Полный текст (1 094 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وَصُورَة الْمَسْأَلَة كَمَا فِي الْمُنْتَقَى: لَوْ أَقَرَّ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَنَّهُ بَاعَ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ فُلَانٍ فِي صِحَّتِهِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ إلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ.
هَذِهِ مَسْأَلَة النّظم إِلَّا أَنه أغفل فِيهِ تَصْدِيق المُشْتَرِي ابْن الشّحْنَة.
وَفِي الْعمادِيَّة: لَا يصدق على اسْتِيفَاء الثّمن إِلَّا أَن يكون العَبْد قد مَاتَ قبل مَوته اهـ.
أَقُول: عدم التَّصْدِيق فِي الْقَبْض يُفِيد عدم نَفاذ الْمُحَابَاة فِي هَذَا البيع، وَيشْهد لَهُ مَا فِي شرح تحفة الاقران: أقرّ فِي مَرضه بشئ وَقَالَ كنت فعلته فِي الصِّحَّةُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ من غير إِسْنَاد إِلَى زمن الصِّحَّة.
اهـ.
وارجع إِلَى مَا قدمْنَاهُ أَوَائِل إِقْرَار الْمَرِيض عِنْد قَوْله وإبرائه مديونه وَلَا تغفل.
قَوْله: (التراث) أَي الْمِيرَاث.
قَوْله: (وَلَيْسَ بِلَا تشهد الخ) هَذَا تصويب الْعَلامَة عبد الْبر لَا بَيت الاصل وَهُوَ: وَلَيْسَ بِإِقْرَار مقَالَة لَا تكن شَهِيدا وَلَا تخبر يُقَال فَينْظر ملخصه أَنه لَو قَالَ لَا تشهد أَن لفُلَان عَليّ كَذَا لَا يكون إِقْرَارا بالِاتِّفَاقِ، وَإِن قَالَ لَا تخبره أَن لَهُ عَليّ كَذَا من حَقه أَو لحقه اخْتلف فِيهِ.
قَالَ الْكَرْخِي وَعَامة مَشَايِخ بَلخ: أَن الصَّحِيح أَنه لَيْسَ بِإِقْرَار وَقَالَ مَشَايِخ بُخَارى: الصَّوَاب أَنه إِقْرَار.
قَالَ فِي الْقنية والمنية هُوَ الصَّحِيح.
وَالْفرق على كَونه إِقْرَارا أَن النَّهْي عَن الشَّهَادَة نهي عَن زور يشْهد بِهِ، وَالنَّهْي عَن خبر استكتام علمه عَلَيْهِ، وَقَوله تشهد بِسُكُون الدَّال الْمُهْملَة.
قَوْله: (نعده) بالنُّون وَتَشْديد الدَّال: أَي لَا نعد ذَلِك فِي حكم الاقرار.
قَوْله: (فخلف) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ أَنَّ قَوْلَهُ لَا تُخْبِرْ فُلَانًا أَنَّ لَهُ عَلَيَّ أَلْفًا إقْرَارٌ.
وَزعم السَّرخسِيّ أَن فِيهِ رِوَايَتَيْنِ.
قَالَ ط: ينظر فِيمَا إِذا قَالَه ابْتِدَاء، وَذكر رِوَايَة الْكَرْخِي ومشايخ بَلخ وَرِوَايَة مَشَايِخ بُخَارى المذكورتين.
ثمَّ قَالَ: وَجه كَونه إِقْرَارا أَن النَّهْي عَن الاخبار يَصح مَعَ وجود الْمخبر عَنهُ لقَوْله تَعَالَى: * ((٤) وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الامن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ) * (النِّسَاء: ٣٨) ذمهم على الاخبار مَعَ وجود الْمخبر عَنهُ، وَمن شَرط صِحَة الاخبار عَنهُ فِي الاثبات فَكَذَلِك فِي النَّفْي، فَكَأَنَّهُ أثبت الْمخبر عَنهُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم فَلَا تخبره بِأَن لَهُ عَليّ ذَلِك، وَلَو قَالَ ذَلِك كَانَ إِقْرَارا اهـ.
وَوجه كَونه غير إِقْرَار مَا تقدم فِي لَا تشهد، ومسألتا الْبَيْت المذكورتان من قاضيخان من الْمُنْتَقى.
قَوْله: (وَمن قَالَ ملكي الخ) ملخصه: وَلَو أضَاف الشئ إِلَى نَفسه فَقَالَ ملكي هَذَا الْمعِين لفُلَان كَانَ هبة يَقْتَضِي التَّسْلِيم فَلَا يتم إِلَّا بِهِ، وَإِن لم يضفه إِلَى نَفسه كَانَ إِظْهَارًا وإقرارا لَا يَقْتَضِي التَّسْلِيم، وَهبة الاب لصغيره تتمّ بالايجاب فَلَا يحْتَاج لقبض ابْنه الصَّغِير.
وَالْحَاصِل: أَنه إِذا قَالَ ملكي ذَا لهَذَا الشَّخْص كَانَ منشئا لتمليكه فَيعْتَبر فِيهِ شَرَائِط الْهِبَة، وَمَنْ قَالَ هَذَا مِلْكُ ذَا فَهْوَ مُظْهِرُ: أَي مقرّ ومخبر فَلَا يشْتَرط فِيهِ شُرُوط الْهِبَة.
قَوْله: (لذا) أَي لهَذَا الشَّخْص.
قَوْله: (كَانَ منشئا) أَي لتمليكه هِبته.
قَوْله: (فَهُوَ مظهر) أَي مقرّ ومخبر وَمَسْأَلَة الْبَيْت من
стр. 912
قاضيخان من الْمُلْتَقى.
قَوْله: (وَمن قَالَ لَا دَعْوَى لي الْيَوْم) صورتهَا: قَالَ لآخر لَا دَعْوَى لي عَلَيْك الْيَوْم فَلَا تسمع دَعْوَاهُ بعد ذَلِك الْيَوْم بِمَا تقدم لانه إِبْرَاء عَام حَتَّى يَتَجَدَّد لَهُ غَيره عَلَيْهِ بعده، وَكَذَا لَو قَالَ تركته أصلا فَهُوَ إِبْرَاء وَكَذَا لَو قَالَ تَرَكْت دَعْوَايَ عَلَى فُلَانٍ وَفَوَّضْت أَمْرِي إِلَى الْآخِرَة لَا تسمع دَعْوَاهُ بِمَا لم يَتَجَدَّد بعد الابراء، وَالله تَعَالَى أعلم كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة: أَي وَلَو إِرْثا حَيْثُ علم بِمَوْت مُوَرِثه وقته.
بَزَّازِيَّة.
وَفِي الْخُلَاصَة: أَبرَأَهُ عَن الدَّعَاوَى والخصومات ثمَّ ادّعى عَلَيْهِ مَالا بالارث عَن أَبِيه: إِن مَاتَ أَبوهُ قبل إبرائه صَحَّ الابراء وَلَا تسمع دَعْوَاهُ، وَإِن لم يعلم بِمَوْت الاب عِنْد الابراء اهـ.
وَتقدم ذَلِك.
قَوْله: (لي الْيَوْم) بتحريك الْيَاء من لي.
قَوْله: (مِنْهَا) أَي من دعاوى الْيَوْم أَو مَا تقدمه، أما إِذا كَانَ بِسَبَب حَادث فَتسمع كَمَا سَمِعت.
قَوْله: (فمنكر) بتَخْفِيف الْكَاف مَعَ إشباع الرَّاء: أَي يُنكره الشَّرْع، وَلَا يقبله.
أَقُول: وَمَسْأَلَة الْبَيْت من الْقنية على مَا نَقله صَاحب الْفَوَائِد عَنْهَا، وَالله تَعَالَى أعلم، وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم.
стр. 913
كتاب الصُّلْح
قَوْله: (مناسبته الخ) يَعْنِي أَن الصُّلْح يتسبب عَن الْخُصُومَة المترتبة على إِنْكَار الْمقر إِقْرَاره: أَي فتناسب الصُّلْح والاقرار بواسطتين وَلكنهَا مُنَاسبَة خُفْيَة.
والاظهر أَن يُقَال: إِن الصُّلْح يكون عَن الاقرار فِي بعض وجوهه كَمَا سيبينه، فَلِذَا ذكره بعده ثمَّ ذكر مَعَه قسميه تتميما للفائدة.
قَوْله: (الْمقر) الصَّوَاب: الْمُدعى عَلَيْهِ كَمَا فِي الدُّرَر
قَوْله: (اسْم من الْمُصَالحَة) وَهِي الْمَسْأَلَة، والاولى اسْم للمصالحة والتصالح خلاف الْمُخَاصمَة والتخاصم، وَأَصله من الصّلاح وَهُوَ استقامة الْحَال على مَا يَدْعُو إِلَيْهِ
الْعقل، وَمَعْنَاهُ دَال على حسنه الذاتي، وَكم من فَسَاد انْقَلب بِهِ إِلَى الصّلاح، وَلِهَذَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ عِنْد حُصُول الْفساد والفتن بقوله: * ((٤٩) وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا) * (الحجرات: ٩) ، * ((٤) وَالصُّلْح خير) * (النِّسَاء: ٨٢١) والصالح: الْمُسْتَقيم الْحَال فِي نَفسه.
ذكره الْقُهسْتَانِيّ.
وَفِي صَلَاة الْجَوْهَرَة: الصَّالح الْقَائِم بِحُقُوق الله تَعَالَى وَحُقُوق الْعباد، وَإِنَّمَا ذكر الضَّمِير بقوله هُوَ لكَونه مِمَّا يذكر وَيُؤَنث كَمَا فِي الصِّحَاح.
قَوْله: (وَيقطع الْخُصُومَة) عطف تفصير كَمَا يفِيدهُ الْحَمَوِيّ، فَإِنَّهُ فسر رفع النزاع بِقطع الْخُصُومَة.
قَوْله: (مُطلقًا) أَي فِيمَا يتَعَيَّن وَفِيمَا لَا يتَعَيَّن.
قَوْله: (فِيمَا يتَعَيَّن) إِنَّمَا اشْترط الْقبُول لانه لَيْسَ من الاسقاط حَتَّى يتم بالمسقط وَحده لعدم جَرَيَانه فِي الاعيان ط.
قَوْله: (فَيتم بِلَا قبُول) أَي من الْمَطْلُوب إِذا بَدَأَ هُوَ بِطَلَبِهِ، بِأَن ادّعى شخص على شخص دَرَاهِم وَنَحْوهَا فَطلب الْمُدعى عَلَيْهِ الصُّلْح على نصفهَا فَقَالَ الْمُدَّعِي صالحتك على ذَلِك، فَلَا يشْتَرط قبُول الْمُدعى عَلَيْهِ لَان ذَلِك إِسْقَاط من الْمُدَّعِي وَهُوَ يتم بالمسقط وَحده، وَهَذَا إِنَّمَا يظْهر فِي صُورَة الاقرار ط.
وَالْحَاصِل: أَن الْمُوجب هُوَ الْمُدَّعِي فَيشْتَرط قبُول الْمُدعى عَلَيْهِ فِيمَا يَتَعَيَّنُ لَا فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ.
وَأَمَّا إِذا كَانَ الْمُوجب هُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ فَلَا بُد من الْقبُول من الْمُدَّعِي مُطلقًا سَوَاء فِيهِ مَا يتَعَيَّن وَمَا لَا يتَعَيَّن.
قَوْله: (وسيجئ) أَي قَرِيبا.
قَوْله: (الْعقل) لَا حَاجَة إِلَيْهِ لانه شَرط فِي جَمِيع الْعُقُود والتصرفات الشَّرْعِيَّة، فَلَا يَصح صلح مَجْنُون وَصبي لَا يعقل.
دُرَر.
وَكَذَا لَا يَصح صلح الْمَعْتُوه والنائم والمبرسم والمدهوش والمغمى عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ لَهُم قصد شَرْعِي، وَخص بذكرهما لِكَوْنِهِمَا مَنْصُوصا عَلَيْهِمَا بِعَدَمِ جَرَيَان الاحكام الفرعية عَلَيْهِمَا فَيدْخل حكم هَؤُلَاءِ فِي حكمهمَا بِالدّلَالَةِ أَو بِالْقِيَاسِ، لَان حَالهم كحالهما بل أَشد تَارَة.
صرح بِهِ فِي الْفُصُول.
وَأما السَّكْرَان فَلَا يدْخل فيهم لانه مُخَاطب زجرا لَهُ وتشديدا عَلَيْهِ لزوَال عقله بِمحرم، وَلذَلِك قَالَ فِي منية الْمُفْتِي: صلح السَّكْرَان جَائِز.
أَقُول: قد سبق فِي كتاب الطَّلَاق وَفِي شَتَّى الاقرار إِنَّمَا هُوَ عِنْد أَكثر أَئِمَّتنَا.
وَأما الْكَرْخِي والطَّحَاوِي وَمُحَمّد بن سَلام قَالُوا بِعَدَمِ وُقُوعه فَيجْرِي على الْخلاف الْمَذْكُور، لَكِن علمت أَن الاصح
стр. 914
الْوُقُوع، وَعَلِيهِ فَيَنْبَغِي صِحَة صلحه على الاصح.
قَوْله: (فصح من صبي مَأْذُون) وَيصِح عَنْهُ بِأَنْ صَالَحَ أَبُوهُ عَنْ دَارِهِ وَقَدْ ادَّعَاهَا مُدع وَأقَام الْبُرْهَان ط.
قَوْله: (إِن عري) بِكَسْر الرَّاء: أَي خلا، وَأما بِفَتْحِهَا فَمَعْنَاه حل وَنزل.
قَوْله: (عَن ضَرَر بَين) بِأَن كَانَ نفعا مَحْضا أَو لَا نفع فِيهِ وَلَا ضَرَر أَو فِيهِ ضَرَر غير بَين، فَإِذا ادّعى الصَّبِي الْمَأْذُون على إِنْسَان دينا وَصَالَحَهُ على بعض حَقه، فَإِن لم يكن لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة جَازَ الصُّلْح إِذْ عِنْد انعدامها لَا حق لَهُ إِلَّا الْخُصُومَة وَالْحلف وَالْمَال أَنْفَع مِنْهُمَا، وَإِن كَانَت الْبَيِّنَة لم يجز لَان الْحَط تبرع وَهُوَ لَا يملكهُ، وَمِثَال مَا لَا ضَرَر فِيهِ وَلَا نفع: صلحه عَن عين بِقدر قيمتهَا، وَمِثَال مَا لَا ضَرَر فِيهِ بَين: مَا إِذا أخر الدّين فَإِنَّهُ يجوز لانه من أَعمال التِّجَارَة ط.
أَقُول: وَهَذَا ظَاهر فِي الصَّبِي وَالْمكَاتب والمأذون الْمَدْيُون.
وَأما الْمَأْذُون الْغَيْر الْمَدْيُون فَيَنْبَغِي صِحَة صلحه كَيْفَمَا كَانَ حَيْثُ كَانَ بِإِذن سَيّده لانه وَمَا فِي يَده لمَوْلَاهُ فَيكون صلحه كصلح مَوْلَاهُ، وَلَا حق فِي مَاله لغريم كالمديون وَلَا تصرفه مَنُوط بِالْمَصْلَحَةِ كَالصَّبِيِّ وَالْمكَاتب، تَأمل.
قَوْله: (وَصَحَّ من عبد مَأْذُون) لَو لم يكن فِيهِ ضَرَر بَين، لكنه لَا يملك الصُّلْح على حط بعض الْحق إِذا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة وَيملك التَّأْجِيل مُطلقًا وَحط بعض الثّمن للعيب لما ذكر، وَلَو صَالحه البَائِع على حط بعض الثّمن جَازَ لما ذكر فِي الصَّبِي الْمَأْذُون كَمَا فِي الدُّرَر.
قَوْله: (ومكاتب) فَإِنَّهُ نَظِير العَبْد الْمَأْذُون فِي جَمِيع مَا ذكر لانه عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم، فَإِن عجز الْمكَاتب فَادّعى عَلَيْهِ رجل دينا فاصطلحا أَن يَأْخُذ بعضه وَيُؤَخر بعضه، فَإِن لم يكن لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة لم يجز لانه لما عجز صَار مَحْجُورا فَلَا يَصح صلحه.
دُرَر.
أَقُول: قَوْله فَادّعى عَلَيْهِ رجل دينا: أَي كَانَ فِي زمن كِتَابَته إِلَّا أَن الصُّلْح وَاقع بعد الْعَجز، هَذَا هُوَ المُرَاد، فَحِينَئِذٍ لَا يكون الشَّرْط الثَّانِي مُسْتَغْنى عَنهُ، وَقيد بِهِ لانه لَو كَانَ للْمُدَّعِي بَيِّنَة صلح الْمَحْجُور لَا من حَيْثُ إِنَّه مَحْجُور بل من حَيْثُ أَن دينه دين فِي زمن كِتَابَته.
تدبر.
وَأَقُول: وَمثل الْمكَاتب الْمَعْتُوه الْمَأْذُون فَإِنَّهُ نَظِير العَبْد الْمَأْذُون على مَا سبق.
قَوْله: (وَلَو فِيهِ نَفْعٌ) لَوْ قَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ لَكَانَ أَوْلَى، لِيَشْمَلَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرٌ أَو كَانَ فِيهِ ضَرَر غير بَين كَمَا تقدم أَمْثِلَة ذَلِك قَرِيبا.
قَوْله: (مَعْلُوما) سَوَاء كَانَ مَالا أَو مَنْفَعَة، بِأَن صَالح على خدمَة عبد بِعَيْنِه سنة أَو ركُوب دَابَّة بِعَينهَا أَو زراعة أَرض أَو سُكْنى دَار وقتا مَعْلُوما فَإِنَّهُ يجوز وَيكون فِي
معنى الاجارة، وَخرج مَا لم يكن كَذَلِك، فَلَا يَصح الصُّلْح عَن الْخمر وَالْميتَة وَالدَّم وصيد الاحرام وَالْحرم وَنَحْو ذَلِك، لَان فِي الصُّلْح معنى الْمُعَاوضَة، فَمَا لَا يصلح للعوض وَالْبيع لَا يصلح عوضا فِي الصُّلْح ط.
قَالَ فِي الْمنح: أَن يكون مَعْلُوما بِذكر الْمِقْدَار فِي مثل الدَّرَاهِم فَيحمل على النَّقْد الْغَالِب فِي الْبَلَد، وبذكر الْمِقْدَار وَالصّفة فِي نَحْو بر، وبمكان التَّسْلِيم أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة، وبالاجل أَيْضا فِي نَحْو ثوب، وبإشارة وَتَعْيِين فِي نَحْو حَيَوَان كَمَا فِي الْعمادِيَّة، لَان جَهَالَة الْبَدَل تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة فَيفْسد الصُّلْح انْتهى.
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَازِيًا لِلْمَبْسُوطِ: الصُّلْحُ على خَمْسَة أوجه: الاول: صلح على دَارهم أَو دَنَانِير أَو فَلَو س، فَيحْتَاج إِلَى ذكر الْقدر.
الثَّانِي: على تبر أَوْ كَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ مِمَّا لَا حَمْلَ لَهُ، وَلَا مُؤنَة، فَيحْتَاج إِلَى قَدْرٍ وَصِفَةٍ، إذْ يَكُونُ جَيِّدًا أَوْ وَسَطًا أَوْ رَدِيئًا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ.
стр. 915
الثَّالِثُ: عَلَى كَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ مِمَّا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، فَيَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ قَدْرٍ وَصِفَةٍ وَمَكَانِ تَسْلِيمِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي السَّلَمِ.
الرَّابِعُ: صُلْحٌ عَلَى ثَوْبٍ، فَيَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ ذَرْعٍ وَصِفَةٍ وَأَجَلٍ إذْ الثَّوْبُ لَا يَكُونُ دَيْنًا إلَّا فِي السَّلَمِ وَهُوَ عُرِفَ مُؤَجَّلًا.
الْخَامِسُ: صُلْحٌ عَلَى حَيَوَانٍ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِعَيْنِهِ، إذْ الصُّلْحُ مِنْ التِّجَارَةِ وَالْحَيَوَانُ لَا يصلح دينا فِيمَا انْتهى؟
قَوْله: (إِن كَانَ يحْتَاج إِلَى قَبضه) فَإِن كَانَ لَا يحْتَاج إِلَى قَبضه لَا يشْتَرط معلوميته مثل أَن يذعي حَقًّا فِي دَارِ رَجُلٍ وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا فِي أَرْضٍ بِيَدِ الْمُدَّعِي فَاصْطَلَحَا عَلَى ترك الدَّعْوَى جَازَ وَإِن لم يبين كل مِنْهُمَا مِقْدَار حَقه، لِأَنَّ جَهَالَةَ السَّاقِطِ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ كَمَا فِي الدُّرَر.
قَالَ فِي الْعِنَايَة: ويفسده جَهَالَة الْمصَالح عَلَيْهِ لانها تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة دون جَهَالَة الْمصَالح عَنهُ لانه يسْقط، وَهَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه بل فِيهِ تَفْصِيل، وَهُوَ أَن الصُّلْح بِاعْتِبَار بدليه على أَرْبَعَة أوجه: إِمَّا أَن يكون عَن مَعْلُوم على مَعْلُوم وَهُوَ جَائِز لَا محَالة، وَإِمَّا أَن يكون عَن مَجْهُول على مَجْهُول، فَإِن لم يحْتَج
فِيهِ إِلَى التَّسْلِيم والتسلم، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ حَقًّا فِي دَارِ رَجُلٍ وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا فِي أَرْضٍ بِيَدِ الْمُدعى فاصطلحا على ترك الدَّعْوَى جَازَ وَإِن احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَقد اصطلحا على أَن يدْفع أَحدهمَا مَالا وَلم يُبينهُ على أَن يتْرك الآخر دَعْوَاهُ أَو على أَن يسلم إِلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ لم يجز، وَإِمَّا أَن يكون عَن مَجْهُول على مَعْلُوم وَقد احْتِيجَ إِلَيْهِ إِلَى التَّسْلِيم، كَمَا لَو ادّعى حَقًا فِي دَار يَد رجل وَلم يسمه فاصطلحا على أَن يُعْطِيهِ الْمُدعى مَالا مَعْلُوما ليسلم الْمُدعى عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ وَهُوَ لَا يجوز، وَإِن لم يحْتَج فِيهِ إِلَى التَّسْلِيم كَمَا إِذا اصطلحا فِي هَذِه الصُّورَة على أَن يتْرك الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ جَازَ، وَإِمَّا أَن يكون عَن مَعْلُوم على مَجْهُول وَقد احْتِيجَ فِيهِ إِلَى التَّسْلِيم لَا يجوز، وَإِن لم يحْتَج إِلَيْهِ جَازَ.
والاصل فِي ذَلِك أَن الْجَهَالَة المفضية للمنازعة الْمَانِعَة عَن التَّسْلِيم والتسلم هِيَ الْمفْسدَة، فَمَا لَا يجب التسلم وَالتَّسْلِيم جَازَ، وَمَا وجبا فِيهِ لم يجز مَعَ الْجَهَالَة، لَان الْقُدْرَة على تَسْلِيم الْبَدَل شَرط لكَونه فِي معنى البيع انْتهى..
قَوْله: (وَكَون الْمصَالح عَنهُ حَقًا) أَي للْمصَالح ثَابتا فِي الْمحل لَا حَقًا لله تَعَالَى فَخرج بقولنَا: أَي للْمصَالح مَا إِذا ادَّعَت مُطلقَة على زَوجهَا أَن صَبيا فِي يَد أَحدهمَا ابْنهَا مِنْهُ فصالحها على شئ لتترك الدَّعْوَى فَإِنَّهُ يبطل، لَان النّسَب حق الصَّبِي لَا حَقّهمَا فَلَا تملك الِاعْتِيَاض عَن حق غَيرهَا.
وَخرج بقولنَا ثَابتا فِي الْمحل مصالحة الْكَفِيل بِالنَّفسِ على مَال على أَن يُبرئهُ من الْكفَالَة، لَان الثَّابِت للطَّالِب حق الْمُطَالبَة بِتَسْلِيم نفس الاصيل، وَهُوَ عبارَة عَن ولَايَة الْمُطَالبَة وَأَنَّهَا صفة الْوَالِي فَلَا يجوز الصُّلْح عَنهُ كَمَا يَأْتِي.
وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي بطلَان الْكفَالَة كَمَا فِي الْكَافِي، والاصح بُطْلَانهَا كَمَا فِي منية الْمُفْتِي، وَبِه يُفْتى كَمَا فِي الْعِنَايَة والبيانية: وَبَقِي من الشُّرُوط قَبْضُ بَدَلِهِ إنْ كَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ، وَإِلَّا لَا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْله: (كَالْقصاصِ) فِي النَّفس، إِنَّمَا جَازَ الصُّلْح عَنهُ لَان الْمحل فِيهِ يصير مَمْلُوكا فِي حق الِاسْتِيفَاء فَكَانَ الْحق ثَابتا فِي الْمحل فَيملك الِاعْتِيَاض عَنهُ بِالصُّلْحِ ط.
قَوْله: (وَالتَّعْزِير) الَّذِي هُوَ حق العَبْد كَأَن صَالحه عَن سبه بِمَا دون قذف، أما التَّعْزِير الَّذِي هُوَ حق الله تَعَالَى كقبلة من أَجْنَبِيَّة فَالظَّاهِر عدم صِحَة الصُّلْح عَنهُ، لَان الصُّلْح لَا يكون إِلَّا من صَاحب الْحق كَمَا أَفَادَهُ الرحمتي.
قَوْله: (أَو مَجْهُولا) كَأَن
стр. 916
ادّعى عَلَيْهِ قدرا من المَال فصولح أَو ادّعى عَلَيْهِ الْقصاص وَلم يبين أَنه فِي نفس أَو طرف أَو شَتمه وَلم
يبين بِمَاذَا شَتمه، وَتقدم فِي بَاب الِاسْتِحْقَاق صِحَة الصُّلْح عَن مَجْهُول عَن مَعْلُومٍ، لِأَنَّ جَهَالَةَ السَّاقِطِ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازعَة، ولان الْمُصَالَحَ عَنْهُ سَاقِطٌ فَهُوَ مِثْلُ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْمَجْهُولِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا لِمَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ عِوَضِ الصُّلْحِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَطْلُوبَ التَّسْلِيمِ اُشْتُرِطَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَانْظُر مَا تقدم عَن الْفَتْح أَوَاخِر الْعَيْب، وَكَونه مَجْهُولا: أَي بِشَرْط أَن يكوم مَالا يَحْتَاجُ إلَى التَّسْلِيمِ كَتَرْكِ الدَّعْوَى مَثَلًا، بِخِلَافِ مَا لَو كَانَ عَن التَّسْلِيم الْمُدعى بِهِ.
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا مَعْلُومًا فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ بَدَلَ الصُّلْحِ وَذَكَرَ فِي آخِرِ الصَّكِّ وَأَبْرَأَ الْمُدَّعِيَ عَنْ جَمِيعِ دَعْوَاهُ وَخُصُومَاتِهِ إبْرَاءً صَحِيحًا عَامًّا، فَقِيلَ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْح لانه لم يذكر قدر المَال الْمُدعى بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ وَقَعَ مُعَاوَضَةً أَوْ إسْقَاطًا أَوْ وَقَعَ صَرْفًا شَرَطَ فِيهِ التَّقَابُضَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ لَا، وَقَدْ ذَكَرَ قَبْضَ بَدَلِ الصُّلْحِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَجْلِسِ الصُّلْحِ، فَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الصُّلْحِ.
وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ فَقَدْ حَصَلَ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي بعده للابراء الْعَام لَا للصلح.
قَالَ فِي الْبَحْر: والجهالة فِيهِ إِن كَانَت تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة كوقوعها فِيمَا يحْتَاج إِلَى التَّسْلِيم منعت صِحَّته، وَإِلَّا لَا، فَبَطل إِن كَانَ الْمصَالح عَلَيْهِ، أَو عَنهُ مَجْهُولا لَا يحْتَاج إِلَى التَّسْلِيم كصلحه بعد دَعْوَاهُ مَجْهُولا على أَن يدْفع لَهُ مَالا وَلم يسمه اهـ.
أَقُول: لَكِن فِي قَوْله جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَلَا بُد من بَيَانه نظر، لَان المَال بالصورة مَعْلُوم بِدَلِيل قَوْله أول عِبَارَته: ادّعى عَلَيْهِ مَالا مَعْلُوما، وَالظَّاهِر أَن لفظ مَعْلُوما زَائِد حَتَّى يتم المُرَاد تَأمل.
قَوْله: (كحق شُفْعَة) يَعْنِي إِذا صَالح المُشْتَرِي الشَّفِيع عَن الشُّفْعَة الَّتِي وَجَبت لَهُ على شئ على أَن يسلم الدَّار للْمُشْتَرِي فَالصُّلْح بَاطِل، إِذْ لَا حق للشَّفِيع فِي الْمحل سوى حق التَّمْلِيك، وَهُوَ لَيْسَ بِأَمْر ثَابت فِي الْمحل، بل هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ وِلَايَةِ الطَّلَبِ، وَتَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْمَالِ فِي مُقَابلَته كَمَا فِي الدُّرَر وَأطْلقهُ.
