إنّها عقول قد (برمجت) على الإنكار.. تظن أنّ بيانها من لسانها.. وهي –لو علمت- ترى العالم بغير عينيها, وتستلذّ ما وافق أهواء غيرها!
ثانيا/ إنّ الغرب الذي يرضع المعترض من حليب فكره, لا يرى في المرأة النصرانيّة التي توارت خلف حجاب الأديرة, ومنعت نفسها من أطايب الحياة؛ طمعًا في حلم ساذج شنيع المعالم؛ وهو أن تكون يوم القيامة عروس المسيح (إلهها) و (خالقها!!) بزعمها (!!) (١) .. لم ير فيها مجرمة ولا خائنة لشهوات طبعها.. وإنّما هي عنده امرأة قد اختارت من اللباس وأمور المعاش ما وافق فكرها.. أمّا عندنا, وقد فتح الشرع لأبواب الملاذ كلّ باب, ما لم تقد إلى فساد, فقد رميت المرأة بنصال التشدّد والتكلّف..!!
فكيف يستقيم الحال, وتعتدل الصورة في عقل لا يستشنع الرهبنة القائمة على تعذيب النفس وجلدها بسياط الحرمان, ويستقبح مع ذلك تغطيةً للحمٍ, لا تمنع خيرًا, ولا تحرم من نعيم لا يستغنى عنه؟!
ثالثا/ لا شكّ أنّ عامة من يقول إنّ الحجاب هو نوع من التزمّت الصرف, يزعم –في الظاهر؛ حتّى لا يتّهم بالانحراف العقائدي- أنّ الإشكال ليس في الحشمة ولا في التديّن, وإنّما الاعتراض منصرف إلى المبالغة في التباعد عن مظان الفتنة, والتحرّز من مسالك الغواية.
ووجه الخطأ في هذا المقام هو أنّ المنكر على الحجاب باعتباره تزمّتًا, قد أهمل (مصدر) الحكم على الشيء بالاعتدال والتفريط؛ وهو النصّ الشرعي.. فالتزمّت هو فعل يتضمّن المبالغة في ترك المباحات.. والشرع وحده هو الذي يحدّد بصورة نهائية المباح من الممنوع.. ولمّا كان الأمر كذلك؛ وجب استنطاق نصوص الشرع للحكم على الحجاب على أنّه التزام بواجب, أم تكلّف وتزمت لم ينزل به الله سلطانًا!
стр. 37
وبالنظر في نصوص الوحي؛ وجدنا أنّ الحجاب فريضة شرعيّة محكمة لا يردّها مسلم البتّة, ولا يرتاب في ذلك من فقه من دين الله شيئًا.. وعندها تسقط دعوى تزمّت المحجّبات؛ لأنّ فعلهن موافق لأمر صاحب الشرع جلّ وعلا؛ فلم يمنع مباحًا, ولم يضيّق واسعًا!
رابعا/ إنّ القائل إنّ الحجاب تزمّت لم يدرك من حقيقة الحجاب شيئًا؛ وإنّما غُمّ عليه بفعل اتّخاذ الواقع (مصدرًا للفكر) لا (موضوعًا للفكر) !
إنّ هذا المعترض قد نظر فيما حوله؛ فرأى أنّ التغريب والعالمانيّة والحداثة وما بعدها, كلّها قد أنشأت مظهرًا في اللباس له خصوصيّة ومقاس.. ولأنّ هذا المعترض يميل إلى الحكم على ما يبدو من السطح, دون أن ينزع إلى الغوص في العمق؛ فقد ظنّ أن واقع بلادنا هو الذي يفرض أشكال اللباس التي تناسبه وتتساوق مع أنماطه الحياتيّة ومعاييره الجماليّة.. وهو عين الخلل في التفكير!
إنّ الواقع موضوع للتفكير والحكم والتغيير, وليس هو أصلٌ لمعرفة الحسن والقبيح.. إنّنا مطالبون بأن نغيّر الواقع حتّى يوافق أفكارنا الصائبة, ولسنا مطالبين بأن نجعل أنفسنا عرضة لتقلّب الواقع, وتغيّر أنفس الناس, وتحكم أهوائهم في أفكارهم..
إنّ عبارة ((التزمّت)) هي عبارة حمّالة أوجه, لا يمكن ضبط معناها إلاّ بتحديد معيار نعرف به الاعتدال والتطرّف, والرخاوة والشدّة, والانضباط والانفلات.. وإذا غيّرت (المعيار) ؛ تغيّر حكمك على الوسط والأطراف, والحقّ والباطل, والهدى والضلال..
وكمثال يجلّي الحال؛ أقول: توجد في بلاد الغرب بعض المناطق التي يرتادها مجموعة من الناس يسمّون بـ ((nudists)) يتبنون فلسفة ((العري)) ((Nudism)) , وهم: رجالاً ونساءً, لا يلبسون شيئًا, عوراتهم المغلّظة مكشوفة, وهم يعتبرون أنّ هذا هو السبيل السويّ للحياة, وأن تغطية العورات هو من التكلّف الاجتماعي المصطنع, وأنّ الأصل أن يكتفي المرء بجلده, ويستغني عن كلّ لباس.. فلو مشت بينهم امرأة تلبس ملابس البحر؛ فسيبدو شكلها منكرًا, وفعلها مستهجنًا؛ لأنّها خالفت ما يرونه اعتدالاً, بترك تغطية أيّ شيء من البدن.. (١)
стр. 38
ولو غيّرت رِِِحْلَكَ إلى بلاد أخرى؛ فسيتغيّر المعيار, لتبدّل الأعراف.. وتبقى طول عمرك تغيّر ذوقك وحكمك وقيمك, تبعًا لتبدّل أهواء الناس, رغم أنّك نفس الإنسان؛ لحمًا وعظمًا وفكرًا, هنا وهناك..!!
خامسا/ إنّ الفعل الذي يجب أن يدان باعتباره تزمّتًا, هو حرمان المرأة من حقوقها الآدميّة, ومنعها من الملاذ الدنيويّة الضروريّة, وقبل ذلك ما يمنعها من أن تؤدّي وظيفة العبوديّة, وما يحول بينها وبين النجاح في اختبار الدنيا لتنعم بجنان الآخرة..أمّا ما هو غير ذلك, فيخضع لمراعاة الحاجات الفرديّة والاجتماعيّة, ومصلحة الأسرة والمجتمع, وواقع البيئة.. فيُمنع الرجل من أفعال لأنّها تتعدّى على حقوق أساسيّة للمرأة والأولاد, وتمنع المرأة من حقوق لتعدّيها على حقوق أولى للزوج والولد, ويمنع الأبناء من حقوق تجور على حقوق الآباء.. وهكذا تتداخل الحقوق, وتتوسّع, وتضمر, تبعًا لتشابكها فيما بينها, وصلتها بوظيفة العبوديّة لله .
الشبهة الرابعة: الحجاب يمنع المرأة من التعبير عن نفسها
يقول الرافض للحجاب: ((إنّ الحجاب, هو عدو حريّة المرأة وانطلاقها لتعبّر عن نفسها!! إنّه يجعل المرأة كخيمة متنقلّة, ويأسر جمالها ويمنعه من أن يعبّر عن حيويّة هذا الإنسان المبدع!))
الجواب:
أولًا/ من العسير -في الحقيقة- أن نتصوّر كيف يمنع اللباس المحتشمُ المرأةَ من أن تعبّر عن نفسها!!
هل أدوات التعبير عن النفس الإنسانيّة هي: الصدر المكشوف.. والأفخاذ العارية.. والشفاه الحمراء!
هل تتكلّم المرأة بلسانها أم بشعرها المجدول؟
هل تكتب المرأة للتعبير عن نفسها بقلم الحبر الذي تملكه المحجّبة والمتبرّجة.. أم بأدوات التجميل وصفائح المساحيق؟!
стр. 39
إنّ تصوّر وجه هذا الاعتراض, لهو من الصعوبة بمكان!؟
هل تعجز المرأة التي تستر جسدها عن أن تكون مدرّسة نابهة؟! أو طبيبة عالمة؟! أو أديبة نابغة؟! أو صحفيّة بارعة؟!
هل تعبّر المرأة عن فكرها الراقي, وأدبها السامي, واكتشافاتها النافعة, بقوامها الممشوق, ولباسها الضيّق, وقلائدها الساحرة للعيون؟!
لماذا تختزل طاقات المرأة في شكلها الظاهر للعيون؟! لماذا تقمع طاقات المرأة الإنسانة العاقلة لصالح مظاهر زائفة قد تتقن صناعتها أتفه النساء وأكثرهن بلادة!؟
ثانيًا/ يمنع الحجاب المرأة من أن تعبّر عن نفسها على أنّها دمية لامعة بلا روح.. إنّه يمنعها من أن تعبر عن نفسها على أنّها بريق لامع عند الشباب, وظلمة حالكة إذا عدا عليها الزمان وفقدت نضارة الصِبى..!
إنّ الحجاب يدفع المرأة إلى أن تعبّر عن نفسها على أنّها إنسان, موفور الكرامة, والقدر, ويمنع من يعاملها من تقويمها بما تملك من جمال وجاذبية ناتجة عن تناسق ملامحها, وتناغم ألوان المساحيق على وجهها!
إنّ الحجاب هو تعبير من المرأة على رفضها أن تكون في أعين الرجال كيانًا يوزن بالأحمال, ولا يقوّم بالأفكار والأخلاق!
ثالثًا/ إن الحريّة التي تبيح كلّ فعل, وترفض أن تصنع لفعل الإنسان حدودًا, لهي في حقيقتها نوع صريح من (الفوضوية) , وإعلان فصيح لفكرة (البهيميّة) حيث يطلق الإنسان نفسه على سجيّتها, فلا يردّ لها أمرًا ولا يمنعها من شهوة طيّبة أو خبيثة..
