← Общие книги

Общие книги · id 9202

الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية

سامى عامرى

Полный текст (121 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية سامي عامري

стр. 2

الإهداء إلى أخواتي العفيفات في كلّ أرض.. نضّر الله وجوههن.. ورزقهن نعيم الجنان.. وزادهن بسطة في الإيمان!

стр. 3

الحُسْنُ أسفرَ بالحجابِ (١) قمر توشحَ بالسَحابْ غَبَشٌ توغل, حالمًا, بفجاجِ غابْ فجرٌ تحمم بالندى وأطل من خلف الهضابْ الورد في أكمامه ألق اللآلئ في الصدفْ سُرُجٌ تُرفرفُ في السَدَفْ ضحكات أشرعةٍ يؤرجحها العبابْ ومرافئ بيضاء تنبض بالنقاء العذبِ من خلل الضبابْ من أي سِحرٍ جِئت أيتها الجميلهْ؟ من أي باِرقة نبيلهْ هطلت رؤاك على الخميلةِ فانتشى عطرُ الخميلهْ؟ من أي أفقٍ ذلك البَرَدُ المتوجُ باللهيبِ وهذه الشمسُ الظليلَهْ؟ من أي نَبْعٍ غافِل الشفتينِ تندلعُ الورودُ؟ - من الفضيلَهْ هي ممكنات مستحيلهْ! قمر على وجه المياهِ َيلُمهُ العشب الضئيلُ وليس تُدركه القبابْ قمر على وجه المياه, سكونه في الاضطراب, وبعده في الاقترابْ غَيب يمد حُضورَه وسْطَ الغيابْ وطن يلم شتاته في الاغترابْ روح مجنحة بأعماق الترابْ!

стр. 4

وهي الحضارة كلها تنسَل من رَحِم الخرابْ وتقوم سافرة لتختزل الدنا في كِلْمتين: (أنا الحِجابْ!) الحُسْنُ أسفرَ بالحجابِ فمالها حُجُبُ النفورْ نزلت على وجهِ السفورْ؟ واهًا ... أرائحة الزهور تضيرُ عاصمة العطورْ؟ أتعف عن رشْفِ الندى شَفَةُ البكورْ؟ أيضيق دوح بالطيورْ؟! يا للغرابة! _ لا غرابهْ أنا بسمة ضاقت بفرحتها الكآبهْ أنا نغمة جرحت خدود الصمت وازدردت الرتابهْ أنا وقدة محت الجليد وعبأت بالرعب أفئدة الذئابْ أنا عِفة وطهارة بينَ الكلابْ الشمس حائرة يدور شِراعُها وَسْطَ الظلام بغير مرسى الليلُ جن بأفقها والصبحُ أمسى! والوردة الفيحاء تصفعها الرياح ويحتويها السيل دَوْسا والحانة السكرى تصارع يقظتي وتصب لي ألمًا ويأسا سأغادرُ المبغى الكبيرَ ولست آسى أنا لستُ غانية وكأسا! نَعلاكِ أوسعُ من فرنسا نعلاكِ أطهرُ من فرنسا كلها جَسَدًا ونفْسا نعلاك أجْملُ من مبادئ ثورةٍ ذُكِرَتْ لتُنسى مُدي جُذورَكِ في جذورِكِ واتركي أن تتركيها قري بمملكةِ الوقارِ وسَفهي الملِكَ السفيها هي حرة ما دامَ صوتُكِ مِلءَ فيها وجميلة ما دُمتِ فيها هي مالَها من مالِها شيء سِوى (سِيدا) بَنيها! هي كلها ميراثُكِ المسروقُ: أسفلت الدروبِ, حجارةُ الشرفاتِ, أوعيةُ المعاصِرْ

стр. 5

النفطُ, زيتُ العِطرِ, مسحوقُ الغسيلِ, صفائحُ العَرباتِ, أصباغُ الأظافرْ خَشَبُ الأسِرةِ, زئبقُ المرآةِ, أقمشةُ الستائِرْ غازُ المدفئ, مَعدنُ الشَفَراتِ, أضواءُ المتاجرْ وسِواهُ من خيرٍ يسيلُ بغيرِ آخِرْ هي كلها أملاكُ جَدكِ في مراكشَ أو دمشقَ أو الجزائِر هي كلها ميراثك المغصوبُ فاغتصبي كنوزَ الاغتصابْ زاد الحسابُ على الحسابِ وآنَ تسديدُ الحسابْ فإذا ارتضتْ..أهلاً وإنْ لم ترضَ فلترحَلْ فرنسا عن فرنسا نفسها إن كانَ يُزعجُها الحجابْ الشاعر: أحمد مطر

стр. 6

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (١) ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالًا كثيرًا ونساءًا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ (٢) ﴿يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ (٣) أما بعد ... يمثّل حجاب المرأة المسلمة اليوم في الحسّ الكوني مظهرًا من مظاهر الاستعلاء الفكري والسلوكي الإسلامي المتأبّي على التركيع في زمن تهاوت فيه الأنماط الفكريّة والأخلاقيّة الشرقيّة أمام سحر الليبراليّة الغربيّة التي أعلنت نهاية تاريخ الأفكار والقِيم عند سواحلها..

стр. 7

ويمثّل في الجدل الأيديولوجي والفكري داخل بلاد المسلمين, أحد عناوين الصراع بين حملة رسالة الإسلام والعالمانيين (١) .. وهو يشغل اليوم حيزًا كبيرًا من اهتمام الشرق والغرب, متصدّرًا عناوين المشهد السياسي والثقافي والإعلامي داخل بلاد المسلمين والبلاد الغربيّة لما يحمله من دلالة, ولما احتفّت به من هالة! وتقع الحملة الموجّهة (لقولبة) الحجاب في صور نمطيّة متعددة الأوجه السلبيّة, ضمن سياق فكري تعاظمت فيه هجمات الصادين عن الحقّ, والمتسوّرين على حقائق الدين وثوابت الشرع؛ فقد أطلق المغرضون لألسنتهم عنان قذف المسلمات الملتزمات بأحكام الشرع بالرقيع من الدعوى, تحت ستار البحث الموضوعي والنقد الواعي, ممّا كشف أضغانًا داكنة قد أُشرِبتها قلوب المخالفين, وتبدّت أوهامهم شوهاء رغم أنّهم قد سعوا إلى أن يلبسوها دثار العقل والمنطق, وأن يجمّلوها بمطارف النصح والرفق.. وقد كان راكبو متون المحادة الفجّة للإسلام في النصف الثاني من القرن العشرين, خليطًا من الليبراليين والماركسيين, ولكن لماّ غيض الطرح الماركسي في تربة الأمة, وتبخّرت آخر قطراته تحت لفح الطرح القرآني الأصيل, التحق أبناء (الآفلين) بعربة دعاة الليبرالية, (متناسين) ما كان يفرّقهم ويثير بينهم النزاع والشقاق, ثم انضمّت لقافلة (الآبقين) فلول المنصّرين على تعدد كنائسهم وبرامجهم؛ فكان الركب المسارع إلى جَدْل خيوط الفتنة, خليطًا يجمع أضغاثًا من الأفكار المتنافرة والعقائد المتحادّة التي لم يلمّ شملها ويجمع (أعوادها) المتشاكسة غير (التململ) من جاذبيّة هذا الدين! ويتولّى الإعلام العربي اليوم عمليًا (وظيفة) نشر هذا الفكر الفاسد, وتجديع جسد الأمّة وتمزيقه بإعلان المحادة الصريحة لفريضة الحجاب؛ فصارت القنوات الفضائية تنفث سيل الشتم

стр. 8

والتشهير؛ تصريحًا وتلميحًا ... وأصبحت الأذن تألف الكلمات النابيّة؛ تأنيبًا وتقريعًا ... وفَشَت التشبيهات الفاحشة للمحجّبات؛ تجريحًا وتقبيحًا ... (فالحجاب: حجاب على العقل) , و (النقاب: خيمة) , و (الملتزمة بأحكام الشرع: معقّدة) , و (من تأبى الاختلاط: متخلّفة) .. وأضحت قيمة المرأة ترتفع كلّما تقلّصت مساحة القماش الذي تلبسه.. وكلّما غطّت المرأة من جسدها شبرًا؛ كلّما فقدت من قيمتها قدرًا.. وهكذا هي العلاقة (المتناغمة) بين (اللحم) المبذول و (القدر) المصون.. وذاك هو القانون المُحََكَّم؛ كلّما أبدت المرأة من نفسها جزءًا؛ كلّما زِِِيد لها في أفق (الوعي!!) مَدًا..!!؟ وهكذا استقرّت الصور المشوّهة عن الحجاب الإسلامي في أذهان (الإسفنجيين) الذين تتشرّب عقولهم كلّ ما يلقى إليها من فكر فاسد, وهو أمر واقع في الغرب كما الشرق, وكما تقول ((كاثرين بلّوك)) فإنّ: ((الذين يستعملون التيار الإعلامي الرئيسي كمصدر وحيد للمعلومات عن الإسلام, لا يمكن أن يكتسبوا غير المنظور السلبي عن الحجاب.)) (١) لقد ركب العالمانيون والمنصّرون مَتْن (الدغدغة) واستثارة عواطف النساء, بشعارات لامعة خادعة, وفُتّحت الأبواب لكلّ مَنْ خوى وفاضه من الفهم والاطلاع؛ ليدلي بدلوه ويشنّع على الملتزمات باللباس الشرعي المطلوب..وليس على دعيّ (الفهم) و (البصيرة) إلاّ أن يدندن ببعض الكلمات التي يحسبها (ساحرة) ك: (المعاصرة) و (الحداثة) و (الحريّة) ... ويزيد على ذلك بعض الكلمات الأعجميّة التي لا يفقه هو نفسه لها معنى (!) , فإن فعل؛ فقد قدم المطلوب وبلغ ذرى المجد المنشود من (متنوّر!) يصارع قوى الظلام التي (تلوّث) عقول الفتيات المسلمات (!) , ويصاول (الخفافيش المحنّطة) (!) التي تريد أسر المرأة بين آكام الماضي السحيق (!) .. وكلّما أحدث هذا (الدعيّ) مزيدًا من (الصفير) ؛ كلّما انفرجت له مغاليق الإعلام العربي, واحتفت به منصّات الندوات النديّة بالهذر والكلام (الخفيف) المنمّق.. في ظلّ هذا الجو البئيس وسيطرة التغريبيين على المنافذ الكبرى للبلاغ, تُمنع كلمة الحقّ بكلّ قوّة متاحة من الوصول إلى أسماع المسلمات.. ويُصوّر الحال على أنّ حملة الشريعة والداعين إلى استئناف الحياة الإسلاميّة, هم من السُوقة والمترديّة ممّن لا يعرفون غير سَوق الناس