وَهُوَ على ثَلَاثَة أوجه: أَن يُصَالح على دَرَاهِم مَعْلُومَة على أَن يسلم الدَّار للْمُشْتَرِي، وَأَن يُصَالح على بَيت معِين مِنْهَا بِحِصَّتِهِ من الثّمن وَأَن يُصَالح على نصف الدَّار بِنصْف الثّمن، فَفِي الاولين يبطل الصُّلْح وَكَذَا الشُّفْعَة فِي الاول، وَيصِح الصُّلْح فِي الثَّالِث وَالشُّفْعَة لَا تبطل فِيهِ وَفِي
الثَّانِي كَمَا فِي الْمَبْسُوط وَغَيره فَظهر أَن المرد بقول الدُّرَر على شئ: دَرَاهِم مَعْلُومَة وَنَحْوهَا.
قَوْله: (وحد قذف) بِأَن قذف رجلا فَصَالحه على مَال على أَن يعْفُو عَنهُ، لانه وَإِن كَانَ للْعَبد فِيهِ حق فالغالب فِيهِ حق الله تَعَالَى والمغلوب مُلْحق بالمعدوم، وَكَذَلِكَ لَا يجوز الصُّلْح عَن حق الله تَعَالَى وَلَو ماليا كَالزَّكَاةِ، وَلَا حد الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر، بِأَن أَخذ زاينا أَو سَارِقا من غَيره أَو شَارِب خمر فَصَالحه على مَال على أَن لَا يرفعهُ إِلَى ولي الامر لانه حق الله تَعَالَى، وَلَا يجوز عَنهُ الصُّلْح لَان الْمصَالح بِالصُّلْحِ يتَصَرَّف إِمَّا بِاسْتِيفَاء كل حَقه أَو اسْتِيفَاء بعضه وَإِسْقَاط الْبَاقِي أَو بالمعاوضة، وكل ذَلِك لَا يجوز فِي غير حَقه كَمَا فِي الدُّرَر.
وَإِنَّمَا لَا يجوز الصُّلْح عَن حُقُوقه تَعَالَى لَان الاصل فِيهِ أَن الِاعْتِيَاض عَن حق الْغَيْر لَا يجوز، وَالْحُدُود الْمَشْرُوعَة لما كَانَت حَقًا لله تَعَالَى خَالِصا أَو غَالِبا، فَلَا يجوز لَاحَدَّ أَن يُصَالح على شئ فِي حق الله تَعَالَى، وَالْمرَاد من حق الله تَعَالَى مَا يتَعَلَّق بِهِ النَّفْع الْعَام لاهل الْعَالم فَلَا يخْتَص بِهِ أحد كَحُرْمَةِ الزِّنَا، فَإِن نَفعه عَائِد إِلَى جَمِيع أهل الْعَالم وَهُوَ سَلامَة أنسابهم وصيانة فرشهم وارتفاع
стр. 917
السَّيْف بَين العشائر بِسَبَب التَّنَازُع بَين الزناة، وَلذَلِك لَا يُبَاح الزِّنَا بِإِبَاحَة الْمَرْأَة أَو أَهلهَا، وَإِنَّمَا نسب إِلَى الله تَعَالَى مَعَ أَن النَّفْع عَائِد إِلَى الْعباد تَعْظِيمًا لانه متعال عَن أَن ينْتَفع بشئ، وَلَا يجوز أَن يكون حَقًا لَهُ بِجِهَة التخليق لَان الْكل سَوَاء فِي ذَلِك، كَذَا فِي شرح الْمنَار لجلال الدّين.
قَوْله: (وكفالة بِنَفس) الْوَجْه فِيهِ كالوجه فِي سابقه، وَقدمنَا الْكَلَام عَلَيْهَا قَرِيبا، وَقيد الْكفَالَة بكفالة النَّفس، لانه لَو صَالحه عَن كَفَالَة المَال يكون إِسْقَاطًا لبَعض الدّين عَنهُ وَهُوَ صَحِيح.
قَوْله: (وَيبْطل بِهِ الاول) أَي حق الشُّفْعَة لرضا الشَّفِيع بِسُقُوط حَقه.
قَوْله: (وَكَذَا الثَّانِي) أَي حد الْقَذْف.
قَوْله: (لَو قبل الرّفْع للْحَاكِم) ظَاهره أَنه يبطل الصُّلْح أصلا وَهُوَ الَّذِي فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَن قاضيخان، فَإِنَّهُ قَالَ: بَطَلَ الصُّلْحُ وَسَقَطَ الْحَدُّ إنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ بعده لَا يبطل وَقَالَ فِي الْحَدُّ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ بِالْعَفْوِ لِعَدَمِ الطَّلَبِ، حَتَّى لَوْ عَادَ وَطَلَبَ حُدَّ الاشباه: لَا يَصح الصُّلْح عَن الْحَد وَلَا يسْقط بِهِ حد الْقَذْف إِن كَانَ قبل المرافعة كَمَا فِي
الْخَانِية.
قَالَ البيري: أَي فَإِن الْحَد يسْقط وَإِن كَانَ الصُّلْح لم يجز.
أما إِذا كَانَ بعد المرافعة فَلَا يسْقط.
أَقُول: هَذَا الَّذِي فِي الْخَانِية يُنَافِي مَا ذكره فِي الايضاح بِأَن لَهُ أَن يُطَالب بعد الْعَفو وَالصُّلْح عَن ذَلِك، فَرَاجعه فِي الاقرار.
وَعبارَة الاشباه فِي الاقرار: وَلَا يملك الْمَقْذُوف الْعَفو عَن الْقَاذِف، وَلَو قَالَ الْمَقْذُوف كنت مُبْطلًا فِي دعواي سقط الْحَد.
كَذَا فِي حيل التاترخانية من حيل المداينات.
قَالَ البيري: قَالَ فِي الايضاح: وَإِذا ثَبت الْحَد لم يجز الاسقاط وَلَا الْعَفو، وَلذَا إِذا عَفا قبل المرافعة أَو أَبْرَأ أَو صَالح على مَال فَذَلِك بَاطِل وَيرد مَال الصُّلْح، وَله أَن يُطَالِبهُ بِالْحَدِّ بعد ذَلِك اهـ.
وَقدم الشَّارِح فِي بَاب حد الْقَذْف: وَلَا رُجُوعَ بَعْدَ إقْرَارٍ وَلَا اعْتِيَاضَ: أَيْ أَخذ عِوَضٍ وَلَا صُلْحَ وَلَا عَفْوَ فِيهِ وَعَنْهُ.
نَعَمْ لَوْ عَفَا الْمَقْذُوفُ فَلَا حَدَّ لَا لصِحَّة الفعو بَلْ لِتَرْكِ الطَّلَبِ، حَتَّى لَوْ عَادَ وَطَلَبَ حد.
شمني.
وَلذَا لَا يتم إِلَّا بِحَضْرَتِهِ، فَأفَاد أَنه لَا صلح فَلَا يسْقط، وَظَاهره وَلَو قبل المرافعة، وَلَا يُقَام إِلَّا بِطَلَب الْمَقْذُوف فِي الْمَوْضِعَيْنِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى الْبطلَان لعدم الطّلب، وَكَذَا يُقَال فِي حد السّرقَة فَإِنَّهُ لَا يَصح عَنهُ الصَّالح كَمَا فِي مجمع الْفَتَاوَى، فَكَانَ على المُصَنّف وَالشَّارِح أَن يستثنيه أَيْضا.
قَوْله: (لَا حد زنا) أَي لَا يَصح الصُّلْح عَنهُ.
صورته: زنى رجل بِامْرَأَة رجل فَعلم الزَّوْج وَأَرَادَ أَحدهمَا الصُّلْح فتصالحا مَعًا أَو أَحدهمَا على مَعْلُوم على أَن يعْفُو كَانَ بَاطِلا وعفوه بَاطِل، سَوَاء كَانَ قبل الرّفْع أَو بعده.
وَالرجل إِذا قذف امْرَأَته المحصنة حَتَّى وَجب اللّعان كَانَ بَاطِلا، وعفوها بعد الرّفْع بَاطِل وَقبل الرّفْع جَائِز.
خَانِية.
قَوْله: (وَشرب مُطلقًا) أَي إِذا صَالح شَارِب الْخمر القَاضِي على أَن يَأْخُذ مِنْهُ مَالا وَيَعْفُو عَنهُ لَا يَصح الصُّلْح وَيرد المَال على شَارِب الْخمر سَوَاء كَانَ ذَلِك قبل الرّفْع أَو بعده كَمَا فِي الْخَانِية.
فَلْيحْفَظ، والآن مبتلون بذلك، وَلَا حول وَلَا قولة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم.
فَرْعٌ: قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَفِي نَظْمِ الْفِقْهِ: أَخذ سَارِقا فِي دَارِ غَيْرِهِ فَأَرَادَ رَفْعَهُ إلَى صَاحِبِ الْمَالِ فَدَفَعَ لَهُ السَّارِقُ مَالًا عَلَى أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ يَبْطُلُ وَيَرُدُّ الْبَدَلَ إلَى السَّارِقِ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ
стр. 918
الصُّلْحُ مَعَ صَاحِبِ السَّرِقَةِ بَرِئَ مِنْ الْخُصُومَةِ بِأَخْذِ الْمَالِ، وَحَدُّ السَّرِقَةِ لَا يَثْبُتُ مِنْ غير خُصُومَة
وَيصِح الصُّلْح اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا: اُتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ وَحَبْسٍ فَصَالَحَ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الصُّلْحَ كَانَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، إِن حَبْسِ الْوَالِي تَصِحَّ الدَّعْوَى لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ حبس ظلما، وَإِن كَانَ فِي حَبْسِ الْقَاضِي لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنه يحبس بِحَق اهـ.
أَقُول: وَهَذَا على مَا كَانَ فِي زمنهم من تصرف الْوَالِي بِرَأْيهِ وَأما فِي زَمَاننَا فَلَا فرق يظْهر بَينهمَا فَإِنَّهُمَا على السوَاء حَتَّى صَار حبسهما وَاحِدًا، إِذْ لَا يحبس الْوَاحِد إِلَّا بعد ثُبُوت حَبسه بِوَجْهِهِ.
قَوْله: (من الْمُدعى عَلَيْهِ) مُتَعَلق بِالْقبُولِ وَحذف نَظِيره من الاول، فَإِن الْمَعْنى: وَطلب الصُّلْح من الْمُدعى عَلَيْهِ.
قَوْله: (كالدراهم وَالدَّنَانِير) الْكَاف للاستقصاء إِذْ لَيْسَ مَعْنَاهُ مَالا يتَعَيَّن غَيرهمَا.
قَوْله: (وَطلب الصُّلْح) لَا حَاجَة إِلَى هَذِه الْجُمْلَة بعد قَول الْمَتْن وَطلب الصُّلْح كَاف.
قَوْله: (على ذَلِك) كَذَا فِي بعض النّسخ، وَفِي بَعْضهَا عَن بدل على.
قَوْله: (لانه إِسْقَاط) سَيَأْتِي فِي الصُّلْح فِي الدّين أَنه أَخذ لبَعض حَقه وَإِسْقَاط للْبَاقِي، لَكِن لَيْسَ ذَلِك مَخْصُوصًا بِمَا لَا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ بل كل مَا يثبت فِي الذِّمَّة.
قَوْله: (وَهُوَ يتم بالمسقط) هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ كَمَا لَا يشْتَرط الْقبُول، وَإِن هَذَا فِي الاقرار كَمَا صرح بِهِ الشَّارِح نقلا عَن الْعِنَايَة، فَتَأمل.
قَوْله: (لانه كَالْبيع) أَيْ فَتَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ فَيُنْظَرُ، إنْ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ جِنْسِ الْمُدَّعِي فَهُوَ بَيْعٌ قبض كَمَا يذكرهُ بعد، وَإِن وَقع على جنسه، فَإِن وَقع بِأَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعِي فَهُوَ حَطٌّ وَإِبْرَاءٌ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فَهُوَ قَبْضٌ وَاسْتِيفَاءٌ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ فضل وَربا.
قَوْله: (وَحكمه) أَي أَثَره الثَّابِت لَهُ.
منح.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحُكْمُهُ فِي جَانِبِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْمُدَّعِي سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُقِرًّا أَوْ مُنْكِرًا، وَفِي الْمُصَالَحِ عَنْهُ وُقُوعُ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ كَالْمَالِ وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُقِرًّا بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ كَالْقصاصِ وَوُقُوع الْبَرَاءَة كَمَا إِذا كَانَ مُنْكرا مُطلقًا اهـ.
وَظَاهره أَنه لَا يملك الْمصَالح عَنهُ مَعَ الانكار مَعَ أَنه مُعَاوضَة فِي حق الْمُدَّعِي، وَلذَا يُؤْخَذ مِنْهُ بِالشُّفْعَة إِن كَانَ عقارا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه يملك.
قَوْله: (وُقُوع الْبَرَاءَة عَن الدَّعْوَى) لما مر أَنه عقد يرفع النزاع: أَي مَا لم يعرض مُبْطل كاستحقاق الْبَدَل، أطلقهُ فَشَمَلَ أَن حكمه ذَلِك فِي أَنْوَاعه الثَّلَاثَة، حَتَّى
لَو أنكر فَصَالح ثمَّ أقرّ لَا يلْزمه مَا أقرّ بِهِ، وَكَذَا لَو برهن بعد صلحه لَا يقبل، وَلَو برهن عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ من قبل الصُّلْح أَو قبل قبض الْبَدَل لَا يَصح الصُّلْح كصلح بعد الْحلف فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْد الشَّيْخَيْنِ، خلافًا لمُحَمد، وَصلح مُودع يَدعِي الِاسْتِهْلَاك مَعَ الْمُودع يَدعِي الضّيَاع فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْد الطَّرفَيْنِ، خلافًا لابي يُوسُف كَمَا فِي الْمَقْدِسِي.
قَوْله: (وَوُقُوع الْملك) أَي للْمُدَّعِي أَو للْمُدَّعى عَلَيْهِ.
قَوْله: (فِي مصَالح عَلَيْهِ) أَي مُطلقًا وَلَو مُنْكرا
قَوْله: (وَعنهُ لَو مقرا) قَالَ فِي الْمنح: وَفِي الْمُصَالَحِ عَنْهُ وُقُوعُ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِن كَانَ مِمَّا يحْتَمل التَّمَلُّك كَالْمَالِ وَكَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مقرا
стр. 919
بِهِ إِلَى آخر مَا تقدم عَن الْبَحْر.
قَوْله لَو مقرا قيد فِي قَوْله وَعنهُ.
وَأما إِذا كَانَ مُنْكرا فَالْحكم الْبَرَاءَة عَن الدَّعْوَى سَوَاء كَانَت فِيمَا يحْتَمل التماليك أَو لَا.
أَفَادَهُ الْحَمَوِيّ.
قَوْله: (وَهُوَ صَحِيح) لقَوْله تَعَالَى: * ((٤) وَالصُّلْح خير) * (النِّسَاء: ٨٢١) وَقَوله ﵊: كل صلح جَائِز فِيمَا بَين الْمُسلمين، إِلَّا صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا وَمعنى جَوَاز الصُّلْح اعْتِبَاره حق يملك الْمُدَّعِي بدل الصُّلْح وَلَا يسْتَردّهُ الْمُدعى عَلَيْهِ وَيبْطل حق الْمُدَّعِي فِي الدَّعْوَى، وَالْمرَاد بقوله: صلحا أحل حَرَامًا أَي لعَينه كَالْخمرِ، وَقَوله أَو حرم حَلَالا أَي لعَينه كالمصالحة على ترك وطئ الضرة.
وَأما دفع الرِّشْوَة لدفع الظُّلم فَجَائِز، وَلَيْسَ بصلح أحل حَرَامًا وَلَا بسحت إِلَّا على من أكله.
قَالَ مُحَمَّد فِي السّير الْكَبِير: بلغنَا عَن الشعْثَاء جَابر بن زيد أَنه قَالَ: مَا وجدنَا فِي زمن الْحجَّاج أَو زِيَاد بن زِيَاد شَيْئا خيرا لنا من الرشا اه.
قَالَ أَبُو السُّعُود: وَمعنى قَوْله ﵊ أحل حَرَامًا الخ كَمَا إِذا صَالح على أَن لَا يتَصَرَّف فِي بدل الصُّلْح أَو أَن يَجْعَل عوض الصُّلْح خمرًا أَو خنزيرا، وَقَوله ﵊ لعن الله الراشي والمرتشي وَالْمرَاد بِهِ إِذا كَانَ هُوَ الظَّالِم فيدفعها لبَعض الظلمَة يَسْتَعِين بهَا على الظُّلم.
وَأما لدفع الضَّرَر عَن نَفسه فَلَا شُبْهَة فِيهَا، حَتَّى رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه أجَاز ذَلِك للْوَصِيّ من مَال الْيَتِيم لدفع الضَّرَر عَن الْيَتِيم الخ.
رملي.
قَوْله: (مَعَ إِقْرَار الخ) قَالَ الاكمل: الْحصْر فِي هَذِه الانواع ضَرُورِيّ، لَان الْخصم وَقت الدَّعْوَى إِمَّا أَن يسكت أَو يتَكَلَّم مجيبا وَهُوَ لَا يَخْلُو عَن النَّفْي والاثبات.
لَا يُقَال: قد يتَكَلَّم بِمَا لَا يتَّصل بِمحل النزاع لانه سقط بقولنَا مجيببا اهـ منح.
وَقَوله مَعَ إِقْرَار أطلقهُ فَشَمَلَ مَا يكون حَقِيقَة وصريحا وَحكما كَطَلَب الصُّلْح والابراء عَن المَال أَو الْحق فَيرجع إِلَيْهِ بِالْبَيَانِ كَمَا فِي الْمُحِيط وَفِيه تَفْصِيل لطيف فَرَاجعه إِن شِئْت.
قَوْله: (فالاول حكمه كَبَيْعٍ) أَيْ فَتَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ فَيُنْظَرُ، إو وَقَعَ عَلَى خِلَافِ جِنْسِ الْمُدَّعِي فَهُوَ بَيْعٌ وَشِرَاءٌ كَمَا ذُكِرَ هُنَا، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعِي فَهُوَ حط وإبراء، وَإِن كَانَ بِمثلِهِ فَهُوَ قَبْضٌ وَاسْتِيفَاءٌ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ فضل وَربا، ذكره الزَّيْلَعِيّ، وقدمناه قَرِيبا.
قَالَ فِي الْبَحْر: فَإِن وَقع عَن مَال بِمَال بِإِقْرَار اُعْتُبِرَ بَيْعًا إنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْجِنْسِ، إِلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: الاولى: إِذا صَالح من الدّين على عبد وَصَاحبه مقرّ بِالدّينِ وَقبض العَبْد لَيْسَ لَهُ الْمُرَابَحَة من غير بَيَان.
الثَّانِيَة: إِذا تَصَادقا على أَن لَا دين بَطل الصُّلْح، كَمَا لَو استوفى عين حَقه ثمَّ تَصَادقا أَن لَا دين، فَلَو تَصَادقا على أَن لَا دين لَا يبطل الشِّرَاء اهـ.
قَوْله: (وَحِينَئِذٍ) زِيَادَة حِينَئِذٍ اقْتَضَت زِيَادَة الْفَاء فِي فتجري أَي التفريعية فِي المُصَنّف، وَقَوله فِيهِ أَي فِي هَذَا الصُّلْح.
منح.
فَيشْمَل الْمصَالح عَنهُ والمصالح عَلَيْهِ وَهُوَ بدل الصُّلْح، حَتَّى لَو صَالح عَن دَار بدار وَجب فيهمَا الشُّفْعَة.
قَوْله: (الشُّفْعَة) أَي وَيلْزم الشَّفِيع مثل بدل الآخر لَو مثلِيا وَقِيمَته لَو قيميا غير عقار، حَتَّى لَو كَانَ البدلان عقارا لَا شُفْعَة فِي وَاحِد مِنْهُمَا.
قُهُسْتَانِيّ.
ثمَّ قَالَ فِي فصل السُّكُوت والانكار: تجب الشُّفْعَة فِي
стр. 920
الدَّار الْمصَالح عَلَيْهَا عَن دَار أَو غَيرهَا فَإِنَّهُ مُعَاوضَة فِي زعم الْمُدَّعِي اهـ.
تأل.
هَذَا مَعَ مَا قبله ممعنا.
وَالَّذِي يظْهر لي أَنه إِذا كَانَ الصُّلْح عَن إِقْرَار على دَار بدار تجب الشُّفْعَة فيهمَا لَان كلا مِنْهُمَا عوض عَن الثَّانِيَة، وَإِن كَانَ عَن سكُوت أَو إِنْكَار فَتجب فِي الدَّار الْمصَالح عَلَيْهَا دون الدَّار الْمصَالح عَنْهَا، لَان الْمُعَاوضَة هُنَا فِي الدَّار الْمصَالح عَلَيْهَا فَقَط.
أما عبارَة الْقُهسْتَانِيّ الاولى فَلم أر مَا يدل عَلَيْهَا بل صَرِيح النقول يُخَالِفهَا.
قَالَ فِي الْمجلة من كتاب الصُّلْح فِي الْمَادَّة الْخمسين وَخَمْسمِائة بعد الالف مَا نَصه: عَن إِنْكَار ياخود عَن سكُوت صلح أَو لمق مدعي حقنده مُعَاوضَة ومدعى عَلَيْهِ حقنده يميندن خلاص إيله قطع منازعه در بِنَاء على ذَلِك مصَالح عَلَيْهِ، أَو لَان عقار ده شُفْعَة جَرَيَان أيدر إِمَّا مصَالح عَنهُ، أَو لَان عقار ده شُفْعَة جَرَيَان ايتمز.
قَوْله: (وَالرَّدّ بِعَيْب) نَحْو إِذا كَانَ بدل الصُّلْح عبدا مثلا فَوجدَ الْمُدَّعِي فِيهِ عَيْبا لَهُ أَن يردهُ، وَظَاهر إِطْلَاقه أَنه يردهُ بِيَسِير الْعَيْب وفاحشه، وَقد ذكره الطَّحَاوِيّ.
أَفَادَهُ الْحَمَوِيّ وَأطلق الرَّد بِالْعَيْبِ وَهُوَ المُرَاد فِي الاقرار، قَالَ الطَّحَاوِيّ بالاقرار يرد بِيَسِير وفاحش، وَفِي الانكار بالفاحش كخلع وَمهر وَبدل صلح عَن دم عمد.
قَوْله: (وَخيَار رُؤْيَة) فَيرد الْعِوَض إِذا رَآهُ وَكَانَ لم يره وَقت العقد، وَكَذَلِكَ يرد الْمصَالح عَنهُ إِن كَانَ لم يره.
قَوْله: (وَشرط) بِأَن تصالحا على شئ فَشرط أَحدهمَا الْخِيَار لنَفسِهِ مثلا.
قَالَ فِي المنبع: وَيبْطل الصُّلْح بِالرَّدِّ بِأحد هَذِه الخيارات الثَّلَاث.
قَوْله: (ويفسده جَهَالَة الْبَدَل الْمصَالح عَلَيْهِ) أَي إِن كَانَ يحْتَاج إِلَى تَسْلِيمه وَإِلَّا فَلَا يفْسد، كَمَا إِذا ادّعى عَلَيْهِ ثلث دَاره فَصَالحه على أَن يتْرك دَعْوَاهُ فِي حق مَجْهُول فِي أَرض الْمُدَّعِي كَمَا فِي الْعِنَايَة لانه بيع فَصَارَ كجهالة الثّمن.
عَيْني.
وَكَذَا يفْسد بِجَهَالَة الاجل إِذا جعل الْبَدَل مُؤَجّلا زَيْلَعِيّ.
قَالَ الرَّمْلِيّ: إِن جَهَالَة الْمصَالح عَلَيْهِ تفْسد الصُّلْح، وَكَذَا جَهَالَة الْمصَالح عَنهُ إِن كَانَ يحْتَاج إِلَى التَّسْلِيم.
وَأَقُول: لَيْسَ جَهَالَة الْمصَالح عَلَيْهِ مفْسدَة للصلح مُطلقًا، بل مَحَله إِذا لم يكن مستغنيا عَن الْقَبْض وَالتَّسْلِيم فَإِن جهالته لَا تفْسد كَمَا فِي السراج الْوَهَّاج.
وَفِي الْقُهسْتَانِيّ: وَيَكْفِي أَن يكون بَيَان قدر الْمصَالح عَلَيْهِ فَحسب إِذا كَانَ دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو فُلُوسًا لَان معاملات النَّاس تغني عَن بَيَان الصّفة فَيَقَع على الند الْغَالِب اهـ.
قَالَ السائحاني: ولطالما طلبت نَفسِي هَذَا النَّقْل لَان الْمَشْهُور أَنه لَا بُد فِي الْعُقُود من بَيَان الْوَصْف على أَن الْعرف بِخِلَافِهِ.
قَوْله: (لَا جَهَالَة الْمصَالح عَنهُ) أَي إِذا لم يحْتَج إِلَى تَسْلِيمه كَمَا مر أَيْضا أَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله لانه يسْقط فَإِنَّهُ تَعْلِيل لقَوْله: لَا جَهَالَة الْمصَالح عَنهُ أَي والساقط لَا تُفْضِي جهالته إِلَى الْمُنَازعَة، لَكِن قَالَ بعض الافاضل: لَا جَهَالَة الْمصَالح عَنهُ إِلَّا إِذا احْتِيجَ إِلَى تَسْلِيمه كَأَن يصالحه على أَن يدْفع لَهُ الْحق الْمَجْهُول
الَّذِي يَدعِيهِ أَو يدْفع الْمُدَّعِي الْبَدَل من عِنْده اهـ.
تَأمل.
قَوْله: (وتشترط الْقُدْرَة على تَسْلِيم الْبَدَل) اسْتِئْنَاف وَاقع موقع التَّعْلِيل لقَوْله ويفسده جَهَالَة الْبَدَل وَلَا يَصح عطفه على يسْقط وَحَيْثُ كَانَ كلَاما مستأنفا اسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنه لَا يَصح الصُّلْح على عَبده الْآبِق وطيره فِي الْهَوَاء وسمكه فِي المَاء وجذعه فِي السّقف وذراع من ثوب تضره الْقِسْمَة وَحمل الْجَارِيَة والبهيمة لانه لَا يقدر على تَسْلِيمه، وَمِنْه جَهَالَة
стр. 921
الْبَدَل فَإِنَّهُ لَا يقدر على تَسْلِيم الْمَجْهُول، فبذلك يصير الْكَلَام تعليلا.
لقَوْله ويفسده جَهَالَة الْبَدَل فَبين التَّعْلِيل والمعلل لف وَنشر مشوش، الاول للثَّانِي وَالثَّانِي للاول.
قَوْله: (وَمَا اسْتحق من الْمُدَّعِي الخ) هَذَا لَو الصُّلْح على ترك الْمُدَّعِي فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ.
أما لَو أَخذه وَيدْفَع لمن فِي يَده شَيْئا صلحا فَلَا يرجع لَو اسْتحق لانه أَخذه على أَنه ملكه زعما فيؤاخذ بِهِ فَلَا يرجع بالشئ الَّذِي دَفعه لرفع النزاع كَمَا فِي الْعِمَادِيّ.
قَوْله: (إِن كلا فكلا أَو بَعْضًا فبعضا) المُصَنّف صَرِيح فِي الْبَعْض.
لقَوْله: حِصَّته فَلَو قَالَ الْمُؤلف بعد الْمَتْن وَإِن اسْتحق الْكل رد الْكل لَكَانَ أوضح، وَأَشَارَ بِأَن إِلَى أَنَّهَا بَيَانِيَّة أَو تبعيضية وكل مُرَاد، فَتَأمل.
قَوْله: (بِحِصَّتِهِ من الْمُدَّعِي) أَي الْمصَالح عَنهُ، هَذَا إِذا كَانَ الْبَدَل مِمَّا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ، فَإِن كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُدَّعَى بِهِ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ بِمِثْلِ مَا اسْتَحَقَّ، وَلَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ كَمَا إذَا ادَّعَى أَلْفًا فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةٍ وَقَبَضَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهَا سَوَاءٌ كَانَ الصُّلْحُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَوْ قَبْلَهُ، كَمَا لَوْ وَجَدَهَا سَتُّوقَةً أَوْ نَبَهْرَجَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَالدَّنَانِيرِ هُنَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَإِنَّ الصُّلْحَ يَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ رَجَعَ بِمِثْلِهَا، وَلَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ كَالْفُلُوسِ.
كَذَا فِي حَاشِيَة الْحَمَوِيّ نقلا عَن الْبَحْر.
وَفِي الْمنح: هَذَا إِذا كَانَ الْبَدَل مِمَّا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يتَعَيَّن كالدراهم وَالدَّنَانِير لَا يبطل بهلاكه لانهما لَا يتعينان فِي الْعُقُود والفسوخ فَلَا يتَعَلَّق العقد بهما عِنْد الاشارة إِلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا يتَعَلَّق بمثلهما فِي الذِّمَّة فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ الْهَلَاك اهـ.
فَقَوْل الْمَتْن وَمَا اسْتحق من الْبَدَل مَحْمُول على مَا إِذا أمكن اسْتِحْقَاقه وَهُوَ مَا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ، وَأما مَا لَا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ فَلَا يُمكن اسْتِحْقَاقه لانه ينْعَقد الصُّلْح على جنسه وَقدره لَا على عينه، فَتَأمل.