إنّ هذه الحريّة بهذا الشكل الذي تبدو به على أفواه دعاة (حريّة المرأة في السفور) , لتنطلق من مبدأ أساسي, وهو أنّ الإنسان لم يخلق إلاّ لهذه الحياة؛ فمبتدؤه في الرحم, وفناؤه تحت
стр. 40
الجنادل في القبر.. ولذلك فعليه أن يعبّ من نعيم هذا الوجود الزائل عبًا؛ فإنّ وجوده في حقيقته هو خيال زائف لا يخفي وراءه آخرة للحساب.. إنّه وجود ترابيّ رخيص لا يستحقّ أن يكبح فيه الإنسان جوارحه عن كلّ لذة متاحة, فإنّ الفناء يشمل الجميع, بلا عودة..
إنّ هذا الفهم المميّز للحريّة, ليحمل فهمًا عدميًا للحياة حيث تستوي كلّ الأشياء لأنّها تسير إلى (لاشيء) .. فلا يجوز عندها أن نمنع هذا الكائن الذي يعيش في كون (العبث) , من أن يمتّع حواسه بشيء من (اللذائذ) المتاحة بين أكوام الكدر..
إنّ هذه الحريّة بأصولها وإفرازاتها, لتتعارض كليًا مع الفهم الإسلامي لمعنى (الوجود) وحقيقة (الاستخلاف) على الأرض.. إنّ هذه الدنيا, ممر, وليست بمستقرّ.. وهي دار اختبار, لا دار قرار.. وفيها تمتحن القلوب والجوارح, وفيها تحاسب الأنفس على الأفعال والتوارك.. فهل يصح مع ذلك أن يُردّ الحجاب لمجرّد أنّه يمنع من ممارسة هذه الحريّة بإطلاقها وتهوّرها؟!
رابعًا/ هل المرأة التي تلبس ما (تريد) وتكشف ما (تشاء) هي حرّة في نفسها, مالكة لزمام أمرها؟!
إنّه علينا أن نعرف من يصنع معيار الجمال؛ لنعرف حقيقة (إرادة) المرأة في ممارسة التعبير عنه..!
إنّ الجمال –كقيمة ومعيار- في العالم الذي يترك للمرأة-ظاهريًا- أن تعبّر عنه بما شاءت, لهو في حقيقته صناعة خالصة للمنتفعين من شركات التجميل وما تفرّع عنها, وهو أيضًا أسير للرجال الذين لا يرون المرأة (الصالحة) إلاّ (لحمًا غضًا) و (ألوانًا صارخة ساحرة) .. ثم تتلاشى (المرأة) , فلا وجود لها خارج القوالب الجماليّة (المصنوعة) ..
إنّ هذه المصانع التجاريّة, وتلك الشهوات الرجاليّة الأنانيّة النهمة, لهي في الحقيقة من ترسم للمرأة الرافضة للستر, معاني (الحريّة) ومقاييس (الجمال) , فإن سلكت هذه المرأة غير الطريق الذي رسم لها, واختارت غير ما اختاروا لها؛ فسيسقطونها, لأنّها لا تملك من إرادتها شيئًا
стр. 41
فالحرية ما اختاروه لها, والجمال ما رضوه لها.. فأين اختيارها الذاتي؟! وأين حظّها الصميمي من الحرية؟!
لقد أدّى هذا الواقع الغربي في تشكيل معاني (الأنوثة المرغوبة) من الرجال, إلى ظهور كتّاب غربيين ينكرون معنى مطلق وكيان ثابت اسمه (أنثى) أو تعبير عنه هو (الأنوثة) ؛ من ذلك قول ((أندريا دوركن)) ((Andrea Dworkin)) : ((الاكتشاف هو, بالطبع, أنّ (مفهومَي) ((رجل)) و ((امرأة)) هما خياليين, رَسمَي كاريكاتور, تركيبين ثقافيين.)) (١) , وهو ما عبّرت عنه مجلّة ((Elle)) ((هِي)) في أحد أعداد سنة ١٩٩٦م بدعوتها إلى ((تفكيك الصورة النمطيّة للجندر (٢)) وتذكيرنا (!) أنّ ((الأنوثة هي تركيب اجتماعي)) معلنة أنّ ((الرجال هم من حدّدوا معنى الأنوثة منذ بدايتها)) (٣) ؛ ((فالمرأة تُصنَع ولا تولد)) ((Woman is made not born)) (٤) ..!!
إنّ الأنوثة -هنا- ليست إلاّ مُنتَجًا (صناعيًٍا) خاضعًا لرغبات الطالبين.. والطالب هنا هو (الرجل) الذي (تصنع) له المؤسسات التجاريّة (رغباته) و (نزواته) , ومنها (جمال الأنثى) المطلوب, وهو (جمال) سريع التغيّر, تجاوز الأنماط (العتيقة!) التي كانت تركّز على الألوان وأنواعها وإشراقها, والشعر وتصفيفاته وطوله, إلى أن (يتصرّف) اليوم في جسد المرأة (إضافة) و (حذفًا) في صورة مهينة للقيمة الآدميّة لهذه الأنثى، لا تزيدها إلا خَسْفًا!
стр. 42
وقد أدّى هذا (التشييء الجنسي) للمرأة إلى اقتناع العديد من الغربيات أنّ المرأة -كل امرأة- هي (فاجرة) بالطبع, وليست العفّة إلاّ قانونًا اجتماعيًا دخيلاً على بنيانها النفسي.. أو كما قالت ((ناومي ولف)) ((Naomi Wolf)) في واحد من أحدث كتبها: ((لا وجود لبنات صالحات, كلّنا بنات سيّئات.)) (١) .. وهكذا تحوّلت المرأة في الغرب من (ضحيّة مستغفلة) إلى (مذنبة عن رغبة) , وهي في كلتا الحالتين, مجرّد دمية يلهو بجمالها الرجال ما دام لها بريق لامع, فإذا خفّت ألوانها وجفّ ماؤها؛ فقدت أحلام آمالها, وانتكست من (آدميّة بهيّة) إلى (قطعة من اللحم والعظم) ثقيلة على النفس, وضيعة القدر!
الشبهة الخامسة: الحجاب (في القلب)
يردّد المبغضون للحجاب من العالمانيين والمنصّرين أنّ الحجاب الحقيقي هو (حجاب القلب) , وليس هو (مجرّد) قطعة قماش (تلقى) على الرأس!
الجواب:
هذه الشبهة سائرة على كثير من الألسن, ولا يخفى عل منصف بطلانها, بل وتناقضها الشنيع.. والردّ من أوجه:
أولًا/ إنّ الإسلام يقود المرأة إلى أن تعلم أنّها ليست مجرّد (أداة للمتعة) بل هي (إنسان) موفور الاعتبار الأدبي, والحظ الإنساني في الاحترام.. وإنّ المسلمة العاقلة تعلم أنّ مَن يلحّ عليها أن تنزع حجابها بدعوى الحريّة؛ إنّما هو يريد أن يتلصّص بعينيه الآثمتين على لحمها المغطّى, وأنّ رغبته في تجريدها من ستر العفّة ولباس الحشمة, لم تنبع إلاّ من حرصه على التنفيس عن الشهوة المتأججة في صدره, وإن كان يُلبس دعواه ثوب النصح والرغبة في (تحرير) المرأة من الظلم والقهر!!!!
стр. 43
إنّ الذي يدعو المرأة إلى السفور, لا يراها في الحقيقة في غير مقام الصاحبة والعشيقة.. أمّا ذاك الذي يدعوها إلى الستر؛ فليست هي في ذهنه إلاّ أمًا أو أختًا أو ابنة.. جزء من كيانه, وقطعة من روحه.. لا يرى نفسه إلا نصيرًا لها, يؤذيه أن تُعامل كدمية ملوّنة جوفاء؛ يلهو بها اللاهون, ثمّ يلقون بها إلى سلّة المهملات إذا ذهبت ألوانها بعوامل الزمن القاسي!!
ثانيا/ إنّ الحجاب ليس قطعة قماش تضعها المرأة على رأسها, وإنما هو غطاء مسبل, ونهج في الكلام والمعاملة والإحساس متقن.. إنّه منظومة عقدية وسلوكيّة وشعورية.. وإنّ الظنّ أنّه (مجرّد) قطعة قماش تستر بها المرأة شعرات من رأسها؛ لهو قصور في تصوّر هذه الشريعة وأبعادها وأهدافها!!!
ثالثا/ يبدو أنّ الذي يتحدّث عن الحجاب وأنّه مجرّد قشرة, وأنّ الحجاب الممثّل للعفّة هو في القلب فقط, يؤمن أنّ طهر الباطن لا يلزم أن يلتقي مع طهر الظاهر.. أمّا نحن فنرى أنّ طهر الظاهر لا بدّ أن يقترن بطهر الباطن؛ فهما متلازمان لا يفترقان, متّصلان لا ينفصمان.. فإذا غطت المرأة رأسها, ولم تصلح باطنها؛ فإنّها ليست في الإسلام بذات دين, وإنما هي منافقة تخادع الناس وتخدع نفسها قبل ذلك!!
إنّ العفّة, ليست في القلب فقط, بل هي في القلب والجسد.. ولا يمكن أن تكون في القلب مع فساد الجوارج!!
أيستطيع المخالف أن يزعم أنّ الرجل قد يكون طاهر القلب, لكنّه لصّ يسرق وينهب, أو زان يعتدي على أعراض الناس, أو كذّاب يخادع من أمّنوه؟!!!
