Полный текст (1 094 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
يَنْبَغِي الْوُقُوع أَيْضا.
نور الْعين عَن الاشباه.
وَفِيه عَن الْهِدَايَة: أخرس قرئَ عَلَيْهِ كتاب وَصِيَّة فَقيل لَهُ نشْهد عَلَيْك بِمَا فِي هَذَا الْكتاب، فَأَوْمأ بِرَأْسِهِ.
أَي نعم أَو كتب، فَإِذا جَاءَ من ذَلِك مَا يعرف أَنه إِقْرَار فَهُوَ جَائِز، وَلَا يجوز ذَلِك فِي معتقل اللِّسَان، وَالْفرق أَن الاشارة إِنَّمَا تعْتَبر إِذا صَارَت مَعْلُومَة، وَذَلِكَ فِي الاخرس لَا فِي معتقل للسان، حَتَّى لَو امْتَدَّ الاعتقال وَصَارَت لَهُ إِشَارَة مَعْلُومَة قَالُوا هَذَا
بِمَنْزِلَة الاخرس، وَلَو كَانَ الاخرس يكْتب كتابا أَو يومي إِيمَاء يعرف بِهِ جَازَ نِكَاحه وطلاقه وَبيعه وشراؤه ويقتص مِنْهُ وَلَا يحد، وَلَا يحد لَهُ، وَالْفرق أَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِبَيَانٍ فِيهِ شُبْهَةٌ.
وَأما الْقصاص فَفِيهِ مَعْنَى الْعِوَضِيَّةِ لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا فَجَازَ أَنْ يثبت مَعَ الشُّبْهَة كالمعاوضات اهـ.
قَوْله: (بِخِلَاف إِفْتَاء) أَي لَو سَأَلَ مفتيا عَن حكم فَقَالَ: أهكذا الحكم؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَي نعم كَمَا نَقله فِي الْقنية عَن عَلَاء الدّين الزَّاهدِيّ، وَنقل عَن ظهير الدّين المرغيناني: أَنه لَا يعْتَبر، قَالَ: لَان الاشارة من النَّاطِق لَا تعْتَبر.
وَفِي مجمع الفتاوي: تعْتَبر، وَمثله فِي تَنْقِيح المحبوبي وَنور الْعين وَغَيرهمَا، لَان جَوَاب الْمُفْتى بِهِ لَيْسَ بِحكم مُتَعَلق بِاللَّفْظِ، إِنَّمَا اللَّفْظ طَرِيق معرفَة الْجَواب عِنْد المستفتي، وَإِذا حصل هُنَا الْمَقْصُود استفتى المستفتي عَن اللَّفْظ كَمَا لَو حصل الْجَواب بِالْكِتَابَةِ، بِخِلَاف الشَّهَادَة وَالْوَصِيَّة فَإِنَّهُمَا يتعلقان بِاللَّفْظِ، والاشارة إِنَّمَا تقوم مقَام اللَّفْظ عِنْد الْعَجز.
وَفِي شرح الشافية: أَن جَارِيَة أُرِيد إعْتَاقهَا فِي كَفَّارَة فجِئ بهَا إِلَى رَسُول الله (ص) فَسَأَلَهَا: أَيْن الله تَعَالَى؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: أعْتقهَا فَإِنَّهَا مسلمة كَمَا فِي الْحَوَاشِي الحموية وَغَيرهَا.
قَوْله: (وَنسب) بِأَن قيل لَهُ أَهَذا ابْنك؟ فَأَشَارَ بنعم ط.
قَالَ أَبُو السُّعُود
قَوْله: (وَنسب) أَي الاشارة من سيد الامة تنزل منزلَة صَرِيح الدَّعْوَى.
قَوْله: (وَكفر) بِأَن قَالَ لَهُ قَائِل: أتعتقد هَذَا الْمُكَفّر؟ فَأَشَارَ بنعم.
قَوْله: (وَإِشَارَة محرم لصيد) فَإِذا أَشَارَ لشخص يدله على طير فَقتله يجب جَزَاء على المشير.
قَوْله: (وَالشَّيْخ بِرَأْسِهِ فِي رِوَايَة الحَدِيث) أَي لَو قيل لَهُ: أجزني بِرِوَايَة كَذَا عَنْك فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ كفى، أما لَو قَرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاكِت فَإِنَّهُ يرويهِ عَنهُ، وَلَا يحْتَاج إِلَى إِشَارَة، وَمَسْأَلَة الشَّيْخ مُلْحقَة بِمَسْأَلَة الافتاء.
قَوْله: (وَالطَّلَاق) أَي وَإِشَارَة عدد الطَّلَاق المتلفظ بِهِ.
قَوْله: (هَكَذَا وَأَشَارَ بِثَلَاث) فالاشارة مبينَة لهَذَا الْمُبْهم، فَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَأَشَارَ بِثَلَاث لم يَقع إِلَّا وَاحِدَة.
أشباه.
قَالَ فِيهَا: وَلم أر الْآن حكم أَنْت هَكَذَا مُشِيرا بِأُصْبُعِهِ وَلم يقل طَالِق اهـ.
وَالظَّاهِر عدم الْوُقُوع لانه لَيْسَ من صَرِيح الطَّلَاق وَلَا كنايته لانه لَيْسَ لفظ يحْتَملهُ وَغَيره ط.
أَقُول: الْمَفْهُوم من عبارَة الشَّارِح المنقولة عَن الاشباه فِي قَوْله: وَالطَّلَاق فِي أَنْت طَالِق أَي وَبِخِلَاف الطَّلَاق الْكَائِن فِي أَنْت طَالِق هَكَذَا وَأَشَارَ بِثَلَاث، فَإِن الاشارة بِالرَّأْسِ فِيهِ كالنطق.
لَكِن
تقدم فِي كتاب الطَّلَاق أَنه لَو قَالَ هَكَذَا وَأَشَارَ بِثَلَاث يَقع ثَلَاث وَلَو لم يشر بِالرَّأْسِ، فَالظَّاهِر أَنه فِي هَذِه الصُّورَة لَا فَائِدَة فِي إِشَارَة الرَّأْس.
وَقَالَ فِي الاشباه: وَيُزَاد أخذا من مَسْأَلَة الافتاء بِالرَّأْسِ وَإِشَارَة الشَّيْخ فِي رِوَايَة الحَدِيث.
وأمان الْكَافِر أخذا من النّسَب لانه محتاط فِيهِ لحقن الدَّم، وَلذَا يثبت بِكِتَاب الامام كَمَا تقدم، أَو أخذا من الْكتاب وَالطَّلَاق إِذا كَانَ تَفْسِيرا لمبهم كَمَا لَو قَالَ: أَنْت طَالِق هَكَذَا وَأَشَارَ بِثَلَاث وَقعت، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ: أَنْت وَأَشَارَ بِثَلَاث لم يَقع أَلا وَاحِدَة كَمَا علم فِي
стр. 807
الطَّلَاق اهـ.
من أَحْكَام الاشارة.
نعم لَو قيل: مُخَالفَة هَذِه الْمَسْأَلَة لما قبلهَا فِي كَونهَا تعْتَبر فِيهَا الاشارة مُطلقًا كَانَ الْكَلَام منتظما كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب.
أَقُول: وَعبارَة الْمنح فِي كتاب الطَّلَاق هَكَذَا: وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَأَشَارَ بأصابعه وَلم يقل هَكَذَا فَهِيَ وَاحِدَة لفقد التَّشْبِيه، لَان الْهَاء للتّنْبِيه وَالْكَاف للتشبيه اهـ.
وَفِي الْبَحْر عَن الْمُحِيط: لَو قَالَت لزَوجهَا: طَلقنِي فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِثَلَاث أَصَابِع وَأَرَادَ بِهِ ثَلَاث تَطْلِيقَات لَا يَقع مَا لم يقل هَكَذَا، لانه لَو وَقع وَقع بالضمير وَالطَّلَاق لَا يَقع بالضمير اهـ.
وَأَنت خَبِير بِأَن اعْتِرَاض الْمحشِي لَيْسَ فِي مَحَله، لانه إِذا أَتَى بقوله هَكَذَا اعْتبرت الاشارة، فَإِذا قيل لَهُ: أطلقت أمرأتك هَكَذَا؟ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِثَلَاث أَصَابِع فَأَوْمأ بِرَأْسِهِ: أَي نعم فَإِنَّهُ يَقع الثَّلَاث كَمَا هُوَ ظَاهر.
تَأمل.
قَوْله: (إِشَارَة الاشباه) أَي كَذَا فِي أَحْكَام الاشارة من الاشباه فِي الْفَنّ الثَّالِث.
قَوْله: (وَيُزَاد الْيَمين الخ) ظَاهره أَن جَمِيع الايمان يَحْنَث فِيهَا بالاشارة لَان الْمَذْكُور أَمْثِلَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ إِذا حلف ليضربن فَأَشَارَ بِالضَّرْبِ لَا يبرأ، أَو حلف لَا يضْرب فَأَشَارَ بِالضَّرْبِ لَا يَحْنَث إِذا كَانَ مثله مِمَّن يباشره.
وَالَّذِي فِي الْمنح عَن إِيمَان الْبَزَّازِيَّة: إِذا حلف لَا يظْهر سر فلَان أَو لَا يفشى أَو لَا يعلم فلَانا بسر فلَان أَو حلف ليكتمن سره أَو ليخفينه أَو ليسترنه أَو حلف لَا يدل على فلَان فَأخْبر بِهِ بِالْكِتَابَةِ أَو برسالة أَو كَلَام أَو سَأَلَهُ أحد أَكَانَ سر فلَان كَذَا أَو أَكَانَ فلَان بمَكَان كَذَا فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَي نعم حنث فِي جَمِيع هَذِه الْوُجُوه، وَكَذَا إِذا حلف لَا يستخدم فلَانا فَأَشَارَ إِلَيْهِ بشئ من الْخدمَة حنث فِي يَمِينه
خدمه فلَان أَو لَا يَخْدمه اهـ ط.
أَقُول: وَإِنَّمَا حنث للْعُرْف إِذْ الايمان مبناها عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْعرف يكون بذلك مظْهرا سره ومفشيه ومعلما بِهِ كَمَا هُوَ مُقَرر فِي مَحَله، وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي خُرُوجهَا عَن الضَّابِط الْمَذْكُور، فَافْهَم.
قَوْله: (وَأَشَارَ حنث) قَالَ فِي الاشباه: حلفه السراق أَن لَا يخبر بِأَسْمَائِهِمْ، فَالْحِيلَةُ أَن يعد عَلَيْهِ الاسماء فَمن لَيْسَ بسارق يَقُول لَا وَالسَّارِق يسكت عَن اسْمه فَيعلم الْوَالِي السَّارِق وَلَا يَحْنَث الْحَالِف اهـ.
وَفِي مَسْأَلَتنَا: الْحِيلَة أَن يُقَال لَهُ: أَنا تذكر أمكنة وَأَشْيَاء من السِّرّ فَمَا لَيْسَ بمَكَان فلَان وَلَا سره فَقل: لَا، فَإِذا تكلمنا بسره أَو مَكَانَهُ فاسكت أَنْت، فَفعله وَاسْتَدَلُّوا بِهِ على سره ومكانه لَا يَحْنَث.
قَوْله: (إِلَّا فِي تسع) وَيدخل تَحت الْيَمين مِنْهَا ثَلَاث صور.
يَنْبَغِي أَن يُزَاد على التسع تَعْدِيلُ الشَّاهِدِ مِنْ الْعَالِمِ بِالْإِشَارَةِ فَإِنَّهَا تَكْفِي كَمَا قدمْنَاهُ فِي الشَّهَادَات.
فَقَالَ: اعْلَم أَن من الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة أَنه لَا ينْسب إِلَى سَاكِت قَول كَمَا فِي مسَائِل: مِنْهَا: رأى أَجْنَبِيّا يَبِيع مَاله وَلم يَنْهَهُ لَا يكون وَكيلا لسكون الْمَالِك.
وَمِنْهَا: لَو رَأَى الْقَاضِي الصَّبِيَّ أَوْ الْمَعْتُوهَ أَوْ عَبْدَهُمَا يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت لَا يكون إِذْنا فِي التِّجَارَة.
وَمِنْهَا: لَو رأى الْمُرْتَهن راهنه يَبِيع الرَّهْن فَسكت لَا يبطل الرَّهْن وَلَا يكون مَأْذُونا بِالْبيعِ وَزَاد فِي الاشباه.
قَوْله: (فِي رِوَايَة) .
стр. 808
وَمِنْهَا: لَوْ رَأَى غَيْرَهُ يُتْلِفُ مَالَهُ فَسَكَتَ لَا يكون إِذْنا بإتلافه.
وَمِنْهَا: لَو رأى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ فَسَكَتَ لَا يكون إِذْنا.
وَمِنْهَا: لَو سكت على وطئ أمته لم يسْقط الْمهْر، وَكَذَا عَن قطع عضوه آخِذا من سُكُوته عِنْد إِتْلَاف مَاله.
وَمِنْهَا: لَو رأى قنه أَو أمته يتَزَوَّج فَسكت وَلم يَنْهَهُ لَا يصير لَهُ آذنا فِي النِّكَاح.
وَمِنْهَا: لَو زوجت غير كُفْء فَسكت الْوَلِيّ عَن مُطَالبَة التَّفْرِيق لَيْسَ بِرِضا وَإِن طَال ذَلِك، لَان
فِي الْمَوَانِع كَثْرَة: إِي مَا لم تَلد مِنْهُ.
وَمِنْهَا: سكُوت امْرَأَة الْعنين لَيْسَ بِرِضا وَإِن أَقَامَت مَعَه سِنِين.
وَمِنْهَا: الاعارة لَا تثبت بسكوت.
وَمِنْهَا: حلف لَا يسلم شُفْعَة فَلم يُسَلِّمهَا وَلَكِن سكت عَن خُصُومَة فِيهَا حَتَّى بطلت شفعته لَا يَحْنَث.
وَمِنْهَا: حلف لَا يُؤَخر عَن فلَان حَقًا لَهُ عَلَيْهِ شهرا فَلم يُؤَخِّرهُ شهرا وَسكت عَن تقاضيه حَتَّى مضى الشَّهْر لَا يَحْنَث.
وَمِنْهَا: لَو وهبت شَيْئا والموهوب لَهُ سَاكِت لَا يَصح مَا لم يقل قبلت، بِخِلَاف الصَّدَقَة كَمَا يَأْتِي.
وَمِنْهَا: لَو أجر قنه أَو عرضه للْبيع أَو ساومه أَو زوجه فَسكت الْقِنّ لَا يكون إِقْرَارا برقه، بِخِلَاف مَا لَو بَاعه أَو رَهنه أَو دَفعه بِجِنَايَة فَسكت كَمَا سَيَأْتِي أَيْضا.
وَمِنْهَا: أحد شَرِيكي عنان قَالَ لصَاحبه: إِنِّي اشْتريت هَذِه الامة لنَفْسي خَاصَّة فَسكت صَاحبه فشراها لَا تكون لَهُ مَا لم يقل صَاحبه نعم.
كَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ مُوَافقا للخلاصة وَغَيرهَا.
وَزيد فِي مختارات النَّوَازِل: فَإِذا قَالَ نعم فَهِيَ لَهُ بِغَيْر شئ عِنْد أبي حنيفَة، إِذْ الاذن يتَضَمَّن هبة نصِيبه مِنْهُ، إِذْ الوطئ لَا يحل إِلَّا بِالْملكِ بِخِلَاف طَعَام وَكِسْوَة.
يَقُول الحقير: وَفِي الاشباه: فَسكت صَاحبه لَا تكون لَهما، وَذكر هَذِه الْمَسْأَلَة فِيمَا يكون السُّكُوت فِيهِ كالنطق، كل ذَلِك سَهْو وَاضح لمُخَالفَته لما مر آنِفا من الْمُعْتَبرَات، وَاحْتِمَال كَون الْمَسْأَلَة خلافية فِيهَا رِوَايَتَانِ بعيد، إِذْ لَو كَانَت كَذَلِك لتعرض لَهُ أحد من أَصْحَاب الْمُعْتَبرَات الْمَنْقُول عَنْهَا.
ثمَّ اعْلَم أَنه خرج عَن الْقَاعِدَة السَّابِقَة مسَائِل كَثِيرَة صَار السُّكُوت فِيهَا كالنطق: أَي يكون رضَا.
فَمِنْهَا: سكُوت الْبكر عِنْد استئمار وَليهَا عَنْهَا قبل التَّزْوِيج وَبعده هَذَا لَو زَوجهَا الْوَلِيّ، فَلَو زوج الْجد مَعَ قيام الاب لَا يكون سكُوتهَا رضَا.
وَمِنْهَا سكُوتهَا عِنْد قبض مهرهَا الْمهْر أَبوهَا أَو من زَوجهَا فَسَكَتَتْ يكون إِذْنا بِقَبْضِهِ، إِلَّا أَن تَقول لَا تقبضه فَحِينَئِذٍ لم يجز الْقَبْض عَلَيْهَا وَلَا يبرأ الزَّوْج.
وَمِنْهَا: سكُوت الصبية إِذا بلغت بكرا يكون رضَا وَيبْطل خِيَار بُلُوغهَا لَا لَو بلغت ثَيِّبًا.
وَمِنْهَا: بكر حَلَفت أَن لَا تزوج نَفسهَا فَزَوجهَا أَبوهَا فَسَكَتَتْ حنثت فِي يَمِينهَا كرضاها بِكَلَام، وَلَو حَلَفت بكر أَن لَا تَأذن فِي تَزْوِيجهَا فَزَوجهَا أَبوهَا فَسَكَتَتْ لَا تَحنث إِذْ لم تَأذن وَلزِمَ النِّكَاح بِالسُّكُوتِ.
стр. 809
وَمِنْهَا: تصدق على إِنْسَان فَسكت الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ يثبت وَلَا يحْتَاج إِلَى قبُوله قولا، بِخِلَاف الْهِبَة وَمِنْهَا: قبض هبة وَصدقَة بِحَضْرَة الْمَالِك وَهُوَ سَاكِت كَانَ إِذْنا بِقَبْضِهِ.
وَمِنْهَا: لَو أَبْرَأ مديونه فَسكت الْمَدْيُون يبرأ وَلَو رد يرْتَد برده.
وَمِنْهَا: الاقرار يَصح وَلَو سكت الْمقر لَهُ ويرتد برده.
وَمِنْهَا: لَو وَكله بشئ فَسكت الْوَكِيل وباشره صَحَّ ويرتد برده فَلَو وَكله بِبيع قنه فَلم يقبل وَلم يرد فَبَاعَهُ جَازَ وَيكون قبولا.
وَمِنْهَا: لَو أوصى إِلَى رجل فَسَكَتَ فِي حَيَاتِهِ فَلَمَّا مَاتَ بَاعَ الْوَصِيُّ بَعْضَ التَّرِكَةِ أَوْ تَقَاضَى دَيْنَهُ فَهُوَ قَبُولٌ للوصاية.
وَمِنْهَا: الامر بِالْيَدِ إِذا سكت الْمُفَوض إِلَيْهِ صَحَّ يرْتَد برده.
وَمِنْهَا: الْوَقْف على رجل معِين صَحَّ وَلَو سكت الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَلَو رده، قيل يبطل، وَقيل لَا.
وَمِنْهَا: تواضعا على تلجئة ثمَّ قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: قَدْ بَدَا لِي أَنْ أَجْعَلَهُ بَيْعًا صَحِيحًا، فَسكت الآخر ثمَّ تبَايعا صَحَّ البيع وَلَيْسَ للساكت إِبْطَاله بعد مَا سمع قَول صَاحبه.
وَمِنْهَا: سُكُوتُ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ حِينَ قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغَانِمين رضَا، كَمَا لَو أسر قن لمُسلم فَوَقع فِي الْغَنِيمَة وَقسم ومولاه الاول حَاضر فَسكت بَطل حَقه فِي دَعْوَى قنه.
وَمِنْهَا: لَو كَانَ المُشْتَرِي مُخَيّرا فِي قن شراه فَرَأى الْقِنّ يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت بَطل خِيَاره، وَلَو كَانَ الْخِيَار للْبَائِع لَا يبطل خِيَاره.
وَمِنْهَا: للْبَائِع حبس الْمَبِيع لثمنه، فَلَو قَبضه المُشْتَرِي وَرَآهُ البَائِع وَسكت كَانَ إِذْنا فِي قَبضه، الصَّحِيح وَالْفَاسِد فِيهِ سَوَاء فِي رِوَايَة، وَهُوَ رضَا بِقَبض فِي الْفَاسِد لَا فِي الصَّحِيح فِي رِوَايَة.
وَمِنْهَا: علم الشَّفِيع بِالْبيعِ وَسكت يبطل شفعته.
وَمِنْهَا: رأى غير القَاضِي قنه يَبِيع وَيَشْتَرِي وَسكت كَانَ مَأْذُونا فِي التِّجَارَة لَا فِي بيع ذَلِك الْعين.
وَمِنْهَا: لَو حلف الْمولى لَا يَأْذَن لقنه فَرَآهُ يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت يَحْنَث فِي ظَاهر الرِّوَايَة، لَا فِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف.
وَمِنْهَا: بَاعَ قن شَيْئا بِحَضْرَة مَوْلَاهُ ثمَّ ادَّعَاهُ الْمولى أَنه لَهُ فَلَو كَانَ مَأْذُونا يَصح دَعْوَى الْمولي وَلَو مَحْجُورا صَحَّ.
قَالَ الاستروشني: فَإِن قيل ألم يصر مَأْذُونا بسكوت مَوْلَاهُ؟ قُلْنَا نعم، وَلَكِن أثر الاذن يظْهر فِي الْمُسْتَقْبل.
وَمِنْهَا: بَاعَ قِنَا والق حَاضر علم بِهِ وَسكت، وَفِي بعض الرِّوَايَات فانقاد للْبيع وَالتَّسْلِيم ثمَّ قَالَ أَنا حر لَا يقبل قَوْله.
كَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ مُوَافقا لما فِي فتاوي قاضيخان.
وَفِي فَوَائِد العتابي: وَلَو سكت الْقِنّ وَهُوَ يعقل فَهُوَ إِقْرَار برقه، وَكَذَا لَو رَهنه أَو دَفعه بِجِنَايَة والقن سَاكِت، بِخِلَاف مَا لَو آجره أَو عرضه للْبيع أَو ساومه أَو زوجه فسكوته هُنَا لَيْسَ بِإِقْرَار برقه.
يَقُول الحقير: قَوْله وَفِي بعض الرِّوَايَات الخ ظَاهره يشْعر بِضعْف اشْتِرَاط الانقياد أَو تَسَاوِي
стр. 810
الِاحْتِمَالَيْنِ، لَكِن الاظهر أَن الانقياد شَرط لما ذكر فِي مَحل آخر من فتاوي قاضيخان: رجل شرى أمة وَقَبضهَا فَبَاعَهَا من آخر وَالثَّانِي من ثَالِث فادعت حريتها فَردهَا الثَّالِث على الثَّانِي فقبلها ثمَّ أَرَادَ ردهَا على الاول فَلم يقبل لَهُ ذَلِك لَو ادَّعَت عتقا، إِذْ الْعتْق لَا يثبت بقولِهَا، وَلَو ادَّعَت حريَّة الاصل: فَلَو كَانَت حِين بِيعَتْ وسلمت انقادت لبيع وَتَسْلِيم فَكَذَلِك إِذْ الانقياد إِقْرَار بِالرّقِّ، وَإِن لم تنقد فَلَيْسَ للاول أَن لَا يقبل اهـ.
وَمِنْهَا: حلف لَا ينزل فلَانا دَاره وَفُلَان نَازل فِيهَا فَسكت الْحَالِف حنث، لَا لَو قَالَ لَهُ: اخْرُج
فَأبى أَن يخرج فَسكت.
وَمِنْهَا: ولدت ولدا فهنأ النَّاس زَوجهَا فَسكت الزَّوْج لزمَه الْوَلَد وَلَيْسَ لَهُ نَفْيه كإقراره.
وَمِنْهَا: أم ولد ولدت فَسكت مَوْلَاهَا حَتَّى مضى يَوْمَانِ لهَذَا الْوَلَد لَا يملك نَفْيه بعده.
وَمِنْهَا: السّكُون قبل البيع عِنْد الاخبار بِالْعَيْبِ رضَا بِهِ، حَتَّى لَو قَالَ رجل: هَذَا الشئ معيب فَسَمعهُ وأقدم مَعَ ذَلِك على شِرَائِهِ فَهُوَ رضَا لَو الْمخبر عدلا لَا لَو فَاسِقًا عِنْد أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا هُوَ رضَا وَلَو فَاسِقًا.
وَمِنْهَا: سكُوت بكر عِنْد إخبارها بتزويج الْوَلِيّ على خلاف مَا مر آنِفا.
وَمِنْهَا: بَاعَ عقارا وَامْرَأَته أَو وَلَده أَو بعض أَقَاربه حَاضر فَسكت ثمَّ ادَّعَاهُ على المُشْتَرِي من كَانَ حَاضرا عِنْد البيع أفتى مَشَايِخ سَمَرْقَنْد أَنه لَا يسمع، وَجعل سُكُوته فِي هَذِه الْحَالة كإقرار دلَالَة قطعا للاطماع الْفَاسِدَة، وَأفْتى مَشَايِخ بُخَارى أَنه يَنْبَغِي أَن يسمع فَينْظر الْمُفْتِي فِي ذَلِك، فَلَو رأى أَنه لَا يسمع لاشتهار الْمُدَّعِي بحيلة وتلبيس وَأفْتى بِهِ كَانَ حسنا سدا لباب التزوير.
وَمِنْهَا: الْحَاضِر عِنْد البيع لَو بعث البَائِع إِلَى المُشْتَرِي وتقاضاه الثّمن لَا يسمع دَعْوَاهُ الْملك لنَفسِهِ بعده لانه يصير مجيزا للْبيع بتقاضيه.
وَمِنْهَا: رَآهُ يَبِيعُ عَرَضًا أَوْ دَارًا فَتَصَرَّفَ فِيهِ المُشْتَرِي زَمَانا وَهُوَ سَاكِت سقط دَعْوَاهُ.
يَقُول الحقير: وَفِي الْفَتَاوَى الْوَلوالجِيَّة: رجل تصرف أَيْضا زَمَانا وَرَجُلٌ آخَرُ رَأَى الْأَرْضَ وَالتَّصَرُّفَ، وَلَمْ يَدَّعِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ لَا يسمع بعد ذَلِك دَعْوَى وَلَده فَيتْرك على يَد الْمُتَصَرف، لَان الْحَال شَاهد.
وَمِنْهَا: لَو قَالَ الْوَكِيل بشرَاء شئ بِعَيْنِه لمُوكلِه إِنِّي أُرِيد شِرَاءَهُ لنَفْسي فَسكت مُوكله ثمَّ شراه يكون للْوَكِيل.
يَقُول الحقير: وَجه الْفرق بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَبَين مَا مر نَحْو ورقة من مَسْأَلَة شَرِيكي الْعَنَان، وَهُوَ مَا ذكره صَاحب الْخُلَاصَة بعد ذكر هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ بقوله: وَالْفرق أَن الْوَكِيل يملك عزل نَفسه إِذا علم الْمُوكل رَضِي أَو سخط، بِخِلَاف أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذْ لَا يملك فسخ الشّركَة إِلَّا بِرِضا صَاحبه.
وَمِنْهَا: لي صبي عَاقل رأى الصَّبِي يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت يكون إِذْنا.
وَمِنْهَا: سكُوت رجل رأى غَيره شقّ زقه حَتَّى سَالَ مَا فِيهِ يكون رضَا.
وَمِنْهَا: سكُوت الْحَالِف بِأَن لَا يستخدم فلَانا: أَي مَمْلُوكه ثمَّ خدمه فلَان بِلَا أمره وَلم يَنْهَهُ حنث.
стр. 811
وَمِنْهَا: امْرَأَة دَفَعَتْ فِي تَجْهِيزِهَا لِبِنْتِهَا أَشْيَاءَ مِنْ أَمْتِعَةِ الاب والاب سَاكِت فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَاد.
وَمِنْهَا: أنفقت الام فِي تجهيز بنتهَا مَا هُوَ مُعْتَاد فَسكت الاب لَا تضمن الام.
وَمِنْهَا: بَاعَ أمه وَعَلَيْهَا حلي وقرطان وَلم يشْتَرط ذَلِك لَكِن تسلم المُشْتَرِي الامة وَذهب بهَا وبالبائع سَاكِت كَانَ سُكُوته بِمَنْزِلَة التَّسْلِيم فَكَانَ الْحلِيّ لَهَا.
وَمِنْهَا: الْقِرَاءَة على الشَّيْخ وَهُوَ سَاكِت تنزل منزلَة نطقه فِي الاصح.
وَمِنْهَا: مَا ذكر فِي قَضَاء الْخُلَاصَة: ادّعى على الآخر مَالا فَسكت وَلم يجب أصلا: يُؤْخَذ مِنْهُ كَفِيل ثمَّ يسْأَل جِيرَانه عَسى بِهِ آفَة فِي لِسَانه أَو سَمعه، فَلَو أخبروا أَنه لَا آفَة بِهِ يحضر مجْلِس الحكم، فَإِن سكت وَلم يجب ينزل منزلَة الْمُنكر عِنْد أبي حنيفَة، وَعند أبي يُوسُف: يحبس حَتَّى يُجيب، فَإِن فهم أَنه أخرس يُجيب بالاشارة انْتهى.
وَمِنْهَا: سكُوت الْمُزَكي عِنْد سُؤَاله عَن حَال الشَّاهِد تَعْدِيل.
وَمِنْهَا: سُكُوتُ الرَّاهِنِ عِنْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ.