وَفِي الْقُهسْتَانِيّ: وللمدعي أَن يرد الْبَاقِي وَيرجع بِكُل الْمُدَّعِي، كَمَا لَو اسْتحق كل الْعِوَض، وَهَذَا إِذا كَانَ الْمُسْتَحق لم يجز الصُّلْح، فَإِن أجَازه وَسلم الْعِوَض للْمُدَّعِي رَجَعَ الْمُسْتَحق على الْمُدعى عَلَيْهِ بِقِيمَتِه كَمَا فِي شرح الطَّحَاوِيّ.
قَول: (كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ إنْ كُلًّا فَكُلًّا أَوْ بَعْضًا فبعضا ح.
وَهَذَا إِذا كَانَ الْبَدَل يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ فِي المقولة السَّابِقَة.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ) مُقْتَضَى الْمُعَاوَضَةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ الثَّمَنَ فَإِنْ مِثْلِيًّا رَجَعَ بِمِثْلِهِ أَوْ قيميا فبقيمته وَلَا يفْسد العقد فَالصُّلْح يجْرِي على هَذَا.
سَيِّدي الْوَالِد.
أَقُول: لَكِن هَذَا فِيمَا يتمحض للثمنية كالدراهم، وَأما مثل الْمَذْكُور فَهِيَ من المقايضة، وَحكمهَا أَن كلا من الْبَدَلَيْنِ يكون ثمنا وبيعا باعتبارين فَلِذَا فسد العقد: أَي بِاعْتِبَار أَنه مَبِيع، وَعَلِيهِ فَكَانَ على الشَّارِح أَن يَقُول: لانه مقايضة.
تَأمل.
قَوْله: (وَحكمه كإجارة الخ) صورته: ادّعى رجل على رجل شَيْئا فاعترف بِهِ ثمَّ صَالحه على سُكْنى دَاره سنة أَو على ركُوب دَابَّة مَعْلُومَة أَو على لبس ثَوْبه أَو على خدمَة عَبده أَو على زراعة أرضه مُدَّة مَعْلُومَة فَهَذَا الصُّلْح جَائِز فَيكون فِي معنى الاجارة، فَيجْرِي فِيهِ أَحْكَام الاجارة.
كَذَا صوره الْعَيْنِيّ.
قَوْله: (إِن وَقع الصُّلْح عَن مَال بِمَنْفَعَة الخ) قَالَ فِي الْحَوَاشِي
стр. 922
الحموية: وَكَذَا إِذا وَقع عَن مَنْفَعَة بِمَال اعْتبر بالاجارة لَان الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمعاني، فَيشْتَرط فِيهِ الْعلم بالمدة كخدمة العَبْد وسكنى الدَّار والمسافة كركوب الدَّابَّة، بِخِلَاف صبغ الثَّوْب وَحمل الطَّعَام فَالشَّرْط بَيَان تِلْكَ الْمَنْفَعَة، وَيبْطل الصُّلْح بِمَوْت أَحدهمَا فِي الْمدَّة إِن عقده لنَفسِهِ، وَكَذَا بِفَوَات الْمحل قبل الِاسْتِيفَاء، وَلَو كَانَ بعد اسْتِيفَاء الْبَعْض بَطل فِيمَا بَقِي وَيرجع الْمُدَّعِي بِقدر مَا لم يسْتَوْف من الْمَنْفَعَة، وَلَو كَانَ الصُّلْح على خدمَة عبد فَقتل وَإِن كَانَ الْقَاتِل الْمولى بَطل، وَإِلَّا ضمن قِيمَته وَاشْترى بهَا عبدا يَخْدمه إِن شَاءَ كالموصى بخدمته، بِخِلَاف الْمَرْهُون حَيْثُ يضمن الْمولى بالاتلاف وَالْعِتْق، وَالِاعْتِبَار بالاجارة قَول مُحَمَّد.
قَالَ فِي شرح الْمُخْتَلف: وَهُوَ الاظهر، وَاعْتَمدهُ المحبوبي والنسفي، وَكَذَا بطلَان الصُّلْح بِمَوْت أَحدهمَا فِي الْمدَّة قَول مُحَمَّد.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: إِن مَاتَ الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يبطل الصُّلْح، وللمدعي أَن يَسْتَوْفِي جَمِيع الْمَنْفَعَة من الْعين بعد مَوته كَمَا لَو كَانَ حَيا، وَإِن مَاتَ الْمُدَّعِي لَا يبطل
الصُّلْح أَيْضا فِي خدمَة العَبْد وسكنى الدَّار وزراعة الارض، وَتقوم وَرَثَة الْمُدَّعِي مقَامه فِي اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة، وَيبْطل الصُّلْح فِي ركُوب الدَّابَّة وَلبس الثَّوْب لانه يتَعَيَّن فِيهِ الْعَاقِد، ثمَّ إِنَّمَا يعْتَبر إِجَارَة عِنْد مُحَمَّد إِذا وَقع على خلاف جنس الْمُدعى بِهِ، فَإِن ادّعى دَارا فَصَالحه على سكناهَا شهرا فَهُوَ اسْتِيفَاء بعض حَقه لَا إِجَارَة فَتَصِح إِجَارَته للْمُدَّعى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَحْر.
وَصُورَة الصُّلْح عَن مَنْفَعَة بِمَال: ادّعى السُّكْنَى لدار سنة وَصِيَّة من مَالِكهَا فَأقر بِهِ وَارثه فَصَالحه على مَال.
ذكره الْحَمَوِيّ.
قَالَ بعض الْفُضَلَاء: إِنَّمَا قيد بِكَوْن الْمصَالح عَنهُ مَالا لانه لَو صَالح عَن مَنْفَعَة بِمَال كَانَ الانكار كالاقرار، فَلَو ادّعى ممرا فِي دَار ومسيلا عَلَى سَطْحٍ أَوْ شُرْبًا فِي نَهْرٍ فَأَقَرَّ أَو أنكر ثمَّ صَالحه على شئ مَعْلُوم جَازَ.
وَالظَّاهِر أَن هَذَا حكمه غير حكم الاجارة لانها لَا تجْرِي فِي هَذِه الاشياء فَكَانَ حكم الصُّلْح فِي هَذِه الصِّحَّة، وَلَعَلَّ كَلَام الشَّارِح الْآتِي فِي مَنْفَعَة غير هَذِه.
قَوْله: (فَشرط التَّوْقِيت فِيهِ) أَي فِي الصُّلْح الْوَاقِع عَن مَال بِمَنْفَعَة.
قَوْله: (إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ) كسكنى دَار: أَي إِن كَانَت الْمَنْفَعَة تعلم بِالْوَقْتِ كَالَّذي مثل بِهِ.
قَالَ الْعَلامَة مِسْكين: وَإِنَّمَا يشْتَرط التَّوْقِيت فِي الاجير الْخَاص، حَتَّى لَو تصالحا على خدمَة عَبده أَو سُكْنى دَاره يحْتَاج إِلَى التَّوْقِيت، وَفِي الْمُشْتَرك لَا يحْتَاج إِلَيْهِ كَمَا إِذا صَالحه على صبغ ثوب أَو ركُوب دَابَّة إِلَى مَوضِع كَذَا أَو حمل طَعَام إِلَيْهِ اهـ.
قَوْله: (وَإِلَّا لَا كصبغ ثوب) أَي مِمَّا تعلم الْمَنْفَعَة فِيهِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَكَذَا مَا تعلم الْمَنْفَعَة فِيهِ بالاشارة كنقل هَذَا الطَّعَام إِلَى كَذَا فالمدار على الْعلم بِالْمَنْفَعَةِ كَمَا يَأْتِي بَيَانه فِي كتاب الاجارة.
قَوْله: (وَيبْطل بِمَوْت أَحدهمَا) أَي إِن عقده لنَفسِهِ.
بَحر وَهَذَا عِنْد مُحَمَّد أَيْضا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: إِن مَاتَ الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يبطل الصُّلْح، وللمدعي أَن يَسْتَوْفِي جَمِيع الْمَنْفَعَة من الْعين بعد مَوته كَمَا قدمْنَاهُ.
فرع: إِذا أقرّ الْمُدَّعِي فِي ضمن الصُّلْح أَنه لَا حق لَهُ فِي هَذَا الشئ ثمَّ بَطل الصُّلْح يبطل إِقْرَاره الَّذِي فِي ضمنه، وَله أَن يَدعِيهِ بعد ذَلِك، وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ إِذا أقرّ عِنْد الصُّلْح بِأَن هَذَا الشئ للْمُدَّعِي ثمَّ بَطل الصُّلْح فَإِنَّهُ يرد ذَلِك الشئ إِلَى الْمُدَّعِي انْتهى.
وَقد أوضحه الْحَمَوِيّ فِي شَرحه.
قَوْله: (وبهلاك الْمحل) أَي قبل الِاسْتِيفَاء، فَلَو قبض بعضه بَطل فِيمَا بَقِي فَيرجع بِقَدرِهِ، وَمَا ذكر من الْبطلَان بِالْمَوْتِ والهلاك قَول مُحَمَّد، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: إِن مَاتَ الْمَطْلُوب لَا يبطل الصُّلْح وَالْمُدَّعِي يَسْتَوْفِيه إِلَى
آخر مَا قدمْنَاهُ.
قَوْله: (فِي الْمدَّة) تنَازع فِيهِ موت وهلاك على أَن يكون صفة لكل مِنْهُمَا: أَي لَو هلك
стр. 923
أحد المتصالحين عَن مَال بِمَنْفَعَة فِي الْمدَّة أَو هلك الْمحل الَّذِي قَامَت بِهِ تِلْكَ الْمَنْفَعَة فِيهَا بَطل الصُّلْح لانه إِجَارَة، وَهِي تبطل بذلك إِن كَانَت فِي كل الْمدَّة، وَإِن كَانَت فِي بَعْضهَا فبقدره من حِين الْمَوْت والهلاك.
قَوْله: (وَكَذَا) يَصح لَو وَقع: أَي الصُّلْح عَن دَعْوَى مَنْفَعَة بِمَال وَأقر بهَا.
وَفِيه أَن الْمَنْفَعَة مَنْفَعَة ملك الْمُدعى عَلَيْهِ وَلَا يَصح اسْتِئْجَار مَنْفَعَة ملكه.
قَوْله: (أَو بِمَنْفَعَة عَن جنس آخر) كخدمة عبد فِي سُكْنى دَار، بِخِلَاف مَا إِذا اتَّحد الْجِنْس، كَمَا إِذا صَالح عَن سُكْنى دَار على سُكْنى دَار أَو الْخدمَة بِالْخدمَةِ وَالرُّكُوب بالركوب فَإِنَّهُ لَا يجوز بيع الْمَنْفَعَة بِالْمَنْفَعَةِ مَعَ اتِّحَاد الْجِنْس، كَمَا لَا يجوز اسْتِئْجَار الْمَنْفَعَة بجنسها من الْمَنَافِع فَكَذَا الصُّلْح لَكِن صور الْمَسْأَلَة الْقُهسْتَانِيّ بِمَا لَو أوصى بسكنى دَاره لرجل ثمَّ مَاتَ ثمَّ ادّعى الْمُوصى لَهُ السُّكْنَى فَصَالحه عَن هَذِه السُّكْنَى على سُكْنى دَار أُخْرَى أَو دَرَاهِم مُسَمَّاة، فَتبين مِنْهُ أَن المُرَاد من اخْتِلَاف جنس الْمَنْفَعَة اخْتِلَاف عينهَا.
تَأمل وراجع.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذِه الْمَسْأَلَة قبل.
قَوْله شَرط التَّوْقِيت فِيهِ.
قَوْله: (ابْن كَمَال) قَالَ فِي الايضاح: لَكِن إِنَّمَا يجوز بِمَنْفَعَة عَن مَنْفَعَة إِذا كَانَتَا مختلفتي الْجِنْس انْتهى، كَذَا إِذا صَالحه عَن سُكْنى دَار على خدمَة عبد، بِخِلَاف مَا إِذا اتَّحد الْجِنْس، كَمَا إِذا صَالح عَن سُكْنى دَار على سُكْنى دَار فَإِنَّهُ لَا يجوز كَمَا قدمْنَاهُ قَرِيبا.
قَوْله: (لانه) أَي انْفِسَاخ العقد بذلك هُوَ حكم الاجارة: يَعْنِي إِذا كَانَ الصُّلْح عَن المَال بِالْمَنْفَعَةِ.
قَوْله: (أَي الصُّلْح) يُشِير إِلَى تَقْدِير مُضَاف فِي المُصَنّف.
وَقَوله: (بسكوت وإنكار) الْبَاء بِمَعْنى فِي: أَي الصُّلْح الْوَاقِع فِي سكُوت وإنكار، والظرفية مجازية، وَلَا يصلح جعلهَا سَبَبِيَّة لَان سَبَب الصُّلْح الدَّعْوَى.
قَوْله: (وإنكار) الْوَاو بِمَعْنى أَو.
قَوْله: (مُعَاوضَة فِي حق الْمُدَّعِي) لانه يَأْخُذهُ عوضا عَن حَقه فِي زَعمه.
دُرَر فَبَطَلَ الصُّلْحُ عَلَى دَرَاهِمَ بَعْدَ دَعْوَى دَرَاهِمَ إِذا تفَرقا قبل الْقَبْض.
بَحر.
قَوْله: (وَفِدَاءُ يَمِينٍ وَقَطْعُ نِزَاعٍ فِي حَقِّ الْآخَرِ) إِذا لولاه لبقي النزاع وَلزِمَ الْيَمين.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَهَذَا فِي الانكار ظَاهر، لانه تبين بالانكار أَن مَا يُعْطِيهِ لقطع الْخُصُومَة وَفِدَاء الْيَمين، وَكَذَا فِي السُّكُوت لانه يحْتَمل الاقرار والانكار، وجهة الانكار راجحة إِذْ الاصل فرَاغ الذمم فَلَا يجب بِالشَّكِّ، وَلَا يثبت بِهِ كَون مَا
فِي يَده عوضا عَمَّا وَقع بِالشَّكِّ: أَي مَعَ أَن حمله على الانكار أولى، لَان فِيهِ دَعْوَى تَفْرِيغ الذِّمَّة وَهُوَ الاصل كَمَا علمت.
قَوْله: (فَلَا شُفْعَةَ فِي صُلْحٍ عَنْ دَارٍ مَعَ أَحدهمَا) يَعْنِي إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ دَارِهِ فَصَالح عَنْهَا بِدفع شئ لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَسْتَبْقِي الدَّار الْمَمْلُوكَة لَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِهَذَا الصُّلْحِ وَيَدْفَعُ خُصُومَةَ الْمُدَّعِي عَنْ نَفْسِهِ، لَا أَنَّهُ يَشْتَرِيهَا وَزَعْمُ الْمُدَّعِي لَا يلْزمه.
منح
قَوْله: (فيدلي بحجته) أَي فيتوصل الشَّفِيع بِحجَّة الْمُدَّعِي إِلَى إِثْبَات الدَّعْوَى عَلَيْهِ: أَي على الْمُدَّعِي الْمُنكر أَو السَّاكِت.
قَوْله: (لَان بِإِقَامَة الْبَيِّنَة) حذف اسْم إِن،
قَوْله: (فخلف) بتَشْديد اللَّام: أَي الشَّفِيع الْمُدعى عَلَيْهِ أَن الدَّار لم تكن للْمُدَّعِي.
قَالَ فِي الْخَانِية: ادَّعَيَا أَرْضًا فِي يَدِ رَجُلٍ بِالْإِرْثِ مِنْ أَبِيهِمَا فَجَحَدَ ذُو الْيَدِ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى مِائَةٍ لَمْ يُشَارِكْهُ الْآخَرُ، لِأَنَّ الصُّلْحَ مُعَاوَضَةٌ فِي زَعْمِ الْمُدَّعِي فِدَاءُ يَمِينٍ فِي زَعْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ
стр. 924
مُعَاوَضَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا يَثْبُتُ لِلشَّرِيكِ حَقُّ الشَّرِكَةِ بِالشَّكِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أُبَيّ حنيفَة يُشَارِكهُ انْتهى مُلَخصا.
أَقُول: لم لم يُؤَاخذ بزعم، كَمَا يَأْتِي نَظِيره؟ وَلَعَلَّ الْعلَّة فِي ذَلِك أَنه بَاعَ نصِيبه فَقَط وَلَا شركَة لاخيه فِيهِ، بِخِلَاف مَا لَو صَالح الْمَدْيُون على مِقْدَار مَعْلُوم حَيْثُ يُشَارِكهُ أَخُوهُ كَمَا هُوَ ظَاهر، تَأمل.
قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ) أَيْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي دَارٍ وَقع الصُّلْح عَلَيْهَا بِأَن تكون بَدَلا.
قَوْله: (بِأَحَدِهِمَا) أَي الانكار أَو السُّكُوت.
قَوْله: (أَو بِإِقْرَار) لَا حَاجَة إِلَيْهِ للاستغناء عَنهُ بقوله فِي الصُّلْح عَن إِقْرَار فتجري فِيهِ الشُّفْعَة.
قَوْله: (عَن المَال) أل عوض عَن الضَّمِير.
قَوْله: (فيؤاخذ بِزَعْمِهِ) حَتَّى لَو ادّعى دَارا فَأنْكر فَصَالحه عَنْهَا عَن دَار أُخْرَى وَجَبت الشُّفْعَة فِي الَّتِي صَالح عَلَيْهَا دون الاخرى لما ذكرنَا.
عَيْني.
وإنكار الآخر الْمُعَاوضَة لَا تمنع وجوب الشُّفْعَة فِيهَا، أَلا ترى أَن رجلا لَو قَالَ أَنا اشْتريت هَذِه الدَّار من فلَان وَفُلَان يُنكر يَأْخُذهَا الشَّفِيع بِالشُّفْعَة، وَكَذَا لَو ادّعى أَنه بَاعَ دَاره من فلَان وَهُوَ يُنكر يَأْخُذهَا الشَّفِيع مِنْهُ بِالشُّفْعَة لَان زَعمه حجَّة فِي نَفسه.
زَيْلَعِيّ.
قَوْله: (وَمَا اسْتحق من الْمُدَّعِي) من فِيهِ للتَّبْعِيض، فَهُوَ قَاصِر على مَا إِذا اسْتحق بعضه.
قَوْله: (فِيهِ) أَي فِي الْبَعْض الْمُسْتَحق.
قَوْله: (لخلو
الْعِوَض عَن الْغَرَض) عِلّة.
ل
قَوْله: (رد الْمُدَّعِي حِصَّته) وَذَلِكَ لَان الْمُدعى عَلَيْهِ لم يدْفع الْعِوَض إِلَّا ليدفع خصومته عَن نَفسه وَيبقى الْمُدَّعِي فِي يَده بِلَا خُصُومَة أحد، فَإِذا اسْتحق لم يحصل لَهُ مَقْصُوده، وَظهر أَيْضا أَن الْمُدَّعِي لم يكن لَهُ خُصُومَة فَيرجع عَلَيْهِ انْتهى.
منح.
قَوْله: (رَجَعَ) أَي الْمُدَّعِي.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّهِ) إنْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْعِوَضِ.
قَوْله: (أَو بعضه) إِن اسْتحق بعضه، لَان الْمُبدل فِي الصُّلْح عَن إِنْكَار هُوَ الدَّعْوَى، فَإِذا اسْتحق لبدل وَهُوَ الْمصَالح عَلَيْهِ رَجَعَ بالمبدل وَهُوَ الدَّعْوَى: أَي إِلَّا إِذا كَانَ مِمَّا لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ كَالْقِصَاصِ وَالْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ كَمَا فِي الاشباه عَن الْجَامِع الْكَبِير.
قَالَ الْحَمَوِيّ: قَوْله كَالْقصاصِ فِيهِ نظر، فَإِنَّهُ ذكر فِي الْجَامِع الْكَبِير أَنَّهَا لَو كَانَت الدَّعْوَى قصاصا فَصَالحه الْمُدعى عَلَيْهِ من غير إِقْرَار على جَارِيَة فاستولدها الْمُدَّعِي ثمَّ اسْتحقَّت فَأَخذهَا الْمُسْتَحق وَضَمنَهُ الْعقر وَقِيمَة الْوَلَد فَإِن الْمُدَّعِي يرجع إِلَى دَعْوَاهُ، فَلَو أَقَامَ الْبَيِّنَة أَو نكل الْمُدعى عَلَيْهِ رَجَعَ بِقِيمَة الْوَلَد وَقِيمَة الْجَارِيَة أَيْضا وَلَا يرجع بِمَا ادَّعَاهُ، بِخِلَاف مَا تقدم: يَعْنِي لَو ادّعى على رجل ألفا فجحدها أَو سكت فَصَالحه على جَارِيَة فقبضها واستولدها ثمَّ اسْتحقَّهَا مُسْتَحقّ فَأَخذهَا فَإِنَّهُ لَا يرجع بِقِيمَة الْجَارِيَة وَيرجع بِمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ الالف.
وَالْفرق أَن الصُّلْح ثمَّة وَقع عَن دَعْوَى المَال وَأَنه يحْتَمل الْفَسْخ بالاقالة وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ وَالْخيَار، فَكَذَا تَنْفَسِخ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَإِذا انْفَسَخ عَادَتْ الدَّعْوَى كَمَا كَانَت فَيرجع بِمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ الالف.
أما الصُّلْح عَن الْقصاص فَلَا يحْتَمل الْفَسْخ لانه بعد سُقُوطه لَا يحْتَمل الْعود، لَان الصُّلْح عَفْو فَلَا يحْتَمل النَّقْض كَالْعِتْقِ وَالنِّكَاح وَالْخلْع، فَإِذا لم يفْسخ بِاسْتِحْقَاق الْجَارِيَة بَقِي الصُّلْح على حَاله وَهُوَ السَّبَب
стр. 925
الْمُوجب تَسْلِيم الْجَارِيَة وَقد عجز عَن تَسْلِيمهَا فَيجب قيمتهَا.
كَذَا فِي شرح تَلْخِيص الْجَامِع للفخر المارديني.
ثمَّ قَالَ: وَفِيه إِشْكَال، وَهُوَ أَن يُقَال: إِذا أقررتم أَن الصُّلْح عَن الدَّم لَا ينْتَقض بِاسْتِحْقَاق الْجَارِيَة وَجب أَن لَا يرجع إِلَى دَعْوَاهُ: يَعْنِي سَوَاء كَانَ الصُّلْح عَن إِنْكَار أَو بَيِّنَة أَو نُكُول لَان الرُّجُوع
إِلَى الدَّعْوَى نتيجة انْتِقَاض الصُّلْح كَمَا تقدم آنِفا وَلم ينْتَقض انْتهى.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَلَو اسْتحق الْمصَالح عَلَيْهِ أَو بعضه رَجَعَ إلَى الدَّعْوَى فِي كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، إلَّا إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَهُوَ من جنس الْمُدعى بِهِ فيحنئذ يَرْجِعُ بِمِثْلِ مَا اسْتَحَقَّ وَلَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ، كَمَا إذَا ادَّعَى أَلْفًا فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةٍ وَقَبَضَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهَا سَوَاءٌ كَانَ الصُّلْحُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَوْ قَبْلَهُ كَمَا لَوْ وَجَدَهَا سَتُّوقَةً أَوْ نَبَهْرَجَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَالدَّنَانِيرِ، هَذَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَإِنَّ الصُّلْحَ يَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ رَجَعَ بِمِثْلِهَا وَلَا يَبْطُلُ الصُّلْح كالفلوس اهـ.
قَوْله: (فَإِن وَقع بِهِ) أَي بِلَفْظ البيع، بِأَن عبر بِلَفْظ البيع عَن الصُّلْح فِي الانكار وَالسُّكُوت بِأَن قَالَ أَحدهمَا بِعْتُك هَذَا الشئ بِهَذَا وَقَالَ الآخر اشْتَرَيْته حَيْثُ يرجع الْمُدَّعِي عِنْد الِاسْتِحْقَاق على الْمُدعى عَلَيْهِ بالمدعي نَفسه لَا بِالدَّعْوَى، لَان إقدام الْمُدعى عَلَيْهِ على الْمُبَايعَة إِقْرَار مِنْهُ بِأَن الْمُدَّعِي ملك الْمُدعى فَلَا يعْتَبر إِنْكَاره، بِخِلَافِ الصُّلْحِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لَهُ، إذْ الصُّلْح قد يَقع لدفع الْخُصُومَة كَمَا يَأْتِي قَرِيبا
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ إقْدَامَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
قَوْلُهُ: (إِقْرَار بِالْمِلْكِيَّةِ) أَيْ لِلْمُدَّعِي، بِخِلَافِ الصُّلْحِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لَهُ، إذْ الصُّلْحُ قَدْ يَقَعُ لِدَفْعِ الْخُصُومَة
قَوْله: (قبل التَّسْلِيم لَهُ) وَأما هَلَاكه بعد تَسْلِيمه لَهُ فَيهْلك على الْمُدَّعِي لدُخُوله فِي ضَمَانه.
قَوْله: (كاستحقاقه) أَي كاستحقاق بدل الصُّلْح كَذَلِك: أَي كلا أَو بَعْضًا.
قَوْله: (فِي الْفَصْلَيْنِ) أَي مَعَ إِقْرَار أَو مَعَ سكُوت وإنكار فَيرجع بالمدعي أَو بِالدَّعْوَى، فَإِن كَانَ عَن إِقْرَار رَجَعَ بعد الْهَلَاك إِلَى الْمُدَّعِي، وَإِن كَانَ عَن إِنْكَار رَجَعَ إِلَى الدَّعْوَى.
وَإِذا هلك بعضه يكون كاستحقاق بعضه حَتَّى يبطل الصُّلْح فِي قدره وَيبقى فِي الْبَاقِي.
منح.
قَوْله: (وَهَذَا) أَي رُجُوعه إِلَى الدَّعْوَى عِنْد اسْتِحْقَاق الْبَدَل أَو هَلَاكه قبل التَّسْلِيم.
قَوْله: (لَو الْبَدَل) أَي لَو كَانَ الْبَدَل مِمَّا يتَعَيَّن.
قَوْله: (وَإِلَّا) بِأَن كَانَ لَا يتَعَيَّن وَهُوَ من جنس الْمُدعى بِهِ.
قَوْله (لم يبطل) أَي الصُّلْح.
قَوْله: (بل يرجع بِمثلِهِ) كَأَن كَانَ دَرَاهِم أَو دَنَانِير، فَإِن الصُّلْح لَا يبطل بهلاكه لانهما لَا يتعينان فِي الْعُقُود والفسوخ فَلَا يتَعَلَّق بهما العقد عِنْد الاشارة إِلَيْهِمَا وَإِنَّمَا يتَعَلَّق بمثلهما فِي الذِّمَّة فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ الْهَلَاك.
وَالْحَاصِل: أَنه إِذا ادّعى عَلَيْهِ أَلْفًا فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةٍ وَقَبَضَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ عِنْد اسْتِحْقَاقهَا
سَوَاء كَانَ الصُّلْح قبل الِافْتِرَاق أَو بعده، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ من غير الحنس كَالدَّنَانِيرِ هُنَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَإِنَّ الصُّلْح يبطل، وَإِن كَانَ قبله فَإِنَّهُ يرجع لمثلهَا وَلَا يبطل الصُّلْح كالفلوس كَمَا قدمنَا.
стр. 926
قَوْله: (كَذَا فِي نسخ الْمَتْن وَالشَّرْح) لَعَلَّه هُوَ الَّذِي وَقع لَهُ.
وَالَّذِي فِي نُسْخَة الشَّرْح الَّتِي بيَدي عَليّ.
قَوْله: (أَي عين يدعيها) تَفْسِير لما وَتَخْصِيص لعمومها فَإِنَّهَا تَشْمَل الدّين حَلَبِيّ.
وَهَذَا لَو قَائِما، وَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا كَانَ هَالِكًا عِنْدَ قَول الْمَتْن وَالصُّلْح عَن الْمَغْصُوب الْهَالِك.
قَوْله: (لجوازه فِي الدّين) لجَوَاز إِسْقَاطه، وَهُوَ عِلّة للتخصيص الْمَذْكُور: إِنَّمَا كَانَ هَذَا خَاصّا بِالْعينِ لجوازه فِي الدّين، لَان الصُّلْح عَن دين بِبَعْضِه أَخذ الْبَعْض حَقه وَإِسْقَاط للْبَاقِي كَمَا يَأْتِي وَإِسْقَاط الدّين جَائِز، وَإِنَّمَا لم يجز فِي الْعين لَان الابراء عَن الاعيان لَا يَصح، وَلذَا لَو زَاد على الْبَعْض ثوبا أَو درهما صَحَّ لانه يَجْعَل الثَّوْب أَو الدِّرْهَم بَدَلا عَن الْبَاقِي، وَكَذَا لَو أَبرَأَهُ عَن الدَّعْوَى فِي بَاقِيهَا يَصح، فَلَو صَالحه على بَيت مِنْهَا على أَن يتْرك الدَّعْوَى فِي بَاقِيهَا كَأَن أَخذ الْبَعْض حَقه وإبراء عَن الدَّعْوَى فِي الْبَاقِي والابراء عَن الدَّعْوَى صَحِيح، فَلَيْسَ لَهُ أَن يَدعِي بعد ذَلِك وَلَكِن لَا يملكهَا ديانَة لعدم وجود التَّمْلِيك لَهَا لفقد سَببه.
