاشِي شيخ الاسلام الْحَفِيد على صدر الشَّرِيعَة: هَذَا أَي مَا ذكر من صِحَة إِقْرَار الرجل بِالْوَلَدِ والوالدين وَالزَّوْجَة وَالْمولى وَمَا ذكر من صِحَة إِقْرَارهَا بالوالدين وَالزَّوْج وَالْمولى مُوَافق لتقدير الْهِدَايَة وَالْكَافِي وتحفة الْفُقَهَاء، لكنه مُخَالف لعامة الرِّوَايَات على مَا فِي النِّهَايَة، ولتقرير الْخُلَاصَة وَالْمُحِيط وقاضيخان حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يجوز إِقْرَار الرجل بوارث مَعَ ذِي قرَابَة مَعْرُوفَة إِلَّا بأَرْبعَة: الابْن والاب وَالزَّوْجَة وَالْمولى، فَفِيمَا وَرَاء الاربعة كالام مثلا لَا تَرث مَعَ الْوَارِث الْمَعْرُوف، أما الاقرار فَصَحِيح فِي نَفسه حَتَّى يقدم الْمقر لَهُ على بَيت المَال إِذا لم يبْق وَارِث مَعْرُوف.
تَأمل.
اهـ ط.
قَوْله: (وَفِيه حمل الزَّوْجِيَّة على الْغَيْر) المضر تحميل النّسَب على الْغَيْر لَا الزَّوْجِيَّة على أَن الْمقر يُعَامل بِإِقْرَارِهِ من جِهَة الارث، وَإِن كَانَ إِقْرَاره لَا يسري على الزَّوْج ط.
قَوْله: (وَلَكِن الْحق الخ) الظَّاهِر من نقل الْحَفِيد أَنَّهُمَا قَولَانِ.
قَوْله: (بِجَامِع الاصالة) وَهُوَ فِي الاب مَعْلُول بِأَن الانتساب إِلَيْهِ كَمَا قدمه من
التَّعْلِيل على مَا فِيهِ، وَلَا يظْهر ذَلِك فِي حق الام، وَلَيْسَت الْعلَّة الاصالة وَإِلَّا لثبت النّسَب فِي الْآبَاء الاعلين، وَقد تقدم عَن الزَّيْلَعِيّ خِلَافه.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا صَحَّ) أَيْ إقْرَارُهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَابِلَة) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْقَابِلَة لَيست بِقَيْد، وَمن قيد بِهِ فباعتبار الْعَادة من حُضُورهَا وَقت الْولادَة.
أَفَادَهُ الرحمتي.
وَأفَاد
стр. 876
بمقابلته بقوله بعده أَوْ صَدَّقَهَا الزَّوْجُ أَنَّ هَذَا حَيْثُ جَحَدَ الزَّوْجُ وَادَّعَتْهُ مِنْهُ، وَأَفَادَ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ، بِخِلَافِ الْمُعْتَدَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ، أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُعْتَدَّةً أَوْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَادَّعَتْ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى إقْرَارِهَا، صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ ابْنُ الْكَمَالِ وَسَيَأْتِي، فقد علم أَن قَوْله إِن شهِدت الخ مَحَله عِنْد التجاحد، وَأفَاد كَلَامه أَنه إِذا لم يُوجد شَرط صِحَة الاقرار لَا يعْمل بِهِ فِي حَقه أَيْضا.
وَفِي الشلبي عَن الاتقاني: وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِالْوَلَدِ وَإِنْ صَدَّقَهَا، وَلَكِنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَارِثٌ مَعْرُوفٌ، لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ إقْرَارَهَا فِي حَقِّهَا، وَلَا يَقْضِي بِالنَّسَبِ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْحُجَّةِ وَهُوَ شَهَادَة الْقَابِلَة، فَإِن شهِدت لَهَا امْرَأَة على ذَلِك وَقد صدقهَا الْوَلَد ثَبت نسبه مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إِذا لم تشهد لَهَا امْرَأَة وَقد صدقهَا زَوجهَا ثَبت النّسَب مِنْهُمَا، لَان النّسَب يثبت بتصادقهما لانه لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيرهمَا، كَذَا فِي شرح الْكَافِي اهـ.
فَلْيتَأَمَّل.
وَهَذَا يُفِيد أَن شَهَادَة الْقَابِلَة مثلا لثُبُوت النّسَب إِذا أنكر وِلَادَتهَا.