يَقُول الحقير: فَصَارَت الْمسَائِل الَّتِي يكون السُّكُوت فِيهَا رضَا أَرْبَعِينَ مَسْأَلَة: ثَلَاثُونَ مِنْهَا ذكرت فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَعشرَة مِنْهَا زِيَادَة صَاحب الاشباه والنظائر نقلهَا عَن الْكتب الْمُعْتَبرَة انْتهى.
الْكل من نور الْعين.
وَقد ذكرنَا بعض هَذِه فِيمَا قدمنَا محررا فَرَاجعه إِن شِئْت، وَتَقَدَّمت فِي كَلَام الشَّارِح قبيل الدَّعْوَى آخر الْوَقْف وَزَاد على مَا هُنَا مسَائِل كَثِيرَة، وَكتب عَلَيْهَا سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَزَاد عَلَيْهَا، فَرَاجعهَا ثمَّة.
قَوْله: (لزمَه الدّين حَالا) قَالَ فِي الدُّرَر: لانه أقرّ بِحَق على نَفسه وَادّعى لنَفسِهِ حَقًا فِيهِ فَيصدق فِي الاقرار بِلَا حجَّة دون الدَّعْوَى اهـ.
قَالَ فِي الْوَاقِعَات: هَذَا إِذا لم يصل الاجل
بِكَلَامِهِ، أما إِذا وصل صدق اهـ.
قَوْله: (لانه دَعْوَى بِلَا حجَّة) قَالَ الْحَمَوِيّ: لانه أقرّ بِحَق على نَفسه وَادّعى حَقًا على الْمقر لَهُ فَإِقْرَاره حجَّة عَلَيْهِ وَلَا تقبل دَعْوَاهُ بِلَا حجَّة اهـ.
قَوْله: (لثُبُوته بِالشّرطِ) الاوضح أَن يَقُول: يثبت بِالشّرطِ وَيكون بَيَانا.
ل
قَوْله: (عَارض) وَعبارَة الْحَمَوِيّ: والاجل عَارض وَلَا يثبت بِنَفس العقد بل بِالشّرطِ وَالْقَوْل للْمُنكر فِي الْعَارِض.
اهـ.
قَوْله: (وَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ فِي النَّوْعِ وَلِلْمُنْكِرِ فِي الْعَوَارِضِ) أَي فَكَانَت من قبيل الاقرار بالنوع لَا بالعارض، لَان حَقِيقَة النَّوْع أَن يكون الشئ من أَصله مَوْصُوفا بِتِلْكَ الصّفة، وَكَذَلِكَ الدّين الْمُؤَجل الْمَكْفُول بِهِ فَإِنَّهُ مُؤَجل بِلَا شَرط، بل من حِين كفله كَانَ مُؤَجّلا فَإِذا أقرّ بِهِ لم يكن مقرا بِالْحَال، كَمَا أَن الدَّرَاهِم السود من أَصْلهَا سود، وَلَيْسَ السوَاد عارضا بِالشّرطِ فَكَانَ إِقْرَارا بالنوع، بِخِلَاف الدّين فَإِن الاصل فِيهِ الْحُلُول، وَلَا يصير مُؤَجّلا إِلَّا بِالشّرطِ، فَكَانَ الاقرار بِالدّينِ الْمُؤَجل إِقْرَارا بِالدّينِ، وادعاء لحُصُول الْعَارِض وَالْمقر لَهُ يُنكر الْعَارِض وَالْقَوْل للْمُنكر، وَمثله إِجَارَة العَبْد كَمَا أَفَادَهُ بعض الافاضل.
стр. 812
وَالْحَاصِل: أَن الاجل عَارض لَا يثبت بِنَفس العقد بل بِالشّرطِ وَالْقَوْل للْمُنكر فِي الْعَارِض.
قَوْله: (لثُبُوته فِي كَفَالَة الْمُؤَجل بِلَا شَرْطٍ) فَالْأَجَلُ فِيهَا نَوْعٌ فَكَانَتْ الْكَفَالَةُ الْمُؤَجَّلَةُ أَحَدَ نَوْعَيْ الْكَفَالَةِ فَيُصَدَّقُ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ لَا يُجْعَلُ إقْرَارًا بِالنَّوْعِ الْآخَرِ، لَان حَقِيقَة النَّوْع أَن يكون للشئ من أَصله مَوْصُوفا بِتِلْكَ الصّفة، وَكَذَلِكَ الدّين الْمُؤَجل الْمَكْفُول بِهِ فَإِنَّهُ مُؤَجل بِلَا شَرط، بل من حِين كفله كَانَ مُؤَجّلا، فَإِذا أقرّ بِهِ لم يكن مقرا بِالْحَال كَمَا أَن الدَّرَاهِم السود من أَصْلهَا سود كَمَا قدمْنَاهُ قَرِيبا وَقد مرت الْمَسْأَلَة فِي كتاب الْكَفَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ لَك مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَى شهر فراجع.
قَوْله: (وشراؤه أمة متنقبة) فَإِذا لم تكن متنقبة فَأولى بالحكم الْمَذْكُور.
قَوْله: (كَثوب فِي جراب) أَي كَشِرَاء ثوب فِي جراب.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: عَلَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَالضَّابِطُ أَنَّ الشئ إنْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ وَقْتَ الْمُسَاوَمَةِ كَالْجَارِيَةِ الْقَائِمَةِ الْمُتَنَقِّبَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا صَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ إيَّاهَا فَيُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ كَثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ، أَوْ جَارِيَةٍ قَاعِدَةٍ عَلَى رَأسهَا غطاء لَا يرى مِنْهَا شئ يقبل، وَلِهَذَا اخْتلفت أقاويل الْعلمَاء فِي ذَلِك اهـ.
وَبِه ظهر أَنَّ الثَّوْبَ فِي الْجِرَابِ كَهُوَ فِي الْمِنْدِيلِ، وَيدل عَلَيْهِ مَا فِي
الْفَوَاكِه البدرية لِابْنِ الْغَرْس حَيْثُ عد مَسْأَلَة الثَّوْب فِي الجراب، مِمَّا يغْتَفر فِيهِ التناقد فَقَالَ: وَإِذا اشْترى ثوبا مطويا فِي جراب أَو منديل فَلَمَّا نشره قَالَ هَذَا متاعي نسْمع دَعْوَاهُ، فالدعوى مسموعة مَعَ التناقد فِي جَمِيع هَذِه الْمسَائِل: أَي الَّتِي مِنْهَا هَذِه على الرَّاجِح الْمُفْتى بِهِ، وَمن الْمَشَايِخ من اعْتَبرهُ التَّنَاقُض مُطلقًا فَمنع سَماع الدَّعْوَى إِذا تقدم مَا يناقضها، وَقدمنَا ذَلِك فِي الدَّعْوَى، فَرَاجعه.
قَوْله: (وَكَذَا الاستيام والاستيداع) أَي طلب إيداعه عِنْده، وَمثله يُقَال فِي الاستيهاب والاستئجار.
قَالَ فِي تنوير البصائر: وَمِمَّا يجب حفظه هُنَا أَن المساومة بِالْملكِ للْبَائِع أَو بِعَدَمِ كَونه ملكا لَهُ ضِمْنًا لَا قَصْدًا، وَلَيْسَ كَالْإِقْرَارِ صَرِيحًا بِأَنَّهُ ملك البَائِع، والتفاوت إِنَّمَا يظْهر فِيمَا إِذا وصل الْعين إِلَى يَده، وَيُؤمر بِالرَّدِّ إلَى الْبَائِعِ فِي فَصْلِ الْإِقْرَارِ الصَّرِيحِ، وَلَا يُؤْمَرُ فِي فَصْلِ الْمُسَاوَمَةِ.
وَبَيَانُهُ: اشْتَرَى مَتَاعًا مِنْ إنْسَانٍ وَقَبَضَهُ ثُمَّ إنَّ أَبَا الْمُشْتَرِي اسْتَحَقَّهُ بِالْبُرْهَانِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَأَخَذَهُ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَوَرِثَهُ الِابْنُ الْمُشْتَرِي لَا يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ إلَى الْبَائِعِ، وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ وَيَكُونُ الْمَتَاعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، هَذَا بِالْإِرْثِ.
وَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْبَيْعِ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْبَائِعِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ أَبُوهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ مَاتَ الاب وَورثه الابْن المُشْتَرِي هَذَا لَا يرجع إِلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ بِحكم الشِّرَاء الاول لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْقَضَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ لَا يُوجِبُ فسخ البيع قبل الرُّجُوع بِالثّمن.
اهـ.
كَذَا فِي جَامع البزازي.
قَوْلُهُ: (وَالْإِعَارَةُ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الِاسْتِعَارَةُ كَمَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من الْفَصْل الْعَاشِر: أَي لَو قبل إِعَارَة الثَّوْب وَالْجَارِيَة الْمَذْكُورين كَانَ قبُوله إِقْرَارا بِالْملكِ، فَإِن الْقبُول هُوَ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنْهُ والاعارة فعل ذِي الْيَد فَكيف تكون إِقْرَارا بِالْملكِ؟ وَالَّذِي سهل ذَلِك وُقُوعهَا بَين الاستيداع والاستيهاب.
وَالْحَاصِل: أَن الِاسْتِعَارَة هِيَ الَّتِي تكون إِقْرَارا بِالْملكِ للْغَيْر، أما الاعارة فَهِيَ فعل الْمُعير.
تَأمل
قَوْله: (والاستيهاب والاستئجار) قَالَ فِي الاشباه الِاسْتِئْجَار إِقْرَار بِعَدَمِ الْملك لَهُ على أحد الْقَوْلَيْنِ.
وَفِي الْحَمَوِيّ: إِن مِمَّا يغْتَفر التَّنَاقُض اسْتِئْجَار دَار ثمَّ ادِّعَاء ملكهَا لانه مَوضِع خَفَاء.
وَقيل يجب تَقْيِيده بِمَا إِذا لم يكن ملكه فِيهِ ظَاهرا، فَإِنَّهُم صَرَّحُوا بِأَن الرَّاهِن أَو البَائِع وَفَاء إِذا اسْتَأْجر الرَّهْن أَو الْمَبِيع لَا
стр. 813
يَصح، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي عدم كَون الِاسْتِئْجَار إِقْرَارا بِعَدَمِ الْملك لَهُ اهـ.
وَمثله فِي الْحَوَاشِي الرملية.
قَالَ الْعَلامَة الْحَمَوِيّ: قيل عَلَيْهِ الِاسْتِئْجَار إِقْرَار بِعَدَمِ الْملك لَهُ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي كَونه إِقْرَارا لذِي الْيَد بِالْملكِ فقد اشْتبهَ على صَاحب الاشباه الاول بِالثَّانِي فَأجرى الْخلاف بالاول كَمَا فِي الثَّانِي، وَهُوَ سَهْو عَظِيم، ورد بِأَن الضَّمِير فِي لَهُ رَاجع للمؤخر، والقرينة عَلَيْهِ قَوْله: على أحد الْقَوْلَيْنِ اهـ.
وَهُوَ بيعد جدا.
وَقد صحّح الْعِمَادِيّ كلا الْقَوْلَيْنِ فِي فصوله فِي الْفَصْل السَّادِس.
وَفِي الاشباه: إِلَّا إِذا اسْتَأْجر الْمولى عَبده من نَفسه لم يكن إِقْرَارا بحريَّته كَمَا فِي الْقنية.
قَوْله: (وَلَو من وَكيل) أَي وَكيل وَاضع الْيَد والاستنكاح فِي الامة يمْنَع دَعْوَى الْملك فِيهَا ودعواه فِي الْحرَّة يمْنَع دَعْوَى نِكَاحهَا.
كَذَا فِي الدُّرَر.
قَوْله: (فَيمْنَع دَعْوَاهُ لنَفسِهِ وَلغيره الخ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: كَوْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إقْرَارًا بِعَدَمِ الْمِلْكِ لِلْمُبَاشِرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا إقْرَارًا بِالْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ يُفِيدُ الْمِلْكَ لِذِي الْيَدِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الصُّغْرَى.
قَالَ فِي عدَّة الفتاوي: الِاسْتِعَارَة والاستيداع والاستيهاب من الْمُدعى عَلَيْهِ أَو من غَيره، وَكَذَا الشِّرَاء والمساومة وَمَا أشبهه من الاجارة وَغَيرهَا تمنع صَاحبهَا من دَعْوَى الْملك لنَفسِهِ وَلغيره.
قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ أَقُول: كَوْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إقْرَارًا بِعَدَمِ الْمِلْكِ لِلْمُبَاشِرِ ظَاهر، وَأَمَّا كَوْنُهَا إقْرَارًا بِالْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا.
قَالَ: وَالظَّاهِر عِنْدِي أَن مُجَرّد ذَلِك لَيْسَ بِإِقْرَار لذِي الْيَد، إِذْ قد بِفعل مَعَ وَكيل الْمَالِك فَلَا يكون إِقْرَارا بِالْملكِ لذِي الْيَد، فَلَا بُد أَن يُمَيّز بالقرائن فَيجْعَل إِقْرَارا فِي مَوضِع دون مَوضِع بِحَسب الْقَرَائِن، فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن تصح دَعْوَاهُ لغيره فِي بعض الْمَوَاضِع لَا فِي بَعْضهَا، فَإِن برهن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ على وَكيل الْخُصُومَة أَنه سبقت مِنْهُ مساومة أَو اسْتِعَارَة أَو نَحْوهمَا عزل من الْوكَالَة، لانه لَو فعله عِنْد القَاضِي عَزله وَالْمُوكل على حَقه لَو شَرط أَن إِقْرَاره عَلَيْهِ لَا يجوز.
قَالَ صَاحب نور الْعين: قَوْله لَو شَرط الخ مُسْتَدْرك، إِذْ لَو صدر ذَلِك من الْوَكِيل فِي غير مجْلِس القَاضِي لَا يعْتَبر، فَلَا حَاجَة إِلَى الشَّرْط الْمَذْكُور، هَذَا إِذا كَانَ قَوْله وَالْمُوكل على حَقه مَعْطُوفًا على قَوْله عزل من الْوكَالَة، أما إِذا كَانَ مَعْطُوفًا على قَوْله فعله عِنْد القَاضِي عَزله فَلَا اسْتِدْرَاك حِينَئِذٍ، لَكِن مَسْأَلَة الاولى نَاقِصَة، حَيْثُ لم يتَعَرَّض فِيهَا إِلَى كَون الْمُوكل على حَقه أَو لَا فِي صُورَة مساومة
وَكيله فِي غير مجْلِس القَاضِي، وَهَذَا قُصُور وإبهام فِي مقَام بَيَان وإعلام كَمَا لَا يخفى على ذَوي الاعلام.
اهـ.
وَفِيه الاستيام هَل هُوَ إِقْرَار؟ وَفِيه رِوَايَتَانِ، على رِوَايَة الزِّيَادَات: يكون إِقْرَارا بِكَوْنِهِ ملك البَائِع.
وَفِي رِوَايَة: لَا يكون إِقْرَارا والاول أصح.
وعَلى الرِّوَايَتَيْنِ لَا تسمع دَعْوَاهُ بعد الاستيام، والاستيام من غير البَائِع كالاستيام من البَائِع والاستيداع والاستعارة والاستيهاب والاستئجار وَإِقْرَار بِأَنَّهُ لذِي الْيَد سَوَاء ادَّعَاهُ لنَفسِهِ أَو لغيره.
وَلَو أُقِيمَت الْبَيِّنَة على أَن الْوَكِيل ساومه فِي مجْلِس الْقَضَاء خرج من الْخُصُومَة هُوَ وموكله أَيْضا، وَلَو كَانَت المساومة فِي غير مجْلِس الْقَضَاء خرج هُوَ من الْخُصُومَة دون مُوكله.
اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ صَحَّحَ رِوَايَةَ إفَادَتِهِ الْمِلْكَ، فَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ لِلرِّوَايَتَيْنِ، وَيُبْتَنَى عَلَى عَدَمِ إفَادَتِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَوَازُ دَعْوَى الْمُقِرِّ بِهَا لِغَيْرِهِ اهـ.
وَنَقَلَ السَّائِحَانِيُّ عَنْ الْأَنْقِرْوِيِّ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى تَصْحِيحِ مَا فِي الزِّيَادَاتِ وَأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ اهـ.
стр. 814
قلت: فيفتى بِهِ لترجحه بِكَوْن ظَاهر الرِّوَايَة وَإِن اخْتلف التَّصْحِيح كَمَا تقدم.
أَقُول: وَمثل مَا تقدم من الِاسْتِعَارَة والاستيداع وَأَخَوَاتهَا الاقتسام.
قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ رامزا لفتاوى رشيد الدّين: قسم تَرِكَة بَين وَرَثَة أَو قبل تَوْلِيَة لوقف أَو وصاية فِي تَرِكَة بعد الْعلم، وَالْيَقِين بِأَن هَذَا تَرِكَة أَو وقف ثمَّ ادَّعَاهُ لنَفسِهِ لَا تسمع اهـ.
وَتَمَامه فِيهِ.
قَوْله: (فَيمْنَع دَعْوَاهُ لنَفسِهِ) هَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ، وَأما كَونه إِقْرَارا بِالْملكِ لذِي الْيَد فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مصححتان كَمَا علمت.
قَوْله: (وَلغيره) قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: الْحَاصِل من جملَة مَا مر: أَن الْمُدَّعِي لَو صدر عَنهُ مَا يدل على أَن الْمُدَّعِي ملك الْمُدعى عَلَيْهِ تبطل دَعْوَاهُ لنَفسِهِ، وَلغيره للتناقض، وَلَو صدر عَنهُ مَا يدل على عدم ملكه وَلَا يدل على عدم ملك الْمُدعى عَلَيْهِ بَطل دَعْوَاهُ لنَفسِهِ لَا لغيره لانه إِقْرَار بِعَدَمِ ملكه لَا بِملك الْمُدعى عَلَيْهِ.
وَلَو صدر عَنهُ مَا يحْتَمل الاقرار وَعَدَمه فالترجيح بالقرائن.
وَإِلَّا فَلَا يكون إِقْرَارا للشَّكّ.
اهـ.
قَوْله: (بوكالة أَو وصاية) يَعْنِي إِذا أقرّ الرجل بِمَال أَنه لفُلَان، ثمَّ ادَّعَاهُ لنَفسِهِ لم يَصح، وَكَذَا إِذا ادَّعَاهُ بوكالة أَو وصاية لوَرَثَة موصيه لَان فِيهِ تناقضا، لَان المَال الْوَاحِد لَا يكون لشخصين فِي حَالَة وَاحِدَة كَمَا فِي الدُّرَر.
قَوْله: (للتناقض) مَحَله مَا إِذا كَانَ لَا يخفى سَببه كَمَا تقدم.
قَوْله: (بِخِلَاف إبرائه) أَي لَو أَبرَأَهُ
من جَمِيع الدَّعَاوَى ثمَّ ادّعى عَلَيْهِ وكَالَة للْغَيْر أَو ليتيم هُوَ وَصِيّه صَحَّ لعدم التَّنَاقُض، لانه إِنَّمَا أَبرَأَهُ عَن حق نَفسه لَا عَن حق غَيره.
قَوْله: (بهما) أَي بِالْوكَالَةِ والوصاية.
قَوْله: (لعدم التَّنَاقُض) لَان إِبْرَاء الرجل عَن جَمِيع الدَّعَاوَى الْمُتَعَلّقَة بِمَالِه لَا يَقْتَضِي عدم صِحَة دَعْوَى مَال لغيره على ذَلِك الرجل.
دُرَر.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ فِي الدُّرَرِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَذْكُورِ مَتْنًا مِنْ قَوْلِهِ: وَكَذَا إلَخْ سِوَى الاعادة وَإِلَى الْمَذْكُورِ شَرْحًا، فَجَمِيعُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِيهَا، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْجَامِعِ إلَخْ رَاجِعٌ إلَى مَا فِي الْمَتْنِ فَقَطْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِنَحِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ إقْرَارًا مُنْلَا خُسْرو.
وَفِي النَّظْمِ الْوَهْبَانِيِّ لعبد الْبر ذكر خلافًا.
ثُمَّ قَالَ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ رِوَايَةَ الْجَامِعِ أَنَّ الِاسْتِيَامَ وَالِاسْتِئْجَارَ وَالِاسْتِعَارَةَ وَنَحْوَهَا إقْرَارٌ بِالْمِلْكِ لِلْمُسَاوَمِ مِنْهُ وَالْمُسْتَأْجَرِ مِنْهُ، وَرِوَايَةُ الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا بِالْمِلْكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ.
وَحَكَى فِيهَا اتِّفَاقَ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمُسَاوِمِ وَنَحْوِهِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْخلاف يبتنى صِحَّةُ دَعْوَاهُ مِلْكًا لِمَا سَاوَمَ فِيهِ لِنَفْسِهِ أَو لغيره اهـ.
وَإِنَّمَا جَزَمْنَا هُنَا بِكَوْنِهِ إقْرَارًا أَخْذًا بِرِوَايَةِ الْجَامِع الصَّغِير، وَالله تَعَالَى أعلم اهـ.
قَالَ السَّائِحَانِيُّ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ إنْ أَبْدَى عُذْرًا يُفْتَى بِمَا فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ أَنَّ الِاسْتِيَامَ وَنَحْوَهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا، وَفِي الْعِمَادِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيح.
وَفِي السِّرَاجِيَّة أَنه الاصح.
وَقدمنَا عَن الانقروي أَنه قَالَ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَصْحِيحِ مَا فِي الزِّيَادَاتِ وَأَنَّهُ ظَاهر الرِّوَايَة اهـ.
أَقُول: لَكِن فِي الاستيام لنَفسِهِ على كل من الرِّوَايَتَيْنِ يكون إِقْرَارا بِأَنَّهُ لَا ملك لَهُ فِيهِ فَكيف يَدعِيهِ لنَفسِهِ؟ نعم لَهُ أَن يَدعِيهِ لغيره لعدم التَّنَاقُض بِنَاء على رِوَايَة الزِّيَادَات، وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك مَا نذكرهُ قَرِيبا فِي المقولة الْآتِيَة فِي التَّتِمَّة حَتَّى لَو برهن يكون دفعا.
تَأمل.
قَوْله: (وَصَححهُ فِي الْجَامِع) أَي صحّح مَا مر من أَن الاستيام والاستعارة والاستئجار وَنَحْوهَا إِقْرَار بِالْملكِ للمساوم مِنْهُ والمستعار مِنْهُ، وَالْمُسْتَأْجر مِنْهُ، وَالْمرَاد بالجامع جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ.
стр. 815
تَتِمَّة: الاستشراء مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ إقْرَارًا بِأَنَّهُ لَا ملك للْمُدَّعِي كالاستشراء مِنْ الْمُدَّعَى
عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ بَرْهَنَ يَكُونُ دَفْعًا قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الصُّغْرَى: أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِيدَاعُ وَكَذَا الاستيهاب وَنَحْوه كالاستشراء.
قَوْله: (خلافًا لتصحيح الْوَهْبَانِيَّة) أَي فِي مَسْأَلَة الاستيام، لَان الْمَبِيع يحْتَمل أَن يكون فِي يَد البَائِع عَارِية أَو غصبا أَو يكون وَكيلا أَو فضوليا، فَلم يقتض ثُبُوت الْملك للْبَائِع، كَذَا ذكره ابْن وهبان، وَهَذَا مَا فِي الزِّيَادَات.
قَوْله: (ووفق شارحها الشُّرُنْبُلَالِيّ) أَي بَين مَا فِي الْجَامِع والزيادات.
قَوْله: (بِأَنَّهُ إِن قَالَ بِعني هَذَا) أَي مثلا أَو هبني أَو أجرني وَنَحْوه.
قَوْله: (كَانَ إِقْرَارا) أَي اعترافا لَهُ بِالْملكِ لانه جازم بِأَنَّهُ ملكه، وَقد طلب شِرَاءَهُ مِنْهُ أَو هِبته أَو إِجَارَته.
قَوْله: (وَإِن قَالَ أتبيع هَذَا) أَو هَل أَنْت بَائِع هَذَا لَا يكون إِقْرَارا بل استفهاما، لانه يحْتَمل أَن يقْصد بذلك استظهار حَاله، هَل يَدعِي الملكية وَجَوَاز البيع لَهُ أَو لَا؟ أَو يكون مُرَاده طلب إشْهَادٍ عَلَى إقْرَارِهِ بِإِرَادَةِ بَيْعِ مِلْكِ الْقَائِلِ؟ فَيلْزمهُ بِهِ بعد ذَلِك: أَي بِإِقْرَارِهِ الضمني بِنَاء على رِوَايَة الْجَامِع، ونفتي بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة بِرِوَايَة الزِّيَادَات، لَكِن قد يُقَال: إِن مَا ذكره لَا يصلح أَن يكون تَوْفِيقًا بَين الْقَوْلَيْنِ بل هُوَ تَفْصِيل فِي كَون الْمَذْكُورَات قد يكون بَعْضهَا إِقْرَارا بِعَدَمِ ملك الْمقر، وَقد يكون ملك الْمقر، فَتَأمل.
وَالْحَاصِل: أَنه إِذا قَالَ بِعني إِيَّاه إِنَّمَا يَصح ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَ مَمْلُوكا للمخاطب، فَإِن الانسان لَا يطْلب من غَيره أَن يَبِيعهُ مَال نَفسه، فَيكون ذَلِك اعترافا مِنْهُ لَهُ بِالْملكِ فَلَا يَدعِيهِ بعد ذَلِك لنَفسِهِ، وَلَا لغيره.
وَإِن قَالَ أتبيع فَلَعَلَّهُ يُرِيد أَن يَبِيعهُ لَو وكَالَة عَنهُ أَو فضولا فَلَا يكون إِقْرَارا لَهُ بِالْملكِ.
قَوْله: (صك البيع) أَي وَثِيقَة الْمُبَايعَة.
قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي مَا ذكر من كِتَابَة الِاسْم والختم.
قَوْله: (لَيْسَ بِإِقْرَار بِعَدَمِ ملكه) أَي فَمَا هُنَا أولى أَو مسَاوٍ: أَي فَلهُ أَن يَدعِيهِ بعد ذَلِك لنَفسِهِ وَلغيره: أَي فَقَوله أتبيع هَذَا أولى بِأَن لَا يكون إِقْرَارا بِعَدَمِ ملكه، وَصُورَة مَسْأَلَة كِتَابَته وختمه على صك البيع: هِيَ أَنه لَو كتب شَهَادَته وَختم عَلَيْهَا على صك فِيهِ بَاعَ فلَان لَا يكون اعترافا مِنْهُ بِالْبيعِ، فَإِن الانسان قد يَبِيع مَال غَيره فضولا، بِخِلَاف مَا لَو كَانَ الصَّك مَكْتُوبًا فِيهِ بيعا صَحِيحا أَو نَافِذا، فَإِن كِتَابَة الشَّهَادَة عَلَيْهِ حِينَئِذٍ تكون اعترفا لَهُ بِالْملكِ، فَلَا يَصح بعد ذَلِك أَن يَدعِيهِ لنَفسِهِ، وَكَذَلِكَ هُنَا إِذا قَالَ بعنيه إِنَّمَا يَصح ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَ مَمْلُوكا للمخاطب، فَإِن الانسان لَا يطْلب من غَيره أَن يَبِيعهُ مَال نَفسه إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ، وَيجب تَقْيِيده أَيْضا بِغَيْر أحد الزَّوْجَيْنِ وَالرحم الْمحرم وَبِمَا إِذا لم يُصَرح فِي صك البيع.
مهمة: فِي الْبَزَّازِيَّة عَن الزِّيَادَات: ساوم ثوبا ثمَّ ادّعى أَنه كَانَ لَهُ قبل المساومة أَو كَانَ لابيه يَوْم مَاتَ قبل ذَلِك وَتَركه مِيرَاثا لَا يسمع.
أما لَو قَالَ كَانَ لابي وَكَذَلِكَ بِالْبيعِ فساومته وَلم يتَّفق البيع يسمع، وَلَو ادَّعَاهُ أَبوهُ يسمع أَيْضا، وَكَذَا لَو قَالَ قضى لابي وَمَات قبل الْقَبْض وَتَركه مِيرَاثا لي يسمع أَيْضا وَإِن لم يقْض للاب حَتَّى مَاتَ وَتَركه مِيرَاثا لَا يقْضى، لَان دوَام الْخُصُومَة شَرط وَلَا يُمكن، لانه لَا يصلح خصما بعد المساومة.
وعَلى هَذَا لَو الادعى رجل شِرَاء ثوب وشهدا لَهُ بِالشِّرَاءِ من الْمُدعى عَلَيْهِ وَقضى أَولا ثمَّ زعم أحد الشَّاهِدين أَن الثَّوْب لَهُ أَو لابيه وَورثه هُوَ عَنهُ لَا يسمع دَعْوَاهُ لما قُلْنَا.
وَلَو قَالَ عِنْد الشَّهَادَة هَذَا الثَّوْب بَاعه مِنْهُ هَذَا لكنه لي أَو لابي ورثته عَنهُ يقْضى بِالْبيعِ وَيسمع دَعْوَى الشَّاهِد، فَإِذا برهن على مدعاه قضى لَهُ لِانْعِدَامِ التَّنَاقُض، وَلَو قَالَ قولا وَلم يؤديا الشَّهَادَة ثمَّ ادَّعَاهُ
стр. 816
لنَفسِهِ أَو أَنه لابيه وَكله بِالطَّلَبِ يقبل، وَكَذَا إِذا شهد بِهِ الِاسْتِئْجَار أَو الاستيداع أَو الاستيهاب أَو الِاسْتِعَارَة من الْمُدَّعِي بَطل دَعْوَاهُ لنَفسِهِ أَو لغيره وَسَوَاء طلب تَحْقِيق هَذِه الْعُقُود الْمُدَّعِي من الْمُدعى عَلَيْهِ أَو غَيره، لَو ساوم ثمَّ ادَّعَاهُ مَعَ الآخر يقبل فِي نصيب الآخر، وَلَا يقبل فِي نصيب المساوم، ومساومة الابْن لَا تمنع دَعْوَى الاب، لَكِن بعد موت الاب لَا يملك الدَّعْوَى، وَإِن كَانَ الاب ادَّعَاهُ وَقضى لَهُ بِهِ أَخذه الابْن، وَقبل الْقَضَاء لَا لما مر آنِفا وَلَو برهن.