قَوْله: (فَلَو ادّعى عَلَيْهِ دَارا) تَفْرِيع على الْمَتْن وتمثيل لَهُ ح.
قَوْله: (على بَيت مَعْلُوم مِنْهَا) الظَّاهِر أَنه كَانَ على بعض شَائِع مِنْهَا كَذَلِك لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة.
قَوْله: (فَلَو من غَيرهَا صَحَّ) الاولى تَأْخِيره عَن قَوْله لم يَصح وعلته ليَكُون مفهوما للتَّقْيِيد بقوله مِنْهَا وليسلم من الْفَصْل بَين لَو وجوابها وَهُوَ قَوْله لم يَصح بأجنبي وَهُوَ.
قَوْله: فَلَو من غَيرهَا صَحَّ.
قَوْله: (لَان مَا قَبضه من عين حَقه) أَي بعض عين حَقه وَهُوَ على دَعْوَاهُ فِي الْبَاقِي، لَان الصُّلْح إِذا كَانَ على بعض عين الْمُدَّعِي كَانَ اسْتِيفَاء لبَعض الْحق وإسقاطا للْبَعْض، والاسقاط لَا يرد على الْعين بل هُوَ مَخْصُوص بِالدّينِ، حَتَّى إِذا مَاتَ وَاحِد وَترك مِيرَاثا فأبرأ بعض الْوَرَثَة عَن نصِيبه لم يجز لكَون بَرَاءَته عَن الاعيان.
دُرَر.
وَيَأْتِي قَرِيبا بأوضح مِمَّا هُنَا.
قَوْله: (كَثوب وَدِرْهَم) أَشَارَ بذلك إِلَى أَنه لَا فرق بَين القيمي والمثلي.
قَوْله: (فَيصير ذَلِك) أَي الْمَزِيد من الثَّوْب وَالدِّرْهَم.
قَوْله: (عوضا عَن حَقه فِيمَا بَقِي) أَي فَيكون مُسْتَوْفيا بعض حَقه وآخذ الْعِوَض عَن الْبَعْض.
قَوْله: (أَو يلْحق) مَنْصُوب بِأَن مضمرة مثل - أَو يُرْسل - فَيكون مؤولا بمصدر
مجرور مَعْطُوف على مجرور الْبَاء وَهُوَ بِضَم الْيَاء من الافعال.
قَوْله: (عَن دَعْوَى الْبَاقِي) لَان الابراء عَن عينه غير صَحِيح: أَي فِي حق الدَّعْوَى وَسُقُوط الْعين ديانَة كَمَا فِي الْمَبْسُوط، وَلذَا قيد بِهِ.
وَأما الابراء عَن دَعْوَى الْعين فَجَائِز كَمَا فِي الدُّرَر، وَهُوَ أَن يَقُولَ بَرِئْتُ عَنْهَا أَوْ عَنْ خُصُومَتِي فِيهَا أَو عَن دعواي هَذِهِ الدَّارِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ أَبْرَأْتُكَ عَنْهَا أَوْ عَنْ خُصُومَتِي فِيهَا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ، وَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَ: أَي غير الْمُخَاطب، كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ بِيَدِهِ عَبْدٌ بَرِئْتُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ، وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْتُكَ لَا لانه إِنَّمَا أَبرَأَهُ عَن ضَمَان كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ أَحْكَامِ الدَّيْنِ.
قُلْت: ففرقوا بَين أَبْرَأتك وبرئت أَو أَنا برِئ لِإِضَافَةِ الْبَرَاءَةِ لِنَفْسِهِ فَتَعُمُّ، بِخِلَافِ أَبْرَأْتُكَ لِأَنَّهُ خِطَابُ الْوَاحِدِ فَلَهُ مُخَاصَمَةُ غَيْرِهِ كَمَا فِي حَاشِيَتِهَا مَعْزِيًّا للولوالجية شَرْحُ الْمُلْتَقَى.
وَفِي الْبَحْرِ: الابراء إِن كَانَ على وَجه الانشاء كأبرأتك، فَإِنْ كَانَ عَنْ الْعَيْنِ بَطَلَ مِنْ حَيْثُ
стр. 927
الدَّعْوَى فَلَهُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى الْمُخَاطَبِ وَغَيْرِهِ وَيصِح من حَيْثُ نفي الضَّمَان، وَإِن كَانَ عَنْ دَعْوَاهَا: فَإِنْ أَضَافَ الْإِبْرَاءَ إلَى الْمُخَاطب كأبرأتك عَن هَذِه الدَّار أَلا عَنْ خُصُومَتِي فِيهَا أَوْ عَنْ دَعْوَى فِيهَا لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْمُخَاطَبِ فَقَطْ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ بَرِئْتُ عَنْهَا أَوْ أَنا برِئ فَلَا تُسْمَعُ مُطْلَقًا، هَذَا لَوْ عَلَى طَرِيقِ الْخُصُوصِ: أَيْ عَيْنٌ مَخْصُوصَةٌ، فَلَوْ عَلَى الْعُمُومِ فَلهُ الدَّعْوَى على الْمُخَاطب وَغَيره، كَمَا لَوْ تَبَارَأَ الزَّوْجَانِ عَنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى وَلَهُ أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ لَهُ الدَّعْوَى بِهَا لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الدُّيُونِ لَا الْأَعْيَانِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ على وَجه الاخبار كَقَوْلِه هِيَ برِئ مِمَّا لِي قِبَلَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ مُتَنَاوِلٌ لِلدَّيْنِ وَالْعَيْنِ فَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى، وَكَذَا لَا مِلْكَ لي فِي هَذَا الْعين.
ذكره فِي الْمَبْسُوط وَالْمُحِيط.
فلعم أَنَّ قَوْلَهُ لَا أَسْتَحِقُّ قِبَلَهُ حَقًّا مُطْلَقًا وَلَا دَعْوَى يَمْنَعُ الدَّعْوَى بِالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ: لَا حَقَّ لِي قِبَلَهُ يَشْمَلُ كُلَّ عَيْنٍ وَدَيْنٍ، فَلَوْ ادَّعَى حَقًّا لَمْ يُسْمَعْ مَا لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ اهما فِي الْبَحْرِ مُلَخَّصًا.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا حَقَّ لِي إبْرَاءٌ عَامٌّ لَا إِقْرَار.
قَوْله: (الصِّحَّة مُطلقًا) وَلَو من غير هَذِه الْحِيلَة فَلَا تصح الدَّعْوَى بعده وَإِن برهن.
أَقُول: الابراء عَن الاعيان لَا يَصح اتِّفَاقًا، أما فِي خُصُوص الْمَسْأَلَة، وَهُوَ مَا إِذا ادّعى دَارا
وَصَالَحَهُ على بَيت مِنْهَا يَصح فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَيجْعَل كَأَنَّهُ قبل مِنْهُ بعض حَقه وأبرأه عَن الدَّعْوَى فِي بَاقِيه كَمَا قدمنَا، لَان الابراء عَن الْعين إِبْرَاء عَن الدَّعْوَى فِيهِ، والابراء عَن الدَّعْوَى فِي الاعيان صَحِيح.
وعَلى مَا فِي الْمَتْن وَهُوَ رِوَايَة ابْن سَمَّاعَة لم يَجعله إِبْرَاء عَن الدَّعْوَى وَقَالَ بِعَدَمِ صِحَّته.
قَالَ فِي الِاخْتِيَار: وَلَو ادّعى دَارا فَصَالحه على قدر مَعْلُوم مِنْهَا جَازَ وَيصير كَأَنَّهُ أَخذ بعض حَقه وأبرأه عَن دَعْوَى الْبَاقِي، والبراءة عَن الْعين وَإِن لم تصح لَكِن الْبَرَاءَة عَن الدَّعْوَى تصح، فصححناه على هَذَا الْوَجْه قطعا للمنازعة اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَة البرهانية: ادّعى دَارا فِي يَد رجل واصطلحا على بَيت مَعْلُوم من الدَّار فَهُوَ على وَجْهَيْن: إِن وَقع الصُّلْح على بَيت مَعْلُوم من دَار أُخْرَى للْمُدَّعى عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِز، وَإِن وَقع الصُّلْح على بَيت مَعْلُوم من الدَّار الَّتِي وَقع فِيهَا الدَّعْوَى فَذَلِك الصُّلْح جَائِز لانه فِي زعم الْمُدَّعِي أَنه أَخذ بعض حَقه وَترك الْبَعْض، وَفِي زعم الْمُدعى عَلَيْهِ أَنه فدَاء عَن يَمِينه.
وَإِذا جَازَ هَذَا الصُّلْح هَل يسمع دَعْوَى الْمُدعى بعد ذَلِك وَهل تقبل إِن كَانَ الْبَيْت من دَار أُخْرَى؟ لَا تسمع دَعْوَاهُ باتفقا الرِّوَايَات، لَان هَذَا مُعَاوضَة بِاعْتِبَار جَانب الْمُدَّعِي فَكَأَنَّهُ بَاعَ مَا ادّعى بِمَا أَخذ.
وَفِيمَا إِذا وَقع الصُّلْح على بَيت من هَذِه الدَّار ذكر شيخ الاسلام نجم الدّين النَّسَفِيّ فِي شرح الْكَافِي أَنه تسمع، وَهَكَذَا يُفْتِي الشَّيْخ الامام الاجل ظهير الدّين المرغيناني، وَذكر شيخ الاسلام فِي شَرحه أَنه لَا تسمع دَعْوَاهُ.
وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه تسمع.
قَالُوا: وَهَكَذَا ذكر فِي بعض رِوَايَات الصُّلْح، واتفقت الرِّوَايَات أَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَو أقرّ بِالدَّار للْمُدَّعِي أَنه يُؤمر بِتَسْلِيم الدَّار إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة ابْن سَمَّاعَة أَن الْمُدَّعِي بِهَذَا الصُّلْح استوفى بعض حَقه أَو أَبْرَأ عَن الْبَاقِي، إِلَّا أَن الابراء لَاقَى عينا والابراء عَن الاعيان بَاطِل، فَصَارَ وجوده وَعَدَمه بِمَنْزِلَة شئ وَاحِد.
وَجه ظَاهر الرِّوَايَة أَن الابراء لَاقَى عينا وَدَعوى فَإِن الْمُدَّعِي كَانَ يَدعِي جَمِيع الدَّار لنَفسِهِ والابراء عَن الدَّار صَحِيح، وَإِن كَانَ الابراء عَن الْعين لَا يَصح، فَإِن من قَالَ لغيره أَبْرَأتك عَن دَعْوَى
стр. 928
هَذَا الْعين صَحَّ الابراء حَتَّى لَو ادّعى بعد ذَلِك فَلَا تسمع.
أَو نقُول: الابراء لَاقَى الدَّعْوَى، فَإِن قَوْله أَبْرَأتك عَن هَذِه الْعين مَعْنَاهُ أَبْرَأتك عَن دَعْوَى هَذِه الْعين، أَلا ترى أَن قَول الْمَغْصُوب مِنْهُ للْغَاصِب أَبْرَأتك عَن العَبْد الْمَغْصُوب مَعْنَاهُ أَبْرَأتك عَن ضَمَان العَبْد الْمَغْصُوب، وبهذه الْمَسْأَلَة تبين أَن مَعْنَى قَوْلِنَا الْبَرَاءَةُ عَنْ الْأَعْيَانِ لَا تَصِحُّ أَنَّ الْعَيْنَ لَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بالابراء لَا أَن يبْقى الْمُدَّعِي على دَعْوَاهُ.
وَفِي آخر كتاب الدَّعْوَى فِي منتقى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد: فِي رجل خَاصم رجلا فِي دَار يدعيها ثمَّ قَالَ أَبْرَأتك عَن هَذِه الدَّار أَو قَالَ أَبْرَأتك عَن خصومتي هَذَا كُله بَاطِل وَله أَن يُخَاصم، وَلَو قَالَ بَرِئت من هَذِه الدَّار أَو قَالَ بَرِئت من دَعْوَى هَذِه الدَّار كَانَ جَائِزا وَلَا حق فِيهَا، وَلَو جَاءَ بِبَيِّنَة لم أقبلها.
وَفِي منتقى إِبْرَاهِيم بن رستم عَن مُحَمَّد: رجل ادّعى دَارا فِي يَد رجل فَصَالحه الْمُدعى عَلَيْهِ على نصفهَا وَقَالَ بَرِئت من دعواي فِي النّصْف الْبَاقِي أَو قَالَ بَرِئت من النّصْف الْبَاقِي أَو قَالَ لَا حق لي فِي النّصْف الْبَاقِي ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة على جَمِيع الدَّار لَا تقبل بَينته، وَلَو قَالَ صالحتك على نصفهَا على أَنِّي أَبْرَأتك من دعواي فِي النّصْف الآخر ثمَّ أَقَامَ بَيِّنَة كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذ الدَّار كلهَا، وَفرق بَين قَوْله بَرِئت وَبَين قَوْله أَبْرَأتك.
قَالَ: أَلا ترى أَن عبدا فِي يَد رجل لَو قَالَ لرجل بَرِئت مِنْهُ كَانَ بَرِيئًا مِنْهُ، وَلَو قَالَ أَبْرَأتك مِنْهُ كَانَ لَهُ أَن يَدعِيهِ وَرُبمَا أَبرَأَهُ من ضَمَانه.
قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابنَا رَحِمهم الله تَعَالَى أَنْت مني برِئ وَأَنا مِنْك برِئ كَانَ لَهُ أَن يَدعِي فِي العَبْد اهـ.
قَوْله: (فِي العزمية) وَوَجهه كَمَا فِي الْحَمَوِيّ أَن الابراء لَاقَى عينا وَدَعوى والابراء عَن الدَّعْوَى صَحِيح، فَإِن من قَالَ لغيره أَبْرَأتك عَن دَعْوَى هَذِه الْعين صَحَّ، وَلَو ادَّعَاهُ بعد لم تسمع.
قَوْله: (للبزازية) عبارتها: وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُور فِي أَكثر الْفَتَاوَى على اخْتِلَاف ظَاهر الرِّوَايَة وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة يَصح، وَلَا تصح الدَّعْوَى وَإِن برهن.
قَوْله: (وَقَوْلهمْ) جَوَاب سُؤال وَارِد على ظَاهر الرِّوَايَة، تَقْدِيره: كَيفَ صَحَّ الصُّلْح على بعض الْعين المدعاة مُطلقًا مَعَ أَنه يلْزم مِنْهُ الْبَرَاءَة عَن بَاقِيهَا؟ وَقد قَالُوا: الابراء عَن الاعيان بَاطِل، وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يَصح.
أَفَادَهُ الطَّحْطَاوِيّ.
لَكِن مَا ذكره وَارِد على كَلَام الماتن عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، إذْ لَا تَعَرُّضَ لِلْإِبْرَاءِ فِيهَا، وَمَا تَضَمَّنَهُ الصُّلْحُ إسْقَاطٌ لِلْبَاقِي لَا
إِبْرَاء، فَافْهَم وَتَأمل.
قَوْله: (عَن دَعْوَى الاعيان) الانسب هُنَا حذف.
قَوْله: دَعْوَى كَمَا يظْهر مِمَّا تقدم من عبارَة الذَّخِيرَة، وَهُوَ الْمُنَاسب لسياق كَلَامه وَلما يَأْتِي من الِاسْتِدْرَاك الْآتِي فِي.
قَوْله: لَكِن تسمع دَعْوَاهُ فِي الحكم إِذْ لَو بَطل الابراء عَن الدَّعْوَى لسمعت دَعْوَاهُ، ولان الْفِقْه صِحَة الْبَرَاءَة عَن دَعْوَى الاعيان كَمَا مر بِلَا خلاف فِيهَا، وَلَو قَالَ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لَكَانَ أحكم، وَالله تَعَالَى أعلم.
قَوْله: (وَلم يصر ملكا للْمُدَّعى عَلَيْهِ) هُوَ الْمَقْصُود من الْمقَام: أَي أَن معنى بطلَان الْبَرَاءَة عَن الاعيان أَنَّهَا لَا تصير ملكا للمبرئ مِنْهَا فَحل للْمُدَّعِي أَخذهَا إِن وجدهَا، وَلَيْسَ معنى
стр. 929
الْبطلَان الْمَذْكُور أَنه يسوغ لَهُ الدَّعْوَى بهَا بعد الابراء مِنْهَا.
أَبُو السُّعُود
قَوْله: (وَأما الصُّلْح على بعض الدّين) مَفْهُوم.
قَوْله: سَابِقًا أَي عين يدعيها.
قَالَ الْمَقْدِسِي معزيا للمحيط: لَهُ أَلْفٌ فَأَنْكَرَهُ الْمَطْلُوبُ فَصَالَحَهُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ الْأَلْفِ صَحَّ وَيَبْرَأُ عَنْ الْبَاقِي قَضَاءً لَا دِيَانَةً، وَلَوْ قَضَاهُ الْأَلْفَ فَأَنْكَرَ الطَّالِبُ فَصَالحه بِمِائَة صَحَّ وَلَا يحلى لَهُ أَخْذُهَا دِيَانَةً، فَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا وَمِنْ أَنَّ الرِّبَا لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ مَا بقيت عينه عدم صِحَة بَرَاءَة قُضَاة زَمَاننَا مِمَّا يأخذونه وَيطْلبُونَ الابراء فيبرئونهم، بل مَا أَخذه عَن الرِّبَا أعرق بِجَامِع عدم الْمحل فِي كُلٍّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ بَرَاءَتِهِ فِي الصُّلْحِ اسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْخَانِيَّةِ مَا لَوْ زَاد أَبْرَأتك عَن الْبَقِيَّة.
سائحاني: أَي حَيْثُ يبرأ حِينَئِذٍ قَضَاء وديانة.
قلت: وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ الصُّلْحُ من الاسقاط لَيْسَ إِبْرَاء من وَجه، وَإِلَّا لم يحْتَج.
لقَوْله: وأبرأتك عَن الْبَقِيَّة.
قَوْله: (أَي قَضَاء لَا ديانَة) هَذَا إِذا لم يُبرئ الْغَرِيم من الْبَاقِي وَإِلَّا برِئ ديانَة كَمَا علمت.
أَقُول: تَأمل فِيهِ مَعَ أَنهم قَالُوا: إِن الصُّلْح عَن الدّين على بعضه أَخذ لبَعض حَقه وَإِسْقَاط للْبَاقِي وَإِسْقَاط الدّين يَصح.
فَالَّذِي يظْهر أَنه يسْقط قَضَاء وديانة، وَلَو تمّ مَا ذكره هُنَا لم يبْق فَرْقَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
تَأمل.
قَوْله: (وَتَمَامه فِي أَحْكَام الدّين من الاشباه) وعبارتها: وَمِنْهَا صِحَة الابراء عَن الدّين، وَلَا يَصح الابراء عَن الاعيان والابراء عَن دَعْوَاهَا صَحِيح، فَلَو قَالَ أَبْرَأتك عَن
دَعْوَى هَذَا الْعين صَحَّ الابراء فَلَا تسمع دَعْوَاهُ بهَا بعده، وَلَو قَالَ بَرِئت من هَذِه الدَّار وَمن دَعْوَى هَذِه لم تسمع دَعْوَاهُ وبينته، وَلَو قَالَ أَبْرَأْتُكَ عَنْهَا أَوْ عَنْ خُصُومَتِي فِيهَا فَهُوَ بَاطِل وَله أَن يُخَاصم، وَإِنَّمَا أَبرَأَهُ عَن ضَمَانه.
كَذَا فِي النِّهَايَة من الصُّلْح.
وَفِي كَافِي الْحَاكِم: لَا حق لي قبله يبرأ من الدّين وَالْعين وَالْكَفَالَة والاجارة وَالْحُدُود وَالْقصاص اهـ.
وَبِه علم أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْأَعْيَانِ فِي الْإِبْرَاءِ الْعَامِّ، لَكِن فِي مداينات الْقنية: افترق الزَّوْجَانِ وَأَبْرَأ كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه عَن جَمِيع الدَّعَاوَى وَكَانَ للزَّوْج بذر فِي أرْضهَا وأعيان قَائِمَة الْحَصاد والاعيان الْقَائِمَة لَا تدخل فِي الابراء عَن جَمِيع الدَّعَاوَى.
اهـ.
وَيدخل فِي الابراء الْعَام الشُّفْعَة فَهُوَ مسْقط لَهَا قَضَاء لَا ديانَة إِن لم يقصدها.
كَذَا فِي الْوَلوالجِيَّة.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: الْإِبْرَاءُ عَنْ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إبْرَاءً عَنْ ضَمَانهَا وَتصير أَمَانَة فِي يَد الْغَاصِب.
وَقَالَ زفر: لَا يَصح الابراء وَتبقى مَضْمُونَة، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ مُسْتَهْلَكَةً صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَبَرِئَ من قيمتهَا اهـ.
فَقَوْلهم حِينَئِذٍ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ مَعْنَاهُ: أَنَّهَا لَا تَكُونُ مِلْكًا لَهُ بِالْإِبْرَاءِ، وَإِلَّا فَالْإِبْرَاءُ عَنْهَا لِسُقُوطِ ضَمَانِهَا صَحِيحٌ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْأَمَانَةِ اهـ: أَيْ أَنَّ الْبُطْلَانَ عَنْ الْأَعْيَانِ مَحَلُّهُ إذَا كَانَتْ الْأَعْيَانُ أَمَانَةً، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَمَانَةً لَا تَلْحَقُهُ عُهْدَتُهَا فَلَا وَجْهَ لِلْإِبْرَاءِ عَنْهَا.
تَأمل.
стр. 930
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْإِبْرَاءَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْأَعْيَانِ: إمَّا أَنْ يكون عَن دَعْوَاهَا وَهُوَ صَحِيح مُطلقًا، وَإِن تعلق بِنَفسِهَا: فَإِن كَانَ مَغْصُوبَةً هَالِكَةً صَحَّ أَيْضًا كَالدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَة فَهِيَ بِمَعْنى الْبَرَاءَة عَنْهَا عَنْ ضَمَانِهَا لَوْ هَلَكَتْ وَتَصِيرُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مِنْ عَيْنِهَا كَالْأَمَانَةِ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ أَمَانَةً فَالْبَرَاءَةُ لَا تَصِحُّ دِيَانَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا ظَفِرَ بِهَا مَالِكُهَا أَخَذَهَا وَتَصِحُّ قَضَاءً فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي دَعْوَاهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا اُسْتُفِيدَ من هَذَا الْمقَام ط، وَقدمنَا قَرِيبا زبدته وَزِيَادَة وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ يُرْشِدُك إلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّارِح مَعْنَاهُ الخ مَحْمُول على الامانة إِلَى أَن قَوْله فَتَصِح قَضَاء فِيهِ أَنه بَاطِل وَالْحَالة هَذِه فَلَا تصح لَا قَضَاء وَلَا ديانَة، بل حملُوا إِطْلَاق قَوْلهم الْبَرَاءَة عَن الاعيان بَاطِلَة على هَذِه الصُّورَة
تَأمل.
بَقِي لَو ادّعى عينا عَلَيْهِ فِي يَده فَأنكرهُ ثُمَّ أَبْرَأَهُ الْمُدَّعِي عَنْهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الْغَصْبِ لِأَنَّهُ بِالْإِنْكَارِ صَارَ غَاصِبًا، وَهَلْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ لَوْ قَائِمَةً؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ.
قَوْلُهُ: (وَقد حققته فِي شرح الْمُلْتَقى) نَصه قلت: وَقَوْلهمْ عَن الاعيان لَا يَصح مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَيْنَ لَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى دَعْوَاهُ بَلْ تسْقط فِي الحكم إِذا كَانَ الابراء مُضَافا للمتكلم كَالصُّلْحِ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَبْرَأُ عَنْ بَاقِيهِ فِي الْحُكْمِ لَا فِي الدِّيَانَةِ: أَي عَن غير مَا فِي غير الذِّمَّة إِذْ لَا يسْقط بالاسقاط.
أما الْقَائِم بهَا فَيسْقط بِهِ، وَالصُّلْح إِمَّا إِسْقَاط للْبَاقِي أَو إِبْرَاء عَنهُ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح فِي دين الذِّمَّة، وَلذَا لَو ظفر بِهِ أَخذه.
قُهُسْتَانِيّ وبرجندي وَغَيْرُهُمَا.
وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ عَنْ دَعْوَى الْأَعْيَانِ فَصَحِيحٌ بِلَا خلاف اهـ ح.
لَكِن قَوْله لانه يبْقى على دَعْوَاهُ الخ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُلْتَقَى آنِفًا عِنْد قَوْله عَن دَعْوَى الْبَاقِي.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ عَنْ خُصُومَتِي فِيهَا أَوْ عَنْ دَعْوَايَ فِيهَا فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ، حَتَّى لَوْ ادَّعَى بَعْدَهُ تسمع، وَلَو أَقَامَ بَيِّنَة تقبل اهـ.
لَكِن فِي قَوْله لَو ادّعى بعده تسمع: أَي على غير الْمُخَاطب كَمَا مر عَن الْبَحْر تَأمل.
وَالْحَاصِل: أَن الَّذِي تعطيه عبارَة الْكتب الْمَشْهُورَة إِن كَانَ الابراء عَنْهَا على وَجه الانشاء، فإمَّا أَن يكون عَن نفس الْعين أَو عَن الدَّعْوَى بهَا، فَإِن كَانَ عَن نفس الْعين فَهُوَ بَاطِل من جِهَة أَن لَهُ الدَّعْوَى بهَا على الْمُخَاطب وَغَيره صَحِيح من جِهَة الابراء عَن وصف الضَّمَان، فالابراء الصَّادِر فِي الْمَنْقُول وَالْعَقار إِبْرَاء عَن الاعيان لَا يمْنَع الدَّعْوَى بأدواتها على الْمُخَاطب وَلَا غَيره، فَافْهَم تغنم.
قَوْله: (وَصَحَّ الصُّلْح عَن دَعْوَى المَال) لانه فِي معنى البيع، فَمَا جَازَ بَيْعه جَازَ صلحه.
دُرَر.
وَلما كَانَ جَوَاز الصُّلْح وَعدم جَوَازه دائرا على أصل وَهُوَ وجوب حمل الصُّلْح على أقرب عقد من الْعُقُود الْمَعْهُودَة وأشباهها مهما أمكن وَصَحَّ هَذَا الصُّلْح لانه مَحْمُول على عقد البيع لاشْتِرَاكهمَا فِي مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ وَهِي حَقِيقَة البيع، وَصَحَّ عَن دَعْوَى الْمَنْفَعَة حملا على الاجارة وَعَن دَعْوَى الرّقّ حملا على الْعتْق بِمَال لاشْتِرَاكهمَا فِي تمْلِيك الْمَنْفَعَة بعوض فِي الاول وَفِي أصل الْمَعْنى فِي الثَّانِي، فيراعى فِي الملحق مَا يُرَاعى فِي الملحق بِهِ مهما أمكن.
وَذكر فَسَاد صلح الزَّوْج عَن دَعْوَى الْمَرْأَة النِّكَاح وَفَسَاد
صلح عَن دَعْوَى حد الخ بِنَاء على هَذَا الاصل أَيْضا، لانه لما لم يكن الْحمل على وَاحِد من الْعُقُود الْمَعْهُودَة وَلم يكن مصحح آخر فِي كل مِنْهَا حكم بفساده.
تدبر.
قَوْله: (وَلَو بِإِقْرَار) بَيَان لوجه الاطلاق: أَي سَوَاء كَانَ بِإِقْرَار أَو سكُوت أَو إِنْكَار، وَسَوَاء كَمَا بِمَال أَو بِمَنْفَعَة.
قَوْله: (وبمنفعة) أَي
стр. 931
وَلَو بِمَنْفَعَة، وَيكون بِمَعْنى الاجارة إِذا كَانَ عَن إِقْرَار.
قَوْله: (وَعَن دَعْوَى الْمَنْفَعَة) صورته: أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِخِدْمَةِ هَذَا الْعَبْدِ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَحْفُوظَةٌ.
عَلَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى اسْتِئْجَارَ عَيْنٍ وَالْمَالِك يُنكر ثمَّ صَالح لم يجز اهـ.
وَفِي الْأَشْبَاهِ: الصُّلْحُ جَائِزٌ عَنْ دَعْوَى الْمَنَافِعِ إِلَّا دَعْوَى إِجَارَة كَمَا فِي الْمُسْتَصْفى اهـ.
رملي.
وَهَذَا مُخَالف لما فِي الْبَحْر.
تَأمل
قَوْله: (وَلَو بِمَنْفَعَة عَن جنس آخر) الاولى التَّعْبِير بِمن كَالصُّلْحِ عَنْ السُّكْنَى عَلَى خِدْمَةِ الْعَبْدِ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنْ السُّكْنَى عَلَى سُكْنَى فَلَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْعَيْنِيِّ وَالزَّيْلَعِيِّ.