стр. 9

بالسياط إلى حتفهم, وأنّهم أغمار لا يزيدهم الطول من الأعمار إلاّ تحجّرًا وتبلّدًا.. وأنّ بينهم وبين هذا العصر عداوة وإحنًا.. وهكذا.. زد من كلّ وصف ماتح للبشاعة من قعر النفوس العليلة..!! لقد أطالوا في نقش وهم الكلام.. وحق علينا أن نجهر بالبيان..! لقد أمعن دعاة العالمانيّة في استخدام منهج الإسقاط النفسي والتلبيس العقلي بأسلوب إنشائي ساذج فجّ.. فقالوا وجالوا في الديار يَدْعون لقولهم ويقمعون بسلطان الترهيب كلّ مخالف عَلِمَ وهاء قولهم ... فكان علينا أن ننزع عنهم وطاءهم؛ ليلامسوا جمر الحقيقة التي تحرق ما حاكوا من زور.. وأفاض أرباب التنصير في القول بلا علم وإطلاق الدعوى بلا برهان ونسبة الأباطيل إلى الإسلام, وكالوا للقرآن الكريم بغير ما كالوا لدينهم, وطمسوا من أسفارهم وتاريخهم كلّ ما لا يناغم الدعاوى التي وُكّلوا بنشرها, وتوجّهوا إلى النساء المسلمات ليُحْدِثوا من خلالهن شرخًا في جدار الأمّة, وثلمة في حصن الدين.. (١) وقد دفعنا ما سبق إلى أنّ نرد على هؤلاء وأولئك بالبيان الشافي والجواب الكافي من شهادات القرآن الكريم الذي يفترون عليه, والواقع البشري الذي يزيفون معالمه ليثبتوا منه غير منطوقه وظاهر نتوئه, وأسفار أهل الكتاب وأقوال أعلام علمائهم بلفظها الصريح المحكم لينكشف ما يخفيه المنصّرون!

стр. 10

ليست الغاية هي أن نقول للنصارى واليهود إنّ ديننا لا يدعونا إلى (عيب) ؛ فإنّ عندكم الحجاب كما هو عندنا..! إنّنا لا نتبنّى هذا الخطاب الذي يرضى بأن يكون الشرع محلّ تهمة, وموضع حرج وريبة؛ حتّى نهرع لكلّ الأدلة لنقول لغيرنا إن ّالدليل على أنّنا على الحقّ, هو أنّ دينكم أيضًا يدعوكم إلى ما يدعو إليه الإسلام, وأنّ الحجّة على صواب مسلكنا, هي أنّ ذاك ما تدعو إليه عقائدكم ومذاهبكم! إنّ غايتنا الحقّة هي تبشير المسلمة أنّ الله قد اصطفاها وخصّها بفضله أن تكون وحدها من بين نساء أمم الأرض محافظة على شريعته, مستجيبة لأمره, لمّا أوغلت الأمم الأخرى في الحرام, وتركت ما أنزل عليها من الحق القراح.. ولسنا هنا ساعين لإقناع غيرنا أننا نشاركهم في ما عندهم, إذ إنّ بيننا وبينهم مفازات كما بين الدلسة والإشراق, أو ما بين الحقّ الصُراح والباطل البَواح, وإنّما نحن ندعوهم في هذا المقام إلى أن تبصر أعينهم كيف جنت عليهم أيدي رجال الدين, ونرغّبهم في الحقّ الذي طمست حروفه في أسفارهم المقدّسة! وهاك هذا الكتاب, حجّة للحقيقة التي يُراد وأدها, ونصرة للمسلمة التي تُعَلّم العالم اليوم معنى الطهر وحقيقة العفّة, وتظهر جمال الأنوثة المصونة, وجلال الرقي الإيماني, بعد أن استمسكت بالكتاب الهادي وتفيّأت مقيله.. فهي أحقّ الخلق بقول الشاعر: وهم النجوم لكل عبدٍ سائرٍ ... يبغي الإله وجنة الحيوانِ (١) وسواهم والله قطّاع الطـ ... ـريق أئمةٌ تدعو إلى النيرانِ وقد تحدّثنا في مبتدأ الكتاب عن شبهات العالمانيين (ومن تابعهم) , وأظهرنا تهافتها وعوارها بالدليل والمثال؛ لتعلم المسلمة أنّ القوم ليسوا على شيء, وإنّما هي شبهات واهية ودعاوى واهنة..

стр. 11

ثم انتقلنا إلى ما أثبتته الكتب التي يقدّسها اليهود والنصارى وأقوال أئمة المجتهدين في هاتين الديانتين, لنعلن أنّ اليهوديّة والنصرانيّة تجزمان بفرض الحجاب على النساء باعتباره شريعة ربّانيّة وفريضة أخلاقيّة.. وقد آثرنا أن يكون الحديث مختصرًا والكلام مختزلاً مع بذل خلاصة الباب والعصارة واللباب, بما لا يأخذ من القارئ وقتًا ولا طول نظر, ونرجو أن نكون قد وفّقنا إلى ذلك.. ونسأل الله بفضله أن ينير بهذا الكتاب بصائر, وأن يشرح به قلوبًا.. وأن يتقبّله من كاتبه في حياته, وأن ينير به قبره ويوسّع له فيه يوم يوارى تحت الجنادل بلا قوّة وسلطان, وأن يشفّعه فيه يوم تتطاير الصحف بعد أن تجفّ الأقلام.. فلا يَشُحَّن القارئ على مؤلّف الكتاب بدعوة بظهر الغيب!

стр. 12

الحجاب في الإسلام الحجاب.. فريضة ربّانية: الحجاب.. فريضة ربّانيّة في نصوص الوحي.. ومقصودنا ((بالحجاب)) هو اللباس الذي يغطي جسد المرأة كاملاً أو مع كشف الوجه والكفّين والقدمين (١) .. وهو اللباس الذي تظهر به المرأة أمام الرجال الذين لا يحرم عليها أن تتزوج منهم على التأبيد, كابن العم وابن الخال ومن لا تربطها بهم قرابة.. وقد جاءت النصوص القرآنية في تفصيل هذا الأمر وبيان حدوده, رغم أنّ عامة آيات الأحكام في القرآن الكريم نزّاعة إلى ترك التفصيل, وتقديم قواعد شرعيّة عامة؛ وما ذلك إلاّ لأهميّة هذا الأمر وتعلّقه بصميم بناء الشخصيّة الإسلاميّة للمرأة المؤمنة.. قال تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ

стр. 13

يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٢) ففي الآية الأولى جاء التصريح بوجوب ستر الزينة كلها، وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب, ولا يستثنى من ذلك إلاّ ((ما ظهر)) من الزينة.. وهذا دليل أنّ على المرأة أن ترتدي ما تستر به نفسها, ولا يستثنى من ذلك إلاّ ما ظهر.. ولم يمتد خلاف أهل العلم في أمر الزينة (الظاهرة) إلى أكثر من الوجه والكفين والقدمين! (٣) قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٤) . وقد روى ((البخاري)) عن ((عائشة)) ... ﵂ قالت: ((لما أنزلت هذه الآية أخذن أزورهن، فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها.)) .. وفي هذا النصّ دليل قاطع على أنّ شعر المرأة عورة؛ فقد غطت الصحابيات رؤوسهن لمّا نزلت هذه الآية, وهو فهم للآية أقرّه عليهن الرسول ﷺ .

стр. 14

وقال الرسول ﷺ : ((المرأة عورة؛ فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) (١) . وهذا دليل على أن جميع بدن المرأة عورة؛ ومن أراد أن يستثني فعليه الدليل, ولا يعلم للمستثنين غير استثناء الوجه واليدين والقدمين.. وليس وراء ذلك مجال للزيادة.. وقال رسول الله ﷺ : ((من جرَّ ثوبهُ خيلاءَ لم ينظرِ اللهُ إليهِ يومَ القيامةِ, فقالت أمُّ سلمةَ: فكيفَ يصنعُ النِّساءُ بذُيُولهنَّ؟ قال: يُرخينَ شبرًا، فقالت: إذًا تنكشفُ أقدامُهُنَّ، قال: فيرخِينهُ ذراعًا لا يزدنَ عليهِ.)) (٢) .. هذا الحديث دليل على أنّ الأصل في المرأة الستر, وقد كانت هذه الصحابيّة تخشى أن يظهر منها قدماها لحرمة ذلك.. فكيف يقال مع ذلك إنّ الإسلام لم يحدد للمرأة لباسًا شرعيًا ساترًا؟!! أو أنّه يجوز لها أن تلبس ما يظهر الركبة أو ما دونها بقليل مادام (محتشما!!) ؟! هل اختلف أهل العلم في وجوب تغطية الرأس ؟ شاع بين العالمانيين القول إنّ الإسلام لا يمنع المرأة من أن تلبس (على الموضة) مادام اللباس محتشمًا (!) , وجاؤوا بالدعاوى الكثيرة الباطلة التي ترفضها وتلفظها نصوص الكتاب والسنّة. وبلغ بهم أمر الجرأة على التحريف, أن قالوا إنّ علماء الإسلام لم يجمعوا على وجوب تغطية المرأة رأسها! لقد اختار (بنو عِلمان) أن يزيفوا الحقيقة, وأن يسيروا على خلاف الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة, ليحقّ عليهم وعيد الله -جلّ وعلا-بالعذاب وسوء المآل لمن خالف هذا الإجماع:

стр. 15

قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ (١) .. فمن خالف سبيل الأمّة في إجماعها على أمر من الأمور؛ فقد شاق الرسول ﷺ وأهلك نفسه بلحوق الوعيد الشديد به. لقد اتّفق علماء الإسلام منذ عصر الصحابة على أنّه على المرأة الحرّة أن تغطّي كامل بدنها, ولم يختلفوا إلاّ في الوجه والكفّين والقدمين. وهذا الاتفاق مبثوث في كتب أهل العلم, ومن هذه الشهادات التي تؤكّد حصر الخلاف في ما ذكرنا: قال ((ابن حزم)) : ((واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة, واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما؛ عورة هي أم لا؟)) (٢) وأقرَّه شيخ الإسلام ((ابن تيمية)) ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى من تعقيبه على كتاب الإمام ((ابن حزم)) الذي خصّصه لنقل الإجماعات. قال ((الجزيري)) : ((اختلف العلماء في تحديد العورة على مذاهب: الشافعية في إحدى رواياتهم والحنابلة, قالوا: جميع بدن المرأة الحرة عورة, ولا يصح لها أن تكشف أي جزء من جسدها أمام الرجال الأجانب إلا إذا دعت لذلك ضرورة, كالطبيب للعلاج والخاطب للزواج, والشهادة أمام القضاء, والمعاملة في حالة البيع والشراء, واستثنوا من ذلك الوجه والكفين لأن ظهورهما للضرورة, أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم أنهم اختلفوا فيه أهو عورة أم لا؟ فيه وجهان, والأصح أنه عورة.