وَفِي الاقضية: ساوم ولد جَارِيَة أَو زرع أَرض أَو ثَمَرَة نخل ثمَّ برهن على أَن الاصل ملكه تقبل، وَإِن ادّعى الْفَرْع مَعَ الاصل يقبل فِي حق الاصل لَا الْفَرْع، فعلى هَذَا لَوْ ادَّعَى شَجَرًا فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَاوِمْنِي ثمره أَو اشْترى مني لَا يكون دفعا لجَوَاز أَن يكون الشّجر لَهُ وَالثَّمَر لغيره.
وَفِي الخزانة: ادّعى عَلَيْهِ شَيْئا فَقَالَ اشْتَرَيْته من فلَان وأجزت البيع لَا يكون دفعا، لَان الانسان قد يُجِيز بيع الْغَيْر ملك الْغَيْر.
وَفِي الْمُحِيط: برهن على أَن هَذَا الْكَرم لَهُ فبرهن الْمُدعى عَلَيْهِ أَنه كَانَ آجر مِنْهُ نَفسه فِي عمل هَذَا الْكَرم ينْدَفع.
وَفِي الْمُنْتَقى: اسْتَأْجر ثوبا ثمَّ برهن أَنه لِابْنِهِ الصَّغِير تقبل.
قَالَ القَاضِي هَذِه على الرِّوَايَة الَّتِي
جعل الِاسْتِئْجَار وَنَحْوه إِقْرَارا بِعَدَمِ الْملك لَهُ، فَعدم كَونه ملكا يمْنَع كَونه ملكا لغيره، فَجَاز أَن يَنُوب عَن الْغَيْر.
فَأَما على الرِّوَايَة الَّتِي تكون إِقْرَارا بِأَنَّهُ ملك للمطلوب لَا تسمع الدَّعْوَى لغيره كَمَا لَا تسمع لنَفسِهِ اهـ.
قَوْله: (مائَة وَدِرْهَم) وَكَذَا لَو قَالَ مائَة ودرهمان أَو مائَة وَثَلَاثَة دَرَاهِم كَمَا فِي الْخَانِية: وَعَلِيهِ التَّعْلِيل الْآتِي، وَأَرَادَ بدرهم مَال مُقَدّر فَشَمَلَ الدِّينَار وَسَائِر الموزونات والمكيل.
وَالْحَاصِل: أَنه إِذا ذكر بعد عقد من الاعداد شئ من المقدرات أَو عدد مُضَاف نَحْو مائَة وَثَلَاثَة أَثوَاب أَو أَفْرَاس يكون بَيَانا، وَإِلَّا فَلَا يكون بَيَانا كَمَا فِي المنبع.
قَوْله: (كلهَا دَرَاهِم) أَي فَيلْزمهُ مائَة دِرْهَم وَدِرْهَم فِي قَوْله لَهُ عَليّ مائَة وَدِرْهَم.
قَالَ فِي الْمُخْتَار: وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ مائَة وَدِرْهَم فَالْكل دَرَاهِم وَكَذَا كل مَا يُكَال ويوزن.
وَاعْلَم أَن صَاحب الدُّرَر ذكر مُمَيّز الْمِائَة بِصِيغَة الْجمع، وَلَفظه إِذا قَالَ لَهُ عَليّ مائَة وَدِرْهَم لزمَه مائَة دَرَاهِم وَدِرْهَم، وَتعقبه عزمي بِأَن الصَّوَاب مائَة دِرْهَم بالافراد، وَاسْتدلَّ بِمَا فِي الْمُقدمَة الحاجبية حَيْثُ قَالَ: ومميز مائَة وَألف مخفوض مُفْرد اهـ.
وَاعْتَرضهُ أَيْضا عبد الْحَلِيم بِأَن الالف فِي دَرَاهِم من طغيان الْقَلَم، لَان مُمَيّز مائَة مُفْرد لَا غير، وَأجَاب شيخ الْمولى أَبُو السُّعُود بِأَن دَعْوَى التصويب سَاقِطَة، وَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب فِي الْمُقدمَة هُوَ الْكثير، وَمَا وَقع لصَاحب الدُّرَر حَيْثُ أضَاف الْمِائَة إِلَى الْجمع قَلِيل، وَلَيْسَ بخطأ، وَمِنْه قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: * ((١٨) وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين) * (الْكَهْف: ٥٢) بِإِضَافَة مائَة إِلَى سِنِين.
وَالْحَاصِل أَن الْعدَد الْمُضَاف على قسمَيْنِ: أحدهم مَا لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى جمع وَهُوَ ثَلَاثَة إِلَى عشرَة.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُضَاف كثيرا إِلَّا إِلَى مُفْرد وَهُوَ مائَة وَألف وتثنيتهما نَحْو مِائَتَا دِرْهَم وَألف دِرْهَم الخ.
قَوْله: (وَكَذَا الْمكيل وَالْمَوْزُون) كمائة وقفيز حِنْطَة أَوْ رِطْلٌ كَذَا، وَلَوْ قَالَ لَهُ نِصْفُ دِرْهَم ودينار وثوب فَعَلَيهِ نصف كل مِنْهَا، وَكَذَا نِصْفُ هَذَا الْعَبْدِ وَهَذِهِ الْجَارِيَةُ، لِأَنَّ الْكَلَام كُله وَقع على شئ
стр. 817
بِغَيْرِ عَيْنِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ فَيَنْصَرِفُ النِّصْفُ إلَى الْكُلِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بَعْضُهُ غَيْرَ معِين كَنِصْف هَذَا الدِّينَار وَدِرْهَم يجب عَلَيْهِ نصف الدِّينَار وَالدِّرْهَم كُله.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ.
وَأَصله: أَن الْكَلَام إِذا كَانَ كُله على شئ بِعَيْنِه أَو كَانَ كُله على شئ بِغَيْر عينه فَهُوَ كُله على الانصاف، وَإِن كَانَ أَحدهمَا بِعَيْنِه وَالْآخر بِغَيْر عينه فالنصف على الاول مِنْهُمَا.
شرنبلالية.
لَكِن قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي بعد أَن عزا وجوب كل الدِّرْهَم للتبيين: فِيهِ أَن هَذَا على تَقْدِير خفض الدِّرْهَم مُشكل، وَأما فِي الرّفْع والسكون فَمُسلم اهـ.
وَأَقُول: لَا إِشْكَال على لُغَة الْجَوَاز، على أَن الْغَالِب على الطّلبَة عدم اعْتِبَار الاعراب: أَيْ فَضْلًا عَنْ الْعَوَّامِ، وَلَكِنَّ الْأَحْوَطَ الِاسْتِفْسَارُ فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَعَلَّهُ قَصَدَ الْجَرَّ.
تَأمل.
قَوْله: (اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاس أَن يلْزمه الْمَعْطُوف وَيرجع فِي بَيَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِلَيْهِ، وبالقياس أَخذ الامام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى.
قَوْله: (وَفِي مائَة ثوب) نَحْو مائَة وشَاة وَمِائَة وَعبد.
قَوْله: (لانها مُبْهمَة) قَالَ فِي التَّبْيِين: وَجه الِاسْتِحْسَان أَن عطف الْمَوْزُون والمكيل على عدد مُبْهَم يكون بَيَانا للمبهم عَادَة، لَان النَّاس استثقلوا تكْرَار التَّفْسِير وَهُوَ الدِّرْهَم عِنْد كَثْرَة الِاسْتِعْمَال، وَذَلِكَ فِيمَا يجْرِي فِيهِ التَّعَامُل وَهُوَ مَا يثبت فِي الذِّمَّة وَهُوَ الْمكيل وَالْمَوْزُون، لانها تثبت دينا فِي الذِّمَّة سلما وقرضا وَثمنا، واكتفوا بِذكرِهِ مرّة لِكَثْرَة أَسبَابه ودورانه فِي الْكَلَام، بِخِلَاف الثِّيَاب وَغَيرهَا مِمَّا لَيْسَ من المقدرات: أَي مِمَّا لَا يُكَال وَلَا يُوزن، لانها لَا يكثر التَّعَامُل بهَا لعدم ثُبُوتهَا فِي الذِّمَّة جَمِيع الْمُعَامَلَات وَالثيَاب، وَإِن ثبتَتْ فِي الذِّمَّة فِي السّلم وَالنِّكَاح إِلَّا أَنَّهُمَا لَا يكثرن كَثْرَة الْقَرْض وَالثمن، فَلم يستثقلوا ذكرهَا لعدم دورانها فِي الْكَلَام والاكتفاء بِالثَّانِي للكثرة وَلم تُوجد فَبَقيَ على الْقيَاس، بِخِلَاف قَوْله مائَة وَثَلَاثَة أَثوَاب حَيْثُ يكون الاثواب تَفْسِيرا للمائة أَيْضا، وَيَسْتَوِي فِيهِ المقدرات وَغَيرهَا، لانه ذكر عددين مبهمين وأعقبهما تَفْسِيرا فَيَنْصَرِف إِلَيْهِمَا فَيكون بَيَانا لَهما، وَهَذَا بالاجماع لَان عَادَتهم جرت بذلك، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ أحد وَعِشْرُونَ وَثَلَاثَة وَخَمْسُونَ درهما فَيَنْصَرِف التَّفْسِير إِلَيْهِمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجة إِلَيْهِ اهـ.
قَالَ أَبُو السُّعُود: والمتقارب الَّذِي لَا تخْتَلف آحاده بِالْكبرِ والصغر كالمكيل وَالْمَوْزُون.
قَوْله: (وَفِي مائَة وَثَلَاثَة أَثوَاب) أَو دَرَاهِم أَو شِيَاه.
قَوْلُهُ: (كُلُّهَا ثِيَابٌ) لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ وأردفها بالتفسير فصرف إِلَيْهِمَا لعدم العاطف، وَهَذَا بالاجماع.
قَوْله: (خلافًا للشَّافِعِيّ) ظَاهر كَلَامه أَن مُخَالفَته فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَط، وَلَيْسَ كَذَلِك قَالَ الْعَيْنِيّ: وَعند الشَّافِعِي وَمَالك تَفْسِير الْمِائَة إِلَيْهِ فِي الْكل، وَعند أَحْمد:
الْمُبْهم من جنس الْمُفَسّر فِي الْفَصْلَيْنِ اهـ.
وَنَحْوه فِي الدُّرَر.
قَوْله: (لم تذكر بِحَرْفِ الْعَطْفِ) بِأَنْ يَقُولَ مِائَةٌ وَأَثْوَابٌ ثَلَاثَةٌ كَمَا فِي مائَة وثوب.
قَوْله: (فَانْصَرف التَّفْسِير) أَي بالاثواب.
قَوْله: (إِلَيْهِمَا) يَعْنِي أَنَّهَا تكون تَفْسِيرا لَهما لِاسْتِوَاء الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي الْحَاجة إِلَى التَّفْسِير.
قَوْله: (تلْزمهُ الدَّابَّة فَقَط) لَان غصب الْعقار لَا يتَحَقَّق عِنْدهمَا، وعَلى قِيَاس قَول مُحَمَّد يضمنهما.
قَوْله: (وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا يَصْلُحُ ظَرْفًا إنْ أَمْكَنَ نَقله) كتمر فِي قوصرة لزماه، وَمثله طَعَام فِي جوالق أَو فِي سفينة.
قَوْله:
стр. 818
(لَزِمَاهُ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْغَصْبِ إخْبَارٌ عَنْ نَقْلِهِ، وَنَقْلُ الْمَظْرُوفِ حَالَ كَوْنِهِ مَظْرُوفًا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِنَقْلِ الظَّرْفِ فَصَارَ إقْرَارًا بِغَصْبِهِمَا ضَرُورَةً، وَيرجع فِي الْبَيَانِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ.
هَكَذَا قَرَّرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ، وَظَاهِرُهُ قَصْرُهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْغَصْبِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ أَوْ عَبْدٌ صَحَّ، وَيُقْضَى بِقِيمَةٍ وَسَطٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّد: القَوْل لَهُ فِي الْقيمَة اهـ.
وَفِي الْبَحْر والاشباه: لَا يلْزمه شئ اهـ.
وَلَعَلَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا هُنَا قَاصِرٌ عَلَى الْغَصْبِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ الْقيمَة أَو لم يلْزمه شئ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ حَيْثُ قَالَ: إِن أضَاف مَا أقربه إلَى فِعْلٍ بِأَنْ قَالَ غَصَبْتُ مِنْهُ تَمْرًا فِي قوصرة لزمَه التَّمْر والقوصرة وَإِلَّا يضفه إِلَى فعل، بل ذكره ابْتِدَاء وَقَالَ لَهُ عَلَى تَمْرٍ فِي قَوْصَرَّةٍ فَعَلَيْهِ التَّمْرُ دُونَ القوصرة، لَان الاقرار قَول وَالْقَوْل يُمَيّز الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُ لَهُ زعفرانا فِي سلة.
اهـ.
وَللَّه تَعَالَى الْحَمد، وَمثله فِي حَاشِيَة أبي السُّعُود على منلا مِسْكين، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فَعَلَيْهِ التَّمْرُ: قِيمَتُهُ.
تَأَمَّلْ اهـ.
سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
أَقُول: وَلَعَلَّ عَلَيْهِ التَّمْر لَا قِيمَته لانه مثلي.
تَأمل.
قَوْله (وَإِلَّا لزم المظروف فَقَط) وَهَذَا عِنْدَهُمَا، لِأَنَّ الْغَصْبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ ينْقل لم يصدق لانه أقرّ بِغَصب تَامّ لانه مُطلق فَيحمل على الْكَمَال.
قَوْله: (خلافًا لمُحَمد) بِنَاء على غصب الْغَائِب الْعقار فعندهما غير مُتَصَوّر، فَيكون الاقرار بالمظروف فَقَط، وَعِنْده مُتَصَوّر فَيكون إِقْرَارا بالظرف والمظروف.
قَوْله: (وَإِن لم يصلح) أَي مَا جعل ظرفا صُورَة وَهُوَ قَوْله فِي دِرْهَم، وَالدِّرْهَم لَا يصلح أَن يكون
ظرفا للدرهم فَيكون قَوْله فِي دِرْهَم لَغوا وَيلْزمهُ دِرْهَم فَقَط.
قَوْلُهُ: (فِي خَيْمَةٍ) فِيهِ أَنَّ الْخَيْمَةَ لَا تسمى ظرفا حَقِيقَة، وَالْمُعْتَبر كَونه ظرفا حَقِيقَة كَمَا فِي الْمنح.
قَوْله: (فَليُحرر) هُوَ ظَاهر الحكم أخذا من الاصل، وَيدل عَلَيْهِ مَا يَأْتِي متْنا وَهُوَ قَوْله ثوب فِي منديل أَو ثوب، بل هُنَا أَوْلَى.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَوْ قَالَ غصبتك كَذَا فِي كَذَا وَالثَّانِي مِمَّا يَكُونُ وِعَاءً لِلْأَوَّلِ لَزِمَاهُ، وَفِيهَا: وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي قَفِيزِ حِنْطَةٍ لَزِمَهُ الدِّرْهَمُ فَقَطْ وَإِنْ صَلُحَ الْقَفِيزُ ظَرْفًا، بَيَانُهُ مَا قَالَ خُوَاهَرْ زَادَهُ: أَنَّهُ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ فِي الذِّمَّةِ وَمَا فِيهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَظْرُوفًا فِي شئ آخر اهـ.
وَنَحْوه فِي الاسبيجابي.
وَاسْتظْهر سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى أَنَّ هَذَا فِي الْإِقْرَارِ ابْتِدَاءً، أَمَّا فِي الْغَصْبِ فَيَلْزَمُهُ الظَّرْفُ أَيْضًا كَمَا فِي غَصَبْتُهُ دِرْهَمًا فِي كِيسٍ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَيُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ دِرْهَمٌ فِي ثوب.
تَأمل.
قَوْله: (وبخاتم) بِأَن يَقُول هَذَا الْخَاتم لَك.
قَوْله: (تلْزمهُ حلقته) الْحلقَة بِسُكُون اللَّام فِي حَلقَة الْبَاب وَغَيره، وَالْجمع حلق بِفتْحَتَيْنِ على غير قِيَاس.
وَقَالَ الاصمعي بِكَسْر الاولى كقصعة وقصع وبدرة وَبدر، وَحكى يُونُس عَن ابْن الْعَلَاء أَن الْفَتْح لُغَة فِي السّكُون ط.
قَوْله: (وفصه) هُوَ مَا يركب فِي الْخَاتم من غَيره.
وَفِي الْقَامُوس: الفص للخاتم مُثَلّثَة، وَالْكَسْر غير لحن.
قَوْله: (جَمِيعًا) لَان اسْم الْخَاتم يشملهما، وَلِهَذَا يدْخل الفص فِي بيع الْخَاتم من غير تَسْمِيَة.
ط عَن الشلبي.
قَوْله: (جفْنه)
стр. 819
بِفَتْح الْجِيم غمده وقرابه.
قَوْله: (وحمائله) جمع حمالَة بِكَسْر الْحَاء علاقته ط.
وَهِي مَا يشد بِهِ السَّيْف على الخاصرة قِطْعَة جلد، وَنَحْوهَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَإِنَّمَا وَاحِدهَا محمل.
عَيْني.
قَوْله: (ونصله) حديده لَان اسْم السَّيْف يُطلق على الْكل.
قَوْله: (بَيت مزين بستور وسرر) وَمُقْتَضى هَذَا التَّفْسِير أَن يلْزم الْبَيْت أَيْضا وَفِي الْحَمَوِيّ: وَقيل يتَّخذ من خشب وَثيَاب وَهُوَ ظَاهر، وَفِي الْعَيْنِيّ: هُوَ بَيت يزين بالثياب والاسرة والستور، وَيجمع على حجال.
قَالَ منلا مِسْكين: واسْمه بشخانه، وَقيل خرشمانه اهـ.
وَيُقَال لَهَا الْآن: الناموسية، وَالظَّاهِر لُزُومهَا لانها من مفهومها، وَصدق الِاسْم على الْكل كَمَا لَزِمته العلاقة لصدق السَّيْف عَلَيْهَا، وَيُمكن الْفرق بالاتصال وَعَدَمه.
تَأمل.
قَوْله: (العيدان) بِضَم النُّون جمع عود كدود جمعه ديدان والدود جمع دودة.
صِحَاح.
قَوْلُهُ: (فِي
قَوْصَرَّةٍ) بِالتَّشْدِيدِ وَقَدْ تُخَفَّفَ.
مُخْتَارٌ الصِّحَاح.
قَالَ صَاحب الجمهرة: أما القوصرة فأحسبها دخيلا، وَقد روى: أَفْلح من كَانَت لَهُ قوصره يَأْكُل مِنْهَا كل يَوْم مره ثمَّ قَالَ: وَلَا أَدْرِي مَا صِحَة هَذَا الْبَيْت اهـ.
وَهِي وعَاء التَّمْر منسوج من قصب، وَيُسمى بهَا مَا دَامَ التَّمْر فِيهَا، وَإِلَّا فَهِيَ تسمى بالزنبيل كَمَا فِي الْمغرب.
أَقُول: والزنبيل مَعْرُوف، وَيُسمى فِي عرف الشَّام قفة، فَإِذا كَسرته شددت فَقلت زنبيل، لانه لَيْسَ فِي الْكَلَام فعليل بِالْفَتْح.
كَذَا فِي الصِّحَاح.
بَقِي أَن يُقَال: مُقْتَضى قَوْله فَإِذا كَسرته الخ يُفِيد جَوَاز الْفَتْح، وَقَوله لانه لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب الخ يقْضى عدم جَوَازه، وَعبارَة الْقَامُوس تفِيد جَوَازه مَعَ الْقلَّة.
قَوْله: (جوالق) كصحائف جمع جولق بِكَسْرِ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَبِضَمِّ الْجِيم وَفَتْحِ اللَّامِ وَكسرهَا وعَاء مَعْرُوف.
قَامُوس: أَي وَهُوَ الْعدْل.
قَوْله: (أَو ثوب فِي منديل) لانه ظرف لَهُ، وَهُوَ مُمكن حَقِيقَة فَيدْخل فِيهِ على مَا بَينا.
زَيْلَعِيّ والمنديل بِكَسْر الْمِيم.
قَالَ فِي الْمغرب: تمندل بمنديل خيش أَي شده بِرَأْسِهِ، وَيُقَال تمندلت بالمنديل وتمندلت: أَي تمسحت بِهِ حموي.
قَوْله: (يلْزمه الظّرْف كالمظروف لما قدمْنَاهُ) أَي من أَن الصَّالح للظرفية حَقِيقَة إنْ أَمْكَنَ نَقْلُهُ لَزِمَاهُ، وَإِلَّا لَزِمَ الْمَظْرُوفَ فَقَط عِنْدهمَا، وَكَذَا لَو أقرّ بِأَرْض أَو دَار يدْخل الْبناء والاشجار إِذا كَانَا فيهمَا حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمُقِرُّ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ أَن الْبناء والاشجار والفص والجفن والعيدان لي لم يصدق وَلم تقبل بَينته كَمَا فِي المنبع وَغَيره، بِخِلَاف مَا لَو قَالَ هَذِه الدَّار لفُلَان إِلَّا بناؤها فَإِنَّهُ لي، وَكَذَا فِي سائرها، وَإِن لم يَصح الِاسْتِثْنَاء، وَيكون الْكل للْمقر لَهُ، إِلَّا أَنه لَو أَقَامَ الْبَيِّنَة تقبل كَمَا فِي الْخَانِية.
قَوْله: (لَا تلْزمهُ القوصرة) لَان من للانتزاع فَكَانَ إِقْرَارا بالمنتزع.
قَوْله: (كَثوب فِي عشرَة وَطَعَام فِي بَيت) هُوَ على قَوْلهمَا، وَقِيَاس مُحَمَّد لزومهما.
قَوْله:
стр. 820
(فليلزمه المظروف فَقَط) عِنْدهمَا وألزمه مُحَمَّد الْكل لَان النفيس قد يلفت فِي عشرَة، ونوقض بِمَا لَو قَالَ كرباس فِي عشرَة حَرِيرًا.
قَوْله: (لَا تكون ظرفا لوَاحِد عَادَة) والممتنع عَادَة كالممتنع حَقِيقَة.
وَفِي قد تَأتي بِمَعْنى بَين أَي على معنى الْبَين وَالْوسط مجَازًا كَقَوْلِه تَعَالَى: * ((٨٩) فادخلي فِي عبَادي) * (الْفجْر: ٩٢)
فَوَقع الشَّك والاصل بَرَاءَة الذِّمَّة وَالْمَال لَا يجب مَعَ الِاحْتِمَال، وَفِي كَلَام الشَّرْح أَن فِي الْآيَة بِمَعْنى مَعَ.
قَوْله: (وعنى معنى على) لَان غصب الشئ من مَحل لَا يكون مقتضيا غصب الْمحل كَمَا فِي النِّهَايَة عَن الْمَبْسُوط.
زَيْلَعِيّ فِي تَعْلِيل قَوْله بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ غصبت إكافا على حمَار حَيْثُ يلْزمه الاكاف دون الْحمار، لَان الْحمار مَذْكُور لبَيَان مَحل الْمَغْصُوب حِين أَخذه فَيُقَال هُنَا إِذا قَالَ خَمْسَة فِي خَمْسَة، وعنى على فقد أقرّ باغتصاب خَمْسَة مُسْتَقِرَّة على خَمْسَة، فالمغصوب هُوَ الْخَمْسَة المستقرة والخمسة المستقر عَلَيْهَا مَذْكُور لبَيَان مَحل الْمَغْصُوب حِين أَخذه، وغصب الشئ من مَحل لَا يكون مقتضيا بِالْغَصْبِ الْمحل.
تَأمل.
قَوْله: (أَو الضَّرْب خَمْسَةٌ) لِأَنَّ أَثَرَ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي تَكْثِير المَال دُرَر.
قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: إنْ عَنَى بِعَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ الضَّرْبَ فَقَط أَو الضَّرْب وتكثير الْأَجْزَاءِ فَعَشَرَةٌ، وَإِنْ نَوَى بِالضَّرْبِ تَكْثِيرَ الْعَيْنِ لزمَه مائَة.
قَوْله: (لما مر) أَي فِي الطَّلَاق من أَن الضَّرْب يكثر الاجزاء لَا المَال، فَإِذا قلت: خَمْسَة فِي خَمْسَة تُرِيدُ بِهِ أَن كل دِرْهَم من الْخَمْسَة مثلا خَمْسَة أَجزَاء.
وَفِي الْوَلوالجِيَّة: أَي فِيمَا إِذا قَالَ لَهُ على عشرَة فِي عشرَة إِن نوى الضَّرْب إِن قَالَ نَوَيْت تَكْثِير الاجزاء لَا يلْزمه إِلَّا عشرَة، وَإِن نوى تَكْثِير الْعين لزمَه مائَة، وَإِن نوى الضَّرْب وَلم ينْو شَيْئا آخر لزمَه عشرَة حملا على نِيَّة الاجزاء، وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوت خلاف فِي هَذِه الصُّورَة وَنَحْوهَا، وَمَعْلُوم أَن ذَلِك عِنْد التجاحد، أما عِنْد الِاتِّفَاق فالامر ظَاهر.
قَوْله: (وألزمه زفر بِخَمْسَة وَعشْرين) وَهُوَ قَول الْحسن بن زِيَاد، وَفِي الشَّارِح.
وَقَالَ زفر: عَلَيْهِ عشرَة، فَلَعَلَّ عَن زفر رِوَايَتَيْنِ: وَفِي التَّقْرِيب ذكر أَن مَذْهَب زفر مثل قَول الْحسن كَمَا ذكره الْعَيْنِيّ مُخَالفا للزيلعي.
قَالَ فِي التَّبْيِين: وَقَالَ زفر عَلَيْهِ عشرَة وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد خَمْسَة وَعِشْرُونَ لعرف الْحساب، لانهم يُرِيدُونَ بِهِ ارْتِفَاع أحد العددين بِقدر الْعدَد الآخر، ولزفر أَن حرف فِي يسْتَعْمل بِمَعْنى مَعَ، وَإِن مَا يُرَاد بِهِ ارْتَفع أحد العددين بِقدر الآخر عِنْد الْخَواص من النَّاس فَتعين الْمجَاز الْمُتَعَارف بَين النَّاس، وَقُلْنَا: لما تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَة وَهِي الظَّرْفِيَّة لَغَا، وَلَا يُصَار إِلَى الْمجَاز لَان الْمجَاز متعارض لانها تسْتَعْمل بِمَعْنى الْوَاو وَبِمَعْنى مَعَ وَبِمَعْنى على، وَلَيْسَ حملهَا على الْبَعْض أولى من الْبَعْض فلغت اهـ مُلَخصا.
قَوْله: (وَعشرَة إِن عَنى مَعَ) لَان اللَّفْظ يحْتَمل الْمَعِيَّة فقد نوى مُحْتَمل كَلَامه فَيصدق، وَفِي البيانية على
دِرْهَم مَعَ دِرْهَمٍ أَوْ مَعَهُ دِرْهَمٌ لَزِمَاهُ، وَكَذَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَا دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ أَوْ وَدِرْهَمٌ، بِخِلَافِ دِرْهَمٍ عَلَى دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ، لِأَنَّ الثَّانِيَ تَأْكِيدٌ، وَلَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي قَفِيزِ بُرٍّ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ، وَبَطَلَ الْقَفِيزُ كَعَكْسِهِ، وَكَذَا لَهُ فَرْقُ زَيْتٍ فِي عَشَرَةِ مَخَاتِيمَ حِنْطَةٌ وَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمَانِ لَزِمَهُ ثَلَاثَة وَدِرْهَم بدرهم وَاحِد لانه للبدلية اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَنَيِّفٌ لَزِمَهُ مِائَةٌ وَالْقَوْلُ لَهُ فِي النَّيِّفِ، وَفِي قَرِيبٍ مِنْ أَلْفٍ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسمِائَة وَالْقَوْل لَهُ فِي الزِّيَادَة.
قَوْله: (كَمَا مر فِي الطَّلَاق) من أَنه لَو قَالَ أَنْت طَالِق
стр. 821
وَاحِدَة فِي ثِنْتَيْنِ طلق وَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يَنْوِ أَوْ نَوَى الضَّرْبَ، وَإِن نوى وَاحِدَة وثنتين فَثَلَاث، وَإِن نوى مَعَ الثِّنْتَيْنِ فَثَلَاث، وبثنتين فِي ثِنْتَيْنِ بنية الضَّرْب ثِنْتَانِ، وَإِن نوى الْوَاو أَو مَعَ كَمَا مر وَكَذَا يُقَال مثله فِي مَسْأَلَتنَا، فَلَو قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة فِي عشرَة إِن نوى الضَّرْب بِأَن قَالَ نَوَيْت تَكْثِير الاجزاء لَا تلْزمهُ إِلَّا عشرَة، وَإِن نوى تَكْثِير الْعين لزمَه مائَة، وَإِن نوى الضَّرْب وَلم ينْو شَيْئا آخر لزمَه عشرَة حملا على نِيَّة الاجزاء كَمَا فِي الْوَلوالجِيَّة، وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوت خلاف فِي هَذِه الصُّورَة وَنَحْوهَا، لَان ذَلِك عِنْد التجاحد، أما عِنْد الِاتِّفَاق فالامر ظَاهر كَمَا مر قَرِيبا تَأمل.