قَالَ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ: لَكِنْ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مَا يُخَالِفُهُ، حَيْثُ قَالَ: وَإِذا ادّعى سُكْنى دَار فَصَالحه على سُكْنَى دَارٍ أُخْرَى مُدَّةً مَعْلُومَةً جَازَ، وَإِجَارَةُ السُّكْنَى بالسكن لَا تَجُوزُ.
قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا ينعقدان تَمْلِيكًا بِتَمْلِيك اهـ.
أَبُو السُّعُود.
وَذكره ابْن ملك فِي شرح الْوِقَايَة مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَجْمَعِ.
قَالَ فِي الْيَعْقُوبِيَّةِ: وَالْمُوَافِقُ لِلْكُتُبِ مَا فِي شرح الْمجمع.
وَالْحَاصِل: أَن الْجِنْس إِحْدَى علتي الرِّبَا وبإحدى العلتين يحرم، فتمليك الْمَنَافِع لَا يكون إِلَّا نَسِيئَة لحدوثه آنا بعد آن، فَيمْتَنع مَعَ اتِّحَاد الْجِنْس لَا مَعَ اختلافه.
قَوْله: (وَعَن دَعْوَى الرّقّ وَكَانَ عتقا على مَال) صورته: إِذا ادّعى على مَجْهُول الْحَال أَنه عَبده فَصَالحه الْمُدعى عَلَيْهِ على مَال جَازَ وَكَانَ عتقا بِمَال مُطلقًا: أَي فِي حق الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ إِن كَانَ عَن إِقْرَار، وَفِي حق الْمُدَّعِي إِن كَانَ عَن سكُوت أَو إِنْكَار، وَيكون حِينَئِذٍ فدَاء يَمِين وقطعا للخصومة فِي حق الْمُدعى عَلَيْهِ.
قَوْله: (وَيثبت الْوَلَاء) لَو وَقع الصُّلْح بِإِقْرَار: أَي من الْمُدعى عَلَيْهِ وَهُوَ العَبْد.
قَوْله: (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بِإِقْرَار بِأَن كَانَ الصُّلْح عَن إِنْكَار أَو سكُوت.
قَوْله: (لَا) أَي لَا يثبت الْوَلَاء لانه لم يصدقهُ على أَنه مُعْتقه بل يُنكر الْعتْق وَيَدعِي أَنه حر الاصل، وَمن ادّعى وَلَاء شخص لَا يثبت لَهُ إِلَّا بِتَصْدِيق الْمُدعى عَلَيْهِ كَمَا تقدم فِي
الاقرار.
قَوْله: (إِلَّا بِبَيِّنَة) أَي إِلَّا أَن يُقيم الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة بعد ذَلِك فَتقبل بَينته فِي حق ثُبُوت الْوَلَاء عَلَيْهِ لَا غير حَتَّى لَا يكون رَقِيقا، لانه جعل معتقا بِالصُّلْحِ فَلَا يعود رَقِيقا.
منح
قَوْله: (وَلَا يعود بِالْبَيِّنَةِ الخ) يُغني عَنهُ قَوْله وَكَانَ عتقا على مَال، لَان بِالْبَيِّنَةِ أثبت أَنه كَانَ رَقِيقا قبل الصُّلْح وَقد وَقع الصُّلْح عتقا على مَال على مَا قدمه فَلَا وَجه لعوده رَقِيقا.
قَوْله: (الْمُدَّعِي) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول، وَسَيَأْتِي آخر الْبَاب اسْتثِْنَاء مَسْأَلَة، وَهِي قَوْله إِلَّا فِي الْوَصِيّ على مَال الخ.
قَوْله: (بِأخذ الْبَدَل) مُتَعَلق بِنزل.
قَالَ الْحَمَوِيّ: وَلَو كَانَ الْمُدَّعِي كَاذِبًا لَا يحل لَهُ الْبَدَل ديانَة.
قَوْله: (نزل بَائِعا) أَي بِأخذ الْبَدَل: أَي فِيمَا يصلح أَن يكون بَائِعا فِيهِ أَو مُسْتَأْجرًا أَو مؤجرا أَو معتقا على مَال أَو مُخْتَلفا فِيمَا يصلح لَهُ.
قَوْله (عَن دَعْوَى الزَّوْج) لَو أسقط لفظ الزَّوْج مَا ضرّ.
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة: لَو أسقط لفظ الزَّوْج لَكَانَ أولى.
ثمَّ قَالَ: وَهَذَا إِذا لم تكن ذَات زوج، لانه لَو كَانَ لَهَا زوج لم يثبت نِكَاح الْمُدَّعِي فَلَا يَصح الْخلْع انْتهى.
قَوْله: (على غير مُزَوّجَة) أما لَو كَانَ لَهَا زوج: أَي ثَابت لم يثبت نِكَاح الْمُدَّعِي فَلَا يَصح الْخلْع.
شرنبلالية.
قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَا تَجْدِيدُ النِّكَاحِ من زَوجهَا كَمَا فِي الْعمادِيَّة، وَشَمل كَلَامه مَا إِذا ادّعى أَنَّهَا زَوجته قبل أَن يَتَزَوَّجهَا هَذَا الزَّوْج
стр. 932
الْمَوْجُود فِي حَال الدَّعْوَى، لانه حِين ادّعى النِّكَاح ادَّعَاهُ على غير مُزَوّجَة.
أما لَو ادّعى أَنه تزَوجهَا فِي حَال قيام الزَّوْجِيَّة لم تصح دَعْوَاهُ فَلَا يَصح صلحه لعدم تَأتي كَونه خلعا، وَكَذَا لَو لم يحل لَهُ نِكَاح الْمُدعى عَلَيْهِ كتزوج أُخْتهَا أَو أَربع سواهَا فدعواه لَا تصح حِينَئِذٍ، وَلَا وَجه لصِحَّة صلحه لعدم إِمْكَان كَونه خلعا، لَان الْخلْع لَا يكون إِلَّا بعد النِّكَاح الصَّحِيح.
قَوْله: (وَكَانَ خلعا) ظَاهر أَنه ينقص عدد الصلاق فَيَمْلِكُ عَلَيْهَا طَلْقَتَيْنِ لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ، أَمَّا إذَا كَانَ عَنْ إقْرَارٍ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَنْ إنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ فَمُعَامَلَةٌ لَهُ بِزَعْمِهِ، فَتدبر ط.
قَوْله: (وَلَا يطيب لَوْ مُبْطِلًا) هَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الصُّلْح.
كِفَايَة.
وَالْحَاصِل: أَن مَا يَأْخُذهُ بَدَلا عَن الصُّلْح إِن كَانَ محقا فِي دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ يطيب لَهُ، فَإِن كَانَ فِي دَعْوَى المَال فَإِنَّهُ بدل مَاله، وَإِن كَانَ فِي دَعْوَى الْمَنْفَعَة فَإِنَّهُ أُجْرَة مَاله، وَإِن كَانَ فِي دَعْوَى الرّقّ فَإِنَّهُ
بدل الْعتْق، وَإِن كَانَ فِي دَعْوَى النِّكَاح فَإِنَّهُ بدل الْخلْع، وَلَو كَانَ مُبْطلًا فِي دَعْوَاهُ لَا يطيب لَهُ مَا يَأْخُذهُ لانه أكل مَال أَخِيه بِالْبَاطِلِ، وَهَذَا عَام فِي كل مسَائِل الصُّلْح.
قَوْله: (لعدم الدُّخُول) أَي إِذا كَانَ كَذَلِك فِي نفس الامر.
أما لَو علم صِحَة دَعْوَاهُ وَأَنه دخل بهَا أَو اختلى لَا يحل لَهَا إِلَّا بعد انْقِضَاء الْعدة.
قَوْله: (لم يَصح) لانه إِن جعل ترك الدَّعْوَى مِنْهَا فرقة فَلَا عوض على الزَّوْج فِي الْفرْقَة مِنْهَا، كَمَا إِذا مكنت ابْن زَوجهَا، وَإِن لم تجْعَل فرقة فالحال على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الدَّعْوَى، لَان الْفرْقَة لما لم تُوجد كَانَت الدَّعْوَى على حَالهَا لبَقَاء النِّكَاح فِي زعمها فَلم يكن شئ ثمَّة يُقَابله الْعِوَض فَكَانَ رشوة اهـ.
دُرَر وَالظَّاهِر أَنه لَا يجوز لَهَا التَّزَوُّج بِغَيْرِهِ مُعَاملَة لَهَا بزعمها ط.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَإِن كَانَت هِيَ المدعية وَالزَّوْج يُنكر ذكر فِي بعض نسخ الْمُخْتَصر أَنه لَا يجوز، لانه لَو جعل ترك الدَّعْوَى مِنْهَا طَلَاقا فالزوج لَا يُعْطي الْعِوَض فِي الْفرْقَة إِذْ لم يسلم لَهُ شئ فِي هَذِه الْفرْقَة وَهِي يسلم لَهَا المَال وَالنَّفس، وَإِن لم يَجْعَل فرقة فالحال بعد الصُّلْح على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبله فَتكون على دَعْوَاهَا فَلَا يكون هَذَا الصُّلْح مُفِيدا قطع الْخُصُومَة فَلَا يُصَار إِلَيْهِ.
وَذكر فِي بَعْضهَا أَنه يجوز لانه يَجْعَل كَأَنَّهُ زَادهَا على مهرهَا ثمَّ خَالعهَا على أصل الْمهْر دون الزِّيَادَة فَيسْقط الْمهْر غير الزِّيَادَة انْتهى.
قَالَ الْحَمَوِيّ: وَأطَال صَاحب غَايَة الْبَيَان فِي تَرْجِيح عدم الْجَوَاز.
قَوْله: (وَصحح الصِّحَّة فِي دُرَر الْبحار) لانه يَجْعَل كَأَنَّهُ زَاد فِي مهرهَا إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ، وَأقرهُ فِي غُرَرُ الْأَفْكَارِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ فَكَانَ فِيهِ اخْتِلَاف التَّصْحِيح.
وَعبارَة الْمجمع: وَادعت هِيَ نِكَاحه فصالحها جَازَ، وَقيل لم يجز.
فَائِدَة: فِي فروق المحبوبي: لَو ادَّعَت امْرَأَة أَن زَوجهَا طَلقهَا ثَلَاثًا وَأنكر الزَّوْج فصالحها على مائَة دِرْهَم على أَن تبرئه من الدَّعْوَى لم يَصح، وَيرجع الزَّوْج عَلَيْهَا وَالْمَرْأَة على دَعْوَاهَا.
وَلَو ادّعى على امْرَأَة نِكَاحهَا فَجحدت فصالحها على مائَة دِرْهَم لتقر فأقرت صَحَّ وَيلْزمهُ المَال وَيكون هَذَا ابْتِدَاء عقد، وَبِه يظْهر الْفرق بَين الاولى وَالثَّانيَِة، لَان فِي الْفَصْل الاول لَا يُمكن جعله ابْتِدَاء عقد، وَفِي الثَّانِيَة مُمكن.
قَوْله: (الْمَأْذُون لَهُ) أَي بِالتِّجَارَة.
قَوْلُهُ: (عَمْدًا) قُيِّدَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ
стр. 933
يسْلك بِهِ مسالك الاموال ط.
قَوْله: (فَلم يلْزم الْمولى) لانه لم يَأْذَن بِهِ وَإِنَّمَا أذن لَهُ فِيمَا هُوَ من أَعمال
التِّجَارَة وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا.
قَالَ الْمَقْدِسِي: فَإِن أجَازه صَحَّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَا.
قَوْله: (لَكِن يسْقط بِهِ الْقود) لانه صَحِيح بَينه وَبَين أَوْلِيَاء الْمَقْتُول لانه مُكَلّف فَيصح تصرفه فِي حق نَفسه لَا فِي مَال الْغَيْر وَهُوَ الْمولى بِغَيْر إِذْنه، لَان الْوَلِيّ أسْقطه بِالْبَدَلِ وَلَا مَانع من جَانِبه.
وَحَاصِله كَمَا فِي الْعِنَايَة: أَن نفس العَبْد لَيست من كَسبه فَلَا يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِيهَا، وَلم يجب الْبَدَل فِي حق الْمولى بل تَأَخّر إِلَى مَا بعد الْعتْق لَان صلحه عَن نَفسه صَحِيح لكَونه مُكَلّفا، وَلم يَصح فِي حق الْمولى فَصَارَ كَأَنَّهُ صَالحه على بدل مُؤَجل يُؤَاخذ بِهِ بعد الْعتْق.
قَوْله: (ويؤاخذ) أَي الْمَأْذُون الْمصَالح، لانه قد الْتزم المَال وَهُوَ مُعسر فِي حَال رقّه فَينْظر إِلَى الميسرة وَهِي تكون بعد عتقه.
قَوْله: (وَإِن قتل عبد لَهُ) عبد فَاعل قتل.
قَوْله: (وَصَالَحَهُ الْمَأْذُون) على تَقْدِير مُضَاف: أَي صَالح أولياءه: يَعْنِي إِذا كَانَ لهَذَا الْمَأْذُون عبد قتل رجلا عمدا فَصَالح عَنهُ مَوْلَاهُ الْمَأْذُون جَازَ، وَهَكَذَا التَّصْوِير فِي غَايَة الْبَيَان، فَالْمُرَاد بالمولى العَبْد الْمَأْذُون وَهُوَ مولى عبد قَاتل عمدا، وَأطلق صِحَة هَذَا الصُّلْح فَشَمَلَ أَنه صَحِيح سَوَاء كَانَ على هَذَا الْمولى الْمَأْذُون دين أَو لم يكن، وَسَوَاء كَانَ على عَبده دين أَو لم يكن كَمَا فِي تَكْمِلَة الديري.
وَفِي التَّعْبِير بالمولى عَن الْمَأْذُون تعسف، كَمَا نبه عَلَيْهِ عزمي زَاده.
وَوَجهه أَن الْمولى إِنَّمَا يُطلق على الاسفل بعد عتقه ورق الْمَأْذُون قَائِم فَلَا يَصح إِطْلَاق الْمولى عَلَيْهِ كَمَا أَفَادَ الْمولى أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (لانه من تِجَارَته) لَان استخلاصه كشرائه.
منح.
لانه بِاسْتِحْقَاق الْقَتْل كالزائل عَن ملكه وَهُوَ لَو خرج عَن ملكه كَانَ لَهُ أَن يَشْتَرِيهِ فَكَذَا لَهُ أَن يستخلصه، بِخِلَاف الْمكَاتب حَيْثُ يجوز لَهُ أَن يُصَالح عَن نَفسه كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْله: (وَالْمكَاتب كَالْحرِّ) أَي لِخُرُوجِهِ عَن يَد الْمولى إِذْ هُوَ حر يدا واكتسابه لَهُ مَا لم يعجز، بِخِلَاف الْمَأْذُون فَإِنَّهُ عبد من كل وَجه وَكَسبه لمَوْلَاهُ وَلِهَذَا نفذ تصرفه على نَفسه حَيْثُ جَازَ صلحه عَنْهَا.
قَالَ فِي الدُّرَر: وَلِهَذَا إِن ادّعى أحد رقيته فَإِنَّهُ يكون خصما فِيهِ، وَإِذا جنى عَلَيْهِ كَانَ الارش لَهُ، وَإِذا قتل لَا تكون قِيمَته للْمولى، بل لوَرثَته تُؤَدّى مِنْهَا كِتَابَته، وَيحكم بحريَّته فِي آخر حَيَاته، وَيكون الْفضل لَهُم، فَصَارَ كَالْحرِّ فَيجوز صلحه عَن نَفسه وَلَا كَذَلِك الْمَأْذُون.
ذكره الزَّيْلَعِيّ انْتهى.
قَوْله: (وَالصُّلْح عَن الْمَغْصُوبُ) أَيْ الْقِيَمِيُّ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلِيًّا فَهَلَك فالمصالح إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَغْصُوبِ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ جَازَ اتِّفَاقًا.
ابْن ملك: أَي جَازَ مَعَ
اخْتِلَاف الْجِنْس.
قَوْله: (الْهَالِك) قيد بِهِ لانه لَا خلاف فِي الصُّلْح بالاكثر عِنْد قِيَامه، إِذْ لَا نظر للقيمة حِينَئِذٍ أصلا.
ابْن ملك.
قَوْله: (على أَكثر من قِيمَته) أَي وَلَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ.
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: بِخِلَافِ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ فَضْلًا فَلَمْ يكن رَبًّا: أَي عِنْدهمَا، وَقُيِّدَ.
بِقَوْلِهِ: عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ مَحل الْخلاف.
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: غَصَبَ كُرَّ بُرٍّ أَوْ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَصَالَحَ عَلَى نِصْفِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ هَالكا جَازَ الصُّلْح، وَلَو قَائِما لَكِن عينه أَوْ أَخْفَاهُ وَهُوَ مُقِرٌّ أَوْ مُنْكِرٌ جَازَ قَضَاءً لَا دِيَانَةً، وَلَوْ حَاضِرًا يَرَاهُ لَكِنْ غَاصِبُهُ مُنْكِرٌ جَازَ كَذَلِكَ، فَلَوْ وَجَدَ الْمَالِكُ بَيِّنَةً عَلَى بَقِيَّةِ مَالِهِ قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَالصُّلْحُ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ فِي كَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ حَالَ قِيَامِهِ بَاطِلٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ وَهُوَ ظَاهر فِي يَده وَيَقْدِرُ مَالِكُهُ عَلَى قَبْضِهِ
стр. 934
فَصَالحه على نصفه على أَن يُبرئهُ مِمَّا بَقِيَ جَازَ قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ صَالَحَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَوْبٍ وَدَفَعَهُ جَازَ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا إذْ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِلثَّوْبِ بِالْمَغْصُوبِ، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ قِنًّا أَوْ عَرَضًا فَصَالَحَ غَاصِبُهُ مَالِكَهُ عَلَى نِصْفِهِ وَهُوَ مُغَيِّبُهُ عَن ملكه وَغَاصِبُهُ مُقِرٌّ أَوْ مُنْكِرٌ لَمْ يَجُزْ، إذْ صُلْحُهُ عَلَى نِصْفِهِ إقْرَارٌ بِقِيَامِهِ، بِخِلَافِ كَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ إذْ يُتَصَوَّرُ هَلَاكُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضِهِ عَادَةً، بِخِلَافِ ثَوْبٍ وَقِنٍّ اه.
قَوْلُهُ: (قبل الْقَضَاء بِالْقيمَةِ) أما بعد الْقَضَاء لَا يجوز، لَان الْحق انْتقل بِالْقضَاءِ إِلَى الْقيمَة.
منح.
فَيرد الزِّيَادَة على الْقيمَة.
أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (جَائِزٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ فِي الْهَالِكِ لَمْ يَنْقَطِعْ وَلَمْ يَتَحَوَّلْ إلَى الْقِيمَةِ فَكَانَ صُلْحًا عَنْ الْمَغْصُوبِ لَا عَن قِيمَته، فَلَا يكون اعتياضه بِأَكْثَرَ من قِيمَته رَبًّا، وَالزَّائِد على الْمَالِيَّة يكون فِي مُقَابلَة الصُّورَة الْبَاقِيَة حكما لَا الْقيمَة.
وَعِنْدَهُمَا: لَا يجوز إِذا كَانَ بِغَبن فَاحش، لَان حَقه فِي الْقيمَة فالزائد عَلَيْهَا رَبًّا، وَمحل ذَلِك إِذا لم يكن مثلِيا صولح عَنهُ على مثله فَإِنَّهُ لَا تجوز الزِّيَادَة حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ جَازَ اتِّفَاقًا.
وَالْحَاصِل: أَن الامام يَقُول: إِن الضَّمَان بدل عَن الْعين المستهلكة فَيجوز بَالغا مَا بلغ، كَمَا إِذا كَانَت قَائِمَة حَقِيقَة.
والصاحبان يَقُولَانِ: إِن الْقيمَة هِيَ الْوَاجِبَة فِي ضَمَان الْعدوان لانها هِيَ الَّتِي يُمكن وُجُوبهَا فِي الذِّمَّة دون الْعين فَيكون الْمَأْخُوذ بَدَلا عَن الْقيمَة عِنْد الصاحبين، فَمَا زَاد عَن الْقيمَة
يكون رَبًّا.
أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (كصلحه بِعَرَضٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ كَقِيمَةِ الْهَالِكِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الشَّارِحُ هُنَا مَعَ أَنَّهَا سَتَأْتِي مَتْنًا إشَارَةً إلَى أَن محلهَا هُنَا، وَظَاهره أَن الصُّلْح عَن قيمي بِعرْض، وَإِن كَانَت قِيمَته أَكثر جَازَ على هَذَا الْخلاف، وَلَيْسَ كَذَلِك بل الصُّلْح على عرض، وَإِن كَانَت قِيمَته أَكثر من قيمَة الْمَغْصُوب جَائِز اتِّفَاقًا.
صرح بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيره.
غَايَة مَا يُقَال: إِن مقارنته بِمَا قبله لمُجَرّد تساويهما فِي الصِّحَّة عِنْد زِيَادَة الْبَدَل عَن قيمَة الْمُبدل وَإِن كَانَ أَحدهمَا اختلافيا وَالْآخر اتفاقيا.
نعم لَو أفرده بِالذكر كَمَا فِي الْهِدَايَة وكما فعل المُصَنّف لَكَانَ أولى.
قَوْله: (فَلَا تقبل إِلَخ) لَان بِالصُّلْحِ قد أَخذ بعض حَقه وَأسْقط بَاقِيه، والساقط لَا يعود.
قَوْله: (وَلَا رُجُوع للْغَاصِب على الْمَغْصُوب مِنْهُ بشئ) أَي سَوَاء كَانَ قبل الْقَضَاء بِقِيمَة الْمَغْصُوب أَو بعده لعدم ظُهُور الرِّبَا بَين الْعرض وَقِيمَة الْمَغْصُوب لفقد العلتين فِيهِ، بِخِلَاف مَا لَو دَفعهَا من جنس الْقيمَة بعد الْقَضَاء بهَا، لَان تَقْدِير القَاضِي كتقدير الشَّارِع، فَإِذا دفع أَزِيد مِنْهُ تحقق الرِّبَا إِن كَانَ من جنس مَا قدره القَاضِي.
أما لَو قضى بِالدَّرَاهِمِ فَدفع الدَّنَانِير أَو بِالْعَكْسِ فَيجوز أَيْضا لفقد الْعلَّة وَهُوَ اتِّحَاد الْجِنْس، لَكِن يشْتَرط الْقَبْض فِي مجْلِس الصُّلْح لِئَلَّا يفترقا عَن دين بدين.
أَفَادَهُ الرحمتي.
تَنْبِيهَات: الصُّلْح على أَكثر من مهر الْمثل جَائِز، وَلَو طَلقهَا بعد الدُّخُول أَو مَاتَت لَا يجوز إِلَّا على قدر مهر الْمثل، لانه يصير بِمَنْزِلَة الدّين وَلم يبْق لَهُ حكم الْمهْر وَلذَا لَا يجوز الزِّيَادَة فِيهِ.
اسْتهْلك إِنَاء فضَّة وَقضى بِالْقيمَةِ وافترقا قبل الْقَبْض لم يبطل، وَكَذَا لَو اصطلحا بِلَا قَضَاء غصب طوق ذهب مِائَتَا مِثْقَال فَضَاعَ فَصَالحه على مائَة ثمَّ أقرّ الْمُدَّعِي أَن أَحدهمَا كَانَ ملك الْمُدعى عَلَيْهِ فَالصُّلْح جَائِز عَن الثَّانِي وَلَا يرجع عَلَيْهِ، وَلَو أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة على الالف وَالدَّار بعد الصُّلْح كَانَ على
стр. 935
حَقه الدَّار لَان الْمِائَتَيْنِ الَّتِي أخذهما إِنَّمَا هما من الالف وَقد حط عَن الْبَاقِي مِنْهَا، وَلَو ادّعى دَارا أَو ألفا فَصَالحه على ألف ثمَّ برهن على نصف الدَّار وَنصف الالف لم يكن لَهُ من ذَلِك شئ، وَلَو أَقَامَ الْبَيِّنَة على ألف دِرْهَم وَنصف الدَّار كَانَت الالف قَضَاء بالالف وَأخذ نصف الدَّار، وَلَو اسْتحقَّت الدَّار من يَد الْمُدعى عَلَيْهِ لم يرجع من الالف بشئ لانه يَقُول الالف الَّتِي قبضت عَن الَّتِي ادعيت، وَقِيَاس
الالف وَالدَّار الدِّرْهَم وَالدِّينَار.
وَوجه عدم كَون الْبَدَل عَن الْجَمِيع أَو الشِّرَاء الْوَاحِد لَا يَنْتَظِم الاسقاط والمعاوضة، وَلَو أعطَاهُ ثوبا عَن جَمِيع حَقه فَهُوَ صلح الْجَمِيع.
قَوْله: (وَلَو أعتق مُوسر عبدا إِلَخ) قيد بالموسر، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا يَسْعَى الْعَبْدُ فِي نصفه كَمَا فِي مِسْكين.
قَوْله: (لَا يجوز لانه مُقَدّر شرعا) قَالَ فِي الدُّرَر: لَان الْقيمَة فِي الْعتْق مَنْصُوص عَلَيْهَا، وَتَقْدِير الشَّارِع لَيْسَ أدنى من تَقْدِير القَاضِي فَلَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ اه.
بِخِلَاف مَا تقدم لانها غير مَنْصُوص عَلَيْهَا، وَإِن صَالحه على عرض جَازَ كَيْفَمَا كَانَ لانه لَا يظْهر الْفضل عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس.
عَيْني.
قَوْله: (لعدم الرِّبَا) لانه قوبل صُورَة بِصُورَة على قَوْله أَو قيمَة بِصُورَة على قَوْلهمَا، وعَلى كل فَلَا رَبًّا.
قَوْله: (وَصَحَّ فِي الْجِنَايَة الْعمد إِلَخ) شَمِلَ مَا إذَا تَعَدَّدَ الْقَاتِلُ أَوْ انْفَرَدَ حَتَّى لَوْ كَانُوا جَمَاعَةً فَصَالَحَ أَحَدَهُمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّيَةِ جَازَ، وَلَهُ قَتْلُ الْبَقِيَّةِ وَالصُّلْحُ مَعَهُمْ، لِأَنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ ثَابِتٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ.
تَأمل.
رملي.
قَوْله: (وَلَو فِي نفس مَعَ أقرار) تَفْسِير للاطلاق: أَي سَوَاء كَانَ الْعمد فِي النَّفس أَو مَا دونهَا، وَسَوَاء كَانَ الصُّلْح عَن إِقْرَار أَو إِنْكَار أَو سكُوت.
قَوْله: (بِأَكْثَرَ من الدِّيَة) أَي فِي النَّفس.
قَوْله: (والارش) أَي فِي الاطراف.
قَوْله: (أَو بِأَقَلّ) أَي على أقل وَإِن كَانَ أقل من عشرَة دَرَاهِم لانه لَا مُوجب لَهُ، وَإِنَّمَا يجب بِالْعقدِ فَيقدر بتقديرهما، بِخِلَاف النِّكَاح حَيْثُ لَا يجوز تَسْمِيَة مَا دون الْعشْرَة فِيهِ لانه مُقَدّر شرعا.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الرِّبَا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ لَيْسَ بِمَال فَلَا يتَحَقَّق فِيهِ الرِّبَا، فَلَا يبطل الْفضل لعدم المجانسة بَين مُوجب الْعمد وَهُوَ الْقصاص والمدفوع من المَال.
قَوْله: (كَذَلِك) أَي بِأَكْثَرَ من الدِّيَة: أَي مُطلقًا فِي النَّفس أَو الاطراف مَعَ الاقرار أَو السُّكُوت أَو الانكار.
قَوْله: (لَا تصح الزِّيَادَة) أَفَادَ بالتقييد بِالزِّيَادَةِ صِحَة النَّقْص وَيجْعَل إِسْقَاط ط.
وَإِذا لم تصح الزِّيَادَة فَالصُّلْح صَحِيح وَالزِّيَادَة غير لَازِمَة كَمَا فِي الدُّرَر والشرنبلالية.
قَوْله: (لَان الدِّيَة فِي الْخَطَأ مقدرَة) أَي شرعا وَالزِّيَادَة عَلَيْهَا تكون رَبًّا فَيبْطل الْفضل، ومقاديرها مائَة بعير أَو مِائَتَا بقرة أَوْ مِائَتَا شَاةٍ أَوْ مِائَتَا حُلَّةٍ أَوْ ألف دِينَار أَو عشرَة آلَاف دِرْهَم.
عزمي عَن الْكَافِي.
فَلَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ، كَمَا لَا يجوز الصُّلْح فِي دَعْوَى الدّين على أَكثر من جنسه ط.
قَالَ الرحمتي: وَهَذَا فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير ظَاهر.
وَأما فِي الابل فَيَنْبَغِي الْجَوَاز لفقد الْقدر.
اهـ.
стр. 936
أَقُول: سَيَأْتِي قَرِيبا مَا يُؤَيّدهُ، فَافْهَم.
قَوْله: (بِغَيْر مقاديرها) أَي بِغَيْر الذَّهَب وَالْفِضَّة والابل، كَأَن صَالح بعروض أَو حَيَوَان غير مَا ذكر صَحَّ سَوَاء كَانَت قِيمَته قدر دِيَة أَو لَا.