إن قال لا يلتقي طهر القلب مع فساد العمل؛ فكذلك نقول: لا تكون عفّة القلب مع كشف المرأة لما أمر الربّ سبحانه بتغطيته!
إنّ العفّة, نبتة عظيمة؛ أصلها وجذرها في القلب, وثمرتها بادية على الجوارح!!
وإنّ من فسد قلبها وغطّت جسدها, فإنّما هي تضع ثمارًا مزيّفة لم ترتوِ من نهر الطهر الجاري في قلبها!
стр. 44
رابعا/ إنّ المنصّر أمام ثلاثة حلول لا رابع لها:
١-لا يجتمع صلاح الباطن مع صلاح الظاهر.
٢-صلاح الظاهر ليس شرطًا لصلاح الباطن.
٣-صلاح الباطن شرط لصلاح الظاهر.
القول الأوّل يرفضه النصراني, ولا يقول به أشدّ الناس انحرافًا وفسادًا؛ إذ هو يعني أنّه لا بدّ أن تقع في الموبقات الأخلاقيّة؛ حتى تكون طاهر القلب من الخبائث!
القول الثاني لا يمكن أن يستقيم؛ لأنّه يشطر الكائن البشري إلى كيانين غير متمازجين ضرورة, وإنما قد يجتمعان وقد يفترقان.. فقد يكون الإنسان روحًا محلّقة في عالم الطهر, وجوارح غارقة في عالم الوحل..!! وإذا كانت الروح لا تغادر الجسد, وكانت الأحاسيس مرتبطة بالأفكار, وكان الفعل ناتجًا عن فكر ورغبة؛ فإنّه يغدو من السذاجة تصوّر النفس الإنسانيّة على أنها حزمة مشتتة متفرقة من الأفكار والأشواق والحوافز والأعمال, وأنّها لا تلتقي؛ لأنّها كيانات متباعدة متنافرة!
ولم يبق عندها إلا القول الثالث؛ وهو قول المسلمين الذي يقرّر التلازم بين الظاهر والباطن, والعلاقة الديالكتيكيّة بين داخل الإنسان وظاهره, وأنّه من الخطأ المحض الظنّ أنّ الإنسان قد يعيش بقلبه في عالم وبجسده في آخر؛ إذ العقل والواقع ينفيان الزعم بإمكانيّة أن يكون قلب المرء قطعة من نور, وجسده متمرّغًا في حمأة الفساد؛ ومادام الأمر محالاً؛ فإنّه لا بدّ من ستر ما يثير عوامل الإثارة عند الرجال والنساء؛ من عري يكشف اللحم الحرام, وملابس ضيّقة تكشف تفاصيل القوام, مع تطهير القلب من المحفّزات للمعصية ودواعي الفتنة؛ باستحضار علم الله بالمظهر والمخبر, والسرّ وأخفى, وتذكير النفس بما أخبر به الوحي من ثواب على الإحسان, وعقاب على الإفساد.
خامسا/ لماذا تكون المرأة المحجّبة التي تعصي ربّها في الخلوات, حجّة على الحجاب؟!!
стр. 45
إنّ الحجاب هو دليل ظاهر على العفّة إن لم يخالطه فعل قبيح نراه بأعيننا.. أمّا الباطن وحقيقة القلوب فلا يعلمهما إلا الله جلّ وعلا.. وهو نفس قول النصارى في الراهبات مثلاً؛ إذ هم يرون الرهبنة دليلاً ظاهريًا على العفّة, وليس هناك من سبيل لمعرفة باطن الراهبات غير النظر في أعمالهن..
إنّ من عُلِم أنّها ترتدي الحجاب, لكنّها تأتي أبواب الفساد؛ فتلك منافقة ذات وجهين, وليس العيب في لباسها, وإنما في أنها لم تلتزم بقية الأحكام التي ترتبط بالحجاب ارتباطًا عضويًا لازمًا..
إنّ العيب الذي يطال من ترتدي الحجاب وتأتي أبواب الفساد, هو نفس العيب الذي يطال من يؤدّي الصلاة ولا ينتهي عن كثير من أبواب الحرام! فلماذا يعاير الحجاب إذا وُجدت (محجّبة) تحتال على الشرع, ولا تعاير الصلاة إذا وجد (مُصَلٍّ) غير ملتزم بعامة تعاليم دينه؟!!
سادسا/ إنّ قضية المسلمة هي أنّ الحجاب سبيل إلى العفّة, فلا تشغل نفسها بالنظر إليه على أنّه دليل على العفّة.. إنّ غايتها هي أن تمنع بفعلها أسباب الفتنة ودواعيها, لا أن تبحث من خلال لباسها عمّن يقول عنها إنّها عفيفة..!
سابعا/ الغاية الأولى للحجاب, هي منع الرجل من الافتتان بالمرأة؛ وبالتالي فإنّ القول إنّ حجاب المرأة هو في القلب, يغدو بلا معنى؛ لأنّ الحجاب ليس مجرّد رمز بلا وظيفة, أو شكل بلا مضمون فاعل, وإنّما وظيفته تغطية مفاتن المرأة حتّى لا يتسلل الهوى الشيطاني إلى قلب الرجل, ويسوقه إلى الزنى وتوابعه.
ثامنا/ إن مّما ألفته الأذن في هذا السياق قول البعض إنّ من النساء من لا ترتدي الحجاب, لكن لا يستطيع أحد من الرجال أن ينال منها (شيئًا) .. وهذا قول من غرائب ما يطرق الأذن؛ إذ إنّ هذه المرأة التي تركت الحجاب قد قدّمت إلى الرجال الذي يتبعون أعينهم (لحوم النساء) , ما أرادوا أصلاً!!! وهل الزنى (بمعناه المألوف) هو فقط المقصود!؟؟ إنّ
стр. 46
الزنى كما أخبرنا الرسول ﷺ يكون بِالعَين أيضًا؛ فقد قال: ((والعينان تزنيان وزناهما النظر)) (١) ..فكيف تكون من رفضت الحجاب لباسًا, قد منعت الرجال مما يريدون, وهي التي بذلت لهم ما فيه يرغبون!؟؟ وهل الملابس الضيقة إلاّ (أداة زنى!) .. وهل الملابس القصيرة إلاّ (أداة زنى) ! .. وهل المساحيق الفاقعة, والروائح الفائحة, والتسريحات العاصفة, إلاّ من أسباب زنى العين؟!
ثمّ.. لماذا نفصل الأسباب عن مسبّباتها, والنهايات عن مقدماتها؟!!
هل الزنى والاغتصاب هو عمل عفوي يقفز إلى الذهن دون محرّكات أو دواع؟!!
ألا تعلم المعترضة أنّ البلاد التي تشيع فيها إباحية اللباس في الشارع والإعلام, هي أكثر البلاد التي تعاني حالات الاغتصاب, رغم صرامة القوانين الزاجرة التي أنزلها المشرعون على من أتى هذا الفعل؟!!
ألا تدري المعترضة أنّ البلاد التي التزمت عامة نسائها بالحجاب, هي أقلّ البلاد من ناحية نِسب الاغتصاب؟!!
ألم تقرأ المعترضة أنّ الدول التي كانت تحكم بالإسلام منذ قيام دولة الإسلام في المدينة المنوّرة إلى سقوط دولة الخلافة, كانت لا تكاد تعرف جرائم الاغتصاب!!؟
وهل الاغتصاب إلاّ فعل نفس احتقنت الشهوة فيها بفعل الضخ الإباحي في لباس النساء, وملصقات الشوارع, ومرئيات التلفاز..؟!!
إنّ النظرة بريد الزنى.. والشاعر يقول:
كل الحوادث مبداها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر
стр. 47
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها *** فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها *** في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسرّ مقلته ما ضر مهجته *** لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر
وقال الاخر:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدًا *** لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادر***عليه ولا عن بعضه أنت صابر
قال الإمام الربّاني ((ابن قيّم الجوزية)) : ((أمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم مطلع عليها: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾ (١) ، ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر؛ جعل الأمر بغضّه مقدمًا على حفظ الفرج، فإنّ كل الحوادث مبدؤها من النظر، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر، تكون نظرة.. ثم خطرة.. ثم خطوة.. ثم خطيئة، ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات.)) (٢)
إنّه لا يمكننا هنا أن نتحدث بصورة غرّة عن (تحضّر) الرجل الذي يبصر بعينه دون أن تتحرّك كوامن شهوته؛ لأنّ ذلك من قبل الفصل التعسفي للسنن النفسيّة والعصبيّة في الرجل.. وليس معنى كلامي القول بجبريّة الانفعال الجنسي عند الرجال إلى درجة الوقوع في الزنى والاغتصاب, وإنما قصدي أنّ هذا الانفعال هو ردّ فعل عفوي في الجهاز العصبي للرجل, وليس له أن يمنعه من (التنفيس المؤذي) إلاّ بأن يصرّف شهوته في الموضع الحلال, أو أن يكبت دواعي الفتنة بلجام التقوى, وهو ما ليس بمتاح لكلّ الرجال؛ فأبواب الحلال قد غلّقت على البعض, وحبل التقوى قد تفلّت من البعض الآخر..
стр. 48
وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّ الاستثارة البصريّة عند الرجال –بدليل الواقع الذي لا يستريب فيه مبصر-, هي على درجة عالية من الحساسيّة, على خلاف المرأة التي لا تثيرها الأشكال بقدر ما تؤثّر فيها السلوكيات! (١)
كما أنّ في (الرجل) نزوعًا إلى الرغبة في تجديد الاستثارة بتجديد الأشكال والمصادر التي تستهوي شهوته, على خلاف المرأة التي تنزع إلى العاطفة المستقرة في شكل ثابت من العلاقات (٢) ؛ وذاك ما يجعل اللباس الشرعي للمرأة حائلاً صلبًا دون إرواء هذه النهمة في صدور الرجال, ويحبسها في إطار العلاقات الشرعيّة بين الرجل وزوجته!