قَوْله: (تِسْعَة) أَي عِنْد الامام وَعِنْدَهُمَا عشرَة وَعند زُفَرُ ثَمَانِيَةٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدِّرْهَمَ الْأَوَّلَ وَالْآخَرَ حَدًّا وَالْحَدُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْغَايَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً إذْ الْمَعْدُومُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حدا للموجود ووجوده بِوُجُوبِهِ فَتَدْخُلُ الْغَايَتَانِ، وَلَهُ أَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي المغيا لِأَنَّ الْحَدَّ يُغَايِرُ الْمَحْدُودَ، لَكِنْ هُنَا لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ الْأُولَى لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الثَّانِيَ وَالثَّالِث لَا يتَحَقَّق بِدُونِ الاول، فَدخلت الْأُولَى ضَرُورَةً وَلَا ضَرُورَةَ فِي الثَّانِيَةِ.
دُرَرٌ.
وَفِي الْمنح: ولان الْعدَد يَقْتَضِي ابْتِدَاء، فَإِذا أخرجنَا الاول من أَن يكون ابْتِدَاء صَار الثَّانِي هُوَ الاول فَيخرج هُوَ أَيْضا من أَن يكون ابْتِدَاء كالاول، وَكَذَا الثَّالِث وَالرَّابِع الخ فَيُؤَدِّي إِلَى خُرُوج الْكل من أَن يكون وَاجِبا وَهُوَ بَاطِل اهـ.
وَالْمرَاد بالغاية الثَّانِيَة المتمم للمذكور، فالغاية فِي الْعشْرَة الْعَاشِر وَفِي الالف الآخر الاخير
وَهَكَذَا، فَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة فِي الْغَايَة الاولى: اسْتِحْسَان، وَفِي الثَّانِيَة: قِيَاس، وَمَا قَالَاه فِي الغايتين اسْتِحْسَان، وَمَا قَالَه زفر فيهمَا قِيَاس كَمَا فِي قَاضِي زَاده.
قَوْله: (بِخِلَاف الثَّانِيَة) أَي مَا بعد إِلَى فَإِن للتسعة وجودا بِدُونِ الْعَاشِر فَلَا دَلِيل على دُخُوله فَلَا يدْخل بِالشَّكِّ.
قَوْله: (وَمَا بَين الحائطين) أَي بِخِلَاف مَا بَين الحائطين: أَي لَو قَالَ: لَهُ فِي دَاري من هَذَا الْحَائِط إِلَى هَذَا الْحَائِط فَإِنَّهُمَا لَا يدخلَانِ فِي الاقرار، لَان الْغَايَة لَا تدخل فِي المغيا فِي المحسوس وَلَا المبدأ، بِخِلَاف مَا تقدم، وَبِخِلَاف الْمَعْدُوم فَإِنَّهُ لَا يصلح حدا إِلَّا بِوُجُودِهِ ووجوده بِوُجُوبِهِ، وَمن ذَلِك لَو وضع بَين يَدَيْهِ عشرَة دَرَاهِم مرتبَة فَقَالَ مَا بَين هَذَا الدِّرْهَم إِلَى هَذَا الدِّرْهَم وَأَشَارَ إِلَيْهِمَا لفُلَان لم يدْخل الدرهمان تَحت الاقرار بالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي المنيع.
قَوْله: (فَلِذَا قَالَ) أَي لما كَانَ فِي الْمَعْدُود تدخل الْغَايَة الاولى دون الثَّانِيَة.
قَالَ: وَفِي لَهُ كرّ حِنْطَة الخ لَان الْكر مَعْدُود بالقفيز عَادَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ من قفيز إِلَى تَمام القفزان من قفيزي حِنْطَة وشعير، فَتدخل الْغَايَة الاولى وَلَا يدْخل القفيز الاخير من كرّ الشّعير، لانه ذكر الشّعير بعد إِلَى فَيلْزمهُ كرّ حِنْطَة وكر شعير إِلَّا قَفِيزا.
قَالَ فِي الْمنح: لَان القفيز الاخير من الشّعير هُوَ الْغَايَة الثَّانِيَة، وَعِنْدَهُمَا: يلْزمه الكران.
قَوْله: (إِلَّا قَفِيزا) من شعير.
قَالَ الْقَدُورِيّ فِي التَّقْرِيب: قَالَ أَبُو حنيفَة: فَمن قَالَ لفُلَان عَليّ مَا بَين كرّ شعير إِلَى كرّ حِنْطَة لزمَه كرّ شعير وكر حِنْطَة إِلَّا قَفِيزا، وَلم يَجْعَل الْغَايَة جَمِيع الْكر لَان الْعَادة أَن الْغَايَة لَا تكون أَكثر الشئ وَلَا نصفه، وَالْكر عبارَة عَن جملَة من القفزان فَوَجَبَ أَن يصير الِانْتِهَاء
стр. 822
إِلَى وَاحِد مِنْهَا اهـ.
شلبي عَن الاتقاني.
وَمثل هَذَا يُقَال فِي مَسْأَلَة المُصَنّف.
وَنقل الشلبي أَيْضا عَن قاضيخان: لَو قَالَ لَهُ عَليّ بَين مائَة إِلَى مِائَتَيْنِ فِي قَول أبي حنيفَة: يلْزمه مائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ فَتدخل فِيهِ الْغَايَة الاولى دون الثَّانِيَة.
وَلَو قَالَ من عشرَة دَرَاهِم إِلَى عشرَة دَنَانِير فَعنده تلْزمهُ الدَّرَاهِم وَتِسْعَة دَنَانِير، وَعِنْدَهُمَا الْكل.
ذكره الزَّيْلَعِيّ عَن النِّهَايَة وَانْظُر مَا وَجه لُزُوم الْكر من الشّعير إِلَّا قَفِيزا مَعَ أَنه جعل الْغَايَة نفس الْكر.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْغَايَةَ الثَّانِيَة لَا تدخل لعدم الضَّرُورَة، والغاية الاولى دَاخِلَة لضَرُورَة بِنَاء الْعدَد عَلَيْهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَايَةِ الثَّانِيَةِ الْمُتَمِّمُ لِلْمَذْكُورِ، فالغاية فِي إِلَى عشرَة الْعَاشِر، وَفِي إلَى أَلْفٍ الْفَرْدُ
الْأَخِيرُ، وَهَكَذَا عَلَى مَا يَظْهَرُ لِي.
قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: ذَكَرَ الْأَتْقَانِيُّ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى دِينَارٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الدِّينَارُ، وَفِي الْأَشْبَاهِ عَليّ من شَاة إِلَى بقرة لم يلْزمه شئ سَوَاء كَانَ بِعَيْنِه أَو لَا، وَرَأَيْت مَعْزِيًّا لِشَرْحِهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَهُمَا عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ مَا بَين دِرْهَم إِلَى دَرَاهِم فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَدِرْهَمَانِ عِنْدَ أبي يُوسُف، سائحاني.
قَوْله: (لَهُ مَا بَينهمَا فَقَط) أَي دون الحائطين لقيامهما بأنفسهما شرنبلالية عَن الْبُرْهَان، وَعلل الْمَسْأَلَة فِي الدُّرَر تبعا للزيلعي بقوله: لما ذكرنَا أَن الْغَايَة لَا تدخل فِي المغيا اهـ.
وَلَا يخفى مَا فِيهِ بِالنِّسْبَةِ للمبدأ لدُخُوله فِيمَا سبق، بِخِلَاف مَا هُنَا، وَلِهَذَا زَاد الْعَيْنِيّ على مَا اقْتصر عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيّ حَيْثُ قَالَ: لَان الْغَايَة لَا تدخل فِي المحسوس وَلَا المبدأ، بِخِلَاف مَا تقدم اهـ.
وقدمناه قَرِيبا
قَوْله: (لما مر) هُوَ لم يقدم لَهُ تعليلا، وَإِنَّمَا ذكر مُخَالفَته لقَوْله من دِرْهَم إِلَى عشرَة أَو بَين دِرْهَم إِلَى عشرَة، وَقد ذكره فِي الْمنح بقوله: بِخِلَاف مَا ذكر من المحسوس لانه مَوْجُود فيصلح حدا فَلَا يدخلَانِ اهـ.
والمحسوس هُوَ هَذِه الْمَسْأَلَة ط.
قَوْلُهُ: (وَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِالْحَمْلِ) سَوَاءٌ كَانَ حَمْلَ أَمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا بِأَنْ يَقُولَ حَمْلُ أَمَتِي أَوْ حَمْلُ شَاتِي لِفُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ سَبَبًا، لِأَنَّ لِتَصْحِيحِهِ وَجْهًا وَهُوَ الْوَصِيَّةُ مِنْ غَيْرِهِ، كَأَنْ أَوْصَى رَجُلٌ بِحَمْلِ شَاةٍ مَثَلًا لِآخَرَ وَمَاتَ فَأَقَرَّ ابْنُهُ بِذَلِكَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ.
حموي.
قَوْله (الْمُحْتَمل) اسْم فَاعل من احْتمل: أَي يَصح أَن يحمل عَلَيْهِ لفظ الْوُجُود فَيُقَال: هَذَا الْحمل مَوْجُود وَهُوَ أَعم من كَونه لانه مَاله أَولا، فَإِنَّهَا إِذا ولدت بعده لدوّنَ نصف حول كَانَ مَوْجُودا.
محققا ولدون حَوْلَيْنِ لَو مُعْتَدَّة غير مُحَقّق، لكنه مُمكن، وَيُمكن أَن يُقَال: إِنَّه مُحَقّق شرعا لثُبُوت نسبه.
كَذَا غير الْآدَمِيّ إِذا قدر بِأَدْنَى مُدَّة الْحمل المتصورة فِيهِ كَانَ محققا وجوده، فَلَو قَالَ الْمَعْلُوم وجوده أَو الْمُحْتَمل كَمَا فِي التَّبْيِين لَكَانَ أظهر، وَاسْتغْنى عَن التَّكَلُّف، وَاقْتصر على الْمَعْلُوم وجوده لما علم فِي مَسْأَلَة الْمُعْتَدَّة أَنه مَعْلُوم شرعا، وَلَعَلَّ أصل الْعبارَة كالتبيين فَسقط لفظ الْمَعْلُوم من قلم النَّاسِخ مَعَ أَنه يرد على قَوْله الْمُحْتَمل مَا لَو جَاءَت بِهِ الْمُزَوجَة لدوّنَ سنتَيْن، فَإِنَّهُ مُحْتَمل وجوده بِمَعْنى الامكان، مَعَ أَنه لَا يَصح الاقرار بِهِ حِينَئِذٍ فَتعين الِاقْتِصَار على قَوْلنَا لمعلوم وجوده، وَيدخل فِيهِ ولد الْمُعْتَدَّة لدوّنَ السنتين
стр. 823
كَمَا علمت.
قَوْله: (بِأَن تَلد) أَي الامة.
قَوْله: (لدوّنَ نصف حول لَو مُزَوّجَة) وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لما تقرر أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر، وأكثرها سنتَانِ، فَإِذا كَانَت مُزَوّجَة وَجَاءَت بِالْوَلَدِ لاقل من سِتَّة أشهر علم أَنه مَوْجُود وَقت الاقرار وَكَونه ابْن الزَّوْج لَا يمْنَع الاقرار بِهِ لغيره، لَان ولد الامة رَقِيق كَمَا فِي الدُّرَر.
قَوْله: (أَو لدوّنَ حَوْلَيْنِ لَو مُعْتَدَّة) أَي لَو كَانَت مُعْتَدَّة فَجَاءَت بِهِ لاقل من حَوْلَيْنِ يَصح الاقرار بِهِ للْعلم بِوُجُودِهِ وَقت الاقرار.
قَوْله: (لثُبُوت نسبه) أَي أَنه لما حكم الشَّارِع بِثُبُوت نسبه من الْمُطلق كَانَ حكما بِوُجُودِهِ وَقت الاقرار بِهِ.
قَوْله: (وَلَو الْحمل غير آدَمِيّ) كحمل الشَّاة مثلا بِأَن قَالَ حمل شاتي لفُلَان كَمَا مر بِشَرْط أَن يتَيَقَّن بِوُجُودِهِ وَقت الاقرار.
قَوْله: (ذَلِك) أَي الْحمل وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ، لَان الْموضع للاضمار.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ فِي الْجَوْهَرَةِ) الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ السَّابِقُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَة إِذْ لَا يلْزم فِيمَا ذكر.
مطلب: أقل مُدَّة الْحمل للآدمي وَغَيره
قَوْله: (أقل مُدَّة حمل الشَّاة الخ) سَيَأْتِي فِي كتاب الْوَصَايَا نقلا عَن الْقُهسْتَانِيّ أَن أقل مُدَّة الْحمل للآدمي سِتَّة أشهر، وللفيل أحد عشر، وللابل وللخيل وَالْحمير سَنَةٌ، وَلِلْبَقَرِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَلِلشَّاةِ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، وَمثله الْمعز، وللسنور شَهْرَان، وللكلب أَرْبَعُونَ يَوْمًا وللطير إِحْدَى وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
قَوْله: (وَصَحَّ لَهُ) أَي للْحَمْل الْمُحْتَمَلِ وُجُودُهُ وَقْتَ الْإِقْرَارِ بِأَنْ جَاءَتْ بِهِ لدوّنَ نصف حول أَو لِسنتَيْنِ: أَي وَهِي زَوْجَة حَلَال وَأَبوهُ ميت، أما لَو جَاءَت بِهِ لِسنتَيْنِ وَأَبُو حَيّ ووطئ الام لَهُ حَلَال فالاقرار بَاطِل، لانه يُحَال بِالْعُلُوقِ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، فَلَا يَثْبُتُ الْوُجُودُ وَقْتَ الْإِقْرَارِ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
بَيَانِيَّةٌ وكفاية.
قَوْله: (إِن بَين سَببا صَالحا يتَصَوَّر للْحَمْل) أَي يتَصَوَّر ثُبُوته للْحَمْل: أَي بِأَن بَين سَببا صَالحا لثُبُوت الحكم لَهُ.
قَوْله: (كالارث وَالْوَصِيَّة) الْكَاف استقصائية لانحصار السَّبَب الصَّالح فيهمَا.
قَوْله: (فورثه) الْحمل واستهلكت من مَال الْمُورث ألفا مثلا.
قَوْله: (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يبين سَببا صَالحا بِأَن لم يبين سَببا أصلا، أَو بَين سَببا غير صَالح لَا يَصح الاقرار بل بلغو كَمَا يَأْتِي قَرِيبا.
قَوْله: (كَمَا يَأْتِي) أَي فِي قَوْله وَإِن فسره الخ.
قَوْله: (لاقل من نصف حول) أَي بِأَن كَانَت ذَات زوج أَو لاقل من سنتَيْن إِن كَانَت مُعْتَدَّة، فَإِن وَلدته لاكثر من سِتَّة أشهر لم يسْتَحق شَيْئا حموي.
وَمثله فِي ابْن الْكَمَال.
قَوْله: (وَإِن ولدت حيين) أَي ذكرين أَو انثيين.
قَوْله: (فَلَهُمَا) لَان مجموعهما هُوَ الْحمل وَهُوَ خبر لمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره فالموروث أَو الْمُوصى بِهِ، وَقَوله نِصْفَيْنِ نصب على الْحَال من الضَّمِير فِي الْخَبَر: أَي فَهُوَ لَهما نِصْفَيْنِ.
قَوْله: (فَكَذَلِك) أَن نِصْفَانِ فِي الْوَصِيَّة، لَان المَال للْحَمْل وَهُوَ مجموعهما،، وَلَا أرجحية لاحدهما على الآخر فِيهِ.
قَوْله: (بِخِلَاف الْمِيرَاث) فَإِن فِيهِ للذّكر مثل
стр. 824
مثل حَظّ الانثيين.
قَوْله: (لوَرَثَة ذَلِك) لَا حَاجَة إِلَى اسْم الاشارة.
قَوْله: (الْمُوصي والمورث) عبارَة الْبَحْر: وَإِن ولدت مَيتا يرد إِلَى وَرَثَة الْمُوصي أَو وَرَثَة أَبِيه اهـ.
قَالَ الْعَلامَة الرَّمْلِيّ: أَقُول يَعْنِي إِذا قَالَ الْمقر أوصى لَهُ بِهِ فلَان ثمَّ ولد مَيتا فَإِنَّهُ يرد إِلَى وَرَثَة الْمُوصي الَّذِي قَالَ الْمقر: إِنَّه أوصى للْحَمْل، وَقَوله أَو وَرَثَة أَبِيه: يَعْنِي إِن قَالَ الْمقر مَاتَ أَبوهُ فورثه فَإِنَّهُ يرد إِلَى وَرَثَة أَبِيه إِن ولد مَيتا عملا بقول الْمقر فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
قَوْله: (لعدم أَهْلِيَّة الْجَنِين) أَي لَان هَذَا الاقرار فِي الْحَقِيقَة لَهما: أَي للْمُوصي والمورث، وَإِنَّمَا ينْتَقل للجنين بعد وِلَادَته حَيا، وَلم ينْفَصل حَيا فَيكون لورثتهما كَمَا فِي الدُّرَر.
وَالْحَاصِل: أَن الْحمل لَا يكون أَهلا لَان يَرث وَيُورث، وَيسْتَحق الْوَصِيَّة إِلَّا إِذا خرج أَكْثَره حَيا.
قَوْله: (كَهِبَة) أَي للْحَمْل فَإِنَّهَا لَا تصح لَهُ لَان حكمهَا ثُبُوت الْملك للْمَوْهُوب لَهُ وَالْحمل لَا يملك
قَوْله: (أَو بيع أَو إقراض) بِأَن قَالَ الْحمل: بَاعَ مني أَو أَقْرضنِي دُرَر.
إِذْ لَا يتَصَوَّر شئ مِنْهُ من الْجَنِين لَا حَقِيقَة وَهُوَ ظَاهر، وَلَا حكما لانه لَا يُولى عَلَيْهِ.
قَوْله: (أَو أبهم الاقرار وَلم يبين سَببا) بِأَن قَالَ لحمل فُلَانَة كَذَا.
قَوْله: (لَغَا) أَي بَطل فَلَا يلْزمه شئ أَيْضا عِنْد أبي يُوسُف، لَان مُطلق الاقرار ينْصَرف إِلَى الاقرار بِسَبَب التِّجَارَة، وَلِهَذَا حمل إِقْرَار الْمَأْذُون وَأحد الْمُتَفَاوضين عَلَيْهِ فَيصير كَمَا إِذا صرح بِهِ وَلَا يَصح، فَكَذَا هَذَا.
دُرَر
قَوْله: (وَحمل مُحَمَّد الْمُبْهم على السَّبَب الصَّالح) لانه يحْتَمل الْجَوَاز وَالْفساد، ولان الاقرار إِذا صدر من أَهله مُضَافا إِلَى مَحَله كَانَ حجَّة يجب الْعَمَل بهَا، وَلَا نزاع فِي صدوره من أَهله لانه هُوَ الْمَفْرُوض وَأمكن إِضَافَته إِلَى مَحَله بِحمْلِهِ على السَّبَب الصَّالح حملا لكَلَام الْعَاقِل على الصِّحَّة، كَالْعَبْدِ الْمَأْذُون إِذا أقرّ بدين فَإِن إِقْرَاره وَإِن احْتمل الْفساد بِكَوْنِهِ صَدَاقا أَو دين
كَفَالَة وَالصِّحَّة بِكَوْنِهِ من التِّجَارَة كَانَ صَحِيحا تَصْحِيحا لكَلَام الْعَاقِل.
عناية وَأَبُو يُوسُف يُبطلهُ، لَان لجوازه وَجْهَيْن: الْوَصِيَّة، والارث، ولبطلانه وُجُوهًا وَلَيْسَ أَحدهمَا بِأولى من الآخر، فَحكم بِالْفَسَادِ، نَظِيره: لَو شرى عبدا بِأَلف ثمَّ قبل النَّقْد بَاعه وعبدا آخر من البَائِع بِأَلف وَخَمْسمِائة وقيمتهما سَوَاء فَإِنَّهُ يبطل، وَإِن أمكن جَوَازه بِأَن يَجْعَل الالف أَو أَكثر حِصَّة المُشْتَرِي، وَالْبَاقِي حِصَّة الآخر زَيْلَعِيّ.
وَفِيه نظر، إِذْ لَا نسلم أَن تعدد جِهَة الْجَوَاز توجب الْفساد لم لَا يَكْفِي فِي صِحَة الْحمل على الْجَوَاز صَلَاحِية فَرد من الْوَجْهَيْنِ، وَإِن لم يتَعَيَّن خُصُوصِيَّة، أَلا ترى أَن جَهَالَة نفس الْمقر بِهِ لَا تمنع صِحَة الاقرار اتِّفَاقًا فَكيف تمنعها جَهَالَة سَبَب الْمقر بِهِ.
حموي عَن قَاضِي زَاده، وَهَذَا تَرْجِيح مِنْهُ لقَوْل مُحَمَّد، وَيُقَوِّي بحث قَاضِي زَاده مَا ذكره فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة حَيْثُ قَالَ: وَلقَائِل أَن يَقُول قد تقدم من الزَّيْلَعِيّ فِي الاقرار بِالْمَجْهُولِ أَنه إِذا لم يبين السَّبَب يَصح، وَيحمل على أَنه وَجب عَلَيْهِ بِسَبَب تصح مَعَه الْجَهَالَة، فَمَا الْفرق بَينه وَبَين مَا ذكر هُنَا من عدم حمله على السَّبَب الْمُوجب للصِّحَّة، على قَول الْقَائِل بِهِ، وَفِي كل احْتِمَال الْفساد وَالصِّحَّة اهـ.
وَفِي التَّبْيِين: وَلَا يُقَال إِن ظَاهر إِقْرَار يَقْتَضِي الْوُجُوب، فَكيف يقدر على إِبْطَاله بِبَيَان سَبَب غير صَالح، والابطال رُجُوع عَن الاقرار، وَهُوَ يملك الرُّجُوع لانا نقُول لَيْسَ بِرُجُوع وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان
стр. 825
سَبَب يحْتَمل، لانه يحْتَمل أَن أحدا من أوليائه بَاعه مِنْهُ فَحسب أَن ذَلِك صَحِيح فَيقر بِهِ ويضيفه إِلَى الْجَنِين مجَازًا اهـ مُلَخصا.
ثمَّ على قَول مُحَمَّد: إِذا صَحَّ الاقرار مَعَ إِيهَام السَّبَب ثمَّ ولد الْحمل مَيتا أَو لم يُوجد حمل لمن يرد الْمقر بِهِ يُرَاجع.
وَأفَاد فِي الزَّيْلَعِيّ والعناية أَنه تحصل أَن للمسألة ثَلَاث صور: إِمَّا أَن يبهم الاقرار فَهُوَ على الْخلاف، وَإِمَّا أَن يبين سَببا صَالحا فَيجوز بالاجماع، وَإِمَّا أَن يبين سَببا غير صَالح فَلَا يجوز بالاجماع، فَإِن قيل: ظَاهر إِقْرَاره يَقْتَضِي الْوُجُوب، فَكيف يقدر على إِبْطَاله بِبَيَان سَبَب غير صَالح، والابطال رُجُوع وَهُوَ فِي الاقرار لَا يَصح؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوع بل ظُهُور كذبه يبْقين كَمَا لَو قَالَ: قطعت يَد فلَان عمدا أَو خطأ وَيَد فلَان صَحِيحَة اهـ.
ثمَّ قَالَ المنلا عبد الْحَلِيم: وَقيل أَبُو حنيفَة مَعَ أبي يُوسُف، وَاخْتَارَ صَاحب الْهِدَايَة
قَول أبي يُوسُف على مَا هُوَ دأبه فِي تَرْتِيب الْمسَائِل، وَتَبعهُ صَاحب الْوِقَايَة حَيْثُ ترك قَول مُحَمَّد رَأْسا إِشَارَة إِلَى رُجْحَان قَول أبي يُوسُف، وَعَلِيهِ أَكثر الشُّرَّاح حَيْثُ قووا دَلِيله اهـ.
ثمَّ قَالَ: فَظهر أَن قَول أبي يُوسُف هُوَ الْمُخْتَار وَأقوى، وَإِن من قَالَ وَلم نظفر فِيمَا عِنْدِي من الْمُعْتَبرَات مَا يرجح قَول أَحدهمَا على قَول الآخر أظهر عدم تتبعه كَمَا لَا يخفى اهـ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ صَحِيحٌ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُقَرِّ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ، لَكِنَّ بُطْلَانَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِبْطَالِ كَمَا فِي الانقروي، وَأما الاقرار للصَّغِير فَلَا يتَوَقَّف على تَصْدِيقه، فَيصير الشئ الْمقر بِهِ لَهُ ملكا لَهُ بِمُجَرَّد الاقرار، وَلَا يَصح إِقْرَار الْمقر بعد ذَلِك للْغَيْر كَمَا قدمْنَاهُ عَن الْخَيْر الرَّمْلِيّ موضحا فَرَاجعه إِن شِئْت.
قَوْله: (لَان هَذَا الْمقر الخ) قَالَ الْعَلامَة الاتقاني: بِخِلَاف مَا لَو أقرّ لرضيع أَن عَلَيْهِ ألف دِرْهَم بِالْبيعِ أَو الاجارة، لَان الرَّضِيع من أهل أَن يسْتَحق الدّين بِهَذَا السَّبَب بِتِجَارَة وليه، لانه يتجر لَهُ إِن كَانَ لَا يتجر هُوَ بِنَفسِهِ، بِخِلَاف الْجَنِين اهـ.
أَي فَإِنَّهُ لَا يَلِي أحد عَلَيْهِ.
قَالَ بعض الْفُضَلَاء، الْفرق بَين الرَّضِيع وَالْحمل حَيْثُ جَازَ الاقرار للاول، وَإِن بَين أَنه قرض أَو ثمن مَبِيع، وَلم يجز للثَّانِي لانه لَا يتَصَوَّر البيع مَعَ الْجَنِين وَلَا يَلِي عَلَيْهِ أحد، بِخِلَاف الصَّغِير لثُبُوت الْولَايَة عَلَيْهِ فيضاف إِلَيْهِ عقد الْوَلِيّ مجَازًا، هَكَذَا فهمت من كَلَامهم اهـ.
أَقُول: وَجه فِي الْمُحِيط صِحَة الاقرار للصَّغِير وَإِن بَين سَببا غير صَالح بِأَنَّهُ أقرّ بِوُجُوب الدّين بِسَبَب، وَإِن لم يثبت لانه لَا يتَصَوَّر من الصَّبِي نفي الاقرار بِالدّينِ كَمَا لَو كذبه الْمقر لَهُ فِي السَّبَب بِأَن قَالَ لَك عَليّ ألف غصبا فَقَالَ الْمقر لَهُ بل دينا يلْزمه المَال وَإِن لم يثبت السَّبَب.
كَذَا هَذَا وَمثله فِي الْحَوَاشِي الحموية.
قَوْله: (فِي الْجُمْلَة أشباه) قَالَ محشيه الْحَمَوِيّ: يَعْنِي لَان البيع أَو الْقَرْض صدر من بعض أوليائه، فإضافته إِلَى الصَّغِير مجَاز انْتهى.
قَوْله: (أقرّ بشئ على أَنه بِالْخِيَارِ الخ) يَعْنِي بِأَن قَالَ لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم قَرْضٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ قَائِمَة أَو مستهلكة على أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام منح.
قَوْله: (لزمَه بِلَا خِيَار) لوُجُود الصِّيغَة الملزمة.
قَوْله: (فَلَا يقبل الْخِيَار) لَان الْمَقْصُود من الْخِيَار هُوَ الْفَسْخ، وَلما لم يحْتَمل الاقرار وَالْفَسْخ لم يجز شَرط الْخِيَار لَهُ، وَلَزِمَه المَال، لانه إِن كَانَ صَادِقا فَهُوَ وَاجِب الْعَمَل بِهِ، وَإِن لم يخْتَر وَإِن كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ وَاجِب الرَّد فَلَا يتَغَيَّر بِاخْتِيَارِهِ وَعدم اخْتِيَاره، وَإِنَّمَا
تَأْثِير اشْتِرَاط الْخِيَار فِي الْعُقُود ليتخير من لَهُ الْخِيَار بَين فَسخه وإمضائه.
دُرَر وعناية.
стр. 826
فَإِن قيل: الاقرار يرْتَد بِالرَّدِّ وَهُوَ فسخ.
قُلْنَا: لَيْسَ بِفَسْخ للاقرار لانه رفع للشئ بعد ثُبُوته ورد الاقرار لَيْسَ رفعا لَهُ بعد ثُبُوته فِي حَقه، بل بَيَان أَنه غير ثَابت أصلا لانه يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، فَإِذا كذبه الْمقر لَهُ ثَبت الْكَذِب فِي حَقه لانه إِقْرَار على نَفسه، وَإِذا صَحَّ التَّكْذِيب فِي حَقه ظهر أَن الاقرار لم يثبت من الاصل، بِخِلَاف البيع لانه تصرف يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه، لَان مَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْهُ وَهُوَ الْملك مِمَّا يَنْفَسِخ بانفساخ البيع لانه ثَابت بِهِ، وَالْمَقْصُود من فسخ السَّبَب فسخ حكمه، فَإِذا كَانَ حكم السَّبَب مُحْتملا للْفَسْخ كَانَ السَّبَب كَذَلِك وَعَكسه.