стр. 16

الحنفية والرأي الثاني للشافعية والمفتي به عند المالكية, قالوا: جميع بدن المرأة الحرة عورة إلا الوجه والكفين فيباح للمرأة كشف وجهها وكفيها في الطرقات, وأمام الرجال الأجانب, ولكنهم قيّدوا هذه الإباحة بشرط أمن الفتنة, أما إذا كان كشف الوجه واليدين يثير الفتنة لجمالها الطبيعي أو لما فيهما من الزينة وأنواع الحلي؛ فإنه يجب عليها سترهما ويصيران عورة كبقية أعضاء جسدها, وذلك من باب سد الذرائع ... )) (١) لم يتجاوز أهل العلم عند استعراضهم المذاهب الفقهية في أمر حدود ما يباح كشفه, الوجه والكفين والقدمين, فدلّ ذلك بذاته على إجماعهم على حرمة كشف ما عدا ما سبق. شبهات حول الحجاب في الإسلام في زمن (إفراغ) المسلم من ماهيّته, وتسطيح وعيه, وحجزه عن الانحياز إلى دينه وحضارته, بفعل التعليم الملحد (٢) عن صراط الحقّ, والإعلام المجيّر لخدمة العالمانيين والإباحيين, ورفع النماذج الفاسدة والتائهة لتكون قدوات تشرئبّ لها أعناق النائشة ويحتذى (بهديها!) .. في هذا السياق العقدي والثقافي, أوجد المناوئون للإسلام منفذًا إلى عقول شباب الإسلام, وتخلّلوا من خلال هذه الثغرة المعرفيّة في بنائهم العلمي ليصرفوهم عن دينهم الذي هو لبّ وجودهم وجوهر كيانهم.. ولمّا كانت العالمانية في تضاد دائم مع الإسلام, فقد وجد المنصّرون بذلك جوًا مهيّأ وسعة ويسرًا لمشاركة (إخوانهم) العالمانيين في السعي لزعزعة الثوابت الشرعيّة والحقائق الإيمانيّة الإسلامية, رغم اختلاف مشاربهم وتباعد مذاهبهم.. وبدأت القنوات الفضائيّة اليوم في خدمة هذا (المشروع) والترويج له؛ فهي تجمع في برامجها (التوجيهيّة!) إلى جانب العالماني الذي يحاول أن يخفي جحده لمبدأ الوحي المنزّل -بدعوى الفهم العصري للإسلام-, المنصِّرَ صاحب الأسفار المحرّفة والأفكار المعطّلة.. كلّ يشتكي في لوعة موجوعة حزينة من (أسلمة المجتمع) و (أصوليّة المجتمع) و (تحجّر المجتمع) .. وغير ذلك

стр. 17

من (القوالب) المألوفة من الشتائم المعروفة التي توصم بها مجتمعاتنا التي هي أبعد ما تكون عن أن تعدّ ممثّلة للإسلام, رغم ما فيها من خير متنامٍ.. فكيف لو كان العالمانيون والمنصّرون يعيشون في مجتمع تحكمه ضوابط الشريعة, ويسلك الناس فيه صراط الأحكام القويمة؟!! إنّ العالمانيين والمنصّرين ليسوا (هبلاً) حتى يلتبس عليهم الأمر وتأخذهم الظنون إلى أنّ مجتمعاتنا على جادة الإسلام حقًا.. وإنّما هم يسعون –من وراء خطابهم المتّقد حنقًا- إلى الحيلولة دون عودة هذه المجتمعات إلى موئلها الأوّل والأخير: (الإسلام) .. ولذلك فهم يستحييون مشاعر (الريبة) و (الرُهاب) في أنفس أضرابهم؛ وكأنّ القوم تتهددهم جحافل الإجرام, أو كأنّهم يئنّون تحت كلكل (الظلاميات) التي تنشر في آفاق أبصارهم حجب الفقر والمرض والتخلف بأسبابه وأنواعه.. إنّه استباق (للكارثة) الكبرى التي يخشونها؛ وهي انخلاع أمّتنا من ربقة الفكر الوافد الاستلابي..فعندها سينفض الناس عنهم, وينضب ضرع (العطايا) التي يستحلبونها باسم نشر (التنوير) !! ويشكّل الحجاب الإسلامي مصدر (قلق) لدعاة العالمانيّة وإخوانهم المنصّرين؛ ذلك أنّ الفكر التغربيبي والعمل التنصيري قد ظنّا –في بداية القرن العشرين- أنّ المرأة هي أضعف مناطق المناعة في الأمّة, فهي منفذ سهل لزرع الأدواء فيها..فبذلوا كلّ نفيس لأجل اختراق أجيال المسلمين من خلال المرأة, وأنشؤوا لذلك الجمعيات, وأقاموا لذلك المخططات طويلة النفس وقصيرة الزمن.. لكنّهم فوجئوا بعودة الفتاة المسلمة إلى دين الطهر وإدبارها عن الفتنة الزائفة التي عرضوها أمامها رخيصة, مستعصية بذلك على الذوبان في حوامض الفكر الاسترقاقي.. وهنا فقدوا اتزانهم المزيّف, ووسطيّتهم المختلقة المزوّقة, وسقطت أقنعة الخديعة, وأدبر عنهم شعارهم القديم: (حقّ الاختلاف) , وأرسلوا من ألسنتهم التهم والسباب, ولم يتوانوا عن تحقير كلّ امرأة رفضت أن تشتري منهم كفن هلاكها ورَمْس فنائها.. لأجل ذلك ردّدوا شبهاتهم الطاعنة في الحجاب, والتي سنستعرضها الآن؛ لنكتشف مبلغ ظلم أصحابها وعِظم مجافاتهم للحقّ.. وهي شبهات مكرّرة, تطرق أسماعنا كلّ حين بفعل الجوّ الثقافي والإعلامي الذي يتّخذ العالمانيّة محرابًا, وقِبلة, وشعيرة, ومهوى فؤاد.. ولا سبيل لنقض هذه الشبهات إلاّ أن نعرضها كما هي على ألسنة (أهلها) , ونعرّيها عن بريق الحقّ الذي تسربلت به على حين غفلة من حماة الفضيلة..

стр. 18

الشبهة الأولى: الحجاب, شريعة رجعيّة كثيرًا ما طرق آذان المسلمات قول صارخ منتفش, ودعوى فجّة مغرورة أنّ ((مطالبة المرأة (العربيّة) بارتداء الحجاب في القرن الواحد والعشرين, حيث تطوّر العالم, وبلغ في ابتكاراته العلميّة الذروة, وتطوّر المجتمع, وأصبح أكثر انفتاحًا ونضجًا؛ لهو دعوة صريحة إلى الانتكاس والعودة إلى القرون الوسطى؛ عصور الظلام!!)) الجواب: أولًا/ ما معنى كلمة ((رجعيّة)) التي صار يكرّرها مناهضو الإسلام, ويرمون بها من يدعون إلى الالتزام بأحكام القرآن والسنّة, بكلّ حماسة؟ كلمة ((رجعيّة)) هي تعريب للكلمة الإنجليزيّة ((reactionism)) والتي يُقصد بها الدعوة إلى العودة إلى أيّ نظام أيديولوجي أو سياسي أو اجتماعي قديم. وقد ظهر هذا الاصطلاح إبّان الثورة الفرنسيّة في وصف من كانوا ينادون بالعودة إلى النظام الملكي والإقطاعيّة, بعد إزالة الملك والإقطاعيّة من فرنسا ... ثم صار كلّ من يدعو إلى العودة إلى نظام أو منهج سابق موصومًا ((بالرجعيّة)) .. فهل ((الرجعيّة)) بمعناها الاصطلاحيّ مذمومة بإطلاق؟ إنّ ولع التغريبيين بالاصطلاحات الغربيّة دون النظر إلى خلفياتها التاريخيّة وبيئتها التي نشأت فيها؛ قد أحدث لبسًا في الفهم وخللاً في الحكم على الواقع, قادهم إلى التناقض الفجّ والتسطيح الساذج في قراءة الواقع والتعامل الواعي والإيجابي معه. إنّ كلمة ((رجعيّة)) كحكم سلبي على موقف أو مذهب, تحمل في داخلها مخزونًا معرفيًا متصلاً بحبل سُرِّي بالثقافة السائدة في الفكر الغربي الرافض لكلّ ثابت إنساني حيث تتبدّل القيم و (تتطوّر) بتبدّل الزمان! إنّ إدانة ((الرجعيّة)) تعني إدانة كلّ حقيقة نازلة من السماء أو نابعة من اجتهاد بشري سليم, قُدِّر لها أن توجد في يوم من أيام (الماضي) .. ويترتّب على ذلك القول إنّ كلّ القيم الجميلة التي تبنّاها أجدادنا, وكلّ الأفكار الرائعة التي نافحوا عنها؛ يجب تجاوزها لأنّها من الماضي.. فكلّ ((ماضٍ)) , هو (فكر مرفوض) لا يجوز (الرجوع) -أو (الدعوة إلى الرجوع) - إليه, دون النظر في حقيقة قيمته ومبلغ صوابه!