ف
قَوْله: (بِتَعْيِين الْوَلَد) إِنَّمَا يكون هَذَا إِذا تَصَادقا على الْولادَة، وَاخْتلفَا فِي التَّعْيِينَ.
وَعِبَارَةُ غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ شَرْحِ الْأَقْطَعِ: فَتثبت الْولادَة بشهادتها، ويلتحق النّسَب فِي الْفراش.
اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ.
قَوْله: (بِتَعْيِين الْوَلَد) وَكَذَا بإثباته لَو جحد: أما الثَّابِت بالفراش فَبعد اعترافه بِالْولادَةِ: أَي إِذا اعْترف أَنَّهَا ولدت ثَبت أَنه مِنْهُ لقِيَام فرَاشه، فَإِن نَفَاهُ لَاعن أما لَو جحد للولادة أَو تعْيين الْوَلَد فَإِنَّهُ يثبت بِشَهَادَة امْرَأَة لانه مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال عَادَة، حَتَّى لَو شهد بِهِ رجل صَحَّ كَمَا يفهم هَذَا كُله من بَاب ثُبُوت النّسَب، وَلَا بُد فِيهِ من الْعَدَالَة كَمَا هُوَ فِي سَائِر أَنْوَاع الشَّهَادَة.
قَوْله: (وَلَو مُعْتَدَّة الخ) إِلَّا مُعْتَدَّة الرَّجْعِيّ إِذا جَاءَت بِهِ لاكثر من سنتَيْن فَإِنَّهُ يثبت بِهِ الرّجْعَة، فَكَانَت زَوْجَة لَا مُعْتَدَّة، فيكتفي فِي إثْبَاته عِنْد الْجحْد بِشَهَادَة امْرَأَة على مَا اخْتَارَهُ فِي الْبَحْر
وَأقرهُ عَلَيْهِ فِي النَّهر وَالشَّارِح فِي بَاب ثُبُوت النّسَب.
قَوْله: (جحدت) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول أَي جحد الزَّوْج، أَو ورثته.
قَوْله: (أَوْ صَدَّقَهَا الزَّوْجُ إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ) بَيَان لمحل اشْتِرَاط شَهَادَة الْمَرْأَة وَمَا عطف عَلَيْهَا.
قَوْله: (أَو كَانَت مُعْتَدَّة مِنْهُ) بِأَن طَلقهَا أَو مَاتَ عَنْهَا فادعت الْوَلَد، فَلَا بُد من تَصْدِيق الزَّوْج أَو الْوَرَثَة، فَإِن كذبت يَكْفِي شَهَادَة الْقَابِلَة أَو امْرَأَة غَيرهَا، هَذَا مَا يفهم مِمَّا هُنَا، وَبِه صرح الْعَيْنِيّ تبعا للزيلعي، لَكِن تقدم فِي بَاب ثُبُوت النّسَب أَن الْمُعْتَدَّة إِذا جحدت وِلَادَتهَا لَا يثبت نسب وَلَدهَا إِلَّا بِحجَّة تَامَّة، ويكتفي بالقابلة عِنْدهمَا، فَلَعَلَّهُ جرى هُنَا على قَوْلهمَا.
وَفِي الْمَوَاهِب: لَو جحد ولادَة معتدته فثبوتها بِشَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو بِحَبل ظَاهر أَو اعترافه أَو تَصْدِيق الْوَرَثَة، واكتفينا بِامْرَأَة ثِقَة كتعينه بهَا اهـ.
وَهَذَا كُله فِي عدَّة الْبَائِن.
أما مُعْتَدَّة الرَّجْعِيّ فَإِنَّهُ يثبت نسبه، وَإِن جَاءَت بِهِ لاكثر من سنتَيْن، وَيكون رَجْعَة، وَحِينَئِذٍ فَتكون زَوْجَة لَا مُعْتَدَّة، ويكتفي فِي إثْبَاته عِنْد الْجحْد بِشَهَادَة امْرَأَة على مَا اخْتَارَهُ فِي الْبَحْر كَمَا قدمْنَاهُ آنِفا.