وَأفَاد أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا صَالَحَ عَلَى أَحَدِ مقادير الدِّيَة الْمُتَقَدّمَة.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ الْمَجْلِسِ) أَيْ بِشَرْطِ الْقَبْضِ فِي الْمجْلس إِذا كَانَ مَا وَقع عَلَيْهِ الصُّلْح دينا فِي الذِّمَّة، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الصُّلْحُ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْعِنَايَةِ.
ح بِزِيَادَة من ط.
قَوْله: (لِئَلَّا يكون دين بدين) أَي افْتَرقَا عَن دين وَهُوَ الدِّيَة بدين وَهُوَ مَا وَقع عَلَيْهِ الصُّلْح.
قَوْله: (أَحدهمَا) كَالْإِبِلِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (يُصَيِّرُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ فِعْلٌ مُضَارِعٌ.
قَوْلُهُ: (كَجِنْسٍ آخَر) فَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِمِائَةِ بَعِيرٍ فَصَالَحَ الْقَاتِلَ عَنْهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ بقرة وَهِي عِنْده وَدفعهَا جَازَ، لَان الْحق تعين فِيهِ بِالْقضَاءِ فَكَانَ غَيره من الْمَقَادِير كجنس آخر فَأمكن الْحمل على الْمُعَاوضَة.
منح وَفِي الْجَوْهَرَة: إِنَّمَا جَازَ ذَلِك لَان قَضَاء القَاضِي عين الْوُجُوب فِي الابل، فَإِذا منح صَالح على الْبَقر فالبقر الْآن لَيست بمستحقة وَبيع الابل لَهُ بالبقر جَائِز.
وَإِذا صَالح عَن الابل بشئ من الْمكيل وَالْمَوْزُون مُؤَجل فقد عَارض دينا بدين فَلَا يجوز، وَإِن صَالح عَن الابل على مثل قيمَة الابل أَو أَكثر مِمَّا يتَغَابَن فِيهِ جَازَ لَان الزِّيَادَة غير متعينة، وَإِن كَانَ لَا يتَغَابَن فِيهَا لَا لانه صَالح على أَكثر من الْمُسْتَحق اهـ.
وَقَوله على أَكثر الظَّاهِر أَنه بالاقل كَذَلِك بالاولى.
قَالَه أَبُو الطّيب.
قَوْله: (فسد) لَان هَذَا صلح عَن مَال فَيكون نَظِير الصُّلْح عَن سَائِر الدُّيُون.
قَوْله: (وَيسْقط الْقود) أَي فِي الْعمد: أَي مجَّانا: إِن سمي نَحْو خمر: يَعْنِي يَصِيرُ الصُّلْحُ الْفَاسِدُ فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ عَفْوًا عَنْهُ، وَكَذَا عَلَى خِنْزِيرٍ أَوْ حُرٍّ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّة، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَدَ بِالْجَهَالَةِ.
قَالَ فِي الْمنح فِي الْكَلَام على الْعمد: ثُمَّ إذَا فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ فِي الصُّلْحِ كَمَا إِذا صَالَحَ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ تَجِبُ الدِّيَةُ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَمْ يَرْضَ بِسُقُوطِ حَقه مجَّانا فيصار إِلَى مُوجبه الاصلي، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا أَوْ سمى الْخمر وَنَحْوه حَيْثُ لَا يجب شئ لِمَا ذَكَرْنَا: أَيْ مِنْ أَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا يتقوم
بالتقويم وَلم يُوجد وَفِي قَوْله فيصار إِلَى مُوجبه الاصلي نظر لانه الْقصاص لَا الدِّيَة، وَبعد خطور ذَلِك بالذهن رَأَيْت سري الدّين نبه عَلَيْهِ ط
قَوْله: (بِالصُّلْحِ عَن دم عمد) مَحَله إِذا صدر التَّوْكِيل من الْجَانِي
قَوْلُهُ: (أَوْ عَلَى) نُسَخِ الْمَتْنِ أَوْ عَنْ بدل على
قَوْله: (يَدعِيهِ على آخر) تبع الشَّارِح فِي هَذَا المُصَنّف فِي شَرحه، وَفِي الْعبارَة قلب، وَالصَّوَاب: يَدعِيهِ عَلَيْهِ آخر، لما علمت أَن التَّوْكِيل من طرف الْمُدعى عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَإِذا كَانَ مُدعيًا على آخر دينا فَوكل من يصالحه على بعضه كَيفَ يُقَال الْبَدَل يلْزم الْمُوكل مَعَ أَنه هُنَا آخذ الْبَدَل لَا دافعه، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله الْآتِي لزم بدله الْمُوكل وَعبارَة الدُّرَر هَكَذَا وَلَيْسَ فِيهَا كلمة على وَعبارَة الْكَنْز: وَمن كل رجلا بِالصُّلْحِ عَنهُ فَصَالح الْوَكِيل لم يلْزم الْوَكِيل مَا صَالح عَلَيْهِ وَهِي أحسن، وَلَو حذف كلمة على آخر كَمَا صنع الدُّرَر لسلم من هَذَا إِلَّا أَن تحمل عِبَارَته هُنَا على مَا ذكرنَا.
بِأَن يُقَال: أَو على بعض دين يَدعِيهِ آخر عَلَيْهِ، فَتَأمل.
стр. 937
قَالَ الشمني: لَان هَذَا الصُّلْح إِسْقَاط مَحْض، فَكَانَ الْوَكِيل فِيهِ سفيرا ومعبرا فَلَا يكون الْبَدَل عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ، إِلَّا أَن يضمنهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُؤَاخذ بِهِ لضمانه لَا لعقد الصُّلْح.
اهـ.
قَوْله: (من مَكِيل وموزون) هَكَذَا قيد بِهَذَا الْقَيْد فِي الدُّرَر وَتَبعهُ الشَّارِح، إِلَّا أَن عبارَة الدُّرَر بِلَفْظ أَو وَالْوَاو بِمَعْنى أَو: أَي سَوَاء كَانَ دينا مِنْهَا بِحَسب الاصل أَو بِحَسب التَّقْدِير.
قَالَ أَبُو الطّيب: إِن كَانَ المُرَاد من مَكِيل وموزون أَن من بَيَانِيَّة للدّين فَلَا حَاجَة إِلَى اشْتِرَاط أَن يكون الدّين بدل الْمكيل وَالْمَوْزُون، لَان الدّين لَا يكون إِلَّا أَحدهمَا، لَان الاعيان لَا تكون ديونا اهـ.
وَبِه ظهر قَول بعض الافاضل: هَل مثله الْمَعْدُود المتقارب والمذروع إِذا بَين طوله وَعرضه وَصفته؟ فَإِنَّهُم قَالُوا: يجوز فِيهِ حِينَئِذٍ السّلم وَيصِح ثُبُوته فِي الذِّمَّة يُرَاجع اهـ.
فَتَأمل.
قَوْله: (لزم بدله الْمُوكل) هَذَا ظَاهر فِيمَا إِذا كَانَ الْوَكِيل من طرف الْجَانِي، وَلَا يظْهر إِذا كَانَ من طرف الْوَلِيّ لانه آخذ فَكيف يُقَال يلْزمه، وَكَذَا لَا يظْهر فِي جَانب الدّين إِذا كَانَ الْمُوكل هُوَ الْمُدَّعِي لَان الْمُوكل مُدع فَكيف يلْزمه، وَأطلق فِي لُزُومه الْمُوكل فَشَمَلَ الصُّلْح بأقسامه الثَّلَاثَة، وَبِه صرح الْعَيْنِيّ.
قَوْله: (لانه إِسْقَاط) أَي للقود عَن الْقَائِل وَبَعض الدّين عَن الْمُدعى عَلَيْهِ.
قَوْله: (فيؤاخذ بضمانه) أَيْ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِهِ، وَكَذَا
الصُّلْحُ فِي الْخلْع، وَكَذَا يَرْجِعُ فِي الصُّورَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ كَمَا فِي الْمَقْدِسِي: وَفِي النِّكَاح لَا يرجع لَان الامر بِالصُّلْحِ عَنهُ أَمر بالاداء عَنهُ ليُفِيد الامر فَائِدَته، إِذْ الصُّلْح عَنهُ جَائِز بِلَا أمره، بِخِلَاف النِّكَاح لانه لَا ينفذ عَلَيْهِ من الاجنبي، والامر بِالْخلْعِ كالامر بِالصُّلْحِ حَتَّى يرجع على الْآمِر إِن ضمن وَأدّى عَنهُ.
زَيْلَعِيّ.
قَالَ عبد الْحَلِيم: قَوْله إِلَّا أَن يضمنهُ أَي يكفل الْوَكِيل الْبَدَل وَأَن يضيف العقد إِلَى نَفسه وَإِلَى مَال نَفسه اهـ.
وَهَذَا كُله فِيمَا إِذا كَانَ الصُّلْح عَن دم الْعمد كَمَا ذكره المُصَنّف عَن إِقْرَار أَو سكُوت أَو إِنْكَار أَو فِيمَا لَا يحمل على الْمُعَاوضَة كالصلح على بعض الدّين كَمَا ذكره المُصَنّف أَيْضا لانه إِسْقَاط، فَكَانَ الْوَكِيل سفيرا فَلَا يلْزمه شئ إِلَّا بالالتزام.
وَأما فِيمَا يحمل على الْمُعَاوضَة فسيذكره بقوله الْآتِي هُنَا كَمَا إِذا وَقع عَن مَال بِمَال الخ.
قَوْلُهُ: (فَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ) أَيْ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ على الْمُوكل كَمَا مر قَرِيبا لَان الْوَكِيل أصل فِي الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة فترجع الْحُقُوق إِلَيْهِ دون الْمُوكل فَيُطَالب هُوَ بِالْعِوَضِ دون الْمُوكل.
عَيْني.
قَوْله: (لانه حِينَئِذٍ كَبيع) أَي والحقوق فِي عقد البيع ترجع إِلَى الْمُبَاشر فَكَذَا فِيمَا إِذا كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ فَيلْزم الْوَكِيل مَا صَالح عَلَيْهِ ثمَّ يرجع بِهِ على الْمُوكل، وَمُقْتَضى الاطلاق أَنه يرجع وَإِن لم تكن الْكفَالَة بِأَمْر الْمُوكل كَمَا صرحت بِهِ عِنْد قَوْله الْآتِي بأَمْره
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ أَو لَا، وَسَوَاء كَانَ فِي دم عمد وَدين أَو غَيرهمَا، وَهَذَا إِنَّمَا يظْهر فِي جَانب الْمُدعى عَلَيْهِ إِذْ هُوَ فِي جَانِبه فدَاء يَمِين وَقطع نزاع، وَهَذَا إِنَّمَا يعود إِلَى الْمُوكل لَا إِلَى الْوَكِيل.
قَوْله: (صَالح عَنهُ) أَي عَن الْمُدعى عَلَيْهِ فُضُولِيٌّ إلَخْ.
هَذَا فِيمَا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْمُصَالَحِ عَنْهُ لِمَا فِي آخِرِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيّ من جَامع الْفُصُولَيْنِ.
стр. 938
ف: الْفُضُولِيّ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ يَلْزَمُهُ الْبَدَلُ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى مَالِ نفس وَلَا إلَى ذِمَّةِ نَفْسِهِ، وَكَذَا الصُّلْحُ عَنْ الْغَيْر اهـ.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَهَذَا مَفْرُوض فِيمَا لم يحمل على الْمُعَاوضَة كدعوى الْقصاص وأخواته، أما إِذا كَانَ عَن مُعَاوضَة فيمضي على الْفُضُولِيّ إِذا كَانَ شِرَاء عَن إِقْرَار.
قَوْله: (بِلَا أَمر) قيد بِهِ لانه لَو كَانَ بِأَمْر نفذ الصُّلْح عَن الْمُدعى عَلَيْهِ وَعَلِيهِ الْبَدَل إِلَّا فِي صُورَة
الضَّمَان فالبدل على الْمصَالح عِنْد الامام الْحلْوانِي، وَذكر شيخ الاسلام أَنه عَلَيْهِ وعَلى الْمُدعى عَلَيْهِ أَيْضا فَيُطَالب الْمُدعى بِهِ أَيهمَا شَاءَ.
قُهُسْتَانِيّ عَن الْمُحِيط.
قَوْله: (صَحَّ إِن ضمن المَال) لَان الْحَاصِل للْمُدَّعى عَلَيْهِ الْبَرَاءَة، وَفِي مثله يَسْتَوِي الْمُدعى عَلَيْهِ والاجنبي لانه لَا يسلم للْمُدَّعى عَلَيْهِ شئ كَمَا يسلم للاجنبي، وَالْمَقْصُود من هَذَا الصُّلْح رضَا صَاحب الْحق لَا رضَا الْمُدعى عَلَيْهِ إِذْ لَا حَظّ لَهُ فِيهِ، وَالْمُدَّعِي ينْفَرد بِالصُّلْحِ فِيمَا لَا مُعَاوضَة فِيهِ غير أَنه لم يرض بِسُقُوط حَقه مجَّانا، فَإِذا سلم لَهُ الْعِوَض من جِهَة الْمُتَبَرّع صَحَّ.
اهـ.
قَوْله: (أَو أضَاف الصُّلْح) أَي الْبَدَل الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الصُّلْح.
قَوْله: (إِلَى مَاله) بِأَن يَقُول صالحتك على ألف من مَالِي أَو على عَبدِي فلَان، لَان الاضافة إِلَى نسه الْتِزَام مِنْهُ للتسليم إِلَى الْمُدَّعِي وَهُوَ قَادر على ذَلِك فَيلْزمهُ تَسْلِيمه.
قَوْله: (أَو قَالَ على هَذَا) أَي وَأَشَارَ إِلَى نقد أَو عين، وَإِنَّمَا صَحَّ فِيهِ لَان الْمَعْرُوف الْمشَار إِلَيْهِ كالمضاف إِلَى نَفسه، لانه تعين التَّسْلِيم إِلَيْهِ بِشَرْط أَن يكون ملكه فَيتم بِهِ الصُّلْح.
قَوْله: (أَو كَذَا) أَشَارَ بِهِ إِلَى الصُّورَة الرَّابِعَة وَهِي صُورَة الاطلاق بِأَن قَالَ عَليّ ألف.
قَوْله: (وَسلم المَال) أَي فِي الاخير وَهِي الصُّورَة الرَّابِعَة.
قَوْله: (صَحَّ) مُكَرر بِمَا فِي الْمَتْن، وَإِنَّمَا صَحَّ لانه بِالتَّسْلِيمِ حَقِيقَة تمّ رِضَاهُ فَوق الضَّمَان والاضافة إِلَى نَفسه.
قَالَ فِي الدُّرَرِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْحَاصِلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَرَاءَةُ وَفِي حَقِّهَا الْأَجْنَبِيُّ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفُضُولِيُّ أَصِيلًا إذَا ضَمِنَ كالفضولي لِلْخلعِ إذَا ضَمِنَ الْبَدَلَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إذَا أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ فَقَدْ الْتَزَمَ تَسْلِيمَهُ فَصَحَّ الصُّلْحُ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ إذَا عَيَّنَهُ لِلتَّسْلِيمِ فَقَدْ اشْتَرَطَ لَهُ سَلَامَةَ الْعِوَضِ فَصَارَ الْعَقْدُ تَامًّا بِقَبُولِهِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلِأَنَّ دَلَالَةَ التَّسْلِيمِ عَلَى رِضَا الْمُدَّعِي فَوْقَ دَلَالَةِ الضَّمَانِ وَالْإِضَافَةُ إِلَى نَفسه على رِضَاهُ اهـ بِاخْتِصَار.
قَوْله: (وَصَارَ مُتَبَرعا فِي الْكل) أَي فِي أَربع صور الْفُضُولِيّ الْمَارَّة آنِفا: وَهِي مَا إِذا ضمن المَال، وَمَا إِذا أضَاف الصُّلْح لما لَهُ، وَمَا إِذا قَالَ صالحتك عَنهُ بِأَلف وَلم يزدْ وَسلمهَا، وَمَا إِذا قَالَ على ألفي هَذِه أَو عَبدِي هَذَا وَسلم، فَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ أَو وجده زُيُوفًا أَو ستوقا لم يرجع الْمصَالح لانه مُتَبَرّع الْتزم تَسْلِيم شئ معِين وَلم يلْتَزم الايفاء من غَيره فَلَا يزمه شئ آخَرُ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِالدَّعْوَى لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِتَرْكِ حَقِّهِ مَجَّانًا إلَّا فِي صُورَةِ الضَّمَانِ فَإِنَّهُ يرجع على الْمصَالح لانه صَار قرينا فِي ذمَّته، وَلِهَذَا لَو امْتنع عَن التَّسْلِيم يجْبر عَلَيْهِ.
زَيْلَعِيّ.
قَوْله: (إِلَّا إِذا ضمن بأَمْره) ثمَّ يرجع على الْمصَالح عَنهُ إِن كَانَ الصُّلْح بِغَيْر أمره.
بَزَّازِيَّةٌ فَتَقْيِيدُ الضَّمَانِ اتِّفَاقِيٌّ.
وَفِيهَا الْأَمْرُ بِالصُّلْحِ وَالْخُلْعِ أَمْرٌ بِالضَّمَانِ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ صِحَّتِهِمَا عَلَى الْأَمْرِ فَيُصْرَفُ الْأَمْرُ إلَى إثْبَاتِ حَقِّ الرُّجُوعِ، بِخِلَاف الامر بِقَضَاء الدّين.
اهـ.
أَقُول لم يظْهر لي الْفرق.
تَأمل.
قَوْله: (عزمي زَاده) لم أجد فِيهِ، فَليُرَاجع.
قَوْله: (وَإِلَّا يسلم فِي الصُّورَة الرَّابِعَة) الاولى ترك هَذَا الْقَيْد وإبقاء لَا على الْعُمُوم بِأَن يَقُول: وَإِلَّا يكن كَذَلِك: أَي إِن لم يضمن وَلم يضف وَلم يشر وَلم يسلم، أَو يَقُول: وَإِلَّا يُوجد شئ مِمَّا ذكر من الصُّور الاربعة، فَهُوَ مَوْقُوف لانه لم يسلم للْمُدَّعِي عوض فَلم
стр. 939
يسْقط حَقه مجَّانا لعدم رِضَاهُ، فَإِن أجَازه الْمُدعى عَلَيْهِ جَازَ وَلَزِمَه الْمَشْرُوط لالتزامه بِاخْتِيَارِهِ، وَإِن رده بَطل لَان الْمصَالح لَا ولَايَة لَهُ على الْمَطْلُوب فَلَا ينفذ عَلَيْهِ تصرفه، وَمن جعل الصُّور أَرْبعا جعل الرَّابِعَة بشقيها وَهِي التَّسْلِيم وَعَدَمه صُورَة وَاحِدَة كالزيلعي، وَبَعْضهمْ جعلهَا خَمْسَة بِاعْتِبَار التَّسْلِيم صُورَة وَعَدَمه أُخْرَى، وَهَذِه الصُّورَة الْخَامِسَة مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالْبُطْلَانِ.
وَوَجْهُ الْحَصْرِ كَمَا فِي الدُّرَر أَن الفصولي إمَّا أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ، فَإِمَّا أَنْ يُضِيفَ إلَى مَالِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ، فَإِمَّا أَنْ يُشِيرَ إلَى نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُشِرْ، فَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ الْعِوَضَ أَوْ لَا، فَالصُّلْحُ جَائِزٌ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَّا الاخيرة، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَضْمَنْ الْبَدَلَ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى مَالِهِ وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ إلَى الْمُدَّعِي حَيْثُ لَا يُحْكَمُ بِجَوَازِهِ، بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ إذْ لَمْ يسلم للْمُدَّعِي عوض انْتهى.
وَجعل الزَّيْلَعِيّ الصُّور أَرْبعا وَألْحق الْمشَار بالمضاف.
أَقُول: لَكِن غير الصُّورَة الْمَذْكُورَة لَا يتَوَقَّف على الاجازة، وَحِينَئِذٍ فَلَا يتَوَجَّه على الشَّارِح اعْتِرَاض تَأمل.
قَوْله: (وَلَزِمَه الْبَدَل) الْمَشْرُوط لالتزامه بِاخْتِيَارِهِ.
قَوْله: (وَإِلَّا بَطل) لَان الْمصَالح لَا ولَايَة لَهُ على الْمَطْلُوب فَلَا ينفذ عَلَيْهِ تصرفه.
قَوْله: (وَالْخلْع) أَي إِذا صدر من فُضُولِيّ عَن الْمَرْأَة بِبَدَل، فَإِن ضمنه أَو أَضَافَهُ إِلَى مَال نَفسه أَو أَشَارَ صَحَّ وَلَزِمَه وَكَانَ مُتَبَرعا، وَإِن أطلق إِن سلم صَحَّ وَإِلَّا توقف على إجازتها.
قَالَ فِي التَّبْيِين: وَجعل فِي بعض شُرُوح الْجَامِع فِي بَاب الْخلْع الالف الْمشَار إِلَيْهِ أَو العَبْد الْمشَار إِلَيْهِ مثل الالف الْمُنكر حَتَّى جعل القَوْل إِلَى الْمَرْأَة انْتهى.
قَوْله: (من الاحكام الْخَمْسَة) الَّتِي خَامِسهَا قَوْله وَإِلَّا بَطل، أَو الَّتِي خَامِسهَا قَوْلُهُ وَإِلَّا فَهُوَ مَوْقُوفٌ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ عَلَى هَذَا، وَيُؤَيِّدُهُ
قَوْلُ الشَّارِحِ سَابِقًا فِي الصُّورَة الرَّابِعَة.
والاولى فِي التَّعْبِير أَن يَقُول: وَالْخُلْعُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الصُّور الْخَمْسَة كالصلح، لانه لَيْسَ لنا إِلَّا حكمان، وهما الْجَوَاز فِي الصُّور الاربع، وَعَدَمه فِي الْخَامِسَة، فَتَأمل.
قَوْله: (ادّعى وقفيه أَرض) أطلق فِيهِ فَعم الوقفية من نَفسه وَغَيره.
قَوْله: (وَلَا بَيِّنَة لَهُ) مَفْهُومه أَنه: إِذا أوجد الْبَيِّنَة لَا يجوز الصُّلْح لانه لَا مصلحَة فِيهِ، وَلَا نظر لكَون الْبَيِّنَة قد ترد وَالْقَاضِي قد لَا يعدل.
قَوْله: (وطاب لَهُ) أَي للْمُدَّعِي وَلم يذكر هَل يطيب للْمُدَّعى عَلَيْهِ الارض إِذا كَانَ الْمُدَّعِي صَادِقا، وَالظَّاهِر أَنَّهَا لَا تطيب.
قَوْله: (لَو صَادِقا فِي دَعْوَاهُ) فِيهِ أَنه لَو كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ كَيْفَ يَطِيبُ لَهُ؟ وَفِي زَعْمِهِ أَنَّهَا وَقْفٌ وَبَدَلُ الْوَقْفِ حَرَامٌ تَمَلُّكُهُ مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ فَأَخْذُهُ مُجَرَّدُ رِشْوَةٍ لِيَكُفَّ دَعْوَاهُ فَكَانَ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَادِقًا.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ لِيَكُفَّ دَعْوَاهُ لَا لِيُبْطِلَ وَقْفِيَّتَهُ، وَعَسَى أَنْ يُوجَدَ مُدع آخر ط.
لَكِن أطلق فِي وَقْفِ الْحَامِدِيَّةِ الْجَوَابَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ، قَالَ: لِأَنَّ الْمُصَالِحَ يَأْخُذُ بَدَلَ الصُّلْحِ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ عَلَى زَعْمِهِ فَيَصِيرُ كَالْمُعَاوَضَةِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لَا يملك الْوَقْف فَلَا يجوز لَهُ بَيْعه، فها هُنَا إنْ كَانَ الْوَقْفُ ثَابِتًا فَالِاسْتِبْدَالُ بِهِ لَا يَجُوزُ، وَإِلَّا فَهَذَا يَأْخُذُ بَدَلَ الصُّلْحِ لَا عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى حَال.
كَذَا فِي جَوَاهِر الْفَتَاوَى.
اهـ.
ثمَّ نقد الحامدي مَا هُنَا، ثمَّ قَالَ فَتَأمل.
أَقُول: تأملته فَوجدت أَن الْمُعَاوضَة فِي الْوَقْف وَالْحَالة هَذِه جَائِزَة لما صَرَّحُوا بِهِ من جَوَاز
стр. 940
استبداله إِذا وَقع فِي يَد غَاصِب.
نعم يلْزم أَن يَجعله حِينَئِذٍ بدل الْمَوْقُوف، أما إِذا كَانَ من أهل الِاسْتِحْقَاق لغلة الْوَقْف وَأَخذه مَا أَخذه بالمصالحة عوضا عَن حَقه فِي الْغلَّة طَابَ لَهُ ذَلِك مَا لم يتَجَاوَز عَن قدر اسْتِحْقَاقه مِنْهُ.
تَأمل.
وَانْظُر مَا تقدم فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عَنْ النَّهْرِ عِنْدَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ بَيْعِ قِنٍّ ضُمَّ إلَى مُدَبَّرٍ.
قَوْله: (وَبيع الْوَقْف لَا يَصح) الظَّاهِر أَنه من قَالَ يطيب لَهُ: أَي يطيب لَهُ الاخذ ويجعله مَكَانا مَوْقُوفا لعَجزه عَن تَحْصِيل الْوَقْف بفقد الْبَيِّنَة، وَمن قَالَ لَا يطيب لَهُ أَرَادَ لَا يطيب لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ لانه بدل الْوَقْف فِي زَعمه فَيكون لَهُ حكم الْوَقْف.
تَأمل.
قَوْله: (فَالثَّانِي بَاطِل) فَلَو ادّعى دَارا فَأنْكر ذُو الْيَد فَصَالحه على ألف على أَن يسلم الدَّار لذِي الْيَد ثمَّ برهن ذُو الْيَد على صلح قبله
فَالصُّلْح الاول مَاض وَالثَّانِي بَاطِل.
حموي.
وَهَذَا إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى سَبِيلِ الْإِسْقَاطِ، أَمَّا إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى عِوَضٍ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى عِوَضٍ آخَرَ فَالثَّانِي هُوَ الْجَائِزُ وَيُفْسَخُ الاول كَالْبيع.
نور الْعين عَن الْخُلَاصَة.
وَكَذَا نَقله البيري عَن الْخُلَاصَة عَن الْمُنْتَقى.
قلت: لَكِن استظهر سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى سَبِيلِ الْإِسْقَاطِ بِمَعْنَى، الْإِبْرَاءِ، وَبُطْلَانُ الثَّانِي ظَاهِرٌ وَلَكِنَّهُ بَعِيدُ الْإِرَادَةِ هُنَا، فَالْمُنَاسِبُ حَمْلُ الصُّلْحِ عَلَى الْمُتَبَادِرِ مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ مَا إذَا كَانَ بِمِثْلِ الْعِوَضِ الْأَوَّلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ كَالْبَيْعِ، وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حكمه كَالْبيع فِي التَّفْصِيل الْمَار فِيهِ كَمَا ذكره فِي أول الدَّعْوَى.
قَوْله: (وَكَذَا النِّكَاح بعد النِّكَاح) فَلَا يلْزمه إِلَّا الْمهْر الاول، وَلَا يَنْفَسِخ العقد الاول إِذْ النِّكَاح لَا يحْتَمل الْفَسْخ، وَالْمَسْأَلَة ذَات خِلَافٌ، فَقِيلَ تَجِبُ التَّسْمِيَةُ الثَّانِيَةُ، وَقِيلَ كُلٌّ مِنْهَا.
قَالَ فِي جَامع الْفَتَاوَى: تزوج امْرَأَة بِأَلف ثمَّ تزَوجهَا بِأَلفَيْنِ فالمهر أَلفَانِ، وَقيل ألف.
وَفِي الْمنية: تزوج على مهر مَعْلُوم ثمَّ تزوج على آخر تثبت التسميتان فِي الاصح، حموي.
قَوْله: (وَالْحوالَة بعد الْحِوَالَة) أَي إِذا صدرت حِوَالَة عَن شخص فقبلها، ثمَّ إِذا صدرت على شخص آخر فالثانية بَاطِلَة، لَان الدّين ثَبت فِي ذمَّة الاول بالحوالة عَلَيْهِ فَلَا ينْتَقل بالحوالة الثَّانِيَة على غَيره كَمَا ذكره ط.
واستفيد مِنْهُ أَن الْمحَال عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَة غَيره فِي الاولى، وَبِه صرح فِي الاشباه بقوله: الْكفَالَة بعد الْكفَالَة صَحِيحَة لزِيَادَة التَّوَثُّق، بِخِلَاف الْحِوَالَة فَإِنَّهَا نقل فَلَا يَجْتَمِعَانِ كَمَا فِي التَّنْقِيح.
قَالَ الْحَمَوِيّ: وَهَذَا يخرج الْمَسْأَلَة عَن كَونهَا من جزئيات الْقَاعِدَة، إِذْ الْمُتَبَادر من تَجْدِيد عقد البيع تجديده بِالنِّسْبَةِ إِلَى البيع الاول بِعَيْنِه وَالْمُشْتَرِي الاول بِعَيْنِه، وَكَذَا الْكَلَام فِي الصُّلْح بعد الصُّلْح وَالْكَفَالَة بعد الْكفَالَة، ووزانه فِي الْحِوَالَة اتِّحَاد الْمحَال عَلَيْهِ والمحال بِهِ فِي الحوالتين مَعًا، وَحِينَئِذٍ لَا ينتهض قَوْله لانها نقل فَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَيَنْبَغِي أَن تصح الْحِوَالَة الثَّانِيَة وَتَكون تَأْكِيدًا للاولى على طبق الْكفَالَة، فَتدبر ذَلِك اهـ.