стр. 19

هذه هي حقيقة تهمة ((الرجعيّة)) وذاك أصلها في منبتها الأوّل.. فهل يقبل العاقل من صاحبها تهمته لصاحبة الحجاب؟!! وماذا لو أنزلنا حكم ((الرجعيّة)) على الواقع الغربي؟! ماذا ترى هذا المعترض يقول!؟؟ سأضرب مثالين اثنين, أظنّ أنّهما يغنيان عن التفصيل! المثال الأوّل: انتقلت الأسرة في الغرب في ظلّ الأنظمة ((الرأسماليّة المتوحشّة)) ((capitalisme sauvage)) (١) من نموذج العائلة المتماسكة حيث يتقاسم الوالدان تربية الأبناء, ويربيانهم على مراعاة الأخلاق الفاضلة واحترام النظم العامة التي تخدم مصالح الشعب, إلى شكل الأسرة التي يعمل فيها كلّ من الأبوين لتحصيل أكبر مبلغ من المال دون الاهتمام بتنشئة الأبناء على القيم المحمودة؛ حتّى أصبح الأبناء نهبًا للفساد الإعلامي والجشع التجاري الذي يستثمر سذاجة النشء لتحقيق مبالغ هائلة من الأرباح.. وقد نشأت اليوم تيّارات في الغرب تدعو إلى إصلاح الأنظمة الأسريّة, وإعادة اللحمة القديمة التي كانت تربط أفرادها وتحكم علاقاتها, بتعميق الارتباط بين الزوجين والأبناء, وحماية الأجيال الصاعدة من سموم الإعلام التجاري والقيم الهابطة.. ولا شكّ أنّ هذا التيّار يعتبر من ناحية الاصطلاح, تيّارًا (رجعيًا) ؛ لأنّه طبق التعريف السالف, يدعو إلى العودة إلى أنظمة اجتماعيّة قديمة.. فهل يستحقّ هؤلاء الداعون إلى العودة إلى النظام الأسري القديم الإدانة لمجرّد أنهم على مذهب (رجعي) ؟!! وهل كلّ دعوة للتغيير ومفارقة القديم هي دعوى محمودة؟ وهل كلّ دعوة للعودة إلى القديم هي دعوى مدانة مرذولة؟!! المثال الثاني: دعا الغرب في مؤتمر السكّان في القاهرة, وفي غيره من المؤتمرات إلى تغيير ما سمّاه ((الشكل التقليدي للأسرة)) .. والمقصود بهذا الشكل التقليدي هو أن يكون الزواج قاصرًا على طرفين: رجل وامرأة.. والشكل الحديث المطلوب, بل والذي تتبنّاه عامة المجتمعات

стр. 20

الغربيّة –ممارسةً-, ومن اليقيني أنّ كلّ الدول الغربيّة ستتبنّاه قريبًا –قانونًا- لتعاظم نفوذ الداعين إليه وتناقض التيّارات الغربيّة الرافضة له, هذا الشكل هو: زواج رجل برجل.. وزواج امرأة بامرأة.. مع الصورة (القديمة) : زواج رجل بامرأة..! وقد ظهر تيّار غربي يدعو اليوم إلى المحافظة على الصورة التقليديّة لشكل الأسرة الموافقة لأحكام الدين ونواميس الطبيعة, لكّنه قوبل بصدّ حاد وردّ جاف من دعاة ما يسمّى بـ (حقوق الشواذ) , واتُّهم هذا التيّار, بأّنه تيّار (رجعي) .. ولا شكّ أنّ وصفه (بالرجعيّة) هو وصف سليم منضبط؛ لأنّه حسب تعريف ((الرجعيّة)) , يُعدّ الداعي إلى كلّ نظام قديم, رجعيًا!! فهل يصحّ القول إن منع الزواج بين الرجال فيما بينهم, أو بين النساء فيما بينهن, يعدّ فعلاً (ظلاميًا) (ظالمًا) ؛ لأنّه يرفض الواقع الجديد, ويدعو إلى نموذج أسري قديم؟!! الإجابة على السؤالين السالفين, أَظَهَرُ من أن نفصّلها, إلاّ أن يكون المخالف لا يرى تربية الأبناء شيئًا جديرًا بالاعتبار, ولا يجد حرجًا -أو ما دون ذلك- في زواج الرجل بالرجل والأنثى بالأنثى!!؟؟ إذن.. ((الرجعيّة)) ليست تهمة تخشاها صاحبة الحجاب؛ لأنّ ((الرجعيّة)) قد تكون إيجابيّة أو سلبيّة, تبعًا لصلاح الأمر الذي يعمل المرء على ((الرجوع)) إليه؛ فإذا كانت الرجعية هي العودة إلى الصالح من الأفكار والأفعال, فنِعمّ الرجعيّة هي! وإذا كانت الرجعيّة هي العودة إلى القبيح والمشين من الأفكار والأفعال, فبئس الرجعيّة هي! إنّ (الإنسان) هو (الإنسان) في علاقته ببيئته بما فيها من البشر وبقيّة الأحياء والأشياء, ولا تكاد تتغيّر فيه إلاّ وسائل الإشباع, أمّا الحاجات الأساسيّة الكامنة فيه؛ كالأكل والشرب والزواج وطلب الأمن والسكينة والأنس؛ فهي نفسها في القديم والحديث, ولم يكد يمسّها تطوّر إلاّ في وسائل التعامل معها لتحقيق الإشباع المطلوب.. إنّ قيم الإنسان الجميلة التي تؤسّس فيه حقيقة انتمائه للجنس الآدمي المكرّم, لا تَنْدَرِسُ لمجرّد تغيّر الزمان وتبدّل البلاد.. إنّ الإنسان قيمة ثابتة, لا تتغيّر منها إلاّ الظواهر السطحيّة.. ولو فصلناه عن حقيقة الجمال

стр. 21

الكامنة فيه لمجرّد أنها قديمة في ذاته وأصيلة في وعيه بنفسه؛ فلن تكون النتيجة غير تحويل الإنسان إلى منتج صناعي هشّ بلا أصل له ممتد في تربة التاريخ, وإنشاء حالة اغتراب لروحه في جنبات كيانه.. ثانيا/ يعيش الغرب اليوم من الناحيتين الفكرية والقِيَميّة تحت سلطان فكر ((ما بعد الحداثة)) ((Post-modernism)) , وهو الفكر الذي يضخّ في شرايين أنسجة البناء الأسري والمجتمعي الغربي المفاهيم والقناعات والتصورات..ونظرًا للطبيعة الإسفنجيّة الرخوة للعالمانيين العرب؛ فإنّهم لا ينظرون بعين النقد إلى الأصل الرَحِمِيّ لمتبنيّات الغرب, وإنّما قد شغلهم النقل والنسخ والتكرار الغرّ عن التدبّر والتفكّر! فما هو فكر ((ما بعد الحداثة)) الذي يعدّ مخالفه (رجعيًا) ؟ ((ما بعد الحداثة)) هو فكر ((اللافكر)) أي هو فكر لا يستمد وجوده من نفسه, وإنما يعود في تشكيل ماهيّته إلى نفي غيره ((اللا)) ؛ فهو (ليس) غيره, أي ليس (الحداثة) ولا غيرها من المنظومات الكليّة المعروفة.. هو فكر عاجز أن يثبت ذاته (من) ذاته! إنّه فلسفة الرفض والتيه, وإفناء كلّ الأنماط القديمة, وإلغاء (المركز) الذي يدور حوله الموجود الإنساني, وإلغاء فكرة الحقيقة المطلقة, وفاعلية العقل على إفراز مدركات يقينيّة.. إنّه المظهر الشمولي للعدميّة (nihilism) ! يعتبر المنهج ((التفكيكي)) من أهمّ آلية التفكير والتفسير في فكر ((ما بعد الحداثة)) , وهو منهج ((يفكّك)) الإنسان إلى قطع من ((الأشياء)) و ((النزعات)) لتشريحه وفهمه. وعمليّة التفكيك هذه هي جوهر ما يسمّى ((الاستنارة المظلمة)) أي رؤية الإنسان باعتباره كائنًا طبيعيًّا تحرّكه غرائزه الوحشيّة المظلمة القابعة داخله, أو القوانين الآليّة الموجودة خارجه ولا يمكنه تجاوزها. (١) لقد تحوّل (الإنسان) في النسقين الفكري والقيمي في زمن ((ما بعد الحداثة)) إلى (كائن سائل) فاقد للمعالم الثابتة التي تمنحه تفوّقًا (حقيقيًا) على (الحيوان) !

стр. 22

في ظلّ هذا التصوّر الهدمي (للإنسان المكرّم) , تتشكّل التصوّرات الغربيّة عن (المرأة) , وهي تصوّرات ظاهرة الملامح في الدراسات السوسيولوجيّة والنفسيّة, وقد تُسمّى فيها بمسيّاتها الحقيقيّة, إلاّ أنّها مغيّبة الألوان في الخطاب الإعلامي العالماني الموجّه إلى الغربي العامي أو المصدّر إلى العالم الإسلامي؛ لبشاعتها وشناعة مآلاتها.. ولعلّنا نلخّص ما يعنينا منها هنا, في نقاط سريعة تظهر معالم الكيان الأنثوي في زمن ((ما بعد الحداثة)) الذي يُعدّ (المواجه له) أو (المنتكس عنه) , (رجعيًا) , مقبوحًا (!) : المرأة المثاليّة: إن (المرأة المثاليّة) التي يدعو إليها التيّار النسوي الغربي في زمن ((ما بعد الحداثة)) , هي تلك التي حدّدت ((سيمون دو بوفوار)) ((Simone de Beauvoir)) (١) ملامحها في كتابها الذي يعدّ (دستور) الموجة الثانية للنسويات (٢) : ((الجنس الثاني)) ((Le Deuxième Sexe)) ؛ إنّها المرأة التي ترفض أن تكون زوجة (( (كائن طفيلي)) ) , وتأبى أن تكون أُمًا (( (امرأة غير راضية)) ) , وتأنف أن تكون لها علاقة حب مع رجل (( (امرأة مذعورة)) ) (٣) .. إنّها المرأة المستقلّة بنفسها عن (الأسرة) و (الزوج) , والمنخلعة من صميم (أنوثتها) ! المرأة كـ (شيء جنسي) : في إحصائية تمّت سنة ١٩٩٣م, أجاب ٦٥% من المراهقين الأمريكان أنّه يجوز أن يجبر الرجل المرأة على المواقعة الجنسيّة, بعد لقائهما الأول بستة أشهر. وأجاب ربع المراهقين أنّه يجوز إجبار المرأة على المواقعة الجنسيّة, إذا كان الرجل