وَاعْلَم أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الشُّرُوطِ إنَّمَا هُوَ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ لِئَلَّا يَكُونَ تَحْمِيلًا عَلَى الزَّوْج، فَلَو فَقَط شَرْطٌ صَحَّ إقْرَارُهَا عَلَيْهَا فَيَرِثُهَا الْوَلَدُ وَتَرِثُهُ إنْ صَدَّقَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَارِثٌ غَيْرُهُمَا فَصَارَ كالاقرار بالاخ، وَيفهم هَذَا مِمَّا قدمْنَاهُ.
قَوْله: (وَصَحَّ) أَي إِقْرَارهَا مُطلقًا: أَي وَإِن لم يُوجد شَهَادَة وَلَا
стр. 877
تَصْدِيق من زوج.
قَوْله: (وَلَا مُعْتَدَّة) لَان فِيهِ إلزاما على نَفسهَا دون غَيرهَا فَينفذ عَلَيْهَا.
قَوْله: (وَادعت أَنه من غَيره) أَي فَيصح إِقْرَارهَا فِي حَقّهَا فَقَط.
قَوْله: (فَصَارَ كَمَا لَو ادَّعَاهُ مِنْهَا الخ) لَكِن يفرق بَينهَا وَبَين مَا قبلهَا بِأَن دَعْوَى الزَّوْج لَا تتَوَقَّف على تَصْدِيق الْمَرْأَة لانه يتَزَوَّج غَيرهَا، ويتسرى بِملك الْيَمين، وَلَكِن لَا يلْزمهَا لَو ادّعى أَنه مِنْهَا إِلَّا بتصديقها، وَالْمَرْأَة لَو صَحَّ إِقْرَارهَا بِالْوَلَدِ للَزِمَ الزَّوْج، لَان الْوَلَد للْفراش فَلَا بُد من تَصْدِيقه أَو حجَّة تقوم عَلَيْهِ، وَيَكْفِي الْوَاحِدَة لانه مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال، إِلَّا إِن قَالَت هُوَ من غَيره فقد نفته عَنهُ فيلزمها وَلَا يلْزمه.
قَوْلُهُ: (قُلْت) أَقُولُ: غَايَةُ مَا يَلْزَمُ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ زَوْجٍ آخَرَ كَوْنُهُ مِنْ الزِّنَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَبِفَرْضِ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ مِنْ الزِّنَا يَلْزَمُهَا أَيْضًا، لِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَا وَاللِّعَانِ يَرِثُ بِجِهَةِ الْأُمِّ فَقَطْ، فَلَا وَجْهَ للتوقف فِي ذَلِك.
أَبُو السُّعُود.
قَوْله:
(بَقِيَ لَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ) أَي وَقد ادَّعَت أَنه من غير هَذَا الزَّوْج، وَالظَّاهِر ثُبُوته مِنْهَا لعدم تحميل نسب على مَعْلُوم فيرثها.
قَالَ الرحمتي: هُوَ دَاخل تَحت قَوْله وَادعت أَنه من غَيره لشُمُوله مَا إِذا عرف لَهَا زوج غَيره أَو لم يعرف، إِذْ يَكْفِي فِي ذَلِك الامان الْعقلِيّ كَمَا هُوَ ظَاهر إِطْلَاقهم.
قَوْله: (فيحرر) وَهُوَ أَنه يثبت نسبه من الام كَمَا علمت، لَان غَايَة مَا يكون كَونه من الزِّنَا، وَهُوَ يثبت من الام لَا الاب.
قَوْله: (وَلَا بُد من تَصْدِيق هَؤُلَاءِ) يَعْنِي الْوَلَد والوالدين وَالزَّوْجَة وَالْمولى وَالزَّوْج، لَان إِقْرَار غَيرهم لَا يلْزمهُم لَان كلا مِنْهُم فِي يَد نَفسه.
عَيْني.
قَوْله: (وَلَو كَانَ الْمقر لَهُ عبد الْغَيْر) أَي فَادّعى أَنه ابْنه أَو أَبوهُ أَو أَنه زَوجهَا أَو كَانَت أمة فَأقر أَنَّهَا زَوجته.
قَوْله: (وَصَحَّ التَّصْدِيق من الْمقر لَهُ) بِنسَب أَو زوجية: أَيْ وَلَوْ بَعْدَ جُحُودِ الْمُقِرِّ لِقَوْلِ الْبَزَّازِيِّ: أَقَرَّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فُلَانَةَ فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ ثُمَّ جَحَدَ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي حَيَاتِهِ أَو بعد مَوته جَازَ اهـ.