قَوْله: (لم يعْتَبر تَصْدِيقه) الاولى حذفه، بل يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: فَإِنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ لِأَنَّ إِن وصلية فَلَا جَوَاب لَهَا ح: أَي بل جوابها مَفْهُوم من الْكَلَام السَّابِق، إِلَّا أَن يُقَال: هَذَا بَيَان لذَلِك الْمَفْهُوم فَلَا اعترا ض حِينَئِذٍ.
قَوْله: (إِلَّا إِذا أقرّ بِعقد) أَي بدين لزمَه بِسَبَب عقد الخ بِأَن يَقُول لَهُ عَليّ ألف ثمن مَبِيع بِخِيَار.
قَوْله: (وَقع بِالْخِيَارِ لَهُ) فَحِينَئِذٍ يثبت الْخِيَار لَهُ إِذا صدقه الْمقر لَهُ أَو أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَة إِلَّا أَن يكذبهُ الْمقر لَهُ فَلَا يثبت الْخِيَار، وَكَانَ القَوْل قَول الْمقر لَهُ كَمَا يَأْتِي قَرِيبا.
فَإِن قيل: إِن لم يقبل الاقرار الْفَسْخ فالسبب الَّذِي بِهِ وَجب المَال وَهُوَ التِّجَارَة تقبل.
فَيجب أَن يكون الْخِيَار مَشْرُوطًا فِي سَبَب الْوُجُود.
قُلْنَا: السَّبَب غير مَذْكُور، وَإِنَّمَا يعْتَبر مَذْكُورا ضَرُورَة صِحَة الاقرار، وَإِذا ثَبت مُقْتَضى صِحَّته اعْتبر مَذْكُورا فِي حَقه فَقَط دون صِحَة الْخِيَار، وَأما إِذا قَالَ عَليّ ألف ثمن مَبِيع بِخِيَار فَيصح إِن صدقه الْمقر لَهُ أَو برهن، لَان الْمقر بِهِ عقد يقبل الْخِيَار، وَهُوَ من الْعَوَارِض فَلَا بُد من التَّصْدِيق أَو الْبَيَان، وَإِن أقرّ بدين بِسَبَب كَفَالَة على أَنه بِالْخِيَارِ مُدَّة مَعْلُومَة، وَلَو طَوِيلَة جَازَ إِن صدقه، لَان الْكفَالَة تحْتَمل من الْجَهَالَة والخطر مَا لَا يحْتَملهُ البيع، فَإِذا جَازَ شَرطه فِيهِ فَفِيهَا أولى، ثمَّ لم يقدر فِيهَا لَان إِطْلَاق الْخِيَار فِي البيع يُنَافِي حِكْمَة الْملك الْمُطلق، وَحكم الْخِيَار منع السَّبَب من الْعَمَل وَحكم الْكفَالَة لُزُوم الدّين وَأَنه يَصح مُطلقًا ومقيدا.
مقدسي.
قَوْله: (لانه مُنكر) للخيار فِي العقد الَّذِي هُوَ من الْعَوَارِض وَالْقَوْل فِيهَا للْمُنكر.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَصِيرَةً) الْأَوْلَى حَذْفُهَا كَمَا لَا يخفى.
حَلَبِيّ.
وَإِنَّمَا جَازَت الْكفَالَة مُطلقَة ومقيدة لَان حكمهَا هَاهُنَا
لُزُوم الدّين، وَهُوَ يَصح مُطلقًا ومقيدا فَلَا يكون اشْتِرَاط الْخِيَار كَذَلِك منافيا لَهَا، بِخِلَاف البيع فَلَا بُد من التَّوْقِيت فِيهِ بِثَلَاثَة، لَان إِطْلَاق الْخِيَار يُنَافِي حكم البيع، لَان حكمه الْملك الْمُطلق وَحكم الْخِيَار منع السَّبَب من الْعَمَل، وَبَينهمَا مُنَافَاة.
وَالْحَاصِل: أَنه كَمَا أَن البيع عقد يَصح فِيهِ شَرط الْخِيَار، وَلَا يُزَاد فِيهِ على ثَلَاثَة أَيَّام عِنْد الامام، وَالْكَفَالَة عقد أَيْضا يَصح فِيهِ شَرط الْخِيَار، وَيصِح اشْتِرَاطه مُدَّة طَوِيلَة أَو قَصِيرَة، لانها عقد تبرع يتوسع فِيهَا بعد أَن تكون الْمدَّة مَعْلُومَة، لَكِن قد صدر فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ والالف أَمر حَضْرَة السُّلْطَان نَصره الرَّحْمَن لسَائِر قُضَاته ونوابه فِي الممالك المحروسة بالحكم على قَول الصاحبين فِي امتداد خِيَار الشَّرْط أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام مُوَافقا لما فِي الْمَادَّة الثلاثمائة من الْجُزْء الاول من كتاب البيع من الاحكام العدلية حِين كنت فِي الآستانة الْعلية، ومتشرفا بتوظيفي بِتِلْكَ الجمعية العلمية بِأَمْر من حَضرته نَصره الله تَعَالَى بجمعها.
قَوْله: (إِذا صدقه) فَإِذا كذبه يلْزمه المَال من غير شَرط وَالْقَوْل لَهُ لانه
стр. 827
يَدعِي عَلَيْهِ التَّأْخِير وَهُوَ يُنكر.
إتقاني.
قَوْله: (لَان الْكفَالَة عقد أَيْضا) عِلّة للتشبيه الْمُسْتَفَاد من الْكَاف.
قَوْله: (بِخِلَاف مَا مر) أَي من قَوْله أقرّ بشئ كَمَا بَيناهُ.
قَوْله: (لانها أَفعَال) لَان الشئ الْمُقَرَّ بِهِ قَرْضٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ وَدِيعَةٌ عَارِية أَو قَائِمَة أَو مستهلكة، فالقرض وَمَا عطف عَلَيْهِ أَفعَال قد أخبر بوقوعها فَلَا يَصح فِيهَا شَرط الْخِيَار.
قَوْله: (الامر بِكِتَابَةِ الْإِقْرَارِ) بِخِلَافِ أَمْرِهِ بِكِتَابَةِ الْإِجَارَةِ وَأَشْهَدَ وَلم يجر عقد لَا تَنْعَقِد أشباه.
قَوْله: (إِقْرَار حكما) لَان الامر إنْشَاء والاقرار اختبار فَلَا يكونَانِ متحدين حَقِيقَة، بل المُرَاد أَن الامر بِكِتَابَة الاقرار إِذا حصل حصل الاقرار.
حَلَبِيّ عَن الدُّرَر.
قَوْلُهُ: (يَكُونُ بِالْبَنَانِ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمَتْنِ مِنْ قَبِيلِ الْإِقْرَارِ بِالْبَنَانِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ كَتَبَ أَمْ لَمْ يَكْتُبْ، وَبِدَلِيلِ مَا فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْبَنَانِ كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ رَجُلٌ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ ذِكْرَ حَقٍّ بِحَضْرَةِ قَوْمٍ أَوْ أَمْلَى عَلَى إنْسَانٍ لِيَكْتُبَ ثُمَّ قَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا لِفُلَانٍ كَانَ إقْرَارًا اهـ.
فَإِنَّ ظَاهِرَ التَّرْكِيبِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مِثَالٌ لِلْإِقْرَارِ بِالْبَنَانِ وَالثَّانِيَةَ لِلْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، فَتَأَمَّلْ ح.
قَوْله: خطّ إقراري أَي الْخط الدَّال على إقراراي فالاضافة من
إِضَافَة الدَّال إِلَى الْمَدْلُول وَالدّلَالَة التزامية، وَفِي أَحْكَامِ الْكِتَابَةِ مِنْ الْأَشْبَاهِ إذَا كَتَبَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا لَا تَحِلُّ الشَّهَادَةُ.
قَالَ الْقَاضِي النَّسَفِيُّ: إنْ كَتَبَ مُصَدَّرًا: يَعْنِي كَتَبَ فِي صَدْرِهِ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ لَهُ عَلَيَّ كَذَا أَوْ أَمَّا بَعْدُ فَلِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ أَشْهَدَ عَلَيَّ بِهِ، وَالْعَامَّةُ عَلَى خِلَافِهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَكُونُ لِلتَّجْرِبَةِ، وَلَوْ كَتَبَ وقرأه عِنْد الشُّهُود حلت، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُمْ، وَلَوْ كَتَبَ عِنْدَهُمْ وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ، إنْ عَلِمُوا بِمَا فِيهِ كَانَ إقْرَارًا، وَإِلَّا فَلَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا وَأَخْرَجَ خَطًّا وَقَالَ إنَّهُ خَطُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذَا الْمَالِ فَأَنْكَرَ كَوْنَهُ خَطَّهُ فَاسْتَكْتَبَ وَكَانَ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ مُشَابَهَةٌ ظَاهِرَة تدل على أَنهم خطّ كَاتب وَاحِد لَا يحكم عَلَيْهِ بِالْمَالِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ هَذَا خَطِّي وَأَنَا حَرَّرْتُهُ لَكِنْ لَيْسَ عَليّ هَذَا المَال، وثمة لَا يجب كَذَا هُنَا إلَّا فِي دَفْتَرِ السِّمْسَارِ وَالْبَيَّاعِ وَالصَّرَّافِ انْتهى.
وَمثله فِي الْبَزَّازِيَّة.
قَالَ السَّائِحَانِيُّ: وَفِي الْمَقْدِسِيَّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي أَنَّ لَهُ عَلَيَّ أَلْفًا أَوْ وَجَدْتُ فِي ذِكْرِي أَوْ فِي حِسَابِي أَو بخطي أَو قَالَ: كتبت بيَدي أَنه لَهُ عَلَيَّ كَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخٍ قَالُوا فِي دَفْتَرِ الْبَيَّاعِ: إنَّ مَا وُجِدَ فِيهِ بِخَطِّ الْبَيَّاعِ فَهُوَ لَازِمٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا مَا عَلَى النَّاسِ لَهُ وَمَا لِلنَّاسِ عَلَيْهِ صِيَانَةً عَنْ النسْيَان، وَالْبناء على الْعَادة الظَّاهِرَة وَاجِب انْتهى.
فَقَدْ اسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَ أَئِمَّتِنَا لَا يعلم بِالْخَطِّ يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ، وَاسْتِثْنَاءُ دَفْتَرِ السِّمْسَارِ وَالْبَيَّاعِ لَا يَظْهَرُ، بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يُعْزَى إِلَى جمَاعَة من أَئِمَّة بَلخ وَأَن يُفِيد بِكَوْنِهِ فِيمَا عَلَيْهِ - وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ رد الطرطوسي الْعَمَل بِهِ مؤيد بِالْمذهبِ، فَلَيْسَ إِلَى غَيره نَذْهَب، وَانْظُر مَا تقدم فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي وَمَا قدمْنَاهُ فِي الشَّهَادَات.
وَحَاصِل مَا تحرر فِي مَسْأَلَة الْخط: أَن عَامَّة عُلَمَائِنَا على عدم الْعَمَل بِهِ، إِلَّا مَا وجده القَاضِي فِي أَيدي الْقُضَاة الماضين وَله رسوم فِي دواوينهم: أَي السجلات، وَخط السمسار والبياع والصراف وَإِن لم
стр. 828
يكن معنونا ظَاهرا بَين النَّاس، وَكَذَلِكَ مَا يكْتب النَّاس فِيمَا بَينهم على أنفسهم فِي دفاترهم المحفوظة عِنْدهم بخطهم الْمَعْلُوم بَين التُّجَّار وَأهل الْبَلَد فَهُوَ حجَّة عَلَيْهِ وَلَو بعد مَوْتهمْ، وَكَذَلِكَ كتاب الامان
والبراءات السُّلْطَانِيَّة والدفتر الخاقاني كَمَا قدمنَا ذَلِك فِي الشَّهَادَات موضحا بأدلته فَرَاجعه.
وَمَشى فِي الْفَتَاوَى النعيمية فِي رَجُلٌ كَانَ يَسْتَدِينُ مِنْ زَيْدٍ وَيَدْفَعُ لَهُ ثمَّ تحاسبا على مبلغ دين تبقى لِزَيْدٍ بِذِمَّةِ الرَّجُلِ وَأَقَرَّ الرَّجُلُ بِأَنَّ ذَلِكَ آخِرُ كُلِّ قَبْضٍ وَحِسَابٍ ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ يُرِيدُ نَقْضَ ذَلِكَ وَإِعَادَةَ الْحِسَابِ فَهَلْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ لِقَوْلِ الدُّرَرِ: لَا عذر لمن أقرّ اهـ.
وَفِيهَا فِي شَرِيكَيْ تِجَارَةٍ حَسَبَ لَهُمَا جَمَاعَةٌ الدَّفَاتِرَ فَتَرَاضَيَا وَانْفَصَلَ الْمَجْلِسُ وَقَدْ ظَنَّا صَوَابَ الْجَمَاعَةِ فِي الْحِسَابِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الْحساب لَدَى جمَاعَة أخر، فَهَل يرجع الصَّوَاب؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ لِقَوْلِ الْأَشْبَاهِ: لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ فِي شَرِيكَيْ عِنَانٍ تَحَاسَبَا ثُمَّ افْتَرَقَا بِلَا إبْرَاءٍ أَوْ بَقِيَا عَلَى الشَّرِكَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ أَوْصَلَ لِشَرِيكِهِ أَشْيَاء من الشّركَة غير مَا تحسبا عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَلَا بَيِّنَةَ فَطَلَبَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمين على من أنكر؟ الْجَواب نعم اهـ.
قَوْله: (عدم اعْتِبَار مشابهة الخطين) هُوَ الصَّحِيح، فَإِذا ادّعى عَلَيْهِ حَقًا وَأظْهر خطّ يَده فاستكتب فَكتب فَإِذا الْخط يشبه الْخط لَا يقْضى عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعضهم: يقْضى عَلَيْهِ، وَمَشى عَلَيْهِ فِي الْمجلة فِي مَادَّة ٧٠٦١ وَفِي ٩٠٦١ وَفِي ٠١٦١ وَفِي ٦٣٨١ وَفِي ٧٣٧١ وَفِي ٨٣٧١ وَفِي ٩٣٧١، وَصدر الامر الشريف السلطاني بِالْعَمَلِ بِمُوجبِه إِذا كَانَ خَالِيا من الشُّبْهَة والتصنع والتزوير فَيعْمل بهَا، ككتاب الْقُضَاة والوقفية إِذا كَانَت مسجلة وسجلات الْقُضَاة والبراءات السُّلْطَانِيَّة والدفاتر الخاقانية ودفاتر التُّجَّار فِيمَا عَلَيْهِم والصكوك والقامبيالي والوصول، وَعلم الْخَبَر إِذا كَانَت بِخَط من عَلَيْهِ الدّين أَو إمضائه وختمه المعروفين، فَلَو لم تكن مَعْرُوفَة يسْتَكْتب عِنْد أهل الْخِبْرَة، فَإِذا وَافق الْخط الْخط وَكَانَا كخط وَاحِد يلْزم بِالْمَالِ، وَعَلِيهِ قَارِئ الْهِدَايَة وبموجبه صدر الامر السلطاني كَمَا علمت.
قَوْله: (وجحده الْبَاقُونَ) وَإِنْ صَدَّقُوا جَمِيعًا لَكِنْ عَلَى التَّفَاوُتِ كَرَجُلٍ مَاتَ عَن ثَلَاثَة بَنِينَ آلَافٍ فَاقْتَسَمُوهَا وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَلْفًا، فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى أَبِيهِمْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ فَصَدَّقَهُ الْأَكْبَرُ فِي الْكُلِّ وَالْأَوْسَطُ فِي الْأَلْفَيْنِ وَالْأَصْغَرُ فِي الْأَلْفِ أَخَذَ مِنْ الْأَكْبَرِ أَلْفًا وَمِنْ الْأَوْسَطِ خَمْسَة أَسْدَاس الالف وَمن الاصغر ثلث الالف عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فِي الْأَصْغَرِ والاكبر كَذَلِك، وَفِي الاوسط يَأْخُذُ الْأَلْفَ، وَوَجْهُ كُلٍّ فِي الْكَافِي.
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي كُلُّ مَا يُوجَدُ فِي تَذْكِرَةِ الْمُدَّعِي بِخَطِّهِ فَقَدْ التزمته لَيْسَ بِإِقْرَارِهِ، لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِشَرْطٍ لَا يُلَائِمُهُ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ من أَصْحَابنَا رَحِمهم الله تَعَالَى أَنَّ مَنْ قَالَ كُلُّ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيَّ فُلَانٌ فَأَنَا مُقِرٌّ بِهِ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّهُ يُشْبِهُ وَعْدًا.
كَذَا فِي الْمُحِيطِ شرنبلالية.
فَرْعٌ: ادَّعَى الْمَدْيُونُ أَنَّ الدَّائِنَ كَتَبَ عَلَى قِرْطَاسٍ بِخَطِّهِ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَى فلَان ابْن فلَان أَبرَأته عَنهُ صَحَّ وَسَقَطَ الدَّيْنُ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْمَرْسُومَةَ الْمُعَنْوَنَةَ كَالنُّطْقِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ بِطَلَبِ الدَّائِنِ أَوْ لَا بِطَلَبِهِ.
بَزَّازِيَّةٌ مِنْ آخر الرَّابِع عشر من
стр. 829
الدَّعْوَى.
قَوْله: (يلْزمه كل الدّين) أَي فِي قَول أَصْحَابنَا.
منح.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ حِصَّتُهُ) عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلَ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ، وسيجئ أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: أَحَدُ الْوَرَثَةِ لَوْ أَقَرَّ بِالْوَصِيَّةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يَخُصُّهُ وِفَاقًا.
وَفِي مَجْمُوعَةِ مُنْلَا عَلِيٍّ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ وَالثَّلَاثِينَ: أَحَدُ الْوَرَثَةِ إذَا أَقَرَّ بِالْوَصِيَّةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يَخُصُّهُ بالِاتِّفَاقِ، وَإِذا مَاتَ وَترك ثَلَاث بَنِينَ وَثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ كُلُّ ابْنٍ أَلْفًا فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُ بِثلث مَاله وَصدقه أحد النين فَالْقِيَاسُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ مَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ قَول عُلَمَائِنَا رَحِمهم الله تَعَالَى لَنَا أَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ بِأَلْفٍ شَائِعٍ فِي الْكُلِّ ثُلُثُ ذَلِكَ فِي يَدِهِ وَثُلُثَاهُ فِي يَد شريكيه، فَمَا كَانَ إِقْرَارا فِيمَا يَده قبل وَمَا كَانَ إقْرَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِ لَا يقبل، فَوَجَبَ أَن يسلم إلَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ اهـ.
قَوْله: (دفعا للضَّرَر) أَي من الْمقر: أَي لانه إِنَّمَا أقرّ بِمَا تعلق بِكُل التَّرِكَة.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَهِدَ هَذَا الْمُقِرُّ مَعَ آخَرَ الخ) وَكَذَا لَوْ بَرْهَنَ الطَّالِبُ عَلَى هَذَا الْمُقِرِّ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي وَكِيلٍ قَبَضَ الْعين: لَوْ أَقَرَّ مَنْ عِنْدَهُ الْعَيْنُ أَنَّهُ وَكِيلٌ بِقَبْضِهَا لَا يَكْفِي إقْرَارُهُ.
وَيُكَلَّفُ الْوَكِيلُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى إثْبَاتِ الْوَكَالَةِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ قبض ذَلِك، فَكَذَا هُنَا جَامع الْفُصُولَيْنِ وَفِيه خَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَلْ مَاتَ مورثك؟ فَإِن قَالَ نعم، فَحِينَئِذٍ يَسْأَلُهُ عَنْ دَعْوَى الْمَالِ: فَلَوْ أَقَرَّ وَكَذَّبَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يُقْضَ بِإِقْرَارِهِ حَتَّى شَهِدَ هَذَا الْمُقِرُّ وَأَجْنَبِيٌّ مَعَهُ يُقْبَلُ، وَيُقْضَى عَلَى الْجَمِيعِ وَشَهَادَتُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ أَقَرَّ الْوَارِثُ أَوْ نَكَلَ، فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
يُؤْخَذُ كُلُّ الدَّيْنِ مِنْ حِصَّةِ الْمُقِرِّ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّ الدّين مقدم على إِرْثه.
وَقَالَ ث: وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدِي أَنْ يَلْزَمَهُ مَا يَخُصُّهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَابَعَهُمْ، وَهَذَا القَوْل أعدل وَأبْعد من الضَّرَر، وَلَوْ بَرْهَنَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا مَا يَخُصُّهُ وفَاقا انْتهى.
بَقِي مَا لَو برهن عَلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ بِدَيْنِهِ بَعْدَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ، فَهَل للدائن أَخذ كُلِّهِ مِنْ حِصَّةِ الْحَاضِرِ؟ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ: اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ.
فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَأْخُذُ مِنْهُ إِلَّا مَا يَخُصُّهُ انْتهى مُلَخصا.
قَوْله: (وَبِهَذَا) أَي بِقبُول شَهَادَة الْمقر مَعَ آخر أَنه على الْمَيِّت.
قَوْله: (بِمُجَرَّد إِقْرَاره) إِذا لَو أقرّ وَلَزِمَه جَمِيع المَال ثمَّ شهد مَعَ آخر، وَقبلت شَهَادَته لزمَه بِقدر حِصَّته، فَيكون فِي شَهَادَته دفع مغرم عَن نَفسه، وَالشَّهَادَة كَذَلِك لَا تقبل فقبولها دَلِيل أَن إِقْرَاره الاول لَا يعْتَبر وَلَا يلْزمه بِهِ دين وَهُوَ مُشكل، فَإِن إِقْرَار الانسان حجَّة فِي حق نَفسه، وَالْقَضَاء فِيهِ مظهر لَا مُثبت، وَلَو جعل هَذَا الْفَرْع مخرجا على قَول الْفَقِيه لَكَانَ ظَاهرا لانه لم يدْفع بِهَذِهِ الشَّهَادَة مغرما عَن نَفسه ط.
قَالَ الباقاني: وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ فِي نَصِيبِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ مَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ دفع المغرم عَنهُ.
قَوْله: (فلتحفظ هَذِه الزِّيَادَة) وَهِي كَون الاقرار غير مُلْزم إِلَّا بِالْقضَاءِ لما ذكرنَا، وَحَاصِل مَا يُقَال: إِنَّه إِذا ادّعى رجل دينا على ميت وَأقر بعض الْوَرَثَة بِهِ فَفِي قَول أَصْحَابنَا يُؤْخَذ من حِصَّة الْمقر جَمِيع الدّين.
قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث: هُوَ الْقيَاس، لَكِن الِاخْتِيَار عِنْدِي أَن يُؤْخَذ مِنْهُ مَا يَخُصُّهُ من الدّين، وَهَذَا القَوْل أبعد من الضَّرَر.
وَذكره شمس الائمة الْحلْوانِي أَيْضا.
وَقَالَ مَشَايِخنَا هُنَا: زِيَادَة شئ لم
стр. 830
تشْتَرط فِي الْكتب، وَهُوَ أَن يقْضِي القَاضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ إِذْ بِمُجَرَّد الاقرار لَا يحل الدّين فِي نصِيبه، بل يحل بِقَضَاء القَاضِي، وَيظْهر ذَلِك بِمَسْأَلَة ذكرهَا فِي الزِّيَادَات، وَهِي أَن أحد الْوَرَثَة إِذا أقرّ بِالدّينِ ثمَّ شهد هُوَ وَرجل أَن الدّين كَانَ على الْمَيِّت فَإِنَّهَا تقبل وَتسمع شَهَادَة هَذَا الْمقر إِذا لم يقْض عَلَيْهِ القَاضِي بِإِقْرَارِهِ، فَلَو كَانَ الدّين يحل فِي نصِيبه بِمُجَرَّد إِقْرَاره لزم أَن لَا تقبل فِيهَا لما فِيهِ من الْغرم.
قَالَ صَاحب الزِّيَادَات: وَيَنْبَغِي أَن تحفظ هَذِه الزِّيَادَة فَإِن فِيهَا فَائِدَة عَظِيمَة.
كَذَا فِي الْعمادِيَّة.
لَكِن يشكل على هَذَا أَن إِقْرَار الانسان حجَّة فِي حق نَفسه وَالْقَضَاء فِيهِ مظهر لَا مُثبت كَمَا ذكرُوا، وَأَيْضًا فَإِن المَال يلْزمه بِمُجَرَّد الاقرار، وَالْقَضَاء إِنَّمَا يحْتَاج فِي الْبَيِّنَة، إِذْ لَا يتهم الْمَرْء فِيمَا أقرّ بِهِ على نَفسه، وَلِهَذَا لَو أقرّ بِمعين لانسان ثمَّ أقرّ بِهِ لآخر كَانَ للاول وَلَا شئ للثَّانِي، على أَنه يكون حِينَئِذٍ فِي عرضية أَن يقْضِي عَلَيْهِ فَلَزِمَ رد شَهَادَته، كَمَا ترد شَهَادَة أهل قَرْيَة وجد فِيهَا قَتِيل وَقد ادّعى وليه الْقَتْل على بَعضهم، فَلَو جعلُوا هَذَا الْفَرْع مخرجا على قَول الْفَقِيه لَكَانَ ظَاهرا لانه لم يدْفع بِهَذِهِ الشَّهَادَة مغرما عَن نَفسه، تَأمل.
قَوْلُهُ: (أَشْهَدَ عَلَى أَلْفٍ إلَخْ) نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخَانِيَّةِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ لَيْسَ مَا فِي الْمَتْنِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا.
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَلْزَمَهُ الْمَالَانِ إنْ أَشْهَدَ فِي الْمَجْلِسِ.
الثَّانِي: عَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَإِنْ أَشْهَدَ غَيْرَهُمَا كَانَ المَال وَاحِدًا، وأخراهما أَنَّهُ إنْ أَشْهَدَ عَلَى كُلِّ إقْرَارٍ شَاهِدَيْنِ يَلْزَمُهُ الْمَالَانِ جَمِيعًا، سَوَاءٌ أَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ الثَّانِي الاولين أَو غَيرهمَا اهـ.
فلزوم الْمَالَيْنِ إِن أشهد فِي مجْلِس آخَرَيْنِ لَيْسَ وَاحِدًا مِمَّا ذُكِرَ، وَنُقِلَ فِي الدُّرَرِ عَنْ الْإِمَامِ الْأُولَى، وَأَبْدَلَ الثَّانِيَةَ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَابَعَةً لَهُ، وَاعْتَرَضَهُ فِي الْعَزْمِيَّةِ بِمَا ذَكَرْنَا، وَأَنَّهُ ابْتِدَاعُ قَوْلٍ ثَالِثٍ غَيْرِ مُسْنَدٍ إلَى أَحَدٍ وَلَا مَسْطُورٍ فِي الْكُتُبِ.
تَأمل.
قَوْلُهُ: (فِي مَجْلِسٍ آخَرَ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَشْهَدَ أَوَّلًا وَاحِدًا وَثَانِيًا آخَرَ فِي مَوْطِنٍ أَوْ مَوْطِنَيْنِ فَالْمَالُ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ أَشْهَد عَلَى الْأَوَّلِ وَاحِدًا وَعَلَى الثَّانِي أَكْثَرَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَالْمَالُ وَاحِدٌ عِنْدَهُمَا، وَكَذَا عِنْده على الظَّاهِر.
منح.
قَوْله: (لزم المالان) اعْلَم أَنَّ تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِسَبَبٍ، أَوْ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا بِسَبَبٍ مُتَّحِدٍ فَيَلْزَمُ مَالٌ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ، أَوْ بِسَبَبٍ مُخْتَلِفٍ فَمَالَانِ مُطلقًا، وَإِن كَانَ مُطلقًا إِمَّا بصك أَو لَا، وَالْأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا بِصَكٍّ وَاحِدٍ فَالْمَالُ وَاحِدٌ مُطْلَقًا، أَوْ بِصَكَّيْنِ فَمَالَانِ مُطْلَقًا وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ يَلْزَمُ مَالَانِ عِنْدَهُ وَوَاحِدٌ عِنْدَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ فِي مَوْطِنَيْنِ فَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى الثَّانِي شُهُودَ الاول فمثال وَاحِدٌ عِنْدَهُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمَطْلُوبُ هُمَا مَالَانِ، وَإِنْ أَشْهَدَ غَيْرَهُمَا فَمَالَانِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْهُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَهُوَ إنْ اتَّحد الشُّهُود فمالان عِنْده، وَإِلَّا فواجد عِنْدَهُمَا.
وَأَمَّا عِنْدَهُ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِهِ مَالَانِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ مَالٌ وَاحِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ السَّرَخْسِيُّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيُّ: مَالَانِ، وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيّ: وَاحِد، وَإِلَيْهِ ذهب شيخ الاسلام اهـ.
مُلَخصا من التاترخانية.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنْ الشَّرْحِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنا مَا فِي الْمَتْنِ رِوَايَةٌ مَنْقُولَةٌ، وَأَنَّ اعْتِرَاضَ الغرمية عَلَى الدُّرَرِ مَرْدُودٌ حَيْثُ جَعَلَهُ قَوْلًا مُبْتَدَعًا غَيْرَ مَسْطُورٍ فِي الْكُتُبِ مُسْتَنِدًا إلَى أَنَّهُ فِي الْخَانِيَّةِ حَكَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ.
стр. 831
الْأُولَى: لُزُومُ مَالَيْنِ إنْ اتَّحَدَ الشُّهُودُ، وَإِلَّا فَمَال وَاحِد.