стр. 23

قد أنفق عليها سابقًا من ماله! (١) لقد أضحت المرأة في واقع التوحّش الليبرالي في زمن ((ما بعد الحداثة)) أشبه (باللعب الجنسيّة) ؛ فهي على الحقيقة لا المجاز توضع في (فترينات) في محلات الدعارة في الغرب, ويمتهن جسدها على مدار اليوم في المجال البصري للرجل من خلال وسائل الإعلام والإشهار والترفيه؛ فكانت نهايتها أن تعامل من الرجل على أنّها لا تملك من جسدها شيئًا إذا ما رأى الرجل أنّه قد صار له حق فيها لمجرّد أنه التقى بها لمرات في مطعم, أو أنفق عليها دولارات معدودة! الأنثى في محرقة (الانفجار الجنسي) : كشف رئيس التخطيط الأبوي لمدينة نيويورك سنة ١٩٩٧م أنّ ٧٥% من المراهقين الأمريكان يمارسون الجنس قبل الانتهاء من سنوات التعليم في المدرسة الثانوية, وأنّ في مدينة نيويورك وحدها تحمل كل عام أكثر من ٤٥ ألف فتاة في السنوات العمرية بين ١٥ و١٩ سنة. (٢) وفي دراسة أجريت سنة ١٩٩٣م حول النساء اللواتي يدرسن في الجامعات الأمريكيّة, كشف الإحصاء أنّ ٦٩,٨% من الطالبات قد تعرضن (لإكراه لفظي) بالدعوة إلى (مواقعة جنسيّة لا يرغبن فيها) ! (٣) لقد تحوّلت (الليبراليّة الجنسيّة) في زمن ((ما بعد الحداثة)) , من حلم أنثوي وردي بعد زمن (التابوهات) , إلى كابوس أخلاقي واجتماعي واقتصادي امتدّ تأثيره إلى البنيّات الصغيرات في المدارس الإعداديّة بسبب محاولة إلغاء قيم ((العفّة)) و ((الحياء)) و ((الأسرة)) التي قيل إنّها صناعة (المجتمعات الباطريركيّة) (٤) ...

стр. 24

(الأسرة) كمفهوم: أنتج النسق القانوني الذي ظلّ مسيطرًا على أوروبا منذ زمن تبنّي الدول الغربيّة للنصرانيّة, إلى بداية القرن العشرين, والذي سلب المرأة حقّها في جوانب أساسيّة كبيرة من حياتها كأمور الطلاق والملكيّة والميراث والتعليم, مفاهيم قانونيّة جديدة تطمع في أن تحمي المرأة من الظلم القديم, وأدّى ذلك إلى محاولة إلغاء المؤسسات القديمة التي هضمتها حقوقها أو تقزيمها إلى حدّ إفقادها الكثير من قيمتها. وقد تواكب هذا الأمر مع إقصاء الممارسة الجنسيّة البهيميّة غير المسؤولة من دائرة (الذنب) . ورافق ذلك تفاقمُ النزعة الاستهلاكيّة وتعقّد الأنماط الاقتصادية وما تفرزه من ازدياد ثقل المسؤوليّة على من يرى أخلاقيّة القيام بأعباء أسرةٍ.. اجتمع كلّ ما سبق في سياق زمني واحد ليفرز نفورًا عارمًا للرجال من (مؤسسة الزواج) بما تمثّله من أثقال قانونيّة وواجبات أخلاقيّة ومسؤوليات ماليّة, فانحاز الرجل إلى نمط المخادنة حيث لا تكلّفه العشيقة شيئًا؛ إذ هو غير ملزم قانونيًا ولا أخلاقيًا بالإنفاق عليها, كما (يوفّر) هذا النمط المعيشي للرجل أن يغيّر من عشيقاته كلّما استهوته امرأة جديدة دون الإحساس باقتراف جناية قانونيّة أو أخلاقيّة! وبسبب تضخّم (مؤسسة) المخادنة؛ فقد اتّسع أثرها ليصيب بنصله الجارح مؤسسة الزواج؛ فانتشر تفلّت الرجال من مسؤولياتهم, وتفشّي الطلاق, وتعاظمت الخيانة الزوجيّة إلى درجة وبائيّة؛ حتّى إنّ إحصائية لسنة ١٩٨٨م, أثبتت أن ٧٨% من الأزواج البريطانيين قد خانوا زوجاتهم, ومثل ذلك في الولايات المتحدة التي كانت فيها النسبة سنة ١٩٦٥م ٤٧%. (١) لقد أصبجت (الأسرة) في زمن ((ما بعد الحداثة)) (شبه كيان!) مفرّغ من حقيقته, وافتقدت للروابط الأصيلة لأجزائها؛ فتفلّتت أبعاضها وتناثرت حبّات عقدها مخلّفة شتاتًا في النفس وتقلّصًا (مخيفًا) في آفاق العين؛ ليشعر الفرد بعد ذلك أنّه (جزيرة) نائية عن كل أرض, وقد انقطعت بينه وبين نسبه ونسله وشائج الفكر والشعور!

стр. 25

العلاقة العاطفيّة بين الرجل والمرأة: في زمن محاربة الكثير من النِِِسَويّات -وهن اللواتي يَصُغن برامج وزارات الأسرة في الغرب- مؤسسة الزواج ذاتها؛ باعتبارها مؤسسة إلغاء للمرأة, صرّحت إحداهن - ((أندريا دوركن)) ((Andrea Dworkin)) - أنّ الحبّ الرومانسي هو ((احتفال أسطوري بنفي المرأة)) , وأنّ الزواج ليس إلاّ ((اغتصابًا مشروعًا بالقانون)) ((Legalized rape)) !! (١) لقد تحوّل الإحساس الوجداني العفوي الذي يعبّر عن صميم الذات البشريّة, إلى عنوان (هزيمة) وبصمة (استلاب) في التصوّر النِسوي لزمن ((ما بعد الحداثة)) ! هذا هو (الواقع) الفكري والقِيمي الذي يُعدّ الرافض له (رجعيًا) .. فهل (للعاقلة) اليوم أن تأنف من أن تكون (رجعيّة) ؟! ثالثا/ أثبتت الإحصائيات العلميّة الجادة, أنّ الأفكار الحديثة التي يعدّ الرافض لها رجعيًا, تقود الآن الفرد والأسرة إلى (وادي) الإفلاس القِيمي حيث لا قمم يحثّ المرء السعي إليها للارتقاء بكيانه؛ فانتشرت بذلك الأوبئة الأخلاقيّة, والقلق المرضي, والانتحار, والتحلّل الجنسي, والشذوذ, والأمراض الفتّاكة.. وفي مقابل هذا الواقع الانحداري المنبثق من تحلّل الإنسان من نواة إنسانيته وأصالتها, استبان للراصدين للواقع الغربي وتحوّلاته, أنّ الأنظمة المحافظة أخلاقيًا والتي كانت لها اليد العليا في الغرب في زمن ما قبل الحداثة, كانت أفضل وأجدى وأنفع للفرد والأسرة والمجتمع (٢) .. فهل يجوز للمرء أن يعاند الحقائق, ويعانق الأوافل, ويترك النافع الهادي ليأخذ بالفاسد الضار؛ لمجرّد أنّ الفاسد هو (الجديد) , وأنّ النافع من (القديم) المتصرّم؟!!

стр. 26

رابعا/ الدعوة إلى التبرّج هي أيضًا دعوة إلى الرجعيّة والعودة إلى ما كانت عليه حضارات قديمة وفلسفات كانت تمجّد حريّة المرأة في أن تفعل ما يحلو لها كالإبيقوريّة (١) والمزدكية (٢) وغيرهما.. فهي ليست دعوة خرجت لتوّها من رحم (الإبداع) , كما أنّها ليست من طريف الفكر الإنساني! ولا يصحّ أن يُعترض علينا في هذا المقام, بأنّ المنكرين للحجاب والراغبين في السفور لا يدعون إلى كشف المرأة مفاتنها من باب تقليد الحضارات القديمة, وإنّما من باب موافقة صواب هذه الآراء.. لأننا سنقول نحن أيضًا؛ إننا لا ندعو المرأة إلى التزام الحجاب, لمجرّد أنّ الأمم السالفة أو الأجيال المسلمة السابقة قد فعلت ذلك, وإنما لأنّه الحقّ من ربّ العالمين! خامسا/ تحدّث ((ساركوزي)) -رئيس فرنسا ذات التاريح الاستعماري البغيض- عن (الحجاب) الإسلامي؛ فأتى بمرّ القول وشنيع الدعوى؛ إذ قد صوّر الإسلام على أنّه يختزل المرأة في أنّها (عورة) لا بدّ أن تمنع أنفاسها من معانقة أنسام الحريّة, ممّا يعارض الأنموذج الغربي (الراقي) (!) للمرأة الحديثة, ذاك الأنموذج الذي لا يمكن أن تترددّ المرأة في أيّ مكان كان من أن تأخذ به وتتشبّث بأهدابه؛ فهو جزء أصيل من المنظومة الفكريّة والقِيميّة الغربيّة التي تمثّل (ذروة) (!) ما بلغه (الإنسان) ..!!؟ لكنّ ((ساركوزي)) في حقيقة نفسه, وفي قرارة قناعته يعلم أنّ الإسلام كتصوّر إيماني يَصِل الدنيا بالآخرة, والزمني بالمطلق, وكممارسة ماديّة ذات جذور أيديولوجيّة متماسكة ومتناغمة مع أجزائها, لا يمكن أن تقف أمامه ثقافة

стр. 27

أوروبا في زمن ((ما بعد الحداثة)) , حيث الثقافة (التهادميّة) والاختزال المُشطّ (١) ؛ ولذلك قال هو نفسهُ بالحرف: ((إنّ أسلمة أوروبا تُعد أمراً لا يمكن تفاديه.)) ((l’islamisation de l’Europe est inéluctable)) !! (٢) فليست دعاوى ربط (الحجاب) بالرجعيّة التي روّج لها ((ساركوزي)) , وسنّ لأجلها قانونًا يقضي بمنع المحجبات من دخول المدارس؛ إلاّ حالة دفاع نفسي متشنّج وليست هي موقفاً عقلياً بقناعات موزونة؛ إذ كيف يجتمع القول بظلامية شرائع الإسلام مع حقيقة تفوّق هذا الدين وجاذبيّته في أوروبا نفسها, رغم غياب الكيان السياسي الذي يتبنّى حمل هذا الدين إلى الأمم الغربيّة, في نفس الآن؟!! إنّها ازدواجيّة الخطاب.. خطاب التشويه والتخدير الموجّه إلى العامة عن طريق الإعلام.. وخطاب التحذير النابع من وعي –ولو كان جزئيًا- بقدرة هذا الدين على فرض بدائله لحلّ المشاكل الفرديّة والجماعيّة المزمنة في أوروبا!