قَوْله: (لبَقَاء النّسَب وَالْعدة بعد الْمَوْت) بِهَذَا علم أَن المُرَاد بِمَوْت الْمقر فِي جَانب الزَّوْجِيَّة الزَّوْج، وَإِذا صَحَّ إِقْرَاره كَانَ لَهَا الْمِيرَاث وَالْمهْر.
أَبُو السُّعُود: أَي لبَقَاء حكم النِّكَاح وَهُوَ الْعدة.
قَوْله: (إِلَّا تَصْدِيق الزَّوْج بعد مَوتهَا) أَي إِنَّهَا أقرَّت بِنِكَاح لرجل وَمَاتَتْ، فصدقها الزَّوْج لم يَصح تَصْدِيقه عِنْد أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا يَصح، فَعَلَيهِ مهرهَا وَله الْمِيرَاث مِنْهَا لابي حنيفَة أَنَّهَا لما مَاتَت زَالَ النِّكَاح بعلائقه، حَتَّى يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج أُخْتهَا وأربعا سواهَا، وَلَا يحل لَهُ أَن يغسلهَا فَبَطل إِقْرَارهَا، فَلَا يَصح التَّصْدِيق بعد بطلَان الاقرار.
وَقَول الْعَيْنِيّ: وَكَذَا إِذا أقرّ الرجل بِالزَّوْجِيَّةِ فصدقته الْمَرْأَة بعد مَوته عِنْد أبي حنيفَة ظَاهر فِي التَّسْوِيَة بَين الزَّوْج وَالزَّوْجَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلِهَذَا تعقبه الشَّيْخ شاهين بِأَن تَصْدِيق الزَّوْجَة بعد موت الزَّوْج صَحِيح بالِاتِّفَاقِ، لَان حكم النِّكَاح بَاقٍ فِي حَقّهَا وَهِي الْعدة فَإِنَّهَا من آثَار النِّكَاح، وَلِهَذَا جَازَ لَهَا غسله مَيتا كَمَا فِي حَال الْحَيَاة، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَصْدِيق الزَّوْج بعد مَوتهَا، فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يجوز، وَعِنْدَهُمَا يجوز.
زَيْلَعِيّ
قَوْله: (بموتها) كَذَا فِي نُسْخَة، وَهُوَ الصَّوَابُ مُوَافِقًا لِمَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى.
قَوْله: (بِخِلَاف عَكسه) أَي
стр. 878
فَإِن النِّكَاح لم يَنْقَطِع بعلائقه.
قَوْله: (وَلَو أقرّ رجل) مثله الْمَرْأَة.
قَوْله: (كَمَا فِي الدُّرَر) عِبَارَته: أقرّ بِنسَب من غير ولاد كأخ وَعم لَا يثبت: أَي النّسَب وَلَا يقبل إِقْرَاره فِي حَقه، لَان فِيهِ تحميل النّسَب
على الْغَيْر، فَإِن ادّعى نَفَقَة أَو حضَانَة يقبل فِي حَقّهَا، وَيُورث إِلَّا مَعَ وَارِث وَإِن بعد: يَعْنِي إِذا كَانَ للْمقر وَارِث مَعْرُوف قريب أَو بعيد فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِرْثِ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ وَلَهُ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ فالارث للعمة وَالْخَالَة، لِأَنَّ نَسَبَهُ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا يُزَاحِمُ الْوَارِثَ الْمَعْرُوف اهـ.
قَوْله: (لفساده بالجد وَابْن الابْن) فَإِنَّهُمَا فِي حكم غَيرهمَا مِمَّا فِيهِ تحميل على الْغَيْر، إِلَّا أَن يخص كَلَام الدُّرَر بالاب وَالِابْن، لانه أَرَادَ بِهِ الولاد الاصلي أَو الفرعي بِلَا وَاسِطَة، وَهُوَ الْكَامِل، فَيشْمَل الْغَيْر ابْن الابْن وَالْجد كَمَا صرح بهما فِي الْكَافِي: أَرَادَ بِابْن الابْن فرع الْوَلَد وبالجد أصل الابوين، وَمثل هَذَا الاجمال غير قَلِيل فِي الْمُتُون فَلَا يعد مخلا كَمَا لَا يخفى.