وأقول مع ذلك إنني لا أزعم أنّ من لم تحقق الستر المطلوب, فاقدة لكل خير. وإنما أقول إنها مقصّرة, لم تبلغ الصورة المرضيّة المطلوبة, والناس لا يدورون بين الحال الملائكيّة الطاهرة, والحال الشيطانيّة الفاسدة!! فبين هذه وتلك مراتب للمقتصد والظالم لنفسه!
تاسعا/ نقول للمنصّرين: إنّكم تعرضون الراهبات النصرانيّات المحجّبات في صورة التقيّات النقيّات, رغم انتشار السحاق بينهن كما هو مبثوث في مؤلفات الذين كتبوا عن
стр. 49
الأديرة في الغرب (١) .. فلماذا لا تخبرون هؤلاء النسوة المتيقّن فساد أغلبهن أنّ الحجاب في القلب فقط.. أم أنّ هذا النصح (الأعور) لا ينفع إلاّ إذا وُجّه إلى المسلمات؟!!
стр. 50
إذا كنتم تحرّمون الحجاب عندنا.. فحرموه أولاً عندكم, واكشفوا رؤوس راهباتكم!
لماذا تظهرون دعوى انفصال الظاهر عن الباطن إذا تحدثتم عن المسلمات ووددتم أنّهن يخلعن الحجاب, في حين أنّكم تعلّمون نساءكم غير ذلك؛ فقد جاء في ((كتاب التعليم الديني للكنيسة الكاثوليكية)) ((Catechism of the Catholic Church)) (١) , تحت رقم (٢٥٢١) : ((الطهارة تستوجب الحشمة.. الحشمة تحمي الباطن الخاص للمرء. ويعني ذلك رفض كشف ما لا بدّ أن يبقى مغطّى.)) ((Modesty requires modest ... Modesty protects the intimate center of the person. It means refusing to unveil what should remain hidden.)) (٢)
وجاء تحت رقم (٢٥٢٢) عن الحشمة أنّها: ((تلهم المرء اختياره لملابسه.)) ((It inspires one's choice of clothing)) (٣)
وجاء تحت رقم (٢٥٢٣) : ((هناك احتشام خاص بالمشاعر, كما أنّ هناك احتشامًا خاصًا بالجسد.)) ((There is a modesty of the feelings as well as of the body)) (٤)
стр. 51
وجاء تحت رقم (٢٥٢٥) : ((الطهارة المسيحيّة تتطلّب تطهير المناخ الاجتماعي)) ((Christian purity requires a purification of the social climate)) . (١)
فكيف تقولون مع ذلك إنّ المرأة لها أن تلبس ما تشاء مادام القلب (نقيًا) ..!! وأنّ الطهارة هي فقط في القلب؟!!
لقد ردّ ((ترتليان)) - أحد أكبر أعلام آباء الكنيسة الأوائل- على هذه الشبهة, فقال في كتابه: ((حول زينة النساء)) ((De cultu feminarum)) : ((بعض (النساء) قد يقلن: بالنسبة لي, ليس من الضروري أن يوافقني الرجال؛ لأنني لا أحتاج شهادة الرجال, ((الله هو مراقب القلوب)) )) .
وردّ هذا اللاهوتي بقوله: ((نحن نتذكّر أنّ نفس (الربّ) قد قال عبر رسوله: ((لتكن استقامتك ظاهرة أمام الناس.)) (٢) . وأضاف أنّ الكتاب المقدّس قد كرّر مرارًا أنّ المطلوب من المؤمن هو أن يكون مصدر خير ونموذجًا يحتذى به, فإذا كان خيره لنفسه؛ فماذا سيستفيد منه العالم؛ وقال مستدلاً بالكتاب المقدّس: ((ماذا يعني: ((لتكن أعمالك مشعّة)) (٣) ؟ لماذا, علاوة على ذلك, نادانا الربّ بـ ((نور العالم)) , لماذا شبّهنا بالمدينة المبنيّة على جبل (٤) ؛ إذا لم نكن مُشعّين في الظلمة وبارزين من بين الذين هم في القاع؟ إذا كنت تغطّي مصباحك
стр. 52
تحت مكيال (١) ؛ فإنّك قطعًا ستكون في الظلمة, وتواجه عداوة الكثيرين. الأعمال التي تجعلنا منيرين في هذا العالم هي هذه: أعمالنا الصالحة.)) (٢)
***
إنّ إلزام المرأة بأنّ تغطّي عورتها ليس بدعًا إسلاميًا ولا سبقًا قرآنيًا.. بل ما عندنا هو نفسه ما جاء في أسفار أهل الكتاب!!
لم يأتِ القرآن بعد دعوات الأنبياء السابقين, ليخترع قصة (العفّة) .. بل هي دعوة أعلنها أنبياء الله منذ ((آدم)) ﵇؛ لأنّ العفّة جزء من صميم البناء النفسي للإنسان السوي.. بل إنّ الحجاب لم يكن قاصرًا على الأمم التي فيها أثارة من رسالات الله إلى البشر, وإنما كان سائدًا حتى في الأمم التي لا تعمل بالشرائع السماوية؛ وكما يقول ((ألفن ج. شمت)) : ((لمّا ظهرت المسيحيّة على الساحة, كان ستر المرأة بالحجاب واسع الانتشار في عدة ثقافات؛ وقد أظهر ((ألفرد إرميا)) في دراسته المميزة ((الحجاب من سومر إلى اليوم)) ((Der Schleier von Sumer Bis Heute)) أنّ النساء في زمن المسيح كنّ يرتدين الحجاب عند السومريين والآشوريين والبابليين والمصريين واليونانيين والعبرانيين والصينيين والرومان.)) (٣)
стр. 53
الحجاب في اليهوديّة
أهميّة اللباس في اليهوديّة:
نظرًا لسيطرة التيّارات الليبراليّة على الفكر الديني اليهودي المعاصر, واتّخاذ اليهوديّة شعارًا من طرف كتّاب وسياسيين من أصول يهوديّة هم في حقيقتهم يردّون القول بربّانيّة التوراة, بل ويجحدون وجود خالق للكون (١) ؛ فقد استقرّ في اعتقاد كثير من الناس أنّ اليهوديّة هي الدين الذي يقدّمه هؤلاء الليبراليين أو أولئك الملاحدة..!!
ولمّا كان حديثنا في هذا المقام عن اليهوديّة كدين له أصل سماوي, خضع لتفسيرات دينيّة من طرف علمائه الذين يدورون في فلك نصوصه المقدّسة؛ فإنّ علينا أن نلزم أنفسنا أثناء تشريح الموضوع الذي نحن بصدده من خلال رؤية يهوديّة خالصة, بالنظر إليه من خلال مراجعه الأصيلة, لا المحدثة في زمن النزوع الليبرالي الذي يلغي من الدين لبّه الثابت وماهيّته المهيمنة على حقيقته.
إنّ للديانة اليهوديّة مصدرين معرفيّين تدرك من خلالهما أحكام شرائع اليهود:
١-المصدر المكتوب: أسفار العهد القديم.
٢-المصدر الشفوي: اجتهادات الأحبار في تفسير الأسفار المقدّسة. ويعتبر ((التلمود)) (٢) أهمّ
المصادر التي جمعت هذا التراث.
стр. 54
تتميّز الديانة اليهوديّة باهتمامها الكبير بالجانب الحياتي التفصيلي, وذلك من خلال نصوصها التشريعية, وتراثها الفقهي الضخم الذي عمل على تقديم تصوّرات دينيّة للشكل اليهودي لمسلك الفرد والجماعة.
ويحتل أمر اللباس والعورات جانبًا كبيرًا من التفكير الديني اليهودي, وله علاقة وطيدة بالعبادات والمعاملات والجنايات وأبواب أخرى كثيرة من الحقلين التصوّري الإيماني والتعبدي المسلكي.. وقد جاء في ملحق التلمود البابلي (Derek Erez, Zuta x.) : ((الرجل مجد الله, واللباس مجد الرجل.)) في بيان قداسة اللباس في الوجدان الإيماني عند اليهود.. كما نصّ ((المدراش)) (١) على أنّ أحد الأسباب الأربعة لخلاص الإسرائيليين في محنتهم في مصر, هو أنّهم قد حافظوا على اللباس الذي كان يميّزهم, ولم يتنازلوا عنه لصالح لباس أهل البلد (Lv. Rab. ٣٢.٥) (٢) ... ويعود أمر (قداسة) اللباس في التصوّر الديني اليهودي إلى طبيعة الجوهر النفسي للإنسان؛ فقد قال علماء اليهود: ((قال الله منذ اليوم الذي بُني فيه المعبد: ((الحشمة هي أمر مناسب.)) )) (Tanhuma, Bemidbar ٣) (٣)
وقد كان اهتمام التشريع اليهودي بأمر اللباس الأنثوي باديًا من أوجه: الأمر والمنع التشريعيين, والقصّة, والموعظة, والحكمة ... :
стр. 55
الأمر والمنع:
جاءت الشريعة اليهوديّة بأوامر ونواه في التحذير من اللباس الذي لا يوافق أحكام الربّ؛ من ذلك ما جاء في التثنية ٢٢/٥: ((يحظر على المرأة ارتداء ثياب الرجال، كما يحظر على الرجل ارتداء ثياب النساء؛ لأن كل من يفعل ذلك يصبح مكروهًا لدى الرب إلهكم.)) .. وفي ذلك بيان الاختلاف الكبير بين الرجال والنساء في جانب العورات والطبائع والوظائف..