وَالثَّانيَِة: لُزُومُ مَالَيْنِ إنْ أَشْهَدَ عَلَى كُلِّ إقْرَارٍ شَاهِدين اتَّحد أَوْ لَا، وَقَدْ أَوْضَحَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فَرَاجعهَا، وَسَنذكر توضيحها قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فقد تحقق أَن كَلَام المُصَنّف هُنَا هُوَ مَا فِي الْخَانِية، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالف مَا فِيهَا كَمَا لَا يخفى على من نظر فِيهَا.
قَوْله: (أَلفَانِ) بدل كل من قَوْله المالان.
قَالَ فِي الاشباه: وَإِذا تعدد الاقرار بموضعين لزمَه الشيئان، إِلَّا بالاقرار بِالْقَتْلِ بِأَن قَالَ قتلت ابْن فلَان ثمَّ قَالَ قتلت ابْن فلَان، وَكَذَا فِي العَبْد فَهُوَ إِقْرَار بِوَاحِد، إِلَّا أَن يكون سمى اسْمَيْنِ مُخْتَلفين، وَكَذَا التَّزْوِيج والاقرار بالجراحة فَهُوَ ثَلَاث، وَلَا يشبه الاقرار بِالْمَالِ فِي موضِعين اهـ.
قَالَ فِي الدُّرَر: هَذَا عِنْد أبي حنيفَة، لَكِن بِشَرْط مُغَايرَة الشَّاهِدين الآخرين للاولين فِي رِوَايَة وَشرط عدم مغايرتهما لَهما فِي أُخْرَى، وَهَذَا بِنَاء على أَن الثَّانِي غير الاول، وَعِنْدَهُمَا: لَا يلْزمه إِلَّا ألف وَاحِدَة لدلَالَة الْعرف على أَن تكْرَار الاقرار لتأكيد الْحق بِالزِّيَادَةِ فِي الشُّهُود اهـ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ) وَلَوْ فِي مجْلِس وَاحِد.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: جَعَلَ الصِّفَةَ كَالسَّبَبِ حَيْثُ قَالَ: إنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ بِيضٍ ثُمَّ بِأَلْفٍ سُودٍ فَمَالَانِ، وَلَوْ ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ اخْتِلَافَ السَّبَبِ وَزَعَمَ الْمُقِرُّ اتِّحَادَهُ أَوْ الصَّكَّ أَوْ الْوَصْفَ فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ، وَلَوْ اتَّحَدَ السَّبَبُ وَالْمَالُ الثَّانِي أَكْثَرُ يَجِبُ الْمَالَانِ، وَعِنْدَهُمَا يَلْزَم الْأَكْثَرُ.
سَائِحَانِيٌّ.
قَوْله: (بِخِلَاف مَا لَو اتَّحَدَ السَّبَبُ) بِأَنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ثَمَنُ هَذَا الْعَبْدِ، ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَهُ كَذَلِكَ فِي ذَلِك الْمجْلس أَو فِي غَيره.
منح.
قَوْله: (أَو الشُّهُود) هَذَا على مَا ذَهَبَ إلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ كَمَا عَلِمْتَهُ مِمَّا مر وَيَأْتِي، لَكِن قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا لم يُوَافق أحد الْقَوْلَيْنِ السَّابِقين، فَإِن القَوْل الاول حَاصله أَن اتِّحَاد الشُّهُود يُوجب
التَّعَدُّد وَاخْتِلَافهمْ لَا يُوجِبهُ، وَالثَّانِي اعْتبر اخْتِلَاف المواطن، فَتَأمل اهـ.
أَقُول: لَا يخفى عَلَيْك أَن مَا مر من التَّفْصِيل يُؤَيّد كَلَام الشَّارِح وَأَنه الِاسْتِحْسَان بِأَنَّهُ مَال وَاحِد، فَتَأمل.
وَيُؤَيِّدهُ مَا يَأْتِي قَرِيبا.
قَوْله: ثمَّ عِنْد القَاضِي) إِنَّمَا كَانَ وَاحِدًا لانه أَرَادَ بِإِقْرَارِهِ عِنْده تثبيته على نَفسه خوف مَوته أَو جحوده، وَكَذَا لَو كَانَ كل عِنْد القَاضِي فِي مجلسين ط أَقُول: وَلَا تنس مَا قدمْنَاهُ عَن الْمجلة صُدُور الامر الشريف السلطاني بِالْعَمَلِ بِمُوجبِه، وفيهَا أَيْضا فِي مَادَّة ١١٦١، لَو كتب على نَفسه سندا وأمضاه أَو خَتمه على المرسوم الْمُتَعَارف كَمَا مر وَسلمهُ للدائن ثمَّ مَاتَ من عَلَيْهِ الدّين وَأنكر الْوَرَثَة الْخط وَالدّين: فَإِذا كَانَ خطه وختمه مشهورين ومعروفين بَين النَّاس يعْمل بِمُوجب السَّنَد، وَفِي مَادَّة ٢١٦١: لَو وجد عِنْد الْمَيِّت صرة نقود مَكْتُوب عَلَيْهَا بِخَط الْمَيِّت هَذِه أَمَانَة فلَان الْفُلَانِيّ ودراهمه من يَده تُؤْخَذ من التَّرِكَة وَلَا يحْتَاج لاثباتها إِذا كَانَ الْخط مَعْرُوفا بِأَنَّهُ خطه.
قَوْله: (أَو بعكسه) لانه يخبر عَمَّا لزمَه فِي مَجْلِسه.
قَوْله: (أَن الْمُعَرّف) كَمَا إِذا عين سَببا وَاحِدًا لِلْمَالِ فِي الاقرارين.
قَوْله: (أَو الْمُنكر) كَمَا إِذا أقرّ بِأَلف مُطلق عَن السَّبَب ثمَّ أقرّ بِأَلف ثمن هَذَا العَبْد.
قَوْله: (أَو مُنْكرا فَغَيره) كَمَا إِذا أقرّ بِأَلف ثمَّ بِأَلف أَو أقرّ بِأَلف ثمن عبد ثمَّ بِأَلف ثمن عبد، وَصُورَة إِعَادَة الْمُعَرّف مُنْكرا، مَا إِذا أقرّ بِأَلف ثمن هَذَا العَبْد ثمَّ أقرّ بِأَلف، وَالْمَسْأَلَة الاولى هِيَ
стр. 832
الخلافية، هَل يعْتَبر اتِّحَاد الشُّهُود أَو اتِّحَاد الموطن على الْقَوْلَيْنِ السَّابِقين، فكونه غيرا عِنْد التنكير على هَذَا التَّفْصِيل ط.
قَوْله: (وَلَو نسي الشُّهُود) أَي فِي صُورَة تعدد الاشهاد
قَوْله: (وَقيل وَاحِد) لَان المَال لَا يجب بِالشَّكِّ.
قَوْله: (وَتَمَامه فِي الْخَانِية) وَحَاصِله: أَن الصُّور أَربع: فِي اثْنَيْنِ يكون الثَّانِي عين الاول، وَفِي اثْنَيْنِ يكون غيرا، وَهَذَا كُله فِيمَا اتَّحد المالان أما إِذا اخْتلفَا قلَّة وَكَثْرَة فقد ذكره فِي الْمجمع والمنظومة.
وَعبارَة الْمجمع: وتعدد المشهد: أَي مَوضِع الاشهاد والشاهدين العدلين مُلْزم للمالين وَالزِّيَادَة بالاكثر إِن تَفَاوتا.
قَالَ شَارِحه: رجل أقرّ بِأَلف فِي مجْلِس وَأشْهد عَلَيْهِ شَاهِدين عَدْلَيْنِ، ثمَّ أقرّ فِي مجْلِس آخر
بِأَلف أَو أقل أَو أَكثر وَأشْهد عَدْلَيْنِ آخَرين.
قَالَ أَبُو حنيفَة: يلْزمه المالان، وَقَالا: يلْزمه مَال وَاحِد إِن تَسَاويا، وَإِن تَفَاوتا لزمَه أكثرهما، لَان الاقرار إِخْبَار بِالْحَقِّ الثَّابِت والاخبار قد يُكَرر فَيكون الثَّانِي عين الاول، فَصَارَ كَمَا لَو أقرّ بهما فِي مجْلِس وَاحِد أَو أشهد عدلا وَاحِدًا فِي الاول أَو فاسقين، وَله أَنَّهُمَا إقراران مُخْتَلِفَانِ، وَالْمَال قد يجب وقتا بعد وَقت، وَالظَّاهِر أَن الثَّانِي غير الاول، على أَن النكرَة إِذا كررت لم يكن الثَّانِي عين الاول، إِلَّا إِذا أُعِيدَت معرفَة كَقَوْلِه تَعَالَى: * (كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا) * (المزمل: ٥١ - ٦١) وَفِي الْكَافِي شرح الْمَنْظُومَة: من أقرّ على نَفسه لرجل بِمِائَة دِرْهَم مثلا فِي مَوضِع وَأشْهد شَاهِدين ثمَّ أقرّ وَأشْهد فِي مَوضِع آخر شَاهِدين على مائَة دِرْهَم أَو أقل أَو أَكثر فَعَلَيهِ المالان إِذا ادّعى الطَّالِب الْمَالَيْنِ، وَقَالا: عَلَيْهِ مَال وَاحِد، فَإِن تَفَاوتا فَعَلَيهِ أكثرهما، وَهَذَا إِذا لم يبين سَببا، فَإِن بَين السَّبَب متحدا بِأَن قَالَ فِي الْمَرَّتَيْنِ عَن هَذَا العَبْد يلْزمه مَال وَاحِد، وَإِن بَين سَببا مُخْتَلفا بِأَن قَالَ أَو لَا ثمن هَذَا العَبْد وَثَانِيا ثمن هَذِه الْجَارِيَة يلْزمه المالان، قيد: أَي صَاحب الْمجمع بِتَعَدُّد الاشهاد والمشهد، لانه إِذا اتَّحد أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا يلْزمه مَال وَاحِد اتِّفَاقًا، وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ ألف بل أَلفَانِ لزمَه أَلفَانِ.
وَقَالَ زفر: يلْزمه ثَلَاثَة اهـ.
وَالْحَاصِل: أَن هَذِه الْمَسْأَلَة على وُجُوه: لانه إِمَّا أَن يضيف إِقْرَاره إِلَى سَبَب أَو لَا.
والاول إِمَّا أَن يكون السَّبَب متحدا أَو مُخْتَلفا، فَإِن أضَاف إِلَى سَبَب وَاحِد بِأَن قَالَ لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم ثمن هَذَا العَبْد ثمَّ أقرّ بعد ذَلِك فِي ذَلِك الْمجْلس أَو مجْلِس آخر أَن لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم ثمن هَذَا العَبْد وَالْعَبْد وَاحِد لَا يلْزمه إِلَّا ألف وَاحِد على كل حَال فِي قَوْلهم جَمِيعًا، وَإِن كَانَ السَّبَب مُخْتَلفا بِأَن قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم ثمن هَذِه الْجَارِيَة ثمَّ قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم ثمن هَذَا العَبْد يلْزمه المالان فِي قَوْلهم أقرّ بذلك فِي موطن أَو موطنين.
وَالثَّانِي إِمَّا أَن يكْتب بِهِ صكا على نَفسه، فَإِن كَانَ الصَّك وَاحِدًا لزمَه مَال وَاحِد، وَإِن كَانَ كتب صكين وَأقر بِهَذَا ثمَّ بِهَذَا لزمَه المالان، وَنزل اخْتِلَافهمَا بِمَنْزِلَة اخْتِلَاف السَّبَب، وَإِن لم يكْتب صكا لكنه أقرّ مُطلقًا فَإِن تعدد الاقرار والاول عِنْد غير القَاضِي وَالثَّانِي عِنْده لزمَه مَال وَاحِد، وَكَذَا لَو كَانَ كل عِنْد القَاضِي لَكِن فِي مجلسين فَادّعى الطَّالِب مالين وَالْمَطْلُوب يَقُول إِنَّه وَاحِد فَالْقَوْل قَول الْمَطْلُوب، وَإِن تعدد الاقرار عِنْد غير القَاضِي: فَإِن أشهد على كل إِقْرَار فَردا فَالْمَال وَاحِد
عِنْد الْكل تعدد الْمجْلس أَو اخْتلف، وَإِن أشهد على الاول وَاحِدًا وَعلي الثَّانِي جمَاعَة فَالْمُعْتَمَد لُزُوم مَال
стр. 833
وَاحِد عِنْد الْجَمِيع، وَإِن أشهد على كل إِقْرَار شَاهِدين فَقَالَ الامام: يلْزمه مالان إِن لم يتَغَيَّر الشُّهُود، فَإِن تغيرُوا كَانَ المَال وَاحِدًا، فبعض الْمَشَايِخ قَالُوا: إِن كَانَ ذَلِك فِي موطنين وَأشْهد على إِقْرَاره شَاهِدين فَإِنَّهُ يلْزمه المالان جَمِيعًا، سَوَاء أشهد على قَالَ شمس الائمة الْحلْوانِي: كَذَا ذكره إِقْرَاره الثَّانِي الاولين أَو غَيرهمَا الْخصاف، وَالظَّاهِر أَن الْخلاف بَينهم فِيمَا إِذا كَانَ الاقراران فِي موطنين، أما إِذا كَانَ فِي موطن وَاحِد فَيكون المَال وَاحِدًا وَحَاصِله: أَن الصُّور الوفاقية والخلاقية ثَمَانِيَة: وَاحِدَة خلافية وَالْبَاقِي وفاقية، وَذَلِكَ لانه إِذا لم يبين السَّبَب وَاخْتلف الْمجْلس وَالشُّهُود لزم مالان عِنْده خلافًا لَهما، وَإِن اتَّحد الْمجْلس وَبِه صك فاللازم ألف وَاحِدَة اتِّفَاقًا، وَإِن كَانَ لَا صك فَفِي تَخْرِيج الْكَرْخِي أَلفَانِ، وَفِي تَخْرِيج الطَّحَاوِيّ ألف، وَإِن بَين السَّبَب: فَإِن كَانَ مُخْتَلفا فألفان، وَإِن متحدا فألف، وَكَذَا إِن اتَّحد الشُّهُود أَو اتَّحد الصَّك، وَإِن كَانَ صكان فَأشْهد عَلَيْهِمَا لزم مالان.
وَحَاصِل الصُّور الْعَقْلِيَّة اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ صُورَة، لانه لَا يَخْلُو: إِمَّا أَن لَا يبين السَّبَب، أَو يبين سَببا مُخْتَلفا أَو متحدا، فَهِيَ ثَلَاث، وَفِي كل: إِمَّا أَن يكون فِي مجْلِس أَو فِي مجلسين فَهِيَ سِتَّة، وَفِي كل: إِمَّا أَن تتحد الشُّهُود أَو تخْتَلف فَهِيَ اثْنَا عشر، وَفِي كل: إِمَّا أَن لَا يكون بِهِ صك أَو بِهِ صك وَاحِد أَو صكان فَهِيَ سِتَّة وَثَلَاثُونَ، وَفِي كل: إِمَّا أَن يتحدا المالان أَو يختلفا فَهِيَ اثْنَان وَسَبْعُونَ.
هَذِه خُلَاصَة مَا حَقَّقَهُ المحشون فِي هَذَا الْمحل فاغتنمه فَإِنَّهُ من فيض الْمُنعم الاجل.
قَوْلُهُ: (أَقَرَّ) أَيْ بِدَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا فِي شَتَّى الْفَرَائِض من الْكَنْز
قَوْله: (عِنْد الثَّانِي) وَعِنْدَهُمَا لَا يلْتَفت إِلَى قَوْله.
قَوْله: (وَبِه يُفْتى) وَهُوَ الْمُخْتَار.
بَزَّازِيَّة ظَاهره أَنَّ الْمُقِرَّ إذَا ادَّعَى الْإِقْرَارَ كَاذِبًا يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ أَوْ وَارِثُهُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مُضْطَرًّا إلَى الْكَذِبِ فِي الْإِقْرَارِ أَوْ لَا.
قَالَ شَيخنَا: وَلَيْسَ كَذَلِك لما سَيَأْتِي من مَسَائِلَ شَتَّى قُبَيْلَ كِتَابِ الصُّلْحِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي صَكٍّ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ ثمَّ ادّعى أَن بعض الْمَالِ الْمُقَرِّ بِهِ قَرْضٌ وَبَعْضَهُ رِبًا إلَخْ حَيْثُ نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ مَا
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُفْتَى بِقَوْلِ أبي يُوسُف، من أَنه يحلف الْمقر لَهُ أَنَّ الْمُقِرَّ مَا أَقَرَّ كَاذِبًا فِي كل صُورَةٍ يُوجَدُ فِيهَا اضْطِرَارُ الْمُقِرِّ إلَى الْكَذِبِ فِي الاقرار، أَبُو السُّعُود.
وَفِيه: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا، لِأَنَّ الْعِبَارَةَ هُنَاكَ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ، فَقَوْلُهُ وَنَحْوِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ، كُلَّ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ مُطْلَقًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَبِهِ جزم المُصَنّف، فَرَاجعه اهـ.
أَقُول: وَقدمنَا شَيْئا مِنْهُ فِي شَتَّى الْقَضَاء وَسَيَأْتِي فِي شَتَّى الاقرار.
قَوْله: (دُرَر) نَصهَا: وَهُوَ اسْتِحْسَان، وَوَجهه أَن الْعَادة جرت بَين النَّاس أَنهم إِذا أَرَادوا الِاسْتِدَانَة يَكْتُبُونَ الصَّك قبل الاخذ ثمَّ يَأْخُذُونَ المَال، فَلَا يكون الاقرار دَلِيلا على اعْتِبَار هَذِه الْحَالة فَيحلف، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى لتغير أَحْوَال النَّاس، وَكَثْرَة الخداع والخيانات، وَهُوَ يتَضَرَّر وَالْمُدَّعِي لَا يضرّهُ الْيَمين إِن كَانَ صَادِقا فيصار إِلَيْهِ، وَعِنْدَهُمَا يُؤمر بِتَسْلِيم الْمقر بِهِ إِلَى الْمقر لَهُ، وَهُوَ الْقيَاس، لَان الاقرار حجَّة ملزمة شرعا كالبينة بل أولى لَان احْتِمَال الْكَذِب فِيهِ أبعد اهـ.
وَقَيده فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة بِأَنَّهُ لم يصر مَحْكُومًا عَلَيْهِ بالاقرار.
فَإِن صَار مَحْكُومًا عَلَيْهِ بالاقرار لَا يحلف كَمَا هُوَ صَرِيح كَلَام الْبَزَّازِيَّة.
стр. 834
قَالَ فِي الْمنح: كَمَا فِي كثير من الْمُعْتَبرَات، وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد: لَا يلْتَفت إِلَى قَوْله.
قَالَ فِي الْخَانِية بعد ذكر الْخلاف فِي كتاب الاقرار: فَإِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة خلاف أبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ يُفَوض ذَلِك إِلَى رأى القَاضِي والمفتى.
ذكره فِي كتاب الدَّعْوَى فِي بَاب الْيَمين.
قَوْله: (فَيحلف) أَي الْمقر لَهُ أَنه لم يكن الْمُورث كَاذِبًا فِيمَا أقرّ وَبَعْضهمْ على إنَّهُ لَا يَحْلِفُ.
بَزَّازِيَّةٌ.
وَالْأَصَحُّ التَّحْلِيفُ.
حَامِدِيَّةٌ عَن صدر الشَّرِيعَة.
قَوْله: (وَإِن كَانَت الدَّعْوَى) أَي من الْمقر أَو من وَارثه.
قَوْله: (أَنا لَا نعلم) بدل مِمَّا قبله.
قَوْله: (إِنَّه كَانَ كَاذِبًا) إِذا لم يكن إِبْرَاء عَام، فَلَوْ كَانَ لَا تُسْمَعُ، لَكِنْ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ نجيم رِسَالَة أفتى فِيهَا بسماعها حاصلها: لَو أقرَّت امْرَأَة فِي صِحَّتهَا لبنتها بمبلغ معِين ثمَّ وَقع بَينهمَا إِبْرَاء عَامٌّ ثُمَّ مَاتَتْ فَادَّعَى الْوَصِيُّ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ تسمع دَعْوَاهُ، وَله تَحْلِيف الْبِنْت، وَلَا يَصح الْحُكْمِ قَبْلَ التَّحْلِيفِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِخِلَافِ الْمُفْتَى بِهِ، لَان الْإِبْرَاءَ هُنَا لَا يُمْنَعُ، لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَدَّعِي عدم لُزُوم شئ، بِخِلَافِ مَا إذَا
دَفَعَ الْمُقِرُّ الْمَالَ الْمُقَرَّ بِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي اسْتِرْجَاعَ الْمَالِ والبراءة مَانِعَة من ذَلِك.
أما الاولى: فَإِنَّهُ لم يدع استرجاع شئ وَإِنَّمَا يدْفع عَن نَفسه فَافْتَرقَا، وَالله تَعَالَى أعلم.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَقَرَّ فَمَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ إنَّهُ أَقَرَّ كَاذِبًا فَلَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ وَالْمُقَرُّ لَهُ عَالِمٌ بِهِ لَيْسَ لَهُمْ تَحْلِيفُهُ، إذْ وَقْتَ الْإِقْرَارِ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُمْ بِمَالِ الْمُقِرِّ فَصَحَّ الْإِقْرَارُ، وَحَيْثُ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ صَارَ حَقًّا لِلْمُقَرِّ لَهُ ص.
أَقَرَّ وَمَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ إِنَّه أقرّ تلجئة يحلف لَهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ أَقَرَّ لَك إقْرَارًا صَحِيحًا ط.
وَارِثٌ ادَّعَى أَنَّ مُوَرِّثَهُ أَقَرَّ تَلْجِئَةً: قَالَ بَعْضُهُمْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقَرَّ كَاذِبًا لَا يُقْبَلُ.
قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ: يَقُولُ الْحَقِيرُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّحِدَ حُكْمُ الْمَسْأَلَتَيْنِ ظَاهِرًا إذْ الْإِقْرَارُ كَاذِبًا مَوْجُودٌ فِي التَّلْجِئَةِ أَيْضًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ التَّلْجِئَةَ أَنْ يُظْهِرَ أَحَدُ شَخْصَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا فِي الْعَلَنِ خِلَافَ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ، فَفِي دَعْوَى التَّلْجِئَةِ يَدَّعِي الْوَارِثُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ فِعْلًا لَهُ، وَهُوَ تَوَاضُعُهُ مَعَ الْمُقِرِّ فِي السِّرِّ فَلِذَا يَحْلِفُ، بِخِلَافِ دَعْوَى الْإِقْرَارِ كَاذِبًا كَمَا لَا يخفى على من أُوتِيَ فهما صافيا اهـ.
من أَوَاخِر الْفَصْل الْخَامِس عشر، وَالله تَعَالَى أعلم وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم.
بَاب الِاسْتِثْنَاء
لما ذكر الاقرار بِلَا تَغْيِير شرع فِي بَيَان مُوجبه مَعَ التَّغْيِير بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشّرط وَنَحْوه، وَهُوَ استفعال من الثني، وَهُوَ لُغَة: الصّرْف وَالرَّدّ، فالاستثناء صرف الْقَائِل: أَي رده عَن الْمُسْتَثْنى فَيكون حَقِيقَة فِي الْمُتَّصِل والمنفصل، لَان إِلَّا هِيَ الَّتِي عدت الْفِعْل إِلَى الِاسْم حَتَّى نصبته فَكَانَت بِمَنْزِلَة الْهمزَة فِي التَّعْدِيَة، والهمزة تعدِي الْفِعْل إِلَى الْجِنْس وَغير الْجِنْس حَقِيقَة وفَاقا، فَكَذَا مَا هُوَ بمنزلتها.
حموي.
وَاصْطِلَاحا: مَا ذكره الشَّارِح وَهُوَ مُتَّصِل وَهُوَ الاخراج، والتكلم بِالْبَاقِي ومنفصل وَهُوَ مَا لَا يَصح إِخْرَاجه كَمَا فِي الْعِنَايَة.
قَوْله: (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أَي مثل التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله، وَكَقَوْلِه لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم وَدِيعَة كَمَا هُوَ مُقَرر فِي كَلَامهم.
فتال.
قَوْله: (كالشرط نَحوه) أَي فِي كَونه مغيرا كالشرط وَهُوَ
стр. 835
الصّفة وَالْحَال، وَاعْترض قَاضِي زَاده على من قَالَ: وَهُوَ الشَّرْط بِأَنَّهُ يَقْتَضِي حصر مَا فِي مَعْنَاهُ فِي
الشَّرْط فَلَا يدْخل أَكثر مَا فِي هَذَا الْبَاب، فالاولى مَا فِي شرح تَاج الشَّرِيعَة والكفاية من قَوْله: كالشرط وَغَيره كَمَا عبر الشَّارِح، فَلَا غُبَار على عبارَة الشَّارِح حَيْثُ قَالَ وَنَحْوه، لانها بَيَان لما فِي قَول المُصَنّف وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ قد صرح بهَا بِمَا علم التزاما من كَاف التَّمْثِيل الْمشعر عَن الْكَثْرَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور بَين الْجُمْهُور، وَهَذَا الْجمع بَينهمَا قد وَقع من صَاحب الْمِفْتَاح فِي مَوَاضِع وَالْمرَاد بِنَحْوِ الشَّرْط مَا ذكرنَا، وَمَا سيجئ من إِقْرَاره بدين ثمن عبد غير عين وإنكاره قَبضه وَإِقْرَاره بِثمن مَتَاع وَبَيَانه بِأَنَّهُ زيوف وَنَحْوهمَا فَظهر أَن من فسر قَوْله وَمَا بِمَعْنَاهُ بقوله وَهُوَ الشَّرْط لم يصب لانه يُوهم الْحصْر كَمَا لَا يخفى.
قَوْله: (هُوَ عندنَا تكلم بِالْبَاقِي) أَي معنى لَا صُورَة.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الثُّنْيَا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَفِي آخِرِهِ ألف مَقْصُورَة اسْم من الِاسْتِثْنَاء، وَكَذَلِكَ الثنوي بِالْفَتْح مَعَ الْوَاو وَفِي الحَدِيث من اسْتثْنى فَلهُ ثنياه.
أَي مَا اسْتَثْنَاهُ وَالْمرَاد بعد الثنيا: أَي بعد الْمُسْتَثْنى، فَيكون الِاسْتِثْنَاء عندنَا لبَيَان أَن الصَّدْر لم يتَنَاوَل الْمُسْتَثْنى، وَعند الشَّافِعِي إِخْرَاج بطرِيق الْمُعَارضَة.
قَالَ فِي شرح الْمنَار لِابْنِ ملك: فَصَارَ تَقْدِير قَول الرجل لفُلَان عَليّ ألف إِلَّا مائَة عندنَا لفُلَان عَليّ تِسْعمائَة، وَإنَّهُ لم يتَكَلَّم بالالف فِي حق لُزُوم الْمِائَة، وَعند الشَّافِعِي إِلَّا مائَة فَإِنَّهَا لَيست عَليّ فَإِن صدر الْكَلَام يُوجِبهُ وَالِاسْتِثْنَاء يَنْفِيه فتعارضا فتساقطا بِقدر الْمُسْتَثْنى اهـ.
وَاسْتشْكل الزَّيْلَعِيّ مَذْهَب الشَّافِعِي بِوُقُوعِهِ فِي الطَّلَاق وَالْعتاق، فَلَو كَانَ إخراجا بطرِيق الْمُعَارضَة لما صَحَّ، لَان الطَّلَاق وَالْعتاق لَا يحتملان، وَالرَّفْع بعد الْوُقُوع.
قَالَ: وَتظهر ثَمَرَة الْخلاف فِيمَا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا مائَة أَو خمسين فعندنا يلْزمه تِسْعمائَة، لانه لما كَانَ تكلما بِالْبَاقِي وَكَانَ مَانِعا من الدُّخُول شككنا فِي الْمُتَكَلّم بِهِ، والاصل بَرَاءَة الذمم فَلَا يلْزمه الزَّائِد بِالشَّكِّ، فَصَارَ نَظِير مَا لَو قَالَ عَليّ تِسْعمائَة أَو تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ فَإِنَّهُ يلْزمه الاقل، وَعِنْده: لما دخل الالف كُله صَار فِي الْمخْرج شكّ، فَيخرج الاقل وَهُوَ خَمْسُونَ وَالْبَاقِي على حَاله انْتهى.
لَكِن قَول الزَّيْلَعِيّ: فعندما يلْزمه تِسْعمائَة خلاف الاصح.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَإِذَا اسْتَثْنَى عَدَدَيْنِ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الشَّكِّ كَانَ الاقل مخرجا بحوله على ألف دِرْهَم إِلَّا مائَة أَو خمسين لزمَه تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ على الاصح انْتهى.
كَذَا فِي حَاشِيَة أبي السُّعُود على مِسْكين.
أَقُول: لَكِن نقل الْمَقْدِسِي عَن متفرقات وَصَايَا الْكَافِي: أَن الْقَائِل بِأَن الْمُسْتَثْنى خَمْسُونَ الْعَامَّة، وَقَالَ مُحَمَّد: إِنَّه مائَة.
وَذكر فِي الظَّهِيرِيَّة والولوالجية أَن قَول مُحَمَّد رِوَايَة أبي حَفْص، وَتلك رِوَايَة سُلَيْمَان، وَفِي الدِّرَايَة صححها، وَصحح قاضيخان فِي شرح الزِّيَادَات رِوَايَة أبي حَفْص وَقَالَ: وَهُوَ الْمُوَافق لقواعد الْمَذْهَب، وَسَيَأْتِي للفرع تَتِمَّة.