لَا يُقَال: إِن صَاحب الدُّرَر قَالَ: وَإِن أقرّ بِنسَب من غير ولاد لَا يَصح وَهُوَ غير شَامِل لمن إِذا ادّعى أَنه جده أَو ابْن ابْنه مَعَ أَنه لَا يَصح أَيْضا لما فِيهِ من تحميل النّسَب على الْغَيْر، وَقَوله هُنَا وَإِن أقرّ بِنسَب فِيهِ تحميل الخ شَامِل لذَلِك، فَكَانَ أولى لحمل كَلَامه على مَا قُلْنَا.
تَأمل.
أَقُول: وَلَا تنس مَا تقدم من صِحَّته عَن الْبُرْهَان وَمن تنظير الْمَقْدِسِي لَهُ، وَقَول صَاحب الدُّرَر أَيْضا: وَيَرِث إِلَّا مَعَ وَارِث وَإِن بعد أطلقهُ، فَشَمَلَ الزَّوْج وَالزَّوْجَة وَهَذَا مُسْتَقِيم على قَول بعض مَشَايِخنَا أَنه يرد عَلَيْهِمَا أَيْضا فِي زَمَاننَا كَمَا فِي الْقنية، والاصح أَن لَيْسَ لَهما الرَّد فيرث الْمقر لَهُ مَعَهُمَا كَمَا فِي البرجندي، وَأَرَادَ بالقريب صَاحب فرض وعصبة وَلَو مولى الْعتَاقَة، وبالبعيد من كَانَ من ذَوي الارحام وَمولى الْمُوَالَاة، وَلَا يكون لَهُ الثُّلُث بِالْوَصِيَّةِ، لانه مَا أوجبه وَصِيَّة وَإِنَّمَا أوجبه إِرْثا كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيره، وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا لم يُخَالف مَا سبق عَن الْقنية ندبر.
قَوْله: (وَابْن الابْن) أَي إِذا كَانَ فِي حَيَاة ابْنه، لَان فِيهِ حمل النّسَب على الْغَيْر كَمَا قَيده الْحَمَوِيّ.
قَالَ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود: وَعلم أَن الاقرار بِابْن الابْن ذكره فِي التَّنْوِير وَشَرحه مُطلقًا، لَكِن ذكره الْحَمَوِيّ بِخَطِّهِ مُقَيّدا بِمَا إِذا أقرّ بِهِ فِي حَيَاة ابْنه مُعَللا بِأَن فِيهِ حمل النّسَب على الْغَيْر اهـ فَلْيحْفَظ
قَوْله: (إِلَّا ببرهان) يعم مَا إِذا أَقَامَهُ الْمقر أَو الْمقر لَهُ على الْمقر عَلَيْهِ وَهُوَ من حمل عَلَيْهِ النّسَب
قَوْله: (وَمِنْه إِقْرَار اثْنَيْنِ) أَي من وَرَثَة الْمقر عَلَيْهِ فيتعدى الحكم إِلَى غَيرهمَا، وَإِنَّمَا قيد بِاثْنَيْنِ لَان الْمقر لَو كَانَ وَاحِدًا اقْتصر حكم إِقْرَاره عَلَيْهِ، أما إِقْرَار وَرَثَة الْمقر لَهُ لَا يثبت النِّسْبَة فَإِنَّهُ كتصديقه، وَأطلق فِي
الِاثْنَيْنِ فَشَمَلَ الرجل والمرأتين.
قَالَ فِي الْبَدَائِع إِن الْوَارِث لَو كَانَ كثيرا فَأقر وَاحِد مِنْهُم بِأَخ آخر وَنَحْوه لَا يثبت نسبه وَلَا يَرث مَعَهم، وَلَو أقرّ مِنْهُم رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ يثبت نسبه بالِاتِّفَاقِ، وَلَو كَانَ الْوَارِث وَاحِدًا فَأقر بِهِ يثبت بِهِ عِنْد أبي يُوسُف، خلافًا لابي حنيفَة وَمُحَمّد، وَبقول أبي يُوسُف أَخذ الْكَرْخِي.
اهـ.