стр. 28

ولا يستغرب أن تصدر هذه التعليقات والمواقف من رئيس دولة لازال شعبها يعيش في (جيتو) ضيق داخل أوروبا حيث ينامون ويصحون على أمجاد التراث التليد (المجيد) , و (الثورة الفرنسيّة) العتيقة, في عجز عن التواصل حتى مع الثقافات الأوروبيّة الأخرى, وذعر من النموذج الثقافي الأمريكي..! (١) الشبهة الثانية: الحجاب امتهان لكرامة المرأة يقول المعترض..: ((إنّ الإسلام يمتهن المرأة ويحطّ من قدرها ويسومها من كأس الصَغار صنوفًا؛ حتى إنّه يرى أنّها عورة تستقذر العين النظر إليها؛ فلا بدّ أن تمنع عن أعين الرجال!!!)) ((إنّ القرآن يشينها بقوله: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (٢))

стр. 29

الجواب: أولًا/ ما هي كرامة المرأة التي يخشى المعترض أن تُهدر إن لبست المرأة الحجاب؟!! هل كرامتها التي يجب أن تصان, هي إثبات حقّها في أن تتعرّى, وتكشف مفاتنها, وتخاطب غرائز الرجال بلغة الإثارة؟! هل صميم كرامتها هو في أن تشغل وقتها في التزيّن والتعطّر واللهاث وراء (تقليعات) التسريحات والفساتين؛ حتى تلوي أعناق الرجال في الطرقات والمحلاّت العامة؟! هل لبّ كرامتها هو في أن تُختزل في لحمها وألوان ثيابها؟! هل عين كرامتها هي في نضارة شبابها التي ينتشي بها الباحثون عمّا يفتن العيون؟! عن أيّة كرامة يتحدّث المعترض؟! أين كرامة إنسانيّة المرأة؟! أين شرف عقل المرأة؟! أين قيمة المرأة الأم؟! القضيّة عند هؤلاء, لا تخرج عن اثنين.. إمّا ترديد ببغائيّ لما يقوله الدسّاسون دون وعي..! أو عمالة عن وعي وتدبير! لقد ظلّ هؤلاء الذين يدّعون نصرة المرأة, يحاربون الحجاب على أنّه يقمع حقّ المرأة في الاختيار, ويجبرها على أن تفعل ما لا تريد.. ولمّا أعلنت فرنسا عدوانها على الحجاب بمنع البنت التي تغطّي رأسها بقطعة قماش من طلب العلم في المدارس والجامعات ولو أقسمت لهم بالذات المقدّسة والأيمان المغلّظة أنّها ترتدي الحجاب عن قناعة ويقين وحبّ, سكت دعاة (حريّة) المرأة وحقّها في (الاختيار) .. فأين إذن ذهبت (كرامة المرأة) التي يدافعون عنها ويدفعون عنها-بزعمهم- عدوان (الظلاميين) ؟ أليس حقّ المرأة عندهم في أن تغطّي رأسها جزءًا من كرامتها الآدميّة.. أم أنّ كرامة المرأة لا تلتقي مع (الستر) , وإنّما هي فقط موصولة (بالعري) ؟!!

стр. 30

ولمّا كان الصِرب يقتلون النساء المسلمات في كوسوفا, ويذبحونهن بعد اغتصابهن بصورة جماعيّة أمام أولادهن.. وبعضهن قد فتحت بطونهن, ووضعت فيها أجنّة كلاب.. أين كان عندها من يدافعون في بلادنا عن (كرامة المرأة) المنتهكة –بزعمهم- من الحجاب الإسلامي؟!! (١) هل ارتداء المسلمة الحجاب, هو أمر (يغتال) كرامتها.. في حين أن اغتصاب المرأة الواحدة من العشرات هو أمر فيه نظر, لأنه لا يكاد يخدش من قيمتها شيئًا؟؟! بأيّة حجّة –بربّكم- تتحدّثون؟ حقّ المرأة في أن تغطّي جسدها هو أمر يسقط كرامتها.. واستعمالها في إعلانات الشامبو, والصابون, وإطارات السيارات, وشفرات الحلاقة, ومعجون الأسنان, وأدوات المطبخ, باستثارة أعين الرجال إلى مفاتنها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها.. هو أمر لا يمسّ من كرامة المرأة شيئًا؟!!! ما هذا الميزان المنكوس! ستر المرأة جسدها, هو أمر ينال من كرامتها.. واسترقاق بنت الثامنة عشرة ربيعًا, بأن تُجبر على (ريجيم) قاس حتّى لا يتجاوز وزنها كذا رطلاً, ولا يتعدّى مقاس خصرها كذا سنتمترًا.. ولا يبلغ طول وعرض كذا وكذا.. حتّى تثير إعجاب الناظرين إليها وهي تلبس الملابس الشفافة على ركح عرض الأزياء الجديدة.. ذاك أمر لا ينال من كرامتها شيئًا!! إنّ كرامة الأنثى لهي في أن تُربّى صغيرة في كنف أسرة صالحة, على الحقّ والخير.. وتتزوّج من الرجل المؤمن البرّ.. ويُحرس أبناؤها من غوائل الفساد.. وهي في أثناء كلّ ذلك تنهل من فيض العلم النافع, وتدعو الناس إلى العمل الصالح! إنّ كرامة الأنثى لهي في أن تمنع من أن تُفتن.. وألاّ تتخذ أداة للفتنة!

стр. 31

إنّ كرامة المرأة لهي في أن تعبد ربّها على بصيرة.. لا أن تساق إلى الهلاك في الآخرة تحت شعار حقّها في كشف عوراتها! ولله درّ الصحفيّة الشهيرة المهتدية إلى الإسلام ((إيفون ردلي)) ((Yvonne Ridley)) , وهي –الشقراء البريطانيّة- تقول في نسف هذه الدعوى: ((التفوّق في الإسلام يتحقّق بالتقوى, لا الجمال, ولا الثروة, ولا القوّة, ولا المقام, ولا الجنس. قولي لي الآن, أيّهما أكثر نزوعًا للتحرير؛ أن يُحكم عليكِ تبعًا لطول تنورتك وحجم صدرك الذي كبّرتيه بعملية تجميل, أو أن يحكم عليكِ تبعًا لشخصيتك وعقلك وذكائك؟ تخبرنا المجلاّت الناعمة نحن كنساء أنّنا إن لم نكن طويلات ونحيلات وجميلات, فسنكون غير محبوبات ولا مرغوب فينا.)) (١) ثمّ –في المقابل- إن الإسلام يلزم الرجل بألاّ يكشف ما بين السرّة والركبة, وأن يطلق لحيته, وألاّ يخالط النساء, وألاّ يصافح من لَسْنَ من محارمه.. فلِمَ لا يقال إنّ هذه الأحكام تمتهن كرامته؟!! أم إنّ أحكام لباس المرأة وسلوكها, هي فقط محلّ ريبة!! ثانيا/ هل حققت النماذج الغربيّة للمرأة الكرامة التي رفعت قيمتها, وحققت لها سعادتها؟ أجيب بلغة أرقام: تخبرنا إحدى المكاتب الرسميّة الأمريكيّة في إحصائيّة لسنة ٢٠٠٧م حول الوظائف التي شغلتها المرأة في الولايات المتحدة الأمريكيّة سنة ٢٠٠٧م, أنّ: ٩٦.٧% ممن يعملون في وظيفة (سكرتير) وإعانة إدارية, نساء! ٧٥,٦% من المحاسبين في المحلات, نساء! ٧٤% من النوادل في المطاعم, نساء!

стр. 32

٩٣% من موظفي الاستقبال, نساء! ٦٨,٥% من موظفي خدمة الزبائن, نساء! ٨٩,٢% من الخدم وعمال النظافة, نساء! ٩٢,٩ من مصففي الشعر والتجميل, نساء! (١) وتجيبنا مرّة أخرى ((إيفون ردلي)) بقولها: ((كان النساء يعامَلن على أنّهن كائنات أدنى, حتى جاء الإسلام. في الحقيقة, نحن النساء لازلنا نعاني في الغرب حيث يعتقد الرجال أنّهم أرقى من النساء. وهذا أمر من الممكن أن نراه في نظم الترقية والرواتب, من عاملات التنظيف إلى النساء في مجالس الإدارة. النساء الغربيّات لازالن يعاملن كسلعة, حيث الاستعباد الجنسي في علوّ, وإن كان يتغطّى تحت كنايات تسويقيّة حيث تروّج أجساد النساء عبر عالم الإعلانات. كما ذكرت ذلك سابقًا, فإنّ هذا مجتمعٌ حيث الاغتصاب والتحرّش الجنسي والعنف ضد المرأة؛ أمور عادية. مجتمع, المساواة فيه بين الرجل والمرأة ليست إلاّ خديعة. مجتمع, حيث قوّة المرأة أو تأثيرها متصلٌ في الأغلب بحجم نهديها.)) (٢) وشهدت شاهدة من بلاد الغرب..! وأرجو ألاّ يلومها أحد على عبارتها التي قد تبدو (فاقعة) عند البعض؛ فإنّ هذه (المثقّفة) (الشجاعة) قد اكتوت بنار (تشييء) المرأة, وإعدام قيمة الأنوثة فيها خارج (الدائرة الجنسيّة) !