وَعَلِيهِ فَالْمُنَاسِب فِي تَصْوِير الْمَسْأَلَة بِأَن يُقَال: بِأَنْ كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفٌ فَأَحَالَ عَلَيْهِ بِهَا شَخْصًا ثُمَّ
أَحَالَ عَلَيْهِ بِهَا شخصا آخر، أَو كَمَا تقدم بِأَن أحَال زيد عمرا بِدِينِهِ على بكر حِوَالَة صَحِيحَة ثمَّ أَحَالهُ بهَا على بشر لَا تصلح الْحِوَالَة الثَّانِيَة، لَان الْحِوَالَة نقل الدّين من ذمَّة إِلَى ذمَّة، وَحَيْثُ فرغت ذمَّة
стр. 941
الْمُحِيل فَكيف يَصح أَن يحِيل مرّة ثَانِيَة؟ نعم لَو تفاسخا الاحالة الاولى صحت الثَّانِيَة.
قَوْله: (وَالصُّلْح بعد الشِّرَاء) بعد مَا اشْترى الْمصَالح عَنهُ.
أَقُول: فِيهِ أَنه تكون الدَّعْوَى حِينَئِذٍ فَاسِدَة، وَالصُّلْح بعد الدَّعْوَى الْفَاسِدَة صَحِيح.
تَأمل.
وَصورتهَا: إِذا اشْترى شخص دَارا مثلا من آخر ثمَّ ادّعى المُشْتَرِي على البَائِع أَن الدَّار ملكه فَصَالحه البَائِع فَهَذَا الصُّلْح بَاطِل لتناقضه، فَإِن إقدامه على الشِّرَاء مِنْهُ دَلِيل أَنَّهَا ملك البَائِع ثمَّ الدَّعْوَى وَالصُّلْح بعْدهَا يناقضه.
قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَلَو كَانَ الشِّرَاء بعد الصُّلْح فالشراء صَحِيح وَالصُّلْح بَاطِل.
اهـ.
قَوْله: (إِلَّا فِي ثَلَاث مَذْكُورَة فِي بيوعت الاشباه الْكفَالَة) أَي لزِيَادَة التَّوَثُّق، فَلَو أَخذ مِنْهُ كَفِيلا ثمَّ أَخذ مِنْهُ كَفِيلا آخر صَحَّ وَلَا يبرأ الاول بكفالة الثَّانِي كَمَا فِي الْخَانِية.
قَوْله: (وَالشِّرَاء) أَي يَصح بعد الشِّرَاء وَيبْطل الاول.
أَطْلَقَهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْقُنْيَةِ بِأَنْ يَكُونَ الثَّانِي أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ بِجِنْسٍ آخَر، وَإِلَّا فَلَا يَصح أشباه.
وَفِي الْبَحْر: وَإِذَا تَعَدَّدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ انْعَقَدَ الثَّانِي وَانْفَسَخَ الاول إِن كَانَ الثَّانِي بِأَزْيَدَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ أَنْقَصَ، وَإِنْ كَانَ مثله لم يَنْفَسِخ الاول انْتهى.
قَالَ فِي التاترخانية: قَالَ بِعْتُكَ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِعْتُكَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَالَ الْمُشْتَرَى قَبِلْتُ يَنْصَرِفُ إلَى الْإِيجَابِ الثَّانِي وَيَكُونُ بَيْعًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبِلَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ قَالَ بِعْتُهُ مِنْكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ وَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُ يَنْعَقِدُ الثَّانِي وَيَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ بِجِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ بِأَقَلَّ أَوْ بِأَكْثَرَ نَحْوَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِتِسْعَةٍ أَوْ بِأَحَدَ عَشَرَ، فَإِنْ بَاعَ بِعشْرَة ينْعَقد الثَّانِي وَيبقى الاول بِحَالهِ.
اهـ.
فَهَذَا مِثَالٌ لِتَكْرَارِ الْإِيجَابِ فَقَطْ وَمِثَالٌ لِتَكْرَارِ العقد
قَوْله: (والاجارة) أَي بعد الاجارة من الْمُسْتَأْجر الاول فالثانية فسخ للاولى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّة.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَيَنْبَغِي أَن الْمدَّة إِذا اتّحدت فيهمَا واتحد الاجران لَا تصح الثَّانِيَة
كَالْبيع.
وَزَاد فِي الْفُصُولَيْنِ الشِّرَاء بعد الصُّلْح فَإِنَّهُ يجوز وَيبْطل الصُّلْح.
قَوْله: (عَن إِنْكَار) إِنَّمَا خصّه لَان مَا ذكره لَا يَتَأَتَّى عِنْد الاقرار.
قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: ادّعى عَلَيْهِ ثوبا فَأنْكر ثمَّ برهن أَن الْمُدَّعِي أقرّ قبل الصُّلْح أَنه لَيْسَ لي لَا يقبل وَنفذ الصُّلْح وَالْقَضَاء لافتداء الْيَمين، وَلَو برهن أَنه أقرّ بعد الصُّلْح أَن الثَّوْب لم يكن لَهُ بَطل الصُّلْح لَان الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ هَذَا زعم أَنه أَخذ بدل الصُّلْح بِغَيْر حق، بِخِلَاف إِقْرَاره قبل الصُّلْح.
لجَوَاز أَن يملكهُ بعد إِقْرَاره قبل الصُّلْح ذكره الْحَمَوِيّ.
قَوْله: (فَالصُّلْح مَاض على الصِّحَّة) وَلَا تقبل الْبَيِّنَة لاحْتِمَال أَنه ثَبت لَهُ حق بعد هَذَا الاقرار، بِخِلَاف الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ إِقْرَار من الْمُدَّعِي أَنه مُبْطل فِي دَعْوَاهُ.
وَذكر الشُّرُنْبُلَالِيّ فِي رِسَالَة الابراء عَن هَاشم عَن مُحَمَّد فِي تَوْجِيه الْمَسْأَلَة أَنه إِنَّمَا صَالحه على اعْتِبَار أَنه فدى يَمِينه بِالصُّلْحِ وافتداء الْيَمين بِالْمَالِ جَائِز، فَكَانَ إقدامه على الصُّلْح اعترافا بِصِحَّة الصُّلْح
стр. 942
فبدعواه بعد ذَلِك أَنه لم يَصح الصُّلْح صَار متناقضا والمناقضة تمنع صِحَة الدَّعْوَى.
وَأفَاد تَعْلِيل الثَّانِيَة بِنَحْوِ مَا ذَكرْنَاهُ.
صُورَة ذَلِك: ادّعى ثوبا فَأنْكر فَصَالح على شئ ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة أَن الْمُدَّعِي قَالَ قبل الصُّلْح إِنَّه لَا حق لي فِي هَذَا الثَّوْب لَا تقبل بَينته وَيكون الصُّلْح وَالْقَضَاء ماضيين لانه افتدى للْيَمِين حَيْثُ وَقع عَن إِنْكَار فَلَا ينْقض.
أَفَادَهُ بعض الْفُضَلَاء.
قَوْله: (بَطل الصُّلْح) لانه بِإِقْرَارِهِ هَذَا زعم أَنه أَخذه بعد الصُّلْح بِغَيْر حق، بِخِلَاف إِقْرَاره قبل الصُّلْح لجَوَاز أَن يملكهُ بعد إِقْرَاره قبل الصُّلْح.
وَالْحَاصِل: أَن عدم قبُول بَينته فِي الاولى لما فِيهِ من التَّنَاقُض، لَان التَّنَاقُض يمْنَع قبُول الْبَيِّنَة لاقراره، بِخِلَاف الثَّانِيَة لانه لم يظْهر وَجه التَّنَاقُض لَان الصُّلْح لَيْسَ اعترافا بِالْملكِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَإِنَّهُ يكون عَن إِقْرَار وسكوت وإنكار
قَوْله: (قَالَ المُصَنّف وَهُوَ مُقَيّد لاطلاق الْعمادِيَّة) نَصُّهُ: وَفِي الْعِمَادِيَّةِ: ادَّعَى فَأَنْكَرَ فَصَالَحَهُ ثُمَّ ظهر بعده أَن لَا شئ عَلَيْهِ بَطل الصُّلْح.
اهـ.
أَقُولُ: يَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُ ثُمَّ ظَهَرَ بِغَيْرِ الْإِقْرَارِ قَبْلَ الصُّلْحِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَة الْمُخْتَصر، وَبِه
صرح مَوْلَانَا فِي بحره ح.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ عِلَّةَ مُضِيِّ الصُّلْحِ عَلَى الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَدَمُ قبُول الشهارة لما فِيهِ من التَّنَاقُض، فَلم يظْهر حِينَئِذٍ أَن لَا شئ عَلَيْهِ فَلم تشملها عبارَة الْعمادِيَّة فَافْهَم.
أَفَادَهُ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
أَقُول: لَكِن لَيْسَ هَذَا من التَّنَاقُض الْمَرْدُود لانه يَدعِي أمرا كَانَ خفِيا عَلَيْهِ وَهُوَ إِقْرَار الْمُدَّعِي بِعَدَمِ حَقه فِي الْمُدَّعِي قبل الصُّلْح، وَلَو كَانَت الْعلَّة مَا ذكره لما صحت فِي الثَّانِيَة أَيْضا لانه متناقض فيهمَا بعد إقدامه على الصُّلْح.
وَالْعلَّة الصَّحِيحَة فِي ذَلِك أَنه إِن ثَبت أَنه قَالَ ذَلِك قبل الصُّلْح لَا يكون مَانِعا من صِحَة الصُّلْح لاحْتِمَال حُصُول حق لَهُ بعد ذَلِك قبل الصُّلْح، وَفِي الثَّانِيَة لَا يحْتَمل.
قَالَ فِي الْخُلَاصَة من آخر الدَّعْوَى: لَو اسْتعَار من آخر دَابَّة فَهَلَكت فَأنْكر رب الدَّابَّة الاعارة فَصَالحه الْمُسْتَعِير على مَال جَازَ، فَلَو أَقَامَ الْمُسْتَعِير بَيِّنَة بعد ذَلِك على الْعَارِية قبلت بَينته وَبَطل الصُّلْح اهـ: أَي لظُهُور أَن لَا شئ، وَالله أعلم.
وَفِي الْبَزَّازِيَّة أَيْضا مَا يُفِيد أَن المُرَاد بالظهور لَا من طَرِيق إِقَامَة الْمصَالح الْبَيِّنَة أَنَّهَا لَا تقبل لما فِيهِ من التَّنَاقُض.
وَنَصّ عِبَارَته فِي كتاب الدَّعْوَى من نوع فِي الصُّلْح.
وَفِي الْمُنْتَقى: ادّعى ثوبا أَو صَالح ثُمَّ بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ إنْ عَلَى إقْرَارِهِ قَبْلَ الصُّلْحِ فَالصُّلْحُ صَحِيحٌ، وَإِنْ بَعْدَ الصُّلْحِ يَبْطُلُ الصُّلْحُ، وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ إقْرَارَهُ بِعَدَمِ حَقِّهِ وَلَوْ قَبْلَ الصُّلْحِ يَبْطُلُ الصُّلْحُ، وَعِلْمُهُ بِالْإِقْرَارِ السَّابِقِ كَإِقْرَارِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ، هَذَا إذَا اتَّحَدَ الْإِقْرَارُ بِالْمِلْكِ بِأَنْ قَالَ لَا حَقَّ لِي بِجِهَةِ الْمِيرَاثِ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ مِيرَاثٌ لِي عَنْ أَبِي، فَأَمَّا غَيْرُهُ إذَا ادَّعَى مِلْكًا لَا بِجِهَةِ الْإِرْثِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِعَدَمِ الْحَقِّ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ بِأَنْ قَالَ حَقِّي بِالشِّرَاءِ أَو الْهِبَة لَا يبطل اهـ.
قَوْله: (ثمَّ نقل) أَي المُصَنّف.
قَوْله: (عَن دَعْوَى الْبَزَّازِيَّة) عبارتها عَن الْمُنْتَقَى: ادَّعَى ثَوْبًا وَصَالَحَ ثُمَّ بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ: إنْ عَلَى إقْرَارِهِ قَبْلَ الصُّلْحِ فَالصُّلْح صَحِيح، وَإِن بعد الصُّلْح يبطل، وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ إقْرَارَهُ بِعَدَمِ حَقِّهِ وَلَوْ قَبْلَ الصُّلْحِ يَبْطُلُ الصُّلْحُ، وَعِلْمُهُ بِالْإِقْرَارِ السَّابِقِ
стр. 943
كَإِقْرَارِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ.
هَذَا إذَا اتَّحَدَ الْإِقْرَارُ بِالْملكِ بِأَن قَالَ إِنَّه مِيرَاث لي عَن أبي ثمَّ قَالَ لَا حق لي من
هَذِه الْجِهَة، فَأَما إذَا ادَّعَى مِلْكًا لَا بِجِهَةِ الْإِرْثِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِعَدَمِ الْحَقِّ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ بِأَنْ قَالَ حَقي بِالشِّرَاءِ أَو بِالْهبةِ لَا يبطل اهـ.
فَظهر أَن مُرَاده أَنه لَو قَالَ بعد الصُّلْح لَا حق لي قبل الْمُدَّعِي إِنَّمَا يبطل الصُّلْح إِذا أطلق.
أما إِذا عين، بِأَن قَالَ لَا حق لي من جِهَة الارث مثلا فَقيل لَهُ قد بَطل الصُّلْح فَقَالَ إِنَّه حَقي بِجِهَة الشِّرَاء مثلا بَقِي الصُّلْح صَحِيحا على حَاله وَإِن علم الْحَاكِم غير مُعْتَبر الْآن على الْمُفْتى بِهِ.
قَوْله: (فيحرر) مَا نَقله عَن الْبَزَّازِيَّة.
أَقُول: لَا يحْتَاج إِلَى تَحْرِير، لَان مَا ذكره البزازي من قَوْله هَذَا إِذا اتَّحد الاقرار تَقْيِيد لعدم صِحَة الصُّلْح إِذا أقرّ الْمُدَّعِي، وَلَا إِشْكَال فِيهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَحْرِيرَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَقْيِيدِ مَا فِي الْعِمَادِيَّةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا علمت، وَالله تَعَالَى أعلم.
فرع: ذكر المُصَنّف عَن آخر الدَّعْوَى من الْخُلَاصَة: لَو ادّعى أَنه اسْتعَار دَابَّة فلَان وَهَلَكت عِنْده فَأنْكر الْمَالِك الاعارة وَأَرَادَ التَّضْمِين فَصَالحه مدعي الْعَارِية على مَال ثمَّ أَقَامَ بَيِّنَة على الْعَارِية قبلت بَينته وَبَطل الصُّلْح.
قَوْله: (عَن الدَّعْوَى الْفَاسِدَة) كدعوى وَقع فِيهَا تنَاقض.
قَوْله: (وَعَن الْبَاطِلَة) كدعوى خمر وخنزير من مُسلم.
قَوْله: (والفاسدة مَا يُمكن تصحيحها) بالتوفيق فِي التَّنَاقُض مثلا: أَي والباطلة مَا لَا يُمكن تصحيحها، كَمَا لَو ادّعى أَنَّهَا أمته فَقَالَتْ أَنَا حُرَّةُ الْأَصْلِ فَصَالَحَهَا عَنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ بَطَلَ الصُّلْحُ إذْ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ هَذِهِ الدَّعْوَى بَعْدَ ظُهُورِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ.
وَمِثَالُ الدَّعْوَى الَّتِي يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا: لَوْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةَ فُلَانٍ أَعْتَقَهَا عَامَ أَوَّلٍ وَهُوَ يملكهَا بعد مَا ادّعى شخص أَنَّهَا أمته: أَي وصالحها لَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَقْتَ الصُّلْحِ بِأَنْ يَقُولَ إنَّ فُلَانًا الَّذِي أَعْتَقَك كَانَ غَصَبَكِ مِنِّي، حَتَّى لَوْ أَقَامَ بَيِّنَة على هَذِه الدَّعْوَى تسمع.
مَدَنِيٌّ.
وَقَوْلُهُ هُنَا وَهُوَ يَمْلِكُهَا جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ط.
أَقُول: وَشَهَادَة الشُّهُود أَنه أعْتقهَا وَهُوَ يملكهَا لَا تنَافِي ذَلِك، لَان لَهُم أَن يشْهدُوا بِالْملكِ لَهُ بِظَاهِر الْيَد.
تَأمل.
وَمن الْبَاطِلَة عَن دَعْوَى حد وَعَن دَعْوَى أُجْرَة نائحة أَو مغنية أَو تَصْوِير محرم.
اهـ وَعلم أَن قَوْله قَالَت أَنا حرَّة الاصل أَي وبرهنت عَلَيْهِ بِدَلِيل مَا قَالَ بعد ظُهُور حريَّة الاصل، فَإِن
الظُّهُور بِالْبَيِّنَةِ وبدليل مَا قَالَ فِي مقابلتها لَو أَقَامَت بَيِّنَة أَنَّهَا كَانَت الخ، وَقَول صَاحب الاشباه وَهُوَ توفيق وَاجِب.
قَالَ محشيه فِي شرح الْوِقَايَة لصدر الشَّرِيعَة: وَمِنْ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصُّلْحِ صِحَّةُ الدَّعْوَى أَمْ لَا؟ فَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُونَ: يشْتَرط، وَلَكِن هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إذَا ادَّعَى حَقًّا مَجْهُولًا فِي دَارٍ فَصُولِحَ عَلَى شئ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ الْحُقُوقِ وَالِاسْتِحْقَاقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ دَعْوَى الْحَقِّ الْمَجْهُول دَعْوَى غير صَحِيحَة، وَفِي الذَّخِيرَة ألحق مسَائِل تؤيد مَا قُلْنَاهُ.
قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد فِي معِين الْمُفْتِي: إِذا علمت هَذَا علمت أَن الصَّحِيح عدم اشْتِرَاط صِحَة الدَّعْوَى لصِحَّة الصُّلْح وَعَلِيهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّوْفِيق اهـ.
стр. 944
أَقُول: إِنَّمَا صَحَّ الصُّلْح فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي اسْتندَ إِلَيْهَا صدر الشَّرِيعَة، لَان الدَّعْوَى فِيهَا يُمكن تصحيحها بِتَعْيِين الْحق الْمَجْهُول وَقت الصُّلْح.
على أَن دَعْوَى أَن الصَّحِيح عدم اشْتِرَاط صِحَة الدَّعْوَى مُطلقًا سَوَاء أمكن تَصْحِيح الدَّعْوَى أم لَا مَمْنُوع لما فِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَتْوَى أَئِمَّةِ خُوَارِزْمَ أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ دَعْوَى فَاسِدَةٍ لَا يُمْكِنُ تصحيحها لَا يَصح.
وَالَّذِي يُمكن تصحيحها كَمَا إِذا ترك ذكر الْحَد أَو غلط فِي أحد الْحُدُود يَصح.
وَفِي مجمع الْفَتَاوَى: سُئِلَ شيخ الاسلام أَبُو الْحسن عَن الصُّلْح عَن الانكار بعد دَعْوَى فَاسِدَة هَل هُوَ صَحِيح أم لَا؟ قَالَ لَا، وَلَا بُد أَن تكون صَحِيحَة اهـ.
وَقد ذكر بِمَا ذكرنَا أَن قَوْله فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّوْفِيق من عدم التَّوْفِيق.
ذكره الْحَمَوِيّ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد من التَّوْفِيق، فَليُحرر.
قَوْله: (وحرر فِي الاشباه) هَذَا التَّحْرِيرُ غَيْرُ مُحَرَّرٍ.
وَرَدَّهُ الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَتْوَى أَئِمَّة خوارزم أَن الصُّلْح عَن دَعْوَى الخ وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ الْمعول.
قَوْله: (فَلْيحْفَظ) أَقُول: عبارَة الاشباه: الصُّلْحَ عَنْ إنْكَارٍ بَعْدَ دَعْوَى فَاسِدَةٍ فَاسِدٌ كَمَا فِي الْقنية، وَلَكِن فِي الْهِدَايَة فِي مسَائِل شَتَّى من الْقَضَاء أَن الصُّلْح عَن إِنْكَار جَائِز بعد دَعْوَى مَجْهُول فَلْيحْفَظ، وَيحمل على فَسَادهَا بِسَبَب مناقضة
الْمُدَّعِي لَا لترك شَرط الْمُدَّعِي كَمَا ذكره وَهُوَ توفيق وَاجِب فَيُقَال إِلَّا فِي كَذَا، وَالله تَعَالَى أعلم.
اهـ.
قَالَ الْحَمَوِيّ: وَعَلِيهِ لَا يظْهر لهَذَا الْحمل فَائِدَة، لَان صَاحب الْهِدَايَة صرح بِجَوَاز الصُّلْح فِيهَا سَوَاء كَانَ فَسَادهَا بِسَبَب المناقضة أَو لترك شَرط الدَّعْوَى، فَإِذا صَحَّ الصُّلْح مَعَ فَسَادهَا بِأَيّ سَبَب كَأَن خَالف مَا فِي الْقنية، فَتَأمل.
قَالَ الرَّمْلِيّ وَغَيره: مَا حَرَّره فِي الاشباه غير مُحَرر كَمَا عَلمته آنِفا
قَوْله: (وَقيل اشْتِرَاط صِحَة الدَّعْوَى) تَطْوِيل من غير فَائِدَة، فَلَو قَالَ وَقيل يَصح مُطلقًا لَكَانَ أوضح، وَقد علمت الْمُفْتى.
قَوْله: (كَمَا اعْتَمدهُ صدر الشَّرِيعَة آخر الْبَاب) قد علمت مَا فِيهِ من النّظر وَقد علمت عِبَارَته وَأَن الْمُتَبَادر أَنَّهُ أَرَادَ الْفَاسِدَةَ بِدَلِيلِ التَّمْثِيلِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تصحيحها بِتَعْيِين الْحق الْمَجْهُول الخ.
قَالَ الرَّمْلِيّ فِي حَاشِيَته على الْمنح بعد نقل عِبَارَتَهُ أَقُولُ: هَذَا لَا يُوجِبُ كَوْنَ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ كَالْفَاسِدَةِ إذْ لَا وَجْهَ لِصِحَّةِ الصُّلْحِ عَنْهَا، كَالصُّلْحِ عَنْ دَعْوَى حَدٍّ أَوْ رِبًا حلوان الكاهن وَأُجْرَة النائحة والمغنية، وَدَعوى الضَّمَان على الرَّاعِي الْخَاص أَو الْمُشْتَرك إِذا قَالَ أكلهَا السَّبع أَو سرقت فَصَالحه رب الْغنم على دَرَاهِم مَعْلُومَة لَا يجوز على قَول أبي حنيفَة كَمَا فِي الْخَانِية، فَقَوْل المُصَنّف الْمُتَقَدّم فِي كِتَابه معِين الْمُفْتِي كَمَا قدمْنَاهُ قَرِيبا: الصَّحِيح عدم اشْتِرَاط صِحَة الدَّعْوَى لصِحَّة الصُّلْح فِيهِ نظر، لانه إِن أَرَادَ بِعَدَمِ الصِّحَّة مَا يَشْمَل الْبَاطِل فَهُوَ بَاطِل، وَإِن أَرَادَ بِهِ الْفَاسِد فقد قدمه، فَتَأمل.
اهـ.
وَكَذَا ذكره فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْفُصُولَيْنِ نَقْلًا عَنْ الْمُصَنِّفِ بعد ذكر عِبَارَةَ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ مَا نَصُّهُ: فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْقَوْلَ بِاشْتِرَاطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى لِصِحَّةِ الصُّلْح ضَعِيف اهـ.
قَوْله: (كَمَا مر فَرَاجعه) أَي فِي بَاب الِاسْتِحْقَاق عِنْد قَوْله وَلَا رُجُوع فِي دَعْوَى حق مَجْهُول مِمَّن دَار صولح على شئ معِين
стр. 945
وَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا لِجَوَازِ دَعْوَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَلَوْ اسْتَحَقَّ كُلَّهَا رَدَّ كُلَّ الْعِوَضِ لِدُخُولِ الْمُدَّعِي فِي الْمُسْتَحَقِّ.
وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ: أَيْ مِنْ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ الصُّلْحِ عَنْ مَجْهُولٍ عَلَى مَعْلُومٍ، لِأَنَّ جَهَالَةَ السَّاقِطِ لَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة.
وَالثَّانِي: عَدَمُ اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى لِصِحَّتِهِ لِجَهَالَةِ الْمُدَّعَى بِهِ، حَتَّى لَوْ بَرْهَنَ لَمْ يُقْبَلْ مَا لم يدع إِقْرَاره بِهِ.
اهـ.
وَالْحَاصِل: أَن مَا اسْتدلَّ بِهِ صدر الشَّرِيعَة من أَنه إذَا ادَّعَى حَقًّا مَجْهُولًا فِي دَارٍ فَصُولِحَ عَلَى شئ يَصح الصُّلْح لَا يُفِيد الاطلاق، بل إِنَّمَا صَحَّ الصُّلْح فِيهِ، لَان الدَّعْوَى يُمكن تصحيحها بِتَعْيِين الْحق الْمَجْهُول وَقت الصُّلْح، وَمَعَ هَذَا فقد علمت الْمُفْتى بِهِ مِمَّا اسْتَقر عَلَيْهِ فَتْوَى أَئِمَّة خوارزم من أَن الصُّلْح إِذا كَانَ من دَعْوَى فَاسِدَةٍ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا لَا يَصِحُّ، وَإِن أمكن تصحيحها يَصح، هَذَا غَايَة مَا حَقَّقَهُ المحشون فاغتنمه.
قَوْله: (وَصَحَّ الصُّلْح عَن دَعْوَى حق الشّرْب) وَالشرب وَهُوَ نصيب المَاء، وَكَذَا مُرُور المَاء فِي أَرض على مَا يظْهر ط: أَي فَتسقط الدَّعْوَى، وَلَا يلْزم من صِحَة الصُّلْح لُزُوم الْبَدَل، لما تقدم من أَن الصُّلْح عَن الشُّفْعَة يُسْقِطهَا وَلَا يُوجب الْبَدَل وَكَذَلِكَ عَن دَعْوَى حق الشّرْب وَوضع جُذُوع فَإِنَّهُ دَعْوَى حق لَا يجوز الِاعْتِيَاض عَنهُ، إِذْ لَا يجوز بيع الشّرْب وَلَا بيع حق وضع الْجُذُوع.
قَوْله: (وَحقّ الشُّفْعَة) مَعْطُوف على حق الشّرْب: أَي يجوز الصُّلْح عَن دَعْوَى حق الشُّفْعَة لدفع الْيَمين.
أما الصُّلْح عَن حق الشُّفْعَة الثَّابِت فَلَا يجوز، لما مر أَنه غير مَال فَلَا يجوز الِاعْتِيَاض عَنهُ.
قَوْله: (وَحقّ وضع الْجُذُوع على الاصح) لما علمت من أَنه يجوز الصُّلْح عَمَّا ذكر فِي حق سُقُوط الدَّعْوَى، وَلَا يلْزم من صِحَة الصُّلْح لُزُوم الْبَدَل، لما مر أَن الصُّلْح عَن الشُّفْعَة إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ قَرِيبا.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: وَلَو كَانَ لرجل ظلة أَو كنيف على طَرِيق الْعَامَّة فخاصمه رجل على نقضه فَصَالحه على شئ كَانَ الصُّلْح بَاطِلا، لَان الْحق فِي طَرِيق النَّافِذ لجَماعَة الْمُسلمين فَلَا يجوز أَن يُصَالح وَاحِد على الِانْفِرَاد، وَبِخِلَاف مَا إِذا صَالح الامام عَنهُ على مَال حَيْثُ يجوز لَان لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَامَّةً، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مصالحهم، فَإِذا رأى فِي ذَلِك مصلحَة ينفذ لَان الِاعْتِيَاض من الْمُشْتَرَكِ الْعَامِ جَائِزٌ مِنْ الْإِمَامِ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ صَحَّ بَيْعُهُ، وَبِخِلَاف مَا إِذا كَانَ ذَلِك فِي طَرِيق غير نَافِذ فَصَالحه رجل من أهل الطَّرِيق حَيْثُ يجوز فِي حَقه، لَان الطَّرِيق مَمْلُوكَة لاهلها فَيظْهر فِي حق الافراد، وَالصُّلْح مَعَه مُفِيد لانه يسْقط بِهِ حَقه ثمَّ يتَوَصَّل إِلَى تَحْصِيل رضَا البَاقِينَ فَيجوز.
اهـ.
قَوْله: (فِي أَي حق كَانَ) وَلَو كَانَ مِمَّا لَا يقبل الِاعْتِيَاض عَنهُ.