وَظَاهر إِطْلَاق الْمُتُون على تَرْجِيح قَوْلهمَا كَمَا لَا يخفى
قَوْله: (كَمَا مر فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ) حَيْثُ قَالَ أَوْ تَصْدِيقِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّينَ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، حَتَّى النَّاسِ كَافَّةً إنْ تَمَّ نِصَابُ الشَّهَادَةِ بِهِمْ: أَيْ بِالْمُقِرِّينَ، وَإِلَّا يَتِمَّ نِصَابُهَا لَا يُشَارِكُ المكذبين لانها لَا تكون شَهَادَة حِينَئِذٍ حَتَّى تتعدى، بل يكون مُجَرّد إِقْرَار وَهُوَ قَاصِر على الْمقر فَقَط، بل لَا بُد من
стр. 879
الشَّهَادَة ونصابها حَتَّى تكون حجَّة تتعدى على غَيرهمَا.
قَوْله: (وَكَذَا لَو صدقه الْمقر عَلَيْهِ) هُوَ من حمل عَلَيْهِ النّسَب.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْوَرَثَةِ) يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ وَمِنْهُ إِقْرَار اثْنَيْنِ لَكِن كَلَامه هُنَا فِي تَصْدِيقِ الْمُقِرِّ وَهُنَاكَ فِي نَفْسِ الاقرار، وَإِن كَانَ فِي الْمَعْنَى سَوَاءً لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّصْدِيقَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِإِقْرَارِ الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ نَعَمْ أَوْ صَدَقَ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعلم تَأمل.
قَالَ: وَيُمكن التَّفْرِقَة بَينهمَا بِأَن صُورَة الاولى: أقرّ اثْنَان من وَرَثَة الْمقر عَلَيْهِ فبه يثبت النّسَب، وَصُورَة الثَّانِيَة: أقرّ الْمقر وَصدقه اثْنَان من وَرَثَة الْمقر عَلَيْهِ.
قَوْله: (وهم من أهل التَّصْدِيق) بِأَن يَكُونُوا بالغين عاقلين، وَتمّ نِصَاب الشَّهَادَة كَمَا يَأْتِي قَرِيبا مَا يفِيدهُ، لَكِن هَذَا بِالنّظرِ لثُبُوت النّسَب، أما بِالنّظرِ لاسْتِحْقَاق الارث فيستحقه، وَلَو الْمُصدق امْرَأَة وَاحِدَة كَانَت هِيَ الوارثة فَقَط مَعَ الْمقر.
ط.
قَوْله: (حَتَّى تلْزمهُ) بِرَفْع تلْزم لَان حَتَّى للتفريع لَا للغاية.
قَوْله: (من النَّفَقَة) أَي إِذا كَانَ ذَا رحم محرم من الْمقر.
قَوْله: (والحضانة) فِيهِ أَنه يشْتَرط فِي لُزُوم هَذِه الاحكام تَصْدِيق الْمقر لَهُ، وَهُوَ لَا يكون محضونا فيراد بالحضانة الضَّم إِلَيْهِ فِيمَا إِذا كَانَ الْمقر لَهُ بِنْتا بَالِغَة يخْشَى عَلَيْهَا، وَلَا يُقَال: تظهر فِي فرع الْمقر لَهُ إِذا مَاتَ عَنهُ.
قُلْنَا: الظَّاهِر أَن الْحَضَانَة كالارث لَا تظهر فِي غير الْمقر لَهُ، أَفَادَهُ الْعَلامَة الطَّحْطَاوِيّ
قَوْله: (والارث) أَي فِي حَقّهمَا فَقَط بِحَيْثُ لَا يمنعان بإقرارهما وَارِثا آخر كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْله: (كذوي الارحام) قد علمت مِمَّا قدمْنَاهُ عَن الْكَافِي تَفْسِير الْقَرِيب والبعيد.
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة: نَاقِلا عَن الْعِنَايَة مُفَسرًا للقريب بذوي الْفُرُوض، والعصبات والبعيد بذوي الارحام بعد ذكر مَا مَشى عَلَيْهِ الشَّارِح، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، لِأَنَّ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ إرْثُهُ بَعْدَ ذَوي الارحام مقدما على الْمقر لَهُ بِنسَب الْغَيْر اهـ.
فَتنبه.
قَوْله: (وَرثهُ) أَي الْمقر لَهُ وَيكون مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى فَرْعِ الْمُقَرِّ لَهُ وَلَا إلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ.
أَبُو السُّعُود عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ.