стр. 33

ثالثا/ إنّ من يُسأل بحقّ عن موقفه النفسي من الحجاب: أهو مقبرة لآدميّته أم معراج لإنسانيّته, لهي المرأة نفسها, لا أن تلقّن المرأة ما (يحسن!) بها أن تقوله على ألسنة الليبراليين والمنصّرين (١) .. وهاهي المرأة المسلمة تشهد في إحصائيّة قامت بها منظمة غربيّة ... (The Gallup Organization) تحت عنوان: ((ماذا تريد النساء: الاستماع إلى أصوات النساء المسلمات)) ((What Women Want: Listening to the voices of Muslim Women)) في سنة ٢٠٠٥, لغير ما أراد القوم منها.. فقد ثبت في هذه الإحصائيّة التي شملت ٨٠٠٠ امرأة في ثماني دول, أنّ الحجاب والنقاب لم يعتبرا من مظاهر الظلم كما يقول التغريبيون عندنا. واختار جلّ النساء المستفتَيات القول إنّ أكثر ما يسوؤهنّ من الحضارة الغربيّة هو الفساد القيمي والتحلّل الأخلاقي. (٢) كما تشهد حالات الامتعاض في الغرب من التضييق على المحجّبات, أنّ من يقود حملات المعارضة للتضيق على اللباس الإسلامي هن المسلمات أنفسهن, وجلّهن من الشابات, ومنهن مسلمات غربيات.. فكيف يكون الحجاب مع ذلك في واقع المرأة عنوان إذلال أو أثقال أغلال؟! أين هذه المحنة المزعومة؟!! وأين الحجر على حقوق النساء المدّعى!!! إنّها تجارة الوهم, وأفكارٌ رصيدها الوهن! إنّ النزعة العدوانيّة نحو الحجاب باعتباره علامة امتهان للمرأة، ليست إلاّ إحدى إفرازات الجهل والخضوع لأنماط التفكير (المصنّعة) و (المعلّبة) التي تفرضها وسائل الإعلام الخاضعة لمؤسسات (مؤدلجَة) ذات برنامج (مدفوع الأجر) ؛ وهو ما اعترفت به الكاتبة الكنديّة المسلمة ((كاثرين بلّوك)) ((Katherine Bullock)) في مقدمة كتابها ((Rethinking Muslim

стр. 34

Women and the Veil: Challenging Historical and Modern Stereotypes)) - أصله أطروحة دكتوراه- الذي دافعت فيه عن الحجاب, وفكّكت فيه الخطاب الغربي, ونسفت دعاويه المختلقة: ((شاهدتُ سنة١٩٩١م تقريرًا إخباريًا على التلفزيون يظهر النساء التركيات العائدات إلى الحجاب. شعرت بالصدمة والحزن لأجلهن. وقلت في نفسي: ((إنهن مسكينات, لقد غُسِلت أدمغتهن بما تقدمه ثقافتهن.)) لقد كنت أعتقد -ككثير من الأوروبيين- أنّ الإسلام يضطهد النساء, وأنّ الحجاب هو رمز اضطهادهن. تصوّروا إذن المفاجأة التي وقعت لي بعد أربع سنوات وأنا أرى نفسي على مرآة محلّ, مرتديةً لباسًا يماثل تمامًا لباس أولئك النسوة المضطهدات. لقد انطلقت في رحلة روحيّة خلال مرحلة الماجستير؛ كانت نتيجتها بعد أربع سنوات, اعتناقي الإسلام. تضمّنت الرحلة انتقالي من بغض الإسلام إلى احترامه ثم الاهتمام به, إلى قبوله.)) (١) إنّه الانتقال من التفكير (بخلايا مخدّرة) إلى التفكير (بعقل مبصر) !! الشبهة الثالثة: الحجاب تزمّت بغيض ((الحجاب تزّمت, وتعصّب, وتكلّف في اللباس, وتضييق على النفس, وإمعان في السير في مضايق الحرج والإعنات..!!)) .. هكذا لسان من يعادون الحجاب.. وينصبون له لواء البغض.. فهل لكلامهم رصيد من صواب..؟ وهل يستحقّ شيئًا من الاعتداد..؟ الجواب: أولًا/ قد قيل: ((الحكم على الشيء, فرع عن تصوّره)) والحكم على الشيء دون تصوّره؛ باطل محض.. والحكم عليه بتصوّره على غير حقيقته؛ تجانف عن الحقّ!

стр. 35

الصورة في حقيقتها, بعيدًا عن التجميل أو التحقير والتشويه هي: فتاة مقبلة على ربّها, قرأت قرآنها وسنّة المعصوم المبلّغ عن خالقها؛ فوجدت أنّ الإسلام يأمر المرأة بالحجاب, ويدعوها إلى أن تغطي مفاتنها بالحدود التي رسمها الشرع, وتبتعد عن أماكن اللهو والفساد, ولا تخالط الرجال.. ثمّ هي بعد ذلك, تأخذ من حلال الدنيا ما تريد, وتلبس في بيتها وأمام زوجها ما تشاء من رائق وبديع, وتتجمّل في محافل النساء باللباس الجميل والحليّ بلا نكير, مادام ذلك لا يفتح للفتنة والكِبر والرغبة في الشهرة سبيل.. قد فُتِّحت لها أبواب الأخذ من موارد النعمة, ولم تمنع في هذا المساق إلاّ من اللباس الذي يثير غرائز الرجال.. فأين التزّمت وأين التشدّد..؟! إنّ ما فاه به المعترض من عباراتٍ مجّانيّة للنكير على المحجّبات, لا تحمل من ثقل الحجّة شيئًا؛ بل هي مثقلة بأوضار الحيف في استكناه حقيقة الحجاب وواقع أثره على المرأة التقيّة! ثمّ إنّ هذا المُنكر على من تسبل لباس العفّة على جسدها, قد سيطر على عقله ما اختاره الغرب من أنماط تفكير وسلوك؛ فهو لا يرى المرأة إلاّ في مجامع الاختلاط واللهو والعبث, ولا تروق له إلاّ وهي تتأبّط شهواتها, وتنثر سهام الفتنة في خلواتها وجلواتها.. هو لا يراها مقبلة على صلاة, ولا سابحة بين موج كتاب, ولا صادعة بالحقّ في مقام بلاغ! إنّه إسقاط لنمط الحياة الغربي على واقع المرأة المسلمة.. ولكنّهما لا يلتقيان, قد عَظُمَ البرزخ فلا يجتمعان.. ولمّا علم المنكر أنّ الجمع بين التراب والتِبر محال؛ قاده فكره إلى أن يمحو من المسلمة معالم كيانها, حتى توافق (القالب) الغربي الذي يريد أن يغتالها! ولو أنّ هذا المعترض كان مبصرًا منصفًا؛ لحاكم النمط الغربي إلى معايير الاعتدال والنضج العقلي, لكنّه لم يفعل ذلك, وإنّما اختار أن يدفع المرأة المسلمة أن تسفل في قدرها بأن تخرج من خدرها, لا لتصنع خيرًا؛ وإنّما لتسفح ماء (الآدميّة) المكرّمة, على (مذبح) نهمة الرجال الجامحة.. ولمّا رفضت صاحبة الحجاب الاحتجاب عن نور الطهر؛ رماها الرامي بالتزمّت والتكلّف في مجانبة الحلال الزلال.. فهلاّ أخبرنا عن أيّ حلال يتحدّث, وما هي الطهارة التي منها قد مُنعت!

стр. 36

إنّها عقول قد (برمجت) على الإنكار.. تظن أنّ بيانها من لسانها.. وهي –لو علمت- ترى العالم بغير عينيها, وتستلذّ ما وافق أهواء غيرها! ثانيا/ إنّ الغرب الذي يرضع المعترض من حليب فكره, لا يرى في المرأة النصرانيّة التي توارت خلف حجاب الأديرة, ومنعت نفسها من أطايب الحياة؛ طمعًا في حلم ساذج شنيع المعالم؛ وهو أن تكون يوم القيامة عروس المسيح (إلهها) و (خالقها!!) بزعمها (!!) (١) .. لم ير فيها مجرمة ولا خائنة لشهوات طبعها.. وإنّما هي عنده امرأة قد اختارت من اللباس وأمور المعاش ما وافق فكرها.. أمّا عندنا, وقد فتح الشرع لأبواب الملاذ كلّ باب, ما لم تقد إلى فساد, فقد رميت المرأة بنصال التشدّد والتكلّف..!! فكيف يستقيم الحال, وتعتدل الصورة في عقل لا يستشنع الرهبنة القائمة على تعذيب النفس وجلدها بسياط الحرمان, ويستقبح مع ذلك تغطيةً للحمٍ, لا تمنع خيرًا, ولا تحرم من نعيم لا يستغنى عنه؟! ثالثا/ لا شكّ أنّ عامة من يقول إنّ الحجاب هو نوع من التزمّت الصرف, يزعم –في الظاهر؛ حتّى لا يتّهم بالانحراف العقائدي- أنّ الإشكال ليس في الحشمة ولا في التديّن, وإنّما الاعتراض منصرف إلى المبالغة في التباعد عن مظان الفتنة, والتحرّز من مسالك الغواية. ووجه الخطأ في هذا المقام هو أنّ المنكر على الحجاب باعتباره تزمّتًا, قد أهمل (مصدر) الحكم على الشيء بالاعتدال والتفريط؛ وهو النصّ الشرعي.. فالتزمّت هو فعل يتضمّن المبالغة في ترك المباحات.. والشرع وحده هو الذي يحدّد بصورة نهائية المباح من الممنوع.. ولمّا كان الأمر كذلك؛ وجب استنطاق نصوص الشرع للحكم على الحجاب على أنّه التزام بواجب, أم تكلّف وتزمت لم ينزل به الله سلطانًا!