قَوْله: (بِاعْتِبَار الْحَاصِل من مَجْمُوع التَّرْكِيب) هَذَا كالتأكيد لما قبله، فَإِن التَّكَلُّم بِالْبَاقِي بعد الثنيا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِالنّظرِ لما بعد إِلَّا وَمَا قبلهَا، فالمتحصل من مَجْمُوع لَهُ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة لَهُ عَليّ سَبْعَة.
قَالَ فِي الْبَحْر: لَا حكم فِيمَا بعد إِلَّا بل مسكوت عَنهُ عِنْد عدم الْقَصْد كَمَسْأَلَة الاقرار فِي قَول لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة لفهم أَن الْغَرَض الاثبات فَقَط، فنفي الثَّلَاثَة إِشَارَة لَا عبارَة، وَإِثْبَات السَّبْعَة عَكسه، وَعند الْقَصْد يثبت لما بعْدهَا نقيض مَا قبلهَا ككلمة التَّوْحِيد نفي وَإِثْبَات قصدا فالاستثناء تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ مِنْ مَجْمُوع التَّرْكِيب، وَنفي وَإِثْبَات بِاعْتِبَار الاجزاء اهـ.
فالباقي
стр. 836
والثنيا هما عين النَّفْي والاثبات، فَلَو صدر بِالنَّفْيِ لم يكن مقرا بشئ كَمَا لَو قَالَ لَيْسَ لَهُ عَليّ سَبْعَة كَمَا فِي التَّنْقِيح.
قَالَ: فَأصل هَذَا يُفِيد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله لَا يُفِيد التَّوْحِيد مَعَ أَنهم أَجمعُوا على الافادة.
الْجَواب، أَن إلهنا مُتَّفق على وُجُوبه ثمَّ قُلْنَا بِنَفْي غَيره، وَقد أَفَادَهُ هَذَا التَّرْكِيب وَبِهَذَا الِاعْتِبَار أَفَادَ التَّوْحِيد.
قَوْله: (باعبتار الاجزاء) أَي اللفظية فصدر الْجُمْلَة الاستثنائية نفي وعجزها إِثْبَات أَو بِالْعَكْسِ ط.
قَوْله: (فالقائل لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة) أَي فالمقر بسبعة.
قَوْله: (لَهُ عبارتان)
قَوْله: (وَهَذَا) الظَّاهِر أَنه رَاجع إِلَى قَول المُصَنّف هُوَ تكلم بِالْبَاقِي الخ وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ حِينَئِذٍ: أَي إِلَى.
قَوْله بِاعْتِبَار الْحَاصِل من مَجْمُوع التَّرْكِيب ط.
أَقُول: هَذَا إِشَارَة إِلَى مَا ذكره الاصوليون فِي الِاسْتِثْنَاء.
قَالَ فِي التَّنْقِيح وَشَرحه: وَاخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة عمل بَيَان التَّغْيِير، فَفِي قَوْله: لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة لَا يَخْلُو، أما إِن أطلق الْعشْرَة على السَّبْعَة فَحِينَئِذٍ قَوْله إِلَّا ثَلَاثَة يكون بَيَانا لهَذَا، فَهُوَ كَأَن قَالَ لَيْسَ عَليّ ثَلَاثَة مِنْهَا، فَيكون كالتخصيص بالمستقل، أَو أطلق الْعشْرَة على عشرَة أَفْرَاد ثمَّ أخرج لَهُ ثَلَاثَة بِحكم، وَهَذَا تنَاقض وَإِن كَانَ بعد الاقرار وَلَا أَظُنهُ مَذْهَب أحد أَو قبله، ثمَّ حكم على الْبَاقِي أَو أطلق
عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة على السَّبْعَة فَكَأَنَّهُ قَالَ عَليّ سَبْعَة، فَحصل ثَلَاثَة مَذَاهِب، فعلى هذَيْن: أَي المذهبين الآخرين يكون الِاسْتِثْنَاء تكلما بِالْبَاقِي فِي صدر الْكَلَام بعد الثنيا: أَي الْمُسْتَثْنى، فَفِي قَوْله لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة صدر الْكَلَام عشرَة والثنيا ثَلَاثَة، وَالْبَاقِي فِي صدر الْكَلَام بعد الْمُسْتَثْنى سَبْعَة فَكَأَنَّهُ تكلم بالسبعة وَقَالَ لَهُ عَليّ سَبْعَة، وَإِنَّمَا قُلْنَا على الآخرين تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا، أما على الْمَذْهَب الآخير فلَان عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة مَوْضُوعَة للسبعة فَيكون تكلما بالسبعة، وَأما على الْمَذْهَب الثَّانِي فُلَانُهُ أخرج الثَّلَاثَة قبل الحكم من إِفْرَاد الْعشْرَة ثمَّ حكم على السَّبْعَة، فالتكلم فِي حق الحكم يكون بالسبعة: أَي يكون الحكم على السَّبْعَة فَقَط لَا على الثَّلَاثَة لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بالاثبات اهـ.
فرع: لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا سَبْعَة إِلَّا خَمْسَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا درهما، فطريقه أَن يخرج الاخير وَهُوَ الدِّرْهَم مِمَّا يَلِيهِ يبْقى دِرْهَمَانِ، ثمَّ تخرجهما مِمَّا بَينهمَا وَهُوَ الْخَمْسَة يبْقى ثَلَاثَة فأخرجها من السَّبْعَة يبْقى أَرْبَعَة فأخرجها من الْعشْرَة يبْقى سِتَّة.
سائحاني.
قَوْله: (وَشرط فِيهِ) أَي فِي اعْتِبَاره شرعا.
قَوْله: (الِاتِّصَال بالمستثنى مِنْهُ) لَان تَمام الْكَلَام بِآخِرهِ، وَإِذا انْقَطع فقد تمّ.
عَيْني.
وَنقل عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا جَوَاز التَّأْخِير.
دُرَر.
قَالَ أَبُو السُّعُود فِي حَاشِيَته عَليّ مِسْكين عِنْد قَوْله وَكَذَا إِن كَانَ مَفْصُولًا: بَطل الِاسْتِثْنَاء خلافًا لِابْنِ عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا اسْتدلَّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: وَالله لاغزون قُريْشًا، ثمَّ قَالَ بعد سنة: إِن شَاءَ الله قُلْنَا: هُوَ مغير والمغير لَا يَصح إِلَّا مُتَّصِلا كالشرط، واستثناء النَّبِي ﵊ كَانَ لامتثال أمره تَعَالَى بِقدر الامكان فَلَا يمْنَع الِانْعِقَاد.
زَيْلَعِيّ.
وَقَوله لامتثال أمره تَعَالَى يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: * () * (الْكَهْف: ٣٢ - ٤٢) .
قَوْله: (لانه للتّنْبِيه) أَي تَنْبِيه الْمُنَادِي لما يلقى إِلَيْهِ من الْكَلَام.
قَوْله: (والتأكيد) بِتَعْيِين الْمقر لَهُ فَصَارَ من الاقرار، لِأَنَّ الْمُنَادَى هُوَ الْمُخَاطَبُ، وَمُفَادُهُ لَوْ كَانَ
стр. 837
الْمُنَادِي غير الْمقر لَهُ يضر.
نَقله الْحَمَوِيّ عَنْ الْجَوْهَرَةِ.
وَلَمْ أَرَهُ فِيهَا.
لَكِنْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَا فُلَانُ إلَّا عَشَرَةً كَانَ جَائِزًا، لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْإِخْبَارِ لِشَخْصٍ خَاصٍّ، وَهَذَا صيغته فَلَا يعد فاصلا اهـ.
تَأمل.
قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: لِأَنَّ النِّدَاءَ لِتَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِتَأْكِيدِ الْخِطَابِ وَالْإِقْرَارِ، فَصَارَ مِنْ
الْإِقْرَارِ اهـ.
ثمَّ اعْلَم أَن الملائم للاقرار لَا يمْنَع الاتصاف وَغير الملائم يمنعهُ، فَمن قبيل الاول التنفس والسعال وَأخذ الْفَم وَنَحْوهَا فَإِنَّهَا لَا تفصل الِاسْتِثْنَاء، وَكَذَا النداء سَوَاء كَانَ مُفردا نَحْو يَا فلَان أَو مُضَافا نَحْو يَا ابْن فلَان، سَوَاء كَانَ المنادى مقرا لَهُ أَو غَيره نَحْو لَك عَليّ مائَة دِرْهَم يَا فلَان أَو يَا ابْن فلَان إِلَّا عشرَة، وَنَحْو قَوْلك لزيد عَليّ مائَة دِرْهَم يَا عَمْرو إِلَّا عشرَة من قبيل الثَّانِي مَا لَو هلل أَو سبح أَو كبر أَو قَالَ فَاشْهَدُوا، فَإِن كلا مِنْهَا جعل فاصلا كَمَا فِي الْغَايَة والظهيرية، وَبَاقِي التَّفْصِيل فِي تنوير تَلْخِيص الْجَامِع الْكَبِير فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء يكون على الْجمع.
قَوْله: (وَلَو الاكثر عِنْد الاكثر) أَي وَلَو أَكثر من النّصْف عِنْد أَكثر النُّحَاة.
قَالَ الْفراء: اسْتثِْنَاء الاكثر لَا يجوز لَان الْعَرَب لم تَتَكَلَّم بِهِ، وَالدَّلِيل على جَوَازه قَوْله تَعَالَى: * () * (المزمل: ٢ - ٣ - ٤) وَقَوله تَعَالَى: * ((١٥) إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين) * (الْحجر: ٢٤) فاستثنى المخلصين تَارَة والغاوين أُخْرَى، فَأَيّهمَا كَانَ أَكثر لزمَه وَلَا تمنع صِحَّته وَإِن لم تَتَكَلَّم بِهِ الْعَرَب إِذا كَانَ مُوَافقا لطريقهم كاستثناء الكسور لم تَتَكَلَّم بِهِ الْعَرَب، وَهُوَ صَحِيح لَكِن يدل على تكلم الْعَرَب بِهِ وردوه فِي الْقُرْآن كَمَا سَمِعت النَّص الْكَرِيم.
وَقَالَ الشَّاعِر: أَدّوا الَّتِي نقصت تسعين من مائَة ثمَّ ابْعَثُوا حكما بِالْعَدْلِ حكام اسْتثْنى تسعين من مائَة وَإِن لم يكن بأداته لانه فِي مَعْنَاهُ.
وَقَالَ صَاحب النِّهَايَة: وَلَا فرق بَين اسْتثِْنَاء الاقل والاكثر وَإِن لم تَتَكَلَّم بِهِ الْعَرَب، وَلَا يمْنَع صِحَّته إِذا كَانَ مُوَافقا لطريقهم.
وَعَن أبي يُوسُف وَهُوَ قَول مَالك وَالْفراء: لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء إِلَّا إِذا كَانَ الْبَاقِي أَكثر كَمَا فِي مِسْكين.
قَوْله: (وَالِاسْتِثْنَاء الْمُسْتَغْرق بَاطِل وَلَو فِيمَا يقبل الرُّجُوع) قَالَ فِي الْمنح: لما تقرر من أَنه تكلم بالحاصل بعد الثنيا، وَلَا حَاصِل بعد الْكل فَيكون رُجُوعا.
وَالرُّجُوع عَن الاقرار بَاطِل مَوْصُولا كَانَ أَو مَفْصُولًا.
كَذَا فِي الْعِنَايَة وَغَيرهَا، لَكِن مُقْتَضى هَذَا الْكَلَام صِحَة اسْتثِْنَاء الْكل من الْكل فِيمَا يقبل الرُّجُوع، وَلَيْسَ كَذَلِك وَمن ثمَّ قلت: وَلَو فِيمَا يقبل الرُّجُوع كوصية.
قَالَ فِي الْجَوْهَرَة: وَاخْتلفُوا فِي اسْتثِْنَاء الْكل، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ رُجُوع لانه يبطل كل الْكَلَام، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ اسْتثِْنَاء فَاسد وَلَيْسَ بِرُجُوع
стр. 838
وَهُوَ الصَّحِيح، لانهم قَالُوا فِي الْمُوصي: إِذا اسْتثْنى جَمِيع الْمُوصى بِهِ بَطل الِاسْتِثْنَاء وَالْوَصِيَّة صَحِيحَة، وَلَو كَانَ رُجُوعا لبطلت الْوَصِيَّة لَان الرُّجُوع فِيهَا جَائِز اهـ.
قَوْله: (هُوَ الصَّحِيح) على خلاف مَا فِي الدُّرَر حَيْثُ قَالَ: لانك قد عرفت أَنه تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا، وَلَا بَاقِي بعد الْكل فَيكون رُجُوعا وَالرُّجُوع بعد الاقرار بَاطِل مَوْصُولا كَانَ أَو مَفْصُولًا.
قَوْله: (بِعَين لفظ الصَّدْر) كنسائي طَوَالِق إِلَّا نسَائِي وكعبيدي أَحْرَار إِلَّا عَبِيدِي.
قَوْله: (أَو مساويه) نَحْو نسَائِي طَوَالِق إِلَّا زوجاتي أَو عَبِيدِي أَحْرَار إِلَّا مماليكي.
قَالَ فِي الْمنح نقلا عَن الْعِنَايَة معزيا إِلَى الزِّيَادَات: اسْتثِْنَاء الْكل من الْكل إِنَّمَا لَا يَصح إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء بِعَين ذَلِك اللَّفْظ، أما إِذا كَانَ بِغَيْر ذَلِك فَيصح كَمَا إِذا قَالَ نسَائِي طَوَالِق إِلَّا نسَائِي لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء، وَلَو قَالَ إِلَّا عمْرَة وَزَيْنَب وسعاد حَتَّى أَتَى على الْكل صَحَّ.
قيل وَتَحْقِيق ذَلِك إِن الِاسْتِثْنَاء إِذا وَقع بِغَيْر اللَّفْظ الاول أمكن جعله تكلما بالحاصل بعد الثنيا، لانه إِنَّمَا صَار كلا ضَرُورَة عدم ملكه فِيمَا سواهُ لَا لامر يرجع إِلَى اللَّفْظ الاول، فبالنظر إِلَى ذَات اللَّفْظ أمكن أَن يَجْعَل الْمُسْتَثْنى بعض مَا تنَاوله الصَّدْر والامتناع من خَارج، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ بِعَين ذَلِك اللَّفْظ، فَإِنَّهُ لم يُمكن جعله تكلما بالحاصل بعد الثنيا، فَإِن قيل: هَذَا مرجع جَانب اللَّفْظ على الْمَعْنى وإهمال الْمَعْنى رَأْسا فَمَا وَجه ذَلِك؟ أُجِيب بِأَن الِاسْتِثْنَاء تصرف لَفْظِي: أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ أَنْت طَالِق سِتّ تَطْلِيقَات إِلَّا أَرْبعا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء وَوَقع تَطْلِيقَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ السِّتُّ لَا صِحَّةَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاث وَمَعَ هَذَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا أَرْبعا فَكَانَ اعْتِبَاره أولى انْتهى.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ بِغَيْرِهِمَا) بِأَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْهُ فِي الْمَفْهُوم، لَكِن فِي الْوُجُود يُسَاوِيه.
قَوْله: (إِذْ الشَّرْط إِيهَام الْبَقَاءِ) أَيْ بِحَسَبِ صُورَةِ اللَّفْظِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تصرف لَفْظِي فَلَا يضر إهمال الْمَعْنى، أَفَادَهُ المُصَنّف.
قَوْله: (وَوَقع ثِنْتَانِ) وَإِن كَانَ السِّتَّة لَا صِحَّةَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَمَعَ هَذَا لَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا أَرْبعا، فَكَانَ اعْتِبَار اللَّفْظ أولى كَمَا فِي الْعِنَايَة وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن الِاسْتِثْنَاء من جملَة الْكَلَام السَّابِق، لَا من جملَة الْكَلَام الَّذِي يحكم بِصِحَّتِهِ، فَإِن الْكَلَام السَّابِق سِتّ
والاربع بعضه فَلم يكن مُسْتَغْرقا، وَلَو جَعَلْنَاهُ اسْتثِْنَاء من الْكَلَام الَّذِي يحكم بِصِحَّتِهِ لَكَانَ مُسْتَغْرقا فَيبْطل الْكَلَام الَّذِي يحكم بِصِحَّتِهِ لَو طَلقهَا سِتا فَثَلَاث لانه غَايَة الطَّلَاق والاربع تزيد عَلَيْهَا.
وَالشَّارِح جعله غَايَة لكَونه شَرط الِاسْتِثْنَاء أَن يكون بِلَفْظ الصَّدْر أَو مساويه، والاربعة لَيست بِلَفْظ السِّت وَلَا مُسَاوِيَة لَهَا بل بَعْضهَا فصح اسْتِثْنَاؤُهُ، لَان الثِّنْتَيْنِ لَهَا عبارتان كَمَا ذكره الشَّارِح، والست إِلَّا أَربع هِيَ الْعبارَة المطولة، فاشتراط كَون الِاسْتِثْنَاء من جملَة الْكَلَام السَّابِق مَبْنِيّ على هَذَا.
قَوْله: (كَمَا صَحَّ اسْتثِْنَاء الكيلي) فَصله عَمَّا قبله الان بَيَانٌ لِلِاسْتِثْنَاءِ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ، فَإِنْ مُقَدَّرًا مِنْ مُقَدَّرٍ صَحَّ عِنْدَهُمَا اسْتِحْسَانًا وَتُطْرَحُ قِيمَةُ الْمُسْتَثْنَى مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، وَإِنْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ مِنْ مُقَدَّرٍ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا قِيَاسًا واستحسانا، خلافًا للشَّافِعِيّ نَحْو مائَة دِرْهَم إِلَّا ثوبا، لَكِن حَيْثُ
стр. 839
لَمْ يَصِحَّ هُنَا الِاسْتِثْنَاءُ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ، وَلَا يَمْتَنِعُ بِهِ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ جَهَالَةَ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى تَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ.
ذكره فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَن قَاضِي زَاده.
قَالَ الْعَيْنِيّ: وَخرج بِمَا ذكر القيمي كَمَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ مائَة دِرْهَم إِلَّا ثوبا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يَصح من حَيْثُ إنَّهُمَا متحدا الْمَالِيَّة، وَبِه قَالَ ملك.
قَوْله: (وَيكون الْمُسْتَثْنى الْقيمَة) مِثَاله أَن يَقُول: لَهُ عَليّ عشرَة قروش إِلَّا أردب قَمح يَصح ذَلِك، وَيكون بِالْقيمَةِ وَإِن استغرقت الْقيمَة الْمُسْتَثْنى مِنْهُ يَصح كَمَا فِي الْبَحْر.
قَوْله: (اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاس أَن لَا يَصح هَذَا الِاسْتِثْنَاء كَمَا تقدم، لَان الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج بعض مَا يتَنَاوَلهُ صدر الْكَلَام على معنى أَنه لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء لَكَانَ دَاخِلا تَحت الصَّدْر، وَهَذَا لَا يتَصَوَّر فِي خلاف الْجِنْس، لَكِن أَبَا حنيفَة وَأَبا يُوسُف صَحَّحَاهُ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الدُّرَر.
قَوْله: (لثبوتها) أَي هَذِه الْمَذْكُورَات فِي الذِّمَّة، لانها مقدرات وَهِي جنس وَاحِد معنى وَإِن كَانَت أجناسا صُورَة، لانها تثبت فِي الذِّمَّة ثمنا، أما الدِّينَار وَالدِّرْهَم إِذا استثنيا فَظَاهر، وَكَذَا غَيرهمَا من المكيلات والموزونات، لَان الكيلي والوزني مَبِيع بأعيانهما ثمن بأوصافهما، حَتَّى لَو عينا تعلق العقد بأعيانهما، وَلَو وَصفا وَلم يعينا صَار حكمهمَا كَحكم التَّمْيِيز، فَكَانَت فِي حكم الثُّبُوت فِي الذِّمَّة كجنس وَاحِد معنى، فالاستثناء فِيهَا تكلم بِالْبَاقِي معنى لَا صُورَة، كَأَنَّهُ قَالَ ثَبت لَك فِي ذِمَّتِي كَذَا إِلَّا كَذَا: إِي إِلَّا قيمَة كَذَا، وَلَو اسْتثْنى
غير المقدرات من المقدرات لَا يَصح قِيَاسا واستحسانا كَمَا قدمْنَاهُ، لَان مَالِيَّته غير مَعْلُومَة لكَونه متفاوتا فِي نَفسه، فَيكون اسْتثِْنَاء للْمَجْهُول من الْمَعْلُوم فَيفْسد فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي، ولان الثَّوْب لَا يجانس الدَّرَاهِم لَا صُورَة وَلَا وجوبا فِي الذِّمَّة.
وَتَمَامه فِي الاتقاني.
قَوْله: (وَكَانَت كالثمنين) لانها بأوصافها أَثمَان حَتَّى لَو عينهَا تعلق العقد بِعَينهَا، وَلَو وصفت وَلم تعين صَار حكمهَا كَحكم الدِّينَار.
كِفَايَة.
قَوْله: (لاستغراقه بِغَيْر الْمسَاوِي) أَي وَهُوَ يُوهم الْبَقَاء وإبهام الْبَقَاء كَاف.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ فِي الْجَوْهَرَةِ) وَمِثْلُهُ فِي الْيَنَابِيعِ، وَنَقله قَاضِي زَاده عَن الذَّخِيرَةِ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ وَفِيهَا قَالَ الشَّيْخُ عَليّ الْمَقْدِسِي رَحمَه الله تَعَالَى: لَو اسْتثْنى دَنَانِير من دَرَاهِم أَو مَكِيلًا أَو مَوْزُونا على وَجه يستوعب الْمُسْتَثْنى كَقَوْلِه لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا دِينَارًا وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ وَإِلَّا كُرَّ بُرٍّ كَذَلِكَ إنْ مَشَيْنَا عَلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ بِغَيْرِ لَفْظِهِ صَحِيحٌ، يَنْبَغِي أَنْ يبطل الاقرار.
لَكِن فِي ذَكَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ.
قَالَ عَلَيَّ دِينَارٌ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ.
مِنْ الصَّدْرِ: مَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنْ الدَّرَاهِمِ لِفُلَانٍ إلَّا أَلْفًا: يُنْظَرُ إنْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ فَالزِّيَادَةُ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَالْأَلْفُ لِلْمُقِرِّ، وَإِنْ أَلْفٌ أَوْ أَقَلُّ فَكُلُّهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ.
قلت: وَوَجهه ظَاهر بِالتَّأَمُّلِ اهـ.
قُلْت: فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى مَا فِي الْجَوْهَرَةِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا قَبْلَهُ، وَإِن استغرقت.
تَأمل.
قَالَ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود قلت: وَلَا شكّ أَن مَا فِي الْجَوْهَرَة أوجه لما سبق من أَن بطلَان الِاسْتِثْنَاء الْمُسْتَغْرق مُقَيّد بِمَا إِذا كَانَ بِلَفْظِهِ أَو بمرادفه.
стр. 840
وَاعْلَم أَن المُصَنّف تبع قاصيخان فِي تفريعه على هَذِه الْمَسْأَلَة: أَعنِي صِحَة اسْتثِْنَاء الكيلي والوزني وَنَحْوهمَا من المقدرات، الَّتِي تثبت فِي الذِّمَّة من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَقَالَ: لَو قَالَ لَهُ دِينَار إِلَّا درهما أَو إِلَّا قَفِيزا أَو إِلَّا مائَة جوزة صَحَّ، ويطرح من الْمُقدم قدر قيمَة الْمُسْتَثْنى، فَإِن كَانَت قِيمَته تَأتي على جَمِيع مَا أقرّ بِهِ لَا يلْزمه شئ، وَإِن لم يكن الْمُسْتَثْنى من جنس مَا أقرّ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ جنس من مثله كَقَوْلِه دِينَار
إِلَّا ثوبا أَو شَاة لم يَصح الِاسْتِثْنَاء، وَإِن كَانَ من جنسه صَحَّ الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْلهم إِلَّا أَن يسْتَثْنى جَمِيع مَا تكلم بِهِ فَلَا يَصح الِاسْتِثْنَاء اهـ.
وَآخره يُخَالف أَوله.
كَذَا بِخَط السَّيِّد الْحَمَوِيّ عَن الرَّمْز.
وَأَقُول: يُمكن الْجَواب بِحمْل مَا ذكره قاضيخان آخرا على مَا إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء بمرادفه كَقَوْلِه لَهُ عَليّ ألف دِينَار إِلَّا خَمْسمِائَة وخمسائة فَلَا يُخَالف مَا ذكره أَولا، لَان الِاسْتِغْرَاق فِيهِ من حَيْثُ الْقيمَة، فَتدبر.
قَوْلُهُ: (فَيُحَرَّرُ) الظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ مَبْنِيَّتَيْنِ عَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ أَو جِنْسَانِ ح.
وتوضيحه: أَنهم جعلُوا الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير نوعا وَاحِدًا فِي بعض الْمسَائِل نظرا لَان الْمَقْصُود مِنْهَا الثمنية، وَفِي بعض الْمسَائِل جعلوها نَوْعَيْنِ بِاعْتِبَار الصُّورَة كَمَا بَينه الشَّارِح فِي غير هَذَا الْمحل، فَصَاحب الْبَحْر جعلهَا فِي مَسْأَلَة الِاسْتِثْنَاء مِمَّا هِيَ مُعْتَبرَة فِيهِ نوعا وَاحِدًا، فَكَانَ اسْتثِْنَاء الْمِائَة دِرْهَم من الدِّينَار اسْتثِْنَاء بالمساوي لانها تبلغ قيمَة الدِّينَار أَو تزيد عَلَيْهِ، وَصَاحب الْجَوْهَرَة نظر إِلَى أَنَّهُمَا نَوْعَانِ فِي نفس الامر كَمَا اعتبروها كَذَلِك فِي بعض الْمسَائِل، فَلذَلِك كَانَ اسْتثِْنَاء الْعشْرَة الدَّنَانِير من الْمِائَة الدِّرْهَم وَهِي تبلغها قيمَة أَو تزيد اسْتثِْنَاء صَحِيحا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظ الاول وَلَا مُسَاوِيَة لانهما نَوْعَانِ، إِذْ الشَّرْط إِيهَام الْبَقَاء لَا حَقِيقَة كَمَا ذكره الشَّارِح، والايهام مَوْجُود هُنَا، وَيُؤَيِّدهُ مَسْأَلَة اسْتثِْنَاء الْمكيل وَالْمَوْزُون والمعدود.
وَالْحَاصِل: أَن الِاسْتِثْنَاء الْمُسْتَغْرق إِن كَانَ بِلَفْظ الصَّدْر فَبَاطِل، وَإِن لم يكن بِلَفْظ الصَّدْر وَلَا مُسَاوِيا لَهُ كاستثناء كرّ بر من الدَّرَاهِم صَحِيح لما تقدم أَن الشَّرْط إِيهَام الْبَقَاء لَا حَقِيقَته، وَإِن كَانَ بِغَيْر لفظ الصَّدْر لَكِن بمساويه كاستثناء الدَّرَاهِم من الدَّنَانِير أَو الْعَكْس فَوَقع فِيهِ اخْتِلَاف إِذا كَانَ مُسْتَغْرقا فِي الْبَحْر عَن الْبَزَّازِيَّة يَقْتَضِي بُطْلَانه، وَمَا فِي الْجَوْهَرَة والينابيع والذخيرة يُخَالِفهُ.
قَوْله: (على الاصح) لَان الالف متيقنة الثُّبُوت وَالْخَمْسُونَ متحققة الْخُرُوج وَتَمام الْمِائَة مَشْكُوك فِي خُرُوجهَا والمتيقن ثُبُوته لَا يبطل فِي الْمَشْكُوك بِخُرُوجِهِ وَهُوَ تَمام الْمِائَة، بل بالمتيقن خُرُوجه وَهُوَ خَمْسُونَ، لَكِن فِيهِ مُخَالفَة لما مهده أَولا من أَن الِاسْتِثْنَاء تكلم بِالْبَاقِي عندنَا، وَإِنَّمَا يُنَاسب مَا نلقناه عَن الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أَنه إِخْرَاج بعد الدُّخُول بطرِيق الْمُعَارضَة، وَقدمنَا أَن ثَمَرَة الْخلاف إِنَّمَا تَظْهَرُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ، فَعِنْدَنَا يَلْزَمُهُ
تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ على هَذِه الرِّوَايَة، وَهِي رِوَايَة أبي سُلَيْمَان، وَفِي رِوَايَة تِسْعمائَة، وَهِي رِوَايَة أبي حَفْص، وَهِي الْمُوَافقَة لقواعد الْمَذْهَب، لانه لما كَانَ تكلما بِالْبَاقِي وَكَانَ مَانِعا من الدُّخُول شككنا فِي الْمُتَكَلّم بِهِ، والاصل فرَاغ الذِّمَّة فَلَا يلْزمه الزَّائِد بِالشَّكِّ، وَعَلِيهِ فَكَانَ الاولى التَّفْرِيع على قَاعِدَة الْمَذْهَب، ثمَّ يذكر هَذَا على أَنه قَول آخر.
تَأمل.
قَوْله: (ثَبت الاكثر) أَي أَكثر الْمقر بِهِ.
قَوْله: (إِلَّا شَيْئا) لَان
стр. 841
اسْتثِْنَاء الشئ اسْتثِْنَاء الاقل عرفا فأوجبنا النّصْف وزياة دِرْهَم بِنَقْد اسْتثْنى الاقل اه.