قَوْله: (لَان نسبه لم يثبت) قَالَ فِي الْمنح: وَهَذَا لانه أقرّ بشيئين بِالنّسَبِ، وباستحقاق مَاله بعده، وَهُوَ فِي النّسَب مقرّ على غَيره فَيرد وَفِي اسْتِحْقَاق مَاله مقرّ على نَفسه، فَيقبل عِنْد عدم المزاحم، لَان ولَايَة التَّصَرُّف فِي مَاله عِنْد عدم الْوَارِث لَهُ فيضعه حَيْثُ شَاءَ، حَتَّى كَانَ لَهُ أَن يُوصي بِجَمِيعِ المَال فَلِذَا كَانَ لَهُ أَن يَجعله لهَذَا الْمقر لَهُ.
وَالظَّاهِر أَن الْمقر يَرث الْمقر لَهُ، لَان صدقه وَهُوَ إِقْرَار، وَلكنه يتَأَخَّر عَن الْوَارِث الْمَعْلُوم.
قَوْله: (فَلَا يزاحم الْوَارِث الْمَعْرُوفَ) قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِرْثِ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ وَلَهُ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ فَالْإِرْثُ لِلْعَمَّةِ أَوْ لِلْخَالَةِ لِأَنَّ نَسَبَهُ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا يُزَاحِمُ الْوَارِث الْمَعْرُوف.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ غَيْرُ الزَّوْجَيْنِ) أَيْ بِالْوَارِثِ الَّذِي يمْنَع الْمقر لَهُ من الارث لانه وَصِيَّة من وَجه، لَان نسبه لم يثبت فَثَبت حق الرُّجُوع وَارِث من وَجه، حَتَّى لَو أوصى لغيره بِأَكْثَرَ من الثُّلُث لَا ينفذ إِلَّا بِإِجَازَة الْمقر لَهُ مَا دَامَ الْمقر مصرا على إِقْرَاره لانه وَارِث حَقِيقَة كَمَا فِي الزَّيْلَعِيّ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمقر بِنَحْوِ الْوَلَد والوالدين لَيْسَ لَهُ الرُّجُوع عَنهُ، وَبِذَلِك صرح فِي الِاخْتِيَار.
قَوْله: (أَي وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ) صَوَابُهُ: الْمُقَرُّ عَلَيْهِ كَمَا
стр. 880
عبر بِهِ فِيمَا مر، وَيدل عَلَيْهِ قطعا كَلَام الْمنح حَيْثُ قَالَ: قَوْله أَي الزَّيْلَعِيّ: للْمقر أَن يَرْجِعُ عَنْهُ مَحَلُّهُ مَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى إقْرَارِهِ، أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِمِثْلِ إقْرَارِهِ إلَخْ، وَعَزَاهُ لِبَعْضِ شُرُوحِ السِّرَاجِيَّةِ فَقَوْلُهُ أَوْ لَمْ يُقِرَّ لَا شَكَّ أَنَّ الضَّمِير فِيهِ للْمقر عَلَيْهِ لَا للْمقر لَهُ، فَعلم أَن قَوْله الْمقر لَهُ صَوَابه الْمقر عَلَيْهِ كَمَا عبر بِهِ صَاحب الْمِنَحِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي إنْ بِالتَّصْدِيقِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الْمُقَرِّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي رُوحِ الشُّرُوحِ عَلَى السِّرَاجِيَّةِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ شَهِدَ مَعَ الْمُقَرِّ رَجُلٌ آخَرُ أَوْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ عَلَيْهِ أَوْ الْوَرَثَةُ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِقْرَارِ، فَلَا يُشْتَرَطُ الْإِصْرَارُ عَلَى الْإِقْرَارِ إلَى الْمَوْتِ، وَلَا يَنْفَعُ الرُّجُوعُ لثُبُوت
النّسَب حِينَئِذٍ اهـ.
وَفِي شَرْحِ فَرَائِضِ الْمُلْتَقَى لِلطَّرَابُلُسِيِّ: وَصَحَّ رُجُوعُهُ لانه وَصِيَّة معنى وَلَا شئ لِلْمُقَرِّ لَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ الْمُسَمَّى بِالْمِنْهَاجِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْ الْمُقَرُّ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِمِثْلِ إقْرَارِهِ، أَمَّا إذَا صَدَّقَ إقْرَارَهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ أَوْ أَقَرَّ بِمِثْلِ إقْرَارِهِ، فَلَا يَنْفَعُ الْمُقِرَّ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ، لِأَنَّ نَسَبَ الْمُقَرِّ لَهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ الْمُقَرِّ عَلَيْهِ اهـ.