قَوْله: (حَتَّى فِي دَعْوَى التَّعْزِير) بِأَن ادّعى أَنه كفره أَو ضلله أَو رَمَاه بِسوء وَنَحْوه حَتَّى تَوَجَّهت عَلَيْهِ الْيَمين فافتداها بِدَرَاهِم فَإِنَّهُ يجوز على الاصح.
منح.
وَهَذَا يدل على أَنه يسْتَحْلف فِي دَعْوَى التَّعْزِير.
قَوْله: (مجتبى) قَالَ فِي بعد أَن رمز سنج صَالح عَن دَعْوَى حق الشّرْب وَحقّ الشُّفْعَة أَو حق وضع الْجُذُوع وَنَحْوه، فَقيل لَا يجوز افتداء الْيَمين لانه لَا يجوز شِرَاؤُهُ قصدا، والاصح أَنه يجوز لَان الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ نَحْوَ الشَّخْصِ بِأَيّ حق كَانَ فَافْتدى الْيَمين بِدَرَاهِم يجوز على الاصح.
стр. 946
قلت: وَهَذَا يدل على أَنه يسْتَحْلف فِي دَعْوَى التَّعْزِير.
قَالَ: وَكَذَلِكَ إِن صَالحه من يَمِينه على عشرَة أَو من دَعْوَاهُ فَهُوَ كُله جَائِز اهـ.
وَهَذَا منَاف لما قدمه أَو الْبَاب من أَن شَرط صِحَة الصُّلْح كَون الْمصَالح عَلَيْهِ حَقًا يجوز الِاعْتِيَاض عَنهُ، وَمَا فِي الْمُجْتَبى أَعم مِنْهُ كَمَا ترى.
وَلَعَلَّ التَّوْفِيق أَن يُقَال: إِنَّه جَائِز فِي حق الْمُدعى عَلَيْهِ لدفع الْخُصُومَة عَنهُ لَا فِي حق الْمُدَّعِي إِذا كَانَ حَقًا لَا يجوز الِاعْتِيَاض عَنهُ، لَان مَا يَأْخُذهُ عوض عَن حَقه فِي زَعمه فَلَا بُد من إِمْكَان الِاعْتِيَاض عَن حَقه، وَلَعَلَّه فِي الْمُجْتَبى يفرق بَين الصُّلْح عَن الشُّفْعَة وَعَن دَعْوَى الشُّفْعَة فَلَا يَصح فِي الاول كَمَا أطبقوا عَلَيْهِ من عدم لُزُوم الْبَدَل وَوُجُوب رده بعد أَخذه، وَيصِح فِي الثَّانِي، فَليُحرر.
قَوْله: (بِخِلَاف دَعْوَى حد) أَي لَا يَصح الصُّلْح عَنْهَا، لما عرفت أَن الصُّلْح لَا يجوز فِي حق الله تَعَالَى وَلَو حد قذف، وَلَا عَن الابراء مِنْهُ.
منح.
قَالَ فِي الْفَوَائِد الزينية: لَا يَصح الصُّلْح عَن الْحُدُود، وَلَا يسْقط بِهِ إِلَّا حد الْقَذْف إِلَّا إِذا كَانَ قبل المرافعة كَمَا فِي الْخَانِية.
قَوْله: (وَنسب) كَمَا إِذا ادَّعَت أَن هَذَا وَلَده مِنْهَا فصالحها لترك دَعْوَاهَا فَالصُّلْح بَاطِل، لَان الصُّلْح إِمَّا إِسْقَاط أَو مُعَاوضَة وَالنّسب لَا يحتملهما.
دُرَر.
وَأطْلقهُ فَشَمَلَ مَا لَو كَانَت الدَّعْوَى من الْمُطلقَة أَنه ابْن الْمُطلق مِنْهَا أَو الدَّعْوَى من الابْن أَنه ابْنه مِنْهَا وَجحد الرجل فَصَالح عَن النّسَب على شئ فَالصُّلْح بَاطِل فِي كلتا الصُّورَتَيْنِ، لما سبق أَن النّسَب لَا يقبل الِاعْتِيَاض مُطلقًا، وَعَلِيهِ إِطْلَاق المُصَنّف فِي الدَّعْوَى وَفِي عدم احْتِمَال النّسَب الْمُعَاوضَة هَذَا، فَظهر أَن من أَرَادَ التَّخْصِيص بالصورة الاولى لم يصب كَمَا لَا يخفى.
قَوْله: (بِأَن كَانَ دينا بِعَين) أَي بدل الصُّلْح دينا والمصالح عَلَيْهِ عينا أَو عَكسه فالباء للمقابلة والعوض، وَكَذَا بدين من غير جنسه كالدراهم عَن الدَّنَانِير وَعَكسه كَانَ ذَلِك مُعَاوضَة إِن كَانَ بِإِقْرَار، وَكَذَا بإنكار وسكوت فِي حق الْمُدَّعِي، والمعاوضة تصح
الاقالة فِيهَا فَلِذَا ينْتَقض بنقضهما: أَي لَو فسخ ذَلِك الصُّلْح المتصالحان انْفَسَخ لجَوَاز الاقالة فِيهِ كَمَا تقدم أول الْكتاب، وَفِي نُسْخَة بدين عوضا عَن قَوْله: بِعَين وَمثله فِيمَا يظْهر الْعين بِالْعينِ.
قَوْله: (ينْتَقض بنقضهما) أَي بِفَسْخ المتصالحين: أَي لَو فسخ ذَلِك الصُّلْح المتصالحان انْفَسَخ لجَوَاز الاقالة.
فِيهِ
قَوْله: (بل بِمَعْنى الخ) وَذَلِكَ الصُّلْح عَن الدّين بِبَعْضِه فَإِنَّهُ أَخذ لبَعض حَقه وَإِسْقَاط للْبَاقِي فَلَا ينْتَقض بنقضهما لانه قد سقط والساقط لَا يعود.
قَوْله: (قنية وصيرفية) الاولى الِاخْتِصَار عَلَى الْعَزْوِ إلَى الْقُنْيَةِ، لِأَنَّهُ فِي الصَّيْرَفِيَّةِ نَقَلَ الْخِلَافَ فِي الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا مُطْلَقًا.
وَأَمَّا فِي الْقُنْيَةِ فَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ وَفَّقَ بَينهمَا بِمَا هُنَا بحثا مِنْهُ، فَقَالَ: أَن الصُّلْح إِن كَانَ الخ.
وَحَاصِله: أَن الصُّلْح إِن كَانَ بِمَعْنى الْمُعَاوضَة ينْتَقض بنقضهما، وَإِن كَانَ بِمَعْنى اسْتِيفَاء الْبَعْض وَإِسْقَاط الْبَعْض لَا ينْتَقض بنقضهما.
أَقُول: وَالَّذِي يظْهر لي أَن الصُّلْح: إِن تَحْصِيل من فَسخه ثَمَرَة وجدت الْبَيِّنَة أَو توسم الاقرار أَو النّكُول يَصح، وَقَوله السَّاقِط لَا يعود لَا يرد علينا، لَان السَّاقِط فِي هَذَا الْبَاب إِنَّمَا هُوَ قَضَاء لَا ديانَة، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة بَاقٍ غير سَاقِط وَإِن لم تظهر ثَمَرَة من الْفَسْخ يُفْتى بِرِوَايَة عدم الصِّحَّة.
قَوْله: (وَلَو
стр. 947
صَالح) الْعلَّة فِيهِ مَا تقدم فِيمَا لَو صَالحه على بَيت مِنْهَا، وَقد تقدم أَن فِيهَا يَصح الصُّلْح وَيجْعَل إِبْرَاء عَن دَعْوَى الْبَاقِي فِي ظَاهر الرِّوَايَة فَيَنْبَغِي أَن يكون هُنَا كَذَلِك.
قَالَه الرحمتي لَكِن قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: قُيِّدَ بِالسُّكْنَى لِأَنَّهُ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى بَيْتٍ مِنْهَا كَأَن وجد عَدَمِ الصِّحَّةِ كَوْنَهُ جُزْءًا مِنْ الْمُدَّعِي بِنَاءً عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمَتْنِ سَابِقًا، وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ أَبَدًا وَمِثْلُهُ حَتَّى يَمُوتَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ الْمُدَّةَ يَصِحُّ لِأَنَّهُ صُلْحٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْقِيتِ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ عَلَى بعض المحشين اهـ.
قَوْله: (إِلَى الْحَصاد) لانه أحل مَجْهُول فَيُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازعَة، ولانه بيع معنى فيفسده جَهَالَة الاجل.
قَوْله: (أَوْ صَالَحَ مَعَ الْمُودِعِ بِغَيْرِ دَعْوَى الْهَلَاكِ) أَي الدَّعْوَى من الْمُودع لم يَصح الصُّلْح فِي الصُّور الثَّلَاثَة.
أما الاولى: فُلَانُهُ صلح عَن بعض مَا يَدعِيهِ، وَقد تقدم أَنه بَاطِل.
وَأما الثَّانِيَة: فلَان الصُّلْح بيع معنى كَمَا ذكرنَا.
وَهَاتَانِ المسألتان من مسَائِل السِّرَاجِيَّة الَّتِي نقلهَا عَنْهَا صَاحب الْمنية.
وَأما الثَّالِثَة: فعلى أَرْبَعَة أوجه.
الاولى: ادّعى صَاحب المَال الايداع وَجحد الْمُودع ثمَّ صَالحه على شئ مَعْلُوم جَازَ الصُّلْح فِي قَوْلهم، لَان الصُّلْح يبْنى جَوَازه على زعم الْمُدَّعِي، وَفِي زَعمه أَنه صَار غَاصبا بالجحود فَيجوز الصُّلْح مَعَه.
الثَّانِي: إِذا ادّعى صَاحب المَال الْوَدِيعَة وطالبه بِالرَّدِّ فَأقر الْمُسْتَوْدع بالوديعة وَسكت وَلم يقل شَيْئا وَصَاحب المَال يَدعِي عَلَيْهِ الِاسْتِهْلَاك ثمَّ صَالحه على شئ مَعْلُوم جَازَ الصُّلْح فِي قَوْلهم أَيْضا.
الثَّالِث: ادّعى الِاسْتِهْلَاك وَالْآخر الرَّد أَو الْهَلَاك ثمَّ صَالحه جَازَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَأَجْمعُوا على أَنه لَو صَالح بعد حلف الْمُسْتَوْدع أَنه رد أَو هلك لَا يجوز.
الرَّابِع: إِذا ادّعى الْمُودع الرَّد أَو الْهَلَاك وَصَاحب المَال لَا يصدقهُ فِي ذَلِك وَلَا يكذبهُ بل سكت ذكر الْكَرْخِي أَنه لَا يجوز هَذَا الصُّلْح فِي قَول أبي يُوسُف الاول، وَيجوز فِي قَول مُحَمَّد.
وَلَو ادّعى صَاحب المَال الِاسْتِهْلَاك وَالْمُودع لم يصدقهُ فِي ذَلِك وَلم يكذبهُ فَصَالحه على شئ ذكرنَا أَنه يجوز هَذَا الصُّلْح فِي قَوْلهم اهـ.
كَمَا فِي الْمنح.
فقد ظهر من هَذَا أَن الصُّلْح بِغَيْر دَعْوَى الْهَلَاك يَصح كَمَا سمعته وَلم يذكر فِيمَا إِذا أقرّ بالوديعة وَصَالَحَهُ عَلَيْهَا، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْه جَوَازه لانه صلح عَن مَال بِمَال بِإِقْرَار.
تَأمل.
قَوْله: (قيد بِعَدَمِ دَعْوَى الْهَلَاك) صَادِق بسكوته وبدعواه الرَّد، وَقد تقدم أَنه يَصح الصُّلْح فيهمَا.
قَوْله: (لانه لَو ادَّعَاهُ) أَي الْهَلَاك وَالْمَالِك يَدعِي أَنه اسْتَهْلكهُ.
قَوْله: (وَصَالَحَهُ قبل الْيَمين) أما لَو صَالحه بعد حلف الْمُسْتَوْدع أَنه هلك أَو رد لَا يجوز الصُّلْح إِجْمَاعًا.
وَفِيه أَن ذَلِك دَاخل فِي مَسْأَلَة المُصَنّف الْمَذْكُورَة بعد، وفيهَا خلاف كَمَا ذكره المُصَنّف.
قَوْله: (خَانِية) هَذَا مَا نَقله فِي الْمنح عَنْهَا لَكِن سقط من عِبَارَته شئ اخْتَلَّ بِهِ الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: جَازَ الصُّلْحُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
стр. 948
وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ.
وَبَقِيَ خَامِسَةٌ ذَكَرَهَا الْمَقْدِسِيَّ وَهِيَ: ادَّعَى رَبُّهَا الِاسْتِهْلَاكَ فَسَكَتَ فَصُلْحُهُ جَائِزٌ، لَكِنْ هَذَا هُوَ الثَّانِي فِي الْخَانِيَّةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَن كَلَام الماتن وَالشَّارِحِ غَيْرُ مُحَرَّرٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (بِغَيْرِ دَعْوَى الْهَلَاك) شَامِل للجحود وَالسُّكُوت، وَدَعوى الرَّد هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَأَحَدُ شِقَّيْ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي جَائِزٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا فِي أَحَدِ شِقَّيْ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ دَعْوَى الرَّدِّ أَوْ الْهَلَاكِ بِإِسْقَاطِ غَيْرِ وَالتَّعْبِيرِ بِبَعْدَ وَزِيَادَةِ الرَّدِّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ بِنَاءً عَلَى الْمُفْتَى بِهِ.
الْوَجْه الرَّابِعُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِتَقْدِيمِ صَاحِبِ الْخَانِيَّةِ إيَّاهُ كَمَا هُوَ عَادَته.
وَ
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَاهُ) أَيْ الْهَلَاكَ شَامِلٌ لِمَا إذَا ادَّعَى الْمَالِكُ الِاسْتِهْلَاكَ وَهُوَ أَحَدُ شِقَّيْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَوْ سَكَتَ وَهُوَ أَحَدُ شقي الرَّابِع، وَعلمت تَرْجِيح الْجَوَازِ فِيهِمَا، فَ
قَوْلُهُ: (صَحَّ بِهِ يُفْتَى) فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ،
وَقَوْلُهُ: (وَصَالَحَهُ قَبْلَ الْيَمِينِ) هَذَا وَارِدٌ عَلَى إطْلَاقِ الْمَتْنِ أَيْضًا، وَرَأَيْتُ عِبَارَةَ الاشباه نَحْو مَا ذكرنَا.
وَنَصُّهَا: الصُّلْحُ عَقْدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ وَلَا يَصِحُّ مَعَ الْمُودَعِ بَعْدَ دَعْوَى الْهَلَاكِ إذْ لَا نِزَاعَ.
ثُمَّ رَأَيْتُ عِبَارَةَ مَتْنِ الْمَجْمَعِ مِثْلَ مَا قلته، وَنَصهَا: وَجَاز صُلْحَ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ وَالْمُودَعِ بَعْدَ دَعْوَى الْهَلَاكِ أَو الرَّد، وَللَّه الْحَمد.
أَفَادَهُ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
قَوْله: (وَيصِح الصُّلْح الخ) أَيْ لَوْ ادَّعَى مَالًا فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ ثُمَّ ادَّعَاهُ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ فَأَنْكَرَ فَصُولِحَ صَحَّ، وَلَا ارتباط لهَذِهِ بِمَسْأَلَة الْوَدِيعَة.
قَوْله: (دفعا للنزاع) عِلّة لقَوْله يَصح وَقَوله بِإِقَامَة الْبَيِّنَة مُتَعَلق بالنزاع: يَعْنِي أَن الصُّلْح عَن الانكار يكون افتداء للْيَمِين وقطعا للنزاع، وَبعد الْحلف يَصح للاحتياج إِلَى قطع النزاع، فَإِن الْمُدَّعِي يُمكنهُ بعد الْيَمين أَن يَأْتِي بِالْبَيِّنَةِ فَلم يكن الْيَمين قَاطعا للنزاع بل الْقَاطِع لَهُ الصُّلْح، وَلذَا قَالَ: وَلَوْ بَرْهَنَ الْمُدَّعِي بَعْدَهُ عَلَى أَصْلِ الدَّعْوَى لم تقبل، لَان بِالصُّلْحِ قد أَبرَأَهُ عَن الدَّعْوَى فَسقط توجهها عَلَيْهِ والساقط لَا يعود.
قَوْله: (بعده) أَي بعد الصُّلْح: أَي وَإِن لم يكن هُنَاكَ حلف.
قَوْله: (إِلَّا فِي الْوَصِيّ) وَمثله الاب.
قَوْله: (عَن مَال الْيَتِيم) أَي إِذا صَالح عَن مَال الْيَتِيم، وَقَوله إِذا صَالح على بعضه بدل من هَذَا الْمُقدر ط.
وَيُمكن أَن تكون عَن بِمَعْنى فِي أَي فِي مَاله إِذا صَالح عَن إِنْكَار على بعضه، فَعَن
بِمَعْنى فِي،
وَقَوله: (على إِنْكَار) على بِمَعْنى عَن مُتَعَلق بِصَالح: أَي وَلم يكن هُنَاكَ بَيِّنَة.
أما إِذا كَانَ الْخصم مقرا بدين الْيَتِيم أَو كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَالَّذِي يُؤْخَذ من الْمَفْهُوم أَنه لَا يجوز الصُّلْح على الْبَعْض لعدم الْمصلحَة للْيَتِيم، وَصرح بذلك فِي أدب الاوصياء.
قَوْله: (فَإِنَّهَا تقبل) لانه إِنَّمَا يتَصَرَّف لَهُ بِحَسب الْمصلحَة فَيجوز صلحه عِنْد عدم الْبَيِّنَة، فَإِذا وجدت الْبَيِّنَة تبين أَن لَا مصلحَة فِي هَذَا الصُّلْح وَأَنه بَاطِل فَتقبل الْبَيِّنَة.
وَصرح فِي الْبَزَّازِيَّة بِأَن الْبَيِّنَة لَوْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الصُّلْحِ وَفِيهِ غَبْنٌ لَا يَصح الصُّلْح.
اهـ.
وَهُوَ مُسْتَفَاد أَيْضا من كَلَام الشَّارِح.
قَوْله: (وَلَو بلغ الصَّبِي فأقامها تقبل) يَعْنِي إِذا ادّعى وَصِيّ أَو أَب على رجل ألفا للْيَتِيم وَلَا بَيِّنَة لَهُ وَصَالح بِخَمْسِمِائَة عَن ألف عَن إِنْكَار ثمَّ وجد بَيِّنَة عادلة فَلهُ أَن يقيمها على الالف، سَوَاء فِي ذَلِك الاب أَو الْوَصِيّ أَو الْيَتِيم بعد بُلُوغه.
قَالَ فِي الْقنية: وَفَائِدَة قَوْله فِي الْكتاب: إِذا لم يكن للاب أَو الْوَصِيّ بَيِّنَة على مَا يَدعِي الصَّبِي
стр. 949
فَصَالح بِأَقَلّ مِنْهُ يجوز أَن تمْتَنع دعواهما فِي الْحَال، وَدَعوى الصَّبِي بعد الْبلُوغ فِي حق الِاسْتِحْلَاف فَلَيْسَ لَهُم أَن يحلفوه وَإِنَّمَا لَهُم إِقَامَة الْبَيِّنَة كَمَا فِي حَاشِيَة الاشباه.
قَوْله: (وَلَو طلب) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول: أَي لَو طلب الْوَصِيّ بعد الصُّلْح يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ أَو طلبه الْيَتِيم بعد بُلُوغه كَمَا فِي حَوَاشِي الاشباه.
قَول: (وَقيل لَا) أَي لَا يَصح الصُّلْح بعد حلف الْمُدعى عَلَيْهِ، لَان الْيَمين بدل عَن الْمُدَّعِي، فَإِذا حلف فقد استوفى الْبَدَل فَلَا يَصح، وقدمناه عَن الْقنية قَرِيبا.
قَوْله: (جزم بالاول فِي الاشباه) هُوَ رِوَايَة مُحَمَّد عَن الامام.
قَوْله: (وَبِالثَّانِي فِي السِّرَاجِيَّة) وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي مُعِينِ الْمُفْتِي، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ الْحَمَوِيُّ: وَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَشْبَاهِ، رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْبَحْر قَوْلهمَا وَهُوَ الصَّحِيح انْتهى.
وَجعله نَظِير الصُّلْح مَعَ الْمُودع بعد دَعْوَى الِاسْتِهْلَاك: أَي فَإِنَّهُ لَا يَصح.
قَالَ المُصَنّف فِي منحه: وبالاول جزم ابْن نجيم فِي الْفَوَائِد الزينية وَلم يعزه إِلَى كتاب مَعْرُوف.
وَقيل لَا يَصح ذكره صَاحب السِّرَاجِيَّة وَلم يحك بِهِ خلافًا انْتهى.
إِنَّمَا ذكر الْخلاف فِي الْقنية كَمَا يَأْتِي بعده قَرِيبا.
قَوْله: (وحكاهما فِي الْقنية) فَقَالَ: ادّعى عَلَيْهِ مَالا فَأنْكر وَحلف ثمَّ ادَّعَاهُ عِنْد آخر فَأنْكر فصولح لَا يَصح، وَقيل يَصح وروى عَن الامام.
وَوجه القَوْل
بِعَدَمِ الصِّحَّة أَن الْيَمِينَ بَدَلُ الْمُدَّعِي فَإِذَا حَلَّفَهُ فَقَدْ اسْتَوْفَى الْبَدَل فَلَا يَصح انْتهى.
قَوْله: (مقدما لِلْأَوَّلِ) صَوَابُهُ لِلثَّانِي عَلَى مَا نَقَلَهُ الْحَمَوِيُّ وعَلى مَا سَمِعت من عِبَارَته.
قَوْله: (طلب الصُّلْح والابراء) الْوَاو هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي بِمَعْنى أَو، وَمثلهمَا طلب تَأْخِير الدَّعْوَى كَمَا فِي الْخُلَاصَة.
قَوْله: (لَا يكون إِقْرَارا بِالدَّعْوَى) أَي بالمدعى بِهِ.
كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّة فِي بحث الِاسْتِثْنَاء من كتاب الاقرار.
وَفِي الْخُلَاصَة: لَو قَالَ أَخّرهَا عني أَو صالحني فإقرار، وَلَو قَالَ أبرئني عَن هَذِه الدَّعْوَى أَو صالحني عَن هَذِه الدَّعْوَى لَا يكون إِقْرَارا، وَكَذَا فِي دَعْوَى الدَّار انْتهى.
وَفِي الْبَزَّازِيَّة: إِذا صَالحه من حَقه فقد أقرّ بِالْحَقِّ، وَالْقَوْل فِي بَيَان الْحق لَهُ لانه الْمُجْمل، وَإِن صَالحه من دَعْوَى الْحق لم يكن إِقْرَارا انْتهى.
وَوَجهه أَن الصُّلْح عَن الدَّعْوَى أَو الابراء عَنْهَا الْمَقْصُود مِنْهُ قطع النزاع فَلَا يُفِيد ثُبُوت الْحق، بِخِلَاف طلب الصُّلْح أَو الابراء عَن الْحق فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوته، وَحِينَئِذٍ يلْزمه الْمُدعى بِهِ.
قَوْله: (والاول أصح بَزَّازِيَّة) قَالَ الشَّيْخ أَبُو الطّيب: عزو الشَّارِح إِلَى الْبَزَّازِيَّة فِيهِ مَا فِيهِ، لَان هَذِه الْمَسْأَلَة بِتَمَامِهَا لَيست فِيهَا، وَإِنَّمَا فِيهَا دَعْوَى الْبَرَاءَة الخ.
وَأما مَا فِي الصيرفية فَهُوَ الْمُوَافق لما فِي الْمَتْن، وَلَيْسَ من عَادَة الْبَزَّازِيَّة أَن تنقل عَن الصيرفية فَلْيتَأَمَّل.
اهـ.
قَوْله: (عَن عيب) أَي عيب كَانَ بَيَاضًا فِي الْعين أَو حبلا أَو تزوجا.
قَوْله: (وَظهر عَدمه) أَي الْعَيْب أَن الدّين، بِأَن ظهر أَن لَا دين عَلَيْهِ أصلا، أَو أَنه على غَيره.
стр. 950
وَعبارَة الْغرَر كَهَذا الْمَتْن: صَالح عَن عيب فَظهر عَدمه أَو زَالَ بَطل الصُّلْح، فَلَو قَالَ الشَّارِح بعد قَوْله فَظهر عَدمه أَو عَن دين فَظهر كَذَلِك كَانَ أوضح، لَان عِبَارَته هَذِه ظَاهِرَة فِي أَن ضمير عَدمه للدّين وَضمير زَالَ للعيب أَنَّهُمَا للعيب.
وَصُورَة الْعَيْب على مَا فِي الدُّرَر عَن الْعمادِيَّة: ادّعى عَيْبا فِي جَارِيَة اشْتَرَاهَا فَأنْكر البَائِع فاصطلحا على مَال على أَن يُبرئ المُشْتَرِي البَائِع من ذَلِك الْعَيْب ثمَّ ظهر أَنه لم يكن بهَا عيب أَو كَانَ وَلكنه قد زَالَ فَللْبَائِع أَن يسْتَردّ بدل الصُّلْح.
اهـ.
وَقَالَ فِي الْمنح عَن السِّرَاجِيَّة: اشْترى حَيَوَانا فَوجدَ بِعَيْنِه بَيَاضًا فَصَالحه مِنْهُ على دَرَاهِم ثمَّ ذهب الْبيَاض بَطل الصُّلْح.
اهـ.
وَفِي الْبَدَائِع: وَلَو صَالحه مِنْ الْعَيْبِ ثُمَّ زَالَ الْعَيْبُ بِأَنْ كَانَ بَيَاضًا فِي عين العَبْد فانجلى بَطل الصُّلْح.
اهـ.
قَالَ أَبُو الطّيب.
أَقُول: وَفِي الْمنح فروع نفيسة فَرَاجعهَا إِن شِئْت.
قَوْله: (أَو زَالَ الْعَيْب الخ) عزاهُ فِي الدُّرَر إِلَى الْعمادِيَّة، لَكِن فِي منية الْمُفْتِي مَا يناقضه.
وعبارتها: اشْترى حَيَوَانا فَوجدَ فِي عينه بَيَاضًا فَصَالحه على دَرَاهِم ثمَّ ذهب الْبيَاض يَصح الصُّلْح اهـ.
لَكِن مَا نَقله الشَّارِح ذكره من نقلنا عَنْهُم كَمَا سَمِعت.
وَذكره مؤيد زَاده عَن الخزانة وَنَصهَا: ادّعى المُشْتَرِي الْعَيْب وَأنكر البَائِع فاصطلحا على أَن يرد البَائِع شَيْئا من الثّمن ثمَّ يبين أَنه لم يكن بِالْمَبِيعِ عيب كَانَ على البَائِع أَن يسْتَردّ مَا أدّى، كَمَا لَو كَانَ الْعَيْب متحققا ثمَّ زَالَ بعد الصُّلْح.
وعَلى هَذَا لَو ادّعى على إِنْسَان حَقًا أَو مَالا ثمَّ صَالحه على مَال فَتبين أَنه لم يكن عَلَيْهِ ذَلِك المَال أَو ذَلِك الْحق: أَي إِن لم يكن ثَابتا كَانَ للْمُدَّعى عَلَيْهِ حق اسْتِرْدَاد كل المَال.
اهـ.
وَالله تَعَالَى أعلم وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم.
فصل فِي دَعْوَى الدّين وَهُوَ الَّذِي يثبت فِي الذِّمَّة عَيْني.
والاول أَن يَقُول: فصل فِي الصُّلْح عَن دَعْوَى الدّين، وَيُقَال مثله فِي الْعبارَة الْآتِيَة للْمُصَنف.
قَالَ الْحَمَوِيّ: لما ذكر الصُّلْح مُطلقًا فِي عُمُوم الدعاوي ذكر الصُّلْح فِي الدّين لانه صلح مُقَيّد والمقيد بعد الْمُطلق.
اهـ.
لَان مَا ذكره فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمَ الْخَاصِّ وَهُوَ دَعْوَى الدَّيْنِ، لِأَنَّ الْخُصُوصَ أَبَدًا يَكُونُ بَعْدَ الْعُمُومِ، والاصل أَنه مَتى كَانَ الْمصَالح عَلَيْهِ أدون من حَقه قدرا ووصفا أَو فِي أَحدهمَا فَهُوَ إِسْقَاط للْبَعْض وَأخذ للْبَاقِي، وَإِن كَانَ أَزِيد مِنْهُ بِأَن دخل فِيهِ مَا لم يسْتَحق من وصف أَو مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كتعجيل مُؤَجل فمعاوضة.
قَوْله: (الصُّلْح الْوَاقِع الخ) أطلق الصُّلْح وَلَكِن المُرَاد كَونه على أقل مِمَّا عَلَيْهِ من الدّين كَمَا هُوَ ظَاهر الْعَادة، فَتخرج مِنْهُ صُورَة التَّسَاوِي إِذْ هِيَ اسْتِيفَاء وَقبض عين
حَقه، وَصُورَة كَون الْمصَالح عَلَيْهِ زِيَادَة من الدّين فَيكون رَبًّا وحراما ليسَا بصلح، وَأَشَارَ بِالصُّلْحِ إِلَى أَنه
следующие страницы →