القصّة:
جاء في أمر قصّة ((آدم)) و ((حواء)) بعد أكلهما من الشجرة المحرّمة: ((فانفتحت للحال أعينهما، وأدركا أنهما عريانان، فخاطا لأنفسهما مآزر من أوراق التين)) (تكوين ٣/٧) .. ((وكسا الرب الإله آدم وزوجته رداءين من جلد صنعها لهما.)) (تكوين ٣/٢١) ؛ ممّا يظهر أنّ للإنسان (عورة) لا بدّ أن تغطّى, وأن كشفها مخالف لطبيعة الخلق الآدمي الأوّل الذي رضيه الربّ ((لآدم)) وزوجه.
وجاء في سفر الأمثال ٧/١٠: ((فإذا بامرأة تستقبله في زي زانية وقلب مخادع.)) ؛ ممّا يعني أنّ للزواني لباسًا يعرفن به, فيه من مظاهر الفساد والانحراف؛ ما يكشف المهنة الوضيعة التي رضينها لأنفسهن ...
سلوك المطهّرين:
جاء التنبيه على الاهتمام بموقع نظر عين الرجل, في عدد كبير من النصوص؛ وفي ذلك دلالة على أهميّة ما تلبسه المرأة وما تكشفه لأعين الرجال وما تستره عنها, وأثر ذلك على الأمن الاجتماعي والأخلاقي للأمّة..
قال أيوب ٣١/١: ((أبرمت عهدا مع عيني، فكيف أرنو إلى عذراء؟)) .... فإنّ النظر إلى العذراء بريد الفساد, وسبيل الهلكة.. وفي ذلك دلالة على أنّ كشف المرأة مفاتنها للرجال, دعوة لهم إلى الفتنة..
стр. 56
الحكمة:
يمثّل نَصّ سفر الأمثال ٣١/١٠-٣١ خلاصة مركّزة لصورة المرأة المثالية في الأسفار اليهوديّة: ((من يعثر على المرأة الفاضلة؟ إن قيمتها تفوق اللآليء. بها يثق قلب زوجها فلا يحتاج إلى ما هو نفيس. تسبغ عليه الخير دون الشر كل أيام حياتها. تلتمس صوفا وكتانا وتشتغل بيدين راضيتين، فتكون كسفن التاجر التي تجلب طعامها من بلاد نائية. تنهض والليل ما برح مخيما، لتعد طعاما لأهل بيتها، وتدبر أعمال جواريها تتفحص حقلا وتشتريه، ومن مكسب يديها تغرس كرما تنطق حقويها بالقوة وتشدد ذراعيها. وتدرك أن تجارتها رابحة، ولا ينطفيء سراجها في الليل. تقبض بيديها على المغزل وتمسك كفيها بالفلكة. تبسط كفيها للفقير وتمد يديها لإغاثة البائس. لا تخشى على أهل بيتها من الثلج، لأن جميعهم يرتدون الحلل القرمزية. تصنع لنفسها أغطية موشاة، وثيابها محاكة من كتان وأرجوان. زوجها معروف في مجالس بوابات المدينة، حيث يجلس بين وجهاء البلاد. تصنع أقمصة كتانية وتبيعها، وتزود التاجر الكنعاني بمناطق. كساؤها العزة والشرف، وتبتهج بالأيام المقبلة. ينطق فمها بالحكمة، وفي لسانها سنة المعروف. ترعى بعناية شؤون أهل بيتها، ولا تأكل خبز الكسل. يقوم أبناؤها ويغبطونها، ويطريها زوجها أيضا قائلا: ((نساء كثيرات قمن بأعمال جليلة، ولكنك تفوقت عليهن جميعا)) . الحسن غش والجمال باطل، أما المرأة المتقية الرب فهي التي تمدح. أعطوها من ثمر يديها، ولتكن أعمالها مصدر الثناء عليها.)) .. لقد شكّلت الملابس في هذا الوصف الحيّ للمرأة التقيّة, عنصرًا أساسيًا لبيان معالم الصورة الأنثويّة الأرقى في ديانة اليهود..
ومن الناحية الفقهيّة يستعمل اليهود كلمة ((??????)) (تصنيعوت) بمعنى ((عفّة)) , وهي تدّل على مجموعة الأحكام التشريعيّة المتعلّقة باللباس اليهودي الشرعي, وحدود العلاقة بين الجنسين, وتستعمل بصورة متكرّرة للدلالة على لباس المرأة اليهوديّة.. وقد وردت هذه الكلمة في مثل هذا السياق في سفر ميخا ٦/٨: ((وتسلك متواضعًا (????) مع إلهك.)) , وربط الربّي ((إليعازر بن صادق)) في التلمود البابلي (Sukkah ٤٩b) بين هذا النصّ وبين السلوك المحتشم المطلوب.
стр. 57
لقد اهتمّت هذه الأحكام التشريعيّة بكلّ ما يتعلّق بالسلوك العفيف للمرأة, ومنه طبعًا اللباس الذي يوافق أحكام شرائع الأسفار العبريّة.. وتمّ بذل عناية خاصة بهذه الأحكام من ناحية الاستنباط الفقهي عند أحبار اليهود, والتزمت المجتمعات اليهوديّة القديمة عامة برعايتها؛ حتّى إنّ المرأة اليهوديّة المتزوّجة كانت تدان بالفساد الأخلاقي إذا كشفت شيئًا من المواضع التي من العادة تغطيتها, كما أنّ كشفها لما يعادل شبرًا من جسدها كان يعدّ فعلاً إباحيًا. (١)
وبالنظر في (١) أسفار العهد القديم (٢) والفقه اليهودي المقدّس (٣) والممارسة اليهوديّة الأصيلة؛ بإمكاننا أن نخلص إلى أنّ الحجاب فريضة ربّانيّة في الدين اليهودي, وإن ضيّع عامة اليهود اليوم هذه الشريعة.
وفي التالي من الكلام, بيان تفصيلي..
****
الحجاب في العهد القديم:
يضمّ العهد القديم مجموعة من النصوص التي تدلّ بلفظها الواضح على أنّ الحجاب كان شريعة ربّانية ملزمة للنساء, وقد كانت هذه النصوص معلومة للأحبار الذين أخذوا من عامتها حكم وجوب الحجاب على المرأة اليهوديّة (٢) , لكن مع تأثّر اليهود بالمجتمعات الغربيّة, وتحوّل اليهوديّة من دين مرتبط -إلى حد ما- بأصله السماوي, إلى انتماء عرقي ضيّق يتبنّى في الأغلب الفكر الليبرالي الغربي الغالب؛ غابت هذه النصوص عن جلّ ساحات الطرح الفكري العملي..
стр. 58
ويلاحظ في هذه النصوص أنّ الكثير منها لا يقف عند شريعة تغطية المرأة شعرها, وإنّما يتجاوز ذلك إلى القول بتغطية الوجه, وبالتالي ستر المرأة كامل جسدها؛ تقول الموسوعة اليهوديّة: ((The Universal Jewish Encyclopedia)) تحت عنوان ((Veil)) في بيان أمر النقاب في العهد القديم: ((النقاب لتغطية الوجه. يضمّ الكتاب المقدس عدّة كلمات تترجم عادة على أنّها (نقاب) . المعنى الدقيق لهذه الكلمات غير معروف, ربّما هي تشير إلى ملابس أخرى تستعمل هي أيضًا لتغطية الوجه. كلمة ??'? استُعمِلت لرِفقة (تكوين ٢٤/٦٥) وثامار (تكوين ٣٨/١٤, ١٩) , الألفاظ الأخرى التي استُعمِلت في الكتاب المقدّس للنقاب- رغم أنّ معناها ليس دائمًا قطعيًا- هي ??? (إشعياء ٤٧/٢, نشيد الأنشاد ٤/١,٣, ٦/٧) و??'? (إشعياء ٣/٢٣, نشيد الأنشاد ٥/٧) و???? (إشعياء ٣/١٩)) ) (١)
وسنتناول هنا أهم نصوص العهد القديم التي تظهر المكانة الشرعية للحجاب في تلك الأسفار التي يقدّسها اليهود -والنصارى أيضاً-؛ بما يجلي الحقيقة من منطوق النصوص ومفهومها..
****
جاء في سفر التكوين ٢٤/٦٤- ٦٥: ((ورَفَعَت رِفقَةُ عَينَيها فرَأَت إِسحق فقَفَزت عنِ الجَمَل، وقالَت لِلخادِم: ((مَن هذا الرَّجُلُ القادِمُ في الحَقلِ لِلِقائِنا؟)) فقال الخادم: ((هو سَيِّدي)) . فأَخَذَتِ الحِجابَ واحتَجَبَت به.)) (ترجمة كتاب الحياة) وفي ترجمة (الفاندايك) : ((فأخذت البرقع وتغطت.))
((???? ???? ??-?????, ???? ??-????; ????, ??? ????.
????? ??-????, ??-???? ???? ???? ???? ???????, ????? ????, ??? ????; ???? ?????, ?????.))
стр. 59
ماذا فعلت ((رفقة)) ؟
لقد أخذت ((الحجاب/البرقع)) ((?????)) (هتصاعيف) و ((اكتست)) ((?????)) به.. وهو –كما تقول الموسوعة الكتابية ((The International Standard Bible Encyclopaedia)) رداءٌ كبير كان يستعمل في ذاك الزمان لتغطية الوجه أيضًا! (١)
لقد استعملت الترجمة السبعينيّة اليونانيّة كلمة ((?? ?????????)) في مقابل كلمة ((?????)) , وهي اسم لرداء صيفي خفيف يغطّي البدن, وخاصة الرأس (٢) , وقد ذكره ((ترتليان)) في الفصل ١٧ من كتابه ((de Velandis virg.)) وقديس الكنيسة ((جيروم)) في كتابه ((ad Eustoch.)) , كلباس كان النساء العربيات يرتدينه في القرون الميلاديّة الأولى. (٣)
استعملت نفس هذه الكلمة في الترجمة السبعينية لنشيد الأنشاد ٥/٧ في حديث المرأة عن نزع الحراس لبعض ما تلبس عن جسدها.