شلبي
قَوْله: (فَيحكم بِخُرُوجِ الْأَقَلِّ) وَهُوَ مَا دُونَ النِّصْفِ لِأَنَّ اسْتثِْنَاء الشئ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ عُرْفًا فَأَوْجَبْنَا النِّصْفَ وَزِيَادَةَ دِرْهَمٍ، لِأَنَّ أَدْنَى مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ الْقِلَّةُ النَّقْصُ عَن النّصْف بدرهم.
قَوْله: (وَلَو وصل إِقْرَاره بإن شَاءَ الله) وَلَو من غير قصد كَمَا فِي غَايَة الْبَيَان نقلا عَن الْوَاقِعَات الحسامية، وَقيد بالوصل لانه لَو كَانَ مَفْصُولًا لَا يُؤثر، خلافًا لِابْنِ عَبَّاس كَمَا سبق، إِلَّا إِذا كَانَ عدم الْوَصْل لعذر من الاعذار الَّتِي تقدّمت.
قَالَ الْعَيْنِيّ: وَلَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق فَجرى عَلَى لِسَانِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَكَانَ قَصْدُهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ لَا يَقَعُ، لَان الِاسْتِثْنَاء مَوْجُود حَقِيقَة، وَالْكَلَام مَعَ الِاسْتِثْنَاء لَا يكون إيقاعا، وَمثل تَعْلِيقه بِمَشِيئَة الله تَعْلِيق إِقْرَاره بِمَشِيئَة من لَا تعلم مَشِيئَته كالجن وَالْمَلَائِكَة.
حموي عَن الْمُخْتَار.
وَإِنَّمَا بَطل الاقرار فِي هَذِه لَان التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله تَعَالَى إبِْطَال عِنْد مُحَمَّد فَبَطل قبل انْعِقَاده للْحكم وَتَعْلِيق بِشَرْط لَا يُوقف عَلَيْهِ عِنْد أبي يُوسُف.
دُرَر وَثَمَرَة الْخلاف فِيمَا إذَا قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ فَقَالَ إنْ شَاءَ الله أَنْت طَالِق، فَعِنْدَ من قَالَ إِنَّه إبِْطَال لَا يَقع الطَّلَاق، وَعند من قَالَ إِنَّه تَعْلِيق يَقع لانه إِذا قدم الشَّرْط وَلم يذكر حرف الْجَزَاءَ لَمْ يَتَعَلَّقْ، وَبَقِيَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ شَرط فَيَقَع.
كِفَايَة.
وَاخْتَارَ قَول مُحَمَّد صَاحب الْكِفَايَة وَغَايَة الْبَيَان وَصَاحب الْعِنَايَة، وَكَذَا تظهر أَيْضا ثَمَرَة الْخلاف فِيمَا إِذا قَالَ لامْرَأَته إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَنْت طَالِق إِن شَاءَ الله تَعَالَى يَحْنَث عِنْد أبي يُوسُف لانه يَمِين عِنْده، وَعند مُحَمَّد لَا يكون يَمِينا فَلَا يَحْنَث عَيْني.
تَنْبِيه: مَا سبق من أَن التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله إبِْطَال عِنْد مُحَمَّد وَتَعْلِيق بِشَرْط لَا يُوقف عَلَيْهِ عِنْد أبي يُوسُف يشكل بِمَا نَقَلْنَاهُ مِمَّا يَقْتَضِي كَون الْخلاف بَين الصاحبين على عكس مَا ذكر فِي الدُّرَر.
وَجَوَابه
أَن النَّقْل عَنْهُمَا قد اخْتلف: فَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بعد أَن ذكر مَا نَقَلْنَاهُ من الْخلاف قَالَ: وَقيل الْخلاف على الْعَكْس، وَاخْتَارَهُ بعض شرَّاح الْهِدَايَة، وَأَيْضًا فَإِن مَا ذكرنَا من أَنه عِنْد أبي يُوسُف تَعْلِيق بِشَرْط لَا يُوقف عَلَيْهِ أحد وَجْهَيْن، وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ أَن الاقرار لَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَن قَاضِي زَاده.
قَوْله: (أَو فلَان) فَيبْطل وَلَو قَالَ فلَان شِئْت لانه علق وَمَا نجز واللزوم حكم التَّنْجِيز لَا التَّعْلِيق، ولان مَشِيئَة فلَان لَا توجب الْملك شلبي.
أَقُول: وَينظر مَعَ مَا قدمنَا فِي تَعْلِيق الطَّلَاق بِمَشِيئَة العَبْد فشاء فِي مَجْلِسه صَحَّ وَوَقع الطَّلَاق شرنبلالية.
وَجَوَابه أَن الاقرار إِخْبَار فَلَا يَصح تَعْلِيقه.
وَالطَّلَاق إنْشَاء لَا إِسْقَاط فصح تَعْلِيقه، واقتصرت مَشِيئَته على الْمجْلس نظرا لِمَعْنى التَّمْلِيك.
أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (أَو علقه بِشَرْط على خطر) كَقَوْلِه لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِن شَاءَ فلَان، وَكَذَا كل إِقْرَار علق بِالشّرطِ نَحْو قَوْله إِن دخلت الدَّار وَإِن أمْطرت السَّمَاء أَو هبت الرّيح أَو إِن قضى الله تَعَالَى أَو أَرَادَهُ أَو رضيه أَو أحبه أَو قدره أَو دبره كَمَا فِي الْعَيْنِيّ.
وَمِنْه: إِن حَلَفت فلك مَا ادعيت، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ دَفَعَ بِنَاءً على أَنه يلْزمه فَلهُ أَن يسْتَردّ الْمَدْفُوع كَمَا فِي الْبَحْرِ فِي فَصْلِ صُلْحِ الْوَرَثَةِ بقوله: وَلَو قَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ إِن حَلَفت أَنَّهَا لَك دفعتها فَحلف الْمُدَّعِي وَدفع الْمُدعى عَلَيْهِ الدَّرَاهِم، إِن كَانَ دفع لَهُ بِحكم الشَّرْط فَهُوَ بَاطِل وللدافع أَن يسْتَردّ اهـ.
وَقَيَّدَ فِي الْبَحْرِ التَّعْلِيقَ عَلَى خَطَرٍ بِأَنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ دَعْوَى الْأَجْلِ.
قَالَ: وَإِنْ تَضَمَّنَ مثل إِذا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا لَزِمَهُ للْحَال ويستحلف الْمقر لَهُ فِي الاجل اهـ.
تَأَمَّلْ.
وَفِي الْبَحْرِ
стр. 842
أَيْضًا: وَمِنْ التَّعْلِيقِ الْمُبْطِلِ لَهُ أَلْفٌ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ أَرَى غَيْرَهُ أَوْ فِيمَا أَعْلَمُ، وَكَذَا اشْهَدُوا أَنَّ لَهُ عَليّ كَذَا فِيمَا أعلم انْتهى.
أَو قَالَ عَليّ ألف فِي شَهَادَة فلَان أَو علمه، لانه فِي معنى الشَّرْط، بِخِلَاف مَا لَو قَالَ ذَلِك بِالْبَاء لانها للالصاق، وَلَو قَالَ وجد ت فِي كتابي: أَي دفتري أَنه عَليّ كَذَا فَهُوَ بَاطِل.
وَقَالَ جمَاعَة من أَئِمَّة بَلخ: أَنه يلْزمه لانه لَا يكْتب فِي دفتره إِلَّا مَا عَلَيْهِ النَّاس صِيَانة عَن النسْيَان وللبناء على الْعَادة الظَّاهِرَة، فعلى هَذَا لَو قَالَ الْبَيَّاعُ وَجَدْتُ فِي يَادَكَارِي بِخَطِّي أَوْ كَتَبْتُ فِي يَادَكَارِي بِيَدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ ألف دِرْهَم كَانَ إِقْرَارا ملزما.
وَفِي الْوَلوالجِيَّة: وَلَو قَالَ فِي ذكرى أَو
بكتابي لزمَه اهـ.
حموي.
وَقد تقدم ذَلِك مَبْسُوطا، وَأَن مَوضِع الْكَلَام فِيمَا عَلَيْهِ لَا فِيمَا لَهُ، وتصوير الاقرار بِمَا عَلَيْهِ فِي كِتَابه هُوَ مَا ذكرهَا قَالَ الْحَمَوِيّ: وَلَا يفرق بَين قَوْله فِي كتابي أَو فِي كتاب فلَان.
نَقله عَن الْوَلوالجِيَّة.
قَالَ الْعَلامَة المقسي فِي الرَّمْز: وَأَنت خَبِير بِأَن كتاب فلَان غير مَأْمُون عَلَيْهِ من التَّغْيِير، بِخِلَاف كتاب الْمقر.
اهـ.
قَالَ ط: وَهَذَا يُفِيد أَنه لَا يعْمل بِإِقْرَارِهِ بِمَا عَلَيْهِ إِلَّا إِذا كَانَ بكتابته، وَأَنه لَا يعْمل بكتابته مَاله على النَّاس لانه إِثْبَات حق على غَيره بِمُجَرَّد كتاب الْمُدَّعِي، وَلَا نَظِير لَهُ فِي الشَّرِيعَة، فالافتاء بلزومه بِمُجَرَّد ذَلِك ضلال مُبين.
قَوْله: (كَإِن مت فَإِنَّهُ ينجز) الْمُعَلق بِكَائِنٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقًا حَقِيقَةً بَلْ مُرَادُهُ بِهِ أَن يُشْهِدَهُمْ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إنْ جَحَدَ الْوَرَثَة فَهُوَ عَلَيْهِ مَاتَ أَو عَاشَ، فمرجعه إِلَى تَأْكِيد الاقرار كَمَا فِي الْحَمَوِيّ والزيلعي وَغَيرهمَا، وَالشَّارِح تبع فِيهِ المُصَنّف وَهُوَ تبع صَاحب الْبَحْر.
قَالَ ط: وَمِنْه يعلم أَن قَوْله فِي الْبَحْر: وَإِن بِشَرْط كَائِن فتنجيز كعلي ألف دِرْهَم إِن مت لزمَه قبل الْمَوْت مَنْظُور فِيهِ، وَلقَائِل أَن يَقُول: إِن قَوْله إِن مت فِي عبارَة الشَّرْح يحْتَمل رُجُوعه إِلَى الاقرار لَا إِلَى الشَّهَادَة.
وَأجِيب بِأَن تصرف الْعَاقِل يصان عَن الالغاء مَا أمكن، وَذَلِكَ بجعله شرطا للشَّهَادَة، فَلَو قَالَ الْمقر أردْت تَعْلِيق الاقرار وَرَضي بالغاء كَلَامه.
قُلْنَا: تعلق حق الْمقر لَهُ يمْنَع ذَلِك كَمَا فِي الرَّمْز.
اهـ.
مُخْتَصرا.
قَالَ ط: بَقِي لَو كَانَ الْكَلَام من أول الامر بِصُورَة صَاحب الْبَحْر وَالظَّاهِر اللُّزُوم حَالا كَمَا قَالَ لتَعلق حق الْمقر، وَلَا يَجْعَل وَصِيَّة، وَقد اسْتُفِيدَ هَذَا من قَوْله فَلَو قَالَ الْمقر أردْت الخ.
اهـ.
لَكِنْ قُدِّمَ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّة.
وَالْحَاصِل أَن التَّعْلِيق على ثَلَاثَة أَقسَام: إِمَّا أَن يصل إِقْرَاره بإن شَاءَ الله، فَإِنَّهُ بَاطِل عِنْد مُحَمَّد، وَتَعْلِيق عِنْد أبي يُوسُف.
وَإِمَّا أَن يصله بإن شَاءَ فلَان وَنَحْوه مِمَّا هُوَ تَعْلِيق على خطر فَهُوَ تَعْلِيق اتِّفَاقًا والاقرار لَا يَصح تَعْلِيقه بِالشّرطِ وَإِمَّا أَن يعلقه بكائن لَا محَالة فَهُوَ تَنْجِيز فَلَا يبطل الاقرار وَكَذَا إِذا قَالَ إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر أَو أفطر النا س أَو إِلَى الْفطر أَو إِلَى الضُّحَى، لَان هَذَا لَيْسَ بتعليق وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى الْأَجَلِ إلَى الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فَيُقْبَلُ إِقْرَاره، ودعواه الاجل لَا تقبل إِلَّا بَيِّنَة أَو إِقْرَار الطَّالِب.
قَوْله: (بَقِي لَوْ ادَّعَى الْمَشِيئَةَ) أَيْ ادَّعَى أَنَّهُ قَالَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله (قَالَ
المُصَنّف) وَعبارَته: وَيقبل قَوْله إِن ادَّعَاهُ، وَأنْكرهُ فِي ظَاهِرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ لَا يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة على الِاعْتِمَاد لغَلَبَة الْفساد خاينة.
وَقيل إِن عرف بالصلاح فَالْقَوْل لَهُ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَوَاشِيهِ: أَقُولُ: الْفِقْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ إقْرَارُهُ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إذَا قَالَ ابْتِدَاءً أَقْرَرْتُ لَهُ بِكَذَا مُسْتَثْنِيًا فِي إقْرَارِي يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ عِنْدِي كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ
стр. 843
لانه يُرِيد إِبْطَاله بعد تقرره.
تَأمل اهـ.
قَوْله: (وَصَحَّ اسْتثِْنَاء الْبَيْت من الدَّار) لانه جُزْء من أَجْزَائِهَا فَيصح اسْتثِْنَاء الْجُزْء من الْكل كالثلث أَو الرّبع.
بَدَائِع.
وَلَو قَالَ هَذِه النّخل بأصولها لفُلَان وَالثَّمَر لي كَانَ الْكل للْمقر لَهُ، وَلَا يصدق الْمقر إِلَّا بِحجَّة كَمَا فِي الْخَانِية.
قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي من الدَّار وَالْبَيْت.
قَوْله: (لدُخُوله تبعا) أَي لدُخُول الْبناء معنى وتبعا لَا لفظا، وَالِاسْتِثْنَاء تصرف فِي الملفوظ، وَذَلِكَ لَان الدَّار اسْم لما أدير عَلَيْهِ الْبناء من الْبقْعَة، وَبحث منلا خسروا بِأَنَّهُ لَا يُنكر أَن الْبناء جُزْء من الدَّار لَا يرد الْمَنْصُوص، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْبِنَاءَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْض لَا يسْقط شئ من الثّمن بمقابلته، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي.
بِخِلَافِ الْبَيْتِ تَسْقُطُ حِصَّتُهُ من الثّمن أَو حَاصله.
قَوْله: (واستثناء الْوَصْف لَا يجوز) كَقَوْلِه لَهُ هَذَا العَبْد إِلَّا سوَاده.
قَوْله: (وَإِنْ قَالَ بِنَاؤُهَا لِي وَعَرْصَتُهَا لَك فَكَمَا قَالَ) وَكَذَا لَوْ قَالَ بَيَاضُ هَذِهِ الْأَرْضِ لِفُلَانٍ وَبِنَاؤُهَا لِي.
قَوْلُهُ: (هِيَ الْبُقْعَةُ) فَقَصْرُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْوَصْفِ تَبَعًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ قَالَ وَأَرْضُهَا لَك كَانَ لَهُ الْبناء أَيْضا) .
أَقُول: هَذَا مُخَالف للْعُرْف الْآن، فَإِن الْعرف أَن الارض بِمَعْنى الْعَرَصَة، وَعَلِيهِ فَيَنْبَغِي أَن لَا يكون الْبناء تَابعا للارض تَأمل.
قَوْله: (إلَّا إذَا قَالَ بِنَاؤُهَا لِزَيْدٍ وَالْأَرْضُ لِعَمْرٍو فَكَمَا قَالَ) لانه لما أقرّ بِالْبِنَاءِ لزيد صَار ملكه، فَلَا يخرج عَن ملكه بِإِقْرَارِهِ لعَمْرو بالارض، إِذْ لَا يصدق قَوْله فِي حق غَيره، بِخِلَاف الْمَسْأَلَة الاولى، لَان الْبناء مَمْلُوك لَهُ، فَإِذا أقرّ بالارض لغيره يتبعهَا الْبناء، لَان إِقْرَاره مَقْبُول فِي حق نَفسه.
وَحَاصِله فِي الدَّار والارض اسْم لما وضع عَلَيْهِ الْبناء لَا اسْم للارض وَالْبناء، لَكِن الْبناء يدْخل تبعا فِي بَيْعه والاقرار بِهِ، والعرصة اسْم للارض خَالِيَة عَن الْبناء، فَلَا يدْخل فِيهَا الْبناء لَا أصلا وَلَا تبعا.
والاصل: أَن الدَّعْوَى لنَفسِهِ لَا تمنع الاقرار لغيره، والاقرار لغيره يمْنَع الاقرار لشخص آخر،
إِذا علم هَذَا فَإِذا أقرّ بِالدَّار لشخص فقد أقرّ بالارض الَّتِي أدير عَلَيْهَا الْبناء، وَلَفظ الدَّار لَا يَشْمَل الْبناء، لكنه يدْخل تبعا فَكَانَ بِمَنْزِلَة الْوَصْف.
وَالِاسْتِثْنَاء أَمر لَفْظِي لَا يعْمل إِلَّا فِيمَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ، فَلَا يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ للْبِنَاء لانه لم يتَنَاوَلهُ لفظ الدَّار، بل إِنَّمَا دخل تبعا، وَهَذَا معنى.
قَوْله واستثناء الْوَصْف لَا يجوز بِخِلَاف الْبَيْت فَإِنَّهُ اسْم لجزء من الدَّار مُشْتَمل على أَرض وَبِنَاء فصح اسْتِثْنَاؤُهُ بِاعْتِبَار مَا فِيهِ من الاصل، وَهُوَ الارض، فَكَانَ متناوله لفظ الدَّار وَالِاسْتِثْنَاء: إِخْرَاج لما تنَاوله لفظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَلَا يضر كَون الْبناء جُزْءا من مُسَمّى الْبَيْت مَعَ أَنه وصف من الدَّار، لانه لم يسْتَثْن الْوَصْف مُنْفَردا بل قَائِما بالاصل الَّذِي هُوَ الارض.
وَتَخْرِيج جنس هَذِه الْمسَائِل على أصلين أَحدهمَا: أَنَّ الدَّعْوَى قَبْلَ الْإِقْرَارِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الاقرار، وَالدَّعْوَى بعد الاقرار لبَعض مَا دَخَلَ تَحْتَ الْإِقْرَارِ لَا تَصِحُّ.
وَالثَّانِي: أَن إِقْرَار الانسان على نَفسه جَائِز وعَلى غَيره لَا يجوز.
إِذا عرفنَا هَذَا فَنَقُول: إِذا قَالَ بِنَاء هَذِه الدَّار لي وأرضها لفُلَان كَانَ الْبناء
стр. 844
والارض للْمقر لَهُ، لانه لما قَالَ بِنَاء هَذِه الدَّار لي فقد ادّعى لنَفسِهِ، فَلَمَّا قَالَ وأرضها لفُلَان فقد جعل مقرا بِالْبِنَاءِ للْمقر لَهُ تبعا للاقرار بالارض لَان الْبناء تبع للارض، إِلَّا أَنَّ الدَّعْوَى قَبْلَ الْإِقْرَارِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الاقرار: وَإِن قَالَ أرْضهَا لي وبناؤها لفُلَان كَانَت الارض لَهُ وبناؤها لفُلَان، لانه لما قَالَ أَولا أرْضهَا لي فقد ادّعى الارض لنَفسِهِ، وَادّعى الْبناء أَيْضا لنَفسِهِ تبعا للارض، فَإِذا قَالَ بعد ذَلِك وبناؤها لفُلَان فقد أقرّ لفُلَان بِالْبِنَاءِ بَعْدَمَا ادَّعَاهُ لنَفسِهِ، والاقرار بعد الدَّعْوَى صَحِيح فَيكون لفُلَان الْبناء دون الارض، لَان الارض لَيْسَ بتابع للْبِنَاء، وَإِن قَالَ أرْضهَا لفُلَان وبناؤها لي كَانَت الارض وَالْبناء للْمقر لَهُ بالارض، لانه لما قَالَ أَولا أرْضهَا لفُلَان فقد جعل مقرا لفُلَان وبناؤها لي كَانَ الارض للْمقر لَهُ بالارض، لانه لما قَالَ أَولا أرْضهَا لفُلَان فقد جعل مقرا بِالْبِنَاءِ، فَلَمَّا قَالَ بناؤها لي فقد ادّعى لنَفسِهِ بَعْدَمَا أقرّ لغيره، وَالدَّعْوَى بعد الاقرار لبَعض مَا تنَاوله الاقرار لَا يَصح.
وَإِن قَالَ أرْضهَا لفُلَان وبناؤها لفُلَان آخر كَانَ الارض وَالْبناء للْمقر لَهُ الاول لانه جعل مقرا للْمقر لَهُ الاول بِالْبِنَاءِ، فَإِذا قَالَ بناؤها لفُلَان جعل مقرا على الاول لَا على نَفسه، وَقد ذكرنَا أَن
إِقْرَار الْمقر على نَفسه جَائِز وعَلى غَيره لَا يجوز.
وَإِن قَالَ بناؤها لفُلَان وأرضها لفُلَان آخر كَانَ كَمَا قَالَ، لانه لما أقرّ بِالْبِنَاءِ أَولا صَحَّ إِقْرَاره للْمقر لَهُ لانه إِقْرَار على نَفسه، فَإِذا أقرّ بعد ذَلِك بالارض لغيره فقد أقرّ بِالْبِنَاءِ لذَلِك الْغَيْر تبعا للاقرار بالارض، فَيكون مقرا على غَيره وَهُوَ الْمقر لَهُ الاول، وَإِذا أقرّ الانسان على غَيره لَا يَصح لما علمت من الاصل الثَّانِي من أَن إِقْرَار الانسان على غَيره لَا يجوز.
أَقُول: لَكِن نقض بِمَا لَو أقرّ مُسْتَأْجر بدين فيسري على الْمُسْتَأْجر، وَيفْسخ بِهِ عِنْد الامام، وَلَو أقرَّت زَوجته بدين تحبس بِهِ وَيمْنَع مِنْهَا كَمَا فِي الْمَقْدِسِي.
قَوْله: (واستثناء فص الْخَاتم) بِأَن قَالَ هَذَا الْخَاتم لفُلَان إِلَّا فصه.
وَفِي الذَّخِيرَة عَن الْمُنْتَقى: إِذا قَالَ هَذَا الْخَاتم لي إِلَّا فصه فَإِنَّهُ لَك، أَو قَالَ هَذِه المنطقة لي إِلَّا حليتها فَإِنَّهَا لَك، أَو قَالَ هَذَا السَّيْف لي إِلَّا حليته أَو قَالَ إِلَّا حمائله فَإِنَّهَا لَك، أَو قَالَ هَذِه الْجُبَّة لي إِلَّا بطانتها فَإِنَّهَا لَك، وَالْمقر لَهُ يَقُول هَذِه الْجُبَّة لي فَالْقَوْل قَول الْمقر، فَبعد ذَلِك ينظر إِن لم يكن فِي نزع الْمقر بِهِ ضَرَر للْمقر يُؤمر الْمقر بالنزع وَالدَّفْع للْمقر لَهُ، وَإِن كَانَ فِي النزع ضَرَر وَأحب الْمقر أَن يُعْطِيهِ قيمَة مَا أقرّ بِهِ فَلهُ ذَلِك، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله تَعَالَى اهـ.
وَلَو قَالَ الْحلقَة لَهُ والفص لي، يَصح ذكره، صدر الشَّرِيعَة.
قَوْله: (ونخلة الْبُسْتَان) وَمثله نَخْلَة الارض إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهَا بِأُصُولِهَا، لِأَنَّ أُصُولَهَا دَخَلَتْ فِي الْإِقْرَارِ قَصْدًا لَا تَبَعًا.
وَفِي الْخَانِيَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْفَصِّ وَالنَّخْلَةِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ قَالَ: لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ.
لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَقَرَّ بِأَرْضٍ أَوْ دَارٍ لِرَجُلٍ دَخَلَ الْبِنَاءُ وَالْأَشْجَارُ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمُقِرُّ بَيِّنَةً بَعْدَ
стр. 845
ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْأَشْجَارَ لَهُ لَمْ تقبل بَينته اهـ.
إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَوْنِهِ مَفْصُولًا لَا مَوْصُولًا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ فِي الْخَانِيَّةِ سَائِحَانِيٌّ.
وَفِي الْخَانِية: لَو قَالَ هَذَا الْبُسْتَان لفُلَان إِلَّا النَّخْلَة بِغَيْر أُصُولهَا فَإِنَّهَا لي لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء، بِخِلَاف إِلَّا نخلها بأصولها، وَكَذَلِكَ هَذِه الْجُبَّة لفُلَان إِلَّا بطانتها لَان البطانة تدخل فِي البيع تبعا فَكَانَت كالبناء، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مَحْمُول على جُبَّة بطانتها فِي النفاسة دون الظهارة.
قَالَ فِي الرَّمْز: وَمَا
نقل عَن السّير الْكَبِير أَن الامام لَو قَالَ من أصَاب جُبَّة خَز فَهِيَ لَهُ فَلهُ الظهارة دون البطانة، حمل على جُبَّة بطانتها كظهارتها نفاسة، فَلَا تتبعها فَهِيَ كجبتين، وَمَا هُنَا على دون البطانة حَتَّى لَو اسْتَويَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء اهـ.
أَقُول: وَمثل نَخْلَة الْبُسْتَان نَخْلَة الارض، لَان الشّجر يدْخل فِي الْبُسْتَان والارض تبعا فَلَا يَصح استثناءه، بِخِلَاف نَخْلَة عَرصَة الْبُسْتَان، لَان الْعَرَصَة لَا تتَنَاوَل الشَّجَرَة كَمَا لَا تتَنَاوَل الْبناء لَا أصلا وَلَا تبعا إِلَّا أَن يستثنيها بأصولها كَمَا ذكرنَا.
قَوْله: (وطوق الْجَارِيَة) اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُمْ نَصُّوا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَعَهَا تبعا إِلَّا الْمُعْتَاد للمهنة لَا غير كَالطَّوْقِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا قيمَة لَهُ كَثِيرَة كطوق حَدِيد أَو نُحَاس، وَفِيه نظر.
ط عَن الْحَمَوِيّ.
أَقُول: ذَلِك فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهَا وَمَا عَلَيْهَا لِلْبَائِعِ، أَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهَا ظَهَرَ أَنَّهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ مَا عَلَيْهَا لِمَالِكِهَا فَيَتْبَعُهَا وَلَوْ جَلِيلًا.
تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا مَرَّ) أَيْ من أَنه لَا يَصح.
قَوْله: (قَالَ مُكَلَّفٌ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عبد مَا قَبضته) قيد قَوْله عَليّ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً اشْتَرَيْت مِنْهُ مَبِيعًا إلَّا أَنِّي لَمْ أَقْبِضْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ، كَمَا قُبِلَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِعْتُهُ هَذَا وَلَمْ أَقْبِضْ الثَّمَنَ وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ قَبْضَ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا قَبَضْتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ كَذَا رُجُوعٌ، فَلَا يَصِحُّ.
أَفَادَهُ الرَّمْلِيّ.
قَوْله: (حَال مِنْهَا) أَي حَال كَون قَوْله مَا قَبضته مَوْصُولا بالْكلَام الاول، فَلَو لم يصله لم يصدق أَفَادَهُ المُصَنّف.
وَالَّذِي يظْهر أَنه حَال من الضَّمِير فِي قَالَ: أَي قَالَ حَال كَونه واصلا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَلَّمَهُ) لَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالتَّسْلِيمِ هُنَا الْإِحْضَارَ، أَوْ يُخَصُّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ المُشْتَرِي تَسْلِيم الثّمن أَو لَا، لانه لَيْسَ بِبيع صَرِيح.
مقدسي مُلَخصا
قَوْله: (عملا بِالصّفةِ) قَالَ فِي الْمنح: وَإِن لم يُوجد مَا ذكر من الْقَيْد وَهُوَ التَّسْلِيم لَا يلْزمه لانه أقرّ لَهُ بالالف على صفة فَيلْزمهُ الصّفة الَّتِي أقرّ بهَا، وَإِذا لم تُوجد لَا يلْزمه اهـ.
وصل أَو فصل، هَذَا مَذْهَب الامام، وَقَالا: إِن وصل صدق فَلَا يلْزمه، وَإِن فصل لَا يصدق.
قَوْله: (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْعَبْدَ لَزِمَهُ الْأَلْفُ مُطْلَقًا وصل أم فصل) كَأَنَّهُ بَيَان لوجه الاطلاق، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بالاطلاق سَوَاء كذبه الْمقر لَهُ أَو صدقه بِدَلِيل مَا يَأْتِي حَيْثُ قيدها بقوله وَإِن كذبه الْمقر لَهُ، وَهُوَ أولى لانه حِينَئِذٍ يتَّجه فصلها لكنه يبعد أَن يلْزمه ذَلِك مَعَ اعْتِرَاف كل مِنْهُمَا أَنه
حرَام أَو رَبًّا تَأمل.
قَوْله: (لانه رُجُوع) أَي عَمَّا أقرّ بِهِ، وَذَلِكَ لَان الصَّدْر مُوجب وإنكار قبض مَبِيع غير معِين يُنَافِيهِ، ولانه لَو ادّعى تَأْخِير الثّمن شهرا لم يقبل، فَكيف دهرا، إِذْ مَا من عبد يَأْتِي بِهِ البَائِع إِلَّا يَأْتِي للْمُشْتَرِي منع كَونه الْمَبِيع، بِخِلَاف الْمعِين.
وَمَا ذكره المُصَنّف أحد وُجُوه أَرْبَعَة فِي الْمَسْأَلَة.
следующие страницы →