فَهَذَا كَلَام شرَّاح السِّرَاجِيَّة، فَالصَّوَاب التَّعْبِير بعليه كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمِنَحِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهَا هُنَا كَعِبَارَةِ الشَّارِحِ وَعبارَة الشَّارِح فِي الْفَرَائِض غير محررة.
فَتنبه.
أَقُول: لَكِن قد يُقَال: إِن هَذَا التصويب غير صَحِيح، وَإِنَّمَا الْخَطَأ فِي الِاسْتِدْرَاك بعده، لَان الاقرار هُنَا من الْمقر لَهُ وَهنا من الْمقر عَلَيْهِ فالاستدراك بِهِ غلط.
تَأمل
قَوْله: (لَكِن الخ) اسْتِدْرَاك عَن الزَّيْلَعِيّ والبدائع، وَلَا شكّ أَن الزَّيْلَعِيّ وَصَاحب الْبَدَائِع أولى بالاعتماد من شُرُوح السِّرَاجِيَّة، مَعَ أَن الْوَجْه ظَاهر مَعَهُمَا لانه جعله وَصِيَّة من وَجه فباعتباره يَصح الرُّجُوع، وَالْوَصِيَّة يَصح الرُّجُوع عَنْهَا، سَوَاء قبل الْمُوصى لَهُ أم لَا، وَمَا فِي الزَّيْلَعِيّ والبدائع مُوَافق لما فِي الْكتب، وَعبارَة الْهِدَايَة: حَتَّى لَو أقرّ فِي مَرضه بِأَخ وَصدقه الْمقر لَهُ ثمَّ أنكر الْمقر وراثته ثمَّ أوصى بِمَالِه كُله لانسان كَانَ مَاله للْمُوصى لَهُ، وَلَو لم يوص لَاحَدَّ كَانَ لبيت المَال، لَان رُجُوعه صَحِيح لَان النّسَب لم يثبت فَبَطل الاقرار اهـ.
وَأقرهُ الشُّرَّاح.
وَقد صرح بِأَنَّهُ بعد تَصْدِيق الْمقر لَهُ لم يَصح رُجُوعه، وَنَقله المُصَنّف مزاد بِهِ بعد تَصْدِيق الْمقر عَلَيْهِ، وَهُوَ الاب مثلا فِيمَا إِذا أقرّ بِأَخ.
وَقَالَ فِي الدّرّ الْمُنْتَقى: وَعِنْدِي فِي ثُبُوته بِمُجَرَّد تصادقهما تردد، وَلَعَلَّ مُرَاد بعض شراحها بالتصديق تَصْدِيق أَخ آخر كَمَا مر فَتدبر اهـ.
وَذكره بعده فرعا آخر: لَوْ أَقَرَّ الْأَخُ بِابْنٍ هَلْ يَصِحُّ؟ قَالَ الشَّافِعِيَّة لَا لَان مَا دَعَا وُجُودُهُ إلَى نَفْيِهِ انْتَفَى مِنْ أَصْلِهِ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا صَرِيحًا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ نَعَمْ، فَلْيُرَاجَعْ اهـ.
وتوضيحه: أَن أَخا الْمَيِّت لَو أقرّ أَن للْمَيت ابْنا، قَالَت الشَّافِعِيَّة: لَا يَصح إِقْرَاره، لانه لَو صَحَّ لبطل كَونه وَارِثا، وَإِذا بَطل كَونه وَارِثا لم يَصح إِقْرَاره، وَظَاهر كَلَام أَئِمَّتنَا أَنه أقرّ بِسُقُوط حق فِي
الْمِيرَاث، وَأَن الْمُسْتَحق لَهُ من أقرّ ببنوته للْمَيت فَينفذ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي غَايَة الْبَيَان: وَيَنْبَغِي لَك أَن تعرف أَن الرُّجُوع عَن الاقرار بِالنّسَبِ إِنَّمَا يَصح إِذا كَانَ الرُّجُوع قبل ثُبُوت النّسَب كَمَا نَحن فِيهِ، لَان النّسَب لم يثبت لكَونه تحميلا على الْغَيْر وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك، فَإِذا ثَبت النّسَب فَلَا يَصح الرُّجُوع بعد ذَلِك، لَان النّسَب لَا يحْتَمل النَّقْض بعد ثوبته اهـ.
وَإِنَّمَا
следующие страницы →