****
جاء في سفر إشعياء ٤٧/١-٣: ((انزلي واجلسي على التراب أيتها العذراء ابنة بابل. اجلسي على الأرض لا على العرش ياابنة الكلدانيين، لأنك لن تدعي من بعد الناعمة المترفهة. خذي حجري الرحى واطحني الدقيق. اكشفي نقابك، وشمري عن الذيل، واكشفي عن الساق، واعبري الأنهار، فيظل عريك مكشوفا وعارك ظاهرا، فإني أنتقم ولا أعفو عن أحد.))
стр. 60
يخاطب الربّ في هذا النصّ مدينة بابل -أو أهلها (١) - موبّخًا لها لمعصيتها أوامره؛ ويخبر عمّا سيؤول إليه أمرها من سقوط وذلّ, وهو يفعل ذلك من خلال الرمز إليها بالفتاة العذراء ((?????)) (بتولة) .. ستنزل الابتلاءات الشديدة على هذه البنت, بعد عزٍّ قديم.. ستجلس على غبار ((???)) (عافار) الأرض.. وستطحن الدقيق بيديها, وهو فعل العبيد والإماء في ذاك الزمن (٢) .. وستكشف عن الـ ((نقاب)) ((???)) في علامة على سقوط كرامتها ولحوق المهانة بها. وفي هذا يقول القمّص ((تادرس يعقوب ملطي)) : (( ((اكشفي نقابك، شمري الذيل)) ؛ وهو أمر غير لائق بالفتيات الصغيرات الشريفات في ذلك الحين، أن يكشفن وجوههن أو يشمرن ذيل ثيابهن.)) (٣)
إنّ قول (الربّ) في هذا النصّ لهذه البنت: ((اكشفي نقابك)) ((??? ????)) ؛ يعدّ دليلاً على أنّ الأصل في المرأة أن تكون منتقبة.
ويوضّح الناقد ((جوزيف أديسن ألكسندر)) ((Joseph Addison Alexander)) المعنى بقوله: ((تحدّث أحد الشعراء العرب عن مجموعة من النسوة غير محجّبات, وأنّهن بذلك يشبهن الإماء, وهي نفس الفكرة المعبّر عنها هنا.)) (٤) .. فالحجاب هنا هو الذي يميّز المرأة الحرّة عن الأَمَة المستعبدة.
****
جاءت الإشارة إلى استعمال نساء بني إسرائيل النقاب في سفر إشعياء ٣/ ١٦-٢٤:
стр. 61
((يقول الرب: ((لأن بنات صهيون متغطرسات، يمشين بأعناق مشرئبة متغزلات بعيونهن، متخطرات في سيرهن، مجلجلات بخلاخيل أقدامهن.
سيصيبهن الرب بالصلع، ويعري عوراتهن.))
في ذلك اليوم ينزع الرب زينة الخلاخيل، وعصابات رؤوسهن والأهلة،
والأقراط والأساور والبراقع ((???????)) ،
والعصائب والسلاسل والأحزمة، وآنية الطيب والتعاويذ
والخواتم وخزائم الأنف،
والثياب المزخرفة والعباءات والمعاطف والأكياس
والمرايا والأردية الكتانية، والعصائب المزينة وأغطية الرؤوس
فتحل العفونة محل الطيب، والحبل عوض الحزام، والصلع بدل الشعر المنسق، وحزام المسح في موضع الثوب الفاخر، والعار عوض الجمال.))
كلمة ((?????)) (رعالوت) هي جمع ((???)) (راعل) , وهو نقاب من النوع الفاخر على خلاف النوع الأدنى والمسمى ((????)) . (١)
يهدّد الربّ نساء شعبه (بني إسرائيل) بالعقاب الشديد إن انحرفن عن طريق الحقّ, وسلكن طريق الضلالة, وخرجن عن حدود الشريعة التي أنزلها.. ومن أوجه هذا العقاب: سلب نساء (الشعب المختار) براقعهن.. وهو ما يدلّ على أنّ عادة الإسرائيليات, ارتداء النقاب لتغطية الوجه؛ إذ كيف يسلبهن الربّ شيئًا لا يملكنه؟!
ويقول الناقد ((أتّو كايزر)) ((Otto Kaiser)) (٢) في تعليقه على هذا النصّ: ((..إنّ ذلك سيجعلهن يشعرن بالخجل وسيُنظر إليهن على أنّهن غير حَييّات بظهورهن بغير نقاب ولا
стр. 62
غطاء رأس أمام العامة. إنّ ذلك يعني أنّهن سَيَسْفُلن إلى مرتبة الإماء, وسيُؤخذن كأسيرات حرب.)) (١)
واعتبرت الموسوعة اليهوديّة ((The Oxford Dictionary of the Jewish Religion)) هذا النصّ دليلاً على أنّ ((واجب تغطية الراس يعود إلى الأزمنة القديمة.)) (٢)
****
وصف سفر دانيال ١٣/٢-٣ ((سوسنة)) بأنّها مؤمنة تقيّة: ((فتزوج امرأة اسمها سوسنة، ابنة حلقيا، وكانت جميلة جدًا ومتقية للرب, وكان والداها بارين، فربياها على حسب شريعة موسى.)) .. وقد جاء وصفها أنّها كانت منتقبة في سفر دانيال نفسه: ((وكانت سوسنة لطيفة جدا جميلة المنظر, ولما كانت مبرقعة، أمر هذان الفاجران أن يكشف وجهها، ليشبعا من جمالها.)) (١٣/٣١-٣٢) . (٣)
****
أهمّ نصّ كتابي احتجّ به أحبار اليهود لإثبات شريعة الحجاب, هو ما جاء في سفر العدد عند الحديث عن الشريعة المسمّاة: ((شريعة الغيرة)) ؛ إذ يقول النصّ إنّ الرجل إذا شكّ في زنى زوجته, ولم يكن معه دليل مادي لإثبات ذلك أمام القضاء؛ فإنّه يأخذ زوجته إلى الكاهن
стр. 63
الذي ((يكشف رأس الزوجة، ويضع في يديها تقدمة التذكار التي هي تقدمة الغيرة، ويحمل الكاهن بيده ماء اللعنة المر. ويستحلف الكاهن المرأة قائلا لها: إن كان رجل آخر لم يضاجعك، ولم تخوني زوجك، فأنت بريئة من ماء اللعنة المر هذا ... )) (سفر العدد٥/١٨-١٩) .. وما كان للكاهن أن (يكشف) إلا رأسًا مستورًا بحجاب.. وقد علّق الحبر اليهودي الشهير والعَلَمُ بين علماء بني إسرائيل ((راشي)) (١) على هذا النصّ بقوله: ((بما أنّهم يفعلون ذلك لإصابتها بالخزي ... فإنّ ذلك يدل على أنّه (في أصله) محرّم. أو أيضًا, بما أنّه قد كتب: ((يكشف)) ؛ فإنّه يستتبع ذلك القول إنّه إلى حدّ ذاك الفعل, كان (رأسها) مغطّى, ويتضح من ذلك أنّه ليس من عادة بنات إسرائيل أن يخرجن برأس مكشوف. هذا هو (التفسير) الأساسي.)) (٢) , كما عدّه أشهر العلماء اليهود المتأخّرين ((فلنا غاون)) ((Vilna Gaon)) (٣) دليلاً على حرمة كشف الإسرائيليات لرؤوسهن. (٤)
стр. 64
وقد جاء في مدراش سفر العدد ٥/١٨ في بيان سبب كشف الكاهن شعر المرأة وإرساله: ((لأنّ من عادة بنات إسرائيل أن تكون شعورهن مغطّاة, وبالتالي فإنّه لمّا يَكشف شعر رأسها, يقول لها: ((لقد فارقتِ سبيل بنات إسرائيل اللاتي من عادتهن أن تكون رؤوسهن مغطّاة, ومشيتِ في طرق النساء الوثنيّات اللاتي يمشين ورؤوسهن مكشوفة.))
****
لمّا أراد صاحب سفر نشيد الإنشاد وصف محبوبته, قال: ((لَشَّدَ مَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَاحَبِيبَتِي، لَشَّدَ مَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ! عَيْنَاكِ مِنْ وَرَاءِ نَقَابِكِ كَحَمَامَتَيْنِ.)) (نشيد الأنشاد ٤/١) .. فقول الكاتب -الذي يقول اليهود والكنيسة إنّه ((سليمان)) النبيّ- للمرأة: ((وراء نقابك)) ((???? ?????)) (مِبَّعَد لصماتيخ) ؛ دليل على إقرار هذا النبيّ لارتداء هذا اللباس, وأنّه من شِرعة بني إسرائيل!
****
جاء في إرمياء ٣/٣ أنّ الربّ الإله كان بصدد تقريع ((يهوذا)) وتأنيبها, فقال: ((لذلك امتنع عنك الغيث، ولم تهطل أمطار الربيع، ومع ذلك صارت لك جبهة زانية تأبى أن تخجل.))