стр. 37

وبالنظر في نصوص الوحي؛ وجدنا أنّ الحجاب فريضة شرعيّة محكمة لا يردّها مسلم البتّة, ولا يرتاب في ذلك من فقه من دين الله شيئًا.. وعندها تسقط دعوى تزمّت المحجّبات؛ لأنّ فعلهن موافق لأمر صاحب الشرع جلّ وعلا؛ فلم يمنع مباحًا, ولم يضيّق واسعًا! رابعا/ إنّ القائل إنّ الحجاب تزمّت لم يدرك من حقيقة الحجاب شيئًا؛ وإنّما غُمّ عليه بفعل اتّخاذ الواقع (مصدرًا للفكر) لا (موضوعًا للفكر) ! إنّ هذا المعترض قد نظر فيما حوله؛ فرأى أنّ التغريب والعالمانيّة والحداثة وما بعدها, كلّها قد أنشأت مظهرًا في اللباس له خصوصيّة ومقاس.. ولأنّ هذا المعترض يميل إلى الحكم على ما يبدو من السطح, دون أن ينزع إلى الغوص في العمق؛ فقد ظنّ أن واقع بلادنا هو الذي يفرض أشكال اللباس التي تناسبه وتتساوق مع أنماطه الحياتيّة ومعاييره الجماليّة.. وهو عين الخلل في التفكير! إنّ الواقع موضوع للتفكير والحكم والتغيير, وليس هو أصلٌ لمعرفة الحسن والقبيح.. إنّنا مطالبون بأن نغيّر الواقع حتّى يوافق أفكارنا الصائبة, ولسنا مطالبين بأن نجعل أنفسنا عرضة لتقلّب الواقع, وتغيّر أنفس الناس, وتحكم أهوائهم في أفكارهم.. إنّ عبارة ((التزمّت)) هي عبارة حمّالة أوجه, لا يمكن ضبط معناها إلاّ بتحديد معيار نعرف به الاعتدال والتطرّف, والرخاوة والشدّة, والانضباط والانفلات.. وإذا غيّرت (المعيار) ؛ تغيّر حكمك على الوسط والأطراف, والحقّ والباطل, والهدى والضلال.. وكمثال يجلّي الحال؛ أقول: توجد في بلاد الغرب بعض المناطق التي يرتادها مجموعة من الناس يسمّون بـ ((nudists)) يتبنون فلسفة ((العري)) ((Nudism)) , وهم: رجالاً ونساءً, لا يلبسون شيئًا, عوراتهم المغلّظة مكشوفة, وهم يعتبرون أنّ هذا هو السبيل السويّ للحياة, وأن تغطية العورات هو من التكلّف الاجتماعي المصطنع, وأنّ الأصل أن يكتفي المرء بجلده, ويستغني عن كلّ لباس.. فلو مشت بينهم امرأة تلبس ملابس البحر؛ فسيبدو شكلها منكرًا, وفعلها مستهجنًا؛ لأنّها خالفت ما يرونه اعتدالاً, بترك تغطية أيّ شيء من البدن.. (١)

стр. 38

ولو غيّرت رِِِحْلَكَ إلى بلاد أخرى؛ فسيتغيّر المعيار, لتبدّل الأعراف.. وتبقى طول عمرك تغيّر ذوقك وحكمك وقيمك, تبعًا لتبدّل أهواء الناس, رغم أنّك نفس الإنسان؛ لحمًا وعظمًا وفكرًا, هنا وهناك..!! خامسا/ إنّ الفعل الذي يجب أن يدان باعتباره تزمّتًا, هو حرمان المرأة من حقوقها الآدميّة, ومنعها من الملاذ الدنيويّة الضروريّة, وقبل ذلك ما يمنعها من أن تؤدّي وظيفة العبوديّة, وما يحول بينها وبين النجاح في اختبار الدنيا لتنعم بجنان الآخرة..أمّا ما هو غير ذلك, فيخضع لمراعاة الحاجات الفرديّة والاجتماعيّة, ومصلحة الأسرة والمجتمع, وواقع البيئة.. فيُمنع الرجل من أفعال لأنّها تتعدّى على حقوق أساسيّة للمرأة والأولاد, وتمنع المرأة من حقوق لتعدّيها على حقوق أولى للزوج والولد, ويمنع الأبناء من حقوق تجور على حقوق الآباء.. وهكذا تتداخل الحقوق, وتتوسّع, وتضمر, تبعًا لتشابكها فيما بينها, وصلتها بوظيفة العبوديّة لله . الشبهة الرابعة: الحجاب يمنع المرأة من التعبير عن نفسها يقول الرافض للحجاب: ((إنّ الحجاب, هو عدو حريّة المرأة وانطلاقها لتعبّر عن نفسها!! إنّه يجعل المرأة كخيمة متنقلّة, ويأسر جمالها ويمنعه من أن يعبّر عن حيويّة هذا الإنسان المبدع!)) الجواب: أولًا/ من العسير -في الحقيقة- أن نتصوّر كيف يمنع اللباس المحتشمُ المرأةَ من أن تعبّر عن نفسها!! هل أدوات التعبير عن النفس الإنسانيّة هي: الصدر المكشوف.. والأفخاذ العارية.. والشفاه الحمراء! هل تتكلّم المرأة بلسانها أم بشعرها المجدول؟ هل تكتب المرأة للتعبير عن نفسها بقلم الحبر الذي تملكه المحجّبة والمتبرّجة.. أم بأدوات التجميل وصفائح المساحيق؟!

стр. 39

إنّ تصوّر وجه هذا الاعتراض, لهو من الصعوبة بمكان!؟ هل تعجز المرأة التي تستر جسدها عن أن تكون مدرّسة نابهة؟! أو طبيبة عالمة؟! أو أديبة نابغة؟! أو صحفيّة بارعة؟! هل تعبّر المرأة عن فكرها الراقي, وأدبها السامي, واكتشافاتها النافعة, بقوامها الممشوق, ولباسها الضيّق, وقلائدها الساحرة للعيون؟! لماذا تختزل طاقات المرأة في شكلها الظاهر للعيون؟! لماذا تقمع طاقات المرأة الإنسانة العاقلة لصالح مظاهر زائفة قد تتقن صناعتها أتفه النساء وأكثرهن بلادة!؟ ثانيًا/ يمنع الحجاب المرأة من أن تعبّر عن نفسها على أنّها دمية لامعة بلا روح.. إنّه يمنعها من أن تعبر عن نفسها على أنّها بريق لامع عند الشباب, وظلمة حالكة إذا عدا عليها الزمان وفقدت نضارة الصِبى..! إنّ الحجاب يدفع المرأة إلى أن تعبّر عن نفسها على أنّها إنسان, موفور الكرامة, والقدر, ويمنع من يعاملها من تقويمها بما تملك من جمال وجاذبية ناتجة عن تناسق ملامحها, وتناغم ألوان المساحيق على وجهها! إنّ الحجاب هو تعبير من المرأة على رفضها أن تكون في أعين الرجال كيانًا يوزن بالأحمال, ولا يقوّم بالأفكار والأخلاق! ثالثًا/ إن الحريّة التي تبيح كلّ فعل, وترفض أن تصنع لفعل الإنسان حدودًا, لهي في حقيقتها نوع صريح من (الفوضوية) , وإعلان فصيح لفكرة (البهيميّة) حيث يطلق الإنسان نفسه على سجيّتها, فلا يردّ لها أمرًا ولا يمنعها من شهوة طيّبة أو خبيثة.. إنّ هذه الحريّة بهذا الشكل الذي تبدو به على أفواه دعاة (حريّة المرأة في السفور) , لتنطلق من مبدأ أساسي, وهو أنّ الإنسان لم يخلق إلاّ لهذه الحياة؛ فمبتدؤه في الرحم, وفناؤه تحت

стр. 40

الجنادل في القبر.. ولذلك فعليه أن يعبّ من نعيم هذا الوجود الزائل عبًا؛ فإنّ وجوده في حقيقته هو خيال زائف لا يخفي وراءه آخرة للحساب.. إنّه وجود ترابيّ رخيص لا يستحقّ أن يكبح فيه الإنسان جوارحه عن كلّ لذة متاحة, فإنّ الفناء يشمل الجميع, بلا عودة.. إنّ هذا الفهم المميّز للحريّة, ليحمل فهمًا عدميًا للحياة حيث تستوي كلّ الأشياء لأنّها تسير إلى (لاشيء) .. فلا يجوز عندها أن نمنع هذا الكائن الذي يعيش في كون (العبث) , من أن يمتّع حواسه بشيء من (اللذائذ) المتاحة بين أكوام الكدر.. إنّ هذه الحريّة بأصولها وإفرازاتها, لتتعارض كليًا مع الفهم الإسلامي لمعنى (الوجود) وحقيقة (الاستخلاف) على الأرض.. إنّ هذه الدنيا, ممر, وليست بمستقرّ.. وهي دار اختبار, لا دار قرار.. وفيها تمتحن القلوب والجوارح, وفيها تحاسب الأنفس على الأفعال والتوارك.. فهل يصح مع ذلك أن يُردّ الحجاب لمجرّد أنّه يمنع من ممارسة هذه الحريّة بإطلاقها وتهوّرها؟! رابعًا/ هل المرأة التي تلبس ما (تريد) وتكشف ما (تشاء) هي حرّة في نفسها, مالكة لزمام أمرها؟! إنّه علينا أن نعرف من يصنع معيار الجمال؛ لنعرف حقيقة (إرادة) المرأة في ممارسة التعبير عنه..! إنّ الجمال –كقيمة ومعيار- في العالم الذي يترك للمرأة-ظاهريًا- أن تعبّر عنه بما شاءت, لهو في حقيقته صناعة خالصة للمنتفعين من شركات التجميل وما تفرّع عنها, وهو أيضًا أسير للرجال الذين لا يرون المرأة (الصالحة) إلاّ (لحمًا غضًا) و (ألوانًا صارخة ساحرة) .. ثم تتلاشى (المرأة) , فلا وجود لها خارج القوالب الجماليّة (المصنوعة) .. إنّ هذه المصانع التجاريّة, وتلك الشهوات الرجاليّة الأنانيّة النهمة, لهي في الحقيقة من ترسم للمرأة الرافضة للستر, معاني (الحريّة) ومقاييس (الجمال) , فإن سلكت هذه المرأة غير الطريق الذي رسم لها, واختارت غير ما اختاروا لها؛ فسيسقطونها, لأنّها لا تملك من إرادتها شيئًا
следующие страницы →