جاء في المعجم الكتابي ((Dictionary of the Bible)) الذي أشرف على تحريره الناقد الكتابي التقليدي الشهير ((فيليب شاف)) ((Philip Schaff)) في مقال ((الجبهة)) : ((كلّما كان النساء يراعين العفّة؛ غطّين الجبهة بحجاب, فإن لم يفعلن ذلك؛ كان ذلك منهن علامة على تركهن الحياء. إرمياء ٣/٣)) (١)
****
يخبرنا العهد القديم أنّ كشف الرأس هو علامة الحزن, بل والمبالغة في التجزّع, حتى ((قال موسى لهرون وألعازار وإيثامار ابنيه: ((لا تكشفوا رؤوسكم ولا تشقوا ثيابكم حدادًا، لئلا
стр. 65
تموتوا ويسخط الرب على كل الشعب. وأما بقية الشعب فليبكوا على اللذين أحرقهما الرب.)) (اللاويين ١٠/٦) .
فإذا كان كشف الرأس منكرًا بالنسبة للرجال في زمن ((موسى)) ﵇, فكيف بالأمر مع النساء؟!
****
الحجاب في الفقه اليهودي:
استقرّ في الذهنيّة العلميّة لأحبار اليهود أنّ المرأة مصدر جاذبيّة للرجل, وأنّ التوراة قد عملت على منع حدوث الفتنة من التقاء النفس المثيرة والنفس المستثارة, وقد وجدوا في الأسفار المقدّسة بغيتهم لتأكيد حرمة كشف المرأة رأسها, من خلال اعتماد أكثر من مسلك استنباطي: بمراقبة دلالة لفظ, أو بالتفتيش في لحمات السياق, أو بردّ القضايا العينيّة إلى إطلاقات النصوص..وقد جُمع هذا التراث الفقهي في عدد من المصادر؛ من أهمها التلمود بمشناه, كما ظهر هذا العمل الاستنباطي في كتب الشروح والتقنين المتأخّرة لأفراد الفقهاء -كما هو الأمر مع ((موسى بن ميمون)) - أو في الكتب ذات الطابع التأمّلي بنزعتها الصوفيّة؛ كالمدراشات والزوهار..
الإجماع على وجوب تغطية الرأس:
نقل الحبر ((ماير شلّر)) ((Mayer Schiller)) إجماع فقهاء اليهود على حرمة أن تكشف المرأة اليهوديّة المتزوّجة كامل شعرها في الشارع؛ فقال: ((يبدو أنّه لا يوجد مصدر تشريعي (نصّ أو فقيه) مقبول يسمح للمرأة المتزوّجة بأن يكون كامل شعرها مكشوفًا في الأماكن العامة.)) ((In public there appears to be no accepted halachic source to permit a married woman to have her hair totally uncovered)) (١) , وقال أيضًا:
стр. 66
((يعتبر اليوم أمر تغطية المرأة شعرها عند المشرّعين (اليهود) في العالم, حُكمًا موضوعيًا, وتبقى مسألة طريقة (ارتداء الحجاب) متأثّرة بالتحوّل الاجتماعي, دون أن يمسّ ذلك أصل الحكم)) ((Today, woman's hair covering is seen as an objective norm throughout the halachic world, the method of which may be influenced by social change, but not the basic requirement)) (١)
وقد نقل نفس الإجماع أيضًا الحبر ((جتزل إلنسون)) ((Getsel Ellinson)) في قوله: ((كلّ السلطات (العلميّة) متّفقة بصورة تامة على أنّ المرأة المتزوّجة ملزمة بألاّ تغادر بيتها بشعر مكشوف. اختلاف الآراء منحصر في أمر تفاصيل هذا التحريم.)) (٢) . (٣)
شعر المرأة عورة:
قال الحبر ((ششث)) ((???)) في التلمود صراحة: ((شعر المرأة عورة)) ((??? ???? ????)) (Berachoth ٢٤a) , وهو أيضًا ما قرّره الحبر الشهير ((يعقوب بن آشر)) الذي كان من أشهر علماء اليهود في القرون الوسطى, في كتابه التشريعي اليهودي الشهير ((????? ?????)) (٤) , وقال الفقيه اليهودي البارز, الحبر ((يعقوب ب. ميير)) (٥) : ((يشير نصّ ((شعر
стр. 67
المرأة عورة)) إلى (مسألة شرعيّة) النظر إليه.)) (١) , وهو ما وضّحه العالم التلمودي اليهودي: ((Ravad of Posquires)) (٢) بقوله إنّ الرجل ((ممنوع من النظر إلى أيّ موضع من المرأة ولو كان إصبعًا صغيرًا أو شعرها.)) (٣)
وقد ذكر التلمود أنّ الحبر ((ششت)) قد قال إنّه ((إذا حدّق الواحد في الإصبع الصغير للمرأة؛ فكأنّما حدّق في الموضع السريّ من جسدها (أي فرجها)) ) ((?? ?????? ????? ???? ?? ??? ????? ????? ????? ?????)) (Berachoth ٢٤a) ؛ وفي ذلك دلالة على أنّ جسد المرأة بالنسبة للرجل في اليهوديّة, مصدر انجذاب جنسي لا بدّ من نأي الأعين عنه.
كما قرّر العديد من أعلام فقهاء اليهود أنّ على المرأة أن تغطّي رأسها بناء على القاعدة التشريعية اليهوديّة المسمّاة ((???? ????)) (لفني عيور) (٤) والتي تُعنى برعاية الجوانب
стр. 68
الأخلاقيّة والسلوكيّة. ورتّب التلمود على تعدّيها حكم (الحرمان) (???) بإقصاء من خرقها من المجتمع اليهودي وردّ انتمائه إليها. وقد قرّر فقهاء اليهود هذا الحكم بناء على هذه القاعدة؛ لأنّ المرأة بابتذالها في اللباس تقود الرجل إلى أبواب الخطيئة. (١)
الحجاب من العرف المقدس:
جاء في التلمود (Kethuboth ٧٢a) : ((???? ?????? ??? ?????? ?????? ?? ?? ??? ??????? ????? ??? ?? ??? ??????? ????? ????? ??????? ??? ??? ???? ?? ??? ?????? ????? ?????? ??????? ?? ?????? ????? ????? ???? ... )) ((هؤلاء يُطَّلقن دون أن يعطين كتابهن (٢) :الزوجة التي تنتهك شريعة موسى أو العرف اليهودي. ماالذي يعدّ انتهاكًا لشريعة موسى؟ الجماع عند حيضها ... ماالذي يعدّ انتهاكًا للعرف اليهوديّ؟ الخروج برأس مكشوف ... )) ويضيف التلمود في شرحه أنّ مدرسة الحبر ((إسماعيل)) قد فهمت أنّ هذا النصّ يدلّ على أنّ التوراة تمنع بنات إسرائيل من الخروج برؤوس مكشوفة.
وقد ذكر الحبر ((جتزل إلنسون)) أنّ ((جلّ السلطات (العلميّة) في الحقيقة تتعامل مع مسألة خروج (المرأة) بشعر مكشوف على أنّه خرق لتحريم توراتي.)) (٣)
ونظرًا لما قد يبدو في النص التلمودي السابق من تمييز بين الشرع الموسوي والشرع العرفي؛ فقد أكّد عدد من أعلام الفقه اليهودي على أنّ العرف اليهودي المقصود هنا هو مسلك ديني
стр. 69
ثابت لا يتغيّر ولا يتبدّل؛ وقد قرّر الحبر ((إسرائيل ميير بوبكو)) (١) في كتابه الفقهي الكبير ((مشناه بروراه)) (٢) أنّ إلزام المرأة بتغطية الرأس لا تعلّق له في الفقه اليهودي بأعراف المجتمعات وإنما هو أمر متعلّق بالمعايير الموضوعيّة للعفّة التي لا تتأثّر بطبائع المجتمعات وتحوّلاتها. (٣)
ونقل الحبر ((ماير شلر)) أنّه لم يقل أحد من ((البوسقيم)) (٤) أنّ تغيّر الأعراف من الممكن أن يؤدّي إلى السماح للمرأة أن تكشف شعرها. (٥)
ويعتبر الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) من أهمّ من أكّد على أنّ هذا الحكم التلمودي بمنع المرأة من كشف رأسها, إنّما يعود إلى نصوص التوراة ذاتها؛ فقد فسّره بقوله: ((هذه الأمور, إذا خالفت (المرأة) واحدًا منها؛ عُدّت خارقة لشريعة موسى: أن تخرج إلى الشارع بشعر مكشوف. وما هو عرف اليهود؟ إنّه كلّ عرف متعلّق بالعفّة التي اعتادتها بنات إسرائيل. هذه هي الأمور التي إذا تعدّت واحدة منها؛ فقد خرقت العرف اليهودي: أن تخرج
стр. 70
إلى الشارع أو زقاق مفتوح برأس مكشوف دون غطاء كما هو صنيع كلّ النساء, حتّى ولو كان شعرها مغطّى بشال.)) (١)
ويعتبر الحجاب –في نظر فقهاء اليهود- طابعًا خاصًا بالمرأة اليهوديّة يميّزها عن غيرها بهذا المسلك الأخلاقي المتميّز والراقي؛ ولذلك قال ((فلنا غاون)) في تعليقه على ((الجمارا)) : ((ليس من مسلك بنات إسرائيل أن يسرن في الشارع برؤوس مكشوفة)) (٢) ..
وقد عُدّ الحجاب علامة من العلامات التي تتميّز بها المرأة اليهوديّة عن المرأة الوثنيّة؛ حتى إنّه قد جاء في مدراش سفر العدد ٩/١٦ أنّ الوثنيّات فقط, هن من يخرجن برؤوس مكشوفة, وفي ذلك تعبير شديد على إدانة السفور وربطه بالعبادات الوثنية المرذولة!
الحجاب دلالة على العفة:
يقول الدكتور ((مناحيم م. براير)) ((Menachem M. Brayer)) (٣) في كتابه ((النساء اليهوديات في أدب الأحبار)) : ((كان من عادة النساء اليهوديات أن يخرجن بغطاء رأس، وفي بعض الأحيان يغطين كل الوجه إلا عينًا واحدة.)) (٤) . وقد استند على نصّ التلمود في (Shabbath ٨٠a) ؛ إذ قد جاء في هذا النصّ في حديثه عن استعمال النساء للزينة, قول الحبر ((هونا)) ((????)) : ((المرأة التقيّة تستعمل الكحل لعين واحدة)) ((?????? ?????? ??? ???)) .
وقد ذهب الحبر ((صموئيل)) ((?????)) والحبر ((نحمني)) ((?????)) في نفس الموضع السابق من التلمود إلى أنّه يجوز استعمال الكحل للعينين معًا من باب التزيّن, فقط لنساء القرى
стр. 71
الصغيرة؛ ويبدو أنّهما قد اختارا هذا القول لاعتقادهما أنّ باب الافتتان في القرى الصغيرة أقلّ..
وجليّ من الحديث عن استعمال الزينة لعين واحدة فقط, أنّ هذا النص متعلّق بفريضة انتقاب المرأة, وهو ما فهمه عدد من النقاد من هذا النصّ. (١)
تمثّل امرأة اسمها ((قمحيث)) ((?????)) في الكتابات الدينيّة اليهوديّة, رمزًا من رموز العفّة والالتزام الأخلاقي العالي؛ فقد جاء في التلمود أنّها قد سُئلت عن السبب الذي وفّقها ليكون لها سبعة أبناء يتولون منصب رئاسة الكهنة, فأجابت بقولها: ((لم تر قائمة باب بيتي ضفائر شعري طوال أيام حياتي)) ((???? ?? ??? ????? ???? ???? ????)) (Yoma ٤٧a) ..
لقد كان أمر ستر اليهوديّة شعرها, بل وكامل بدنها, محلّ عناية من كثير من فقهاء اليهود لاتصاله الوثيق بخصلة العفّة التي لا بدّ أن تتحلّى بها المرأة اليهوديّة؛ حتّى إنّ ((دانيال القوميصي)) (٢) قد شنّ هجومًا لاذعًا على اليهود الحاخميين (٣) لأنّهم أجازوا للمرأة اليهوديّة أن تكشف وجهها للأمميين (غير اليهود) . (٤)
стр. 72
الحجاب للمرأة المتزوّجة:
جاء في كتاب ((المائدة المنضودة)) ((????? ????)) (١) للفقيه اليهودي البارز ((يوسف قارو)) (٢) : ((يجب على النساء المتزوّجات أن يغطين رؤوسهن على الدوام, أمّا غير المتزوّجات فلا ينطبق عليهن هذا القانون.)) (٣)
وجاءت قواعد ستر الرأس في التلمود على هذه الصورة: ((يغطّي الرجال رؤوسهم أحيانًا, ويكشفونها أحيانًا أخرى, لكنّ النساء يغطّين رؤوسهن دائمًا, ولا يغطّي البناتُ الصغار رؤوسهن البتّة.)) (Nedarim ٣٠ b) (٤) .. ولذلك ذهب جمهور فقهاء اليهود إلى إلزام المتزوّجات دون العذارى بالحجاب, وربّما يعود ذلك إلى ظاهرة الزواج المبكّر عند اليهود, إذ إنّ عامة العذارى هن من صغيرات السنّ اللائي لم يبلغن الحلم أو لم يتجاوزنه بسنوات كثيرة.
وذهب بعض أعلام الفقه اليهودي في المقابل إلى إلزام غير المتزوّجة أيضًا بتغطية رأسها؛ فقد كتب ((باخ)) قائلاّ بما أنّ ((مصدر التحريم هو فقرة ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن بشعر مكشوف)) , ولم تقل هذه الفقرة بقصر الكلام على النساء المتزوّجات؛ فإنّ المتزوّجات وغير المتزوّجات داخلات في الحكم.)) (٥)
стр. 73
وكان الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) موافقًا ((لباخ)) في صرامته؛ إذ قد قال في كتابه في الشرع التوراتي: ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن إلى السوق برأس مكشوف؛ سواء كنّ متزوّجات أو غير متزوّجات.)) (١)
الباروكة كحجاب:
اتفق فقهاء اليهود على فريضة تغطية المرأة رأسها, لكنهم اختلفوا في تفاصيل هذا الأمر. وقد ظهرت بينهم نقاشات طويلة لازالت تشغلهم إلى اليوم حول حكم وضع باروكة على الشعركحجاب تغطّي به المرأة رأسها.
وقد جاء في التلمود أنّ ((رب)) ((??)) (٢) قد قال: ((كلُّ ما منع الحكماء الخروج به إلى الشارع؛ فهو ممنوع في فناء البيت باستثناء شبكة الشعر (hair-net) والباروكة)) ((?? ????? ????? ???? ?? ???"? ???? ???? ?? ???? ??? ????? ???? ?????)) (Shabbath ٦٤b) وأضاف التلمود أنّ الحبر ((عناني بار شاشون)) ((???? ?? ????)) (٣) قد خالفه في جواز ذلك.. وهو ما يظهر الجدل المبكّر حول شرعية الباروكة لتغطية الشعر, وقبل ذلك, هو يثبت أهميّة وجوب تغطية الشعر ابتداءً.
ذهب بعض الفقهاء اليهود إلى القول بجواز أن تلبس المرأة باروكة تغطي بها شعرها, بإطلاق.. وذهب آخرون إلى أنّ لبس الباروكة لا يجوز إلاّ في البلاد التي من أعرافها أن تلبس المرأة باروكة, فإن لم تكن هذه العادة موجودة؛ فإنّ على المرأة أن تغطي رأسها بخمار.. وذهب في المقابل جمهور فقهاء اليهود, إلى عدم شرعيّة لبس الباروكة كوسيلة لتغطية الشعر, ومن أعلام من ذهب هذا المذهب الحبر ((Ya’akov Emden)) والحبر ((Vilna Gaon)) والحبر ((Shlomo Kluger)) و ((Maharaz Hayot)) و ((Chatam Sofer)) , و ((Zanzar Rav)) ,
стр. 74
و ((Maharsham)) , حتّى قال الحبر ((عوبيديا يوسف)) ((Ovadiah Yosef)) : ((يبدو أنّ غالبية الأحرونيم (١) يحرّمون (الباروكة)) ) (٢)
حلق العروس شعرها:
انتشرت عادة حلق النساء اليهوديات شعورهن بالكامل عند إقامة العرس في هنغاريا وفي جليقيا بإسبانيا وفي أوكرانيا, وهن يقمن بتغْطية رؤوسهن بمنديل بعد حلق الشعر. وكان النساء في بعض الأزمان يستعملن الباروكة بصورة كليّة أو جزئيّة بعد ذلك. ولازالت هذه العادة موجودة إلى اليوم في الأوساط اليهوديّة المتديّنة في فلسطين المحتلّة.
كان هناك عدد من الفقهاء (البوسقيم) ممن أيّدوا بشدّة حلق العروس شعرها, وحجّتهم في ذلك أساسًا أنّ العروس بفعلها ذاك تضمن ألاّ يظهر من شعرها شيء, فيما عارض آخرون هذا العرف لأنّه يجعل المرأة تبدو قبيحة يوم عرسها! (٣)
والثابت من هذا العرف (الغريب!) , هو أنّ اليهود في فقههم, يتعاملون بحرج شديد مع شعر المرأة وأمر ستره وكشفه؛ ممّا أداهم إلى مثل هذا المذهب المنكر!
الرجل الذي يرضى بكشف شعر زوجته, ديوّث:
لمّا كان حكم تغطية المرأة المتزوّجة رأسها موصولاً بالتوراة, والعرف اليهودي السويّ, ومراعاة العفّة التي أريد للمرأة اليهوديّة أن تتميّز بها عن غيرها؛ فقد كان سماح الرجل لزوجته أن تسير في الشارع مكشوفة الشعر, من القبائح والرذائل الشنيعة التي تظهر وهاء إيمان هذا اليهودي وعدم التزامه بما تدعو إليه الأسفار المقدّسة وأقوال الأحبار المرجّحة؛
стр. 75
ولذلك قرّر الأحبار أنّ من يرى زوجته تخرج ورأسها غير مغطى؛ هو رجل كافر (godless) . وعليه إلزامًا أن يطلّقها (١) ..
وجاء في ((الزوهار)) في نفس الشأن: ((قال الحبر ((حزقياهو)) : ((لتكن اللعنة على كلّ رجل يسمح لزوجته أن تكشف شعرها. هذا جزء من عفّة الأسرة.)) (Zohar III, ١٢٥b) (٢) ؛ وهو ما يعدّ منتهى الرفض واللفظ لمن يرضى أن تحسر المرأة عن شعرها في غير بيتها. وقد علّق الحبر ((أبراهام جومبينر)) ((????? ???????)) (٣) على هذا الحكم بقوله: ((أكّد الزوهار بشدّة على ألاّ يظهر أيّ من شعر المرأة, وهذا هو العرف المقبول.)) (٤)
الجزاء الأخروي الوبيل للتبرّج:
ثبت بما سبق أنّ المرأة التي ترضى أن تكشف شعرها في الشارع, مذنبة في الدنيا, وعليها وزر عظيم بسبب ما فعلت.. ولاشكّ أنّ عقابها الدنيوي له ما بعده من عقاب أُخروي (٥) , وقد جاء في أحد ((المدراشات)) في الحديث عن المرتبة الرابعة في النار: ((دخل البيت الرابع, ووجد نساءً معلّقات من أثدائهن. قال أمامه: ((اكشف السرّ, وفسّر هذه المأساة العظيمة.)) قال له ... ((هؤلاء هنّ النسوة اللائي كشفن رؤوسهن في الأسواق